لدخولها في عموم قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، ولقوله ﵊: (بني الإسلام على خمس (١))، الحديث.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال يا محمد: أخبرني عن الإسلام، فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتوتيَ الزكاة وتصومَ رمضان وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت ثلاثا، ثم قال يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم (٢))، انتهى.
وقد مر الكلام على هذا الحديث قبيل باب الطهارة فراجعه إن شئت. (إلا في بعيد مشي وركوب بحر) مستثنى من مساواة المرأة للرجل؛ يعني أن المرأة لا يجب عليها الحج ماشية من المكان البعيد وإن قويت عليه بخلاف الرجل، والمراد بالمشي هنا المشي على الرجلين لا ما يصدق به وبالركوب، وقوله: "إلا في بعيد مشي"، فيكره لها ذلك، ولم يبين المصنف حد القرب الذي يجب عليها المشي منه وهو مثل مكة وما حولها مما لا يكون مسافة قصر، وقال اللخمي: مثل مكة من المدينة، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أنه يختلف باختلاف الأشخاص، فنساء البادية لسن كنساء الحاضرة وأيضا كل منهما يختلف بالقوة والضعف.
стр. 2522
وركوب بحر؛ يعني أن المرأة تساوي الرجل فما يجب عليه في شأن الحج يجب عليها وما لا فلا، إلا في بعيد مشي فإنه لا يجب عليها أن تحج ماشية من المكان البعيد وإن قويت عليه كما عرفت، وإلا في ركوب البحر فإنه يجب عليه أن يركب البحر حيث تعين ركوبه طريقا للحج على ما مر في قوله: "والبحر كالبر إلا أن يغلب" الخ، وأما المرأة فإنه لا يجب عليها أن تركب البحر، بل يكره لها ركوب البحر نص عليه الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، وإنما لم يحرم على المرأة المشي في البعيد لأنا لم نتحقق فيه انكشاف العورة، لكن الغالب عليهن العجز والضعف، فيئول بها الحال إلى التعب المؤدي إلى انكشاف العورة. والله أعلم. قاله الحطاب.
(إلا أن تختص بمكان) مستثنى من قوله: "وركوب بحر"؛ يعني أن المرأة إذا كانت تخص بمكان عند ركوبها للبحر، فإنه يجب عليها الحج فتركبه وتخص بمكان في السفينة عن الرجال، ومثل اختصاصها بمكان في السفينة اتساع المكان بحيث لا تخالط الرجال عند حاجة الإنسان، وما ذكره المصنف من عدم لزوم المشي لها من المكان البعيد هو المنصوص لمالك في الموازية، والقول بلزوم المشي لها ولو كان المكان بعيدا خرجه اللخمي من قول مالك في المدونة في الحانث والحانثة، والمشي على الرجال والنساء سواء، قال في تبصرته: لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر، وفرق في التوضيح بينهما بأنها لو كلفت بالمشي في الحج لزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر فإنها صورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر؟ ولو نذر إخراجه لزمه، وظاهر المصنف أنه لا يلزمها المشي من المكان البعيد ولو كانت متجالة وهو كذلك، وقال اللخمي بعد أن ذكر كلام مالك في كتاب محمد: وهذا يحسن في الرائعة والجسيمة ومن ينظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة ومن لا يؤبه بها من النساء فيجب عليها كالرجل، فيكون قوله هذا ثالثا. قاله الحطاب.
وعلم مما مر أنهما في نذر المشي سواء في اللزوم، وما تقدم من كراهة ركوبهن البحر هو قول مالك المنصوص له في الموازية والمجموعة والعتبية، وقوله: "إلا أن تخص بمكان"، قد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام (١))، فركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سرير
стр. 2523
وما أشبه ذلك مما تستتر به وتستغني به عن مخالطة الرجال عند حاجة الإنسان، وإن كان على غير ذلك لم يجز ومنعت. قاله الحطاب.
واعلم أن الباجي قد مال إلى ركوب البحر وإن أدى إلى تضييع بعض أركان الصلاة، وزيادة محرم، عطف على قوله: "إلا في بعيد مشي"؛ يعني أنه يشترط في وجوب الحج على المرأة أيضا وجود محرم، لما في الموطإ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها (١))، ورواه البخاري ومسلم بروايات مختلفة، وقوله ﷺ : تؤمن بالله واليوم الآخر على جهة التغليظ، يريد أن مخالفة هذا ليس من أفعال من يؤمن بالله تعالى ويخاف عقابه في الآخرة. قاله الباجي. والعلة في منعها في السفر مع غير ذي محرم كونها عورة، فيجب عليها التستر ويحرم عليها التبرج حيث الرجال، وقوله: "وزيادة محرم"؛ أي إلا في زيادة محرم كما علم من التقرير.
أو زوج؛ يعني أن الزوج مثل المحرم، فلا بد في وجوب الحج على المرأة من أن يكون معها محرم أو زوج، سافرت ببر أو بحر، وقوله: "وزيادة محرم أو زوج"، قال الخرشي: أي وإلا في زيادة محرم أو زوج على الرجل، وقال عبد الباقي: وأراد المصنف بقوله: "زيادة محرم أو زوج"، زيادتهما على ما قدمه في معنى الاستطاعة وهو قريب من الأول أو هو هو، وقال الحطاب: لو قال عوضه: واستصحاب محرم أو زوج، لكان أولى. انتهى. وقوله: "أو زوج"، قد ورد النص على الزوج في الصحيحين (٢))، والمحرم يشمل النسب والرضاع والصهر، لكن كره مالك سفرها مع ربيبها، والظاهر أن ذلك لما بينهما من العداوة، فسفرها معه تعريض لضيعتها كما قاله المصنف، أو لفساد الزمان لحداثة الحرمة، فلا يرد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، الآية. وإنما كره مالك سفرها مع ربيبها حيث طلقها أبوه وتزوجت بعده. ابن القاسم: وما يعجبني أن يسافر بها فارقها أبوه أم لا. ابن رشد: كراهة الإمام أن يسافر بها إذا كان أبوه قد طلقها وتزوجت
стр. 2524
الأزواج استحسان مخافة الفتنة عليه؛ إذ ليست في تلك الحالة زوجة لأبيه، وكره ابن القاسم ذلك مطلقا لاحتمال أن يكون أراد النبي ﷺ ذوي محارمها من النسب دون الصهر، فقول مالك في حمل الحديث على ظاهره من العموم أظهر، وقول ابن القاسم أحوط.
(كرفقة أمنت بفرض) تشبيه في الوجوب المفهوم من قوله: "إلا أن تخص بمكان"؛ يعني أنه إذا لم يكن للمرأة زوج ولا محرم، أو كان لها زوج أو محرم وامتنع من الخروج معها للحج أو عجز عن ذلك، فإنه يجب عليها أن تخرج للحج إذا وجدت رفقة مأمونة، ولا بد أيضا أن تكون هي مأمونة في نفسها.
وبما قررت علم أن قوله: "كرفقة أمنت"، إنما هو عند عدم الزوج والمحرم، أو امتناعهما من الخروج معها، أو عجزهما عن ذلك وهو الذي يفيده النقل لا ما يوهمه المصنف من مساواة الرفقة للمحرم والزوج إذا وجدا، أو وجد أحدهما ولو امتنع المحرم أو الزوج من الخروج معها إلا بأجرة لزمتها إن قدرت عليها، ويحرم عليها حينئذ الخروج مع الرفقة المأمونة، فإن امتنعا بكل وجه أو طلبا ما لا تقدر عليه خرجت مع الرفقة، (أمنت بفرض)، راجع لما بعد الكاف وهو حال من المرأة المفهومة من السياق، فهو متعلق بمحذوف. قاله الحطاب. وقال البساطي: متعلق بالتشبيه لما فيه من معنى الفعل؛ أي ويشبه المحرم رفقة أمنت في فرض؛ يعني أنه يجب على المرأة أن تسافر مع الرفقة المأمونة في فرض، وليس قوله: "بفرض"، متعلقا بأمنت؛ لأن الأمن ثابت مطلقا. ومثل فرض الحج سفر واجب عليها كإسلامها بدار الحرب، فإنها تخرج منها مع رفقة مأمونة، فإن لم تجدها وكان يحصل بكل من بقائها وخروجها ضرر، فإن خف أحدهما ارتكبته، وإن تساويا خيرت. كذا يفيده كلامهم. قاله الشيخ عبد الباقي. وبرجوع قوله: "بفرض"، لما بعد الكاف علم أن اشتراط المحرم أو الزوج إنما هو في السفر المباح أو المندوب، وأما الواجب فتكفي فيه الرفقة المأمونة كما علم.
وقال التلمساني في شرح جامع الجلاب: وأما سفر الحج فإنها تسافر مع جماعة النساء إذا لم يكن لها محرم، قال الأبهري: لأنها لو أسلمت في دار الحرب لوجب عليها أن تخرج مع غير ذي محرم إلى دار الإسلام، وكذا إذا أسرت وأمكنها أن تهرب منهم فإنه يلزمها أن تخرج مع
стр. 2525
غير ذي محرم، فكذلك يلزمها أن تؤدي كل فرض عليها إذا لم يكن معها محرم من حج أو غيره. انتهى. قاله الحطاب.
ويجوز للزوج والمحرم أخذ الأجرة على الخروج معها. والله أعلم. وأراد المصنف بقوله: "زيادة محرم أو زوج"، زيادتهما على ما قدمه في معنى الاستطاعة كما مر، وليس المراد أن يكون المحرم زائدا أي متعددا، ولا يشترط في المحرم البلوغ بل يكفي التمييز ووجود الكفاية، هذا هو الظاهر. قاله الحطاب. قال: ولم أر في ذلك نصا، وللشافعية فيه خلاف، وينبغي أن يجري مثل ذلك في الزوج، واختلف في عبد المرأة هل هو محرم مطلقا؟ وصححه ابن القطان أولا مطلقا، واستظهره ابن الفرات أو إن كان وغدا فمحرم فتسافر معه وإلا فلا، وعزاه ابن القطان لمالك وابن عبد الحكم وابن القصار، وفي النوادر: وكره عمر بن عبد العزيز أن يخرج بها عبدها، قيل له إنه أخوها من الرضاعة فلم ير بذلك بأسا. انتهى.
واعلم أنهم قد صرحوا بأنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما يراه ذو المحرم إلا أن يكون له منظر جميل، فيكره أن يرى ما عدا وجهها، ولها أن تواكله إن كان وغدا دنيا يؤمن تلذذه بها، بخلاف الشاب الذي لا يؤمن. قاله الحطاب. وقد ذكر الفاكهاني المالكي في شرح عمدة الأحكام ضابطا في المحرم الذي يجوز معه سفر المرأة والخلوة بها عن الشافعية، وهو كل من حرم عليه نكاح المرأة لحرمتها على التأبيد بسبب مباح، فعلى التأبيد احترازٌ من أخت المرأة وعمتها وخالتها، وقوله: بسبب مباح، احترازًا من أم الموطوءة بشبهة فإنها ليست محرما، فإن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة، وقوله: لحرمتها، احترازا من الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها بل تغليظا، قال الفاكهاني: ولا أعلم ما يخالف ذلك عندنا. انتهى. قاله الحطاب. وقد نقل الباجي في المنتقى عن أبي محمد أنه قال: ليس عبدها من ذوي محارمها؛ إذ لا يجوز لها السفر معه لأن حرمتها معه لا تدوم؛ لأنه يمكنها أن تعتقه فيحل له تزويجها، وفسر الباجي المحرم بأنها من تأبد تحريمها على المرء، وأما الكافل فإنه يخلو بمكفولته ويسافر معها لأنه كالأب معها. قاله الحطاب. عن ابن فرحون، وللوصي والولي غير المحرم أن يسافر بالصبية إذا لم يكن لها أهل تَخَلَّفُ عندهم وكانا مأمونين ويختلف فيه إذا كان للصبية أهل وهو مأمون أوله أهل،
стр. 2526
ومن أرسلت معه أمة لشخص فالظاهر أنه يجوز له أن يصحبها إذا أمن من أن يقع في الخلوة المحرمة. قاله الحطاب.
اللخمي: ولا تودع المرأة لغير ذي محرم إلا أن يكون مأمونا له أهل، لقول النبي ﷺ : (لا يخلو رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم (١))، وأجاز مالك لمن ادعى أمة أنه إذا أقام شاهدا ووضع القيمة أن يسافر بها إذا كان مأمونا، ومنعه أصبغ والمنع أصوب للحديث: (لا يخلون)، ولأن الخوف عليها من المدعي أشد؛ لأنه يقول: هي أمتي وحلال لي فهو يستبيحها إذا غاب عليها. انتهى.
وفي ابن سلمون: أن الجارية لا تدفع إليه حتى يثبت أنه مأمون عليها، أو يأتي بأمين يتوجه بها معه فيستأجره هو. والله أعلم. قاله الحطاب. وأما أمة الزوجة فعن أبي مهدي أنه استظهر جواز خلوة الزوج بها إن كان مأمونا، وأما الأمة المتزوجة فالظاهر من قول المصنف: وللسيد السفر بمن لم تبوأ أن للسيد أن يخلو بها؛ لأنهم عللوا منع السفر بالأجنبية بأنه مظنة الخلوة بها. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. وكذلك الخلوة بالمعتقة لأجل والمبعضة للعلة المتقدمة. قاله جامعه أيضا عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. وهذا لا شك فيه أنه أحرى من المكفولة. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "كرفقة أمنت"، هو قول مالك وهو المشهور، وقيل: لا تسافر إلا مع محرم أو زوج للحديث كانت ضرورة أم لا، وقيل: تسافر مع الرفقة مطلقا، قال الحطاب: فهم من قول المصنف بفرض أن سفرها في التطوع لا يجوز إلا بزوج أو محرم، وهو كذلك فيما كان على مسافة يوم أو ليلة فأكثر، وسواء كانت شابة أو متجالة، وقيد الباجي ذلك بالعدد القليل، قال: وأما في القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد يصح فيها سفرها دون نساء ودون محرم، ونقله عنه في الإكمال وقبله ولم يذكر خلافه، وذكره الزناتي في شرح الرسالة على أنه المذهب مقيدا به كلام المصنف، ونص كلام الزناتي: فإذا كانت في رفقة مأمونة ذات عدد أو جيش مأمون من الغلبة
стр. 2527
والحملة العظيمة، فلا خلاف في جواز سفرها من غير ذي محرم في جميع الأسفار الواجب منها والمندوب والمباح؛ إذ لا فرق بين ما تقدم ذكره وبين البلاد. هكذا ذكره القابسي. انتهى.
وفي صحيح مسلم أنه قام رجل، فقال يا رسول الله: (إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا، فقال: انطلق فحج مع امرأتك (١))، وفيه وجوب الحج على النساء وإلزام أزواجهن تركهن وندبهم إلى الخروج معهن، وأن ذلك أفضل من خروجه إلى الغزو لأن المعونة على أداء الفريضة مؤكدة، وقد تكون فريضة في بعض الوجوه. قاله الحطاب عن القاضي. وقال بعد ذلك: والظاهر أيضا ندب المحرم إلى الخروج مع محرمه كالزوج. انتهى.
واعلم أن رواة الحديث في سفر المرأة أنه لا يكون إلا مع ذي محرم اختلفت روايتهم، فروي (يوم وليلة)، وروي (مسيرة ثلاث)، وروي يومين، وروي (مسيرة ليلة)، وروي (مسيرة يوم)، وروي (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم)، وهذه كلها في مسلم (٢)). وروى (بريدا) وهي عند أبي داوود (٣)، والبريد مسيرة نصف يوم، قال في التوضيح: وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب إِختلاف السائلين واختلاف المواطن، وأن ذلك معلق بما يقع عليه اسم السفر. قاله الحطاب. ثم قال بعد جلب نقول: فالحاصل أن كل ما سمي سفرا نهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك، كرواية ابن عباس المطلقة: (لا تسافر امرأة إِلا مع ذي محرم (٤))، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا. والله تعالى سبحانه أعلم. انتهى.
ثم ذكر قولا بجواز سفرها مع غير ذي محرم إن كانت المسافة أقل من يوم وليلة، ثم قال بعد جلب نقول: فتحصل في سفرها أقل من يوم وليلة قولان، والظاهر ما قاله في التوضيح وغيره. انتهى. وهو أنه لا فرق بين السفر القليل والكثير في المنع.
واعلم أن سفرها بحيث تحصل الخلوة بها مع غير ذي محرم ممنوع بلا إشكال، وقد تقدم أن المشهور أنه لا فرق بين المتجالة وغيرها، ورد القول بأن المتجالة كالرجل بأن الخلوة بالمتجالة
стр. 2528
ممنوعة، وبأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لا قطة، ويجتمع في الأسفار من سفل الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز لغلبة شهوته وقلة دينه، وإذا قلنا إنها تسافر للفرض مع الرفقة المأمونة فالظاهر أن لها أن تعود معها أيضا بعد قضاء فرضها، وكذلك لو سافرت مع محرم ثم مات بعد أداء فرضها فالظاهر أن لها أن تعود مع الرفقة المأمونة؛ لأن في إلزامها الإقامة بغير بلدها مشقة عظيمة ولا سيما في بلاد الحجاز. والله أعلم. قاله الحطاب.
واعلم أنه يستثنى مما تقدم ما إذا وجد الرجل المرأة في مفازة ومقطعة وخشي عليها الهلاك، فإنه يجب عليه أن يصحبها معه وأن لا يفارقها، وإن أدى إلى الخلوة بها لكن يحترس جهده، والأصل في ذلك قضية عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك (١))، وفيه حسن الأدب والمعاملة والمعاشرة مع النساء الأجانب ولا سيما في الخلوة بهن عند الضرورة، كما فعل صفوان من ترك مكالمة السيدة عائشة وسؤالها، وأنه لم يزد على الاسترجاع وتقديم مركبها، وإعراضه بعد ذلك حتى ركبت ثم تقدم يقود بها، وفيه إغاثة الملهوف وعون الضعيف وإكرام من له قدر كما فعل صفوان في ذلك كله. قاله الحطاب.
والظاهر أنه يكفي في المحرم أن يكون معها في رفقة، ولا يشترط أن تكون هي وإياه مترافقين، فلو كان في أول الرفقة وهي في آخرها أو بالعكس، بحيث إنها لو احتاجت إليه أمكنها الوصول إليه بسرعة كفى ذلك. والله أعلم. والخنثى المشكل في حج التطوع لا يحج إلا مع ذي محرم، لا مع جماعة رجالا فقط ولا مع نساء فقط، إلا أن يكن جواريه أو ذوات محارمه، وأما حج الفرض فالظاهر أنه يكفي فيه خروجه مع جماعة الرجال أو النساء إلا على القول الذي يشترط في الرفقة مجموع الصنفين.
(وفي الاكتفاء بنساء أو رجال)؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الرفقة المأمونة التي تخرج معها المرأة للفرض عند عدم إمكان استصحاب زوج أو محرم، فمنهم من قال: يكتفى بأحد الصنفين فتخرج مع جماعة مأمونة من الرجال فقط أو من النساء فقط. وهذا أحد شقي التردد، وعليه فأولى في
стр. 2529
الاكتفاء خروجها في جماعة اجتمع فيها الصنفان الرجال والنساء، وعلى هذا اختصر المدونة البرادعي وابن يونس. (أو بالمجموع)؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أنه لا يكفي في خروجها عند عدم إمكان استصحاب الزوج أو المحرم إلا الرفقة التي اجتمع فيها الصنفان الرجال والنساء، ولا يكفي أحد الصنفين، وعليه اختصر ابن أبي زمنين وغيره المدونة.
وبما قررت علم أن محل الخلاف إنما هو في جماعة مأمونة من أحد الصنفين، وأما رفقة اجتمعا فيها فليست من محل التردد فإنها تكفي باتفاق أهل التردد، ولا جعل المصنف الاكتفاء بالمجموع مقابلا للاكتفاء بأحد النوعين، أفاد ما ذكر. والله سبحانه أعلم.
وبما قررت علم أيضا أن حق قوله: (تردد)، تأويلان، كما قاله الشيخ عبد الباقي، قال الشيخ محمد بن الحسن: هو صحيح، وفي الحطاب: تحصل من كلام القاضي ثلاثة أقوال: أَحَدُهَا اشتراط المجموع، الثَّانِي الاكتفاء بأحد الجنسين، الثَّالِثُ اشتراط النساء سواء كن وحدهن أو مع رجال، وهو ظاهر الموطإ. وظاهر كلام القاضي عياض أن المرأة الواحدة تكفي في ذلك، وهو ظاهر كلام صاحب الذخيرة، ويظهر من كلام صاحب الإكمال أن هذه تأويلات على المدونة، فكان الأليق بقاعدة المصنف أن يقول: تأويلات. والله أعلم. انتهى. ولو أراد المصنف موافقته لقال: وفي الاكتفاء بنساء أو رجال أو لا بد من المجموع أو لا بد من النساء تأويلات. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
تنبيه: الذي يظهر أن الراجح من التردد هو الاكتفاء بأحد الجنسين، كما يدل على ذلك قول الحطاب: يؤيد القول بالاكتفاء بأحد الجنسين كون البرادعي وابن يونس اختصرا المدونة بأو، وتبعهما على ذلك ابن المنير بفتح النون وكسر الياء المشددة في مختصره الذي اختصر فيه التهذيب، واحترز المصنف بقوله: "أمنت"، عما إذا لم تكن الرفقة مأمونة فلا يباح لها الخروج معها، ويسقط عنها الوجوب في هذه الحالة. (تردد وصح بالحرام) يعني أن الحج يصح بالمال الحرام فرضا أو نفلا، فيسقط عنه الفرض والنفل مع وجود الشروط والأركان، ورد المصنف بالحرام على أحمد القائل بعدم صحة الحج بالمال الحرام وهو جار على أصله في الصلاة في الدار المغصوبة.
стр. 2530
سند: إذا غصب مالا فحج به ضمنه وأجزأه حجه وهو قول الجمهور. انتهى. ونقله القرافي وغيره. قاله الحطاب.
وقال: نعم، من حج بمال حرام فحجه غير مقبول كما صرح به غير واحد من العلماء، وذلك لفقدان شرط القبول، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ولا منافاة بين الحكم بالصحة والحكم بعدم القبول؛ لأن أثر القبول في ترتب الثواب وأثر الصحة في سقوط الطلب. والله أعلم. وقوله: "الحرام"، يشمل جميع أنواعه من الغصب والتعدي والسرقة وغير ذلك، وإنما قال: "صحح" ولم يقل: سقط، ليشمل النفل. ومنه حج العبد بغير نذر وحج الصبي، والسقوط خاص بالفرض، وفي المذهب رواية بعدم الإجزاء في الحج بالمال الحرام كما يقول أحمد، وقال العلماء: يجب على مريد الحج أن لا يحرم حتى تكون نفقته حلالا لا شبهة فيها، لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وقوله ﵊: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا (١)). الحديث المشهور في مسلم. قاله الحطاب. وفيه قالوا: ومن حج بمال حرام فحجه صحيح عند مالك والشافعي وأبي حنيفة. وقال ابن حنبل: لا يجزئه، وحجه باطل. انتهى. وفيه قال بعض العلماء المحققين من العلماء المتقين: أما عدم القبول فلاقتران العمل بالمعصية وفقدان الشرط. وهو التقوى. قال الحطاب: وقد أشار جماعة من العلماء إلى عدم القبول، منهم القشيري والغزالي والقرافي والقرطبي والنووي، ونقله الغزالي عن ابن عباس وكفى به حجة، وقال في آخره: آكل الحرام مطرود محروم لا يوفق لعبادة، وإن اتفق له فعل خير فهو مردود عليه غير مقبول منه.
وفي الحديث عنه ﷺ : (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٢))، وقال بعض العلماء: إن أعمال الجوارح في الطاعات مع إهمال شروطها ضحكة للشيطان لكثرة التعب وعدم النفع، وقد روي: (من حج من غير حل، فقال: لبيك، قال الله له لا لبيك ولا سعديك (٣))، وفي رواية: (إذا حج الرجل بالمال الحرام، فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا
стр. 2531
سعديك حتى ترد ما في يديك (١))، وفي رواية: (لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك (٢))، وفي رواية: (من خرج يَؤُمُّ هذا البيت بكسب حرام شخص في غير طاعة الله، فإذا بعث راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك، نادى مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وراحلتك حرام وثيابك حرام وزادك حرام، ارجع مأزورا غير مأجور، وأبشر بما يسوءك. وإذا خرج الرجل حاجا بمال حلال وبعث راحلته، وقال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك أجبت بما تحب، راحلتك حلال وثيابك حلال وزادك حلال، ارجع مبرورا غير مأزور استأنف العمل (٣)). أخرج هذه الرواية الأخيرة أبو داوود، وانشدوا:
إذا حججت بمال أصله سحت … فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل طيبة … ما كل من حج بيت الله مبرور
قيل إن هذين البيتين لأحمد بن حنبل، وقيل إنهما لغيره، قوله في الحديث: يؤم: يقصد، وقوله: شخص، شخوص المسافر: خروجه من منزلة، والسحت بضم الحاء وإسكانها: الحرام. وللشيخ أبي عبد الله محمد بن رشيد البغدادي:
وحج بمال من حلال عرفته … وإياك والمال الحرام وإياه
فمن كان بالمال المحرم حجه … فعن حجه والله ما كان أغناه
إذا هو لبى الله كان جوابه … من الله لا لبيك حج رددناه
كذا جاء في كتب الحديث مسطرا … وما جاء في كتب الحديث سطرناه
قاله الحطاب. وقال محمد بن الحسن: في الحطاب أن الحج بالحرام لا ثواب فيه وأنه غير مقبول، واعترضه الشيخ أبو علي بأن مذهب أهل السنة أن السيئة لا تحبط ثواب الحسنة، بل يثاب على حجه، وقال ابن العربي: من قاتل على فرس مغصوب فله الشهادة وعليه إثم
стр. 2532
المعصية. انتهى كلام محمد بن الحسن. وفي الحديث: من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما، قال الأبي: قال عياض: مذهب أهل السنة أن السيئات لا تحبط الحسنات وإنما يحبطها الكفر، قلت: القبول عبارة عن حصول الثواب، والصحة عبارة عن سقوط الأداء، فإذا لم تقبل له صلاة لم يثبت ثوابها ويسقط التكليف، ولا ذكر المناوي عن النووي أن معنى عدم القبول عدم الثواب ذكر أنه اعترض بأن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، فكيف يسقط ثواب صلاة صحيحة بمعصية لاحقة؟ فالوجه أن يقال: المراد من عدم القبول عدم تضعيف الأجر. قاله ابن زكري.
وقال النووي: فإن حج بمال حرام أو بشبهة فحجه صحيح ولكنه ليس بمبرور، واعترض بأن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، ومن وقع في الشبهة لم يتحقق وقوعه في الإثم، وقد حمل العلماء قوله ﷺ : (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (١)). على وجهين: أحدهما أن من تعاطى الشبهات وداوم عليها أفضت به إلى الوقوع في الحرام، الثاني أن من تعاطى الشبهات وقع في الحرام في نفس الأمر وإن كان لا يشعر به فمنع من تعاطي الشبهات لذلك، فمن تعاطى ما فيه شبهة لا يحكم بأنه يأثم إلا على القول بأن الشبهات حرام، وقيل إنها حلال، وعدوا من الشبهات ما اختلف فيه العلماء، وقال ﷺ : من أكل الحلال أطاع الله شاء أو أبى، ومن أكل الحرام عصى الله شاء أو أبى، وقال ﵊: (طلب الحلال فريضة (٢))، وقال ﵊: (من أمسى وائنا من طلب الحلال بات مغفورا له (٣))، وقوله: وائنا من قولهم وأنَ يَئِنُ: تعب، وقال ابن عبدوس: عماد الدين وقوامه طيب المطعم، ومن لم يصحح في طيب عيشه خيف عليه أن لا تقبل صلاته وصيامه وحجه وجهاده وجميع عمله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقال ابن معلى: من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب، فإن لم يقدر فمن حين الإحرام إلى التحلل، فإن لم
стр. 2533
يقدر فليجتهد يوم عرفة ليلا يكون قيامه بين يدي الله تعالى، ودعاؤه في وقتٍ مَّطعَمُه فيه حرامٌ وملبسه حرام، فإنا وإن جَوَّزْنَا هذا للحاجة فهو نوع ضرورة فإن لم يقدر فيلزم قلبه الخوف والغم والحزن لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب، فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب خوفه وحزنه وكراهيته، وإذا عجز عن المال الحلال السالم من الشبهة والحرام، فقد قال صاحب المدخل: فليقترض مالا حلالا ليحج به، فإن الله تعالى لا يقبل إلا طيبا. انتهى.
وفي منسك ابن جماعة الكبير: وإن اقترض الحاج مالا حلالا في ذمته وله وفاء به ورضي المقترض فلا بأس به. انتهى. فهذا لا بد منه -أعني رضا المقترض- ومع ذلك فهو ورع في حجه غير ورع في قضاء دينه، كمن يقترض مالا لينفقه ويقضيه من مال فيه شبهة.
تنبيه: حاصل ما فسر به العلماء الشبهة أربعة أشياء: أحدها تعارض الأدلة، ثانيها اختلاف العلماء وهو منتزع من الأول، ثالثها المكروه، رابعها المباح. ولا يمكن حمله على متساوي الطرفين، بل يمكن حمله على خلاف الأولى، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا. انظر ابن حجر.
تنبيهات: الأول: كما طلب أن يكون المال الذي يحج به خالصا من الحرام والشبهة، يطلب منه إخلاص النية لله تعالى بل هذا أعم، فلا يخرج ليقال إنه حاج أو ليعظم أو ليعطى فإن هذا كله رياء والرياء حرام بالإجماع، وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك (١))، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ ، قال: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه (٢)). انتهى. وفي الإحياء: وليجعل عزمه لله تعالى بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة، وليحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص، فإن من أفحش الفواحش أن تقصد بيت الملك وحرمه
стр. 2534
والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم وتصحيحه بإخلاصه، وإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء أو سمعة، وليحذر أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
الثاني: قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، الآية: فيها دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفراء، أما الحج دون تجارة فهو أفضل لعروه عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها، وقال يحيى النووي وغيره من العلماء: يستحب لمريد الحج أن تكون يده فارغة من مال التجارة ذاهبا وراجعا لأن ذلك يشغل القلب، قال: فإن اتجر لم يؤثر ذلك في صحة حجه. انتهى. قال الشيخ ابن المعلى عقبه: إطلاق الشيخ استحبابه ترك التجارة في سفر الحج وتعليله بشغل القلب ينبغي أن يكون مقيدا بكونه من حين إحرامه إلى آخر حجه؛ لأن الاشتغال بها حينئذ مبدد للخاطر وصارف عن المطلوب من الإقبال بالظاهر والباطن، وأما في ابتداء السفر فلا وجه لاستحباب تركه؛ إذ ليس له ما تشغله التجارة عنه، وقد يكون ذلك سببا لكساد سلعته في الموضع الذي يقصده، فيمتنع بسبب ذلك من المبادرة إلى الحج وهذا يقع كثيرا، وقد اعترض على يحيى النووي في قوله راجعا. قاله الحطاب. واعلم أن الإخلاص شرط في الحج والجهاد وجميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص مصدر أخلصت العسل إذا صفيته من شوائب كدره، فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى إلا أن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى وابتغاء ما عنده، فأما إن كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عبادة بل تكون معصية موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو الشرك الأكبر وإما رياء وهو الشرك الأصغر ومصير صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الثلاثة المذكورين فيه، فعنه رضي الله تعالى عنه: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فَعَرَّفَهُ الله تعالى نعمه فَعَرَفَهَا، فقال: بم عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال فلان جريء فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في
стр. 2535
النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: بم عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، فقال: كذبت ولكنك تعلمت العلم وقرأت القرآن ليقال فلان قارئ فقد قيل: ثم أمر به فيسحب علي وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه الله من أصناف المال كله فأتي به فَعَرَّفهُ نعمه فَعَرَفَهَا، فقال: بم عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار (١)). انتهى. وهذا إذا كان الباعث على تلك العبادة الغرض الدنيوي وحده بحيث لو فقد ذلك الغرض لترك العمل، فأما لو انبعث للعبادة بمجموع الباعثين باعث الدين وباعث الدنيا لكن باعث الدنيا أقوى أو مساو لحق بالقسم الأول في الحكم بإبطال العبادة عند أيمة هذا الشأن، وعليه يدل قوله ﵊ حكاية عن الله تعالى: (من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشريكه (٢))، فأما لو كان باعث الدين أقوى فقد حكم المحاسبي بإبطال ذلك العمل متمسكا بالحديث المتقدم، وخالفه الجمهور وقالوا بصحة العمل وهو المفهوم من فروع مالك رضي الله تعالى عنه، ويستدل على هذا بقوله ﵊: (إن من خير معاش الناس لهم رجلا ممسكا فرسه في سبيل الله (٣))، فجعل الجهاد مما يصح أن يتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصودا، لكن لما كان باعث الدين الأقوى كان ذلك الغرض ملغى فيكون معفوا عنه، كما إذا توضأ قاصدا رفع الحدث والتبرد، فأما لو انفرد باعث الدين بالعمل ثم عرض باعث الدنيا في أثناء العمل فالأولى الصحة. انتهى. نقله الحطاب عن القرطبي وغيره.
الثالث: نقل الإمام الحطاب عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ما ملخصه: أن العمل إذا كان خالصا لله تعالى فهو سبب الثواب، وإن كان خالصا للرياء أو لحظ النفس فهو سبب للعقاب؛ لأن طلب الدنيا مباح ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لا فيه من الرياء وتغيير العبادة عن وضعها،
стр. 2536
وإن اختلف القصدان فإن كان باعث الدين مساويا لباعث النفس تَقَاوَمَا وَتَسَاقَطَا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان الباعث النفسي أقوى وأغلب فليس العمل بنافع نعم أخف من العمل المتجرد لحظ الدنيا، وإن كان الباعث الديني أقوى فله ثواب بقدر ما فضل عن قوة الباعث الدنيوي، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وليس من خرج للتجارة والحج من أمثلة هذه المسألة؛ لأنه إذا سلم من قصد الرياء فإنما يحمله على الإحرام ومباشرة المناسكَ الباعث الديني، ولو كان كل من أحرم بالحج يعطى ما لا أمكن أن يكون من ذلك، وقال بعد هذا: ويبعد أن يقال من كان داعيته الدينية تزعجه إلى الغزو، وإن لم تكن غنيمة وقدر على غزو طائفتين من الكفار إحداهما غنية والأخرى فقيرة، فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله تعالى وللغنيمة أنه لا ثواب له على غزوة البتة -ونعوذ بالله تعالى أن يكون الأمر كذلك- فإن هذا حرج في الدين ومدخل لليأس على المسلمين؛ لأن أمثال هذه الشوائب النافعة لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور، فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب، وأما أن يكون في إحباطه فلا. نعم الإنسان فيه على خطر عظيم؛ لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء. انتهى. والله أعلم.
ونقل عن القرافي ما يخالف ما مر، وأن من صام مثلا ليصح جسده أو يحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده والصوم مقصود مع ذلك لا يقدح في صومه، بل أمره صاحب الشرع بها في قوله: (يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١)) فأمر ﷺ بالصوم لهذا الغرض، ولو كان قادحا لم يأمر به ﷺ .
وحاصل ما للقرافي أن الرياء المحبط على قسمين: أحدهما: أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم فيميل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم به. القسم الآخر: أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى البتة بل الناس فقط،
стр. 2537
وهذا هو رياء الإخلاص والأول رياء الشرك، وكلاهما موجب للإثم والبطلان في تلك العبادة. قال: وأغراض الرياء ثلاثة: التعظيم، وجلب المصالح، ودفع المضار الدنيوية. والآخران يتفرعان على الأول لأنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح واندفعت عنه المفاسد، فهو الغرض الكُلِيُّ في الحقيقة، وأما مطلق التشريك كمن جاهد لتحصل طاعة الله تعالى بالجهاد وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأن الله تعالى جعل له في هذه العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس هذا شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاءه من بيت المال، هذا ونحوه رياء حرام، وبين أن يجاهد لتحصيل الكراع والسبايا والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرك، ولا يقال لهذا رياء بسبب أن الرياء هو أن يعمل ليراه غير الله تعالى من خلقه، والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنه يرى ويبصر، فلا يصدق علئ ذلك لفظ الرياء لعدم الرؤية، وكذلك من حج وشرك في حجه عرض التجر ويكون جل مقصوده أو كله السفر للتجارة خاصة، ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود ويقع تابعا اتفاقا، فهذا أيضا لا يقدح في صحة الحج ولا يوجب إثما، وكنية الوضوء والتبرد، ثم قال بعد أمثلة: فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرضا آخر غير الخلق، مع أن الجميع تشريك، نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أما الإثم أو البطلان فلا سبيل إليه. انتهى.
وظاهره أن التشريك بجميع وجوهه لا يحرم وليس كذلك؛ لأن الإخلاص فرض ومن ثم إن كان الباعث الأقوى على العمل باعث النفس لم يخلص، وظاهر كلامه أيضا أن مطلق الرياء ولو قل يحبط العمل ويصير لا ثواب له أصلا وفيه نظر. قاله الحطاب.
(وعصى) يعني أن الحج إذا قلنا إنه يصح بالمال الحرام فإن الذي حج بالمال الحرام يكون عاصيا لربه، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يثاب عليه كثواب فعله بحلال. انتهى. وقد مر الكلام على ذلك مشبعا فراجعه إن شئت، وقدم هنا لفظ صح وأخره في الصلاة حيث قال: "وعصى وصحت" تفننا واعتناء بقول الإمام أحمد بعدم صحته بالمال الحرام، وقد مر التنبيه على ذلك.
(وفضل على غزو) يعني أن الحج تطوعا أو فرضا أفضل من الغزو. (إلا لخوف) يعني أن محل تفضيل
стр. 2538
الحج على الغزو إنما هو مع عدم الخوف، وأما مع الخوف من العدو فليس الحج بأفضل من الغزو وهذا التفضيل على حقيقته، وفي كلام عبد الباقي نظر، وهذا الذي ذكرته في كلام المصنف هو حله على سبيل الإجمال.
وأما على سبيل التفصيل فاعلم أن المسألة على أربعة أوجه: حج التطوع مع الغزو في غير خوف، وحج الفرض مع الغزو في غير خوف أيضا، ففي الأولى يقدم الحج ندبا على الغزو، وفي الثانية يقدم ندبا على التراخي ووجوبا على الفور، وحج التطوع مع الغزو في سنة الخوف، وحج الفرض مع الغزو في سنة الخوف، وفي الأولى من هاتين الأخيرتين يقدم الغزو، وفي الثانية منهما يقدم الغزو على التراخي وعلى الفور ينظر إلى كثرة الخوف وقلته، وما ذكرته في الثلاث الأول مأخوذ من كلام ابن رشد، وأما ما ذكرته في الرابعة، فقال الحطاب: هذا ما ظهر لي ولم أر فيها نصا.
واعلم أنه إذا تعين القتال لفجئ العدو فلا شك في تقديمه قولا واحدا، ومن كلام عبد الباقي: وأما مع الخوف فيقدم الغزو على الحج التطوع، وكذا على الفرض على القول بالتراخي حيث لم يخف الفوات. وكذا لو خيف أو قيل بفوريته حيث كثر الخوف من العدو أو فجأ أو عين الإمام، ويفضل حج تطوع على صدقة تطوع في غير مجاعة، والصدقة أفضل من العتق إن كانت تساويه قدرا وإلا فهو أفضل منها. انتهى. وإنما كان حجُّ التطوع لمن قد حج الفريضة أفضل من الغزو مع عدم الخوف: لقول النبي ﷺ : (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (١))، وأما الغزو مع الخوف فلا شك أنه أفضل من الحج التطوع. والله أعلم. لأن الغازي مع الخوف قَدْ بَاعَ نفسه من الله فاستوجب به الجنة والبشرى من الله تعالى بالفوز العظيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. الآية. قاله الحطاب.
وفي العتبية: سئل مالك كن الحج والغزو أيهما أحب إليك، قال: الحج إلا أن تكون سنة خوف، قيل: فالحج والصدقة؟ قال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، قيل له: فالصدقة والعتق؟ قال: الصدقة. ابن رشد: لأنه إذا كانت سنة مجاعة كانت المواساة بالصدقة واجبة
стр. 2539
عليه، فإذا لم يواس الرجل في سنة المجاعة بالقدر الذي يجب عليه من المواساة فقد أثم وقدر ذلك لا يعلمه حقيقة، فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة أولى من التطوع بالحج الذي لا يأثم بتركه، وإنما قال: إن الصدقة أفضل من العتق لما جاء في الحديث الصحيح: (أن ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن رسول الله ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي. قال: أو فعلت؟ قالت: نعم، قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك (١)). وهذا نص من النبي ﷺ يدفع مؤنة الاستدلال بالظواهر. وبالله التوفيق. انتهى. قاله الحطاب.
وفيه بعد جلب نقول: والحاصل أن من لم توجد في حقه الاستطاعة فاشتغاله بالجهاد أولى، وخروجه للحج مكروه بل ممنوع، ومن وجدت في حقه الاستطاعة فإن وجب الجهاد على الأعيان قدم على حج الفرض، وقول ابن رشد: هو أفضل من حج الفرض يريد به -والله أعلم- أنه المتعين الذي لا يجب سواه -وإن لم يجب الجهاد على الأعيان فلا يخلو الشخص إما أن يكون قد حج أولا، فمن حج فلا يخلو إما أن يكون سنة خوف أولا، فإن كانت سنة خوف فالجهاد أولى اتفاقا، وإن لم تكن سنة خوف فالحج أولى على المشهور، والجهاد أولى على رواية ابن وهب، وفتوى ابن رشد هذي والله أعلم في حق غير المتعين للجهاد؛ لأن أولائك الجهاد فرض عليهم فهو المتعين عليهم، وأما من لم يحج فلا يخلو إما أن تكون سنة خوف أولا، فإن لم تكن سنة خوف فعلى المشهور لا إشكال في تقديم حج الفريضة وجوبا على الفور، وندبا على التراخي سواء كان من القائمين بالجهاد أم لا. وأما على رواية ابن وهب فإن قلنا بالفور قدم الحج مطلقا، وإن قلنا بالتراخي قدم الجهاد ندبا إن كان من غير القائمين بالجهاد ووجوبا إن كان منهم إلا من بلغ المعترك؛ أي ستين سنة فيتعين عليه الحج، وإن كان سنة خوف فصرح في الرواية بتقديم الجهاد على الحج، لكن حمله ابن رشد على حج التطوع، ومفهومه أن الفرض بخلاف ذلك وكلامه في الأجوبة يقدم الجهاد على التراخي؛ لأن تطوع الجهاد يقدم عليه، وإذا قلنا يقدم على
стр. 2540
تطوع الجهاد فالظاهر أنه ينظر إلى أخف الضررين فيرتكب، وأما على الفور فالظاهر تقديم الحج. انتهى.
ويقدم الحج على الصدقة في غير سنة المجاعة، كان الحج تطوعا أو فرضا، ولا يجوز أن يتصدق بما يحج به الفرض، وأما سنة المجاعة فتقدم الصدقة فيها على حج التطوع، وكذا الفرض على التراخي لا على الفور، وهذا ما لم تتعين المواساة بأن يجد محتاجا تجب عليه مواساته بالقدر الذي يصرفه في حجه، وأما إن تعينت فيقدم ذلك على الحج لوجوب المواساة بذلك فورا من غير خلاف، والحج مختلف فيه.
وقد روي أن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بامرأة جالسة على مزبلة تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة، فوقف. وقال: ميتة أم مذبوحة؟ قالت: ميتة وأنا أريد أن آكلها وعيالي، فقال: إن الله قد حرم الميتة وأنت في هذه البلدة، فقالت: يا هذا انصرف عني فلم يزل يراجعها الكلام حتى عرف منزلها، ثم انصرف فجعل على بغل نفقة وكسوة وزادا، وجاء وطرق الباب ففتحت فنزل عن البغل فضربه فدخل البيت، فقال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد لكم، ثم أقام حتى رجع الحُجاج فجاء قوم يهنئونه بالحج، فقال: ما حججت السنة، فقال له بعضهم: سبحان الله ألم أودعك نفقتي ونحن ذاهبون إلى عرفة؟ وقال الآخر: ألم تسقني في موضع كذا وكذا؟ وقال الآخر ألم تشتر لي كذا؟ فقال: ما أدري ما تقولون، أما أنا فلم أحج العام، فلما كان من الليل أتي في منامه فقيل له: يا عبد الله ابن المبارك قد قبل الله صدقتك، وإنه بعث ملكا على صورتك يحج عنك. انتهى من منسك ابن جماعة. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأول: لا شك أن صلاة واحدة فريضة أفضل من حج الفرض والتطوع لأنه إذا خيف فواتها سقط وجوبه، وأما النافلة فلا يمكن أن يقال من صلى ركعتين أفضل ممن حج حجة تطوعا، ولا أظن أن أحدا من المسلمين يقوله، بل لو فرض أن شخصا خرج إلى حج التطوع واشتغل آخر بالنوافل من حين خروجه إلى الحج إلى فراغه منه لكان الحج أفضل، وأما الحج والصوم فالظاهر أن الحج أفضل لأنه أفضل من الجهاد الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2541
عدله الصيام الذي لا إفطار فيه والقيام الذي لا فتور فيه مدة خروج المجاهد ورجوعه. كما رواه مالك ومسلم والبخاري وغيرهم.
ولفظ الموطإ: (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع (١))، ومثال ذلك ما إذا كان شخص يكثر الصوم وإذا سافر لا يستطيع الصوم. قاله القرافي. قاله الحطاب. وقال الزركشي من الشافعية: أففل العبادات الحج، فإنا دعينا إليه في الأصلاب كالإيمان والإيمان أفضل الأعمال فكذلك الحج.
الثاني: قال القرافي: أفضل أركان الحج الطواف لأنه مشتمل على الصلاة وهو في نفسه شبيه بها والصلاة أفضل من الحج، فيكون الطواف أفضل من بقية الأركان، فإن قيل قوله ﷺ : (الحج عرفة) (٢) يدل على أفضلية الوقوف على سائر الأركان لأن تقديره معظم الحج وقوف عرفة لعدم انحصار الحج فيه بالإجماع، قلنا: بل يقدر غير ذلك وهو إدراك الحج عرفة، وهذا مجمع عليه، انتهى. قاله الحطاب.
وقال في المدونة: قال ابن القاسم: والطواف للغرباء أحب إلي من الصلاة، ولم يكن مالك يجيب في مثل هذا، وفي الرسالة: والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف، والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم، وهذا لمالك في الموازية. قاله الحطاب. ولا ينبغي للإنسان أن يخلي نفسه من الطواف في كل يوم، فقد قيل: لا ينبغي أن يقيم الإنسان بمكة ويمضي عليه يوم بلا طواف، وقد ورد فيه فضل كثير، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من طاف بهذا البيت سبعا يحصيه كتب له بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة ورفعت له درجة وكان له عدل رقبة (٣)). خرجه الترمذي وحسنه. ومعنى يحصيه يتحفظ ليلا يغلط. قاله في شفاء الغرام.
стр. 2542
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : (من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله ذنوبه كلها بالغة ما بلغت (١))، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : (من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (٢)). أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب، قال البخاري: وإنما يروى عن ابن عباس، والمراد -والله أعلم- خمسون أسبوعا يدل عليه ما روي عن سعيد بن جبير: من حج البيت وطاف خمسين أسبوعا كان كما ولدته أمه، وكذا روي عن ابن عباس، ومثله لا يكون إلا توقيفا، وجاء الحديث أيضا: خمسين أسبوعا مكان مرة، وهذه الرواية في معجم الطبراني ومصنف عبد الرزاق، ففيها رد لمن قال إن المراد بالمرة الشوط، قال أهل العلم: وليس المراد أن يأتي بها متوالية، بل المراد أن توجد في صحيفة حسناته ولو في عمره كله.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل كل يوم وليلة على هذا البيت عشرون ومائة رحمة: ستون منها للطائفين وأربعون للعاكفين حول البيت وعشرون للناظرين حول البيت (٣)). قاله الحطاب. والظاهر أن قسم الرحمات بينهم على الرؤوس من غير نظر إلى قلة عمل وكثرته، ويكون لمن كثر عمله ثواب من غير هذا الوجه، وقال الحطاب: والأظهر أن يكون القسم بينهم على قدر الأعمال. انتهى.
وقد تقدم أن من طاف بالبيت خمسين أسبوعا خرج من ذنوبه كما ولدته أمه، وقد قيل: سبع أسابيع بعمرة، وورد: ثلاث عمر بحجة، وورد: عمرتان بحجة، فتلك أربعة عشر أسبوعا، وهذا في غير رمضان لأن العمرة فيه كحجة، وروي أن طواف آدم اثنا عشر أسبوعا؛
стр. 2543
خمسة بالنهار وسبعة بالليل، وفعله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ونقل سبعة أسابيع، ونقل أيضا ثلاثة أسابيع، ونقل أيضا أسبوع واحد.
الثالث: نص المحب الطبري على أن الاشتغال بالطواف أفضل من الاشتغال بالعمرة. انتهى. ويستحب لأهل مكة والمقيمين فيها أن يتركوا الطواف أيام الموسم توسعة على الحجاج، وفي المدخل: فإن يكن آفاقيا فيستحب له أن يكثر الطواف بالبيت ليلا ونهارا لا يستثنى منه في مذهب مالك إلا وقتان؛ وقت بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ وبعد العصر حتى تغرب؛ فإنه لا ينبغي لأحد أن يطوف في هذين الوقتين إلا لحاجة تدعوه له؛ لأن من سنة الطواف أن يؤتى عقبه بركعتين، ويجوز أن يطوف طوافا واحدا في كل واحد منهما، ويؤخر الركوع له إلى بعد طلوع الشمس أو مغيبها، وله أن يتصرف في حوائجه وضروراته، فإذا فرغ رجع إلى الطواف، فإن تعب صلى ركعتين وجلس في موضع مصلاه تجاه الكعبة، فيحصل له النظر إلى الكعبة؛ وهو عبادة لقوله ﷺ : (النظر إلى البيت عبادة (١))، ويحصل له استغفار الملائكة، فإذا ذهب تعبه قام وشرع في الطواف يفعل ذلك ليلا ونهارا إلى اليوم السابع، وهذا بخلاف أهل مكة فإن المستحب لهم أن يكثروا من التنفل بالصلاة، والفرق بينهما أن الآفاقي هذه العبادة معدومة عنده فيغتنمها، بخلاف أهل مكة لأنها متيسرة عليهم طوك سنتهم فلا حاجة تدعوهم إلى مزاحمة الناس في الموسم. انتهى. قاله الحطاب.
وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على الأوقات التي يباح فيها الطواف أو يكره أو يمنع عند قوله: "وركوع للطواف بعد المغرب"، وَالْمُحْرِمُ بالحج إذأ طاف طواف القدوم وسعى، هل يطلب بالطواف والإكثار منه قبل الخروج إلى عرفة أم لا؟ والجواب أنه يطلب بذلك، قال في المدخل: وليكثر الطواف في الليل والنهار بلا رمل ولا سعي بين الصفا والمروة، ويصلي لكل أسبوع ركعتين خلف المقام، فإنه يستحب كثرة الطواف مع كثرة الذكر. انتهى. ونحوه في مختصر الواضحة، ففيه: فإذا فرغت من السعي بين الصفا والمروة فارجع إلى المسجد الحرام وأكثر من الطواف ما كنت مقيما بها: ومن الصلاة في المسجد الحرام الفريضة والنافلة. قاله الحطاب.
стр. 2544
وركوب؛ يعني أن الركوب في الحج على الإبل والدواب لمن قدر عليه أفضل من المشي؛ لأنه فعله ﷺ " (١) ولأنه أقرب إلى الشكر ولما فيه من تضاعف النفقة أي نفقة الدواب ونفقة الناس. القرطبي: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في أيهما أفضل، ولا خلاف أن الركوب في الموقف بعرفة أفضل، واختلفوا في الطواف والسعي، فالركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل للاقتداء بالنبي ﷺ . انتهى. وكلامه الأخير يوهم أن الركوب عند مالك في المناسك كلها حتى في الطواف والسعي أفضل، وليس كذلك بل المشي عنده فيهما من السنن المؤكدة، أو من واجبات الحج الذي يجب بتركه دم. والله أعلم. قوله: "وركوب"، عطف على قوله: "حج"؛ أي وفضل الركوب على المشي، وظاهر إطلاقات أصحابنا أن الركوب أفضل ولو كان الحج من مكة وهو صريح القرطبي. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأول: ما ذكرته من ركوبه ﷺ هو المعروف، ولا يلتفت إلى تصحيح الحاكم حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه (أنه ﷺ حج هو رأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة (٢))؛ لأن المعروف أنه ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع.
وكان ﷺ راكبا فيها بلا شك. قاله ابن جماعة. واختار اللخمي وصاحب الطراز تفضيل المشي على الركوب للآثار الواردة في ذلك، وأجاب عن ركوبه ﷺ بأنه لو مشى ما وسع أحدا الركوبُ، وبأنه ﷺ أسن، فلم يكن من أهل المشي وليظهر للناس فيقتدوا به: ولهذا طاف على بعيره.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل المشي، فروى ابن ماجة عن ابن عباس (أن الأنبياء صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم كانوا يدخلون الحرم مشاة (٣))، ويروى (أن آدم ﵇ حج على رجليه سبعين حجة (٤))، وعن ابن عباس (أن آدم ﵇ حج أربعين حجة من الهند
стр. 2545
على رجليه (١))، قيل لمجاهد: أفلا كان يركب؟ قال: وأي شيء كان يحمله؟ وعن مجاهد (أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين (٢)). رواه البيهقي. وذكر الأزرقي أن ذا القرنين حج ماشيا، وجمع ابن عباس أهله في مرضه، فقال لهم: إني سمعت رسول الله ﷺ (يقول: من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب الله بكل خطوة سبع مائة حسنة من حسنات الحرم، فقيل له: وما حسنات الحرم؟ فقال: كل حسنة بمائة ألف حسنة (٣)). رواه الحاكم وصحح إسناده. وروي (أن الملائكة تعتنق الشاة وتصافح الركبان (٤))، وقد كان الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يمشي المناسك كلها، والمشاعر والنجائب تقاد إلى جنبه، وقد نقل في تفسير الحج المبرور أنه إطعام الطعام ولين الكلام، والمشي في المناسك والمشاعر أشد استحبابا وهي من مكة إلى منى، ثم إلى عرفات، ثم إلى مزدلفة، ثم إلى منى، ثم إلى مكة، ثم إلى منى، ثم إلى المحصب، ثم إلى مكة لطواف الوداع. قاله الحطاب.
وفي الحديث: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار (٥))، وفي الجامع الصغير: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عنه ﵊ أنه قال: (إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة (٦))، والجواب للمشهور أن المزية لا تقتضي الأفضلية، وأن هذه الأحاديث طريقة آحاد، وأما ركوبه ﵊ في الحج فهو من التواتر، ولا يعارضه خبر الآحاد. وقوله: "وركوب"، قال الشيخ عبد الباقي: لأنه فعله ﷺ ، ولما فيه من تضاعف النفقة، ولأنه أقرب للشكر في سائر المناسك حتى الوقوف بعرفة ورمي جمرة العقبة. انتهى. قوله: في سائر المناسك لخ، فيه نظر إذ المشي عندنا في الطواف والسعي من الواجبات التي يجب الدم بتركها، وما ذكره من أن الركوب في الرمي أفضل خلاف ما ذكره هو عند قول المصنف: "ورميه العقبة" انظره. قاله الشيخ محمد
стр. 2546
بن الحسن. (ومقتب) بوزن مكرم، اسم مفعول مخففا ومشددا كما في النهاية من أقتِبُ وقُتِّبَ. قاله الشيخ عبد الباقي. والمقتب هو الذي جعل له قتب بفتح القاف والتاء المثناة الفوقانية: رحل صغير على قدر سنام البعير؛ يعني أن الركوب على المقتب مفضل على الركوب على المحمل والمحفة والمحارة. ابن فرحون: والحج على المقتب أفضل من المحمل اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه، وكرهوا الهودج والمحامل إلا لعذر، وليست الرياسة وارتفاع المنزلة عذرا في ترك السنة. انتهى. وقد اتفق على ذلك جميع من استحب الركوب: وهذا لمن قدر على المقتب، وقد مر أنه إذا لم يستطع الوصول إلى مكة إلا بالمحمل وجب عليه، وكذا ما هو أعلى من المحمل كالكنيسة، وفي المدخل: ويركب في المحمل لعذر وإن كان بدعة؛ لأن الضرورات لها أحكام تخصها، وإنما كان بدعة لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يفعلوا ذلك، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف فركب الناس سنته، وكان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها: وفي ذلك يقول الشاعر:
أول عبد عمل المحاملا … أخزاه ربي عاجلا وآجلا
والمحمل كمجلس، وقال طاووس: حج الأبرار على الرحال، وفي الخبر: (حج ﵊ على رحل رث وقطيفة تساوى أربعة دراهم، ثم قال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة (١)). رواه ابن ماجه. وقال عبد الله بن عمر في رفقة يمانية رحالهم الأدم: من اختار أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت الحج العام برسول الله ﷺ وأصحابه إذ قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة (٢)).
وتطوع وليه عنه بغيره؛ يعني أن ولي الشخص مُفَضَّلٌ تطوعه عنه بغير الحج على تطوعه عنه بالحج، سواء كان المتطوّع عنه حيا أو ميتا كما في الحطاب وغيره، وقوله: "وليه"، وكذا غير الولي من قريب أو أجنبي، ومثل لغير الحج بقوله: كصدقة ودعاء؛ يعني أن المفضل هو أن
стр. 2547
يتطوع شخص عن آخر بما يقبل النيابة، وذلك مثل الصدقة والدعاء والهدي والعتق؛ لأنها تصل للميت من غير خلاف، فالمراد بالغير هنا غير مخصوص وهو ما يقبل النيابة كما ذكرت، لا ما لا يقبلها كصوم وصلاة وكذا القراءة على المذهب، وقد مر بعض الكلام على القراءة في فصل الجنائز. ومفهوم قوله: "بغيره"، أن تطوعه بالحج عنه مكروه وهو كذلك، قال فيها: ومن مات وهو صرورة ولم يوص أن يحج عنه أحد فأراد أن يتطوع بذلك عنه ولد أو والد أو زوجة أو أجنبي، فليتطوع عنه بغير هذا يهدي عنه، أو يتصدق أو يعتق. انتهى. وقوله: وهو صرورة، نبه به على أن غير الصرورة أولى بأن لا يحج عنه. قاله الحطاب. وقال ابن يونس: قال مالك: لا ينبغي أن يحج أحد عن صبي زمن أو غيره، ولا أن يتطوع به عن ميت صرورة كان أولا، وليتطوع عنه بغير ذلك أحب إلي يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق. انتهى.
قال في التوضيح: وإنما كانت هذه الأشياء أولى لوصولها إلى الميت من غير خلاف بخلاف الحج، قال الشارح في الكبير: والدعاء جار مجرى الصدقة. انتهى. وقال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: لأن ثواب هذه الأشياء يصل إلى الميت، وثواب الحج هو للحجاج (١))، وإنما للمحجوج عنه بركة الدعاء وثواب المساعدة والمباشرة بما تصرف من مال المحجوج عنه. انتهى.
وفي التوضيح: من العبادات ما لا يقبل النيابة بالإجماع كالإيمان بالله تعالى، ومنها ما يقبلها إجماعا كالدعاء والصدقة ورد الديون والودائع، واختلف في الصوم والحج، والمذهب أنهما لا يقبلان النيابة، وكذلك القراءة لا تصل على المذهب. حكاه القرافي في قواعده. والشيخ ابن أبي جمرة وهو المشهور من مذهب الشافعي. ومذهب أحمد وصول القراءة، ومذهب مالك كراهة القراءة على القبور لأنا مأمورون بالتفكر فيما قيل لهم وما لَقُوا، ونحن مكلفون بالتدبر في القرآن، فآل الأمر إلى إسقاط أحد العملين. انتهى.
وقال ابن فرحون: اختلف في الصوم والحج والمشهور أنهما لا يقبلان النيابة عن العاجز، وأما القادر فلا يقبلان النيابة عنه اتفاقا، فإن أوصى بالحج لا تنفذ وصيته على المشهور، وأما الصلاة فلا تقبل النيابة، وفي التقريب على التهذيب: وقال ابن عبد الحكم: يجوز أن يستأجر عن الميت
стр. 2548
من يصلي عنه ما فاته من الصلوات، وقال أبو الفرج البغدادي في الحاوي: لو صلى إنسان عن غيره بمعنى أنه يشركه في ثواب صلاته جاز ذلك ذكره في الحج، وأما الوصية بأن يقرأ على قبره بأجرة فتنفذ كالاستيجار على الحج، قال أبو عبد الله بن عات: وهو رأي شيوخنا بخلاف ما لو أوصت بمال لمن يصلي عنها أو يصوم فإن ذلك غير نافذ. والله أعلم. قاله الحطاب.
المازري: وأما الصوم فإنه لا تصح النيابة فيه مع الحياة، وأما مع الموت فعندنا أنه لا يصوم أحد عن أحد حيا كان أو ميتا، وقد ورد في الصحيح في الحديث المشهور: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه (١)). والمخالف أخذ بهذا على حسب ما ذكرناه في كتابنا العلم، وبه أخذ الشافعي في أحد قوليه. انتهى. قاله الحطاب.
وفيه بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن الصلاة لا تقبل النيابة على المعروف من المذهب، خلافا لما ذكره صاحب التقريب عن ابن عبد الحكم وأبو الفرج في الحاوي، وكذلك الصيام على المذهب فلا تنفذ الوصية بالاستيجار عليهما ولا أعلم في ذلك خلافا، بخلاف الحج فتنفذ الوصية به على المشهور، وكذا الاستيجار على القراءة على القبر تنفذ الوصية بذلك على المشهور. انتهى. تنبيهات: الأول: قوله: "وتطوع وليه عنه بغيره"، قال في الطراز: وكما يكره عن الميت فهو عن الحي أشد ويصح عن الميت وإن لم يستنبه، وكذا عندنا في الحي إن وقع ولا يكون في الفرض بوجه. انتهى. وقال قبله: والكلام هنا إنما هو في الكراهة، والجواز وإن أحرم عن الميت حَكَمَ الجميع بانعقاد إحرامه. انتهى. قاله الحطاب.
الثاني: أجاز بعض المتأخرين كالسبكي والمازري وبعض المتقدمين من الحنابلة كابن عقيل تبعا لعلي بن الموفق -وكان في طبقة الجنيد- وكأبي العباس محمد بن إسحاق السراج من المتقدمين إهداء ثواب القرآن له ﷺ الذي هو تحصيل الحاصل، وقال الزركشي من الشافعية: كان بعض من أدركناه يمنع منه لما فيه من التجرؤ على الجناب الرفيع، واختلفوا في جواز الدعاء له بالرحمة وإن كانت معنى الصلاة لما في الصلاة من معنى التعظيم بخلاف الرحمة المجردة، وكان الشيخ تاج الدين القرافي يمنع منه. انتهى. وذكر ابن اللجام الحنبلي في
стр. 2549
اختيارات ابن تيمية أن إهداء القرب له ﷺ وهي أعم من القرآن وغيره لا يستحب بل هو بدعة، وأنه الصواب المقطوع به. انتهى.
وفي الحديث الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له). وقال الشيخ علاء الدين بن العطار تلميذ النووي رحمهما الله تعالى: أما قراءة القرآن العزيز فهي من أفضل القربات، وأما إهداؤه له ﷺ فلم ينقل فيه أثر لمن يعتد به. بل ينبغي أن يمنع منه، وجميع أعمال أمته ﷺ في ميزانه، وقد أشار إلى ذلك الأديب البوصيري بقوله:
والمرء في ميزانه أتباعه … فاقدر إذا قدر النبي محمد
ومع ذلك فقد أمرنا الله تعالى بالصلاة عليه ﷺ ، وأمرنا بسؤال الوسيلة له والسؤال بجاهه فينبغي أن يوقف مع ذلك على أن هدية الأدنى للأعلى لا تكون إلا بإذن، وقال شمس الدين تلميذ شيخنا قاضي القضاة ابن حجر: إنه سئل عمن قرأ شيئا من القرآن، وقال في دعائه: اللهم اجعل ثواب ما قرأته زيادة شرف لسيدنا رسول الله ﷺ ؟ فأجاب: هذا مخترع من متأخري القراء لا أعلم لهم سلفا وقال الشيخ زين الدين عبد الرحمن: وقع السؤال عن جواز إهداء القرآن إلى النبي ﷺ ، والجواب: أن ذلك شيء لم يُرْوَ عن السلف فعله ونحن بهم نقتدي، وبذلك نهتدي، وأجاب بعضهم بجوازه بل باستحبابه قياسا على ما كان يهدى إليه في حياته من الدنيا، وكما طلب الدعاء من عمر (١))، وحث الأمة على الدعاء بالوسيلة عند الأذان وعلى الصلاة عليه ﷺ ، ثم قال: وإن لم تفعل ذلك فقد اتبعت وإن فعلت فقد قيل به. انتهى. والمشهور من مذهب الشافعي أن ثواب القراءة لا يصل إلى الميت وهو محمول على ما إذا نوى القارئ بقراءته أن تكون عن الميت، أما النفع فينتفع الميت
стр. 2550
بأن يدعو له عقبها أو يسأل جعل أجره له أو يطلق على المختار عند النووي وغيره لنزول الرحمة على القارئ، ولهذا صحت الإجارة على القراءة عند القبر لحصول النفع به. قاله الحطاب.
الثالث: قال الشيخ محمد بن الحسن: نقل الحطاب هنا ما للعلماء من الخلاف في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي ﷺ أو شيء من القرب، قال: وجلهم أجاب بالمنع لأنه لم يرد فيه أثر، وقد اعترضه الشيخ بن زكري بحديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها، قلت: (يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل صلاتي كلها لك؟ قال: إذًا تُكفَى همَّك ويغفر ذنبك (١)). انتهى.
الرابع: قال العميري شارح العمليات: اعلم أن القربات على ثلاثة أقسام: قِسْمٌ اتفق الناس على أن الله تعالى حجر في ثوابه ولم يجعل لهم نقله لغيرهم كالإيمان بالله تعالى، فلو أراد أحد أن يهب لكافر مثلا ثواب إيمانه ليدخل الجنة لم يكن له ذلك شرعا وإن لم يمتنع عقلا، وأما هبة نفس الإيمان الحاصل لشخص لآخر فلا تتوهم لوضوح استحالة نقله أو قيامه بمحلين مع وحدته عقلا وكالصلاة عند بعضهم، وقيل لا إجماع فيها، وَقِسْمٌ اتفقوا على أنه تعالى أذن في نقل ثوابه وهو القربات المالية كالصدقة والعتق، وَقِسْمٌ اختلفوا فيه هل فيه حجر أم لا كالصيام والحج وقراءة القرآن. فقيل: لا يصل ثواب شيء من ذلك لمن أهدي له وهو قول مالك وجماعة من الأيمة، وقيل: يصل وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء، وقال به غير واحد من المالكية في القراءة فقط. وحجة القول الأول القياس على الصلاة ونحوها مما هو فعل بدني، والأصل في الأفعال البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن أحد، وحجة الثاني القياس على الدعاء المجمع على وصوله: فإذا وقع الإجماع على أن الدعاء يصل فكذلك ما ذكر إني الكل عمل بدني، وظاهر قوله ﵊: صل لهما مع صلاتك وصم لهما مع صيامك؛ يعني أبويه، وقوله أيضا: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه (٢))، وأجيب بأن القياس على الدعاء لا يستقيم، فإن الدعاء
стр. 2551
فيه أمران؛ أحدهما مُتَعَلَّقَه الذي هو مدلوله نحو المغفرة في قولك: اللهم اغفر له، والآخر ثوابه فالأول هو الذي يرجى إذله طلب لا للداعي وإن ورد في الحديث: (أن الملك يقول للداعي لأخيه المؤمن ولك مثله (١))؛ أي مثل ما دعوت به له، والثاني وهو الثواب على الدعاء هو للداعي فقط وليس للمدعو له من الثواب شيء، وبأن الحديثين المذكورين مع احتمالهما للتأويل معارضان بظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾، وبقوله ﵊: (إذا مات ابن آادم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له (٢))، قال أيمتنا: وهذه المسألة وإن كان مختلفا فيها ينبغي للإنسان أن لا يهملها، فلعل الحق فيها هو الوصول وهذا أمر مغيب عنا، وليس الخلاف فيها حكما شرعيا إنما هو في الواقع في نفس الأمر، هل هو الوصول أو عدمه؟ وكذلك التهليل المسمى في العرف فدية ينبغي أن يعمل ولو لم يصح فيه حديث عنه ﵊، ويعتمد في ذلك على رجاء الله تعالى وما يؤثر عن غير واحد من صلحاء الأمة من فعله والحض عليه، وفضل الله تعالى يلتمس بكل سبب ممكن، ومنه تعالى الجود والإحسان، قال شيخ شيوخنا العارف أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي فيما وجدته بخطه: وفدية الهيللة ينبغي العمل بها والعمدة فيها الكشف وإن لم يثبت فيها الحديث، ثم اللائق عدم تكييف الانتفاع بذلك بل يوكل علم ذلك إلى الله تعالى وذلك هو الشأن في أمور الآخرة.
وفي المعيار: وأما القراءة فنص ابن رشد في الأجوبة، وابن العربي في أحكام القرآن، والقرطبي في التذكرة على أن الميت ينتفع بالقراءة سواء قرأ القارئ على القبر أو قرأ في البيت أو في بلد غير الذي الميتُ فيه وأهدى الثواب له، ومن الفقهاء من يقول: إذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع وهذا لا يصح لانعقاد الإجماع على أن الثواب يتبع الأمر والنهي والموتى انقطعت عنهم الأوامر والنواهي، والذي يتجه القول بأنه لا يقع خلاف في أنهم تحصل لهم بركة القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، فإن البركة لا تتوقف على شيء حتى إن البهيمة لتحصك لها بركة راكبها أو لا مسها كما هو معروف في معجزاته
стр. 2552
صلى الله عليه وسلم وكراماته، والاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان؛ لأنه أجمع العلماء كما تقدم على أن الدعاء للأموات ينفعهم، وَسُئِلَ المواق عمن أوقف حبسا على قبر أن يقرأ عليه، هل يجوز للقارئ أن يقرأ في موضع من المواضع غير موضع القبر كداره ويرسل لصاحب القبر أولا؟ فَأَجَابَ بقوله ﷺ : (ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة (١))، ورحمة الله إذا نزلت شملت وعمت، فالمراد من القراءة أن تنزل الرحمة بالموضع فليست القراءة بالدار كالقراءة على القبر، ولا ينبغي أن يعطى الحبس إلا من يقوم بشرطه. انتهى.
ولما أشعر قول المصنف: "وتطوع وليه عنه بغيره"، بصحة الاستيجار في الحج، ذكر أنواعه الأربعة وهي: إجارة ضمان مضمونة بذمة الأجير أو بعينه، وبلاغ، وجعالة، وفي كل إما في أي سنة وإما معينة، فأشار إلى ذلك بقوله: وإجارة ضمان على بلاغ؛ يعني أن الاستيجار للحج على وجه الضمان مفضل على الاستيجار على وجه البلاغ، وإيضاح هذا أن استيجارك لمن يحج عنك استيجار ضمان أفضل من استيجارك لمن يحج عنك استيجار بلاغ، وإجارة الضمان هي الإجارة بقدر معين على وجه اللزوم، سواء كانت في الذمة مثل من يأخذ كذا في حجة ويقوم وارثه مقامه إن شاء وليس بلازم له، أو في عين الأجير مثل استأجرك على أن تحج عني ويلزمه الحج بنفسه. وإن قال بنفسك كان تأكيدا، وإجارة البلاغ على قسمين بلاغ مالي وبلاغ عملي، ومعنى إجارة البلاغ المالي أن يعطيه ما ينفقه في ذهابه إلى الحج وإيابه، وتكون تلك النفقة بالعرف، ومعنى إجارة البلاغ العملي أن تجاعله على إتمام الحج، قال الشيخ عبد الباقي ومعنى تفضيل الضمان على البلاغ أنها أحوط للمستأجر لوجوب محاسبة الأجير فيها إن لم يتم لِصَدٍّ أو موت، لا أنها أكثر ثوابا إذ كل منهما لا ثواب فيه فإنه مكروه.
وعلم مما مر أن إجارة الضمان ما تقع بقدر معين على وجه اللزوم، سواء كانت في الذمة كمن يأخذ كذا في حجة أو من يضمن لي حجة بكذا، أو لم يعين لفعلها أحدا أو عين الأجير
стр. 2553
كاستأجرتك لتحج أنت عني وإن زاد بنفسك كان تأكيدا. قاله سند. وسواء عين السنة فيهما أو أطلق. وقوله: على بلاغ؛ أي بقسميها؛ أي كانت بلاغ جعل بأن يجاعله على إتمامه، ومعنى ذلك أن لا يلزم الأجير نفسه شيئا، ولكن إن حج عنه كان له من الأجر كذا، أو بلاغ ثمن وهو إعطاء ما ينفقه بدءا وعودا فالعرف كما يأتي. وقوله: وإجارة ضمان على بلاغ، استشكله ابن عاشر بأن الموصي إذا عين أحدهما وجب وإن لم يعين تعين الضمان، بدليل قوله: وتعينت في الإطلاق فما محل التفضيل؟ والجَوَابُ أنه إذا أراد الموصي أن يعين ينبغي له إجارة الضمان، وكذا إن خيرهم أو أراد الحي أن يستأجر لنفسه، وتقدم قول عبد الباقي: لوجوب محاسبة الأجير فيها إلى آخره، ومثله في التوضيح وابن عرفة إذ قال: محمد وأحب إلينا أن يؤاجره بمسمى؛ لأنه إن مات قبل أن يبلغ كان ضامنا لذلك.
محمد: يريد ضامنا للمال يحاسب بما سار ويؤخذ من تركته ما بقي، وهذا أحوط من البلاغ.
انتهى. ووجه الفرق أنه ضامن لما يبقى بالحساب يؤخذ من تركته، بخلاف البلاغ فإنه إن مات وإن كان يرجع عليه بما زاد على ما أنفق لكن ليس في ذمته بل إذا ضاع لا يضمنه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ووجه تسمية القسمين الأولين بالضمان أن الأجير لزمه الحج بذلك العوض دون زيادة عليه ولا رد منه.
سند: اتفق مالك والأيمة على الأرزاق في الحج، وأما الإجارة بأجرة معلومة فقال بها مالك والشافعي، ومنعها أبو حنيفة وابن حنبل. انتهى. والرزق هوأن ينظر إلى قدر كفايته فيدفعه إليه وذلك يزيد وينقص لكثرة عياله وقلتهم، وأما الأجرة فهي شيء مقدر قصر عن كفايته أو زاد. انتهى. قاله الحطاب. وأما الاستيجار بالنفقة فمنعه الشافعي وزعم أنها أجرة مجهولة. فالمضمونة كغيره، الضمير يرجع للحج؛ يعني أن الإجارة المضمونة في الحج كالإجارة المضمونة في غيره في اللزرم بالعقد، وفي كون الأجرة للأجير ونقصانها عليه، وفي الصفة وهي. العقد على مال معلوم يملكه ويتصرف فيه بما شاء، وفي عدم جواز شرط تعجيل الأجرة إذا تعلقت بمعين وتأخر شروعه، وجواز التقديم إن تعلقت بالذمة ولو تأخر الشروع سنين. قاله سند.
стр. 2554
وسيذكر المصنف في باب الإجارة أنه لا بد من تعجيل الأجرة أو الشروع، بقوله: "أو في مضمونة لم يشرع فيها إلا كري حج فاليسير"، ويحتمل أن الضمير في غيره يعود على المضمونة، وذكَّره باعتبار النوع أي فالكراء المضمون كغيره مما ليس بمضمون بلاغ أو جعل في الاستواء في الكراهة، ويؤيده ما في بعض النسخ كغيرها بهاء التأنيث، ومعنى ذلك على جهة التوضيح أن إجارة الضمان وإن قلنا إنها أفضل من إجارة البلاغ فهي مثلها في الكراهة، وفي النوادر بعد أن ذكر أن إجارة البلاغ وإجارة الضمان سواء في الكراهة: وأحب إلينا أن يؤاجر الإنسان نفسه بشيء مسمى. انتهى المراد منه.
وعلم مما مر أن الإجارة في الضمان لازمة، فليس لأحدهما الفسخ بعد العقد، قال ابن القاسم: فإن واجر نفسه ثم أراد نقض الإجارة لما بلغة أن لا يحج أحد عن أحد لم يكن ذلك له، قاله الحطاب.
وتعينت في الإطلاق؛ الضمير في تعينت يعود على إجارة الضمان؛ يعني أن الموصي بالحج إذا أطلق في وصيته بأن قال: حجوا عني، ولم يعين صفة ما يعقد عليه من ضمان أو بلاغ فإنه لا يستأجر عنه الناظر بلاغا، وإنما يستأجر من يحج عنه إجارة ضمان، فإجارة الضمان هي المتعينة على الناظر لما في إجارة البلاغ من التغرير برب المال، ولا يفسر المصنف بأن الموصي إذا عقد الإجارة ولم يبين في عقدها، هل هي ضمان أو بلاغ؟ فإنه تتعين إجارة الضمان لأن هذا ليس بصحيح، فإنه لا بد من بيان عقد الإجارة، ومن بيان الأجرة ما هي، هل النفقة أو شيء مسمى؟ كما قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
وقد تقدم أن المضمونة نوعان: نوع في عين الأجير، ونوع في ذمته، فإن عين الموصي أحدهما تعين، وإن لم يعين فالأحوط أن يدفع على الحج مضمونا في الذمة كما يفهم من كلام المتيطي، ونقل عن بعض قضاة قرطبة أنه كان لا يدفع المال إلا على أنها مضمونة وإن أوصى الميت في عين الأجير، وأن ابن زَرَبٍ قال به. فتأمله -والله أعلم- قاله الحطاب.
كميقات الميت، تشبيه في المتعين عند الإطلاق؛ يعني أن من استوجر على أن يحج عن ميت من بلد ذلك الميت، يتعين عليه أن يحرم من ميقات الميت وإن لم يشترط عليه ذلك في العقد، يريد
стр. 2555
وكذلك لو استوجر على أن يحج عن الميت من بلد غير بلد الميت، فإنه يتعين عليه الإحرام من ميقات ذلك البلد. قاله الحطاب. فقوله: "كميقات الميت"؛ أي أنه يتعين على الأجير أن يحرم من ميقات الميت عند الإطلاق بأن لم يعين موضعا يحرم منه، فالتشبيه في أنه يتعين ميقات الميت عند الإطلاق. وقال عبد الباقي عند قوله "كميقات الميت": سواء كانت الإجارة أو الوصية ببلد الميت أو بغيره، هذا هو المرتضى كما يفيده التتائي والمواق والشيخ سالم: إذا لم يعين له ميقاتا بل أطلق فإنه يتعين ميقات بلد الميت، خلافا لقول الحطاب: يُحرِم من ميقات بلد الميت إن لم تقع الإجارة في غيره، وإلا أحرم من ميقات البلد الذي وقعت فيه الإجارة. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما قاله الحطاب من اعتبار ميقات بلد العقد هو قول أشهب، واستحسنه اللخمي وصاحب الطراز وهو أقوى. انتهى.
قال عبد الباقي: ومفهوم الميت أن ميقات المستأجر الحي لا يجب الإحرام منه وهو كذلك، وإنما يستحب. قاله الحطاب. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما نسبه للحطاب ليس هو فيه فانظره. انتهى. وسيأتي البحث مع بناني قريبا إن شاء الله تعالى.
وفي الحطاب بعد جلب نقول: فلو قال المصنف: كميقات محل العقد، كان أبين. انتهى. وفي النوادر: ومن كتاب ابن المواز، قال مالك في رجل أراد أن يحج عن رجل: فليحرم من ميقات الرجل أحب إلي، وإن أحرم من مكة أجزأه. قاله الحطاب. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر أن هذا هو الذي نسبه عبد الباقي للحطاب، وبه يعلم ما في كلام بناني. والله سبحانه أعلم.
وقد علمت أن التشبيه في قوله: "كميقات الميت"، في أنه يتعين على الأجير الإحرام من ميقات الميت عند الإطلاق، فلو لم يطلق بأن عيَّن له ميقاتا فإنه يتعين الإحرام منه كما يأتي. والله سبحانه أعلم. وله بالحساب إن مات؛ يعني أن أجير الضمان إذا كان معينا ومات أثناء العمل قبل الإحرام أو بعده فإنه يكون له أي لورثته من الأجرة بحسب ما سار، والنظر إلى ما سار وما بقي بحسب السهولة والصعوبة والأمن والخوف، لا بحسب المسافة، فقد يكون ربعها يساوي نصف الكراء لصعوبته مثلا، فإذا كان الحج من موضع خروجه بعشرة ومن موضع موته بثمانية،
стр. 2556
فيرد أربعة أخماس الأجرة إن كان قبضها، وكذا الحكم فيما إذا صُدَّ كما سيذكره قريبا، وأما إذا كان العقد متعلقا بذمة الأجير ومات فإنه لا يرجع للحساب بل تؤخذ الحجة من تركته بالغة ما بلغت، وفي كلام عبد الباقي نظر حيث عمم المصنف في المعين وغيره، وإنما هو خاص بما إذا تعلق العقد بعين الأجير. كما قاله محمد بن الحسن عن الحطاب. قال: ونصه وأما إذا كان الحج مضمونا بذمته، فسيأتي أنه إذا مات يقوم وارثه مقامه، فإن أبى أخذ من تركة الميت أجرة حجة. قاله المتيطي. وسند. انتهى. ونصه فيما يأتي عن سند، قال ابن القاسم في الموازية: ومن دفع إلى رجل عرضا أو جارية على أن يكون عليه حجة عن فلان فمات الذي عليه الحج، فذلك في ماله حجة لازمة تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ لا يَلْزَمُهُ غير ذلك بمنزلة سلعة من السلع. وقاله أصبغ.
وَاعْلَم أن الأجير إذا كان معينا ومات في أثناء العمل رجع للحساب، قام وارثه مقامه أم لا، وإن كان العقد متعلقا بذمته، فإن قام وارثه مقامه أخذ جميع الأجرة، وإن لم يقم وارثه مقامه أخذت من تركته أجرة حجة بالغة ما بلغت. قاله محمد بن الحسن. ولو بمكة؛ يعني أن الأجير المعين إذا مات في أثناء العمل، له -أي لورثته- من الأجرة بحسب ما فات من العمل، فينظر له ولما بقي، ولا فرق في ذلك بين أن يموت بعد أن بلغ مكة وبين أن يموت قبل أن يبلغها، ورد المصنف بلو على ابن حبيب القائل: إذا مات الأجير بعد دخول مكة يكون له الأجر كاملا، وما مشى عليه المصنف هو المشهور في المذهب، وَضُعِّفَ قول ابن حبيب. وقوله: "وله بالحساب"، فإن كان الأجير لم يأخذ من الأجرة شيئا، فلورثته أن يأخذوا بحساب ما سار، وإن كان قد قبض جميع الأجرة فله منها بحساب ما سار، وما فضل عن ذلك يرجع به في تركته ويؤخذ منها، سواء كانت الأجرة باقية بعينها أو تلفت، وسواء كان تلفها بسببه أو بغير سببه. هذا حكم ما إذا مات الأجير في الضمان معينا أم لا، وأما الأجير في البلاغ فله بقدر ما أنفق، وليس له في الجعالة شيء. والله أعلم. قاله الحطاب.
أو صد، عطف على قوله: "إن مات"؛ يعني أن الأجير على الحج إذا صد عن الحج لمرض أو عدو فإن الحكم في ذلك كحكم الموت؛ أي فله بالحساب، وقوله: "أو صد"، سواء كان العقد متعلقا بعينه أو بذمته، وقوله: "أو صد"، ومثله خطأ العدد إلا أن له البقاء في الصد لمرض أو
стр. 2557
عدو، كما أفاده بقوله: وله البقاء لقابل؛ يعني أن من استؤجر على الحج لعام غير معين وصد عنه في أثناء الطريق حتى خشي فوات الحج في ذلك العام وشق صبره لزوال الصد، له البقاء على عقد الإجارة إلى العام القابل أي فالخيار له دون مستأجره، فإن لم يخش فوات الحج فيه أو لم يشق صبره تعين البقاء إلا أن يتراضيا على الفسخ، وإن كان العام معينا ففيه تفصيل، فإن خشي الفوات فله البقاء إن رضي المستأجر به، وإن لم يخش الفوات تعين البقاء.
وبما قررت علم أن قوله: "والبقاء لقابل"، راجع لقوله: "صد"، ولا يرجع لقوله: "إن مات". انظر شرح الشيخ إبراهيم، وشرح الشيخ عبد الباقي. وقوله: "والبقاء لقابل"، سواء أحرم قبل الصد أو بعده، تحلل بعد إحرامه أم لا، هذا ما يفيده التتائي في كبيره، وقوله في صغيره: والبقاء على إحرامه، يوهم أنه قبل الإحرام ليس فيه هذا الحكم وليس كذلك، وقوله: "والبقاء لقابل"، قال محمد بن الحسن: الظاهر أن هذا غير مختص بالمضمونة، خلافا لمصطفى لما في مناسك المصنف من أن له البقاء لقابل في البلاغ أيضا، وقيده الحطاب نقلا عن سند بما إذا كان العام غير معين لكن لا نفقة له في مقامه بمكة حتى يأتيه الوقت الذي يمكنه فيه التحلل من العام الأول، وأما إذا كان العام معينا فلا نفقة له بعد وقت إمكان التحلل أصلا. انتهى. وأما إن أخذ على الجعالة ثم أحصر، فإن أقام إلى قابل فهو على عقده، وإن كان العام معينا على ما مشى عليه المصنف من الجواز وهو اختيار ابن أبي زيد. انتهى.
وقال الإمام الحطاب: واعلم أن الأجير إذا صد فلا يخلو إما أن يكون بأجرة معلومة أو على البلاغ أو على الجعالة، فإن كان بأجرة معلومة فلا يخلو أيضا أن يستأجر ليحج في عام معين أو لم يعين العام، فإن لم يعين العام فله فسخ الإجارة للعذر سواء أحرم أو لم يحرم، وله بحساب ما سار وله البقاء إلى قابل، ويتحلل ثم يقضيه والأجرة في ذلك هي المسمى لا تزيد ولا تنقص، وإن كانت العام معينا فله الفسخ إذا خشي الفوات، سواء أحرم أيضا أو لم يحرم، وله من الأجرة بقدر ما عمل؛ فإن فاته الحج لم يكن له شيء فيما فعله بعد ذلك، أقام على إحرامه أو تحلل بعمرة ثم قضاه، وهو أحد قولين ذكرهما ابن الحاجب بقوله: فلو أراد ابقاء إجارته إلى العام الثاني محرما أو متحللا فقولان -انتهى- بالمنع والجواز، واختار ابن أبي زيد الجواز، وعليه مشى المصنف
стр. 2558
فأطلق في قوله: "والبقاء لقابل"، ولم يقيده بكون العام غير معين، إلا أنه إذا كان العام غير معين كان الخيار للأجير، وإن عين لم يكن له البقاء إلا باتفاقه مع الآجر، ومن طلب منهما الفسخ قضي له به، وأما في إجارة البلاغ فله النفقة إلى المكان الذي صد فيه وله النفقة في رجوعه منه، فإن حصر بعد ما أحرم واستمر على إحرامه بعد الحصر وإمكان التحلل، قال سند: فلا نفقة له في ذلك بعد إمكان التحلل الأنهم لم يرضوا بذلكَ، ولا اقتضاه العقد ولا يوجبه، لكن إن حج من عامة كانت الأجرة على ما اتفقوا عليه وإن بقي حتى فاته الحج، وقد كان أحرم وسار إلى البيت وقد زال الحصر ليتحلل بالعمرة فلا نفقة له في ذلك، فإن تحلل وبقي بمكة حتى حج من قابل أو بقي على إحرامه إلى قابل فلا شيء له إن كانت الإجارة على عامة الأول بعينه، وإن كانت على مطلق الحج من غير تعيين عام بعينه فهذا يسقط من نفقته من يوم أمكنه أن يتحلل، فإن سار إلى مكة بنية البقاء إلى قابل فله نفقة سيره ولا نفقة له في مقامه بمكة حتى يأتي الوقت الذي أمكنه فيه التحلل، ويذهب بعد ذلك قدر ما سار فيه إلى مكة فيكون له النفقة فيما بعد ذلك، فإن سار إلى مكة بنية أنه يتحلل فلا نفقة له في سيرة؛ لأنه إنما سار لمنفعة نفسه لما أخر تحلله عن موضع الحصر، فإذا كان من قابل خرج إلى الموضع الذي تحلل منه بالعمرة وهو الموضع الذي حصر فيه، فيحرم منه بالحج، والأحسن أن يحرم من الميقات إن كان أبعد مند، ونفقته فيما زاد على الموضع الذي حصر فيه إلى الميقات في ماله لأنها زيادة خارجة عن العقد، وإنما وقعت بحكم العبادة لا بحكم الإجارة، وأما من أخذ المال على الجعالة ثم أحصر فإن تحلل فلا شيء له، فإن تمادى وحج من عامة فله جعله، وإن أقام إلى قابل ولم يشترط عليه حج عامة فهو على عقده، وإن شرط عليه فقد سقط العقد. قاله في الطراز. والله أعلم. قاله الحطاب.
وعلى القول الذي مشى عليه المصنف واختاره ابن أبي زيد ينبغي أن يجزئه. والله أعلم. انتهى. واستؤجر من الانتهاء؛ يعني أن الأجير إذا مات قبل إكمال حجة أو صد، فإن وصِيّ الميت أو ورثته يستأجرون من يحج عن الميت من الموضع الذي وصل إليه الأجير الأول، ولا يلزمهم أن يستأجروا من يحج عن الميت من أول المسافة. والله أعلم. ونص غير واحد على أن كلام المصنف عام في إجارة الضمان والبلاغ، وقوله: واستؤجر من الانتهاء؛ يعني ولو لم يبق إلا طواف
стр. 2559
الإفاضة. واعلم أنه لا يتعين على الورثة الاستيجار على الحج عن الميت الموصي إلا إذا كان لم يعين العام مطلقا، أو كان عينه ووقع الصد، ونحوه قبل الوقوف حيث كان يمكنه إعادته في عامة وإلا فلا استيجار. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وإذا مات الأجير الأول أو صد بعد الوقوف وكان العام معينا فسخت الإجارة فيما بقي ورد حصته.
ولا يجوز اشتراط كهدي تمتع عليه، الضمير في "عليه"، يرجع على من يجب عليه الهدي من أجير أو مستأجر؛ يعني أن الأجير إذا استوجر على أن يحج متمتعا أو قارنا، فإن دم التمتع أو القران على الذي استأجره، ولا يجوز أن يشترط الهدي على الأجير لأنه في حكم مبيع مجهول صفته ضم إلى الإجارة؛ لأنه بإذن المستأجر للأجير في التمتع أو القران يجب الهدي على المستأجر المحجوج عند، وكذا يجب الهدي على الأجير إن تمتع أو قرن بغير إذن المستأجر بكسر الجيم ولا يجوز اشتراطه حينئذ على المستأجر. وعلم من التعليل السابق أنه إن انتفى الجهل جاز الاشتراط، ففي الحطاب عن سند: فلو شرط على الأجير دم التمتع وشبهه فَهَدْيٌ في حكم مبيع ضم إلى الإجارة لم تنضبط صفته وأجله، فإن ضبط جاز ذلك على المشهور من جواز اجتماع البيع والإجارة، وفي كلام الشارح إشارة إلى ذلك، فإنه قال: إنما امتنع ذلك لأن الهدي مجهول الجنس والصفة عند الإطلاق، وذلك يؤدي إلى الجهل في الإجارة، وأما جزاء الصيد وفدية الأذى فإن ذلك على الأجير اشتُرط أولا، تعمد سببه أولا إذا كانت الإجارة مضمونة، وإن كانت على البلاغ فإن تعمد سببه كان عليه، وإن لم يتعمده يكون في المال.
وفي المدونة: ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئا يجب عليه فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأت فهي تجزئ عن الميت، وكل ما لم يتعمده من ذلك أو فعله لضرورة فوجب عليه هدي أو أغمي عليه أيام منى، أو أصابه أذى فلزمته فدية كانت الفدية والهدي في مال الميت، وهذا كله في البلاغ، وما وجب عليه من ذلك لتعمده فهو في ماله، وأما إن أخذ المال على الإجارة فكل ما لزمه بخطإ أو تعمد فهو في ماله. انتهى. وفي كلام المدونة هذا فائدة؛ وهي أنه إذا حصل في حج النائب نقص يوجب الهدي لا يضر ذلك في إجزاء الحج، ويستثنى من هذا مسألة وهي ما إذا جاوز الميقات، فقد ذكر صاحب الطراز في الإجزاء خلافا. وصح إن لم يعين
стр. 2560
العام؛ يعني أن الإجارة يصح عقدها وإن لم يعين في العقد العام الذي يحج فيه الأجير، وقيل: لا تصح الإجارة إذا لم يعين للجهالة. قاله ابن العطار. قال في التوضيح: والأول أظهر كما في لسائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقة، فإنها تصح وتحمل على أقرب زمن يمكن وقوع الفعل فيه. ابن شأس: والقولان للمتأخرين. انتهى. وقد خطأ التادلي قول ابن العطار، وإذا صحت الإجارة مع عدم تعيين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين عليه أن يحج في أول عام يمكنه الحج فيه، فإن لم يحج في أول سنة لزمه أن يحج فيما بعدها. قاله في البيان. ونقله في التوضيح. قاله الحطاب.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وتعين الأول؛ يعني أنه إذا قلنا إن الإجارة تصح حيث لم يعين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين للحج أولُ عام، فإن لم يفعل فيه أثم إن تعمد التأخير، ولزمه فيما بعده، وبتعين العام الأول تنتفي الجهالة التي قالها ابن العطار، وهذا يدل على أن تعين العام حُكْمًا كما هنا لا يتنزل منزلة تعيُّنه بالنص، ولو كان بمنزلته لفسخ العقد كما يأتي في قوله: "وفسخت إن عين العام" لخ. قاله محمد بن الحسن. وعلى عام مطلق، قرره البساطي بأن معناه: وصح العقد على عام مطلق أي على أن يحج عنه في أي عام شاء، وهذه غير مكررة مع قوله: وصح إن لم يعين العام؛ لأن معناه إذا قال حج عني ولم يقيد بعام ولم يطلق فيحمل على أول سنة، وهذه مقيدة بالإطلاق كحج عني متى شئت، وبهذا أيضا قرره الحطاب، وقرره الشارح وغيره على أن معناه: وفضل عام معين على عام مطلق؛ أي لأنه أحوط من المطلق لاحتمال موت الأجير، ونفادِ المال من يده، وعدم وجود تركة له، وحينئذ فهو معطوف على قوله: "على غزو"، مع تقدير معطوف قبله؛ وهو عام معين؛ أي وعام معين على عام مطلق، وفيه عطف الواو شيئين على معمولي عامل واحد وهو سائغ، واستبعد البساطي هذا التقدير، وعلى الأول فهو عطف على معنى إن لم يعين العام، أو متعلق بصح مقدرة بعد الواو. والله سبحانه أعلم.
وعلى الجعالة، عطف على ما فيه الصحة؛ يعني أنه يصح العقد على الجعالة بأن يجاعله على إتمام الحج، ومعنى ذلك أن الأجير لا يلزم نفسه شيئا، ولكن إن حج كان له من الأجر كذا، وقد مر أن هذا داخل في البلاغ لأن البلاغ على قسمين، بلاغ مالي وبلاغ عملي: والبلاغ العملي هو أن