أنه محرم كما صرح به صاحب الطراز وصاحب العلم وغيرهما، ولو اقتصر على قوله: توجب حرمة مقدمات الوطء والصيد، لدخل ذلك.
وعرفه غير ابن عرفة بأنه: الدخول بالنية في حرمة أحد النسكين أو كليهما مع القول أو الفعل المتعلقين به، قال: وتعريف الجماعة للإحرام الذي هو ركن بهذا [أولى (١)] من تعريفه بالصفة الناشئة عنه؛ لأنهم بصدد بيان الأركان التي يطلب المكلف بالإتيان بها. انتهى.
واعلم أن أركان الحج على المشهور أربعة: الإحرام، والسعي، ووقوف عرفة، وطواف الإفاضة. وأركان العمرة ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة.
واعلم أن من أرباب المذاهب من يعبر عن الأركان بالفروض، وعن الواجبات بالسنن، وعن السنن بالفضائل أو بالمستحبات، ومنهم من يعبر بغير ما مر، وقد مر أن الإحرام مصدر أحرم إذا دخل في الحرم، ومحرما في قول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما … فدعا فلم أر مثله مظلوما
أي داخلا في حرم المدينة أو الشهر الحرام، وهو ذو الحجة كما قال:
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام أضحى … فأي ذبح حرام ويحهم ذبحوا
ولا خلاف في أن عثمان لم يكن محرما بنسك إذ ذاك، ويقال: أحرم إذا دخل في ذمة وحرمة لا تنتهك، والحرمة ما لا يحل انتهاكه وهي بضم الحاء وسكون الراء وفتحها، والأشهر الحرم أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، كانت العرب لا تستحل فيها القتال إلا حيان: خثعم وطيء، والحرمة بالكسر والسكون: الغلمة بالضم وهي شهوة الجماع، وفي الحديث: (الذين تدركهم الساعة تبعث عليهم الحِرْمة ويسلبون الحياء)، وقرئ: ﴿وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، بكسر الحاء وسكون الراء؛ أي واجب. قاله الحطاب.
стр. 2592
ثُمَّ ذكر أن للإحرام بالحج ميقاتين: زماني ومكاني، وكذا العمرة والميقات وإن كان مأخوذا من الوقت الذي هو الزمان، فإطلاقه على المكان إنما هو بالحقيقة الشرعية، لخبر: (وقت لأهل المدينة ذا الحليفة (١)). الحديث. وإن كان مأخوذا من التوقيت فهو بمعنى التحديد، فكل منهما حقيقة لغوية باقية على أصلها، فقال: ووقته للحج شوال؛ يعني أن وقت الإحرام للحج مفردا أو قارنا شوال وهو الشهر الذي يلي رمضان عقب رمضان، قال الشيخ إبراهيم: وذو القعدة بفتح القاف وكسرها، وذو الحجة كذلك إلا أن فتح الأول وكسر الثاني أفصح من العكس لأنهم يقعدون في الأول عن القتال ويوقعون الحج في الثاني، وأما شوال فسمى بذلك لأنه يخرج فيه الحجاج فتشول الإبل بأذنابها أي ترفعها، والضمير في "وقته" للإحرام، ويقدر معطوف محذوف بعد قوله: "للحج"، والتقدير ووقت الإحرام للحج، والتحلل منه شوال بدليل قوله: لآخر الحجة؛ يعني أن هذا الزمن وهو شوال وذو القعدة وذو الحجة بعضه وقت لجواز الإحرام بالحج وهو ما يسعه مع الوقوف من شوال إلى فجر يوم النحر، وبعضه وقت لجواز التحلل من الإحرام وهو من فجر يوم النحر لآخر الحجة، فليس المراد أن جميع الزمن الذي ذكره وقت لجواز الإحرام فقط كما يوهمه لفظه، وقد اعترض على المصنف بأن ما ذكره لا يصح أن يكون بيانا لوقت صحة الإحرام؛ إذ يصح في هذا الزمن وغيره، وبأنه لا يصح أن يكون بيانا لجوازه من غير كراهة؛ إذ يكره الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر لأنه إحرام للعام القابل قبل وقته، فيكره، وأجاب بعضهم بأن مراد المصنف بيان وقت التلبس بالإحرام من غير كراهة وهو صحيح؛ إذ التلبس به بلا كراهة ينتهي لآخر الحجة، فمن أخر طواف الإفاضة وفعله قبل غروب آخر ذي الحجة لا دم عليه، وإنما يلزمه دم إذا أخره لأول المحرم، لكن هذا الجواب غير مناسب، فإنه عليه يكون المصنف ساكتا عن تحديد وقت المبدإ، ولهذا قال الحطاب: وعلى كل حال ففيه مسامحة؛ لأن المقصود بيان الوقت الذي يبتدئ فيه الإحرام بالحج لا وقت التحلل منه.
ابن الحاجب: وللإحرام ميقاتان، زماني ومكاني، فالزماني: شوال وذو القعدة والعشر الأول من ذي الحجة، وفي الحطاب: وذو القعدة إلى الزوال من تسع ذي الحجة محل لعقد الإحرام،
стр. 2593
والطواف والسعي لمن أتى من الحل، فإذا زالت الشمس كان وقتا للوقوف إلى طلوع الفجر من العاشر، فإذا طلع الفجر صار وقتا للوقوف بالمشعر ما لم تطلع الشمس، ويستحب أن لا يؤخر لبعد الإسفار وهو أيضا وقت للرمي والنحر لمن تعجل من ضعفة النساء والصبيان، ثم بعد ذلك وقت للرمي والنحر والحلاق والطواف ما لم تغرب الشمس وهذا هو المستحب، فإن أخر ذلك إلى آخر أيام الرمي فعل وأجزأه ولا دم عليه لما أخر من الحلاق والطواف، واختلف إذا أخر الحلاق والطواف بعد أن خرجت أيام التشريق، فقيل: عليه الدم، وقيل: لا دم عليه لأن الوقت باق حتى يخرج الشهر، فإن خرج الشهر كان عليه الدم قولا واحدا، وعليه أن يحلق ويطوف، وليس مرادهم أنه بالزوال من التاسع انقطع وقت الإحرام، فقد صرح اللخمي وغيره بأن من أسلم أو احتَلَمَ أو أُعْتِقَ بعرفة عشية أو قبل أن يطلع الفجر أحرم حينئذ ووقف بها وتم حجه، ولا خلاف أن أول أشهر الحج شوال، واختلف في آخرها على ثلاث روايات، والمشهور أنه شوال وذو القعدة وذو الحجة حملا للفظ على حقيقته، قال ابن القصار: وهذا هو الذي أختاره من قولي مالك، ووجهه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، فأتى بلفظ الجمع وأقله ثلاثة أو اثنان، ولا خلاف أنه لم يرد هنا شهرين، فلم يبق إلا أن يريد ثلاثة. انتهى. ولم يذكر ابن الحاج وعبد الحق [وسند (١)]، وغيرهم إلا قولين إلى آخر ذي الحجة أو إلى عاشره، وذكر ابن شأس [وتابعوه (٢)] وغيرهم القول الثالث إلى آخر أيام الرمي، وعلى هذين الأخيرين يكون إطلاق الأشهر على ذلك مجازا.
وكره قبله؛ يعني أنه يكره له أن يحرم قبل زمان الإحرام وهو من أول شوال إلى فجر يوم النحر، واعلم أنه إذا أحرم قبل زمان الإحرام انعقد إحرامه وإن كان ذلك الإحرام مكروها، فإن نذره قبل زمانه لزم نظرًا لمطلق الإحرام، لا من حيث كونه مكروها؛ إذ لا يلزم بالنذر إلا ما ندب. كما قاله المصنف. كمكانه؛ يعني أنه يكره الإحرام قبل مكان الإحرام الآتي ذكره. وفي رابغ تردد يعني أنه اختلف في كراهة الإحرام من رابغ، وعليه صاحب المدخل قائلا: لأنه قبل الجحفة وعدم
стр. 2594
كراهته، وعليه المنوفي شيخ المصنف لأنه من أعمال الجحفة ومتصل بها، ورابغ بكسر الموحدة بالصرف إن أريد به المكان، وبمنعه إن أريد به البقعة للعلمية والتأنيث. وصح؛ يعني أن الإحرام يصح في المسائل الثلاث؛ أي في مسألة ما إذا أحرم قبل زمانه أو مكانه، وفي مسألة رابغ وإن كره في الأوليين، ووقع التردد في الثالثة، قال عبد الباقي: وَذَكَرَهُ يعني قوله: "صح"، وإن علم من الكراهة تبعا لغيره، والظاهر ما قاله محمد بن الحسن، حيث قال: الظاهر أن المصنف إنما أتى به دفعا لتوهم عدم اللزوم كما تقدم فيمن أحرم بالصلاة في وقت نهي، وأن المراد بصح: لزم، لقول المدونة: فإن فعل في الوجهين جميعا لزمه. انتهى. والفرق بين صحة الإحرام بالحج قبل وقته مع الكراهة، وبين عدم صحة الإحرام بصلاة الفرض قبل وقته مع أن كلا منهما له إحرام وتحليل في وقت معين، أنه وإن أحرم به قبل وقته لا يمكن فراغه قبله إذ وقته عرفة، بخلاف الصلاة فإنه يمكن فراغه منها قبل وقتها للمحرم بها حينئذ، أشار له الأبهري، وأجاب عبد الحق بمباينة الحج لها في أمور شتى، وصح الإحرام قبل المكان اتفاقا وقبل الزمان على المشهور، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، فإنه يقتضي بجعل الألف واللام للعموم أن سائر الأهلة ميقات للحج، وعن مالك عدم انعقاده قبل وقته، لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، لوجوب حصر المبتدإ في الخبر، فيجب حصر الحج في الأشهر فالإحرام بها كالإحرام بالظهر قبل الزوال فلا ينعقد، وَالجَوَابُ أن المحصور في الأشهر المعلومات الحج الكامل أي الذي لا كراهة فيه، والذي في آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، الحج غير الكامل أي الذي فيه كراهة جمعا بين الآيتين، وفيه جواب عن السؤال عن الفرق بينه وبين الصلاة أن الحج وقته مستحب والصلاة وقتها واجب. قاله عبد الباقي. وهذا الفرق حسن، وَأَمَّا الجوابان المتقدمان فلا يخلوان مما يقال عليهما. والله سبحانه أعلم. وعلى مقابل المشهور وهو أن الإحرام لا ينعقد إن وقع قبل زمانه، فإنه يَنحلُّ بعمرة، قال الحطاب عن اللخمي: قوله ينحل بعمرة استحسان، وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر أنه صلاها، فإنه يستحب له أن ينصرف على شفع، ابن القاسم: فإن قطع الصلاة فلا شيء عليه، قوله: هو بمنزلة من دخل في صلاة الخ، قال الإمام الحطاب: فيه نظر، بل هو شبيه بمن أحرم بصلاة قبل وقتها، وظاهر ما ذكره في
стр. 2595
النوادر عن ابن القاسم، ونقله عنه اللخمي والتونسي وصاحب الطراز وغيرهم، ونقله عنهم ابن عرفة والتادلي أنه لا ينبغي أن يحرم بالحج إذا علم أنه يفوته ولو كان الآن وقته باق، وأنه إن فعل وفاته لا يتحلل لأنه دخل على البقاء. هذا ظاهر كلامهم.
تنبيهات: الأول: لو أحرم مطلقا فعند الشافعية انعقد إحرامه عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام. ابن الحاجب: وإذا أحرم مطلقا جاز وخير في التعيين. انتهى. والظاهر أنه يكره صرفه للحج، قاله الحطاب؛ يعني فيما إذا أحرم قبل أشهر الحج، قال: وعلى مقابل المشهور أن الإحرام لا ينعقد قبل أشهره ينعقد القران عمرة فقط، وكذا الإحرام المطلق ولا يصح الإرداف، وإن شك هل أحرم بحج أو عمرة كان عمرة، وإن تيقن أنه بحج وشك بعد دخول أشهر الحج هل وقع قبل أشهره أم لا كان حجا، وهذا التفريع لم أره منصوصا ولكن هو مقتضى عدم الانعقاد.
الثاني: قال في المدونة: قال مالك: وأحب إلي أن يحرم أهل مكة إذا أهل هلال ذي الحجة، قال سند: هذا يختلف فيه، فعند مالك يحرم أهل مكة ومن كان بها إذا أهل ذو الحجة، وقال الشافعي: المستحب يوم التروية لما روي عن جابر أنه ﵊، قال: (إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج (١))، وفي الموطأ: (عن ابن جريج أنه سأل ابن عمر، فقال: رأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية (٢))، ووجه المذهب ما رواه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: (يا أهل مكة ما بال الناس يأتون شعثا وأنتم مدهنون أهلوا إذا رأيتم الهلال (٣))، ولم يعرف أحد أنكر على عمر، وقد قال ﵇: (الحاج أشعث أغبر (٤))، وروى مالك عن هشام بن عروة أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أقام بمكة سبع سنين يهل لهلال ذي الحجة وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك، فهذا ابن الزبير يفعله بمحضر من الصحابة والتابعين، فدل على أنه إجماع، وأنه العادة المعروفة عندهم من الآباء، وسنة الأبناء في زمن النبي ﷺ ،
стр. 2596
وقال الباجي: قول مالك كان عليه عمل جمهور الصحابة، وفي النوادر: ومن أهل بحج أو عمرة فلا يقيم بأرضه إلا إقامة المسافر.
الثالث: سئل سحنون، هل للمحرم أن يسافر اليوم واليومين والثلاثة؟ قال نعم، لا بأس بذلك وليس هو كالمعتكف. ابن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المحرم له أن يتصرف في حوائجه ويبيع ويشتري في الأسواق، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يريد التجارة في موسم الحج فحاله غير حال المعتكف في السفر أيضا إن أراده، وما ذكره المصنف من كراهة تقديم الإحرام قبل الميقات هو الذي يحكيه العراقيون عن المذهب وهو ظاهر المدونة، وفي الموازية: لا بأس أن يحرم من منزلة إذا كان قبل الميقات ما لم يكن منزلة قريبا فيكره له ذلك، وفي النوادر: أنه رواه عن مالك، وذكر اللخمي عن مالك قولا بجواز الإحرام قبل الميقات مطلقا، وَوَجْهُ الرواية الأولى وهي الرواية المشهورة أنه ﵊ لم يحرم إلا من الميقات، وقال: (خذوا عني مناسككم (١))، ولأن تَوْقِيتَهُ ﵊ لهذه المواقيت نهي عن الإحرام من غيرها كما في الميقات الزماني، فإنه لا خلاف أنه ينهى عن الإحرام قبله. اللخمي: وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، ووجه رواية ابن المواز أنه مع القرب لا يظهر معنى إلا قصد المخالفة لتحديد الشارع بخلاف البعيد، فإن فيه قصد استدامة الإحرام، ووجه الرواية الثالثة أن الميقات إنما هو لمنع مجاوزته بلا إحرام لا لمنع تقديم الإحرام عليه، وأن القصد منه التخفيف، فمن قَدَّم فقد زاد خيرا، وقال الشَّافِعِيُّ في أحد قوليه وأبو حنيفة: الأفضل أن يحرم من بلده لأن عمر وعليا رضي الله تعالى عنهما قالا في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: إتمامهما أن تحرم بهما من دُوَيْرَةِ أهلك، ولحديث أبي دوود: (من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة (٢)). قال صاحب الطراز والقرافي: وما رواه يحمل على النذر جمعا بين
стр. 2597
الأدلة، وما ذكره عن سيدنا عمر فلعله رجع عنه، كما نقل اللخمي أنه أنكر على عمران بن حصين.
وَاعْلَم أن قاعدة المذهب أن نذر المكروه والمباح لا يلزم، وقد خالفوا ذلك في الإحرام فألزموه من نذره قبل ميقاته الزماني والمكاني. قاله الحطاب. وكذا في الصوم فألزموا رابع النحر من نذره. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وللعمرة أبدا، تقدم أن للإحرام ميقاتين زمانيا ومكانيا، وبدأ المصنف بالزماني، ولما فرغ من ذكر الميقات الزماني في الحج أتبعه بالكلام على ميقات العمرة الزماني؛ يعني أن وقت الإحرام للعمرة أبدا أي غير مقيد بوقت من أوقات العام ولو في أشهر الحج، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، (وقد أمر عمر رضي الله تعالى عنه أبا أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود لما قدما عليه يوم النحر وقد فاتهما الحج لإضلال الأول راحلته، ولخطإ الثاني في العدة أن يتحللا من إحرامهما بالحج ويقضيا قابلا ويهديا كما في الموطإ (١))، وكره أبو حنيفة العمرة يوم عرفة وأيام منى لما روى عن عائشة: (السَّنَةُ كلها للعمرة إلا خمسةً يومَ عرفة ويومَ النحر وأيامَ التشريق (٢))، ووافقه أبو يوسف على غير يوم عرفة، قال سند: وإن صح ذلك عنها يحمل على المحرم بالحج، كما أشار إليه بقوله: إلا لمحرم بحج؛ يعني أن محل ما تقدم من أن وقت الإحرام للعمرة جميع أجزاء السنة إنما هو فيمن لم يكن محرما بحج، وأما من أحرم بحج مفردا أو قارنا، فيمنع إحرامه بالعمرة ويفسد إن وقع ولا يلزمه قضاؤها، ويستمر المنع المذكور لتحلله؛ أي يستمر منع الإحرام بعمرة إلى تحلل المحرم بحج من جميع أفعال الحج أي فراغه منها من طواف وسعي وجميع الرمي في آخره حتى في الرابع لغير متعجل، وقدره لمن تعجل في يومين وهو مجيء زوال الرابع ومضي قدر رميه، وفي بعض النسخ: لتحلليه، بالتثنية وهما طواف الإفاضة ورمي الرابع في حق غير المتعجل، أو قدره في حق المتعجل لا رمي جمرة العقبة الذي هو التحلل الأصغر والإفاضة الذي هو الأكبر فقط، سواء قرئ بالإفراد أو بالتثنية. كما قاله غير واحد. والمتبادر من لفظ التثنية أن المراد بذلك: التحلل الأصغر والتحلل الأكبر، وقوله: وهما طواف الإفاضة
стр. 2598
الخ؛ يعني في حق من قدم السعي، وإلا فنقول: وهما طواف الإفاضة والسعي هذا شق، والشق الثاني جميع الرمي لمن لم يتعجل، وقدره لمن تعجل في يومين. والله سبحانه أعلم.
قال الشيخ إبراهيم: ولو قال إلا لمحرم بحج فلفراغه منه: ودخول وقت رمي الرابع كان ظاهرا، والمراد بدخول وقت رمي الرابع الزوال من الرابع، ولا مفهوم لقول المصنف: بحج، ومثل ذلك العمرة، وسيأتي للمصنف أنه إذا أردف العمرة على العمرة تلغى. وكره بعدهما؛ يعني أن المحرم بحج يمنع عليه أن يحرم بعمرة إلا بعد تحلليه وهما الطواف للإفاضة مع السعي لمن أخره وجميع الرمي حتى في الرابع أو قدره، فلا يَحْرُم عليه حينئذ أن يُحْرِمَ بعمرة، وَلكنه يكره له أن يحرم بها بعدهما، وقبل غروب الشمس من اليوم الرابع، فإذا أحرم صح إحرامه ولكن لا يفعل منها شيئا حتى تغرب الشمس، فإن عمل منها شيئا قبل مغيب الشمس لم يعتد به على المذهب وهو على إحرامه، ولو تحلل منها قبل غروب الرابع ووطئ أفسد عمرته ويقضيها بعد إتمامها. عبد الحق عن بعض شيوخه: ويكون خارج الحرم حتى تغيب الشمس أي من اليوم الرابع، ولا يدخل لأن دخوله الحرم بسبب العمرة عمل لها وهو ممنوع من أن يعمل عملا من أعمالها حتى تغيب الشمس. انتهى. وعلى بحثه لو دخل من الحل قبل الغروب فالظاهر أن دخوله لغو، ويؤمر بالعود إلى الحل ليدخل منه بعد الغروب، قال الشيخ عبد الباقي وغيره: ويستثنى من عدم صحة الإحرام بها قبل تمام أفعال الحج إحرامه بها قبل الحلاق منه، فإنه صحيح كما يأتي في قول المصنف: "وصح بعد سعي" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: هكذا ذكر الحطاب هنا، وأحال على ما يأتي أيضا ولم يأت لهما شيء مما ذكراه. انتهى.
وزاد الحطاب وغيره: أنه إذا أحرم بعمرة وأكملها ولم يبق منها إلا الحلاق. ثم أحرم بأخرى فإنه ينعقد إحرامه. انتهى. قال الشيخ إبراهيم عقب هذا: لكن سيذكر المصنف أن إحرامه بعمرة قبل تمام أخرى يلغى. انتهى. وما تقدم من منع إرداف العمرة على الحج قبل فراغه، قال الحطاب: مخالف لنصوص المذهب، لكن نقل عن ابن فرحون بعد نقله كلام المدونة الذي هو: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا للحاج، فيكره له أن يعتمر حتى تغيب الشمس، أن الكراهة
стр. 2599
للحاج على المنع، ونقل عن ابن رشد: وأما من حج فلا يجوز له أن يعتمر حتى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق.
تنبيه: قال في النوادر: ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج، وقد (اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج (١)). انتهى. ويعني بذلك أن من قدم في أشهر الحج وهو صرورة فلا يتعين عليه أن يحرم بالحج، بل يجوز له أن يعتمر، وأما إذا قدم قبل أشهر الحج فالمطلوب منه حينئذ الإحرام بالعمرة من غير خلاف. والله أعلم. قاله الحطاب.
ولما أنهى الكلام على الميقات الزماني وأتى معه من المكان بما يشاركه فيه من كراهة الإحرام قبله للاختصار، شرع في المقصود منه وقسمه باعتبار الناسكين، فقال: ومكانه له للمقيم مكة؛ يعني أن مكان الإحرام للمقيم بمكة إذا أراد أن يحرم بالحج غير قارن مكة شرفها الله تعالى؛ أي الأفضل له أن يحرم من مكة، وقوله: "للمقيم"؛ أي بمكة كما قررت، سواء كان متوطنا بها أو غير متوطن، وسواء كانت الإقامة تقطع حكم السفر أم لا، ومثل المقيم بمكة من منزلة بالحرم كمنى ومزدلفة، والضمير في "مكانه". للإحرام، وفي "له" للحج، وقوله: "للمقيم" متعلق بالهاء من "له"، بناء على أن ضمير المصدر يعمل، كقول زهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم … وما هو عنها بالحديث المرجم
أي وما الحديث عنها أوله لغو وللمقيم حال. قاله الشيخ إبراهيم. قال غير واحد: وليست مكة بميقات، فلا يتعين عليه الإحرام منها، بل إن تركها وأحرم من الحرم أو الحل كان خلاف الأولى والأفضل ولا إثم عليه ولا دم، ولهذا قال: "ومكانه"، ولم يقل: وميقاته، ولذا يحرم بالعمرة من الحل، ولو كانت مكة ميقاتا لكان يحرم بالعمرة من مكة لاستواء الحج والعمرة في الميقات.
وقد مر أن مثل المقيم بمكة من منزلة بالحرم كمنى ومزدلفة، قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أن المقيم بالبلاد المذكورة كأهلها. انتهى. وفي الحطاب: ظاهر كلام المصنف أنه يتعين عليه الإحرام
стр. 2600
من مكة، ولا يجوز له أن يحرم من غيرها، والذي صرح به ابن الحاجب وغيره أنه يجوز له الإحرام من غيرها، قال ابن الحاجب: ولو خرجا؛ يعني المكي والآفاقى المقيم بها إلى الحل جاز على الأشهر، قال في التوضيح: قال ابن هارون: قوله: على الأشهر يقتضي أن فيهما قولا بالمنع والكراهة، ولا نعلم في ذلك خلافا إلا في الأولوية، ونقله ابن فرحون أيضا. وندب المسجد؛ يعني أنه يستحب للمقيم بمكة إذا أراد أن يحرم بالحج غير قارن أن يُحْرِمَ من المسجد، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، قال فيها: واستحب مالك لأهل مكة ولمن دخلها بعمرة أن يحرم بالحج من المسجد الحرام. انتهى. وعن ابن حبيب أن المستحب أن يحرم من باب المسجد، وقيل: لا يستحب الإحرام من المسجد ولا من بابه، بل يحرم من حيث شاء، وقال ابن الحاجب في تعيين المسجد قولان. واعترض عليه بأن ظاهره أنهما في اللزوم مع أنه لا خلاف في عدم اللزوم، وقوله: "المسجد": أي جوفه كما في المدونة، قال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بالجوف ما قابل الباب، وعلى أنه يحرم من جوف المسجد فيحرم من موضع صلاته، ويلبي وهو جالس في موضعه، ولا يلزمه أن يقوم من مصلاه ولا أن يقوم إلى جهة البيت كما يقول الشافعي، ولا إلى تحت الميزاب كما يقوله الحنابلة. انتهى. وقوله: "المسجد"، قال الشبراخيتي وغيره: ويستحب أن يحرم من موضعه الذي صلى فيه ركعتي الإحرام. انتهى. والظاهر أن هذا مبين لقول عبد الباقي: يحرم من موضع صلاته. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم.
قاعدة: كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، لفعله ﷺ ، فلذلك لا يجوز للمكي أن يحرم بالعمرة من مكة لأنه لو أحرم بها منها وهي تنقضي في الحرم لزم أن لا يجتمع في إحرامه حل وحرم، بخلاف الحج فإنه يخرج إلى عرفة، وهي حل. قاله الشيخ إبراهيم. كخروج ذي النفس لميقاته، تشبيه في الندب؛ يعني أن من كان مقيما بمكة وهو آفاقي دخل مكة بعمرة، يستحب له إذا كان في نفس بالتحريك أي سعة من الوقت أن يخرج إلى ميقاته للإحرام بالحج، فإن كان من أهل المدينة فيخرج إلى ذي الحليفة، وإن كان من أهل المغرب أو مصر فيخرج إلى الجحفة، وإن كان من أهل العراق فيخرج إلى ذات عرق، وإن كان من أهل اليمن فيخرج إلى يلملم، ويأتي إن شاء الله تعالى تحقيق المواقيت وأهلها، وقد مر أن النفس هو السعة
стр. 2601
في الوقت، ومنه دار فلان أنفس من دار فلان أي أَوْسَعُ، قال الشيخ إبراهيم: وأل في النفس للكمال أي النفس الكامل الذي يتحقق فيه خروجه، وعوده قبل خروج الوقت احترازا عما إذا لم يتحقق ذلك، فلا يخرج أي فيحرم من مكة استحبابا، وندب المسجد كما مر في قوله: ومكانه له مكة الخ، وظاهر كلام المصنف أن هذا خاص بالحج وليس كذلك، بل وكذلك من أراد العمرة استحب له الخروج لميقاته، قال في الجلاب: والعمرة من الميقات أفضل منها من الجعرانة أو التنعيم، قال التلمساني: إنما قال ذلك لأن الأصل في الإحرام إنما هو من الميقات، وإنما رخص لمن بمكة من الجعرانة أو التنعيم وإن لم يبلغوا مواقيتهم، وإلا فالأفضل لهم الإحرام من مواقيتهم. انتهى. وفهم من كلام التلمساني أن كلام ابن الجلاب في غير أهل مكة وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب.
والحاصل أن المواقيت في الحج والعمرة سواء إلا من منزلة في الحرم أو بمكة، فعلية في العمرة أن يخرج للحل وأقل ذلك التنعيم وما بعد مثل الجعرانة فهو أفضل، ولو خرج الطارئ إلى ميقاته كان أفضل. ولها للقران الحل؛ يعني أن ما مر من أن المكي والمقيم بها مكان إحرامه مكة إنما هو فيمن أحرم بحج غير قارن، وأما المحرم بعمرة أو بحج وهو قارن بين عمرة وحج فمكان الإحرام له هو طرف الحل، فيحرم به من أي جهة، ولا بد أن يجمع في إحرامه بين حل وحرم في الصورتين، ولا يجوز له الإحرام من الحرم، ولكن ينعقد إن وقع ولا دم عليه.
وبما قررت علم أن الضمير في "لها"، عائد على العمرة، وسيأتي تفسير القران والتمتع والإفراد إن شاء الله تعالى. والجعرانة أولى؛ يعني أن الميقات المكاني في العمرة هو طرف الحل من أي جهة كانت ولو بخطوة واحدة، والأفضل له أن يبعد عن طرف الحل، وأفضل جهات الحل الجعرانة؛ لأن النبي ﷺ اعتمر منها ولبعدها، والجعرانة -بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء وبكسر العين وشد الراء، وعليه أكثر المحدثين، وعن الشافعي أنه خطأ، وأن الأول متعين -موضعٌ بين مكة والطائف، (واعتماره ﷺ من الجعرانة كان في ذي القعدة، كما في الصحيح حين قسم غنائم حنين (١)).
стр. 2602
ومن فضائل الجعرانة ما نقل بعضهم أنه اعتمر منها ثلاث مائة نبي، وفيها ماء شديد العذوبة، يقال: (فحص النبي ﷺ موضعه بيده المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس))، ويقال: (غرز فيه رمحه فنبع). قاله الشيخ إبراهيم. ثم التنعيم؛ يعني أنه يلي الجعرانة في الفضل التنعيم؛ (لأن النبي ﷺ أمر السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن تعتمر منه)، ويعرف بمساجد عائشة، قال الإمام الحطاب: قوله هنا: "ثم التنعيم"، أحسن من قوله في مناسكه: أو التنعيم؛ لأنه لا يقتضي تفضيل الجعرانة على التنعيم، وقد وقع التصريح بأفضليتها في كلام النوادر. انتهى. واعترضه الرماصي بأن ما في المناسك هو الذي عليه الأكثر كما في الشارح، وقد سوى بينهما ابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، قاله محمد بن الحسن. وقوله: "والجعرانة"، أولى ثم التنعيم، قال عبد الباقي: هذان راجعان للعمرة: وأما القران فلا يطلب فيه مكان معين من الحل على سبيل الأولى. انتهى. وقوله: "ثم التنعيم"، سمي بذلك لأن على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم واسم الوادي نعمان، قال الشبراخيتي: وكان تاليا للجعرانة في الفضلية (لأمره ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أن يخرج بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها إليه في حجة الوداع (١)). انتهى. وسبب ذلك أنها حاضت بعد أن أحرمت بالعمرة وقبل أن تطوف وتسعى للعمرة، وأدركهم وقت الوقوف قبل أن تطهر فأمرها النبي ﷺ أن تردف الحج على العمرة، فلما قضت الحج، قالت: يرجع الناس بنسكين وَأَرْجِعُ أنا بنسك واحد، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم.
واعلم أن بين الجعرانة ومكة ثمانية عشر ميلا، وظاهر كلام أهل المذهب أن الجهات بعد الجعرانة والتنعيم متساوية، وزاد الشافعي رحمه الله تعالى بعد التنعيم الحديبية؛ (لأن النبي ﷺ تحلل فيها (٢)) وهي بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، ويجوز في يائها الثانية
стр. 2603
التخفيف والتشديد، وصوب الشافعي التخفيف وأكثر المحدثين على التشديد. والله أعلم. قاله الحطاب.
واعلم أن الشرع قد رغب في العمرة في رمضان، فقد قال ﷺ لامرأة: (اعتمري في رمضان فإن عمرة فيه بحجة (١))، وخرج أبو داوود أنه ﷺ قال لزوج امرأة قالت له أحججني مع رسول الله ﷺ : (أقرئها السلام ورحمة الله وأخبرها أنها تعدل حجةً معي عمرةٌ في رمضان (٢))، ونقل الحطاب: أفضل شهور العمرة رجب ورمضان، وفي القوانين: وأفضلها في رمضان، والحديث في فضلها في رمضان وأنها تعدل حجة معه ﵊ ثابت في صحيح البخاري وغيره، وقد استمر عمل الناس اليوم على الإكثار منها في رجب وشعبان ورمضان، وبعد أيام منى لآخر الحجة. والله أعلم قاله الحطاب.
وإن لم يخرج أعاد طوافه وسعيه بعده؛ يعني أن من أُمِرَ بالخروج إلى الحل ليجمع بينه وبين الحرم في إحرامه فلم يخرج إليه وأحرم بالحرم، فإن كان أحرم بالعمرة فإن إحرامه ينعقد على المشهور ولا دم عليه على المعروف، خلافا لما حكاه ابن جماعة التونسي من وجوب الدم، وقيل: لا ينعقد، وإذا قلنا بأن إحرامه ينعقد فإن عمله قبل الخروج إلى الحل غير معتد به، فلذلك إن عمل أعاد طوافه وسعيه بعده أي بعد خروجه إلى الحل ورجوعه، وأما القارن إذا أحرم من الحرم فإنه يلزمه أن يخرج للحل. قاله سند وابن عرفة وغيرهما. ولا يتصور أن يطوف ويسعى قبل خروجه لعرفة حتى يقال، هل يعيدهما بعد الخروج إلى الحل أو لا؟ لأن سعيه لا يكون إلا بعد الإفاضة إذ ليس له طواف قدوم إنما هو على الآفاقي. تأمله. قاله محمد بن الحسن. وإذا لم يخرج القارن بعد أن أحرم من الحرم إلى الحل فالظاهر أنه يجزئه كما يظهر من كلام ابن بشير وغيره، وهو ظاهر. قاله الحطاب.
وعلم مما مر وجوب الإحرام على المعتمر والقارن من الحل إن كانا مقيمين بمكة أو بالحرم، أما الأول فهو ظاهر كلام أهل المذهب أو صريحه، وأما الثاني فعلى المشهور ومقابله لا يلزم من الحل
стр. 2604
هو لسحنون وعبد الملك وإسماعيل ومحمد، قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر لأن عمل العمرة في القران مضمحل، فوجب أن يكون المعتبر إنما هو الحج والحج يُنْشَأُ من مكة. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.
وأهدى إن حلق؛ يعني أن المعتمر إذا طاف وسعى بعد أن أحرم من الحرم فلا بد أن يخرج إلى الحل ويرجع ويعيد طوافه وسعيه كما عرفت، فإن فعل ذلك قبل الحلاق فإنه لا هدي عليه، وإن خرج إلى الحل ورجع وأعاد طوافه وسعيه بعد أن حلق للعمرة فإنه يهدي، بمعنى أنه يفتدي، ففي التعبير بالهدي تجوز لأن الحلق مما يترفه به ويزال به أذى كما يأتي إن شاء الله تعالى. وإنما كان يعيد الطواف والسعي لأنهما وقعا بغير شرطهما، وإنما أهدى لأنه كمن حلق في عمرته قبل طوافه وسعيه، وإلا هذا هو مفهوم قوله: "للمقيم"، واللفظ مركب من إن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف وتقديره: وإلا يكن مقيما بمكة وما في حكمها على ما مر، فمكان الإحرام لهما أي للحج والعمرة ذو الحليفة؛ يعني أن من لم يكن بمكة ولا مقيما بها لا يخلو ميقاته من خمسة أمكنة حيث كان مسكنه أبعد منها أي من الأمكنة الخمسة، فأما أهل المدينة المنورة ومن وراءهم فإن ميقاتهم ذو الحليفة تصغير حلفة: ماء لبني جشم بالجيم والشين المعجمة وهو أبعد المواقيت من مكة على عشر أو تسع مراحل منها تعظيما للنبي ﷺ ، وأما من المدينة فعلى ستة أميال كما قال النووي أو سبعة أميال كما قال عياض، أوأربعة كما قال ابن حزم، وبذي الحليفة عدة أبيار وبها بير تسميها العوام بير علي رضى الله تعالى عنه يزعمون أنه قاتل بها الجن وهذه النسبة إليه غير معروفة، وبها مسجدان لرسول الله ﷺ ولا يرمى بها حجر ولا غيره كما يفعله الجاهلون، وكان بها مسجد يسمى مسجد الشجرة وخرب، وقوله: "لهما"، يحتمل أن يكون التقدير: فمكانه لهما؛ وهو الذي قررت به، ويحتمل أن يكون خبرا لقوله: "ذو الحليفة"، وما عطف عليه، وأما أهل الشام ومصر وأهل المغرب ومن وراءهم من أهل الأندلس وكذا الروم وبلاد التكرور، فإن ميقاتهم الجحفة، وإلى ذلك أشار بقوله: والجحفة؛ وهو عطف على "ذو الحليفة"، والجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء: قرية خربت بين مكة والمدينة قريبة من البحر بينه وبينها ستة أميال؛ وهي على
стр. 2605
نحو خمس مراحل من مكة وثمان من المدينة، وكانت تسمى مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء وفتح المثناة التحتية: وقيل: بكسر الهاء وسكون التحتية على وزن جميلة، فنزلها بنو عبيد وهم إخوة عاد حين أخرجهم العماليق من طيبة فجاءهم سيل فاجتحفهم أي أهلكهم، وهي كما في كتاب الحج من الصحيحين التي دعا النبي ﷺ بنقل حمى المدينة إليها (١))، وكانت يومئذ دار اليهود ليس بها مسلمٌ، فيقال: إنه لا يدخلها أحد أو يمر بها طائر إلا حم وهي بالقرب من رابغ موضع إحرام الناس اليوم على يسار الذاهب إلى مكة، وأما أهل اليمن والهند ويماني تهامة فميقاتهم يلملم، وإلى ذلك أشار بقوله: ويلملم، معطوف على قوله: "ذو الحليفة"، ويلملم جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة وهو بفتح المثناة التحتية، واللام الأولى والثانية وبينهما ميم ساكنة وآخره ميم وأَلَمْلَمُ بالهمز بدل الياء. ابن عبد السلام، وهو الأصل، ويقال: يَرَمْرَمُ براءين بدل اللامين، ثم إن أريد به الجبل فمنصرف وإن أريد به البقعة فغير منصرف. وقرن، بفتح القاف وسكون الراء ويصرف باعتبار تذكيره، وعلى تأنيثه يجوز صرفه ومنعه لسكون وسطه؛ يعني أن قرنا ميقات لأهل نجد ويدخل فيهم أهل نجد اليمن وأهل نجد الحجاز، وقوله: "قرن"، عطف على "ذي الحليفة"، وقوله: "وقرن"؛ يعني به قرن المنازل لا قرن الثعالب. النووي: وأخطأ الجوهري خطأين فاحشين، فزعم أنه بفتح الراء، وأن أويسا القرني منسوب إليه، والصواب نسبه إلى قبيلة يقال لهم بنو قرن بفتح الراء: بطن من مراد كما قاله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حديثه الذي ذكر فيه أويسا (٢)). انتهى. أي وليس هو بمنسوب لمكان، والميقات الذي هو قرن المنازل جبل في جهة الشرق بينه وبين مكة مرحلتان، قالوا: وهوأقرب المواقيت إلى مكة، ويقال: أقربها إليها يلملم بينه وبينها ثلاثون ميلا، وقال سند: بين مكة وذات عرق ويلملم وقرن مسافة واحدة مرحلتان، وأصل القرن الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير، وأما أهل العراق وفارس وخراسان والمشرق ومن وراءهم فميقاتهم ذات عرق، وإلى ذلك أشار بقوله: وذات عرق، عطف على قوله: "ذو الحليفة"، وقوله:
стр. 2606
"عرق"، بكسر العين المهملة قرية خربة على مرحلتين من مكة يقال إن بناءها تحول فيتحرى القرية القديمة، وعن الشافعي: من علاماتها المقابر القديمة سند: هذه المواقيت معتبرة بأنفسها لا بأسمائها، فلو خربت وانتقلت أسماؤها إلى غيرها كان الاعتبار بالأول لتعلق الحكم به.
وروى ابن عيينة عن عبد الكريم الجزري أنه قال: رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق، فأخذ بيده حتى خرج من البيوت وقطع به الوادي، فأتى به المقابر ثم قال: هذه ذات عرق الأولى: واتفق على توقيت النبي ﷺ للأربعة الأول واختلف في هذه، فقيل: من توقيت عمر، والصحيح أنها من توقيته ﷺ . سند: إن قيل لو وقت رسول الله ﷺ لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه ولا غيره، قلت: يجوز إخفاؤه لأن العراق لم يفتح في زمنه ﷺ ، فلم يكن إهلالا شائعا، بل إنما تكلم به ﷺ في بعض المجالس بيانا لما سيكون، ومثل هذا يخفى على معظمهم كما خفي على عمر توريث المرأة من دية زوجها (١))، وعلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أمر الجدة (٢) حتى روي لهما حديثهما، قال بعض: وإذا خفي على عمر رضي الله تعالى عنه الحديث، فيكون توقيته موافقا لنص الحديث كما وافقه القرآن في عدة مواضع. سند: فإن قيل العراق لم يفتح في زمنه ﷺ ، قلنا عنه جوابين: إما أنه وقته لمن جاء من طريقه وإن لم يكن من أهله، أوأنه علم أنه سيفتح كما وقت لأهل الشام ومصر ولم يكونا فتحا لأنه زويت له مشارق الأرض ومغاربها وأخبر بما يفتح منها، (ويروى أن الحجر الأسود نوره كان لهذه الحدود) فمنع الشارع تجاوزها لمريد الحج تعظيما لتلك الآيات قاله القرافي.
وبدأ المصنف بذي الحليفة لشرفه، ولأن المحرم منه يبتدئ إحرامه من حرم، ويحل منه في حرم فله شرف المبتدأ والغاية، ولغيره شرف الانتهاء كما مر. قال ابن فرحون: وهي داخل حرم المدينة وفي بعدها معنى لطيف، وهو أن أهل المدينة يتلبسون بالإحرام وفي حرم المدينة،
стр. 2607
ويخرجون محرمين من حرم إلى حرم، فيتميز الإحرام من المدينة بحصول شرف الابتداء والانتهاء، والحاصل لغيره شرف الانتهاء. انتهى، نقله الحطاب.
سند: ويكره لأهل المدينة أن يحرموا من المدينة لمخالفته لفعله ﵊.
وَلَمَّا أنهى الكلام على المواقيت ومن هو مخاطب بالإحرام منها، شرع يتكلم على ميقات الساكن بغيرها ممن منزلة أقرب إلى مكة منها، فقال: وَمَسْكَن دُونَهَا؛ أي المواقيت المذكورة؛ يعني أن من مسكنه بين مكة والمواقيت المذكورة ميقاته مسكنه أي منزلة الساكن فيه، وظاهره سواء كان منزلة في الحل أو الحرم، وهو كذلك لمن أراد الإحرام بالحج غير قارن، وأما من أراد الإحرام بالعمرة فإن كان منزلة في الحل أحرم منه، وإن كان في الحرم فلا بد من الخروج إلى الحل -كما مر- وكذلك إن أراد القران أيضا كما مر، وقوله: "ومسكن دونها"، والأفضل أن يحرم من الأبعد لمكة من داره أو المسجد، وتأخيره إحرامه منه كتأخيره من الميقات في لزوم الدم فَمُهَلُّ أهل قديد وعسفان ومر الظهران من منازلهم أو المسجد، وكذا غيرهم ممن مسكنه دون المواقيت، وأهل ذي الحليفة يحرمون من مسجدهم.
وقد سئل في ميقات الجحفة أيحرم من وسط الوادي أو من آخره؟ قال: كله مُهَلُّ، ومن أوله أحب إلي، فإن سافر قبل الإحرام مَنْ مَسْكَنُهُ دونها إلى وراء الميقات ثم رجع مريد الإحرام فكمصري يمر بذي الحليفة، وله أن يؤخر لمنزله فيحرم منه، ويفصل في إحرامه منه حينئذ كما سبق قريبا، وقوله: "ومسكن"، بالتنوين، ودونها منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف صفة مسكن؛ أي مسكن كائن دونها، وقوله: "دونها"؛ أي لجهة مكة بأن يكون الميقات خلف مسكنه لا إلى جهة الذاهب إلى مكة، وكذا يحرم من الميقات ولا يتجاوزه حيث كان يريد منزلة وهو دون مكة، إلا أنه لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمرور على مكة ليلا يؤدي إلى دخولها بلا إحرام، سواء كان يحرم بالعمرة أو بغيرها. قاله الحطاب.
والدليل على توقيت الأربع الأول ومن مسكنه دونها ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ (وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هُنَّ لَهُنَّ ولمن أتى عليهن من
стр. 2608
غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة (١)). وفي رواية للبخاري: (ومن كان دونهن فَمُهَلُّهُ من أَهْلِهِ حتى أهل مكة يُهِلُّونَ من مكة (٢) [منها])، والمُهَلُّ بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام: موضع الإهلال اسم مكان من أهل، ودليل الميقات الخامس ما في صحيح مسلم من حديث ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسئل عن المهل، فقال: (سمعت أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، فقال: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم، وقوله: أحسبه؛ يعني ابن الزبير، قال: أظن أن جابرا رفعه إلى النبي ﷺ (٣))، قال النووي: ولا يحتج بهذا الحديث مرفوعا، لكونه لم يجزم برفعه. انتهى. قلت: لكن رواه أبو داوود والنسائي على الجزم برفعه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (٤))، قال ابن جماعة: وإسناده صحيح، ورواه أحمد من حديث ابن الزبير عن جابر وجزم برفعه لكن في سنده ابن لهيعة ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عمر لكن في سنده. إبراهيم بن يزيد الحوري: وهو ضعيف لكن ظهر بما تقدم من طريق الحديث قوته وصلاحيته للاحتجاج به، ونظم بعضهم المواقيت الخمسة في بيتين فقال:
عرق العراق يلملم اليمن … وبذي الحليفة يحرم المدني
والشام جحفة إن مررت بها … ولأهل نجد قرن فاستبن
ولم ينون جحفة ولا قرن. والله أعلم. قاله الحطاب. قوله: هن لهن كذا جاءت الرواية في الصحيحين وغيرهما عند أكثر الرواة باعتبار المواضع: ووقع عند بعض رواة البخاري ومسلم: (هن لهم (٥)) بتذكير الضمير باعتبار أهل المواقيت. انظر الحطاب. ومقتضاه أن قوله: لهن، على الرواية
стр. 2609
الأولى على حذف مضاف أي لأهلهن، وقال ابن مالك: إنه أنث باعتبار الفِرَقِ والجماعات. والله سبحانه أعلم.
وحيت حاذى واحدا؛ يعني أن من حاذى واحدا من هذه المواقيت الخمسة مكان الإحرام له في الحج والعمرة الموضع الذي حاذى فيه ذلك الواحد يعني ميامنة أو مياسرة لا غير. والله سبحانه أعلم. أو مر؛ يعني أن من مر بواحد من هذه المواقيت الخمسة مكان الإحرام له بالحج والعمرة ذلك الميقات الذي مر به وإن لم يكن من أهله ومن كان بلده بعيدا من الميقات مشرقا عن الميقات أو مغربا عنه، وإذا قصد إلى مكة من موضعه لم ير ميقاتا، وإذا قصد إلى الميقات شق ذلك عليه لإمكان أن تكون مسافة بلده إلى الميقات مثل مسافة بلده إلى مكة، فإذا حاذى الميقات بالتقدير والتحري أحرم ولم يلزمه السير إلى الميقات وحكم من منزلة حذاء الميقات حكم من حاذى الميقات في السير، لكن إن كان منزلة قريبا من الميقات يستحب له أن يذهب إلى الميقات، قاله سند فيمن أراد الإحرام بالعمرة. والظاهر أن مريد الحج والقران كذلك. والله أعلم.
وشمل كلام المصنف المكي إذا مر بميقات من هذه المواقيت أو حاذاه، فإنه يجب عليه الإحرام منه ولا يتعداه، فإن تعداه فَدَمٌ، وليس كالمصري يمر بذي الحليفة يجوز تأخيره لميقاته، وقوله: وحيث، اسم مكان أوقعها المصنف في محل رفع معطوفة على ذو من قوله: "ذو الحليفة"، بناء على مذهب من يثبت لها التصرف والخروج عن الظرفية، وقيل بذلك في قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، فإنها مفعول به ليعلم مقدرا لا لأعلم؛ لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول إجماعا وتصرفها نادر، ومنه نصبها على المفعولية وليس نصبها على المفعولية من شبه الظرفية المشار إليه بقول الألفية:
وغير ذي التصرف الذي لزم … ظرفية وشِبْهَهَا مِنَ الكَلِمْ
لأن المراد بشبهها الجر بمن خاصة، وهي هنا مبنية على الضم محلها رفع مضافة إلى جملة حاذى، وقوله: أَوْ مَرَّ، لقوله ﵊: (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن (١)). ولو
стр. 2610
ببحر، مبالغة في قوله: "حاذى" فقط؛ يعني أن من سافر في البحر يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخر إلى البر، ورد بالمبالغة على سند القائل إنه يؤخر إحرامه للبر خوفا من أن ترده الريح، ونقل ابن الحاج عن ابن نافع مثل قول سند. قاله المصنف في مناسكه. وفيه إجمال.
وحاصل ما نقلوه عن سند أن المسافر في البحر مطلقا بحر القلزم وبحر عيذاب، يباح له تأخير الإحرام إلى البر للضرورة خوف أن ترده الريح فيبقى محرما، لكن المسافر في بحر القلزم عليه الدم إذا أخر كسائر الممنوعات المباحات للضرورة؛ إذ يجوز استباحة ممنوعات الإحرام للضرورة مع وجوب الفدية، بخلاف المسافر في بحر عيذاب فإنه لا دم عليه في التأخير؛ لأن المسافر في القلزم يسافر مع الساحل، فيمكنه النزول إلى البر فيحرم منه لكن فيه مضرة بمفارقة رحله، فلذلك أبيح له التأخير إلى البر، والآخر يسافر في لجة البحر لا مع الساحل، فلا يقدر عند الميقات على النزول إلى البر. قاله محمد بن الحسن.
وفهم من كلام محمد بن الحسن أن بحر القلزم الأصل أن يجب على المسافر فيه الإحرام حيث حاذى الميقات، لكن يرخص له في التأخير إلى البر ويلزمه الهدي وهو كذلك، وقوله: "ولو ببحر"، قال المصنف: هو ظاهر المذهب، وقال غير واحد من الشراح: إن المعتمد تقييده ببحر القلزم، فيجب عليه الإحرام حيث يحاذي الميقات فإن أخر فعليه هدي، والقلزم من ناحية مصر فيحرم منه حيث يحاذي الجحفة، وأما بحر عيذاب وهو من ناحية اليمن والهند فلا يلزمه الإحرام فيه بمحاذاته الميقات؛ لأن فيه خوفا وخطرا من أن ترده الريح، بخلاف الأول فإنه ليس مثله ولا هدي عليه بتأخيره الإحرام إلى البر في هذا. انتهى.
وإذا حمل المصنف على هذا تبقى لو غير مشار بها إلى الخلاف؛ إلا أن يقال أشار بها لرواية ابن نافع عن مالك: لا يحرم المسافر في السفن ولم يفصل تفصيل سند. نقله في التوضيح. قاله محمد بن الحسن. سند: ولا يرحل من جُدة إلا محرما؛ لأن جواز التأخير إنما كان للضرورة وقد زالت، وهل يحرم إذا وصل إلى البر أو إذا ظعن من جدة؟ والظاهر إذا ظعن لأن سنة من أحرم وقصد البيت أن يتصل إهلاله بسيره. قاله الحطاب. ولما أوجب الجمهور إحرام من مر بميقات
стр. 2611
عموما لقوله ﵊: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن (١))، واستثنى أهل المذهب من ميقاته الجحفة يمر بذي الحليفة، فلا يجب إحرامه منها لمروره على ميقاته بعد، أشار إلى ذلك بقوله: إلا كمصري يمر بالحليفة، مستثنى من قوله: "أو مر"، ومعنى كلام المصنف أن من ميقاتُه الجحفة كالمصري والشامي والمغربي، ومثله من مسكنه دونها وخرج إلى ورائه ثم أتى مريد النسك إذا مروا بذي الحليفة يريدون المرور بالجحفة أو محاذاتها، فإنه لا يجب عليهم الإحرام بمرورهم بذي الحليفة ولا بمحاذاته؛ لأن ميقاتهم أمامهم، وأما من مسكنه دون الميقات، فقال سند: من كان منزلة دون الميقات وسافر لما وراء الميقات ثم أتى يريد الدخول لمكة فينظر هاهنا، إن كان يريد الحج أخر إحرامه إلى منزلة إن شاء إذا كان منزلة بغير مكة، ولا يؤخره إذا كان مسكنه مكة؛ إذ لا يدخل المكي مكة إلا محرما، فلما وجب عليه الإحرام قبل منزلة وجب عليه الإحرام من الميقات الذي مر به، وهو كمن لا ميقات له بعده، وإن كان هذا الداخل معتمرا نظرت، فإن كان منزلة في الحل جاز له التأخير، وإن كان في الحرم لم يجز كالمكي. انتهى.
ونقله في الذخيرة على أنه المذهب وهو ظاهر، ولم أقف على ما يخالفه إلا ما ذكره القرطبي في شرح مسلم، فإنه قال ما نصه: لو مر من منزلة بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة وهو يريد الإحرام وجب عليه أن يحرم منه، ولا يؤخر الإحرام إلى بيته، لقوله ﷺ : (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن). انتهى. وما قاله سند أظهر. قاله الحطاب. قال: ولا شك أن إحرامه من الميقات أفضل، كما يؤخذ من قياسه على المصري إذا مر بذي الحليفة، ومن منزلة في الحرم وليس بمكة، وأراد الإحرام بالحج له أن يؤخر ذلك إلى منزلة ويدخل الحرم بغير إحرام، وله أن يدخل منزلة أيضا بلا إحرام حيث أراد الاقتصار عليه، وقال غير المالكية: إن دخول الحرم حكم دخول مكة لاشتراكهما في الحرمة، وفهم من قول المصنف: "إلا كمصري" لخ، أن غير المصري ومن في حكمه؛ إذا مروا بذي الحليفة يتعين عليهم الإحرام منه وهو كذلك.
стр. 2612
والحاصل أن كل من مر بميقات ليس له فعليه أن يحرم منه إذا لم يكن ميقاته بين يدي هذا الذي مر به، ومن تعداه كان عليه الدم فهو أولى؛ يعني أن المصري ومن في حكمه إذا مروا بذي الحليفة فإنه لا يجب عليهم الإحرام منه، لكون ميقاتهم أمامهم يريدون أن يمروا به أو يحاذوه، ولكن الأولى لهم أن يحرموا من ذي الحليفة، وأما إن كانوا لا يريدون المرور بالجحفة ولا محاذاتها وهم مع ذلك يريدون الإحرام، فإنه يجب عليهم أن يحرموا من ذي الحليفة. والله أعلم. وقوله: "فهو"؛ أي إحرامه من ذي الحليفة "أولى"؛ أي أفضل من تأخيره إلى الجحفة.
وإن لحيض رجى رفعه، مبالغة في قوله: "فهو أولى"؛ يعني أن إحرام الحائض والنفساء من أهل مصر ونحوهم من ذي الحليفة إذا مرتا به أولى من تأخيرهما الإحرام إلى الجحفة وإن كانتا ترجوان بالتأخير إلى الجحفة أن تطهرا فتغتسلا وتصليا للإحرام، فقوله: "لحيض"؛ أي لذات حيض، وإنما كان إحرام كالحائض من ذي الحليفة أفضل لأنها تقيم في العبادة أياما قبل أن تصل إلى الجحفة، فلا يفي ركوعها بفضل تقدم إحرامها من ميقاته ﵊، قال مالك: تغتسل ولا تؤخر لانتظار الطهر، وإذا كانت الحائض والنفساء ممن يجب عليه الإحرام من ذي الحليفة فإنه لا يرخص لهما في تأخير الإحرام إلى الجحفة رجاء أن تطهرا، والمستحب لمن أحرم من ذي الحليفة غير الحائض أن يصلي في مسجده، ثم يركب ثم يهل، والحائض من فناء مسجده، وذلك أن مسجد ذي الحليفة موضع يقصد لركوع الإحرام اقتداء بالنبي ﷺ ، فأما من أحرم من سائر المواقيت فالأفضل أولها، واختلف في المدني المريض هل يرخص له في تأخير الإحرام إلى الجحفة أو لا؟ على قولين لمالك في الموازية، الأول شهره ابن بزيزة، والثاني رجحه اللخمي وصاحب الطراز وابن عبد السلام. والله أعلم. وكلام اللخمي هو قوله: والأقيس مخاطبته بالإحرام من ميقاته، فإن احتاج إلى شيء من محيط أو تغطية الرأس فعل وافتدى، ولو كان المدني غير مريض وأخر الإحرام إلى الجحفة ففي وجوب الدم وسقوطه قولان: الوجوب لمالك، واختلف أصحابه في الوجوب والسقوط. ابن عبد البر: اختلف في مريد الحج أو العمرة يجاوز ميقاته إلى ميقات أقرب منه، مثل أن يترك المدني الإحرام من ذي الحليفة ويحرم من الجحفة، قال مالك: عليه دم، ومن أصحابه من أوجب الدم فيه، ومنهم من أسقطه،
стр. 2613
وفي الشامل: ولا يؤخره صحيح وإلا فالدم على الأصح. كإحرامه أوَّلَه، تشبيه في الأولوية؛ يعني أن الإحرام من أول الميقات أولى أي أفضل؛ لأن المبادرة بالطاعة مستحبة، قيل لمالك في ميقات الجحفة: أيحرم من وسط الوادي أو آخره؟ قال: كله مهل وليحرم من أوله أحب إلي، وكذلك ما كان مثل الجحفة من المواقيت، ويستثنى من هذا -كما مر التنبيه عليه- من أحرم من ذي الحليفة، فإن الأفضل له أن يركع للإحرام في مسجده ثم يحرم إذا خرج منه، وتحرم الحائض من فنائه ولا تدخله.
تنبيه: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فأعاد عليه مرارا، وقال: فإن زدت على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وما في هذا من الفتنة إنما هي أميال أزيدها؟ فقال مالك: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال: وأي فتنة في هذا؟ قال وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت ما قصر عنه رسول الله ﷺ ؟ أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله تعالى لك واختيار رسول الله ﷺ ؟ وقال مالك: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة من ذلك فاتركوه. انتهى. قاله الحطاب.
ونقله عن معن بن عيسى، ومعن هذا ربيب مالك، قال ابن عبد البر: كان أشد الناس ملازمة لمالك، وقال الرازي: أوثق أصحاب مالك وأثبتهم معن، وهو أحب إلي من ابن نافع وابن وهب، وقال الشافعي: قال لي الحميدي: حدثني من لم تر عيناك مثله وهو معن، وقد روى عنه الأئمة أحمد وابن معين والحميدي وابن نمير وغيرهم، وأخرج له البخاري ومسلم. انتهى. قاله محمد بن الحسن.
وإزالة شعثه، الضمير في شعثه عائد على الذي يريد الإحرام؛ يعني أن الأفضل لمن يريد الإحرام أن يزيل شعثه، بأن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، ويحلق عانته، وينتف إبطيه، ويكتحل، ويدهن بغير مطيب، ويزيل شعر بدنه إلا شعر رأسه، فإن الأفضل إبقاؤه طلبا للشعث في الحج، ونص ابن بشير على أن الأفضل أن يلبده بصمغ أو غاسول ليلتصق بعضه على بعض، وتقل دوابه
стр. 2614
من القلة ضد الكثرة أي قمله، وأما من قال: وتموت دوابه، فمشكل لأنه يقتضي أن ذلك يقتل دواب رأسه بعد أن يلتصق الشعر بعضه على بعض، فيكون حاملا للنجاسة أو شاكا في ذلك لأن القملة إذا ماتت نجست على المشهور، وأيضا يحتمل أن يقع القتل للقمل بعد الإحرام، وقوله: "شعثه"، الشعث الدرن والوسخ والقشف. قاله سيدي زروق.
وترك اللفظ به؛ أي بالنسك؛ يعني أن ترك التلفظ بالنسك الذي يريده والاقتصار على النية أفضل من التلفظ بذلك عند مالك، وهذا هو المعروف، وروي عن مالك كراهة التلفظ، وروي عن ابن وهب التسمية أحب إلي، وفي الموازية: قال مالك: ذلك واسع سمى أو ترك، وصفة التسمية أن يقول: لبيك بحجة أو لبيك بعمرة، أو يقول: أحرمت بحجة أو أحرمت بعمرة أوأحرمت بحجة وعمرة. الثعالبي: قيل التلفظ أولى للخروج من الخلاف، فإن أبا حنيفة يقول: من لم ينطق لم ينعقد إحرامه.
ولما أنهى الكلام على الميقات وأهله، شرع في تقسيم حكم المارِّ به من وجوب الإحرام عليه وعدمه إلى أربعة أقسام؛ لأن المار بالميقات إما أن يكون مريدا لمكة أولا، والمريد لها إما أن يتردد أولا، وغير المتردد إما أن يكون مخاطبا بالحج أولا وهو تقسيم بديع لم يسبق به، فقال: والمار به إن لم يرد مكة؛ يعني أن المار بالميقات إذا لم يرد دخول مكة حين مروره بالميقات كأن تكون حاجته دونها أو في جهة أخرى، ومِن لازِمِ عدَمِ إرادة مكة عدمُ إرادة الحج والعمرة، أوأراد دخولها إلا أنه لا يجب عليه الحج كعبد أدخلت الكاف سائر من لا يجب عليه الحج كالجارية والصبي والمجنون والمغمى عليه، وكذا من يجب عليه ولا يصح منه كالكافر، فلا إحرام عليه في هذه الوجوه، وقرن الجواب بالفاء لكونه جملة اسمية، ويختلف في خبر المبتدأ وهو قوله: "والمار"، هل هو الشرط أو الجزاء أو هما، وهو الراجح. ولا دم؛ يعني أن المار بالميقات إذا لم يرد دخول مكة أو أراده ولكن لا يجب عليه الحج أو لا يصح منه، فإنه لا إحرام عليه ولا دم لمجاوزته للميقات حلالا، وما قاله المصنف نحوه لابن عرفة، ولا يعارضه قول المدونة: وإن جاوز الميقات غير مريد الحج فلا دم عليه وقد أساء حين دخل الحرم حلالا من أي الأفاق هو كما زعمه الرماصي، حيث توهم أن قولها، وقد أساء، ينافي المصنف وابن عرفة من جواز ترك الإحرام؛ لأنا
стр. 2615
نقول: كلام المدونة في مريد مكة لغير نسك، فلذا قالت: فلا دم عليه وقد أساء، وسيأتي إساءة تاركه ولا دم إن لم يقصد نسكا، وبه تعلم ما في كلام الرماصي. قاله محمد بن الحسن.
وقوله: وإن أحرم، مبالغة في قوله: "ولا دم "؛ يعني أن الشخص إذا مر بالميقات ولم يرد دخول مكة، ثم بعد أن جاوز الميقات بَدَا لَهُ أن يدخل مكة فأحرم حينئذ فإنه لا دم عليه، وكذا لو أذن الولي للعبد أو الصبي أو أعتق العبد أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو المغمى عليه أو أسلم الكافر، ووقع جميع ما ذكر بعد أن جاوز الميقات فأحرموا بفرض أو نفل، فإنه لا دم على واحد منهم بمجاوزته للميقات حلالا، وظاهر قوله: "ولا دم"، ولو كان إحرامه يسقط عنه الفرض وهو كذلك، كما إذا أحرم الصبي بعد بلوغه أو العبد بعد عتقه أو المجنون أو المغمى عليه بعد زوال ما نعهما أو الكافر بعد إسلامه، فإنهم يسقط عنهم الفرض ولا دم على واحد منهم. قال في المدونة: وللسيد أن يدخل عبده أو أمته بغير إحرام، ويخرجهما إلى منى وعرفات غير مُحْرِمَيْن، فإن أذن السيد لعبده بعد ذلك فأحرم من مكة فلا دم على العبد لترك الميقات، وإذا أسلم نصراني أو عتق عبد أو بلغ صبي أو حاضت الجارية بعد دخولهم مكة أوهم بعرفة، فأحرموا حينئذ فوقفوا، أجزأتهم عن حجة الإسلام، ولا دم عليهم لترك الميقات؛ لأنهم جاوزوه قبل توجه فرض الحج عليهم.
وانظر هل يدخل في كلام المصنف المرأة في التطوع، والظاهر أنه ينظر؟ فإن كان الزوج محرما فيجب عليها الإحرام لأنه لا يجوز له أن يحللها إذا أحرم وكانت صحبته كما صرح به صاحب الطراز، وأما إن كان ممن يجوز له الدخول بغير إحرام فها هنا ليس لها أن تحرم بالتطوع إلا بإذنه، ومقتضى ذلك أنه يجوز له أن يدخلها بغير إحرام. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب.
إلا الصرورة المستطيع: يعني أن الصرورة المستطيع إذا جاوز الميقات حلالا وهو غير مريد دخول مكة، ثم أحرم في أشهر الحج، فإنه اختلف فِي لزُومِ الدم له؛ لأنه بإحرامه صار بمنزلة مريده أو تبين أنه مريده وَعَدَمِ لُزُومِ الدم له رعيا لحال مروره على الميقات.
وبما قررت علم أن هذا راجع للمبالغ عليه فقط، فهما فيمن أحرم بعد تعديه للميقات حلالا، وكان حال مروره غير مريد دخول مكة، وأنه فيمن أحرم في أشهر الحج، فإن أحرم في غير أشهر الحج فلا دم عليه اتفاقا. فتأويلان؛ أي في ذلك تأويلان، فتأول ابن شبلون المدونة على أن
стр. 2616
الصرورة يلزمه الدم سواء كان مريدا للحج حين جاوز الميقات أو غير مريد، وتأولها الشيخ ابن أبي زيد على أن الصرورة وغيره سواء وأنه لا يلزمه الدم، قال ابن يونس: وقول أبي محمد هو الصواب، ولا بد من تقييد قول ابن شبلون بأن يكون ذلك في أشهر الحج. ومريدها إن تردد، يعني أن من أراد دخول مكة وهو من المترددين إليها كالمتسببين في الفواكه والطعام وكالحطابين، فإنه يجب عليهم الإحرام ولا دم عليهم، واستحب اللخمي لهم أن يحرموا أول مرة، أو عَادَ لَهَا لأمْر؛ يعني أن من خرج من مكة لا يريد العود لها ثم إنه رجع لها من قريب كمسافة قصر؛ لأجل أمر عاقه عن السفر -مثل ما فعل ابن عمر حين خرج إلى قديد فبلغة خبر فتنة المدينة فرجع فدخل مكة بغير إحرام- لا يجب عليه الإحرام ولا دم عليه.
وبما قررت علم أن قوله: فكذلك، جواب الشرط، فهو راجع للمسألتين؛ أعني قوله: "إن تردد"، وقوله: "أو عاد لها"، ومعناه كالمار الذي لا يريد دخول مكة في أنه لا إحرام عليه ولا دم كما قررت، وقوله: "ومريدها إن تردد" الخ، ليس هو في متعدي الميقات كما هو المتبادر منه، وإنما هو في دخول مكة من غير إحرام من مكان قريب، وأما المار على الميقات إن أراد مكة فيجب عليه الإحرام من غير تفصيل بين المتردد وغيره كما تفيده المدونة، فإن خرج لا يريد العود ورجع من قريب لغير عائق أحرم، وإلا وجب الدم، بخلاف من خرج يريد العود.
والحَاصِلُ أن من خرج من مكة، إما أن يخرج بنية العود أو لا، فإن خرج على أن لا يعود ثم رجع من قريب لأمر عاقه كما فعل ابن عمر فإنه يدخل بغير إحرام، بخلاف ما إذا بدا له الرجوع عن سفره لأمر رآه، وإن خرج بنية العود، فإن كان الموضع الذي خرج إليه قريبا ولم يقم فيه كثيرا فله الرجوع بغير إحرام، وإن كان الموضع بعيدا أو أقام فيه كثيرا فعليه أن يدخل محرما، وإن كان من أهل مكة.
وحد القرب ما كان على مسافة القصر فأقل، فقول المصنف: "أو عاد لها"، مقيد بقيدين بأن يكون عاد من قريب وأن يكون عوده لأمر عاقه عن السفر، ويلحق بهذا في جواز الدخول بغير إحرام من دخل لقتال بوجه جائز.
стр. 2617
وبما قررت علم أن معنى قوله: "فكذلك"، كالمار الذي لا يريدها في أنه لا إحرام عليه ولا دم، وقد قدمت أن هذا في دخول مكة بغير إحرام، وقال الخرشي عند قوله: فكذلك كالمار الذي لا يريدها في أنه لا إحرام عليه ولا دم وان أحرم، وهل يدخل في التشبيه والإشارة قوله في التي قبلها: "إلا الصرورة المستطيع فتأويلان؟ "؛ لازم تأويل ابن شبلون دخول ذلك؛ لأنه إذا وجب الدم على الصرورة الذي لم يردها فأحرى الصرورة الذي يريدها. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وهذا مبني منه رحمه الله تعالى على ما يتبادر من المصنف من أن قوله: "ومريدها إن تردد" لخ، فيمن تعدى الميقات حلالا، وهو خلاف ما قدمته، وهو لمحمد بن الحسن أنه إنما هو في دخول مكة من مكان قريب، وأما المار على الميقات إن أراد مكة فإنه يجب عليه الإحرام من غير تفصيل. انتهى. ولا يكره دخول مكة حلالا لمن كان خائفا من سلطانها ولا يمكنه أن يظهر، أو خائفا من جور يلحقه بوجه على ظاهر المذهب لأن ذلك يجوز مع عذر التكرار، فكيف بعذر المخافة. وقاله الشافعي وغيره.
ويتحصل من كلام الخرشي أن من خرج بنية العود ومن خرج بنية عدم العود يتفقان على الدخول بإحرام حيث رجعا عن بعد، وأما إن رجعا من مكان قريب فمن خرج بنية عدم العود يجوز له الدخول بغير إحرام مطلقا، طالت إقامته بالمحل القريب أم لا، إلا فيما إذا ترك السفر لغير عائق بل لأمر رآه، ومن خرج بنية العود إن طالت إقامته به دخل بإحرام وإلا فله الدخول بغير إحرام، وانظر لو خرج ولا نية له بشيء، ما حكمه؟ وقال عبد الباقي بعد قوله: "فكذلك" ويلحق بذلك أيضا دخولها لقتال، وهذا إذا رجع لسبب من هذه الأسباب لا يريد نسكا، وإلا تعين عليه الإحرام من موضعه إن كان دون الميقات كجدة وعسفان، فإن أخره عن موضعه فالدم، كما صرحوا به فيمن جاوز الميقات لا يريد مكة ثم أراد دخولها بأحد النسكين فإنه يلزمه الإحرام من موضع إرادته، وإن جاوزه فالدم، وبذلك أفتى والد الحطاب غير مرة فيمن خرج من مكة لجدة -بالجيم- بنية العود، ثم لما رجع أخر الإحرام إلى حدة -بحاء مهملة- قرية بين مكة وجدة ولم يحرم مما خرج إليه .. انتهى. أي جدة بالجيم، وهو يخالف ما للرماصي من أن هذا لا دم عليه، وعزاه لابن القاسم، وإلا بأن كان المار بالميقات مريدا لدخول مكة ولم يكن كعبد، وجب
стр. 2618
عليه الإحرام من الميقات الذي مر به، سواء أراد دخولها لأحد النسكين أو لغير ذلك كتجارة وكونها بلده، وهذا الذي قررت به المصنف هو الذي يفيده الأمير، ومقتضى تقريري هذا أن المار على الميقات إن أراد مكة يجب عليه الإحرام من غير تفصيل بين المتردد وغيره، وبذلك صرح محمد بن الحسن قائلا: كما تفيده المدونة، وهذا صريح في أن المتردد الذي لا إحرام عليه إنما هو حيث لم يمر بالميقات.
وأساء تاركه؛ يعني أن هذا المار في الميقات إذا ترك الإحرام من الميقات فإنه أساء أي أثم، ولا يغني عن قوله: "أساء" قوله: "وجب"؛ لأن الوجوب قد يستعمل في المتأكد، كقولهم: الوتر واجب أي متأكد لا في خصوص ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، فنبه على أن هذا هو المراد هنا. قاله عبد الباقي. وقوله: "وأساء تاركه"، خلافا لأبي مصعب. قاله الشبراخيتي. ولا دم؛ يعني أن هذا المار يجب عليه الإحرام من الميقات كما علمت ويأثم بترك ذلك، فإذا ترك الواجب بأن لم يحرم من الميقات الذي مر به وهو يريد دخول مكة، فإنه لا دم عليه، ومحل هذا إن لم يقصد وقت مروره في الميقات نسكا أي حجا أو عمرة، وإلابأن قصد نسكا بحج أو عمرة حين مر بالميقات ولم يحرم من الميقات ترك الإحرام جاهلا بالميقات أو عالما رجع. وجوبا إلى الميقات وأحرم منه، وإن شارفها؛ يعني أنه إذا تعدى الميقات ولم يحرم منه فإنه يرجع وجوبا إلى الميقات ويحرم منه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد شارف مكة أي قاربها وبين أن يكون لم يشارفها، بل يرجع إلى الميقات وجوبا ويحرم منه، وإن كان قد دخل مكة كما هو ظاهر المدونة خلافا لما يوهمه المصنف ما لم يحرم. ولا دم؛ يعني أنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم منه فإنه لا دم عليه، ولو دخل مكة حيث رجع قبل إحرامه رجع عن قرب أو بعد بعد دخولها أو قبله؛ لأنه لما رجع إلى الميقات وأحرم منه فكأنه أحرم ابتداء منه، وقوله: "إن لم يقصد نسكا"، ظماهره ولو قصد النسك بعد ذلك وأحرم من الطريق أو من مكة وهو كذلك على مذهب المدونة، وقيل: بالدم مطلقا، وقيل إن أحرم وكان صرورة فالدم، والرابع الدم على الصرورة وإن لم يحرم، والخامس إن أحرم. وقوله: "وإن شارفها"؛ أي خلافا لمن قال: يرجع ما لم يشارف مكة، فإن شارفها أحرم وأهدى، وهو قول جمهور أهل العلم.
стр. 2619
واعلم أن من أراد دخول مكة لحج أو عمرة فلا يجوز له دخولها إلا بإحرام، فإن دخلها بغير إحرام ثم رجع إلى بلده فقد عصى ولا قضاء عليه كما في تحية المسجد، واختلف هل عليه دم أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا دم عليه ورواه عن مالك وهو مذهب المدونة، وقال مالك في الموازية: عليه الدم. قاله الحطاب. وقوله: "ولا دم"، فإن لم يرجع وأحرم فعليه الدم. ولو علم؛ يعني أنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم منه فلا دم عليه، ولو علم أوَّلًا أنه لا يجوز له أن يتعدى الميقات بغير إحرام، ورد المصنف بلو قول ابن الحاجب: إن كان جاهلا وإلا فدم، وأنكره ابن عرفة، فقال: وَقَوْلُ ابن الحاجب إن كان جاهلا وإلا فدم: لَا أَعْرِفُهُ، ونحوه قول ابن شأس: إن عاد بعد البعد لم يسقط، فإنه خلاف المذهب، وقد أنكره ابن عرفة أيضا. قاله الحطاب.
وأما تقييد المدونة بالجاهل فإنه خرج مخرج الغالب. ما لم يخف فوتا؛ "ما" هذه ظرفية متعلقة بقوله: "وإلا رجع". قاله الحطاب. ومعنى كلام المصنف أن من جاوز الميقات غير محرم وهو مريد لأحد النسكين فإنه يؤمر بالرجوع للميقات ليحرم منه ما لم يخف فوات الحج أو فوات رفقة أو مرضا شاقا، وأما إن خاف شيئا من ذلك فَلا يرجع، بل يحرم من مكانه، وعليه الدم لكونه لم يحرم من الميقات، فإن خاف فوات الحج، وفاته بالفعل، وتحلل منه فلا دم عليه كما أشار إليه بقوله الآتي: "لا فات"، وقوله: "فالدم"؛ أي لأن محظورات الإحرام تستباح للأعذار بالهدي، ولو قال المصنف: ما لم يخف كفوات، ليشمل ما إذا خاف فوات الحج أو مرضا أو قتالا أو فوات رفقة ونحو ذلك لكان أحسن، ومعنى قوله: "ما لم يخف فواتا"، ما لم يغلب على ظنه أنه إذا رجع يفوته الحج.
وعُلِمَ مما مر ثمان صور؛ لأنه إما أن يخرج ليعود أو لا، وفي كل إما أن يعود بقرب أو بعد فهذه أربع صور، وفي كل إما أن تطول إقامته قبل العود أو لا، فمتى خرج لا ليعود فلا يدخلها إلا محرما، عاد عن قرب أو بعد، طالت بالعرف إقامته قبل العود أم لا، إلا أن يرجع لأمر عاقه كما وقع لابن عمر. ومتى خرج ليعود فلا بد من إحرامه إن عاد عن بعد مطلقا أو عن قرب وطالت إقامته، لا إن لم تطل، وأن الدم خاص بمن قصد نسكا ولم يحرم من الميقات ولا من بلده فيمن دون الميقات على خلف في الأخير. والله سبحانه أعلم.
стр. 2620
ويأتي للمصنف أن دخول مكة للحلال جوازه من خصائصه ﵊، وشبه المصنف في وجوب الدم، قوله: كراجع بعد إحرامه؛ يعني أن من جاوز الميقات بغير إحرام وهو مريد لأحد النسكين ثم أحرم بعد مجاوزته للميقات فإن الدم لازم له ولا يسقط عنه برجوعه إلى الميقات، بعد إحرامه وأولى في لزوم الدم ما إذا أحرم ولم يرجع إلى الميقات وهذا هو المشهور المعروف من المذهب، وقيل: يسقط الدم برجوعه. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أن الدم مرتب على إحرامه قبل رجوعه رجع بعد ذلك أو لا. ولو افسد؛ قال الشيخ الخرشي: مبالغة في لزوم الدم؛ وصورتها أنه جاوز الميقات وهو حلال، ثم أحرم بالحج، ثم أفسده بجماع -مثلا- فإنه يلزمه الدم وهو باق على عمل حجه متماد عليه فيلزمه جبره بالدم، قال الحطاب: ولا أعلم فيه خلافا كما هو ظاهر المصنف. لا فات؛ يعني أن من تعدى الميقات حلالا ثم أحرم وفاته الحج وتحلل منه بعمرة، فإنه يسقط عنه دم التعدي، فإن بقي على إحرامه ولم يتحلل منه بفعل عمرة، فإن عليه الدم لأنه في هذه الحالة بمنزلة من لم يفته، وتكلم المصنف هنا على سقوط دم التعدي في الفوات بشرطه، وعلى لزومه في الفاسد، ولم يتكلم على دم الفوات والفساد معا؛ لأنه يذكره أثناء فصل محرمات الإحرام وفصل الحصر، والفرق بين الإفساد والفوات أنه في الإفساد مستمر على ما أحرم به، بخلاف الفوات فإن الحج الذي قصده لم يحصل والعمرة لم يقصدها، فأشبه من جاوز الميقات غير مريد للنسكين وإتمامه لإحرامه فعل عمرة كإنشائه العمرة حينئذ، ولم يحصل فيها تعد يجب به الدم، وعن أشهب أن الدم لا يسقط بالفوات.
ولما قدم أن الإحرام ركنا (١) في النسكين ذكر ما ينعقد به فقال: وإنها ينعقد بالنية؛ يعني أن الإحرام إنما ينعقد بالنية مع قول أو فعل يتعلقان بالحج أو العمرة، فالحصر منصب على قوله الآتي: "مع قول" الخ، وإن خالفها لفظه؛ يعني أن المعتبر ما نواه، ولا يعتبر ما تلفظ به إذا خالف النية، قال ابن الحاجب: ولو اختلف عقده ونطقه فالعقد على الأصح، قال في التوضيح: كما لو نوى الإفراد فلفظ بالقران أو بالعكس، والأصح اعتبار نيته، وليس في المذهب من صرح بالعمل على ما تلفظ به كما تعطيه عبارته. قاله الحطاب.
стр. 2621
ولا دم؛ يعني أنه إذا خالف النية اللفظ فالمعتبر النية كما عرفت، فيصح ما أحرم به ولا دم عليه، وقال الشارح: وروي ما يشير إلى اعتبار النطق، فروى ابن القاسم فيمن أراد أن يهل بالحج مفردا فأخطأ فقرن أو تكلم بالعمرة: فليس ذلك بشيء وهو على حجه، قال في العتبية: ثم رجع مالك، فقال: عليه دم، وقاله ابن القاسم. انتهى. وأما لو أراد العمرة أو القران فنوى الحج فقط، فالمعتبر ما نواه أولا وهو العمرة أو القران. قاله الخرشي. وقال محمد بن الحسن عند قوله: "ولا دم"، هذا قول مالك المرجوع عنه، والذي رجع إليه أن عليه الدم، وقاله ابن القاسم أيضا.
واعلم أن لفظ التمتع ولو قصده لا يوجب الدم، وإنما يوجبه الحج بعد العمرة، وبالغ في الانعقاد بالنية مع قول أو فعل تعلقا به، بقوله: وإن بجماع؛ يعني أن الحج ينعقد بنية مع قول أو فعل تعلقا به وإن وقعت النية وما هي معه في حالة الجماع لكن ينعقد فاسدا كأن ينوي ويلبي وهو يجامع أو ينوي ويفعل فعلا تعلق به وهو يجامع؛ كأن يكون في محفة وهو سائر متوجه إلى مكة فينوي الإحرام في حالة الجماع وهو متوجه، فلا يقال: إن المصنف يرشد إلى أن الحج ينعقد في حالة الجماع بالنية فقط؛ لأن المصنف إذا لم يقل بانعقاد الإحرام بمجرد النية لمن يكون متطهرا فأحرى أن لا ينعقد ممن يجامع بالنية وحدها، وقوله: "وإن بجماع"؛ يعني فينعقد فاسدا ويتمه ويقضيه ويُهْدِي، وفي طرر التلقين: وشرط انعقاد الإحرام أن لا ينوي عند الدخول فيه وَطْئًا ولا إنزالا، فإن نوى ذلك مع إحرامه لم ينعقد ولم يكن عليه من أفعال الحج والعمرة ولا من لوازم الإحرام بهما شيء. انتهى. قاله الحطاب. ومعنى هذا. والله سبحانه أعلم. أنه أحرم على شرط أن لا يحرم عليه وطء ولا إنزال، فهذا هو الذي لا ينعقد إحرامه؛ لأن شرطه مناقض لمقتضى العقد، وهو مثل قول ابن القصار المقابل للمشهور في قول المصنف في الاعتكاف: وإن شرط سقوط القضاء لم يفده. قاله محمد بن الحسن.
وأما ما تأوله عليه عبد الباقي وبنى عليه سؤاله وجوابه ففيه نظر، وقوله: "وإن بجماع"، قال الإمام الحطاب: والظاهر أنه يجب عليه النزع كما في الصوم ولم أره منصوصا. والله أعلم. انتهى. اللخمي: إذا نذر أن يصوم بعض يوم، أو يعتكف الليل دون النهار، أو يطوف شوطا أو يقف بعرفة ولا يزيد على ذلك، فاختلف في هذا الأصل، فقيل: لا شيء عليه، وقيل: يأتي بمثل تلك
стр. 2622
الطاعة تامة والمشهور اللزوم في الاعتكاف. قاله الحطاب. فَإن قِيلَ: لم لزمه في الحج القضاء وفي الصوم إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع ينزعه ولا يلزمه قضاء؟ فَالجَوَابُ أنه في الحج أدخل ذلك على نفسه، بخلاف الصوم فإنه لا اختيار له في طلوع الفجر وعدمه. انظر الحطاب.
وفي الحطاب عن سند ما نصه: إذا أحرم وهو يجامع انعقد إحرامه فاسدا، وكان عليه تمامه وقضاؤه. انتهى. قال الحطاب: ولازم ذلك وجوب الهدي. مَعَ قوْل، قوله: "مع"، متعلق بمحذوف لأنه في موضع الحال من قوله بالنية؛ يعني أن الإحرام ينعقد بالنية حال كون النية كائنة مع قول أو فعل؛ يعني أن الإحرام إنما ينعقد بالنية حال كون النية كائنة مع قول أو فعل تعلَّقَا به؛ يعني أنه يشترط في القول الذي ينعقد الإحرام بالنية معه أن يكون متعلقا بالإحرام كالتلبية والتسبيح والتهليل والتكبير، وفي كتاب ابن محرز، قال أشهب: ولو كبر أو سبح أو هلل -يريد بذلك الإحرام- كان محرما، وكذلك يشترط في الفعل الذي ينعقد الإحرام بالنية معه أن يكون متعلقا بالإحرام كالتوجه إلى الطريق والتقليد والإشعار، وما مشى عليه المصنف، قال المصنف في مناسكه: هو المشهور في المذهب، وقال الشبراخيتي: إنه الراجح.
ابن الحاجب: وينعقد الإحرام مقرونا بقول أو فعل متعلق به كالتلبية والتوجه لا بنحو التقليد والإشعار. ابن عرفة: وفي الانعقاد بالتقليد والإشعار مع النية قولا إسماعيل عن المذهب، والأكثر عنه أي نقل إسماعيل عن المذهب الانعقاد، ونقل الأكثر عن المذهب عدم الانعقاد، وحينئذ فعدم الانعقاد بالنية وحدها أحرى، وقال صاحب التلقين وصاحب المعلم وصاحب القبس وسند: النية وحدها كافية، واحترز المصنف بقوله: "تعلقا به"، مما إذا لم يتعلقا به، فلا ينعقد الإحرام بالنية مع ذلك كالبيع ونحوه. وقوله: به الضمير للإحرام كما قررت، وقال المواق: الضمير المفرد للحج والعمرة مقيسة عليه أو للنسك لا للإحرام؛ لأن القول والفعل لا يتعلقان بالإحرام؛ أي لأنه لا ينعقد إلا بذلك.
وقد مر أن قوله: "مع"، متعلق بمحذوف حال من النية وهو للحطاب، وقال الشبراخيتي: إنه متعلق بالنية ولا يستقيم المعنى إلا عليه، وإن لزم منه الفصل بأجنبي بين المصدر ومعموله لأنهم
стр. 2623
يتوسعون في الظروف ما لا يتوسعون في غيرها، ولذلك أجازوا تقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا. انتهى.
بَيَّن أوْ أبْهَمَ؛ يعني أن الإحرام ينعقد بالنية مع ما سبق، سواء بين النسك الذي أحرم به من حج أو عمرة أو قران أو أبهمه، كأحرمت لله تعالى ولم يعين نسكا وهذا بالنسبة إلى الانعقاد، وأما بالنسبة إلى الفضيلة، فقال سند: والأفضل أن يعين نسكه من حج أو عمرة. وصرفه لحج؛ يعني أنه إذا أحرم ولم يعين نسكا بأن أبهم فإنه ينعقد إحرامه ويصح، ويخير في صرفه إلى أحد الأوجه الثلاثة: الحج أي الإفراد، والعمرة، والقران. ويندب له أن يصرفه لحج أي إفراد، قال مالك في الموازية: إذا أحرم مطلقا أحب إليَّ أن يفرد، قوله: "وصرفه لحج"؛ أي ندبا كما عرفت طاف أم لا، وقال عبد الباقي: محل الندب إذا لم يحصل منه طواف، وأما إن حصل منه طواف قبل الصرف فإنه يصرفه للحج وجوبا، قال في الذخيرة: ولو أحرم مطْلِقا ولم يعين حتى طاف، فالصواب أن يجعل حجا ويكون هذا طواف القدوم لأن طواف القدوم، ليس ركنا في الحج، والطواف ركن في العمرة وقد وقع قبل تعيينها، وعبارة عبد الباقي: "وصرفه للحج"؛ أي وجوبا إن وقع الصرف بعد طواف القدوم، وسواء كان في أشهر الحج أم لا، وندبا إن كان قبله ووقع الإحرام منه في أشهر الحج، ويؤخر سعيه في الثلاث صور لإفاضته، فإن كان في غير أشهر الحج كره صرفه للحج لأنه أحرم به قبل وقته ويصرفه لعمرة، فعلم أن الصور أربع. انتهى.
قال محمد بن الحسن: هذا الفرع الذي وقع فيه الصرف بعد الطواف إنما نقلوه عن سند والقرافي، وهما لم يذكرا فيه وجوب الصرف، وإنما قالا: الصواب أن يجعل حجا لخ، وذلك لا يقتضي الوجوب، وكذا تعليله الآتي لا يقتضيه، وقول الزرقاني: ويؤخر سعيه في الثلاث صور لإفاضته لخ فيه نظر، أما إذا صرفه قبل الطواف وقد أحرم من الحل فلابد من طواف القدوم ويسعى بعده، ولا قائل بتأخير السعي هنا، وأما إذا صرفه بعد الطواف، فقد قال سند: يؤخر سعيه للإفاضة، وقوله: "بين أو أبهم"، جملة حالية، قاله غير واحد، وهو نظير قول الشاعر:
كن للخليل نصيرا جار أو عدلا … ولا تشح عليه جاد أو بخلا
стр. 2624
وقوله: "لحج"، كان ينبغي له أن يقول: لإفراد لأنه قسم من الحج، فإن الحج شامل للأقسام الثلاثة.
وفي الحطاب عند قوله "وصرفه لحج": وهذا إذا أحرم في أشهر الحج. فإن أحرم مطلقا قبل أشهر الحج، فقال ابن جماعة الشافعي: إطلاق ابن الحاجب يقتضي أنه يخير في التعيين. انتهى. قُلْتُ: ولكنه يكره له صرفه إلى الحج قبل أشهره على الشهور؛ لأن ذلك كإنشاء الحج حينئذ، وعلى مقابله إنما ينعقد عمرة وهذا ظاهر. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقال الحطاب: قال ابن جماعة في منسكه الكبير في أوجه الإحرام: لو أحرم بعمرة ثم أحرم مطلقا، فوجهان عند الشافعية؛ أحَدُهُمَا أن يكون مدخلا للحج على العمرة، وَالثَّانِي إن صرفه إلى الحج كان كذلك، وإن صرفه إلى العمرة بطل الثاني، وعند المالكية أنه يصير قارنا. انتهى. وَالقِيَاسُ لقِران؛ يعني أن الإمام مالكا قال فيمن أحرم وأبهم: أحب إلي أن يفرد، ولكن القياس أن يصرفه لقران بأن يحج، وكان القياس لأنه أحوط لاشتماله على النسكين، وقوله: "بين أو أبهم"، أما إذا أبهم فالأمر ما عرفته، وأما إذا بين ما أحرم به من حج أو قران أو عمرة فإنه يعمل على ما بين، وما تقدم من التخيير بين الثلاثة هو في حق المدني وغيره، واختار اللخمي أن التخيير إنما هو للمدني ونحوه، وأما المغربي ونحوه ممن لا يقصد إلا الحج فلا يلزمه غيره. نقله الخرشي. وإن نسيَ فقِران؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بنسك معين ثم إنه نسي ما أحرم به فلم يدر أهو حج مفرد أو عمرة أو قران، فإن نسكه الذي يفعله قران أي يعمل عمل القران ويهدي لأنه أحوط، وليس معنى قوله: "فقران"، أنه ينوي القران لمنافاته لقوله: ونوى الحج؛ يعني أنه يعمل عمل القران كما مر، وينوي الحج مع ذلك أي يجدد الآن نية الإحرام بالحج احتياطا، فإن إحرامه الأول إن كان حجا أو قرانا لم يضره ذلك، وإن كان عمرة ارتدف الحج عليها وصار قارنا ويكمل حجه، وَإذا نوى الحج بالمعنى المذكور وأتم حجه برئ منه؛ أي من الحج فقط دون العمرة، فإنه يأتي بها لاحتمال أن يكون إحرامه الأول إنما هو بحجة فقط، فلم تحصل له عمرة، وقوله: "ونوى الحج"، قال عبد الباقي: وجوبا بعمل القران. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر،
стр. 2625
بل الذي يدل عليه كلامهم أنه إن أراد البراءة من الحج أحدث نيته صرورة كان أم لا، وإن ترك نيته برئ من عهدة الإحرام فقط وليس محققا عنده إلا عمرة. انظر ابن غازي، والحطاب. انتهى. وقوله: "ونوى الحج"، قال عبد الباقي: وهذا حيث حصل شكه في وقت يصح فيه الإرداف كما لو وقع قبل الطواف أو في أثنائه أو بعده وقبل الركوع على المشهور، أما لو كان بعد الركوع أو في أثناء السعي فلا ينوي الحج؛ إذ لا يصح إردافه على العمرة إذ ذاك، بل يستمر على ما هو عليه، فإذا فرغ من سعيه أحرم بالحج وكان متمتعا إن كان في أشهر الحج، وكذا إن كان إحرامه بعد السعي، وينبغي أن يهدي احتياطا لخوف تأخير الحلاق. قاله سند. انتهى. وقوله: "وبرئ منه"، قال عبد الباقي عنده: واعلم أن مفاد النقل أن عمل القران لازم له، سواء نوى الحج أم لا، وبراءته من الحج إنما تكون إذا نواه. انتهى.
كشكه أفرد أَو تمتع، تشبيه في تجديد نية الحج والبراءة منه وعمل القران؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بنسك ثم شك فيما أحرم به، هل أحرم بحج مفردا أو بعمرة؟ فإنه يجدد نية الحج حين وقع له الشك إن كان ذلك قبل الطواف، كان مردفا للحج على العمرة إن كان إحرامه الأول عمرة، وإن كان حجا لم يضره، وإن كان بعد فراغه من السعي كان محرما بحج بعد الفراغ من العمرة إن كان الأول عمرة، وإن كان حجا لم يضره، نعم، إن وقع له الشك في أثناء الطواف أو في أثناء السعي لم يصح. قاله الحطاب. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع".
علم مما قررت أنه تشبيه في تجديد نية الحج والبراءة منه فقط، وأن معنى قوله: "تمتع": اعتمر، فكان الأولى له أن يقول: كشكه أحرم بحج أو عمرة. كما قاله الحطاب. وقال عبد الباقي مفسرا لقوله "أو تمتع": أي اعتمر، هذا مراده بدليل أن الشك حاصل عقب إحرامه، والتمتع إنما يتحقق بفراغه من العمرة ثم إحرامه بالحج في أشهره. انتهى. المراد منه.
وقد مر أن قوله: "كشكه" لخ، تشبيه في تجديد نية الحج والبراءة منه دونَ العمرة، قال الحطاب: وأما كونه لا يبرأ إلا من الحج فقط فلم أر من صرح به في هذه المسألة، بل صرح في الشامل بنفيها، فقال: ولو نسي ما أحرم به نوى الحج وتمادى قارنا فطاف وسعى وأهدى ثم
стр. 2626
اعتمر كما لو شك أفرد أو تمتع ولا عمرة، لكن ما قاله المصنف ظاهر من جهة المعنى؛ إذ لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها في موجب العمرة، فتأمله. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال الشبراخيتي عنده: وأفاد تشبيهه أنه ينوي الحج الآن لاحتمال أن يكون أحرم أولا بعمرة ويعمل عمل القران، ويبرأ منه فقط لاحتمال أن يكون إحرامه أولا بحج فهو تشبيه تام، فنية الحج واجبة على المذهب كما قال مالك وابن القاسم خلافا لبحث ابن عبد السلام، وبحث ابن عبد السلام هو قول سحنون. انتهى. وقال عبد الباقي توطئة لقوله "كشكه" الخ ما نصه: ثم شبه في أصل نية الحج وإن كانت فيما مر واجبة وهنا مندوبة، وفي البراءة من الحج فقط، ويأتي فيه ما قدمناه عن سند.
قوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال محمد بن الحسن: قوله: وإن كانت فيما مر واجبة الخ، فيه نظر كما تقدم وتأمل كلام الحطاب وما نقله عن اللخمي يظهر لك أن لا وجوب في المسألتين. انتهى. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قررتُه كما علمتَ على أنه تشبيه بالمسألة التي قبله، قال الشبراخيتي: تنظير لا تمثيل لأنه في الأول نسي ما أحرم به من كل الوجوه، وفي هذه جزم بأنه لم ينو قرانا، وإنما شك في الحج المُفْرَدِ والعمرة المُفْرَدَةِ، ولذا كان الأولى أن يقول: كشكه أفرد أو اعتمر. انتهى. المراد منه. والله سبحانه أعلم.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وإذا تأملت هذا وما قدمته علمت أنه لا فرق بين المسألتين إلا من حيث الصورة لا من جهة المعنى. والله سبحانه أعلم. ولهذا قال الحطاب في كلام ابن غازي. وابن عبد السلام: الذي فيه التفريق بين المسألتين إنه سهو ظاهر وأنه لا فرق بينهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: هل أفرد أو تمتع؛ أي اعتمر، وأما لو شك هل أفرد أو قرن تمادى على نية القران وحده. قاله اللخمي. قاله الحطاب. وقال: وانظر لو شك هل قرن أو تمتع؟ والظاهر أنه يمضي على القران أيضا. والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ سالم: وينبغي في هذه أن يحدث نية الحج ليتحقق القران؛ لأن حاصل أمره أنه شك هل أحرم بهما معا أو بالعمرة فقط؟ وهو معنى التمتع كما سبق، فينوي الحج ندبا على العمرة إن كان أحرم بها أولا، وينبغي في هذه أن يبرأ منهما معا وإن لم يحدث نية الحج لم يبرأ إلا من العمرة. انتهى. نقله عبد
стр. 2627
الباقي. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال الشبراخيتي: ومحل كونه ينوي الحج حين شكه حيث كان يرتدف الحج على العمرة، فإن كان لا يرتدف كأن يكون شكه بعد ركوع الطواف فإنه لا ينوي الحج، وإن نواه لم يعمل بنيته بل يصبر حتى يسعى ثم يحرم بالحج، ولو شك هل أفرد أو قرن تمادى على نية القران وحده. قاله اللخمي. ويبرأ من الحج فقط للعلة المتقدمة، وظاهر كلام اللخمي أنه يبرأ من الحج ومن العمرة. انتهى. والله سبحانه أعلم.
ولغا، فعل ثلاثي لازم ومضارعه يلغى بفتح الغين، وأما لغا إذا تكلم بالكلام اللاغي أي الساقط فمضارعه يلغو بضم الغين، وفاعل "لغا" في كلام المصنف قوله: عمرة عليه، ولم يقل لغت لأن العمرة مجازية التأنيث كما قاله غير واحد، ومعنى كلام المصنف أن الشخص إذا أحرم بحج ثم أحرم بعمرة فإن العمرة تبطل، وقوله: "عليه"، متعلق بصفة مقدرة لعمرة أي وبطلت عمرة مردفة عليه أي على الحج أي أحرم بها قبل تمامه. وقوله: "عليه"، مفهومه أنها معه لا تَلْغَى وهو كذلك، ولم يذكر المصنف الحكم في ذلك ابتداء وهو الكراهة. قاله الحطاب. وقوله: "ولغا عمرة عليه"، لم تردف العمرة على الحج لضعفها، وقوله: "ولغا عمرة عليه"، ولا يلزم قضاء هذه العمرة اللاغية ولا دم بسبب ذلك.
كالثاني في حجتين؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحجة ثم بعد إحرامه بها أحرم بحجة أخرى، فإن الحجة الثانية تلغى أي تبطل، يريد: ويكره الإقدام على ذلك ابتداء، وكذا تلغى إحدى الحجتين إذا أحرم بهما معا. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. أو عمرتين؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بعمرة ثم بعد إحرامه بها أحرم بعمرة أخرى فإن العمرة الثانية تلغى أي تبطل، يريد: ويكره له ذلك ابتداء، وكذا تلغى إحدى العمرتين إذا أحرم بهما معا، قال في المدونة: وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء، وليتماد على حجه ولا يلزمه شيء فيما أردفه ولا قضاؤه ولا دم قران. انتهى.
ورفضه؛ بالرفع عطف على عمرة من قوله: "ولغا عمرة عليه"؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج أو عمرة ثم رفض إحرامه، فإن رفضه ذلك يلغى أي يبطل، فإن الإحرام لا يرتفض فرفضه باطل
стр. 2628
غير معتد به في صورة من الصور المتقدمة وغيرها، وقوله: "ورفضه"؛ يعني بعد الفراغ أو في الأثناء، وأتى ببقيته لأنه إنما عليه مواضع يأتيها، فإذا رفض إحرامه ثم عاد للمواضع التي يخاطب بها ففعلها لم يحصل لرفضه حكم. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وأما إن كان في الأثناء ولم يأت ببقيتها أصلا أو أتى بها بغير نية كالطواف فإنه يرتفض، وفي نص المواق والتتائي ما يفيد هذا. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي يظهر مما نقلاه عن عبد الحق أنه إن رفض إحرامه في الأثناء ثم أتى ببقيته لم يرتفض مطلقا، أتى بها بنية أو بغير نية، ونص عبد الحق: فإذا رفض إحرامه ثم عاد إلى المواضع التي يخاطب بها ففعلها لم يحصل لرفضه حكم، وأما إن كان في حال الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض وفعلها بغير نية كالطواف ونحوه فهو رافض يعد كالتارك لذلك. انتهى. فقوله: ثم عاد إلى المواضع لخ، ظاهره مطلقا وقوله: وأما إن كان لخ، فهو مسألة أخرى، وهي إذا رفض الطواف في أثنائه أو السعي مثلا فتأمله. والله أعلم. انتهى.
وفي الحطاب: ولا يرتفض الإحرام في صورة من الصور إلا فيمن ارتد عن الإسلام -والعياذ بالله تعالى- فإنه ينفسخ إحرامه والعياذ بالله تعالى ولا يلزمه القضاء. وفي كإحرام زيد تردد؛ يعني أنه إذا نوى الإحرام بما أحرم به زيد وهو لا يعلم بما أحرم به زيد فقد تردد المتأخرون في صحة إحرامه، وأشار بالتردد لتردد المتأخرين في النقل عن المذهب، فإن الذي نقله سند وصاحب الذخيرة وغيرهما عن المذهب الصحة، والذي نقله القرطبي عن مالك المنع والظاهر الأول، وعليه فلو بان أن زيدا لم يحرم، فقال سند: إحرامه يقع مطلقا ويعينه لما شاء ويجري على ما تقدم. انتهى. فلو مات زيد أو وَجَدَهُ محرما بالإطلاق، فقال الحطاب: لم أر فيه نصا في المذهب، والظاهر أنه يقع إحرامه أيضا مطلقا، ويخير في تعيينه والنص فيه للمخالف مثل ما ذكرت، وإذا قلنا يتبع زيدا في إحرامه فالظاهر أنه إنما يتبعه في أوجه الإحرام خاصة، وأما كل شخص فهو على ما نواه من فرض ونقل وهو ظاهر. والله أعلم. انتهى. فالتردد في كلام المصنف.
وقوله: "وفي كإحرام زيد تردد" المذهب الصحة، قال الشيخ إبراهيم: والمذهب الصحة، فكان ينبغي للمصنف أن يجزم بالصحة، فيقول: وصح في كإحرام زيد. انتهى. ونحوه للخرشي، ووقع
стр. 2629
التردد هنا، وجزم بجوازه في الصلاة حيث قال: "وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام" لشدة ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، والاقتداء في الصلاة مطلوب ولا كذلك الحج، وقال محمد بن الحسن: نقل المواق عن ابن رشد ما يفيد أن الإبهام في الحج أصل [للإبهام (١)] في الصلاة.
واعلم أن الإحرام على ثلاثة أوجه: الإفراد، والقران، والتمتع. وقال عبد الباقي: خمسة، إفراد وقران وتمتع وإطلاق وكإحرام زيد، والثلاثة الأول على هذا الترتيب في الأفضلية، والرابع لا فضل فيه كالخامس وهما يرجعان إلى الثلاثة فلا ينبغي عدهما وجهين. أشار له الشيخ سالم. انتهى.
وإلى تفضيل الإفراد أشار المصنف بقوله: وندب إفراد، لما ذكر المصنف المبهم، شرع في بيان العين وحكمه؛ يعني أن الإحرام بالحج مفردا أفضل من الإحرام بالقران أو التمتع، وظاهر كلامه وإن لم يأت بعد الحج بعمرة وهو ظاهر كلامه في التوضيح والمناسك. ابن عرفة: الإفراد الإحرام بنية الحج فقط، وقال المقري في قواعده: قال مالك ومحمد: الإفراد أفضل إذا كان بعده عمرة، وأما إذا لم يعتمر بعده فالقران أفضل. انتهى. قال الحطاب: ولم أر من صرح به من المالكية، بل إنما نقله سند عن الشافعي وقال ابن جماعة الشافعي وعند المالكية أن الإفراد أن يأتي بالحج وحده ولم يذْكُروا العُمْرَةَ، وأطلقوا القول بأنه أفضل من القران والتمتع، ونص على ذلك مالك رحمه الله تعالى، ونقل الطرطوشي اتفاق مالك وأصحابه عليه. انتهى.
والحاصل أن الإفراد أفضل من القران والتمتع عند المالكية سواء اعتمر بعد الحج أم لا، وإنما كان الإفراد أفضل من القران والتمتع لأنه مجمع عليه وغيره مختلف فيه، فكان عمر ينهى عن التمتع، وكان عثمان ينهى عن القران، ولأنه لا خلل فيه بدليل أنه لا يتعلق به وجوب الدم وغيره يوجب الدم ووجوبه دليل على الخلل، فكان الإفراد الذي لا خلل فيه أفضل، ولأنه فعل الأئمة، ولأنه يأتي بكل نسك على انفراده، ولأنه لا يترخص فيه بالخروج من الإحرام.
وقد مر أن أوجه الإحرام ثلاثة: الإفراد والقران والتمتع، وأما الإطلاق والإحرام بما أحرم به زيد فإنهما يرجعان إليها، فالإفراد أن يحرم بنية الحج فقط، وسيأتي تفسير القران والتمتع وهي من مثلثات الحج، ومنها الاغتسالات والركوع ثلاثة للإحرام ولطواف القدوم ولطواف الإفاضة، ومن
стр. 2630
يجمع بين الحل والحرم ثلاثة: الحاج والمعتمر والهدي والخبب في ثلاثة مواضع: في الطواف، وفي السعي، وفي بطن محسر. وخطب الحج ثلاثة: والجمار ثلاث، وأيام التشريق، وأيام النحر ثلاثة، ومتعدي الميقات ثلاثة: مريد النسك، ومريد مكة لغير نسك، وغير مريد مكة. والمحرمون من يتعين حلقهم وهم: الملبد، ومن كان شعره قصيرا، ومن لم يكن برأسه شعر. ومن يتعين تقصيرهم وذلك في حق المرأة الكبيرة، ومن يجوز له الأمران والحلق أفضل وهم من عدا من ذكر. والهدي ثلاثة: إبل وبقر وغنم، وعلاماته ثلاثة: تقليد وإشعار وتجليل، وذلك في الإبل، وأما البقر فتقلد فقط إلا أن يكون لها أسنمة فتقلد وتشعر فقط، ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك، وكل أفعال الحج يطلب فيها المشي للرجال إلا الوقوف بعرفة، ووقوف المشعر، ورمي جمرة العقبة.
واعلم أن النبي ﷺ أحرم بالإفراد، ثم استقر أمره على القران ولم يفعل التمتع لكن أمر به، وقوله: "وندب إفراد" قال عبد الباقي عنده: أي فضل إفراد على قران وتمتع لأنه لا هدي فيه؛ إذ الهدي للنقص وعبادة لا نقص فيها أفضل. قاله التتائي. ولا ينتقض ذلك بالصلاة المرقعة؛ لأن السجود فيها المقتضي لفضلها إنما هو لترغيم الشيطان، ولأن المصلي يدخل عليه السهو من غير قصده، بخلاف ما هنا فإنه فعل قصدا ما يوجب الهدي. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: ولا ينتقض ذلك بالصلاة المرقعة لخ، هذا الكلام مبني على ما قدمه أول السهو من أن الصلاة المرقعة أفضل من غيرها، وتقدم ما فيه وبه يبطل ما هنا. والله أعلم. انتهى.
وأشار إلى الوجه الثاني من أوجه الإحرام، بقوله: ثم قران؛ يعني أن القران يلي الإفراد في الفضل فهو أفضل من التمتع لأن القارن في عمله كالمفرد، ولا يكره القران خلافا لمن روى ذلك عن عثمان، ولا التمتع خلافا لمن تأول ذلك عن عمر. ولما كان للقران صورتان أَشَارَ المؤلف لأولاهما بقوله: بأن يحرم بهما؛ يعني أن القران له صورتان؛ إحداهما أن يحرم بالحج والعمرة معا بأن يقصدهما أي يقصد الدخول في حرمتهما معا، سواء ذكر العمرة في لفظه قبل الحج أو بعده. وقدمها أي العمرة؛ يعني أنه إذا أحرم بهما فإنه يقدم العمرة في نيته استحبابا. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: ولا يتصور تقديم العمرة على الحج فيما إذا أحرم بهما معا، لكن يتصور فيه تقديم لفظها وهو حينئذ مستحب. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: ولا يتصور