فيرد أربعة أخماس الأجرة إن كان قبضها، وكذا الحكم فيما إذا صُدَّ كما سيذكره قريبا، وأما إذا كان العقد متعلقا بذمة الأجير ومات فإنه لا يرجع للحساب بل تؤخذ الحجة من تركته بالغة ما بلغت، وفي كلام عبد الباقي نظر حيث عمم المصنف في المعين وغيره، وإنما هو خاص بما إذا تعلق العقد بعين الأجير. كما قاله محمد بن الحسن عن الحطاب. قال: ونصه وأما إذا كان الحج مضمونا بذمته، فسيأتي أنه إذا مات يقوم وارثه مقامه، فإن أبى أخذ من تركة الميت أجرة حجة. قاله المتيطي. وسند. انتهى. ونصه فيما يأتي عن سند، قال ابن القاسم في الموازية: ومن دفع إلى رجل عرضا أو جارية على أن يكون عليه حجة عن فلان فمات الذي عليه الحج، فذلك في ماله حجة لازمة تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ لا يَلْزَمُهُ غير ذلك بمنزلة سلعة من السلع. وقاله أصبغ.
وَاعْلَم أن الأجير إذا كان معينا ومات في أثناء العمل رجع للحساب، قام وارثه مقامه أم لا، وإن كان العقد متعلقا بذمته، فإن قام وارثه مقامه أخذ جميع الأجرة، وإن لم يقم وارثه مقامه أخذت من تركته أجرة حجة بالغة ما بلغت. قاله محمد بن الحسن. ولو بمكة؛ يعني أن الأجير المعين إذا مات في أثناء العمل، له -أي لورثته- من الأجرة بحسب ما فات من العمل، فينظر له ولما بقي، ولا فرق في ذلك بين أن يموت بعد أن بلغ مكة وبين أن يموت قبل أن يبلغها، ورد المصنف بلو على ابن حبيب القائل: إذا مات الأجير بعد دخول مكة يكون له الأجر كاملا، وما مشى عليه المصنف هو المشهور في المذهب، وَضُعِّفَ قول ابن حبيب. وقوله: "وله بالحساب"، فإن كان الأجير لم يأخذ من الأجرة شيئا، فلورثته أن يأخذوا بحساب ما سار، وإن كان قد قبض جميع الأجرة فله منها بحساب ما سار، وما فضل عن ذلك يرجع به في تركته ويؤخذ منها، سواء كانت الأجرة باقية بعينها أو تلفت، وسواء كان تلفها بسببه أو بغير سببه. هذا حكم ما إذا مات الأجير في الضمان معينا أم لا، وأما الأجير في البلاغ فله بقدر ما أنفق، وليس له في الجعالة شيء. والله أعلم. قاله الحطاب.
أو صد، عطف على قوله: "إن مات"؛ يعني أن الأجير على الحج إذا صد عن الحج لمرض أو عدو فإن الحكم في ذلك كحكم الموت؛ أي فله بالحساب، وقوله: "أو صد"، سواء كان العقد متعلقا بعينه أو بذمته، وقوله: "أو صد"، ومثله خطأ العدد إلا أن له البقاء في الصد لمرض أو
стр. 2557
عدو، كما أفاده بقوله: وله البقاء لقابل؛ يعني أن من استؤجر على الحج لعام غير معين وصد عنه في أثناء الطريق حتى خشي فوات الحج في ذلك العام وشق صبره لزوال الصد، له البقاء على عقد الإجارة إلى العام القابل أي فالخيار له دون مستأجره، فإن لم يخش فوات الحج فيه أو لم يشق صبره تعين البقاء إلا أن يتراضيا على الفسخ، وإن كان العام معينا ففيه تفصيل، فإن خشي الفوات فله البقاء إن رضي المستأجر به، وإن لم يخش الفوات تعين البقاء.
وبما قررت علم أن قوله: "والبقاء لقابل"، راجع لقوله: "صد"، ولا يرجع لقوله: "إن مات". انظر شرح الشيخ إبراهيم، وشرح الشيخ عبد الباقي. وقوله: "والبقاء لقابل"، سواء أحرم قبل الصد أو بعده، تحلل بعد إحرامه أم لا، هذا ما يفيده التتائي في كبيره، وقوله في صغيره: والبقاء على إحرامه، يوهم أنه قبل الإحرام ليس فيه هذا الحكم وليس كذلك، وقوله: "والبقاء لقابل"، قال محمد بن الحسن: الظاهر أن هذا غير مختص بالمضمونة، خلافا لمصطفى لما في مناسك المصنف من أن له البقاء لقابل في البلاغ أيضا، وقيده الحطاب نقلا عن سند بما إذا كان العام غير معين لكن لا نفقة له في مقامه بمكة حتى يأتيه الوقت الذي يمكنه فيه التحلل من العام الأول، وأما إذا كان العام معينا فلا نفقة له بعد وقت إمكان التحلل أصلا. انتهى. وأما إن أخذ على الجعالة ثم أحصر، فإن أقام إلى قابل فهو على عقده، وإن كان العام معينا على ما مشى عليه المصنف من الجواز وهو اختيار ابن أبي زيد. انتهى.
وقال الإمام الحطاب: واعلم أن الأجير إذا صد فلا يخلو إما أن يكون بأجرة معلومة أو على البلاغ أو على الجعالة، فإن كان بأجرة معلومة فلا يخلو أيضا أن يستأجر ليحج في عام معين أو لم يعين العام، فإن لم يعين العام فله فسخ الإجارة للعذر سواء أحرم أو لم يحرم، وله بحساب ما سار وله البقاء إلى قابل، ويتحلل ثم يقضيه والأجرة في ذلك هي المسمى لا تزيد ولا تنقص، وإن كانت العام معينا فله الفسخ إذا خشي الفوات، سواء أحرم أيضا أو لم يحرم، وله من الأجرة بقدر ما عمل؛ فإن فاته الحج لم يكن له شيء فيما فعله بعد ذلك، أقام على إحرامه أو تحلل بعمرة ثم قضاه، وهو أحد قولين ذكرهما ابن الحاجب بقوله: فلو أراد ابقاء إجارته إلى العام الثاني محرما أو متحللا فقولان -انتهى- بالمنع والجواز، واختار ابن أبي زيد الجواز، وعليه مشى المصنف
стр. 2558
فأطلق في قوله: "والبقاء لقابل"، ولم يقيده بكون العام غير معين، إلا أنه إذا كان العام غير معين كان الخيار للأجير، وإن عين لم يكن له البقاء إلا باتفاقه مع الآجر، ومن طلب منهما الفسخ قضي له به، وأما في إجارة البلاغ فله النفقة إلى المكان الذي صد فيه وله النفقة في رجوعه منه، فإن حصر بعد ما أحرم واستمر على إحرامه بعد الحصر وإمكان التحلل، قال سند: فلا نفقة له في ذلك بعد إمكان التحلل الأنهم لم يرضوا بذلكَ، ولا اقتضاه العقد ولا يوجبه، لكن إن حج من عامة كانت الأجرة على ما اتفقوا عليه وإن بقي حتى فاته الحج، وقد كان أحرم وسار إلى البيت وقد زال الحصر ليتحلل بالعمرة فلا نفقة له في ذلك، فإن تحلل وبقي بمكة حتى حج من قابل أو بقي على إحرامه إلى قابل فلا شيء له إن كانت الإجارة على عامة الأول بعينه، وإن كانت على مطلق الحج من غير تعيين عام بعينه فهذا يسقط من نفقته من يوم أمكنه أن يتحلل، فإن سار إلى مكة بنية البقاء إلى قابل فله نفقة سيره ولا نفقة له في مقامه بمكة حتى يأتي الوقت الذي أمكنه فيه التحلل، ويذهب بعد ذلك قدر ما سار فيه إلى مكة فيكون له النفقة فيما بعد ذلك، فإن سار إلى مكة بنية أنه يتحلل فلا نفقة له في سيرة؛ لأنه إنما سار لمنفعة نفسه لما أخر تحلله عن موضع الحصر، فإذا كان من قابل خرج إلى الموضع الذي تحلل منه بالعمرة وهو الموضع الذي حصر فيه، فيحرم منه بالحج، والأحسن أن يحرم من الميقات إن كان أبعد مند، ونفقته فيما زاد على الموضع الذي حصر فيه إلى الميقات في ماله لأنها زيادة خارجة عن العقد، وإنما وقعت بحكم العبادة لا بحكم الإجارة، وأما من أخذ المال على الجعالة ثم أحصر فإن تحلل فلا شيء له، فإن تمادى وحج من عامة فله جعله، وإن أقام إلى قابل ولم يشترط عليه حج عامة فهو على عقده، وإن شرط عليه فقد سقط العقد. قاله في الطراز. والله أعلم. قاله الحطاب.
وعلى القول الذي مشى عليه المصنف واختاره ابن أبي زيد ينبغي أن يجزئه. والله أعلم. انتهى. واستؤجر من الانتهاء؛ يعني أن الأجير إذا مات قبل إكمال حجة أو صد، فإن وصِيّ الميت أو ورثته يستأجرون من يحج عن الميت من الموضع الذي وصل إليه الأجير الأول، ولا يلزمهم أن يستأجروا من يحج عن الميت من أول المسافة. والله أعلم. ونص غير واحد على أن كلام المصنف عام في إجارة الضمان والبلاغ، وقوله: واستؤجر من الانتهاء؛ يعني ولو لم يبق إلا طواف
стр. 2559
الإفاضة. واعلم أنه لا يتعين على الورثة الاستيجار على الحج عن الميت الموصي إلا إذا كان لم يعين العام مطلقا، أو كان عينه ووقع الصد، ونحوه قبل الوقوف حيث كان يمكنه إعادته في عامة وإلا فلا استيجار. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وإذا مات الأجير الأول أو صد بعد الوقوف وكان العام معينا فسخت الإجارة فيما بقي ورد حصته.
ولا يجوز اشتراط كهدي تمتع عليه، الضمير في "عليه"، يرجع على من يجب عليه الهدي من أجير أو مستأجر؛ يعني أن الأجير إذا استوجر على أن يحج متمتعا أو قارنا، فإن دم التمتع أو القران على الذي استأجره، ولا يجوز أن يشترط الهدي على الأجير لأنه في حكم مبيع مجهول صفته ضم إلى الإجارة؛ لأنه بإذن المستأجر للأجير في التمتع أو القران يجب الهدي على المستأجر المحجوج عند، وكذا يجب الهدي على الأجير إن تمتع أو قرن بغير إذن المستأجر بكسر الجيم ولا يجوز اشتراطه حينئذ على المستأجر. وعلم من التعليل السابق أنه إن انتفى الجهل جاز الاشتراط، ففي الحطاب عن سند: فلو شرط على الأجير دم التمتع وشبهه فَهَدْيٌ في حكم مبيع ضم إلى الإجارة لم تنضبط صفته وأجله، فإن ضبط جاز ذلك على المشهور من جواز اجتماع البيع والإجارة، وفي كلام الشارح إشارة إلى ذلك، فإنه قال: إنما امتنع ذلك لأن الهدي مجهول الجنس والصفة عند الإطلاق، وذلك يؤدي إلى الجهل في الإجارة، وأما جزاء الصيد وفدية الأذى فإن ذلك على الأجير اشتُرط أولا، تعمد سببه أولا إذا كانت الإجارة مضمونة، وإن كانت على البلاغ فإن تعمد سببه كان عليه، وإن لم يتعمده يكون في المال.
وفي المدونة: ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئا يجب عليه فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأت فهي تجزئ عن الميت، وكل ما لم يتعمده من ذلك أو فعله لضرورة فوجب عليه هدي أو أغمي عليه أيام منى، أو أصابه أذى فلزمته فدية كانت الفدية والهدي في مال الميت، وهذا كله في البلاغ، وما وجب عليه من ذلك لتعمده فهو في ماله، وأما إن أخذ المال على الإجارة فكل ما لزمه بخطإ أو تعمد فهو في ماله. انتهى. وفي كلام المدونة هذا فائدة؛ وهي أنه إذا حصل في حج النائب نقص يوجب الهدي لا يضر ذلك في إجزاء الحج، ويستثنى من هذا مسألة وهي ما إذا جاوز الميقات، فقد ذكر صاحب الطراز في الإجزاء خلافا. وصح إن لم يعين
стр. 2560
العام؛ يعني أن الإجارة يصح عقدها وإن لم يعين في العقد العام الذي يحج فيه الأجير، وقيل: لا تصح الإجارة إذا لم يعين للجهالة. قاله ابن العطار. قال في التوضيح: والأول أظهر كما في لسائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقة، فإنها تصح وتحمل على أقرب زمن يمكن وقوع الفعل فيه. ابن شأس: والقولان للمتأخرين. انتهى. وقد خطأ التادلي قول ابن العطار، وإذا صحت الإجارة مع عدم تعيين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين عليه أن يحج في أول عام يمكنه الحج فيه، فإن لم يحج في أول سنة لزمه أن يحج فيما بعدها. قاله في البيان. ونقله في التوضيح. قاله الحطاب.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: وتعين الأول؛ يعني أنه إذا قلنا إن الإجارة تصح حيث لم يعين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين للحج أولُ عام، فإن لم يفعل فيه أثم إن تعمد التأخير، ولزمه فيما بعده، وبتعين العام الأول تنتفي الجهالة التي قالها ابن العطار، وهذا يدل على أن تعين العام حُكْمًا كما هنا لا يتنزل منزلة تعيُّنه بالنص، ولو كان بمنزلته لفسخ العقد كما يأتي في قوله: "وفسخت إن عين العام" لخ. قاله محمد بن الحسن. وعلى عام مطلق، قرره البساطي بأن معناه: وصح العقد على عام مطلق أي على أن يحج عنه في أي عام شاء، وهذه غير مكررة مع قوله: وصح إن لم يعين العام؛ لأن معناه إذا قال حج عني ولم يقيد بعام ولم يطلق فيحمل على أول سنة، وهذه مقيدة بالإطلاق كحج عني متى شئت، وبهذا أيضا قرره الحطاب، وقرره الشارح وغيره على أن معناه: وفضل عام معين على عام مطلق؛ أي لأنه أحوط من المطلق لاحتمال موت الأجير، ونفادِ المال من يده، وعدم وجود تركة له، وحينئذ فهو معطوف على قوله: "على غزو"، مع تقدير معطوف قبله؛ وهو عام معين؛ أي وعام معين على عام مطلق، وفيه عطف الواو شيئين على معمولي عامل واحد وهو سائغ، واستبعد البساطي هذا التقدير، وعلى الأول فهو عطف على معنى إن لم يعين العام، أو متعلق بصح مقدرة بعد الواو. والله سبحانه أعلم.
وعلى الجعالة، عطف على ما فيه الصحة؛ يعني أنه يصح العقد على الجعالة بأن يجاعله على إتمام الحج، ومعنى ذلك أن الأجير لا يلزم نفسه شيئا، ولكن إن حج كان له من الأجر كذا، وقد مر أن هذا داخل في البلاغ لأن البلاغ على قسمين، بلاغ مالي وبلاغ عملي: والبلاغ العملي هو أن
стр. 2561
يجاعله على إتمام الحج، بمعنى أن الأجير لا يلزم نفسه شيئا ولكن إن حج كان له من الأجر كذا، وليس هذا قسما زائدا على الأربعة المتقدمة كما مر التنبيه عليه.
وبما قررت علم أن معنى الجعالة أن يستأجرة على أنه إن وفى بالحج كان له جميع ما دخلا عليه من الأجرة، وإن لم يوف أو مات قبل الإكمال استرجع منه الجميع، ولا يترك له شيء في مقابلة عمله، قال في المتيطية: ولا يجوز دفع الجعل بشرط للمجعول له، ويجوز تطوعا. قاله الخرشي، ونحوه في الحطاب، قال: وهذا جار على حكم الجعل. والله سبحانه أعلم.
وحج على ما فهم؛ يعني أن أجير الضمان أو البلاغ يجب عليه أن يحج على ما فهم من حال الموصي من ركوب محمل ومقتب وجمال وغيرها، وإن لم تكن قرينة بشيء فينبغي أن لا يركب إلا ما كان يركب المستأجر. قاله غير واحد. وقال الحطاب: هذه المسألة ذكرها في السليمانية، ولفظها على ما في تبصرة اللخمي قال: لا ينبغي لمن أخذ الحجة أن يركب من الجمال والدواب إلا ما كان الميت يركب مثله لأنه كذلك أراد أن يوصِيَ. انتهى. وجنى إن وفى دينه ومشى؛ يعني أن الأجير في الحج إذا قضى دينه بالأجرة التي أخذها من المستأجر المحجوج (١) ومشى في حجه فإنه يكون بذلك جانيا على نفسه، بمعنى أنه آثم.
وبما قررت علم أن قوله: "ومشى"، معطوف على قوله: "وفى"، وأن معنى "جنى": أثم، ومعنى هذا أنه لم يطلع عليه إلا بعد مشيه وقضاء الدين، وحينئذ فإن وقعت الإجارة على الضمان فالظاهر أنه لا يرجع عليه بشيء، وإن وقعت على البلاغ فالظاهر أنه يعطى من المال قدر نفقة أهله وأجرة ركوبه، ويؤخذ منه الباقي. قاله الحطاب. والظاهر سواء كان العام معينا أم لا. قاله محمد بن الحسن. وجزم عبد الباقي بالرجوع إذا كان العام معينا مطلقا أو غير معين، ولم يرجع في عام آخر على ما فهم، وقال الخرشي: وإذا تعين العام بقول الموصي أو بالعرف وحصلت الجناية من الأجير على المال ووجب عليه الرجوع، فالظاهر أنه يكون لرب المال الرجوع به على المدفوع إليه حيث تعذر أخذه من الأجير. انتهى. قوله: المدفوع إليه؛ يعني رب الدين. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه.
стр. 2562
وأما إن اطلع عليه بعد أن قضى الدين وقبل أن يمشي فإن المال ينزع من أرباب الديون؛ لأنه قد تبين أند للغير: وتصدُّقُ الأجير بالأجرة ونحوُه كتوفية دينه بها، وفي الشارح: وإذا وفى دينه بما أخذه فهي جناية والحكم أن يمشي. انتهى قال عبد الباقي: وفيه نظر لأنه إذا كان العام معينا وفات انفسخت الإجارة ويرجع عليه بما أخذ ولو حج بعد ذلك ماشيا لمخالفته لقوله: "وحج على ما فهم"، وإن كان غير معين تعين عليه أن يأتي بما يفهم من الحج [عن (١)] الميت من ركوب مقتب أو غيره، ولا يكفي مشيه، فإن لم يرجع كذلك رجع عليه بما أخذ وأعطى لأهل الميت، وكذا ينبغي ذلك التفصيل فيما إذا اطلع عليه بعد الوفاء وقبل المشي حيث فهم من الميت خلاف المشي، وانظر ما الحكم إذا لم يفهم من الميت شيء واحتمل أن يكون ما فعله موافقا لمراده أو مخالفا؟ انتهى كلام عبد الباقي.
قال محمد بن الحسن: قوله لمخالفته لقوله الخ، هذا يوهم أن الفسخ هنا للمخالفة وليس كذلك بل للفوات. انتهى. وإنما قال يوهم -والله أعلم- لأن ذلك غير متعين؛ إذ الذي يظهر أن قوله: لمخالفته، علة في قوله: ويرجع عليه بما أخذ ولو حج بعد ذلك ماشيا، ولا يرجع لقوله: انفسخت الإجارة، كما هو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وقوله: وانظر ما الحكم الخ، أما على ما للحطاب فالظاهر أنه يجري على ما مر عنه فيما إذا حصل المشي وقضاء الدين. والله سبحانه أعلم. وأشار المصنف إلى تفسير أحد قسمي البلاغ، بقوله: والبلاغ إعطاء ما ينفق عودا وبدءا؛ يعني أن كيفية البلاغ هي أن يعاقد المحجوج عنه الأجير على أن يعطيه ما يكفيه من النفقة في ذهابه إلى الحج ورجوعه إلى الموضع الذي سافر منه؛ أي يدفع له من النفقة ابتداء ما يكفيه في ذهابه إلى الحج ورجوعه، وأما لو دخل معه على أن ينفق على نفسه كل النفقة أو بعضها من عنده ثم يرجع بما أنفق، فإنه لا يجوز -كما نص عليه سند- لأنه سلف وإجارة. بالعُرفِ؛ يعني أن هذه النفقة المدفوعة للأجير عودا وبدءا تكون بالعرف، والمراد أن ينفق نفقة مثله، والمراد بالنفقة ما يشمل الكسوة، وظاهر كلام المؤلف أنه يراخى فيما ينفقه العرف ابتداء، وقال الحطاب: هذا بعد
стр. 2563
الوقوع، وأما ابتداء فينبغي أن يعين له النفقة. قال اللخمي: وإن كانت الإجارة بنفقته جاز، وينبغي أن يبينها قبل العقد فإن لم يفعل مضى وينفق منه نفقة مثله. انتهى. وإذا رجع أجير البلاغ وفضل عنه شيء من النفقة فإنه يرده ويرد أيضا الثياب التي اشتراها من الأجرة، كما أفاد ذلك بقوله: "عودا وبدءا"، قاله الخرشي. وقوله: "إعطاء"، قال عبد الباقي: هو على حذف مضاف أي ذات، وقال غير واحد: قوله: "والبلاغ"؛ أي كيفية البلاغ، وقوله: "إعطاء"؛ أي معاقدة على إعطاء، وقال الأجهوري: وأشار بقوله: "بالعرف"، لما في كتاب ابن المواز: له أن ينفق ما لابد منه مما يصلحه من الكعك والزيت واللحم مرة بعد مرة، وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب. وقال الحطاب: الوطاء والخفاف بدل اللحاف. وقال ابن عسكر في شرح العمدة: معنى إجارة البلاغ أن المستأجر يلزمه تبليغ الأجير ذهابا وإيابا بقدر كفايته من موضع ابتداء سفره حتى يعود إليه، ويلزمه العمل على ذلك ويكون حكمه في الدفع إليه حكم الوكيل في أنه لا يجوز له صرف شيء في غير ما هو بصدده من الحج والعمرة، وما تلف بغير تفريط لم يضمنه ولا يكون له حبس ما فضل، وفي الإرشاد: الثاني: مضمونة، وفيها يتعين قدر الأجرة وصفة الحجة وموضع الابتداء، قال الشيخ زروق في شرحه: وإنما تعين ما ذكره لأنها كسائر الإجارات يلزم في عقدها من معرفة الوجه المعمول عليه والمعمول به وما يلزم في كل إجارة، ويصح عقدها بالجعل بأن لا شيء له إلا بتمام العمل، فإن لم يعين الأجرة لزمت أجرة المثل، وإن لم يذكر صفة الحجة لزمه الإفراد على المشهور؛ لأنه الأصل، وقيل: القران لأنه جامع للحج والعمرة وإن لم يعين الابتداء فمن محله إن لم تكن قرينة تصرفه لغيره. انتهى.
وعلم مما مر أن أجير البلاغ يملك التصرف على وجه مخصوص، وأن أجير الضمان له رقبة المال، ولذلك يكون الفضل له والتلف منه، وقوله: "والبلاغ إعطاء ما ينفقه عودا وبدءا"، وإن لم يكفه ما أخذه رجع بما أنفقه فيما يحتاج إليه. وفي هدي؛ يعني أن الأجير على البلاغ إذا ترتب عليه هدي لم يتعمد موجبه، فإن فعله سهوا أو اضطرارا فإنه يلزم المستأجر بالكسر وهو المحجوج عنه، فإذا أهدى الأجير في هذه الحالة فإنه يرجع على المستأجر بذلك الهدي، وأما إذا تعمد الأجير موجب الهدي فإن الهدي يكون عليه فلا يرجع به على المستأجر بالكسر. وفدية؛ يعني
стр. 2564
أن الأجير على البلاغ إذا لزمه فدية لم يتعمد موجبها بأن فعله سهوا أو اضطرارا، فإنها تلزم المستأجر بالكسر، فإذا أداها الأجير في هذه الحالة فإنه يرجع بها على المستأجر بالكسر، وأما إذا تعمد الأجير موجب الفدية فإنها تكون عليه فلا يرجع بها على المستأجر، وقوله: "وفي هدي وفدية"، عطف على قوله: "بدءا وعودا"؛ لأنه منصوب بنزع الخافض، والتقدير: والبلاغ إعطاء ما ينفقه في بدئه وعوده، وفي هدي وفدية، ولا يقال هذا فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن الهدي والفدية من جملة مسمى البلاغ لأنه منه تبعا على أن ما نقل عن الحطاب من أن اعتبار العرف إنما هو بعد الوقوع يدل على أنه من مسمى البلاغ حقيقة، وجعل التتائي قوله: وفي هدي وفدية، عطفا على مقدر متعلق بقوله: ينفقه؛ أي إعطاء ما ينفقه على نفسه فيما يحتاج له وفي هدي لخ، والأول أقرب، وجعله عبد الباقي معطوفا على مقدر متعلق بجواب لشرط مقدرين، والتقدير وإن لم يكفه ما أخذه رجع بما أنفقه فيما يحتاج إليه وفي هدي وفدية، قال محمد بن الحسن: وهو في غاية التكلف.
وبما قررت علم أن قوله: لم يتعمد مُوجِبَهُما. قيد في الأمرين الهدي والفدية، وضمير التثنية يرجع للهدي والفدية؛ يعني أن محل كون الهدي والفدية على المحجوج عنه إنما هو حيث لم يتعمد الأجير موجبهما، وأما إن تعمد موجبهما فإنهما يكونان على الأجير لا على المحجوج عنه. قال عبد الباقي: إذا عين الرجوع بما يصرفه في الهدي والفدية يرجع به وإن تعمد موجبهما، والتفصيل إنما هو عند عدم اشتراط الرجوع. انتهى.
قال محمد بن الحسن: وفيه نظر لأن تعيين الرجوع بالهدي والفدية لا ينفعة كما يدل عليه كلامهم، وإنما الذي ينفعه تعيين سبب الهدي كما إذا اشترط تمتعا أو قرانا فالهدي على المستأجر مطلقا، وقوله: "لم يتعمد موجبهما"؛ أي وهو محمول على عدم التعمد حتى يثبت تعمد في للجناية. قاله في الطراز. ونصه: أما من أخذ نفقة ليحج منها فيرد ما فضل، فهذا يعتبر فيه قصده وَتَعَمُّدُة للجناية، وما عدا ذلك يكون في المال؛ لأن الإحرام أوجب ذلك عليه والإحرام مضمون في النفقة، فيكون ما يلزمه من مئونة الهدي مندرجا تحت النفقة حتى يثبت تعمد الجناية، فيكون في خالص ماله، وذلك بمثابة من أذن له في التمتع فتمتع فإن الهدي يكون على
стр. 2565
المستأجر ولو تمتع من غير إذن، وقلنا يجزئه كان الهدي عليه دون المستأجر؛ لأنه تعمد سبب إيجاب الهدي ولم يستند إلى إذن. انتهى. قاله الحطاب.
وتحصل مما مر أن الأجير في البلاغ يرجع بما صرفه في هدي وفدية لم يتعمد موجبهما، وأنه إن تعمد موجبهما فإن ما صرفه فيهما لا يرجع به، وأنهم أرادوا بالتعمد الاختيار وبغيره ما يشمل النسيان والتعمد لعذر، ورجع بالبناء للمفعول عليه؛ أي على الأجير بالسرف فيما ينفقه من الأجرة، ومعنى كلام المصنف أن إجارة البلاغ هي إعطاء ما ينفقه الأجير في ذهابه إلى بيت الله الحرام وفي إيابه بالمعروف، فلو أنفق الأجير غير العرف بأن أسرف في الإنفاق كما لو جمع أصحابه وصنع لهم طعاما وما أشبه ذلك، فإنه يرجع عليه بالسرف وهو ما زاد على العرف.
وقال الشبراخيتي عند قوله "بالسرف": الخارج عن العرف فيما ينفقه، كشرائه هدايا أو حمله الولائم لأصحابه وشرائه الفاكهة ونحوها مما لا تدعو ضرورة إليه، وأولى من السرف في النفقة شراؤه هدية. واستمر إن فرغ الضمير في "استمر" يرجع لأجير البلاغ، وفي "فرغ" يرجع لما أنفقه، يعني أن أجير البلاغ إذا نفدت نفقته في المؤن والأكرية فإنه يستمر على ما هو عليه من المضي إلى مكة وإكمال حجه، ويرجع بما أنفقه على نفسه من عنده على مستأجره لا على الموصي؛ لأن المستأجر مفرط بترك إجارة الضمان إلا أن يوصي بالبلاغ، ففي بقية ثلثه. وقوله: "واستمر إن فرغ"؛ أي سواء فرغ قبل الإحرام أو بعده في عام معين أو غيره، وقول الشامل: ولو أحرم بعد فراغ المال فلا شيء له، مخالف لما ذُكر، وما ذُكر صرح به سند ونقله في التوضيح وقبله. أو أحرم ومرض؛ يعني أن أجير البلاغ إذا أحرم ثم مرض أو صد أو فاته الحج لخطإ عدد بعد إحرامه، فإنه يستمر على إحرامه، وهذا إذا كان العام غير معين في الأمور الثلاثة وإلا فتنفسخ في الثلاثة وتسقط أجرته عن مستأجره، ونحوه للشيخ إبراهيم، وزاد: أما من صد فظاهر لأنه يمكنه التحلل حيث كان، وأما المريض ومن فاته الحج فهما وإن لم يمكنهما التحلل حتى يذهبا إلى مكة لفعل عمرة فلأن العام الذي اشترطه عليه ذهب، وإنما تماديا لحق الله تعالى فيما يتحللان به من الإحرام، فكان ذلك مصيبة وقعت بهما. قال معناه اللخمي. وقوله، "ومرض"؛ أي ولو طال مرضه، والظاهر أن حبسه لحق كالمرض، وحيث وجبت النفقة في مال الميت فإنما هي قدر ما
стр. 2566
كان يصرفه والزائد على الأجير في ماله، وفهم من المصنف أنه لو مرض قبل الإحرام فإنه يرجع ولد النفقة في إقامته مريضا، ورجوعه لا في ذهابه إلى مكة. قاله اللخمي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "أو أحرم ومرض"، وعبارة الحطاب: يعني أن الأجير على البلاغ إذا أحرم ثم مرض فإنه يستمر على عمله وله النفقة التي تجب له في حال الصحة؛ لأن مطلق العقد إنما ينصرف للغالب والمتعاهد كما في نفقة الأجير ونفقة الدابة. انتهى. وصرح بذلك اللخمي فيما إذا مرض قبل الإحرام، ولا فرق بينهما كما قاله الشبراخيتي، وكلام اللخمي: إذا مرض الأجير قبل أن يحرم وكان على الإنفاق فله نفقته ذاهبا وراجعا بقدر نفقة الصحيح: وما زاد ففي ماله. انتهى. وقد علمت أنه لا فرق بين الفرعين.
وإن ضاعت قبله رجع؛ يعني أن أجير البلاغ إذا ضاعت نفقته قبل أن يحرم وعلم بضياعها، فإنه يؤمر بالرجوع من اليوم الذي ضاعت فيه حيث يمكنه الرجوع وله في رجوعه النفقة، فإن لم يرجع حينئذ بل أحرم واستمر على فعل الحج فلا نفقة له من موضع علمه بضياعها إلى عوده إليه لأنه متطوع، وعلى المستأجر النفقة من موضع الضياع لأنه أوقعه فيه. قاله ابن القاسم. وقال ابن حبيب: لا نفقة له على المستأجر، والقول للأجير بيمينه في الضياع لتعذر الإشهاد عليه، وسواء أظهره في مكانه أو بعد رجوعه، وليس على الورثة أن يحجوا غيره إذا كان في الثلث فضلة حيث لم يوص بالبلاغ. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وإن ضاعت قبله رَجَع"، ظاهره ولو كان في بقية ثلث الميت بدلها، وهو كذلك عند ابن القاسم خلافا لأشهب، وقوله: "رجع"، هذا إن لم يكن شرط، فإن كان بينهم شرط عمل به، وقد مر أنه إذا تمادى بعد التلف وبعد علمه به تكون على الأجير نفقته في ذهابه ورجوعه إلى موضع التلف، وعلى المستأجر من موضع الضياع على قول ابن القاسم. اللخمي: إلا أن تكون الإجارة على أن نفقته من الثلث فيرجع في باقيه، وإن كان المدفوع له أولا جميع الثلث وعليه راضوه فلا شيء على المستأجر، وإلا؛ أي وإلا بأن ضاعت النفقة في إجارة البلاغ بعد الإحرام، أو فرغت مطلقا، أو لم يعلم بضياعها حتى أحرم، فإنه يتمادى على إحرامه وإتمام حجه؛ إذ الحج لا يرتفض، ونفقته: أي الأجير في تماديه ورجوعه، على آجره؛ أي على الذي استأجره لأنه مفرط بترك إجارة الضمان، ولو كان للميت مال على
стр. 2567
مذهب المدونة، وصوبه القابسي وابن شبلون، وقال ابن حبيب: في مال الميت إن كان وإلا فعلى آجره.
وبما قررت علم أن قوله: "رجعَ" محله حيث يمكنه الرجوع، وأما إن لم يمكنه الرجوع، فقال
الشيخ إبراهيم: يستمر إلى أن يصل إلى مكان مستعتب وله النفقة في تماديه وقوله: "على آجره"
أي لا على الموصي، إلا أن يوصي بالبلاغ؛ يعني أن محل كون النفقة على المستأجر بالكسر إنما هو حيث لم يوص الميت بأن يحج عنه على البلاغ، وأما إن أوصى بأن يحج عنه على البلاغ، فإن النفقة تكون في بقية ثلثه؛ أي الميت ولا تكون على المستأجر لأنه لم يفرط بترك إجارة الضمان، وقوله: "في بقية ثلثه"، أما إن لم يقسم مال الميت فلا خلاف في ذلك، وأما لو قسم فكذلك على المشهور، وإلى ذلك أشار بقوله: ولو قس؛ أي وكذلك تكون النفقة في بقية ثلث الميت ولو قسم مال الميت على المشهور، وأشار المصنف بلو لرد قول مخرج لابن رشد، وكلام المصنف يوهم أن قول المخالف منصوص وليس كذلك، والقول الذي خرجه ابن رشد هو أنه لا يكون في بقية الثلث حين قسم مال الميت خرجه من الاختلاف فيمن أوصى بشراء عبد يعتق من ثلثه فاشتري عبد ولم ينفذ له العتق حتى مات العبد وقد قسم الورثة المال، فقد قيل: يشترى عبد آخر من بقية الثلث، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: لا. قاله الشارح. ومفهوم قوله: "في بقية ثلثه"، أنه إن لم يبق شيء من الثلث فعلى العاقد وصيا أو غيره ما لم يقل في العقد: هذا جميع ما أوصى به الميت ليس لك يا أجير غيره، فهذه أجرة معلومة، فإن قال له: إن فضل شيء ترده وإن زاد شيء لم ترجع به، فإن قل المال بحيث يعلم أنه لا يكفي فإن الأجير متبرع بالزائد، وكذا إن كان قطع بكفايته وإن أشكل الأمر بغرر يسير لا ينفسخ العقد بمثله فلا يرجع أحدهما على الآخر بشيء؛ لأن الوارث إذا لم يرد عليه شيء لا يؤخذ منه شيء، وإن ضاعت النفقة في هذه الوجوه قبل إحرامه فلا شيء للأجير ولا يلزمه الذهاب. قاله سند. ونحوه للمتيطي وهذا يفيده كلام المصنف: وأجزأ إن قدم على عام الشرط؛ يعني أن من استؤجر على الحج في عام معين وفعل الحج قبل أن يأتي العام العين للحج يجزئ ذلد الحج، فإن قيل ما معنى الإجزاء عن الميت -وسيقول المصنف: ولا يسقط فرض من حج عنه- فالجواب أن معنى الإجزاء براءة
стр. 2568
ذمة الأجير مما التزمه ليستحق الأجرة، وقوله: "وأجزأ إن قدم" الخ؛ أي لأنه كدين قدم قبل محله، فيجبر ربه على اقتضائه مع أنه لا فائدة في تعيين الموسم إلا إرادة التوسعة عليه في زمن فعل ما استؤجر عليه، فتأخيره حق له، وهذا يقتضي أنه يجوز التقديم على عام الشرط ابتداء، وقرره بعض الشيوخ على الكراهة ابتداء بحثا أخذه من قوله: "وأجزأ"، ويؤخذ من التعليل المتقدم أنه لا فرق بين أن يكون الشرط من الموصي أو من الوصى، ويكون قوله الآتي: "وفسخت إن عين العام" مقيدا بما إذا لم يقدمه عليه خلافا لابن عاشر. قاله محمد بن الحسن. وظاهر المصنف الإجزاء ولو كان في عام الشرط غرض للموصي: ككون وقفته بالجمعة، ومفهوم قوله: "إن قدم"، عدم الإجزاء إن أخر عن عام الشرط. أو ترك الزيارة؛ يعني أن الأجير على الحج إذا أتى بالحج وترك زيارة سيد الوجود ﷺ المشترطة أو المعتادة -والعياذ بالله تعالى- فإن ذلك الحج يجزئه؛ بمعنى أنه تبرأ ذمته مما التزمه ليستحق الأجرة، وكذا لو شرط عليه العمرة بعد الحج ففعل الحج وترك العمرة، فإنه يجزئه، وإذا شرط عليه الزيارة للنبي ﷺ أو كانت معتادة وتركها رجع عليه بقسطها؛ أي بمناب الزيارة، فيؤخذ من مال الأجير وهذا إذا تعذرت الزيارة، ففي المواق عن مناسك المصنف: ولو استؤجر واشترطت عليه زيارة النبي ﷺ فتعذرت عليه، فقال ابن أبي زيد: يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور. انتهى. ففرض الخلاف في تعذرها، قال الرماصي: فربما يفهم من فرضهم أنها لو تركت عمدا من غير تعذر يؤمر بالرجوع من غير خلاف. انتهى. وبذلك تعقب البساطي على المصنف والله أعلم. قاله محمد بن الحسن. وقد مر قريبا أنه يجزئه الحج إذا ترك العمرة المشترطة، ومثلها المعتادة وحينئذ فيرجع عليه بقسطها كالزيارة، وكذا لو تركهما معا فإنه يجزئ، ويرجع بالقسط أي بقدر ما يرى أنه ينوب ذلك من الأجرة، وقوله: "ورجع بقسطها" ويصنع به ما شاء، وقوله: "ورجع بقسطها"، قال عبد الباقي: سواء تركها لعذر أم لا كما يدل عليه كلامهم. انتهى. وقد مر ما لبناني باحثا مع عبد الباقي، أو خالف إفرادا لغيره؛ يعني أن الأجير إذا اشترط عليه ورثة الميت أن يحج عن ميتهم مفردا، فخالف وتمتع أو قرن، فإن ذلك يجزئه في المسألتين، وقيل: لا يجزئ، والإجزاء في الأولى لمالك، وفي الثانية لعبد الملك.
стр. 2569
وإذا قلنا بالإجزاء فالهدي على الأجير لأنه تعمد سبب ذلك كالجزاء والفدية، وله جميع الأجرة ولا يزاد فيها لزيادته نسكا، وإن قلنا لا يجزئه فلا شيء له من الأجرة ويقع ذلك نافلة للأجير. إن لم يشترطه الميت؛ يعني أن محل الإجزاء فيما إذا خالف الأجير إلى التمتع أو القران حيث اشترط عليه الإفراد، إنما هو إذا لم يكن المشترط لذلك الميت بأن اشترطه المستأجر من وصي أو ورثة أو تعين في الإطلاق، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن اشترط الميت الإفراد فخالف الأجير فقرن أو تمتع، فلا يجزئ ذلك عن الميت، وتنفسخ الإجارة إن خالف إلى قران مطلقا أو لتمتع، والعام معين وإلا لم تنفسخ، ويأتي بالإفراد. قاله ابن عبد السلام. وإنما أجزأ القران والتمتع عن الإفراد حيث لم يشترطه الميت لاشتمالهما على الإفراد، وإنما لم يجزيا عنه حيث اشترطه الميت لأنه إنما يشترطه لتعلق غرضه به، ففعل غيره كفعل غير ما وقع عليه العقد، وأتى بقوله: "وإلا فلا"، مع أنه مفهوم شرط، ليشبه به قوله: كتمتع بقران؛ يعني أنه إذا اشتُرط على الأجير أن يحج حج التمتع، فخالف وقرن فإن ذلك لا يجزئ، سواء كان المشترطُ الميت أو غيره، أو عكسه؛ يعني أنه إذا اشترط على الأجير أن يحج قارنا فأتى بتمتع، فإن ذلك لا يجزئ سواء كان المشترط الميت أو غيره. أو هما بإفراد؛ يعني أنه إذا اشترط على الأجير أن يحج متمتعا فخالف وأبدله بإفراد، فإن ذلك لا يجزئ سواء كان المشترط الميت أو غيره، وكذا لو اشترط على الأجير أن يحج قارنا فخالف وأفرد فإن ذلك لا يجزئ، سواء كان المشترط الميت أو غيره.
وبما قررت علم أن قوله: "أو هما"، يعود على التمتع والقران، وأن المعنى أنه إن اشترط عليه أحدهما فخالف وأبدله بإفراد، فالصور أربع: تمتع بقران وعكسه، أوأحدهما بإفراد، فإن قيل: الإفراد عمنا أفضل من التمتع والقران فمن اشترط عليه أحدهما وأتى بالإفراد لم يجزه مع أنه أتى بالأفضل، فالجواب أن الأجرة متعلقة بما وقعت في مقابلته ولو مفضولا، فعند المخالفة أتى بغير المعقود عليه، ألا ترى أنه لو استؤجر على العمرة فأتى بدلها بحج لم يجزه مع عدم الاختلاف في أفضليته على العمرة؟ أشار له سند. قاله عبد الباقي.
стр. 2570
وصرح صاحب الطراز بأن من استؤجر على شيء فخالف ما استؤجر عليه أنه يقع عن نفسه، وإن كان نواه عن غيره أي يقع نافلة هذا هو الظاهر. والله أعلم. انظر الحطاب. قوله: "كتمتع بقران" لخ، وانظر ما الفرق بين هذه المسائل الأربع حيث لم يفصل فيها، وبين التي قبلها حيث فصل فيها.
تنبيه: لو نسي الأجير ما استؤجر عليه، وغاب المستأجر وتعذر سؤاله، فينبغي أن يُؤتَى بالأفضل وهو الإفراد، وبعد ذلك ينظر في الإجزاء وعدمه. وقوله: "أو هما"، معطوف على "كتمتع" فإن قيل: هما ضمير رفع، فكيف يكون مجرورا: وأيضا فإنه يلزم على هذا دخول الكاف على الضمير وهو قليل؟ فالجواب أن ضمير الرفع استعير مكان ضعير الجر، وأن ارتكاب ما هو قليل غير مضر. أو ميقات، بالجر عطف على ما بعد الكاف، فهو في حيز المنفيات، شرط؛ يعني أنه إذا شرط على الأجير أن يحرم من ميقات عُيِّنَ له فخالف بأن أحرم من ميقات آخر، فإن ذلك لا يجزئه، وكذا إن تجاوز الميقات المشْتَرط حلالا ثم أحرم بعده فإنه لا يجزئه، وأما إذا أحرم قبله فإنه يجزئه. قاله سند. لأنه يمر عليه، وإذا لم يجزه فإن كان العام معينا وفات رد المال وإلا رجع وأحرم منه، وقوله: "أو ميقات شرط"؛ أي ولو كان الذي خالف له ميقات الميت لأنه شرط عليه غيره، والمراد شرطه ولو حكما كتعين ميقات الميت عند الإطلاق، وقوله: "أو ميقات شرط"، كما لو شرط عليه أن يحرم من ذي الحليفة فخالف وأحرم من ذات عرق، فظاهر المذهب أنه لا يجزئه، ويرد المال في الحج العين إن فات، وقوله: "شرط"، بالبناء للمفعول، فيشمل شرط الميت أو غيره. كما قاله الشيخ إبراهيم.
وفسخت؛ يعني أنه إذا لم تجز المخالفة في المسائل السابقة فإن الإجارة تنفسخ حينئذ سواء كانت بلاغا أو ضمانا، وإذا فسخت الإجارة فإنه يرد المال إن عين العام؛ يعني أن محل الفسخ حيث لم تجز المخالفة في المسائل السابقة إنما هو فيما إذا كان العام معينا بأن آجره على أن يحج عنه السنة الفلانية. وعدم؛ يعني أن محل الفسخ للإجارة في العام العين إنما هو حيث عُدِمَ الحج في العام المعين حقيقة؛ بأن تركه أو فات لصد أو مرض أو خطإ عدد، أو حكما بأن أفسده بوطء أو خالف كما في الصور المتقدمة، فقوله: "وعدم"، بالواو عطف على "عين"، أو جملة حالية، وعلى
стр. 2571
هذا فقوله: "إن عين العام وعدم"، مسألة واحدة شاملة لجميع ما أدخلته فيها، وفي بعض النسخ بأو معطوف على مقدر؛ أي وفسخت إن عين العام إذا حصلت المخالفة أو عدم الحج بأن لم يأت به لمرض أو غيره. قاله أحمد. أي كأن فاته أو فسد بوجه، وعلى هذا ففي الكلام مسألتان وهما داخلتان في المسألة المذكورة كما علمت، وفي بعض النسخ: وغرم؛ أي إذا فسخت الإجارة غرم الأجير المال الذي أخذه. والله سبحانه أعلم. والمراد بالفسخ في العام المعين حيث عدم الحج حقيقة أو حكما أن من أراده له ذلك، وأما إن تراضيا على البقاء لقابل فإن ذلك جائز على ما اختاره ابن أبي زيد وغيره، فليس المراد هنا أنه يتعين الفسخ ولو تراضيا على البقاء -كما يقوله اللخمي وغيره- لأن المؤلف لم يعرج عليه سابقا، وقد حمل الحطاب ما تقدم على الإطلاق، وحمل ما هنا على تحتم الفسخ فعارض بينهما وقد علمت دفع المعارضة. قاله الرماصي. وقوله: ما تقدم؛ يعني في قوله: "واستؤجر من الانتهاء". والله سبحانه أعلم. وسوى ابن رشد بين الفوات بالمرض، وخطإ الهلال، والإفساد بوطء، وحصر العدو: فجعل حكمها واحدا: الفسخ في المعين، والقضاء في غيره، وقبله ابن عرفة، وكذا إذا ترك الحج فيه لغير عذر فيما يظهر؛ إذ قصاراه أن يكون كالإفساد بالوطء. قاله الرماصي. خلاف ما في الحطاب عن الطراز من أن الورثة بالخيار في الفسخ والبقاء لقابل إذا تركه اختيارا أو أفسده بوطء. كغيره وقرن، الضمير في غيره للعام المعين؛ يعني أنه إذا لم يعين العام فإن الإجارة تنفسخ فيما إذا اشترط الميت على الأجير أن يفرد فخالف وحج قارنا، وفيما إذا اشترط هو أو المستأجر التمتع فخالف الأجير وحج قارنا، ومثل ذلك ما إذا شرط عليه القران أو التمتع فأفرد فإنه يفسخ أيضا، فتلك أربع صور تزاد على الصور السبع السابقة فيما إذا عين العام.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وهي أن يشترط الميت الإفراد، فيقرن الأجير أو يتمتع، أو التمتع فيقرن: أو القران فيتمتع، أو التمتع فيفرد، أو القران فيفرد، أو يخالف ميقاتا شرط. وقوله: "وقرن"، الواو للحال. أو صرفه لنفسه؛ يعني أن الأجير إذا أحرم بالحج عن الميت ثم صرف الإحرام لنفسه فإن الإجارة تنفسخ، وأشار بهذا إلى قول القراقي: إذا أحرم الأجير عن الميت ثم صرفه إلى نفسه لم يجز عنهما، ولا يَسْتَحِقُّ. وقوله: "أو صرفه لنفسه"؛ أي تنفسخ الإجارة
стр. 2572
مطلقا، سواء كان العام معينا أم لا؛ لأن عداءه خفي كعداء من خالف لقران. وعلم من قول القرافي: ولا يستحق أنه يرد الأجرة إن كان قبضها، وأما إذا أحرم الأجير ابتداء عن نفسه فإن الإجارة لا تنفسخ في غير المعين، ويجزئه عن نفسه معينا أم لا بمنزلة من غصب مالا وحج به، وتنفسخ الإجارة في المعين.
وفي النوادر: وإن نوى الأجير الصرورة عن نفسه وعن الميت أجزأه عن نفسه وأعاد عن الميت. رواه أبو زيد عن ابن القاسم. وروى عنه أصبغ لا يجزئ عن واحد منهما. وقاله أصبغ. ويرجع ثانيا عن الميت انتهى. وأعاد إن تمتع، هذا مفهوم قوله: "كغيره وقرن"؛ يعني أنه إذا اشترط على الأجير القران مطلقا اشترطه الميت أو غيره، أو اشترط عليه الميت الإفراد فخالف الأجير في المسألتين وتمتع. فإن الأجير يعيد ما شرط عليه في عام آخر ولا تنفسخ الإجارة، وقد علمت أن هذا حيث لم يعين العام.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ القران والتمتع أن القران يخفى لأنه يرجع للنية ولا يمكن الاطلاع عليها فقد يعود له ثانية بخلاف التمتع، فلذا كان القران يفسخ دونه. نقله الشيخ إبراهيم. وهل تفسخ إن اعتمر لنفسه في المعين يعني أن الأجير إذا أخذ مالا ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه ثم حج عن الميت، فلا يخلو ذلك من أن يكون العام معينا أم لا، فأما إن كان العام معينا فإن من الشيوخ من قال: تنفسخ الإجارة مطلقا ولا يرجع إلى الميقات فيحرم منه ولا يجزئه ذلك إن فعل، وأولى في الفسخ وعدم الإجزاء لو أحرم من مكة. أو إلا أن يرجع للميقات؛ يعني أن من الشيوخ من خالف في ذلك، فقال: تفسخ الإجارة إن لم يرجع الأجير إلى الميقات، وأما إن رجع إلى الميقات فلا تنفسخ الإجارة، بشرط أن يحرم عن الميت. فإذا أحرم عن الميت بالميقات فإنه يجزئه إحرامه ذلك، في ذلك تأويلان مخرجان على تأويلين منصوصين في غير المعين، وذلك أن المدونة مفروضة في غير المعين فيمن أخذ مالا ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه. ثم حج عن الميت، قال في المدونة: لم يجز عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى كما استؤجر، واختلف الشيوخ في تأويلها فتأولها بعض شيوخ ابن يونس أن ذلك لا يجزئه، سواء أحرم بالحج من مكة أو رجع إلى الميقات فأحرم منه، ورأى أنه لا يجزئه إلا أن يحج عن الميت
стр. 2573
من الموضع الذي استؤجر منه، وتأولها ابن يونس وسند على أنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم منه بالحج عن الميت أجزأه، وارتضاه أبو إسحاق، فَتَحَصَّلَ من هذا أنه إن رجع إلى الموضع الذي استؤجر منه أجزأه على كلا التأويلين بلا خلاف في ذلك، وأنه إن أحرم من مكة لم يجزه على كلا التأويلين، ولابن القاسم قول آخر أنه يجزئه إلا أن يشترطوا عليه أن يحرم من الميقات، واستبعده صاحب البيان وأنه إن رجع إلى الميقات فهو محل التأويلين.
فعلم من هذا أن التأويلين اللذين عند المصنف في المعين مخرجان على التأويلين في غير المعين، فمن قال: يرجع إلى بلده في غير المعين وهو لبعض شيوخ ابن يونس كما مر، قال بالفسخ في المعين حيث لا يمكن فيه الرجوع لبلده والعود منه بحيث يدرك الحج، وإلا فحكمه حكم ما إذا لم يكن العام معينا ففيه التأويلان المنصوصان؛ أي فلا بد من الرجوع للبلد، فإن لم يرجع فقال الشبراخيتي وعبد الباقي: تفسخ، ومن قال: يرجع إلى الميقات في غير المعين -وهو لابن يونس وارتضاه سند وأبو إسحاق- قال بعدم الفسخ في المعين إن رجع إلى الميقات، وكلام الخرشي هنا غير صحيح. والله سبحانه أعلم. وعلى القول بالإجزاء في مسألة المصنف، فإن كان اعتماره عن نفسه في أشهر الحج فهو متمتع والدم في ماله لتعمده سببه، وسكت المصنف عما إذا اشترط عليه القران فقرن فنوى العمرة عن نفسه والحج عن المستأجر له والمنصوص عدم الإجزاء. ابن عبد السلام: واختلف، هل يمكن من الإعادة أو تفسخ الإجارة، قال الحطاب: والظاهر أن هذا الخلاف في غير المعين، وأما في المعين فتفسخ، ولو استأذنهم في القران لعمرة نفسه فأذنوا له لم يلزمه شيء لأنه وفى لهم بما عاقدهم عليه، وهل يصح ذلك؟ الظاهر أنه لا يصح لأنه اشتراك في طواف واحد وسعي واحد، وذلك غير جائز، وقال أشهب في رجل حج عن رجل واعتمر عن آخر وقد أمره بذلك: أن دم القران على المعتمر، وإذا استأذنهم في التمتع بعمرة فلا إشكال في صحة ذلك.
ومنع استنابة صحيح في فرض؛ يعني أنه يمتنع أن يستنيب الصحيح غيره أي شخصا آخر في حج فرض ولا خلاف في ذلك، والمراد بالصحيح المستطيع وإن كان مريضا مرجوا صحته، وقوله: "واستنابة صحيح"، مصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: "ومنع استنابة صحيح"؛ أي ولا يصح ذلك
стр. 2574
إن وقع، وإلا؛ يعني أن غير الصحيح بالمعنى المتقدم إذا استناب في فرض أو نفل أو عمرة، وأن الصحيح أي المستطيع إذا استناب في حج نفل أو عمرة، كره ذلك، قال محمد بن الحسن: تبع المصنف في حكم الصحيح قول سند: اتفق أرباب المذاهب أن الصحيح لا تجوز استنابته في فرض الحج والمذهب كراهتها في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة. انتهى. وتبعه فيه ابن فرحون والتلمساني والقرافي والتادلي وغيرهم كما في الحطاب، وأطلق غير سند منع النيابة في الحج. قاله الرماصي. ونحوه قول التوضيح: من العبادات ما لا يقبل النيابة بالإجماع كالإيمان بالله تعالى، ومنها ما يقبلها بإجماع كالدعاء والصدقة ورد الديون والودائع، واختلف في الصوم والحج والمذهب أنهما لا يقبلان النيابة. انتهى. وأما المريض فاعتمد فيه المصنف ما حكاه في التوضيح عن الجلاب من أنه يكره استيجاره من يحج عنه، فإن فعل مضى. قاله محمد بن الحسن. ثم قال: والحاصل أن المصنف اعتمد في كراهة النيابة عن الصحيح قول سند، وفي المريض كلام الجلاب والمعتمد منع النيابة عن الحي مطلقا. هذا ما يفيده الرماصي. والله أعلم. ولا فرق في النيابة بين أن تكون بأجرة أو تطوعا. قاله الشارح. وأما قول شارح العمدة: النيابة في الحج إن كانت بغير أجرة فحسنة لأنه فعل معروف، وإن كانت بأجرة فالمنصوص عن مالك الكراهة لأنه من أكل الدنيا بعمل الآخرة، فالظاهر حمله على النيابة عن الميت الموصي لا عن الحي فلا يخالف ما قبله. انتهى.
وفي الحطاب: والكلام في العمرة كالكلام في حج التطوع لأنها عبادة بدنية وشأنهما واحد، فما جاز من ذلك -يعني الاستنابة- بأجرة أم لا في الحج جاز في العمرة، وما منع من ذلك في الحج منع في العمرة، فإن قيل: ما قررت به قوله: "وإلا كره"، من شموله لاستنابة غير القادر في الفرض غير ظاهر؛ إذ العاجز لا فريضة عليه؛ فالجواب: أن معنى ذلك ما يقع منه فرضا أن لو كان صحيحا كبدء مستطيع به عن غيره؛ يعني أنه يكره للمستطيع إذا كان صرورة أن يبدأ بالحج عن غيره قبل حجه عن نفسه، وأفهم جوازه للعاجز إذا تكلفه. وقوله: "به" متعلق: "ببدء"، والضمير عائد على الحج، فيشمل ما إذا كان من قد حج عنه صرورة، أو غير صرورة، وقوله: "كبدء مستطيع به"، يريد بغير أجرة، ومفهوم بدء أن تطوع مستطيع عن شخص بعد
стр. 2575
سقوط الفرض عن ذلك المتطوع لا يكره حيث كان بغير أجر، بدليل قوله: وإجارة نفسه؛ يعني أنه يكره للشخص أن يؤاجر نفسه في عمل طاعة كان حجا أو عمرة أو إمامة في الصلاة، وقد مر جواز الإجارة على الأذان وحده أو مع صلاة، وإيضاح ذلك أنه يكره للشخص أن يؤاجر نفسه في عمل من أعمال الطاعات إلا ما نص على جوازه، قال إمامنا مالك: لأن يؤاجر الرجل نفسه في حمل اللين والحطب وسوق الإبل أحب إلي من أن يعمل عملا لله تعالى بأجر، وهذه دار الهجرة لم يبلغنا أن أحدا منذ زمن رسول الله ﷺ حج عن أحد، ولا أذن فيه. انتهى. وذكر أبو حنيفة أنه يلزمه أن يستأجر من يحج عنه، وأن ينوي الحج ويقع للنائب تطوعا وللمستنيب أجر النفقة والدعاء، وقوله: "كبدء مستطيع" الخ، لا يأتي على المشهور من منع النيابة وعدم صحتها لا عن الصحيح ولا عن المريض، ولا على ما ذكره المصنف من الكراهة على ما فيه وإلا لكرهت مطلقا، وإنما هو مفرع على جواز الوصية. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "وإلا كره"، سواء كان النائب أجنبيا أو قريبا للمستنيب ولو ولدا على المشهور، وثالثها إلا الولد، ورابعها وقريب، وقوله: "وإجارة نفسه"، محل الكراهة حيث كرهت الاستنابة كما في قوله: "وإلا كره"، وتلزم الإجارة، فإن كانت ممنوعة فسخت فلا تكون إجارة نفسه مكروهة؛ إذ لا يتصور كون العقد من جانب مكروها ومن جانب حراما ويفسخ، وقوله: "وإجارة نفسه"، مفرع على قوله: "ونفذت الوصية"، كما لابن الحاجب وابن عبد السلام والتوضيح، ونصه: وإذا أجزنا الوصية وأنفذناها بعد الوقوع، فهل يجوز بعد ذلك أن يؤاجر نفسه أو يكره؟ في ذلك قولان المشهور كراهته لأنه أخذ العوض عن العبادة، وليس ذلك من شيم أهل الخير. انتهى. ونحوه لابن شأس. قاله محمد بن الحسن. ونفذت الوصية به أي بالحج؛ يعني أنه إذا قلنا إن الاستنابة في الحج مكروهة فإن الوصية به تنفذ على المشهور وهو مذهب المدونة، وقال ابن كنانة: لا تنفذ الوصية به لأن الوصية لا تبيح الممنوع، قال: ويصرف القدر الموصى به في هدايا، وقال بعض من قال بقوله: يصرف في وجه من وجوه الخير. من الثلث؛ يعني أن الوصية المذكورة إنما تنفذ من الثلث: وإنما نفذت الوصية بالحج عند مالك، وإن كان لا يجيز النيابة في الحج مراعاة لخلاف الشافعي.
стр. 2576
وتنفذ الوصية من الثلث سواء كان الموصي صرورة، أو غير صرورة وقال أشهب: إن كان صرورة نفذت الوصية من رأس المال، فإن لم يوص به لم يحج عنه، وقال ابن الحاجب: وإن لم يوص لم يلزم وإن كان صرورة، ومفهوم كلامه أن مقابل الأصح يقول يلزم أن يحج عنه وإن لم يوص، وهذا القول غير معروف أنكره ابن عرفة، واعترضه التوضيح أيضا بأن الخلاف في الجواز وعدمه كما يظهر من كلام ابن بشير وابن شأس لا في اللزوم، خلافا لابن الحاجب، وإذا أوصى بمال وَحَجٍّ فإن كان صرورة فقال مالك في المدونة: يتحاصان، وقال في العتبية: يقدم حجة الفريضة، قال في البيان: والصحيح على مذهب مالك أن الوصية بالمال مبدأة الأنه لا يرى أن يحج أحد عن أحد فلا قربة في ذلك على أصله، وإن كان غير صرورة ففي المدونة: أنَّ المال مبدأ، وفي العتبية: يتحاصان، ففي هذه قولان، وفي الأولى ثلاثة أقوال.
وقد علمت أن محل هذا حيث كان الثلث لا يسع الجميع وإلا فلا تحاص، بل يخرج الجميع من الثلث. والله سبحانه أعلم. واقتصر المصنف على مذهب المدونة في المسألتين؛ أعني مسألتي الوصية بمال، وحج من الصرورة وغيره.
فائدة: قال ابن عبد السلام: في شرح ابن الحاجب، قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي: الفرق بين النيابة والاستنابة أن النيابة وقوع الحج عن المحجوج عنه وسقوط الفرض عنه، ومعنى الاستنابة جواز الفعل من الغير فقط، يريد بالغير المستنيب. انتهى. نقله الحطاب. فجواز في كلامهم اسم مصدر أجاز، فهو بمعنى إجازة ومعناه الإذن والإباحة المقابلة للمنع، وقوله: من الغير، من فيه بمعنى: عن متعلقة بالفعل، وكأنه عبر بجواز دون طلب الذي يشعر به السين والتاء؛ لأنها تارة تكون على وجه الطلب من المستنيب، وتارة بدونه بل إطلاقا وإباحة لمن أراد ذلك، ولفظ جواز يتناول الأمرين وإن كان فيه من الخفاء ما لا يخفى. قاله المسناوي. قاله محمد بن الحسن.
وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ؛ يعني أن الشخص إذا أوصى أن يحج عنه بجميع ثلث ماله، فإنه يحج عنه بذلك حجج متعددة حتى يستوعب جميع ما أوصى به، وإنما يحج عنه من بلده إن لم يسم بلدا وإلا فمنه، فإن فضلت فضلة لم يمكن الحج بها من بلده فإنه يحج بها عنه من حيث ما بلغ، ولو من مكة هكذا في المواق عن ابن رشد. قاله محمد بن الحسن. وقوله "حجج"، رد به على ابن
стр. 2577
المواز حيث استحسن جعله في حجة. إن وسع؛ يعني أن محل كونه يحج عنه حجج إنما هو إذا وسع ما أوصى به ذلك لكثرته، فإن لم يسع ذلك حج عنه بما وسع من حجة واحدة أو أكثر. ابن عاشر: ليس المراد بوسع إمكان الحج به أكثر من مرة واحدة فقط كما يتبادر من لفظه، بل المراد كثرته جدا، حتى أنه لو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة وأمكن أكثر من ذلك كان الزائد ميراثا. قف على التوضيح. قاله محمد بن الحسن. ويأتي نحوه قريبا للشبراخيتي، وقال يحج به؛ يعني أن محل كونه يحج عنه حجج إن وسع إنما هو إذا قال: يحج به عني أو حجوا به عني، فيحج عنه حجج ولو كثر الثلث كثلاثة آلاف دينار كان الموصي صرورة أو غيره، قال الشيخ إبراهيم: وهذا إذا أشبه أن يكون ما أوصى به يحج به أكثر من واحدة، وأما إن أشبه أن يحج به واحدة فإنه يرجع الباقي ميراثا، ولو قدر أن يحج به أكثر من واحدة لوجود من يؤجره بأقل كما يفهم من كلام الشارح. انتهى. وهو موضح لما تقدم عن ابن عاشر. والله سبحانه أعلم.
والواو في قوله: "وقال"، إما للعطف على "وسع"، أو واو الحال وجعلت كلام المصنف في الوصية بالثلث. لا منه؛ يعني أن محل كون الموصي يحج عنه حجج إنما هو حيث قال: حجوا به، وأما إن قال: حجوا منه، فإنما يحج عنه حجة واحدة لإتيانه بمن التبعيضية والباقي يكون ميراثا. وإلا؛ أي وإن لم يبلغ الثلث حججا، فإنه بحج عنه حجة واحدة، وما بقي فهو ميراث. وتحصل من هذا أن الباقي بعد حجة واحدة يرجع ميراثا، فيما إذا قال: منه، قل أو كثر، وفيما إذا لم يسع الثلث حجتين فأكثر حيث لم يقل منه، فإن وسع أكثر منها حج عنه بقدر ما وسع من الثلث، وما بقي مما لا يسع حجة فهو ميراث. كوجوده بأقل، تشبيه في رجوع الباقي ميراثا؛ يعني أن الموصي إذا سمى قدرا من المال يحج به، فوجد من يحج بأقل منه فإن الباقي يرجع ميراثا كما قاله ابن القاسم في المدونة، وهذا إذا لم يسم الميت من يحج عنه، وسيأتي ما إذا سمى الميت من يحج عنه، والضمير في قوله: "كوجوده"، يرجع للأجير، وقوله: بأقل؛ أي مما سمى. أو تطوغ غير، عطف على وجوده فهو تشبيه في رجوع المال ميراثا، ومعنى كلامه أن الميت إذا سمى قدرا من المال يحج به فتطوع أحد بالحج عنه فإن المال كله يرجع ميراثا. وهل إلا أن يقول يحج عني بكذا؟ هذا راجع لقوله: "كوجوده بأقل أو تطوع غير"؛ يعني أن الشخص إذا
стр. 2578
سمى قدرا من المال يحج به ولا فهم منه إعطاء الجميع فوجد من يحج بأقل من القدر المسمى أو من يتطوع عنه بالحج، وقلنا يرجع الباقي في المسألة الأولى ميراثا والمال كله في الثانية كما مر، فهل ذلك مطلقا؟ سواء قال الميت: يحج عني بكذا حجة، أو قال: يحج عني بكذا ولم يقل حجة، أو يرجع ميراثا في المسألتين إلا إذا قال الميت يحج عني بكذا ولم يقل حجة، فإنه يصرف كله في الحج، ويحج عنه حجج. ولا يرجع الباقي في الأولى ميراثا ولا المال كله في الثانية، وعلى هذا التأويل فما بقي بعد حجة ولم يبلغ أخرى يرجع ميراثا. والله سبحانه أعلم. وإيضاح كلام المصنف أن تقول: ظاهر كلام ابن القاسم أنه يرجع الباقي في المسألة الأولى ميراثا والمال كله في الثانية مطلقا، وفصل ابن المواز، فقال: إن قال حجوا عني به حجة فكذلك، وإن قال: حجوا عني به ولم يقل حجة، حج عنه به حجج، واختلف هل قول ابن المواز مفسر لقول ابن القاسم أو خلاف له؟ والأقرب أنه خلاف، وإلى الخلاف في كون قول ابن المواز تفسيرا لقول ابن القاسم أو خلافا له، أشار المصنف بقوله: تأويلان؛ وهذا الذي قررت به كلام المصنف من رجوع قوله: "وهل إلا أن يقال يحج عني بكذا فحجج تأويلان" لقوله: "كوجوده أو تطوع غير"؛ هو الذي قرره به الحطاب وغيره.
وقال الحطاب: إنه هو المتعين، وما عداه إنما هي احتمالات يدفعها ظاهر كلام المصنف، وتردها النقول إما لكونها مخالفة لها أو لعدم وجودها. والله أعلم. انتهى. وعلى هذا التقرير الذي قررته تبعا للحطاب، فإذا وجد من يتطوع عنه بحجة فإن جميع المال يرجع ميراثا على التأويل الأول، وأما على التأويل الثاني فكذلك أيضا إن كان المال لا يسع إلا حجة واحدة، فإن كان يسع حجتين أو أكثر ووجد من يتطوع عنه ببعض ما يسعه المال، كما إذا كان المال يسع أن يحج به ثلاث حجات ووجد من يتطوع عنه بحجة منها، فإن ما يقابل تلك الحجة من المال يرجع ميراثا ويستأجر بباقيه من يحج عنه ما بقي ولم يتنزل لهذا الحطاب. قاله الشبراخيتي.
وقولي في أول الحل: ولا فهم منه إعطاء الجميع، قال المصنف في مناسكه: وإن سمى قدرا حج عنه به، فإن وجدوا من يحج عنه بدونه كان الفاضل ميراثا إلا أن يفهم إعطاء الجميع هذا إن سمى حجة، وإن لم يسم فكذلك عند ابن القاسم. وقال ابن المواز لخ.
стр. 2579
تنبيه: قال عبد الباقي وغيره: إن قوله: "تأويلان"، لا يجريان في مسألة الإيصاء بالثلث، بل يصرف جميعه في الحج، وجد من يحج بأقل منه أو تطوع غير أولا، وجعل قول المصنف: "كوجوده بأقل أو تطوع غير"، فيما إذا عين قدرا، وجعل قوله: "وحج عنه حجج إن وسع"، فيما إذا وصى بالثلث وهو الذي قررت به، وقال محمد بن الحسن: إنه لا فرق بين أن يوصي بالثلث وبين أن يعين قدرا يحج به، فجعل التأويلين جاريين في مسألتي الإيصاء بالثلث وبقدر معين، قال: ومحلهما في غير الواسع، وأما الواسع فلا يجري فيه التأويلان كان ثلثا أو قدرا معينا، وقال عند قول المصنف: "كوجوده بأقل"، هذا في غير الواسع وهو ما يشبه أن يحج به حجة واحدة، ويمكن أكثر كما ذكر ابن عاشر، وهو داخل تحت إلا، لكن ذكره لأجل التأويلين. هذا هو الصواب في فهم كلام المصنف كما يدل عليه كلام ابن رشد الآتي وغيره، ولا فرق بين أن يوصي بمال معين أو بالثلث كما حمله عليه الشارح والتتائي، وكلام ابن رشد الذي أشار إليه هو قوله في البيان: إنه لما كان الثلث واسعا حمل على أنه لم يرد حجة واحدة، ولو كان ثلثه يشبه أن يحج به حجة واحدة رجع ما بقي ميراثا كما قال في المدونة. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قول المصنف: "وهل إلا أن يقول": الظاهر أن التأويلين يرجعان للمسألتين كما في الحطاب والخرشي وغيرهما. انتهى المراد منه.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر من صنيع الحطاب أنه موافق لما قال عبد الباقي، والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر عن محمد بن الحسن أنه إذا أوصى بالثلث للحج، وقال: حجوا عني حجة أن الباقي يكون ميراثا. والله سبحانه أعلم.
وتَحَصَّلَ مما مر أن محمد بن الحسن جعل كلام المصنف كله شاملا للوصية بالثلث ونحوه، وبقدر معين والتأويلان عنده جاريان في الشائع وغيره، وإنما يجريان في غير الواسع فقط لا في الواسع، وأن عبد الباقي وغيره جعل قوله: "وحج عنه حجج إن وسع" إلى قوله "فميراث" في الوصية بالثلث، وقوله: "كوجوده بأقل أو تطوع غير"، فيما إذا أوصى بقدر معين. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال عبد الباقي: حيث قلنا يحج عنه حجج، فهل يجتزى بفعلها من متعدد في عام واحد، أو إنما يُجْتَزَأُ بها إن وقعت على ما كان يوقعها الموصي؟ وهذا حيث لا يفهم من حاله
стр. 2580
شيء، وإلا عمل عليه كما في قوله: "وحج على ما فهم"، ودفع المسمى، يشمل ما عين بالجزء كسدس أو ثلث، أو بالعدد كأربعين دينارا، وبالشخص كهذا، وإن كان ذلك المسمى قد زاد على أجرته أي أجرة مثله لمعين، متعلق "بدفع"، وسواء كان معينا بالشخص كزيد أو بالوصف كعالم، والضمير في أجرته يعود على الحج، ويمكن أن يعود على المعين، وفيه عود الضمير على متأخر لفظا، متقدم رتبة وهو سائغ، وقوله: لا يرث صفة لمعين؛ يعني أن الشخص إذا أوصى أن يحج عنه شخص عينه كزيد بكذا، فإنه يدفع جميع المسمى لذلك الشخص المعين، سواء كان المسمى يزيد على أجرة المثل أم لا بشرط أن يكون هذا الشخص المعين لا يرث بالفعل كأجنبي أو أخ مع وجود ابن وهو قيد في المبالغ عليه فقط، وأما قدر الأجرة فيدفع لذلك الشخص المعين وإن كان وارثا بالفعل، فلو حذف المصنف الواو الداخلة على إن لكان أحسن أو تجعل للحال، ويعتبر كونه وارثا أو غير وارث وقت تنفيذ الوصية، وسيأتي للمصنف في الوصية: "والوارث يصير غير وارث، وعكسه المعتبر مآله"، وليس للمعين أن يقول ادفعوا إلي الزائد وأحِجُّوا غيري لأنه إنما أوصى له بشرط الحج، فإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه، فقال العوفي: لا يدفع له إلا على البلاغ إذا كان فيه كثرة لأنه يرد الفضل، وفي الضمان: لا يرد، فتتحقق الوصية لوارث. انتهى. وهو يخصص قوله فيما مر: "وإجارة ضمان على بلاغ" بما إذا لم يعلم أنه لا يفضل شيء من الأجرة للوارث وإلا منعت إلا أن يرضى بها الوارث، فينتفي المنع فيقع العقد عليها كما يفيده الطخيخي. قاله الشيخ عبد الباقي. فعلم أن منع دفع الثلث للوارث إجارة ضمان إنما هو حيث لم يُعلَم أن إجارة الضمان لا يفضل فيها شيء من الأجرة للوارث وإلا جاز. فهم إعطاؤه له؛ يعني أن محل كون المعين يدفع له المسمى وإن زاد على أجرة المثل إنما هو حيث فهم من الموصي إعطاء الزائد له، وأما إن لم يفهم من الموصي إعطاء الزائد له فإنما له أجرة مثله ولا يزاد عليها، فإن أبى فقال عبد الباقي: لا شيء له ويرجع ميراثا. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر لأن أقل أحواله أن يكون كما إذا عين غير وارث ولم يسم، وقد قال المصنف: "زيد إن لم يرض بأجرة مثله ثلثها". انتهى. وما ذكره المصنف هو قول ابن القاسم في المدونة، وقال ابن المواز: يكون الجميع للموصى له، فهم إعطاؤه له أولا، إلا أن يرضى بدونه بعد علمه بالوصية. وإن
стр. 2581
عَيَّن غيرَ وارث ولم يُسَمِّ زِيدَ؛ يعني أن الموصي إذا عين للحج عنه شخصا غير وارث، فإن سمى شيئا لم يزد عليه، وإن لم يسم قدرا يدفع له، فإن رضي بأجرة مثله فواضح، وزيد إن لم يرض بأجرة مثله ثلثها، بالرفع نائب فاعل زيد، وبالنصب مفعول ثان ونائب الفعل ضمير مستتر يعود على الموصى له، كما قالوا في نحو: زَيدٌ زِيدَ في رزقه عشرون من جواز الرفع لعشرين على أنه نائب الفاعل، والنصب على أنه مفعول ثان لزِيدَ، ونائب الفاعل مستتر، والزيدون زِيدُوا أو زِيدَ في رزقهم عشرين أو عشرون، والزيدَانِ زِيدَا أو زِيدَ في رزقهما عشرين أو عشرون. ومفهوم قوله: "إن عين غير وارث"، أنه لو عين وارثا لم يُزَدْ على أجرة مثله -كما مر- ثم تربص؛ يعني أن الموصى له المعين وهو غير وارث إذا لم يرض بأجرة المثل ولا بما زيد عليها من ثلثها، فإنه يتربص أي ينتظر مدة لعله يرضى، وهل يتربص سنة أو بالاجتهاد؟ قولان، وزيادة الثلث والتربص المذكوران جاريان في الصرورة وغيره.
ثم أوجر للصرورة؛ يعني أنه بعد التربص المذكور الكائن بعد زيادة ثلث الأجرة ينظر، فإن كان الموصي صرورة وهو الذي لم يحج الفرض فإنه يؤجر له غير المعين يحج عنه، وأما غير الصرورة فتبطل الوصية للمعين ويرجع المال كله ميراثا كما في المدونة؛ لأن رد المعين كرد الوصية من أصلها، ولهذا قال: فَقَطْ أي إنما يستأجر غير المعين للحج عن الموصي في الصرورة فقط؛ أي دون غيره ممن لم يكن صرورة، فتبطل الوصية ويرجع المال كله ميراثا، وما مشى عليه المصنف في الصرورة متفق عليه، وما مشى عليه في غير الصرورة هو قول ابن القاسم في المدونة، وقال غير ابن القاسم في المدونة: لا فرق بين الصرورة وغيره فيؤجر من يحج عنه.
فرع: قال في كتاب الوصايا من المدونة: ومن قال في وصيته: أحجوا فلانا ولم يقل عني أعطي من الثلث قدر ما يحج به، فإن أبى الحج فلا شيء له، وإن أخذ شيئا رده إلا أن يحج به. قال أبو الحسن عن اللخمي: يعطى ما يقوم به لحجه لكراء ركوبه وزاده وثياب سفره وغير ذلك من آلات السفر وكراء سكناه بمكة أيام مقامه حتى يحج، والنفقة في ذلك على ما يعتاد مثله، فإذا انقضت أيام الرمي سقطت النفقة عن الموصي إلا أن تكون العادة في مثل هذا أن ينفق عليه حتى يعود إلى أهله.
стр. 2582
الشيخ: ولو قال أحجوا فلانا الوارث لم يدفع إليه شيء لأنها وصية لوارث. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "ولم يقل عني" وأما إن قال عني فهو ما مر من كلام المصنف.
واعلم أن الصرورة يطلق لغة على من لم يتزوج كأنه صر دراهم ولم ينفقها، وقال الشافعي: أكره لمن لم يحج أن يسمى صرورة واحتج أصحابه بخبر ابن عباس: (لا صرورة في الإسلام (١))، وقال سند: لا حجة فيه لأنه ما قال لا يقال لمسلم صرورة، وإنما نهى أن يكون المسلم صرورة إما بأن ينقطع عن النكاح على وجه رهبانية أو يترك الحج مع القدرة فيبقى صرورة. غير عبد، "غير"، بالرفع نائب أْوجِرَ؛ يعني أنه يشترط في كل أجير حاج عن صرورة أن لا يكون عبدا لتنزل حجه منزلة حج الموصي، وليس خاصا بالصرورة قبله، وحينئذ فالصرورة في غير فرض المصنف لا يؤجر له العبد والصبي، كما أنه في فرض المصنف كذلك وإنما يختلفان في غير الصرورة، ففي فرض المصنف لا يؤجر له عبد ولا صبي، ويرجع المال كله ميراثا كما مر، وفي غيره يؤجر له العبد والصبى. وَصَبي؛ يعني أنه يشترط في كل أجير حاج عن صرورة أن لا يكون صبيا لتنزل حجه منزلة حج الوصي وليس خاصا بالصرورة قبله، وحينئذ الخ ما مر فَأَجْرِ حكم الصبي على حكم العبد في جميع ما مر قريبا كما قدمته من غير فرق يا فتى، وإذا أوصى الصبي أن يحج عنه عبد أو صبي نفذت وصيته، فإن أبى ولي الصبي أو سيد العبد فيما إذا عينهما الموصي استؤني لبلوغ الصبي، فإن حج وإلا رجع المال كله ميراثا، وأما العبد فذكر فيه ابن يونس قولين أحدهما عن غير واحد من متأخري الفقهاء أنه لا يستأنى عتق العبد، فيرجع ميراثا كما في الحطاب، وتنظير عبد الباقي قصورٌ، والثاني أنه يستأنى عتق العبد حتى يحصل اليَأْس من عتقه فيورث حينئذ، والظاهر الأول؛ لأن لبلوغ الصبي حدا ولا حد لعتق العبد، وفي المدونة: ومن أوصى عند موته أن يحج عنه أنفذ ذلك ويحج من قد حج أحب إلي، وإن استؤجر لمن لم يحج أجزأ، وفي النوادر: ومن أوصى أن يحج عنه فأنفذ ذلك ثم استحقت رقبته، فإن كان معروفا بالحرية فلا ضمان على الوصي ولا على الأجير وما لم يفت من ذلك رد، وسيأتي للمصنف: "وإن أنفذت وصية مستحق برق" الخ.
стр. 2583
ولما كان يكفي في النائب مشاركة المنوب عنه في أصل تعلق الخطاب لاشتراكهما (١) في كل الأفعال، والمرأة تشارك الرجل في ذلك الأصل، نبه على صحة استيجارها عنه بقوله: وإن امرأة؛ يعني أن المرأة يجوز استيجارها على أن تحج عن رجل لمشاركتها له في أصل تعلق الخطاب، وإن خالفته في صفة الإحرام والرمل في الطواف والسعي، خلافا لمن منع نيابتها لذلك عنه، وإذا أبى الموصى له ثم رجع قبل قسم الوارث المال في مسألة غير الصرورة، وقبل استيجار غيره في مسألة الصرورة فهل يعمل برجوعه أو بمجرد إبايته استحق الورثة المال في مسألة غير الصرورة (٢)؟ ويفرق في مسألة الصرورة فإن رجع قبل الاستيجار قُبلَ رجوعه وبعده لا يعمل برجوعه. انظر في ذلك. قاله عبد الباقي.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه بمجرد مضي التربص المذكور يكون ملكا للورثة في مسألة غير الصرورة كما هو ظاهر كلام غير واحد، وأنه في مسألة الصرورة بعد عقد الإجارة لا يعمل برجوعه؛ لأن العقد وقع صحيحا منبرما فمضيه واضح، وأما إن رجع بعد مضي التربص وقبل عقد الإجارة فالظاهر أنه يعمل برجوعه تنفيذا لغرض الموصي. والله سبحانه أعلم انتهى.
ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدا؛ يعني أن الوصي إذا دفع المال إجارة للعبد والصبي ظانا بلوغ الصبي وحرية العبد فحجا عن الصرورة أو لم يحجا وتلف المال، فإن الوصي لا يضمن شيئا من ذلك المال عند تبين خطإ ظنه؛ لأنه اجتهد حد اجتهاده والمقصود حصول الثواب وهو يحصل مع العبد والصبي، وأما لو بقي المال بأيديهما فإنه ينزع منهما، ومحل التقييد بالاجتهاد حيث كانا لا يستأجران، وذلك فيما إذا كان الموصي صرورة ولم يأذن في استئجارهما أو كان غير صرورة ومنع من استئجارهما، وإذا قلنا بعدم الضمان على الوصي فإن العبد يضمن إن غر وتكون جناية في رقبته كما مر في الزكاة في قوله: "وإن غر عبد بحرية فجناية على الأرجح". قاله عبد الباقي، والخرشي والشبراخيتي. وسيأتي في آخر الوديعة أن كل ما يتعلق برقبة العبد فهو في مال الصبي، وكل ما يتعلق بذمته فهو ساقط عن الصبي. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قول عبد
стр. 2584
الباقي "ما يتعلق برقبة العبد" الخ: غير صحيح، بل هو في ذمته. انتهى. وأما ما يستأجران فيه، وذلك فيما إذا كان الموصي صرورة وعين عبدا أو صبيا أو غير صرورة ولم يمنع منهما، فإنه لا يضمن الوصي بدفعه لعبد أو صبي مالًا يحج به عن الموصي ولو علم أنه صبي أو عبد، ومفهوم قوله: "مجتهدا"؛ أنه لو دفع إليهما غير مجتهد ضمن وهو كذلك. والله سبحانه أعلم.
وإن لم يوجد بما سمى من مكانه حج من الممكن؛ يعني أن [الوصي] (١) إذا سمى قدرا فإنه لا يزاد عليه الأجير بل يحج به عنه من مكانه الذي أوصى فيه، فإن لم يوجد من يحج عنه بما سمى من مكانه فإنه يحج عنه به من المكان الممكن الحجُّ منه، وقوله: "يوجد"، مركب، والنائب ضمير مستتر عائد على الأجير، وقوله: "من مكانه"، قال محمد بن الحسن: المراد بمكانه محل موته. ابن عرفة: ويحج عنه من محل موته، فإن قصر عنه المال فمن حيث أمكن. انتهى.
وعلم من هذا أن الضمير في "مكانه"، عائد على الموصي، وقوله: "من مكانه"، متعلق بمقدر تقديره: وإن لم يوجد أجير يحج من مكان الميت. ولو سمى؛ يعني أنه إذا لم يوجد من يحج عنه بما سمى من مكان موته، فإنه يحج عنه من المكان الممكن الحج منه، ولا فرق في ذلك بين ما إذا لم يسم الموصي بلدا، بأن قال: حجوا عني، وبين ما إذا سمى مكانا كقوله: حجوا عني من بلد كذا، فيتعين مكان موته إن وجد من يحج منه، فتسميته غير ما مات به لغو، فإن لم يمكن الحج من مكان موته فيحج عنه من المكان الممكن، ورد المصنف بلو قول ابن القاسم: يرجع ميراثا حيث سمى الموصي مكانا وإن لم يَمْنَعْ، وما عند المصنف قول أشهب، وفي التوضيح أنه روي أيضا عن ابن القاسم. إلا أن يَمْنَعَ؛ يعني أن محل كونه يحج عنه من المكان الممكن حيث سمى مكانا ولم يوجد من يحج عنه من مكانه إنما هو حيث لم يمنع الموصي من أن يحج عنه من غير المكان الذي سماه، وأما إن منع من غير المكان الذي سماه بنص، كلا تحجوا عني إلا من موضع كذا أو بقرينة، إنه لا يحج عنه من الممكن، والمال الذي سماه ميراث، وإذا تأملت ما قررت به كلام المصنف علمت أن صورة المسألة أنه سمى قدرا من المال وقال حجوا به عني فلم يوجد من يحج عنه به من بلده الذي أوصى فيه؛ أي المكان الذي مات فيه، فإنه يستأجر له من مكان يمكن أن
стр. 2585
يحج عنه منه، ولا خلاف في ذلك إذا لم يسم مكانه الذي يحج عنه منه، فإن سماه بأن قال: حجوا عني بهذا القدر من المكان الفلاني فلم يوجد من يحج عنه من مكانه، فالمشهور أنه يستأجر له من يحج عنه من المكان الممكن، وهذا هو قول ابن القاسم: ولا يرجع ميراثا إلا أن يمنع بنص كلا تحجوا عني إلا من موضع كذا أو قرينة، فميراث اتفاقا، وقد مر أن المراد بمكانه المكان الذي مات فيه، وعليه فتسميته غير ما مات به لغو قاله محمد بن الحسن.
ولزمه الحج بنفسه؛ يعني أن الشخص إذا استؤجر على الحج فإنه يلزمه أن يحج بنفسه عمن استؤجر على أن يحج عنه، وهذا إذا أطلق وأولى إن وقع منه نص أو قرينة على ذلك، فالنص كقوله: استأجرتك للحج بنفسك والقرينة ككونه ممن يرغب فيه لعلمه أو صلاحه، ولا يجوز له استئجار غيره ولا يقوم وارثه مقامه في المسائل الثلاث على ما شهره المصنف هنا في الإطلاق؛ أي حيث لم ينص ولم تقم قرينة بخلاف أجير غير الحج في الإطلاق، وعلى مقابل المصنف يتعلق بذمته وينبني على الخلاف إذا أراد الأجير أن يستأجر من هو في مثل حاله، ويخرج عليهما ما إذا مات الأجير في أثناء الطريق، فعلى تعلقهما بنفسه تنفسخ الإجارة، وعلى تعلقهما بذمته يستأجر له من ماله من يتم ويكون الفضل له والنقصان عليه. وقوله: "بنفسه"، توكيد، وذلك يوجب كون الباء زائدة كما ذكره المرادي وغيره، ثم إن النائب يصلي ركعتي الإحرام والطواف، وليس هذا من النيابة في الأعمال البدنية لأن هذه ليست نيابة حقيقة، قال في المدونة: من حج عن ميت فالنية تجزئه، وإن لم يقل لبيك عن فلان، قال سند: ومقصوده أن ينعقد عن الغير بمجرد النية كما ينعقد عن المحرم بمجردها. وقوله: "ولزمه الحج بنفسه"، قد علمت أنه لا يقوم وارثه مقامه وهذا حيث عين الأجير كما علم من التقرير، ويأتي مفهوم ذلك قريبا إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: "وقام وارثه مقامه". لا الإشهاد، عطف على الحج؛ يعني أنه لا يلزم الأجير أن يشهد عند الإحرام أنه أحرم عن فلان، وهذا إذا قبض الأجرة مطلقا أو لم يقبضها وكان غير متهم وحلف أنه أحرم عن المستأجر، وظاهر سند تصديقه بغير يمين، وأما إن كان متهما فلا بد من إشهاده عند الإحرام ولا يكفي منه اليمين، وهذا التفصيل في إجارة الضمان فقط لا في البلاغ؛ لأن تأخير الأجرة فيها أو بعضها يفسدها. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن:
стр. 2586
يعني إذا كان التأخير مدخولا عليه. انتهى. إلا أن يعرف؛ يعني أنه لا يلزم الأجير الإشهاد عند الإحرام أنه أحرم عن فلان إلا أن يجري العرف عند الناس بالإشهاد أو يشترط فيلزمه الإشهاد عند الإحرام، ولا يصدق في دعواه ولو أمينا وحلف، ولا يستحق أجرة ولو قبضها.
وبما قررت علم أن قوله: "إلا أن يعرف"، نائبه ضمير يعود على "الإشهاد". سند: إن كان بينهم شرط أو عرف عمل به، وإن انتفيا فإن قبض الأجرة فهو أمين على ما يفعل ولا تسترد منه الأجرة حتى تثبت خيانته، وإن لم يقبض الأجرة فلا شيء له حتى يثبت أنه وفى ولا يصدق إن اتهم إلا ببينة. والله أعلم. قاله الحطاب. ولما قدم أن الأجير المعين بنص أو قرينة وكذا عند الإطلاق يلزمه الحج بنفسه وقيل بذمته وعليهما ينبني لو مات الأجير أثناء الطريق كما مر، بَيَّنَ الحكم في الأجير غير المعين، فقال: وقام وارثه مقامه في من يأخذه في حجة؛ يعني أن الأجير غير المعين إذا مات في الأثناء فإن وارثه يقوم مقامه مثال ذلك أن يقول الموصي: ادفعوا هذا القدر إلى من يأخذه في حجة مضمونة في ذمته، أو من يأخذ هذا القدر في حجة فيأخذه شخص.
واعلم أن ما أورده الشيخ عبد الباقي هنا من الاستشكال والجواب ساقط؛ لأن الإجارة إنما تنفسخ بتلف ما تستوفى منه المنفعة حيث كان معينا، والأجير هنا غير معين ثم إذا قام وارث الأجير مقام موروثه فإنه يبتدئ الحج ولا يكمل على فعل موروثه، ويُحْرِمُ من الموضع المشترَطِ الإحرامُ منه ومن ميقات للمستأجر حيث اتسع الوقت وإلا فمن موضع يدرك فيه.
وعلم مما مر أن الأجير إذا كان معينا لا يقوم وارثه مقامه، بل تنفسخ الإجارة وذلك في ثلاث: أن يقول استأجرتك على أن تحج عني بنفسك وعين بنص أو قرينة أو أطلق، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: "ولزمه الحج بنفسه"، وقيل إن أطلق بأن قال: استأجرتك على أن تحج عني ولم يقل بنفسك ولا قامت قرينة عليه فإنه يكون في ذمته، وأنه إن لم يكن الأجير معينا كما لو قال المؤجر من يأخذ كذا في حجة فأخذ ذلك المال شخص على أن عليه حجة في ذمته فمات ذلك الأجير في الأثناء، فإنه يقوم وارثه مقامه ويبتدئ الحج ولا يبني على ما فعل موروثه؛ لأن الإجارة لا تنفسخ بموت الأجير غير المعين، فللوارث أن يحرم في السنة المعينة إن لم تفت، وله أن يحرم في غير المعينة وإن فاتت، ويحرم من موضع شرط المستأجر أو من ميقاته، ولا يحتسب بما فعله موروثه
стр. 2587
-كما مر- وقوله: "وقام وارثه مقامه" الضمير في "وارثه" "ومقامه" للأجير، وأما وارث الموصي فإنه يقوم مقامه من غير فرق بين كون الأجير معينا وغير معين، وقد مر أنه إذا كان العام معينا وفات الحج وتراضيا على البقاء لقابل أن لهما ذلك.
والحجة بكسر الحاء وسمع فيها الفتح، وقال القسطلاني: في حجة الوداع فتح الحاء هو الرواية، ويجوز كسرها، وذو القعدة بفتح القاف على الأشهر. ولا يسقط فرض من حُجَّ عنه؛ يعني أن من حج عنه لا يسقط عنه الفرض بذلك؛ لأن الحج لا يقبل النيابة على المذهب، وسواء كان المحجوج عنه حيا أو ميتا، وكما لا يسقط عنه الفرض فذلك لا يكتب له نافلة، وَإذا لم يسقط الفرض عمن حج عنه فإنما لَهُ؛ أي من حج عنه أجر النفقة التي ينفقها الأجير في الحج من طعام وشراب ولباس وركوب وغير ذلك، وكما له أجر النفقة له أجر الدعاء؛ أي بركته، وَأَمَّا قَولُ عبد الباقي ففي الإجارة من مال المحجوج عنه للمحجوج عنه أجر النفقة والدعاء معا، وإن تطوع عنه أحد بالحج فله أجر الدعاء فقط، والمراد بأجر الدعاء في القسمين ثوابه، ولو كان الدعاء لنفس الأجير بدنيوي فيحصل لمن حج عنه ثواب خضوعه وتضرعه لله ، كما في خبر: (الدعاء مخ العبادة (١))، فَفِيهِ نَظَرٌ بل لا يصح على مذهبنا لأن الخضوع لا يقبل النيابة، وعبارة ابن فرحون على ما في الحطاب: وثواب الحج للحاج، وإنما للمحجوج عنه بركة الدعاء وثواب المساعدة. انتهى. قاله محمد بن الحسن.
قوله: "ولا يسقط" الخ وخرج الباجي قولا بسقوط الفريضة. قاله الشارح. وتحصل مما مر أن ثواب الحج إنما يكون للحاج لا للمحجوج عنه فريضة أو نافلة، ولا يعترض على هذا بحديث: (إنما الأعمال بالنيات (٢))؛ لأنه يجاب عن ذلك بأن نية الحج هنا موجودة، والخلل إنما وقع في متعلقها وهو كونها عن فلان، وذلك لا يضر في أصل النية كما قالوا في قوله: "أو أخرج بعض المستباح" وإذا كان المستنيب شافعيا مثلا عنده الوقوف الركني من الزوال والنائب مالكي عنده ساعة من
стр. 2588
ليلة النحر: فالظاهر أن المعتبر مذهب النائب لا غير ولو نوى النائب الحج عن نفسه لسقط عنه الفرض كما تقدم أنه الظاهر بمنزلة من غصب مالا وحج به.
وعلم مما مر أن للمحجوج عنه أجر النفقة وبركة الدعاء معا، فيما إذا استؤجر من ماله وله بركة الدعاء فقط فيما إذا تطوع عنه وقال الإمام أبو حنيفة: يلزم المعضوب الغني أن يستأجر من يحج عنه، ويلزم الأجير أن ينوي حجة الإسلام عن المعضوب، ثم تقع الحجة للأجير تطوعا دون المعضوب، وإنما له ثواب النفقة في إنفاق الأجير وتسهيل الطريق، وهذا قريب من قول مالك. قاله سند. وإنما قال قريبا لأن مالكا لا يقول يجب عليه الاستئجار. والله أعلم. ثم قال سند: والحج في الحقيقة منفعته لفاعله لأنه سعيه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، فهو يرى سعيه ويجازاه أوفى جزاء، وإنما للمستنيب بقصد استنابته وإعانته وسعيه في ذلك. انتهى.
والمعضوب بعين مهملة وضاد معجمة من العضب وهو القطع، كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف، ويقال بالصاد المهملة كأنه ضرب على عصبة فانقطعت أعضاؤه. قاله الحطاب. وقد مر أن من حج عن ميت بالنية يجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان قاله في المدونة. سند: مقصوده أن الحج ينعقد عن الغير بمجرد النية.
تنبيه: إنما لم يسقط فرض من حج عنه لأن الحج من الأعمال البدنية التي لا تقبل النيابة كالصوم والصلاة، وصحت النيابة فيه مع الكراهة لغير المستطيع، ونفذت الوصية به مراعاة لما فيه من شائبة المال ففيه شائبتان، فمن حيث كونه عبادة بدنية لم يسقط الفرض بفعل النائب، ومن حيث كونه يصرف فيه مال صح عقد الإجارة عليه، كنيابة [إمام (١)] الصلاة شخصا يصلي عنه فالنيابة لا تسقط الفرض عن الأصل: وصحت النيابة مراعاة للمال وملازمة المحل الذي صلى فيه. وقوله: "وله أجر النفقة والدعاء"، انظر هل يجري ما ذكره المصنف في الإجارة الممنوعة وفي النيابة الممنوعة؟ كمن استناب غيره في الفرض ولم يطلع عليه حتى فعل الأجير واستحق أجرة المثل، ولا يقال المعصية لا ثواب فيها لأنا نقول المعصية من جهة، والثواب من جهة كمن تنفل
стр. 2589
وعليه فريضة، كما قال ابن رشد. أولا يجري ذلك فيها. قاله الشيخ علي الأجهوري. نقله عبد الباقي.
وفي الجامع الصغير: (إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته، فإنه مغفور له (١)). رواه أحمد عن ابن عمر. قال شارحه: ضعيف رمز المصنف لحسنه، وفيه نظر، وظاهر الحديث أن طلب الاستغفار منه مؤقت بما قبل الدخول، فإن دخل فات، لكن في الإحياء عن عمر أن ذلك يمتد بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول. انتهى. وعليه فيتنزل الحديث على الأولوية. قاله الشبراخيتي.
وَلَّمَا فرغ المصنف من الكلام على حكم الحج والعمرة، وشرط صحتهما وشرط وجوب الحج، وما انجر إليه الكلام من بيان حكم الإجارة وأقسامها -وكان ذلك كله كالمقدمات- شرع يتكلم على المقاصد وهي الأركان، وَلما شاركت العمرة الحج في أركان ثلاثة أتى بالضمير مثنى للاختصار، فقال وَرُكْنُهُمَا الإِحْرَامُ، الركن هو الجزء من الشيء الذي ينعدم بانعدامه، فهو داخل في ماهية الشيء، بخلاف الشرط فإنه خارج عن ماهيته وإن كان ينعدم بانعدامه، ومعنى كلام المصنف أن للحج والعمرة أركانا منها الإحرام، فهو ركن في الحج وركن في العمرة، ويأتي قريبا تفسير الإحرام، والأركان التي ذكرها المصنف للحج أربعة، ثلاثة منها مجمع عليها وهي الإحرام والوقوف بعرفة والطواف، والرابع السعي بين الصفا والمروة، والمشهور أنه ركن في الحج والعمرة، وروى ابن القصار أنه واجب ينجبر بالدم وليس بركن، وبه قال أبو حنيفة وزاد ابن الماجشون في الأركان: الوقوف بالمشعر ورمي العقبة، والمشهور أنهما ليسا بركنين بل الأول مستحب والثاني واجب ينجبر بالدم، واختلف في اثنين خارج المذهب، وهما: النزول بمزدلفة والحلاق، والمذهب عندنا أنهما واجبان يجبران بدم، وحكى ابن عبد البر قولا بركنية طواف القدوم وليس بمعروف، بل المذهب أنه واجب ينجبر بالدم؛ فهذه تسعة أركان بين مجمع عليه ومختلف فيه في المذهب وخارجه، والمختلف فيه منها خارج المذهب اثنان كما علمت: النزول بمزدلفة والحلاق. قال
стр. 2590
الحطاب: لكن ينبغي للإنسان إذا أتى بهذه الأشياء أن ينوي الركنية ليخرج من الخلاف، وليكثر الثواب. أشار له الشبيبي. انتهى.
واعلم أن أفعال الحج ثلاثة أقسام: أركان وواجبات وسنن، فَالقِسْمُ الأَوَّلُ هو ما لابد من فعله ولا يجزئ عنه بدل لا دم ولا غيره وهو ما تقدم ذكره؛ وهو ثلاثة أقسام: قِسْمٌ يفوت الحج بتركه ولا يؤمر تاركه بشيء وهو الإحرام، وَقِسْمٌ يفوت الحج بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة والقضاء في قابل وهو الوقوف بعرفة، وقسم لا يتحلل من الإحرام إلا بفعله، ولو صار إلى المشرق والمغرب رجع إلى مكة لفعله، وهو طواف الإفاضة والسعي.
والقِسْمُ الثَّانِي وهو ما يطلب بالإتيان به، فإن تركه لزم الدم كطواف القدوم والتلبية ورمي العقبة وغير ذلك، وجزم ابن الحاج بالتأثيم بتعمد تركه، وكذا ابن فرحون، وتردد في ذلك الطرطوشي، وقال ابن عبد السلام: من يقول بالوجوب يقول بالتأثيم، ومن يقول بالسنية لا يقول بالتأثيم.
وَالقِسْمُ الثَّالِثُ هو ما لا دم فيه ولا إثم بتعمد تركه، كغسل الإحرام وركوعه وغيرهما من المستحبات. والإحرام مصدر أحرم إذا دخل في الحرم أو في حرمة الحج أو العمرة أو الصلاة.
وعرفه ابن عرفة بأنه: صفة حكمية توجب لموصوفها حرمة مقدمات الوطء مطلقا، وإلقاءِ التفث، والطيبِ، ولبسِ الذكور المحيطَ، والصيدِ لغير ضرورة لا تبطل بما تمنعه. انتهى. قوله: "مطلقا"، أي في جميع الحالات ليلا ونهارا، سرا وجهرا، كان في أفعال الحج أو غيرها، وقوله: وإلقاء التفث، عطف على المضاف إليه والطيب كذلك، ولبس المحيط كذلك والصيد كذلك ومراده بالصيد الاصطياد لا ملك الصيد؛ لأنه إذا كان عنده صيد ثم أحرم ولم يكن حامله لا يسقط ملكه عنه، ولما رأى أن الصيد المطلق لقب على صيد البر أطلق فيه، وقوله: لغير ضرورة، راجع للأربعة، وقوله: لا تبطل بما تمنعه، صفة لقوله: صفة أو حال، وزاد ذلك للفرق بين هذه الصفة وغيرها؛ لأن إحرام غيرها يبطل بممنوعه كإحرام الصلاة وإحرام الاعتكاف وإحرام الصوم، ومراده بالبطلان قطعها أي لا يجب قطعها بحصول ممنوعها وإن كان الممنوع مما يفسد الحج كالوطء، قال الحطاب: والظاهر أن حَدَّ ابن عرفة غيرُ جامع لخروج من حصل منه التحلل الأول فقط، مع
стр. 2591
أنه محرم كما صرح به صاحب الطراز وصاحب العلم وغيرهما، ولو اقتصر على قوله: توجب حرمة مقدمات الوطء والصيد، لدخل ذلك.
وعرفه غير ابن عرفة بأنه: الدخول بالنية في حرمة أحد النسكين أو كليهما مع القول أو الفعل المتعلقين به، قال: وتعريف الجماعة للإحرام الذي هو ركن بهذا [أولى (١)] من تعريفه بالصفة الناشئة عنه؛ لأنهم بصدد بيان الأركان التي يطلب المكلف بالإتيان بها. انتهى.
واعلم أن أركان الحج على المشهور أربعة: الإحرام، والسعي، ووقوف عرفة، وطواف الإفاضة. وأركان العمرة ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة.
واعلم أن من أرباب المذاهب من يعبر عن الأركان بالفروض، وعن الواجبات بالسنن، وعن السنن بالفضائل أو بالمستحبات، ومنهم من يعبر بغير ما مر، وقد مر أن الإحرام مصدر أحرم إذا دخل في الحرم، ومحرما في قول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما … فدعا فلم أر مثله مظلوما
أي داخلا في حرم المدينة أو الشهر الحرام، وهو ذو الحجة كما قال:
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام أضحى … فأي ذبح حرام ويحهم ذبحوا
ولا خلاف في أن عثمان لم يكن محرما بنسك إذ ذاك، ويقال: أحرم إذا دخل في ذمة وحرمة لا تنتهك، والحرمة ما لا يحل انتهاكه وهي بضم الحاء وسكون الراء وفتحها، والأشهر الحرم أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، كانت العرب لا تستحل فيها القتال إلا حيان: خثعم وطيء، والحرمة بالكسر والسكون: الغلمة بالضم وهي شهوة الجماع، وفي الحديث: (الذين تدركهم الساعة تبعث عليهم الحِرْمة ويسلبون الحياء)، وقرئ: ﴿وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، بكسر الحاء وسكون الراء؛ أي واجب. قاله الحطاب.
стр. 2592
ثُمَّ ذكر أن للإحرام بالحج ميقاتين: زماني ومكاني، وكذا العمرة والميقات وإن كان مأخوذا من الوقت الذي هو الزمان، فإطلاقه على المكان إنما هو بالحقيقة الشرعية، لخبر: (وقت لأهل المدينة ذا الحليفة (١)). الحديث. وإن كان مأخوذا من التوقيت فهو بمعنى التحديد، فكل منهما حقيقة لغوية باقية على أصلها، فقال: ووقته للحج شوال؛ يعني أن وقت الإحرام للحج مفردا أو قارنا شوال وهو الشهر الذي يلي رمضان عقب رمضان، قال الشيخ إبراهيم: وذو القعدة بفتح القاف وكسرها، وذو الحجة كذلك إلا أن فتح الأول وكسر الثاني أفصح من العكس لأنهم يقعدون في الأول عن القتال ويوقعون الحج في الثاني، وأما شوال فسمى بذلك لأنه يخرج فيه الحجاج فتشول الإبل بأذنابها أي ترفعها، والضمير في "وقته" للإحرام، ويقدر معطوف محذوف بعد قوله: "للحج"، والتقدير ووقت الإحرام للحج، والتحلل منه شوال بدليل قوله: لآخر الحجة؛ يعني أن هذا الزمن وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة بعضه وقت لجواز الإحرام بالحج وهو ما يسعه مع الوقوف من شوال إلى فجر يوم النحر، وبعضه وقت لجواز التحلل من الإحرام وهو من فجر يوم النحر لآخر الحجة، فليس المراد أن جميع الزمن الذي ذكره وقت لجواز الإحرام فقط كما يوهمه لفظه، وقد اعترض على المصنف بأن ما ذكره لا يصح أن يكون بيانا لوقت صحة الإحرام؛ إذ يصح في هذا الزمن وغيره، وبأنه لا يصح أن يكون بيانا لجوازه من غير كراهة؛ إذ يكره الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر لأنه إحرام للعام القابل قبل وقته، فيكره، وأجاب بعضهم بأن مراد المصنف بيان وقت التلبس بالإحرام من غير كراهة وهو صحيح؛ إذ التلبس به بلا كراهة ينتهي لآخر الحجة، فمن أخر طواف الإفاضة وفعله قبل غروب آخر ذي الحجة لا دم عليه، وإنما يلزمه دم إذا أخره لأول المحرم، لكن هذا الجواب غير مناسب، فإنه عليه يكون المصنف ساكتا عن تحديد وقت المبدإ، ولهذا قال الحطاب: وعلى كل حال ففيه مسامحة؛ لأن المقصود بيان الوقت الذي يبتدئ فيه الإحرام بالحج لا وقت التحلل منه.
ابن الحاجب: وللإحرام ميقاتان، زماني ومكاني، فالزماني: شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، وفي الحطاب: وذو القعدة إلى الزوال من تسع ذي الحجة محل لعقد الإحرام،
стр. 2593
والطواف والسعي لمن أتى من الحل، فإذا زالت الشمس كان وقتا للوقوف إلى طلوع الفجر من العاشر، فإذا طلع الفجر صار وقتا للوقوف بالمشعر ما لم تطلع الشمس، ويستحب أن لا يؤخر لبعد الإسفار وهو أيضا وقت للرمي والنحر لمن تعجل من ضعفة النساء والصبيان، ثم بعد ذلك وقت للرمي والنحر والحلاق والطواف ما لم تغرب الشمس وهذا هو المستحب، فإن أخر ذلك إلى آخر أيام الرمي فعل وأجزأه ولا دم عليه لما أخر من الحلاق والطواف، واختلف إذا أخر الحلاق والطواف بعد أن خرجت أيام التشريق، فقيل: عليه الدم، وقيل: لا دم عليه لأن الوقت باق حتى يخرج الشهر، فإن خرج الشهر كان عليه الدم قولا واحدا، وعليه أن يحلق ويطوف، وليس مرادهم أنه بالزوال من التاسع انقطع وقت الإحرام، فقد صرح اللخمي وغيره بأن من أسلم أو احتَلَمَ أو أُعْتِقَ بعرفة عشية أو قبل أن يطلع الفجر أحرم حينئذ ووقف بها وتم حجه، ولا خلاف أن أول أشهر الحج شوال، واختلف في آخرها على ثلاث روايات، والمشهور أنه شوال وذو القعدة وذو الحجة حملا للفظ على حقيقته، قال ابن القصار: وهذا هو الذي أختاره من قولي مالك، ووجهه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، فأتى بلفظ الجمع وأقله ثلاثة أو اثنان، ولا خلاف أنه لم يرد هنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. انتهى. ولم يذكر ابن الحاج وعبد الحق [وسند (١)]، وغيرهم إلا قولين إلى آخر ذي الحجة أو إلى عاشره، وذكر ابن شأس [وتابعوه (٢)] وغيرهم القول الثالث إلى آخر أيام الرمي، وعلى هذين الأخيرين يكون إطلاق الأشهر على ذلك مجازا.
وكره قبله؛ يعني أنه يكره له أن يحرم قبل زمان الإحرام وهو من أول شوال إلى فجر يوم النحر، واعلم أنه إذا أحرم قبل زمان الإحرام انعقد إحرامه وإن كان ذلك الإحرام مكروها، فإن نذره قبل زمانه لزم نظرًا لمطلق الإحرام، لا من حيث كونه مكروها؛ إذ لا يلزم بالنذر إلا ما ندب. كما قاله المصنف. كمكانه؛ يعني أنه يكره الإحرام قبل مكان الإحرام الآتي ذكره. وفي رابغ تردد يعني أنه اختلف في كراهة الإحرام من رابغ، وعليه صاحب المدخل قائلا: لأنه قبل الجحفة وعدم
стр. 2594
كراهته، وعليه المنوفي شيخ المصنف لأنه من أعمال الجحفة ومتصل بها، ورابغ بكسر الموحدة بالصرف إن أريد به المكان، وبمنعه إن أريد به البقعة للعلمية والتأنيث. وصح؛ يعني أن الإحرام يصح في المسائل الثلاث؛ أي في مسألة ما إذا أحرم قبل زمانه أو مكانه، وفي مسألة رابغ وإن كره في الأوليين، ووقع التردد في الثالثة، قال عبد الباقي: وَذَكَرَهُ يعني قوله: "صح"، وإن علم من الكراهة تبعا لغيره، والظاهر ما قاله محمد بن الحسن، حيث قال: الظاهر أن المصنف إنما أتى به دفعا لتوهم عدم اللزوم كما تقدم فيمن أحرم بالصلاة في وقت نهي، وأن المراد بصح: لزم، لقول المدونة: فإن فعل في الوجهين جميعا لزمه. انتهى. والفرق بين صحة الإحرام بالحج قبل وقته مع الكراهة، وبين عدم صحة الإحرام بصلاة الفرض قبل وقته مع أن كلا منهما له إحرام وتحليل في وقت معين، أنه وإن أحرم به قبل وقته لا يمكن فراغه قبله إذ وقته عرفة، بخلاف الصلاة فإنه يمكن فراغه منها قبل وقتها للمحرم بها حينئذ، أشار له الأبهري، وأجاب عبد الحق بمباينة الحج لها في أمور شتى، وصح الإحرام قبل المكان اتفاقا وقبل الزمان على المشهور، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، فإنه يقتضي بجعل الألف واللام للعموم أن سائر الأهلة ميقات للحج، وعن مالك عدم انعقاده قبل وقته، لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، لوجوب حصر المبتدإ في الخبر، فيجب حصر الحج في الأشهر فالإحرام بها كالإحرام بالظهر قبل الزوال فلا ينعقد، وَالجَوَابُ أن المحصور في الأشهر المعلومات الحج الكامل أي الذي لا كراهة فيه، والذي في آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، الحج غير الكامل أي الذي فيه كراهة جمعا بين الآيتين، وفيه جواب عن السؤال عن الفرق بينه وبين الصلاة أن الحج وقته مستحب والصلاة وقتها واجب. قاله عبد الباقي. وهذا الفرق حسن، وَأَمَّا الجوابان المتقدمان فلا يخلوان مما يقال عليهما. والله سبحانه أعلم. وعلى مقابل المشهور وهو أن الإحرام لا ينعقد إن وقع قبل زمانه، فإنه يَنحلُّ بعمرة، قال الحطاب عن اللخمي: قوله ينحل بعمرة استحسان، وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر أنه صلاها، فإنه يستحب له أن ينصرف على شفع، ابن القاسم: فإن قطع الصلاة فلا شيء عليه، قوله: هو بمنزلة من دخل في صلاة الخ، قال الإمام الحطاب: فيه نظر، بل هو شبيه بمن أحرم بصلاة قبل وقتها، وظاهر ما ذكره في
стр. 2595
النوادر عن ابن القاسم، ونقله عنه اللخمي والتونسي وصاحب الطراز وغيرهم، ونقله عنهم ابن عرفة والتادلي أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج إذا علم أنه يفوته ولو كان الآن وقته باق، وأنه إن فعل وفاته لا يتحلل لأنه دخل على البقاء. هذا ظاهر كلامهم.
تنبيهات: الأول: لو أحرم مطلقا فعند الشافعية انعقد إحرامه عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام. ابن الحاجب: وإذا أحرم مطلقا جاز وخير في التعيين. انتهى. والظاهر أنه يكره صرفه للحج، قاله الحطاب؛ يعني فيما إذا أحرم قبل أشهر الحج، قال: وعلى مقابل المشهور أن الإحرام لا ينعقد قبل أشهره ينعقد القران عمرة فقط، وكذا الإحرام المطلق ولا يصح الإرداف، وإن شك هل أحرم بحج أو عمرة كان عمرة، وإن تيقن أنه بحج وشك بعد دخول أشهر الحج هل وقع قبل أشهره أم لا كان حجا، وهذا التفريع لم أره منصوصا ولكن هو مقتضى عدم الانعقاد.
الثاني: قال في المدونة: قال مالك: وأحب إلي أن يحرم أهل مكة إذا أهل هلال ذي الحجة، قال سند: هذا يختلف فيه، فعند مالك يحرم أهل مكة ومن كان بها إذا أهل ذو الحجة، وقال الشافعي: المستحب يوم التروية لما روي عن جابر أنه ﵊، قال: (إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج (١))، وفي الموطأ: (عن ابن جريج أنه سأل ابن عمر، فقال: رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية (٢))، ووجه المذهب ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: (يا أهل مكة ما بال الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون أهلوا إذا رأيتم الهلال (٣))، ولم يعرف أحد أنكر على عمر، وقد قال ﵇: (الحاج أشعث أغبر (٤))، وروى مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أقام بمكة سبع سنين يهل لهلال ذي الحجة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك، فهذا ابن الزبير يفعله بمحضر من الصحابة والتابعين، فدل على أنه إجماع، وأنه العادة المعروفة عندهم من الآباء، وسنة الأبناء في زمن النبي ﷺ ،