← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

اعتمر كما لو شك أفرد أو تمتع ولا عمرة، لكن ما قاله المصنف ظاهر من جهة المعنى؛ إذ لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها في موجب العمرة، فتأمله. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال الشبراخيتي عنده: وأفاد تشبيهه أنه ينوي الحج الآن لاحتمال أن يكون أحرم أولا بعمرة ويعمل عمل القران، ويبرأ منه فقط لاحتمال أن يكون إحرامه أولا بحج فهو تشبيه تام، فنية الحج واجبة على المذهب كما قال مالك وابن القاسم خلافا لبحث ابن عبد السلام، وبحث ابن عبد السلام هو قول سحنون. انتهى. وقال عبد الباقي توطئة لقوله "كشكه" الخ ما نصه: ثم شبه في أصل نية الحج وإن كانت فيما مر واجبة وهنا مندوبة، وفي البراءة من الحج فقط، ويأتي فيه ما قدمناه عن سند. قوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال محمد بن الحسن: قوله: وإن كانت فيما مر واجبة الخ، فيه نظر كما تقدم وتأمل كلام الحطاب وما نقله عن اللخمي يظهر لك أن لا وجوب في المسألتين. انتهى. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قررتُه كما علمتَ على أنه تشبيه بالمسألة التي قبله، قال الشبراخيتي: تنظير لا تمثيل لأنه في الأول نسي ما أحرم به من كل الوجوه، وفي هذه جزم بأنه لم ينو قرانا، وإنما شك في الحج المُفْرَدِ والعمرة المُفْرَدَةِ، ولذا كان الأولى أن يقول: كشكه أفرد أو اعتمر. انتهى. المراد منه. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وإذا تأملت هذا وما قدمته علمت أنه لا فرق بين المسألتين إلا من حيث الصورة لا من جهة المعنى. والله سبحانه أعلم. ولهذا قال الحطاب في كلام ابن غازي. وابن عبد السلام: الذي فيه التفريق بين المسألتين إنه سهو ظاهر وأنه لا فرق بينهما. والله سبحانه أعلم. وقوله: هل أفرد أو تمتع؛ أي اعتمر، وأما لو شك هل أفرد أو قرن تمادى على نية القران وحده. قاله اللخمي. قاله الحطاب. وقال: وانظر لو شك هل قرن أو تمتع؟ والظاهر أنه يمضي على القران أيضا. والله أعلم. انتهى. وقال الشيخ سالم: وينبغي في هذه أن يحدث نية الحج ليتحقق القران؛ لأن حاصل أمره أنه شك هل أحرم بهما معا أو بالعمرة فقط؟ وهو معنى التمتع كما سبق، فينوي الحج ندبا على العمرة إن كان أحرم بها أولا، وينبغي في هذه أن يبرأ منهما معا وإن لم يحدث نية الحج لم يبرأ إلا من العمرة. انتهى. نقله عبد

стр. 2627

الباقي. وقوله: "كشكه أفرد أو تمتع"، قال الشبراخيتي: ومحل كونه ينوي الحج حين شكه حيث كان يرتدف الحج على العمرة، فإن كان لا يرتدف كأن يكون شكه بعد ركوع الطواف فإنه لا ينوي الحج، وإن نواه لم يعمل بنيته بل يصبر حتى يسعى ثم يحرم بالحج، ولو شك هل أفرد أو قرن تمادى على نية القران وحده. قاله اللخمي. ويبرأ من الحج فقط للعلة المتقدمة، وظاهر كلام اللخمي أنه يبرأ من الحج ومن العمرة. انتهى. والله سبحانه أعلم. ولغا، فعل ثلاثي لازم ومضارعه يلغى بفتح الغين، وأما لغا إذا تكلم بالكلام اللاغي أي الساقط فمضارعه يلغو بضم الغين، وفاعل "لغا" في كلام المصنف قوله: عمرة عليه، ولم يقل لغت لأن العمرة مجازية التأنيث كما قاله غير واحد، ومعنى كلام المصنف أن الشخص إذا أحرم بحج ثم أحرم بعمرة فإن العمرة تبطل، وقوله: "عليه"، متعلق بصفة مقدرة لعمرة أي وبطلت عمرة مردفة عليه أي على الحج أي أحرم بها قبل تمامه. وقوله: "عليه"، مفهومه أنها معه لا تَلْغَى وهو كذلك، ولم يذكر المصنف الحكم في ذلك ابتداء وهو الكراهة. قاله الحطاب. وقوله: "ولغا عمرة عليه"، لم تردف العمرة على الحج لضعفها، وقوله: "ولغا عمرة عليه"، ولا يلزم قضاء هذه العمرة اللاغية ولا دم بسبب ذلك. كالثاني في حجتين؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحجة ثم بعد إحرامه بها أحرم بحجة أخرى، فإن الحجة الثانية تلغى أي تبطل، يريد: ويكره الإقدام على ذلك ابتداء، وكذا تلغى إحدى الحجتين إذا أحرم بهما معا. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. أو عمرتين؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بعمرة ثم بعد إحرامه بها أحرم بعمرة أخرى فإن العمرة الثانية تلغى أي تبطل، يريد: ويكره له ذلك ابتداء، وكذا تلغى إحدى العمرتين إذا أحرم بهما معا، قال في المدونة: وكره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة أو حجة، فإن أردف ذلك أول دخوله مكة أو بعرفة أو في أيام التشريق فقد أساء، وليتماد على حجه ولا يلزمه شيء فيما أردفه ولا قضاؤه ولا دم قران. انتهى. ورفضه؛ بالرفع عطف على عمرة من قوله: "ولغا عمرة عليه"؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج أو عمرة ثم رفض إحرامه، فإن رفضه ذلك يلغى أي يبطل، فإن الإحرام لا يرتفض فرفضه باطل

стр. 2628

غير معتد به في صورة من الصور المتقدمة وغيرها، وقوله: "ورفضه"؛ يعني بعد الفراغ أو في الأثناء، وأتى ببقيته لأنه إنما عليه مواضع يأتيها، فإذا رفض إحرامه ثم عاد للمواضع التي يخاطب بها ففعلها لم يحصل لرفضه حكم. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وأما إن كان في الأثناء ولم يأت ببقيتها أصلا أو أتى بها بغير نية كالطواف فإنه يرتفض، وفي نص المواق والتتائي ما يفيد هذا. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي يظهر مما نقلاه عن عبد الحق أنه إن رفض إحرامه في الأثناء ثم أتى ببقيته لم يرتفض مطلقا، أتى بها بنية أو بغير نية، ونص عبد الحق: فإذا رفض إحرامه ثم عاد إلى المواضع التي يخاطب بها ففعلها لم يحصل لرفضه حكم، وأما إن كان في حال الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض وفعلها بغير نية كالطواف ونحوه فهو رافض يعد كالتارك لذلك. انتهى. فقوله: ثم عاد إلى المواضع لخ، ظاهره مطلقا وقوله: وأما إن كان لخ، فهو مسألة أخرى، وهي إذا رفض الطواف في أثنائه أو السعي مثلا فتأمله. والله أعلم. انتهى. وفي الحطاب: ولا يرتفض الإحرام في صورة من الصور إلا فيمن ارتد عن الإسلام -والعياذ بالله تعالى- فإنه ينفسخ إحرامه والعياذ بالله تعالى ولا يلزمه القضاء. وفي كإحرام زيد تردد؛ يعني أنه إذا نوى الإحرام بما أحرم به زيد وهو لا يعلم بما أحرم به زيد فقد تردد المتأخرون في صحة إحرامه، وأشار بالتردد لتردد المتأخرين في النقل عن المذهب، فإن الذي نقله سند وصاحب الذخيرة وغيرهما عن المذهب الصحة، والذي نقله القرطبي عن مالك المنع والظاهر الأول، وعليه فلو بان أن زيدا لم يحرم، فقال سند: إحرامه يقع مطلقا ويعينه لما شاء ويجري على ما تقدم. انتهى. فلو مات زيد أو وَجَدَهُ محرما بالإطلاق، فقال الحطاب: لم أر فيه نصا في المذهب، والظاهر أنه يقع إحرامه أيضا مطلقا، ويخير في تعيينه والنص فيه للمخالف مثل ما ذكرت، وإذا قلنا يتبع زيدا في إحرامه فالظاهر أنه إنما يتبعه في أوجه الإحرام خاصة، وأما كل شخص فهو على ما نواه من فرض ونقل وهو ظاهر. والله أعلم. انتهى. فالتردد في كلام المصنف. وقوله: "وفي كإحرام زيد تردد" المذهب الصحة، قال الشيخ إبراهيم: والمذهب الصحة، فكان ينبغي للمصنف أن يجزم بالصحة، فيقول: وصح في كإحرام زيد. انتهى. ونحوه للخرشي، ووقع

стр. 2629

التردد هنا، وجزم بجوازه في الصلاة حيث قال: "وجاز له دخول على ما أحرم به الإمام" لشدة ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، والاقتداء في الصلاة مطلوب ولا كذلك الحج، وقال محمد بن الحسن: نقل المواق عن ابن رشد ما يفيد أن الإبهام في الحج أصل [للإبهام (١)] في الصلاة. واعلم أن الإحرام على ثلاثة أوجه: الإفراد، والقران، والتمتع. وقال عبد الباقي: خمسة، إفراد وقران وتمتع وإطلاق وكإحرام زيد، والثلاثة الأول على هذا الترتيب في الأفضلية، والرابع لا فضل فيه كالخامس وهما يرجعان إلى الثلاثة فلا ينبغي عدهما وجهين. أشار له الشيخ سالم. انتهى. وإلى تفضيل الإفراد أشار المصنف بقوله: وندب إفراد، لما ذكر المصنف المبهم، شرع في بيان العين وحكمه؛ يعني أن الإحرام بالحج مفردا أفضل من الإحرام بالقران أو التمتع، وظاهر كلامه وإن لم يأت بعد الحج بعمرة وهو ظاهر كلامه في التوضيح والمناسك. ابن عرفة: الإفراد الإحرام بنية الحج فقط، وقال المقري في قواعده: قال مالك ومحمد: الإفراد أفضل إذا كان بعده عمرة، وأما إذا لم يعتمر بعده فالقران أفضل. انتهى. قال الحطاب: ولم أر من صرح به من المالكية، بل إنما نقله سند عن الشافعي وقال ابن جماعة الشافعي وعند المالكية أن الإفراد أن يأتي بالحج وحده ولم يذْكُروا العُمْرَةَ، وأطلقوا القول بأنه أفضل من القران والتمتع، ونص على ذلك مالك رحمه الله تعالى، ونقل الطرطوشي اتفاق مالك وأصحابه عليه. انتهى. والحاصل أن الإفراد أفضل من القران والتمتع عند المالكية سواء اعتمر بعد الحج أم لا، وإنما كان الإفراد أفضل من القران والتمتع لأنه مجمع عليه وغيره مختلف فيه، فكان عمر ينهى عن التمتع، وكان عثمان ينهى عن القران، ولأنه لا خلل فيه بدليل أنه لا يتعلق به وجوب الدم وغيره يوجب الدم ووجوبه دليل على الخلل، فكان الإفراد الذي لا خلل فيه أفضل، ولأنه فعل الأئمة، ولأنه يأتي بكل نسك على انفراده، ولأنه لا يترخص فيه بالخروج من الإحرام. وقد مر أن أوجه الإحرام ثلاثة: الإفراد والقران والتمتع، وأما الإطلاق والإحرام بما أحرم به زيد فإنهما يرجعان إليها، فالإفراد أن يحرم بنية الحج فقط، وسيأتي تفسير القران والتمتع وهي من مثلثات الحج، ومنها الاغتسالات والركوع ثلاثة للإحرام ولطواف القدوم ولطواف الإفاضة، ومن

стр. 2630

يجمع بين الحل والحرم ثلاثة: الحاج والمعتمر والهدي والخبب في ثلاثة مواضع: في الطواف، وفي السعي، وفي بطن محسر. وخطب الحج ثلاثة: والجمار ثلاث، وأيام التشريق، وأيام النحر ثلاثة، ومتعدي الميقات ثلاثة: مريد النسك، ومريد مكة لغير نسك، وغير مريد مكة. والمحرمون من يتعين حلقهم وهم: الملبد، ومن كان شعره قصيرا، ومن لم يكن برأسه شعر. ومن يتعين تقصيرهم وذلك في حق المرأة الكبيرة، ومن يجوز له الأمران والحلق أفضل وهم من عدا من ذكر. والهدي ثلاثة: إبل وبقر وغنم، وعلاماته ثلاثة: تقليد وإشعار وتجليل، وذلك في الإبل، وأما البقر فتقلد فقط إلا أن يكون لها أسنمة فتقلد وتشعر فقط، ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك، وكل أفعال الحج يطلب فيها المشي للرجال إلا الوقوف بعرفة، ووقوف المشعر، ورمي جمرة العقبة. واعلم أن النبي ﷺ أحرم بالإفراد، ثم استقر أمره على القران ولم يفعل التمتع لكن أمر به، وقوله: "وندب إفراد" قال عبد الباقي عنده: أي فضل إفراد على قران وتمتع لأنه لا هدي فيه؛ إذ الهدي للنقص وعبادة لا نقص فيها أفضل. قاله التتائي. ولا ينتقض ذلك بالصلاة المرقعة؛ لأن السجود فيها المقتضي لفضلها إنما هو لترغيم الشيطان، ولأن المصلي يدخل عليه السهو من غير قصده، بخلاف ما هنا فإنه فعل قصدا ما يوجب الهدي. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: ولا ينتقض ذلك بالصلاة المرقعة لخ، هذا الكلام مبني على ما قدمه أول السهو من أن الصلاة المرقعة أفضل من غيرها، وتقدم ما فيه وبه يبطل ما هنا. والله أعلم. انتهى. وأشار إلى الوجه الثاني من أوجه الإحرام، بقوله: ثم قران؛ يعني أن القران يلي الإفراد في الفضل فهو أفضل من التمتع لأن القارن في عمله كالمفرد، ولا يكره القران خلافا لمن روى ذلك عن عثمان، ولا التمتع خلافا لمن تأول ذلك عن عمر. ولما كان للقران صورتان أَشَارَ المؤلف لأولاهما بقوله: بأن يحرم بهما؛ يعني أن القران له صورتان؛ إحداهما أن يحرم بالحج والعمرة معا بأن يقصدهما أي يقصد الدخول في حرمتهما معا، سواء ذكر العمرة في لفظه قبل الحج أو بعده. وقدمها أي العمرة؛ يعني أنه إذا أحرم بهما فإنه يقدم العمرة في نيته استحبابا. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: ولا يتصور تقديم العمرة على الحج فيما إذا أحرم بهما معا، لكن يتصور فيه تقديم لفظها وهو حينئذ مستحب. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: ولا يتصور

стр. 2631

ذلك لخ، فيه نظر، وفي العتبية: قال مالك فيمن أراد أن يقرن بين الحج والعمرة إذا أحرم بالتلبية أن يقول: لبيك بعمرة وحجة يبدأ بالعمرة قبل الحجة، هذا وجه الصواب فيه. ابن رشد: يريد أنه يقدمها في نيته قبل الحجة، لا أنه يتكلم بذلك إذ نيته تجزئ في ذلك عنده كالصلاة، ومثل هذا في الحج الأول من المدونة وهو مما لا اختلاف فيه في المذهب. انتهى. ابن عرفة: القران الإحرام بنية العمرة والحج، وإن سمى قدم العمرة، ولو عكس ناويا القران فقارن وإلا فمفرد. انتهى. ولثانيهما بقوله: أو يردفه بطوافها؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بعمرة مفردة ثم أردف الحج عليها قبل طوافها، أو أردفه عليها في أثناء طوافها فإنه يكون قارنا، ومعنى الإرداف المذكور أن يجدد نية أنه قد شرك بين العمرة والحج في ذلك الإحرام، أما إن أردف الحج عليها قبل طوافها فإنه يكون قارنا اتفاقا، وأما إن أردفه عليها في أثناء طوافها فإنه يكون قارنا عند ابن القاسم خلافا لأشهب، قائلا: إنه إذا شرع في الطواف فات الإرداف هكذا نقله الباجي عنه وفي الجلاب عنه: إذا طاف شوطا واحدا ثم أحرم بالحج لم يلزمه ولا يكون قارنا. واعلم أن أشهب إنما يقول بفوات الإرداف بشرط أن يتمادى على إكمال الطواف، أما لو قطعه لصح عنده الإرداف، وأما على مذهب ابن القاسم فيجوز الإرداف في الطواف من غير كراهة، قال في التوضيح: ومقتضى كلام ابن الحاجب أنه بمجرد الشروع في الطواف يكره الإرداف عند ابن القاسم، وليس كذلك بل هو جائز عنده وإن أتم الطواف ما لم يركع. قاله ابن يونس. انتهى. وهو سهو، والصواب أن يقول: جائز عنده ما لم يتم الطواف، فإنه إذا أتم الطواف كره الإرداف. قاله الحطاب. ولو قال المصنف: ولو بطوافها لكان أبين، ليشير إلى خلاف أشهب، قاله غير واحد. والجواب -والله أعلم- أنه قصد الوجه المشكل بقوله: "بطوافها"، ردا لقوله: وترك ما قبل الطواف المتفق عليه لذلك، وحيث حصل الإرداف قبل الطواف فإنه لا يطوف ولا يسعى، ويؤخر ذلك ليأتي به بعد الإفاضة، وهذا من ثمرات اندراجها. قاله عبد الباقي. وهو مقيد بما إذا وقع الإرداف في الحرم، وأما إذا أردف في الحل فإنه يطوف للقدوم ويسعى بعده كما يأتي في قول المصنف: "ولم يردفه بحرم". قاله محمد بن الحسن.

стр. 2632

وقال ابن يوس: الإرداف عند ابن القاسم على أربعة أوجه: أَنْ يُردِف قبل كمال الطواف فهذا جائز وَبَعْد الطواف وَقَبْل الركوع فهذا مكروه، وَبَعْد الطواف والسعي جائز وليس بقران، وَبَعْدَ الركوع وقبل السعي فهذا مكروه وليس بقارن. وقوله: وبعد السعي جائز، يريد أنه صحيح. قاله الحطاب. ووقع لعبد الباقي أنه قال عند قوله "أو يردفه": قبل أن يعمل من أعمالها شيئا أو بعد عمل شيء وقبل طوافها. انتهى. قال محمد بن الحسن: انظر أي عمل قبل الطواف، إلا أن يريد بالعمل الدخول من الحل إلى الحرم. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: كفى بهذا في صحة كلام عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. إن صحت؛ يعني أنه يشترط في صحة الإرداف أن تكون العمرة صحيحة، وهذا شرط في صحة الإرداف في جميع صورة، فإن فسدت لم يصح الإرداف ولم ينعقد إحرامه ولا قضاء عليه وهو باق على عمرته ولا يحج حتى يقضيها، فإن أحرم به قبل قضائها وبعد إتمام الفاسدة فتَمَتُّعٌ وحجه تام وعليه قضاء عمرته الفاسدة بعد أن يحل من حجه. قاله محمد. ونقله صاحب الطراز. وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة ويكون قارنا، وعليه دم في عامة الأول لقرانه، وعليه القضاء من قابل، ويهرق دمين دما لقران القضاء ودم الفساد. قاله في الطراز أيضا. وقال: فإن قلنا: لا ينعقد الحج فلا قضاء عليه، وإن قلنا: ينعقد فلا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام أو النذر أو التطوع. انتهى. قاله الحطاب. وَكَمَّلَهُ؛ مرتب على قوله: "بطوافها"؛ يعني أنه إذا أردف الحج في أثناء طواف العمرة الصحيحة فإنه يُكَمِّلُ طوافه ويكون تطوعا. وبما قررت علم أن الضمير البارز في قوله: "كمله"، للطواف؛ أي كمله وجوبا، ومقتضى قوله: "كمله"؛ أنه يأتي بركعتي الطواف وهو كذلك، وما قررت به من أن تكميل الطواف واجب هو الصواب، وقال عبد الباقي قال: الطخيخي والتتائي: وكمله أي جوازا، وذكر بعض الشراح عن التوضيح أن إكماله واجب صلى ظاهر المدونة، والذي لأبي الحسن شارحها أن إكماله مستحب. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله والذي لأبي الحسن الخ، ما لأبي الحسن: قال مصطفى: خلاف ظاهر كلامهم وخلاف أصل المذهب، فإن الطواف يجب إتمامه بالشروع فيه، وحينئذ فما

стр. 2633

في التوضيح من وجوب إكماله هو الصواب، وإن كان إكماله ليس شرطا في صحة الإرداف عند ابن القاسم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقوله: "وكمله"؛ أي وجوبا كما قاله الشيخ سالم، واستحبابا كما قاله أبو الحسن. وقال الطخيخي والتتائي: جوازا. ولا يسعى؛ يعني أنه إذا أردف الحج في أثناء طواف العمرة الصحيحة فإنه يكمله كما عرفت، وإذا كمله فإنه لا يسعى بين الصفا والمروة؛ أي لا يسعى للعمرة بعد هذا الطواف، بل بعد طواف الإفاضة لوجوب إيقاع السعي بعد طواف واجب، وقد سقط طواف القدوم لأنه كمن أنشأ الحج وهو بمكة أو الحرم فيؤخر السعي للإفاضة، وكذا لو أردف بعد الطواف وقبل الركوع فيركع له ويسعى بعد الإفاضة. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي بعد قوله "ولا يسع" ما نصه: لأن السعي إنما يكون بعد طواف فرض، والطواف الواقع لَمَّا أحرم بالحج صار تطوعا؛ لأنه خرج عن كونه للعمرة بإرداف الحج عليها، ولا يطلب من أحرم من الحرم بطواف القدوم. انتهى. وقوله: "ولا يسعى"؛ بإثبات الألف؛ لأن ما يقع للمصنف وغيره من الجمل إخبار عن الأحكام، والأمر والنهي من الشارع. قال التتائي: عن ابن غازي في باب الباغية عند قول المصنف "ولا يسترقون" ما نصه: إن الغالب في عبارة الفقهاء الإخبار، وفي عبارة الشارع الطلب. انتهى. وتقدم أن قوله: "ولا يسعى"، إنما هو في الصحيحة، وأما الفاسدة فإن الإرداف فيها لا يصح على المشهور فيستمر على طوافه وسعيه ويكمل عمرته. ولما كان القارن إنما يقصد بأفعاله التي يأتي بها الحج لا العمرة بخصوصها ولا التشريك بينهما، أشار إلى ذلك بقوله: وتندرج؛ يعني أن العمرة تندرج في الحج للقارن، ومعنى اندراجها فيه أنه يستغنى بطواف الحج وسعيه وحلاقه عما وافق ذلك من عمل العمرة، ولو كان هذا القارن مراهَقا جاز ترك طواف القدوم، ويقع حلاقه قبل طوافه وسعيه؛ لأن حلاقه حينئذ يقع بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، وقبل طواف الإفاضة الذي يسعى بعده، ولولا الاندراج لوجب أن يطوف لها ويسعى، كمن أحرم بعمرة فقط فإنه يجب عليه أن يطوف لها ويسعى، سواء كان مراهقا أو غير مراهق. ابن فرحون: وإذا دخل مكة فالطواف الذي يوقعه هو طواف القدوم وليس هو للعمرة؛ لأن العمرة اندرجت في أفعال الحج. انتهى. فعلم من هذا أن القارن إنما يقصد بأفعاله التي يأتي بها

стр. 2634

أفعال الحج، وأنها الواجبة عليه لإحرامه الذي أحرم به بالحج والعمرة، ولا يقصد أفعال العمرة بخصوصها، ولا يقصد التشريك في الطواف الأول والسعي وأنهما للحج والعمرة، بل ينوي بالطواف الأول طواف القدوم الواجب عليه في إحرامه بالحج والعمرة، وبالسعي بعده السعي الذي هو ركن الإحرام المذكور، وبالوقوف الوقوف الذي هو ركن الإحرام المذكور، ولا يعتقد أن أفعال العمرة قد انقضت بالطواف الأول والسعي بل حكمها باق. وفي المدونة: وإذا طاف القارن أول ما دخل مكة وسعى ثم جامع فليقض قارنا؛ لأن طوافه وسعيه إذًا كانا للحج والعمرة جميعا، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القران صحيحا لم يلزمه إذا رجع من عرفات أن يسعى لحجه وأجزأه السعي الأول؟ انتهى. ومعنى قوله: للحج والعمرة جميعا أنه للإحرام الذي أحرم به لا أنه يقصد بالطواف الأول أنه للقدوم وللعمرة، وبالسعي أنه سعى العمرة والحج. واعلم أنه لا يلزم المحرم القارن أن يستحضر عند إتيانه بالأفعال المذكورة أنها لإحرامه بالحج والعمرة، بل إذا نوى طواف القدوم الواجب عليه أجزأه وكذلك السعي والوقوف بل لو لم يستشعر العمرة أجزأه كما سيأتي فيمن طاف لعمرته على غير وضوء ثم أحرم بالحج أنه يصير قارنا، وفي شرح عبد الباقي أن مسائل القارن ثلاثة: قصد الحج بالأعمال وهذا هو الأولى له وقصدهما، وقصده العمرة فقط بالعمل وفي هذه لا يجزئ بخلاف الأوليين، وقصد بقوله: "تندرج"، أنها لا يبقى لها فعل يخصها، وردا على قول أبي حنيفة: يجب على القارن طوافان وسعيان. وكره قبل الركوع؛ يعني أنه يكره الإرداف بعد تمام الطواف وقبل ركوعه، قال في المدونة: فإذا طاف بالبيت ولم يركع يكره له أن يردف الحج، فإن فعل لزمه وصار قارنا وعليه دم القران. وإيضاح كلام المصنف أنه يكره إرداف الحج على العمرة بعد الفراغ من طوافها وقبل أن يركع ركعتي الطواف، فإن فعل فإنه يصير قارنا وقد ارتكب المكروه، وعليه دم القران ويركع ركعتي الطواف، وعلة الكراهة كون الوقت مختصا للعمرة. وقد مر نظير هذا عند قوله: "وكره بعدهما وقبل غروب الرابع". لا بعده؛ يعني أن إرداف الحج على العمرة بعده؛ أي بعد ركوع طوافها لا يصح ولا ينعقد، ويمضي على إتمام عمرته ولا قضاء عليه للحج فليس بقارن، وكذا الإرداف في

стр. 2635

السعي لا يصح، ويكره له ذلك في الصورتين كما صرح به في المدونة، ونصه: وإن أردف الحج بعد أن طاف وركع ولم يسع، أو سعى بعض السعي وهو من أهل مكة أو غيرها كره له ذلك، فإن فعل فليمض على سعيه ويحل ثم يستأنف الحج. وبما قررت علم أن قوله: "لا بعده"، معطوف على قوله: "بطوافها"، والضمير فيه للركوع كما علمت، وقد مر أنه لا قضاء عليه فيما لم يصح إردافه، ولا دم عليه لأنه كالعدم، ووجب ابتداؤه بعد ذلك إن كان صرورة وسقط إن كان تطوعا، وكونُهُ لا قضاء عليه لِمَا لَمْ يَصْحَّ ذَكَرَ الحطاب أنه المشهور كما صرح به ابن يونس وغيره، وهو الذي اعتمده في التوضيح، والذي عزاه عياض للأكثر، وقال: إنه ظاهر المدونة هو لزوم القضاء. ابن عرفة: وفيها: يكره بعد ركوعه وفي سعيه، فإن فعل أتم سعيه وحل واستأنف، عياض: ألزمه بذلك الأكثر، ونفاه يحيى بن عمر. قاله محمد بن الحسن. وقال ابن يونس إثر قول المدونة المتقدم: ثم يستأنف الحج، قال يحيى بن عمر: إن شاء. وحكى عبد الوهاب في هذا الأصل: أعني إذا لم يصح إرداف الحج على العمرة أو العمرة على الحج قولين: بوجوب القضاء وسقوطه. قاله الحطاب. ابن بشير: وإذا قلنا إن الحج لا يرتدف في هذه الصورة، فهل يلزم قضاؤه؟ قولان المشهور عدم اللزوم، ومن هذا النمط من نذر صوم يوم مما لا يحل صومه، فإنه اختلف هل يلزمه قضاؤه أم لا؟ ومن تمتع ثم ذكر بعد أن حل من حجه أنه نسي شوطا لا يدري من حجه أو من عمرته، فإن لم يكن أصاب النساء رجع فطاف وسعى وأهدى لقرانه، وافتدى فدية واحدة لحلاقه ولباسه؛ لأنه إن كان الشوط من حجه فقد أتى به يعني لإتيانه الآن بالطواف وأهدى لتمتعه، وإن كان من العمرة صار قارنا. قاله ابن القاسم وعبد الملك. ولو وطئ النساء، فإنه يرجع فيطوف ويسعى ويهدي لقرانه أو لتمتعه وعليه فدية واحدة، ثم يعتمر ويهدي. انتهى. قاله الحطاب. وأشْعَرَ قوله: "لا بعده"، بصحته في الركوع. قاله عبد الباقي. وفي ابن الحاجب: فإن شرع في الطواف قبل أن يركع كره وكان قارنا بذلك خلافا لأشهب، وقيل: ولو ركع، وقيل: وفي السعي. انتهى. وقال في الذخيرة: وإذا قلنا يصير قارنا في بعض الطواف سقط عنه باقي العمرة ويتم طوافه نافلة، ولا يسعى لأن سعي الحج لا بد من اتصاله بطواف واجب، وإن قلنا يصير قارنا في أثناء السعي

стр. 2636

قطع سعيه لأن السعي لا يتطوع به مفردا، وحيث قلنا لا يكون قارنا فإن كان الحج [حج (١)] الإسلام بقي في ذمته أو تطوعا سقط عنه. أشهب: كما لو أردف حجا على حج، أو عمرة على عمرة، أو عمرة على حج، وقيل: يلزمه الإحرام به لأنه التزم شيئين في إحرامه بالحج، وبتداخل العمل بطل الثاني فيبقى الأول عملا بالاستصحاب. انتهى. وصح بعد سعي؛ يعني أن المعتمر إذا طاف وسعى ولم يبق عليه إلا الحلاق فأحرم بالحج حينئذ أي قبل الحلاق، فإن إحرامه بالحج يصح لأنه لم يبق إلا الحلاق وليس بركن، وتعبير المصنف بالصحة يفهم منه أنه لا يجوز له ابتداء وهو ظاهر لأن ذلك يستلزم تأخير الحلاق للعمرة أو سقوطه على ما سيأتي، وتقدم في كلام ابن يونس أنه جائز، ويتعين حمله على أنه صحيح لا أنه يجوز الإقدام عليه ابتداء. والله أعلم. قاله الحطاب. وعلم مما قررت أن فاعل "صح"، ضمير يعود على الإحرام المفهوم من قوله "بأن يحرم بهما" ولا يعود للإرداف؛ إذ لا يرتدف بعد سعيها بالأولى من عدم ارتدافه بعد ركوعها، وإنما هو ابتداء إحرام به، ثم إن تمت عمرته قبل أشهر الحج يكون مفردا، وإن فعل بعض ركنها في وقت الحج يكون متمتعا. وَحَرُمَ الحَلْقُ؛ يعني أن المحرم بالعمرة إذا أحرم بالحج بعد سعيها فإن إحرامه صحيح كما عرفت، وحينئذ فإنه يحرم عليه الحلق حتى يفرغ من حجه، قال في منسكه: ولم يكن قارنا اتفاقا ولا متمتعا إلا أن يحل من عمرته في أشهر الحج، ويصح إحرامه بالحج، ولهذا لا يحلق لعمرته حتى يفرغ من حجه. انتهى. وأهدى لتأخيره؛ يعني أن هذا المحرم الذي حرم عليه الحلق حتى يفرغ من حجه يلزمه هدي لتأخير حلاق العمرة، قال فيها: وعليه دم لتأخير الحلاق في عمرته. انتهى. ولو فعله؛ يعني أنه لو ارتكب المحظور ولم يحصل له تأخير الحلق، بل حلق رأسه بعد السعي ولم ينتظر به إتمام حجه، فإنه يلزمه الهدي والفدية، وقيل إنه لا دم عليه، وبذلك جزم ابن عطاء الله في شرح المدونة كما نقله عنه التادلي. قاله الحطاب. ونقل عن عبد الحق أن عليه الفدية ولو عجل الحلق كما قاله المصنف ودعمه بالنقول، وأشار إلى الوجه الثالث من أوجه الإحرام بقوله: ثم تمتع؛

стр. 2637

يعني أن الأفضل من أوجه الإحرام الثلاثة هو الإفراد، ثم يلي الإفراد القران فهما أفضل من التمتع، فرتبة التمتع متأخرة عنهما، فقوله: "تمتع"، من عطف الجمل وليس من عطف المفردات ليلا يوهم أن التمتع مندوب، وليس الأمر كذلك إذ لا رتبة بعده يكون هو أفضل منها. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: ندب تمتع؛ أي تقديمه على مرتبة الإحرام مطلقا؛ إذ أوجه الإحرام خمسة: إفراد وقران وتمتع وإطلاق وكإحرام زيد، والثلاثة الأول على هذا الترتيب في الأفضلية، والرابع لا فضل فيه كالخامس، وهما يرجعان إلى الثلاثة فلا ينبغي عدهما وجهين. انتهى. بأن يحج بعدها، الباء للتصوير؛ يعني أن التمتع هو أن يحرم بعمرة، ثم يحل منها في أشهر الحج، ثم يحرم بعدها في عامة ذلك بإفراد، بل وإن بقران فيصير متمتعا قارنا اتفاقا، ولزمه هديان هدي لتمتعه وهدي لقرانه، وسواء كانت العمرة صحيحة أو فاسدة لأنه بعد الإحلال منها ولا إردافَ عليها بخلاف القران لما كان فيه إرداف عليها، اشترط صحتها، ولو تكرر منه فعل العمرة في أشهر الحج ثم حج من عامة يهدي واحدا يجزئه، وسمي المتمتع متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وقيل: لأنه تمتع بعد تمام عمرته بالنساء والطيب وغير ذلك، فإن قيل: لا يصح التعليل الأول؛ لأنه لو حل منها في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة فحج من عامة يلزم عليه أن يكون متمتعا لأنه أسقط أحد السفرين مع أنه ليس متمتعا بإجماع، فالجواب أنه إنما يراعى إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج، وكذا على التعليل الثاني. وقوله: "بأن يحج بعدها"؛ أي مع فعل ركن أو بعض من أركانها في أشهر الحج، ويحج من عامة. وشرط دمهما عدم إقامة بمكة؛ يعني أنه يشترط في دم التمتع ودم القران أن لا يكون فاعلهما مقيما بمكة، وما في حكمها مما لا يقصر المسافر حتى يجاوزه. أو ذي طوى؛ يعني أنه يشترط في دم التمتع ودم القران أن لا يكون فاعلهما مقيما بمكة ولا بذي طوى، مثلث الطاء مقصور وهو واد من أودية مكة منون. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: مثلث الطاء مقصور وهو واد من أودية مكة لا يقصر المسافر حتى يجاوزه، ويسمى عند أهل مكة بالحجونين وهو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمَعْلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر. قاله تقي الدين. وفي تاريخ البخاري ما

стр. 2638

يؤيده، ونقل ابن جماعة الشافعي نحوه وهو الذي يفهم من كلام سند، قيل لمالك: ذو طوى في مر الظهران؟ قال: الذي سمعته بقرب مكة. الطبري: موضع عند باب مكة سمي بذلك لبير مطوية. الداوودي: هو الأبطح. القابسي، وهو بعيد. قال بعضهم: وأبعد منه قول البساطي في شرحه إنه بطن مر، ولأن بطن مر هو مر الظهران، وقد صرح في المدونة بأن أهله ليسوا من حاضري المسجد الحرام، والأقرب في تفسيره ما ذكره القابسي وابن جماعة عن والده؛ وهو الموضع الذي يستحب لداخل مكة أن يغتسل فيه كما سيأتي. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "ذي طوى": مثلث الطاء مقصورا، والذي بطريق الطائف بالمد، وأما الذي في القرآن العظيم فبضم الطاء وكسرها وقرئ بهما في السبع وهو موضع بالشام. انتهى. وقال الخرشي: هو يعني ذا طوى ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر، ويسمى عند أهل مكة بير الحجونين. قاله تقي الدين القابسي. وفي البخاري ما يؤيده. ونقل ابن جماعة نحوه. قال الحطاب: وهو الأقرب. انتهى. وقال في المدونة: وليس على أهل مكة وأهل ذي طوى إذا قرنوا أو تمتعوا دم قران ولا دم تمتع، أحرموا من الميقات أو من غيره لكنهم يعملون عمل القارن، ولا خلاف في ذلك لأن المسافر من مكة لا يقصر حتى يجاوزها، وأما غير أهل ذي طوى ممن هو ساكن في الحرم أو قريب منه، فروى ابن حبيب عن مالك وأصحابه: أن من كان دون مسافة القصر من مكة حكمه حكم المكي، وحكى اللخمي قولا لم يذكر قائله أن من دون المواقيت كالمكي، وقال بعض الأشياخ: الظاهر أنه ليس في المذهب. قلت: وهو مذهب أبي حنيفة. قاله الشارح. وقوله: "وشرط دمهما عدم إقامة بمكة"، أما في القران فهو المشهور خلافا لعبد الملك، وأما في التمتع فلا خلاف عندنا فيما علمت في سقوطه عن حاضري المسجد الحرام، لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي)، إلى قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)، فأسقط الدم عن الحاضرين، ومنشأ الخلاف في القران، هل وجب الدم فيه لإسقاط أحد السفرين فيختص بغير الحاضر، أو لإسقاط أحد العملين فلا يختص؟ وقت فعلهما، الظرف متعلق "بإقامة". قاله الشارح؛ يعني أنه يشترط في وجوب الدم على القارن والمتمتع أن لا يكونا مقيمين بمكة أو بذي طوى وقت فعلهما أي الإحرام بالتمتع والقران، وقد

стр. 2639

علمت أن الحكم فيما دون مسافة القصر من مكة كالحكم في المقيم بمكة، والمراد بالإقامة الاستيطان، وحقيقته الإقامة بنية عدم الانتقال. قاله في التوضيح. قاله الخرشي. ولو قدم آفاقي وقت أشهر الحج محرما بعمرة ونيته السكنى ثم حج من عامة، فإنه ليس كالمقيم بل يجب عليه دم التمتع على الأصح؛ لأنه لم يكن وقت فعل العمرة من الحاضرين، وصوب اللخمي كونه غير متمتع اعتبارا بنيته. وإن بانقطاع بها، مبالغة في المفهوم أي مفهوم قوله: "عدم إقامة"، وهو الإقامة؛ يعني أن المقيم بمكة أو بذي طوى إذا قرن أو تمتع فإنه لا دم عليه حيث كان من أهلهما، بل وإن كان من غير أهلهما لكنه أقام بأحدهما بسبب انقطاعه من غيرهما من الأمكنة ورفض سكناه، وإنما نيته عدم الانتقال من مكة التي سكن بها وما في حكمها، فَمَعْنَى الانقطاع إليها رفض سكنى غيرها ونية عدم الانتقال منها. وقد علمت أن مثل مكة ما هو قريب منها مما هو دون مسافة القصر، كذي طوى ونحوه. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أنه لا يمثل لهذا بالمجاور لأهل مكة إلا أن يرفض سكنى غيرها. ابن عرفة: ويوجب الدم كونه غير مكي وهو موطنها، أو ما لا يقصر مسافر منها فيه كذي طوى، ثم قال: والمعتبر استيطانه قبل العمرة، فلو قدم لعمرة ناويه لم يفده لإنشائها غير مستوطن. انتهى. وقال في المعونة: ويلزمه الهدي لقرانه إذا لم يكن مقيما بمكة مستوطنا، وقال في شروط التمتع: السادس أن يكون وطنه من غير مكة من سائر الآفاق من الحرم أو الحل. انتهى. وقيل: من سكن في الحرم حكمه حكم المكي، وقد مر قول ابن حبيب عن مالك وأصحابه أن من كان على دون مسافة القصر حكمه حكم المكي. والله سبحانه أعلم. والضمير في قوله: "بها"، لمكة وقد علمت أن من هو بمكان لا يقصر المسافر من مكة حتى يجاوزه في حكم المكي، قال الحطاب: وإنما وحد الضمير في قوله: "بها"؛ لأن مراده أن ينبه على أن مكة وذا طوى حكم البلد الواحد. انتهى. والله سبحانه أعلم. واحترز بقوله: "وقت فعلهما"، عما إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام وقت فعلهما، فإن حكمه حكم الآفاقي ولو استوطن مكة بعد ذلك، قال في الجواهر: المراعى في حضور المسجد الحرام وقتُ فعل النسكين وابتدائه بهما، فإن كان في ذينك الوقتين مستوطنا بمكة فحكمه كأهلها، وإن كان مستوطنا سائر الآفاق فحكمه حكم أهل الآفاق. انتهى. قاله الحطاب.

стр. 2640

وقال بعد جلب نقول: فظهر أن المسقط للدم هو الاستيطان، وأن الإقامة بغير نية الاستيطان لا تسقط الدم ولو طالت، ولما كان المستوطن نوعين أحدهما أهل مكة والثاني من انقطع إليها بنية عدم الانتقال، بالغ المصنف بقوله: "وإن بانقطاع بها"، وفيه إشارة إلى أن المراد بالإقامة الاستيطان؛ إذ لو كان المراد مطلق الإقامة لما حسنت المبالغة بالانقطاع. انتهى. والله سبحانه أعلم. ثم قال: وقول المصنف في التوضيح كالمجاور لأهلها، مراده بالمجاور من جاور بنية عدم الانتقال لا مطلق المجاورة. انتهى. أو خرج لحاجة، عطف على ما في حيز المبالغة؛ يعني أن من كان من أهل مكة أو انقطع واستوطنها وهو من غير أهلها؛ إذا خرج لحاجة من غزو أو تجارة أو أمر عرض له سواء طالت إقامته بعد خروجه أم لا، ثم قدم مكة بعمرة في أشهر الحج فإنه لا يكون متمتعا ولا دم عليه، كما أنه ليس على أهل مكة الحاضرين في ذلك دم. وبالله تعالى التوفيق. وإنما كان كذلك لأنه لم يرفض سكنى مكة وما في حكمها، وإنما خرج بنية العود. والله سبحانه أعلم. سمع ابن القاسم: إن ترك آفاقي أهله بمكة وخرج لتجر أو غزو ثم قدم متمتعا فلا دم. ابن رشد: لأن تركه بنية استيطان. محمد: وكذا لو سكنها دون أهل، فقول أبي عمر: لا يكون مكيا حتى يستوطنها عاما، مشكل. انتهى والله أعلم. قاله الحطاب. لا انقطع بغيرها؛ يعني أن المكي أو من استوطنها إذا انقطع بغير مكة وما في حكمها؛ بأن رفض سكنى مكة وقد انتقل منها، فإنه إذا رجع إليها قارنا أو متمتعا يلزمه الدم لأنه حينئذ آفاقي، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: ويظهر مما مر أن من انقطع بمكة ثم رفض سكناها وقبل أن يخرج منها أتى بما هو صورة قران أو تمتع، يكون قارنا أو متمتعا، بل يظهر منه أنه لو تردد في الانقطاع يكون قارنا أو متمتعا، فيجب عليه ما يجب عليهما في المسألتين. والله سبحانه أعلم. انتهى. أو قدم بها ينوي الإقامة؛ يعني أن الآفاقي إذا قدم مكة في أشهر الحج حال كونه ناويا الإقامة أي الاستيطان لمكة شرفها الله تعالى، فإنه يلزمه الدم لأن إقامته بالفعل معدومة وقت العمرة وإن وجدت منه نيتها بعد ذلك، بخلاف ما لو قدم في غير أشهر الحج فاستوطنها ثم اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامة فلا دم عليه لأنه اعتمر بعد أن وطنها. وقوله: "قدم"؛ أي المتمتع، وقوله: "بها"؛ أي بأشهر

стр. 2641

الحج، والباء بمعنى في. أو العمرة. انظر الحطاب. وقوله: "أو قدم"، معطوف على انقطع. وندب لذي أهلين؛ يعني أن من كان له أهل بمكة وله أهل بغيرها، ثم قدم مكة معتمرا في أشهر الحج، يستحب له أن يهدي، قال في المدونة: ومن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق فقدم مكة معتمرا في أشهر الحج فهذا من مشتبهات الأمور، والأحوط له أن يهدي يريد لأنه تعارض عنده دليلان، أحدهما موجب للهدي وهو كونه آفاقيا، والثاني مسقط له وهو كونه مكيا، فاحتاط بالهدي، وظاهر ذلك سواء كان سكناه فيه متساويا أم لا. وحكى ابن المواز عن أشهب أن العبرة بالمكان الذي يكثر به سكناه، فإن كان سكناه في مكة أكثر فلا هدي وإلا فليهد. واختلف الشيوخ في فهم المدونة، هَل هي على ظاهرها فيكون ندب الهدي عندها مطلقا، وعليه فيكون قول أشهب مخالفا للمدونة، وعلى هذا تأولها التونسي؟ أو هي ليست على ظاهرها بل تفسر بقول أشهب، فيندب عندها دم التمتع؟ إلا أن يقيم ذو الأهلين بأحدهما أي بأحد المكانين اللذين بكل منهما له أهل أكثرَ مما يقيم بالآخر؛ يعني أن من الأشياخ من تأول المدونة على قول أشهب، فقال: محل الندب الذي في المدونة إنما هو حيث استوت إقامته بالمكانين، وأما إن كانت إقامته في أحدهما أكثر من إقامته بالآخر، فإن ذلك يعتبر أي يعتد به، فإذا كانت سكناه في مكة أكثر من سكناه بغيرها فلا دم لأنه من حاضري المسجد الحرام، وإن كانت إقامته في غير مكة أكثر من إقامته بمكة -أعزها الله تعالى- فإنه يجب عليه الدم. وقد علمت أنه على هذا التأويل يكون قول أشهب موافقا لما في المدونة، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، الأول وهو تأويل الإطلاق للتونسي كما عرفت، وهو تأويل الخلاف، والثاني وهو تأويل التقييد للخمي وهو تأويل الوفاق. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: والمذهب الأول، فالندب حاصل مطلقا، ونحوه للخرشي، وقال محمد بن الحسن في قول عبد الباقي: والمذهب الأول: مثله في الخرشي، واعترضه أبو علي قائلا: لم أر من ذكره. وقال الحطاب في دلالة لفظ المدونة المتقدم على كون الدم مستحبا: نظر، بل المتبادر منه أنه واجب، نعم نقلها سند وابن الحاجب بلفظ هذا من مشتبهات الأمور،

стр. 2642

والاحتياط في ذلك أعجب إلي. وهذا يقتضي الاستحباب. فتأمله. والله أعلم. انتهى. واللفظ المتقدم هو الذي اختصرها عليه البرادعي. واعلم أنهم فرضوا المسألة -أعني قوله: "وندب لذي أهلين" الخ- في المتمتع، والظاهر أن القران كذلك كما نص عليه الشبراخيتي. وَحَجٌّ مِّن عَامه، عطف على قوله: "عدم إقامة بمكة"؛ يعني أنه يشترط في دم التمتع والقران أن يحج فاعلهما من عامة، فلو حل من عمرته في أشهر الحج ثم لم يحج إلا من قابل، أو فات المتمتعَ الحجُّ أو القارنَ وتحلل بعمرة كما هو الأفضل فلا دم، فلو بقي القارن على إحرامه لقابل لم يسقط عنه الدم، ففي المفهوم تفصيل، وهذا الشرط ظاهر في المتمتع، وأما في القارن فكذلك إن فعل الأوْلى بأن تحلل بعمرة، فإن ترك الأولى في حقه وبقي على إحرامه إلى قابل لم يسقط عنه الدم. قاله غير واحد. ولما ذكر ما يشترط في الدم عاما في القران والتمتع، أشار إلى الخاص بالتمتع، بقوله: وللتمتع عدم عوده لبلده؛ يعني أن ما تقدم من الشرطين السابقين يشترك فيهما القارن والمتمتع، ويختص المتمتع بشروط أخر منها أن لا يعود لبلده أو ما قاربه، قال في التوضيح: ولا إشكال أنه إذا عاد لبلده أو ما قاربه يسقط عنه الدم، وحكى الباجي الاتفاق على ذلك والله أعلم. قاله الحطاب. أو مثله عطف على "بلده"؛ يعني أنه يشترط في دم التمتع أن لا يعود إلى بلده أو مثله في البعد قبل حجه الكائن في عامة، وأما إذا رجع لبلده أو ما قاربه أو مثل بلده في البعد عن مكة قبل أن يحج ثم حج بعد ذلك من عامة، فإنه لا يكون متمتعا، فلا يجب عليه دم. ولو بالحجاز؛ يعني أنه إذا رجع لمثل بلده فإنه لا دم عليه، وسواء في ذلك مَن منزلُه بالحجاز ومن منزلة بغير الحجاز، هذا هو المشهور، وفي الموازية: أنه لا يسقط بعوده إلى مثله إذا كان بلده بالحجاز، وإنما يسقط بعوده إلى نفس بلده أو بالخروج عن أرض الحجاز بالكلية، فالخلاف المشار إليه بلو إنما هو فيما إذا رجع لمثل بلده لا فيما إذا رجع إلى بلده كما علمت. وفي الحطاب: وضعف ابن يونس واللخمي ما في الموازية، ورأوا أنه لا فرق بين الحجاز وغيره، فعلم منه أن العود إلى البلد نفسه يسقط الدم بلا خلاف. انتهى كلام الحطاب. لا لأقل؛ يعني أنه إذا تحلل من العمرة في أشهر الحج ثم عاد لأقل من مسافة أفقه ثم رجع إلى مكة محرما بحج من عامة ذلك الذي اعتمر فيه،

стр. 2643

فإنه يلزمه الدم، وقوله: "لا لأقل"، ظاهره ولو كان أفقه بعيدا لا يدرك الحج إذا ذهب إليه أو إلى مثله وهو كذلك، خلافا لتقييد أبي محمد ذلك بما إذا كان إذا ذهب إلى أفقه وعاد يدرك الحج، قال: وأما من أفقه بعيد كإفريقية ويرجع إلى مصر فهذا عندي يسقط التمتع؛ لأن موضعه إذا ذهب إليه وعاد لا يدرك الحج. انتهى. كلام الحطاب. وفعل بعض ركنها في وقته، هذا الشرط مما يختص به المتمتع أيضا، فهو عطف على قوله: "عدم عوده لبلده"؛ يعني أنه يشترط في وجوب دم التمتع أن يفعل أركان العمرة أو بعضها أو بعض ركن من أركانها ولو السعي في أشهر الحج، فالضمير في وقته للحج، فلو سعى لعمرته في رمضان مثلا وأخر بعض السعي إلى أن دخل شوال فكمله فيه ثم حج من عامة فهو متمتع. قاله مالك. وقال اللخمي: ويصح أن يقال إذا لم يبق إلا الشوط والشوطان من السعي أن ليس عليه شيء؛ لأن اليسير في حيز اللغو، ولو حل من عمرته في رمضان مثلا ثم حج من عامة فلا يكون متمتعا، فلا هدي عليه لأنه لم يفعل بعض أركان العمرة في أشهر الحج، ولو سعى لعمرته في رمضان وحلق في شوال ثم، حج من عامة فليس بمتمتع ولا هدي عليه؛ لأن الحلق ليس من أركان العمرة، ولا يتأتى هذا الشرط أعني قوله: "وفعل بعض ركنها في وقته" في القارن، لقولها: من دخل مكة قارنا فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة في غير أشهر الحج، ثم حج من عامة فعليه دم القران، ولا يكون طوافه حين دخل مكة لعمرته لكن لهما جميعا، ولا يحل من واحد دون الآخر لأنه لو جامع فيهما قضاهما قارنا. انتهى. قاله الخرشي. وقد مر أن الضمير في قوله: "وقته"، للحج. وفي شرط كونهما عن واحد تردد، مبتدأ وخبره الجار والمجرور؛ أعني قوله: "في شرط"؛ يعني أن المتأخرين اختلفوا في النقل عن المتقدمين، هل يشترط في وجوب دم التمتع كون العمرة والحج عن شخص واحد بأن يكونا وقعا عن نفس الفاعل لهما أو عن شخص غيره بطريق النيابة عنه؟ فلو كانا عن اثنين العمرة عن واحد والحج عن آخر بأن يفعل أحد النسكين عن نفسه والآخر عن غيره بطريق النيابة، أو يفعل أحدهما عن زيد والآخر عن عمر بطريق النيابة عنهما فيهما لم يجب الدم، أو لا يشترط كونهما عن واحد فيجب الدم في فعلهما عن اثنين كل واحد عن واحد؛ أي والفاعل لهما واحد كما هو الموضوع وصرح ابن

стр. 2644

الحاجب باشتراط كونهما عن واحد، وقال: إنه الأشهر، وحكى ابن شأس في ذلك قولين، ونقل صاحب النوادر وابن يونس واللخمي عدم اشتراط ذلك، وقال في المناسك: ولم أر في ابن يونس وغيره إلا القول بوجوب الدم، وقال ابن عرفة: وَشَرْطُ ابنِ شأس كونَهما عن واحد. ونَقْلُهُ ابن الحاجب لا أعرفه، بل في كتاب محمد: من اعتمر عن نفسه ثم حج من عامة عن غيره متمتع. وقال الحطاب بعد جلب نقول: فما ذكره المصنف من التردد صحيح، لكن المعروف عدم اشتراط ذلك، وعادته أنه يشير بالتردد لما ليس فيه ترجيح. انتهى. وقال ابن جماعة الشافعي: لا يشترط أن يقع النسكان عن واحد عند جمهور الشافعية، وهو قول الحنفية، ورواية ابن المواز عن مالك، وعلى ذلك جرى جماعة من أئمة المالكية منهم الباجي والطرطوشي، ومن الشافعية من شرط ذلك، وقال ابن الحاجب: إنه الأشهر من مذهب مالك، وتبع ابن الحاجب في اشتراط ذلك صاحب الجواهر، وقوله: إنه الأشهر، غير مسلم، فإن القرافي في الذخيرة ذكر ما سوى هذا الشرط، وقال إن صاحب الجواهر: زاد هذا الشرط ولم يعزه إلى غيره. تنبيه: شروط القران لا شك أنها شروط في وجوب الدم لا في تسمية الفعل قرانا، وأما شروط التمتع فقد صرح القاضي عبد الوهاب بأنه إذا فقد شرط منها لا يسمى متمتعا، وظاهر كلام المصنف وابن الحاجب أنها شروط في وجوب الدم. قاله الحطاب. ويتحصل من النقول التي جلبها في ذلك. أنه اختلف في ذلك. والله سبحانه أعلم. ويكون متمتعا وإن كانت العمرة التي وقعت قبل الحج فاسدة. ودم التمتع يجب بإحرام؛ يعني أن دم التمتع يجب وجوبا موسعا فيه بالإحرام بالحج بعد العمرة، ويتحتم برمي جمرة العقبة كما يأتي للمصنف في قوله: "وإن مات متمتع فالهدي من رأس ماله إن رمى العقبة"؛ أي فإن لم يرمها قبل موته لم يلزمه هدي من رأس ماله ولا من ثلثه، ومثل رميها بالفعل فوات وقته أو فعل طواف الإفاضة، فما ذكره المصنف هنا بيان لمبدإ الوجوب، وما في آخر محرمات الإحرام بيان لتقرره وتخلده في الذمة فلا اعتراض عليه. قاله عبد الباقي. وفائدة القول بوجوب الدم بإحرام الحج أنه لا يجوز ولا يجزئ نحره أو ذبحه قبله ويجزئه بعده، وأن التقليد والإشعار قبله خلاف الأولى. قاله الخرشي. وإذا مات بعد فوات رميها وقبل

стр. 2645

الرمي بالفعل أو بعد طوافه للإفاضة وإن لم يرمها ولا فات وقته، كما إذا دخل مكة صبيحة يوم النحر فطاف للإفاضة ثم مات قبل رمي جمرة العقبة وقبل فوات وقتها، فالهدي من رأس ماله. ابن عرفة: ولا أعلم في سقوطه عمن مات قبل وقوفه خلافا، ولعبد الحق عن ابن الكاتب عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن تمتع ثم مات، قال: إن مات قبل رمي جمرة العقبة لا شيء عليه، وإن مات بعد رمي جمرة العقبة فقد لزمه هدي التمتع. وأجزأ قبله؛ يعني أن دم التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج كما علمت، وإذا نحره أو ذبحه قبل الإحرام فإنه لا يجزئ لفعله قبل الوجوب وحينئذ فمعنى قوله وأجزأ قبله أجزأ الإشعار والتقليد قبله أي قبل الإحرام بالحج، وهو خلاف ما نقله محمد بن الحسن عن المازري، ونصه: المازري: مذهبنا أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج، وفي وقت جواز نحره ثلاثة أوجه، فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز نحره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج، والثاني لا يجوز حتى يحرم بالحج، والثالث أنه يجوز بعد الإحرام بالعمرة. انتهى. وقال: قال الأبي في شرح مسلم عند قول الراوي: (فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي (١)) ما نصه: عياض: وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر هدي التمتع بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج وهي إحدى الروايتين عندنا، والأخرى أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه بذلك يصير متمتعا، والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث، وعلى. تقديم الزكاة على الحول وهو ظاهر الحديث، لقوله: فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي. انتهى. وهذا الذي قررت به المصنف هو الذي قرره به غير واحد، وقرره به الأمير. ثم الطواف لهما؛ عطف على الإحرام من قوله: "وركنهما الإحرام"، وحينئذ فلا يحتاج لقوله: "لهما"، فلو أسقطه لكان أحسن. قاله غير واحد. والجواب أنه أتى به لطول الفصل. ومعنى كلام المصنف أن الطواف ركن في الحج وركن في العمرة، "وثم" للترتيب المعنوي، فرتبة الطواف متأخرة عن رتبة الإحرام في الحج والعمرة، ولِلطَّوَافِ مطلقا ركنا أو واجبا أو مندوبا في أحد النسكين أو غيرهما شروطٌ. أولها: كونه أشواطا سَبْعًا، مفعول مطلق، فقوله: "لهما"؛ يعني به أن

стр. 2646

الطواف يكون لهما أي لكل واحد منهما سبعا، فللحج سبع وللعمرة سبع، فإن ترك شيئا منها يقينا أو شكا ولو بعض شوط لم يجزه ولم ينب عنه دم في الطواف الركني ويجب رجوعه ولو من بلده أوأبعد منه كما يأتي، فإن زاد على السبع، فقال التادلي: قال الباجي: من سها في طوافه فبلغ ثمانية أو أكثر، فإنه يقطع ويركع ركعتين للأسبوع الكامل، ويلغي ما زاد عليه ولا يعتد به، وهكذا حكم العامد في ذلك. انتهى. مختصرا. قاله محمد بن الحسن. وفي شرح الرسالة: ومن ترك شيئا من أشواطه لم يجزه ولم ينب عنه الدم. تنبيهات: الأول: اعلم أن ابتداء الطواف من الحجر الأسود واجب، فيجبر بالدم، ولو ابتدأ في طوافه من الركن اليماني فليلغ ذلك ويتم إلى الأسود، وإذا لم يتذكر حتى رجع إلى بلده أجزأه ويبعث بهدي، وكذلك إن بدأ بالطواف من باب البيت فليلغ ما مشى من باب البيت إلى الركن الأسود، قيل: فلو ابتدأ الطواف من بين الحجر والباب، قال: هذا يسير يجزئه ولا شيء عليه. سند: والبداءة عند مالك من الحجر الأسود سنة تجبر بالدم، ولم يجعلها أي البداءة المذكورة شرطا. انتهى. فتعد في الأمور التي اختلف أهل المذهب في التعبير عنها، هل هي واجبة أو سنة؟ والتحقيق فيها أنها واجبة لصدق حد الواجب عليها. قاله الحطاب. وفي النوادر عن كتاب ابن المواز: قال مالك: ومن بدأ في طوافه بالركن اليماني، فإذا فرغ من سبعة أتم ذلك فتمادى من اليماني إلى الأسود، فإن [لم يذكر (١)] حتى طال أو انتقض وضوءه أعاد الطواف والسعي، وإن خرج من مكة وتباعد أجزأه أن يبعث بهدي ولا يرجع. نقله الحطاب. الثاني: اعلم أن الدم فيما إذا ابتدأ الطواف من الركن اليماني أو من باب البيت لا يلزم إلا إذا لم يتماد إلى الأسود ولم يتذكر حتى رجع إلى بلده، وفي الحطاب: عن ابن: المواز أنه إن تذكر وهو بمكة أعاد الطواف والسعي إن طال أو انتقض وضوءه وإلا بنى وهذا كله في النسيان والجهل، وأما إن بدأ منه عمدا وأتم إليه فإنه لا يبني إلا إن رجع بالقرب جدا ولم يخرج من المسجد. قاله محمد بن الحسن. سند: يبدأ في الطواف من الحجر الأسود، فيستقبل الحجر بجميعه لما روي (أن النبي ﷺ لما دخل المسجد استقبل الحجر واستلمه)، والأحسن أن يأتي من

стр. 2647

يمين الحجر ويحاذي يساره يمين الحجر، ثم يقبله ويضعه على يساره ويطوف على يده اليمنى، ولو حاذى بعضه أجزأه لأنه منه بدأ، فإذا انتهى إلى ذلك الموضع كان شوطا، ومعنى ذلك أنه يستقبل الحجر بجميع بدنه وتكون يده اليسرى محاذية ليمين الحجر، ثم يقبله ويمشي على جهة يده اليمنى. قاله الحطاب. وقد مر عن سند أنه صرح بأن البداءة من الحجر ليست شرطا عندنا، بل هي مما يجبر بالدم، بل صرحوا بأنه لو بدأ من بين الحجر والباب أنه يسير يجزئه ولا شيء عليه. والله تعالى أعلم. الثالث: قال الشيخ علي الأجهوري ناظما لمكروهات الطواف: ويكره بيع والشراء لطائف … وإنشاد شعر والقراءة فاعلم سجود على ركن كذاك استلامه … لغير يماني وركن معظم وكثر كلام وانتقاب لمرأة … كما كرهوا للمرء تغطية الفم ركوب بلا عذر كذاك وشرب ما … لغير اضطرار فاعن بالعلم تغنم وتقديم محمول له عنه فيه ضف … كذا خلطة النسوان أيضا به افهم وحسر له عن منكبيه فهذه … ثلاثة عشر حفظها خير مغنم الرابع: قال سند: إطلاق الأطواف مجمع عليه، وجوز مالك الأشواط، وكره الشافعي الأشواط والأدوار، وقد ورد في حديث الرسول ﷺ . انتهى؛ يعني إطلاق الأشواط. ونقل ابن فرحون عن ابن حبيب عن مجاهد أنه كره أن يقال: شوط أو دور، ولكن يقال: طوف، وظاهر كلام صاحب الطراز أن الأدوار لا تكره، فإنه قال في آخر كلامه: ولا فرق بين قوله: طاف به، ودار به. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وإن ابتدأ من بين الباب والحجر الأسود بالشيء اليسير أتم إليه وأجزأه ولا دم إن لم يتعمد ذلك وإلا أجزأ وعليه دم، وقولنا: إن لم يتعمد ذلك أي إذا أتم إلى المحل الذي ابتدأ منه كما قدمنا، فإن أتم إلى الحجر الأسود فقط لم يجزه، خلافا لبعض طلبة العلم في قوله: لا يتمه ويغتفر ذلك ليسارته. انتهى كلام عبد الباقي.

стр. 2648

وقال الحطاب بعد أن نقل كلام ابن المواز: الذي قدمت بعضه عنه -أعني ما قدمته عنه- فيمن ابتدأ الطواف من الركن اليماني، فمن فعل ذلك عمدا ثم خرج إلى السعي وسعى بعض السعي فظاهر كلامه أنه لا يبني وهو ظاهر، وإن فعل ذلك نسيانا أو جهلا ثم تذكر في أثناء السعي ولم ينتقض وضوءه فإنه يرجع ويبني، وكذلك لو ذكر بعد السعي بالقرب ولم ينتقض وضوءه. انتهى. المراد منه. بالطهرين، الباء للمصاحبة، وعلامة باء المصاحبة أن يغني عنها وعن مصاحبها الحال، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ أي دخلوا مصاحبين للكفر، وهنا كذلك أي الطواف مصاحبا للطهرين، فهو متعلق بالطواف. والله سبحانه أعلم. ومعنى كلام المصنف أنه يشترط في الطواف مطلقا أن يكون مصاحبا للطهرين؛ أي طهر الحدث وطهر الخبث، وأل هنا للعهد، يشير بذلك إلى ما تقدم في الصلاة وهذا هو المعروف من المذهب، فمن طاف محدثا متعمدا أو جاهلا أو ناسيا لم يصح طوافه، ويرجع إلى ذلك من بلده على المعروف خلافا للمغيرة، وأما طهارة الخبث فعدها غير واحد من أهل المذهب من شروطه، قالوا: كالصلاة، ويعنون بذلك أنها واجبة مع الذكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان، وجعلها ابن عرفة شرط كمال، وذكر في صحة من طاف بها عامدا وإعادته قولين، والظاهر منهما هو القول بالإعادة أبدا، وهو الذي يفهم من المدونة وكلام أيمة المذهب، قال سند: إن قلنا إزالة النجاسة شرط في الصلاة على الإطلاق فكذلك في الطواف، وإن قلنا شرط مع الذكر فكذلك في الطواف أيضا، وإن قلنا ليست بشرط بحال فكذلك أيضا. انتهى. وأما من طاف بها ناسيا، فإن ذكر بعد فراغه من الطواف وقبل الركعتين فإنه لا يعيد الطواف عند ابن القاسم، بمنزلة من صلى بنجاسة ثم رآها بعد خروج الوقت ويضع الثوب ويصلي الركعتين بثوب طاهر. نقله ابن يونس وابن رشد في سماع أشهب والمصنف وغيرهم عن ابن القاسم وإن ذكر بعد فراغه من الركعتين أو في أثناء الطواف، فسيأتي قاله الحطاب ويجري هنا، ولو شك في صلاته ثم بان الطهر لم يعد، كما في الصلاة، وطهرُ الحدث هنا يشمل التيمم والطهارة المائية، ولو قال المصنف بالطهارتين لكان أحسن؛ لأنه كثر في لسانهم استعمال (١)

стр. 2649

الطهرين في الحدث الأصغر والأكبر، فيصير الخبث مسكوتا عنه، وكثر في لسانهم استعمال الطهارتين في الحدث والخبث. والستر؛ يعني أنه يشترط في الطواف مطلقا ركنا أو واجبا أو مندوبا في أحد النسكين أو غيرهما أن يكون مصاحبا لستر العورة، وأل هنا للعهد، يشير إلى ما تقدم في الصلاة، قال ابن فرحون: حكم ستر العورة في الطواف حكم الطهارة، وحكم من صلى بثوب نجس أو طاف به. انتهى. وذكر ابن معلى عن النووي: أن الحرة إذا طافت وهي مكشوفة الرجل أو شيء منها أو شعر رأسها لم يصح طوافها، وإن طافت كذلك ورجعت رجعت بلا حج ولا عمرة، قال ابن معلى: وظاهر مذهبنا في هذه المسألة صحة حجها؛ لأن مالكا قال في المدونة: إذا صلت الحرة بادية الشعر أو الوجه أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت، والإعادة في الوقت إنما هي من باب الاستحباب، نعم إن كانت بمكة أو حيث يمكنها الإعادة فلتعد على جهة الاستحباب. انتهى. قال الحطاب: والظاهر أنه لا تستحب لها الإعادة ولو كانت بمكة؛ لأن بالفراغ من الطواف خرج وقته كما تقدم فيمن طاف بنجاسة ناسيا، ويكره أن يشرب الماء في الطواف إلا أن يضره العطش. قاله التلمساني في شرح قول الجلاب: ولا يتحدث مع أحد في طوافه ولا يأكل ولا يشرب في أضعافه، قال الحطاب: فجعل (١) قوله: لا يشرب، على الكراهة ولم يتعرض للأكل، والظاهر أنه مثله. والله أعلم. واعلم أن مكروهات الطواف خمسة عشر: البيع، والشراء، والطواف مختلطا فيه الرجال والنساء، وتغطية الرجل فاه، وانتقاب المرأة، وإنشاد الشعر، وشرب الماء لغير المضطر له، والظاهر أن الأكل مثله، وكثرة الكلام فيه، وقراءة القرآن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، والركوب لغير عذر، والسجود على الركن، والحسر عن منكبيه، وتقديم طوافه عن محموله على طوافه لنفسه. وقد مر نظم الشيخ علي الأجهوري لثلاثة عشر منها. وبطل بحَدَثٍ بناءٌ؛ يعني أن طهارة الحدث شرط في ابتداء الطواف ودوامه، فمن أحدث في أثناء طوافه فقد بطل طوافه، ولا يجوز له البناء على ما مضى من طوافه إذا تطهر ولو كان قريبا، وسواء كان حدثه عمدا أو غلبة أو سهوا، فقوله: "بناء" فاعل "بطل" وقوله: "بحدث"، منون،

стр. 2650

والباء للسببية، وإذا بطل البناء فإنه يتوضأ ويبتدئ الطواف وجوبا إن كان الطواف واجبا دون التطوع إلا أن يتعمد الحدث، ولو قال: فإن أحدث فلا بناء، لكان أحسن؛ لأن ظاهر العبارة أن هنا بناء بطل مع أنه لا بناء هنا؛ إذ معنى كلامه أن من حصل له الحدث في أثناء الطواف بطل طوافه ولا يجوز له البناء بعد التطهر على ما مضى من الأطواف. والله سبحانه أعلم. ولم يذكر المصنف حكم من انتفض وضوءه قبل أن يصلي الركعتين، والحكم فيه أنه يتوضأ ويعيد الطواف، فإن توضأ وصلى الركعتين وسعى فإنه يعيد الطواف والركعتين والسعي ما دام بمكة أو قريبا منها، فإن تباعد من مكة فليركعهما بموضعه وليبعث بهدي، قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأوليان. وقوله: "وبطل بحدث بناء"، فإن توضأ وبنى على ما طافه فكمن لم يطف، وقال ابن حبيب: يتوضأ ويبني. ابن يونس: رواية ابن حبيب ضعيفة، وظاهر كلام الجلاب أن خلاف ابن حبيب إنما هو بعد الوقوع وهذا هو الظاهر، وقد نص ابن حبيب في الواضحة على: أنه إذا انتقض وضوءه وهو يطوف أنه يقطع ويبتدئ الطواف من أوله إن كان واجبا، وهو مخير في التطوع. قاله الحطاب. واعلم أنه إذا قلنا إن المحدث في أثناء الطواف لا يجوز له البناء، فإنه إذا جاء وبنى على ما طاف أولا ثم علم أنه لا يصح له البناء على ما قبل الحدث، فالظاهر أن له أن يبنى على ما طافه الآن ويكمل سبعة أشواط ويجزئه، وكذا أيضا من شرع في سبع فطاف بعضه، فلما وصل للحجر الأسود في بعض الأشواط ظن أنه أكمله فنوى سبعا أخرى ثم تذكر، فالظاهر أنه يبني على ما طاف أولا إن كان الطواف الأول نافلة، وإن كان فريضة والذي نواه نافلة فالأمر محتمل والأحوط أنه يبتدئ الطواف. قاله الحطاب. ولو اعتقد شخص أنه في الشوط السابع ثم تبين له أنه الخامس فإنه يتم على ذلك، ولا يقول أحد إنه يعيد. انتهى. قاله في الطراز. قاله الحطاب. ومن شرع في الطواف ثم رفضه في أثنائه، فهل يبطل كالصلاة أولا كالإحرام بحج أو عمرة؟ قال الخرشي: تقدم ما يفيد أنه يرتفض.

стр. 2651

واعلم أن الطواف ليس كالسعي؛ لأن الطهارة ليست شرطا في صحة السعي، وإنما هي مستحبة فيه، ولم يقل أحد بأن من أحدث في أثناء السعي يبتدئ، فلوأتم سعيه وهو محدث أجزأه. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم. وجعل البيت عن يساره، قوله: "وجعل" بالجر عطف على"الطهرين"؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يجعل البيت في دورانه عن يساره، فلو طاف وجعل البيت عن يمينه، أو طاف ووجهه إلى البيت أو ظهره لم يجزه طوافه، وهو كمن لم يطف فيرجع لذلك من بلده، وهذا مذهب مالك والشافعي وابن حنبل؛ (لأن رسول الله ﷺ طاف كذلك، وقال: خذوا عني مناسككم (١))، وقال أبو حنيفة: إن ذلك سنة، فإن تركه صح طوافه ويعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده لزمه دم، ولو جعل البيت عن يساره ولكنه طاف منكوسا فرجع القهقرى من الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني، فالظاهر أنه لا يجزئه، وكلام صاحب الطراز وغيره يدل على ذلك. قاله الحطاب. وحكمة جعل البيت على اليسار ليكون قلب الطائف إلى جهة البيت، وفي الذخيرة أن جنبي باب البيت نسبتهما إليه كنسبة يمين الإنسان ويساره إليه، فالحجر موضع اليمين لأنه يقابل يسار الإنسان، وباب البيت وجهه، ولو جعل البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه، ولو جعله عن يساره أقبل على الباب ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأماثل، وتعظيم بيت الله تعالى تعظيم له. قاله الحطاب. وقوله: "وجعل البيت عن يساره"؛ ينبغي أن يقيد بما إذا مشى على رجليه، فلو مشى على يديه غير منكوس فالظاهر أنه لا يجزئه، وكذا لو مشى على يديه ورجليه أو زحف على بطنه ونحو ذلك، وظاهر كلام المصنف أن جعل البيت عن اليسار شرط مطلقا ذكرا (٢) أم لا، وكذا قوله: "وخروج كل البدن عن الشاذروان"، وقياس ما للقرافي أن يكون محراب المسجد وجهه، وغربيه يساره، وشرقيه يمينه، ويسار المسجد يقل فيه الناس فهوأبعدمن الرياء وأقرب إلى الإخلاص. وفي الحديث: (من أحيا يسار المسجد فله أجران (٣))،

стр. 2652

وكان البنوفري والتاجوري والأجهوري واللقاني لا يصلون في الجامع الأزهر إلا في جهة الخطابة؛ لأنها يساره مع محافظتهم على السنة قال الشيخ إبراهيم: وقد مر أن من طاف بالبيت وجعل البيت عن يساره ولكنه طاف منكوسا فرجع القهقرى لا يجزئه ذلك، قال الإمام الحطاب: فإن قيل لم جعلتم الترتيب هنا واجبا وجعلتموه في الوضوء سنة؟ فَالجَوَابُ أنه هنا مطلوب إجماعا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه طاف منكوسا، وأما الوضوء، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت وضوئي، هكذا نقل الشارح عن أبي الحسن الصغير. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعبارة المصنف قلقة أو عسرة؛ لأنه قد يجعل البيت عن يساره وهو راجع القهقرى ويطوف وهذا باطل؛ أي وجعل البيت عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه ولا بد من هذا. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا بد أن يمشي مستقيما، فلو مشى القهقرى لم يصح. وخروج كل الطهرين عن الشاذروان؛ قوله: "وخروج" بالجر عطف على "الطهرين"؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يجعل الطائف بدنه كله في طوافه خارجا عن الشاذروان، قال الحطاب: الشاذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وهو بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة. قاله النووي. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ابن فرحون: بكسر الذال المعجمة: لفظة عجمية بلسان الفارسية، وقال النووي: بفتح الذال وسكون الراء: بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة وهو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار مرتفعا على وجه الأرض قدر ثلثي ذراع، نقصته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت. انتهى. وقال عبد الباقي: واشترط الخروج عنه لأنه من البيت. انتهى. وارتفاعه عن الأرض في بعض المواضع نحو شبرين، وفي بعضها نحو شبرو نصف. واعلم أن المصنف مشى في كتبه كلها على أن الشاذروان من البيت، معتمدا في ذلك على ما قاله صاحب الطراز وابن شأس ومن تبعهما من المتأخرين، قال صاحب الطراز: في شرح قوله في المدونة وسئل عن ممر الطائف في الحجر، فقال: قال مالك: ليس بطواف ويلغيه ويبني، وهذا بين لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعا، فإذا سلك في طوافه الحجر أو على جداره أو

стр. 2653

على شاذروان البيت لم يعتد بذلك؛ وهو قول الجمهور لأنه لم يطف بجميع الكعبة، وعند أبي حنيفة يجزئه، وعند ابن شأس من شروط الطواف أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت، فلا يمشي على شاذروانه، وتبعه على ذلك القرافي في الذخيرة، وابن جزي في قوانينه، وابن جماعة التونسي وابن الحاجب وابن عبد السلام وابن هارون في شرح المدونة وابن راشد في اللباب، ونقل ابن عرفة كلام ابن شأس ولم يتعقبه مع كثرة تعقبه فيما لا يكون موافقا لنقول المذهب، بل جزم في فصل الاستقبال بأنه من البيت، وتبعه على ذلك الأبي، وممن تبع ابن شأس ابن معلى والتادلي وغيرهما، وهذا هو المعتمد عند الشافعية، وقد أنكر جماعة من العلماء المتأخرين من المالكية والشافعية كون الشاذروان من البيت، فمن المالكية الخطيب أبو عبد الله بن رشيد بضم الراء وفتح الشين المعجمة وبعدها ياء تصغير، ذكر ذلك في رحلته وبالغ في إنكاره، وقال: لا توجد هذه التسمية ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند الفقهاء المالكيين المتقدمين والمتأخرين إلا ما وقع في جواهر ابن شأس، وتبعه ابن الحاجب، ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكرها فيما وقفت عليه المزني. انتهى. المراد منه. وقول ابن رشيد: إن أقدم من ذكرها من المالكية ابن شأس، ليس كذلك لما تقدم من كلام صاحب الطراز، وهو أقدم من ابن شأس، وقوله: إن أقدم من ذكرها من الشافعية المزني، ليس كذلك، فقد نقل ابن جماعة الشافعي عن نص الشافعي أنه لو طاف على شاذروان الكعبة أعاد، مع أن ابن جماعة ممن رجح أنه ليس من البيت، قال في منسكه: الذي يظهر لي أنه ليس من البيت كما نقله السروجي عن الحنفية، واختاره جماعة من محققي العلماء. انتهى. انتهى. وقال الحطاب أيضا بعد جلب كثير من النقول: وبالجُمْلَةِ فقد كثر الاضطراب في الشاذروان، وصرح جماعة من الأئمة المقتدى بهم بأنه من البيت، فيجب على الشخص الاحتراز منه في طوافه ابتداء، وأنه إن طاف وبعض يده في [أهواه (١)] أنه يعيد ما دام بمكة، فإن لم يتذكر ذلك

стр. 2654

حتى بعد من مكة فينبغي أن لا يلزم بالرجوع لذلك، مراعاة لمن يقول: إنه ليس من البيت. والله أعلم. انتهى. وذكر المحب الطبري عن الأزرقي أن عرض الشاذروان ذراع، قال: وقد نقص عما ذكره الأزرقي في الجهات، قال: فتجب إعادته، ويجب أن يحترز من ذلك الزائر. انتهى. قاله الحطاب. وستة أذرع من الحجر؛ قوله وستة عطف على الشاذروان يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يخرج الطائف بجميع بدنه عن مقدار ستة أذرع من الحجر؛ لأن ذلك من البيت كما ورد في الحديث الصحيح (١)، فإذا خرج بجميع بدنه عن مقدار ستة أذرع من الحجر وتسور عليه من الطرف بعد أن خرج بجميع بدنه عن الأذرع الستة أجزأه؛ لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك. قاله اللخمي. وهو يقتضي أن ذلك مكروه أو خلاف الأولى، والأحسن هو أن يطوف من وراء الحجر جميعه وهو خلاف ما لابن رشد، والذي لابن رشد هو أنه لا يعتد بما طاف داخل الحجر وبنى على ما طاف خارجه منه، وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فليرجع وهو كمن لم يطف. نقله الحطاب. وفيه بعد جلب نقول: وكلام أصحابنا المتقدمين يقتضي أنه لا يصح الطواف إلا من وراء الحجر جميعه، وقد مر قول صاحب الطراز؛ لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعا، فإذا سلك في طوافه الحجر أو على جداره أو على شاذروان البيت لم يعتد بذلك؛ وهو قول الجمهور. انتهى. فصرح بأنه إذا طاف على جدار الحجر أنه لا يعتد بذلك، وقال القاضي عبد الوهاب: ولا يجزئ الطواف داخل الحجر خلافا لأبي حنيفة، لقوله ﷺ : (الحجر من البيت (٢))، وإذا ثبت أنه من البيت لم يجز أن يطوف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وذلك يقتضي استيفاء جميعه، (ولأنه ﷺ طاف خارج الحجر وقال خذوا عني مناسككم (٣))، وقال ابن عسكر في عمدته في شروط الطواف: وأن يطوف بالحجر، وقال ابن بشير: ولا يجزئ الطواف في الحجر، فمن طاف فيه كان بمنزلة من طاف ببعض البيت. نقله الحطاب. ونقل نحوه عن ابن الحاجب. وابن جزي وابن عرفة.

стр. 2655

وقول المصنف: "من الحجر" الحجر بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم هذا هو الصواب المعروف، قال النووي: وحكى بعضهم فتح الحاء، وسمي حجرا لاستدارته وهو محوط مدور على نصف دائرة خارج عن خارج الكعبة في جهة الشام، ويقال له: الجدر، بفتح الجيم وسكون الدال المهملة؛ وهو من وضع الخليل ﵊ على ما ذكره الأزرقي في خبر رواه عن أبي إسحاق، قال: (وجعل إبراهيم ﵊ الحجر إلى جنب البيت [عريشا (١)] من أراك تقتحمه العنز، وكان رباضا لغنم إسماعيل عليد الصلاة والسلام، ثم إن قريشا أدخلت فيه [ذراعا (٢)] من الكعبة). تنبيهات: الأول: اعلم أن المصنف رحمه الله تعالى تبع في قوله: "وستة أذرع من الحجر" اللخمي كما مر التنبيه عليه، ولم يصرح في كتاب الحج بستة أذرع، إلا أنه صرح في كتاب الصلاة بأن الذي من البيت في الحجر هو مقدار ستة أذرع، وكلامه في كتاب الحج يقتضي أن ذلك القدر هو الذي يطلب الخروج عنه في الطواف، ونصه: ولا يطاف في الحجر، فإن طاف فيه لم يجزه لأن الموضع الذي يتصرف فيه الناس (٣) منه يلي البيت، وهو من البيت فكأنما طاف ببعض البيت، ولو تسور من الطرف لأجزاه لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك. انتهى. وقد أسقط المصنف هنا. وفي التوضيح: والمناسك من كلام اللخمي، قوله: وليس بحسن أن يفعل ذلك، مع أن ذكر ذلك متعين لأن كلام المصنف يقتضي أنه لو فعل ذلك لم يكن فيه بأس، وكلام اللخمي يقتضي أنه مكروه أو خلاف الأولى. ثم جلب من النقول مما يفيد أن كلام المصنف خلاف المعتمد كثيرا مقنعا عن المالكية وغيرهم وقد قدمت بعض ذلك، ثم قال: وهذا هو الظاهر من قول مالك في المدونة: ولا يعتد بما طاف في داخل الحجر؛ لأن ذلك شامل لستة أذرع ولما زاد عليها، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا كما تقدم، والذي قاله اللخمي رحمه الله تعالى إنما هو تفقه منه على عادته في اختياره لما يقتضية الدليل والقياس وإن خالف المنصوص عن مالك. وقوله: وليس بحسن أن يفعل، يدل على ذلك. والله أعلم. انتهى. ثم قال: واحتج شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين الفاسي المالكي لما قاله اللخمي؛ بأن أفعاله صلى الله عليه

стр. 2656

وسلم في الحج منها ما هو واجب ومنها ما ليس بواجب، فطوافه خارج الحجر لا يكون واجبا إلا بدليل، ولا دليل إلا ما وقع في بعض رواية عائشة أن الحجر من البيت، وهي رواية مطلقة، فتحمل [على (١)] الروايات المقيدة، ويحمل طوافه ﷺ خارج الحجر ليزيل عن غيره مشقة الاحتراز عن تحرير الستة الأذرع ونحوها، ومشقة تسور جدار الحجر خصوصا للنساء، ومثل ذلك يقال في طواف الخلفاء ومن بعدهم، فيكون الطواف هكذا مطلوبا ندبا لا وجوبا، لعدم نهوض الدلالة على الوجوب من طوافه ﷺ . انتهى. قال الحطاب: وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر؛ لأن أفعاله ﷺ محمولة على الوجوب حتى يدل دليل على الندب، ثم قال: والذي يظهر -والله سبحانه أعلم- وجوب الطواف من وراء محوط الحجر، وأن من طاف داخله يعيد طوافه ولو تسور الجدار وطاف من وراء الستة الأذرع والسبعة، وهذا ما دام بمكة، فإن عاد إلى بلاده وكان طوافه من وراء الستة الأذرع فينبغي أن لا يؤمر بالعود مراعاة لمن يقول بالإجزاء كما تقدم في مسألة الشاذروان. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقال ابن مسدي في منسكه: وأما قولنا: ويطوف من وراء حجر إسماعيل، فهو الإجماع، ثم اختلفوا فقال أصحاب الرأي: يطوف من وراء الحجر استحبابا، وقال جمهور العلماء بالوجوب استبراء؛ لأن بعض الحجر من البيت مقدر غير معلوم العين، ثم اتفقوا على أن من طاف بفناء البيت الظاهر ولم يدخل الحجر في طوافه أنه يعيد ما دام بمكة، ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة: يعيد استحبابا، وقال جمهور العلماء: يعيد وجوبا لأنه كمن لم يطف، فإن لم يذكر حتى انصرف إلى بلده، فقال ابن عباس: هو كمن لم يطف، وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل وإسحاق وداوود وغيرهم من أهل العلم، وقالوا: عليه أن يرجع من حيث كان حتى يطوف من وراء الحجر. الثاني: اعلم أن الروايات اضطربت في الحجر، ففي رواية (أنه من البيت (٢))، وفي رواية (ستة أذرع من الحجر (٣))، وفي أخرى (ست أو نحوها (٤))، وفي رواية (خمسة أذرع (٥))، وروي (قريب من سبع (٦))، وكل

стр. 2657

هذه الروايات في الصحيح، قال الحطاب: فإذا طاف في شيء من الحجر يكون في شك من أداء الواجب. الثالث: في المدونة: ويبني على ما طاف خارجا عنه، قال أبو إبراهيم الأعرج في طرره على التهذيب: يعني يبني على الأشواط الكاملة، وأما بعض الأشواط فلا. نقله عنه التادلي. وابن فرحون. ولم ينبه على ذلك أبو الحسن ولا صاحب الطراز ولا غيرهما من شراح المدونة فيما علمت، والظاهر أنه يبني على ما طاف خارجا عنه، ولو كان بعض شوط إلا أن يريد أبو إبراهيم إذا لم يعلم بذلك في ذلك الشوط، بل طاف بعده شوطا أو أشواطا ثم تذكر فإنه إنما يبني على الأشواط الكاملة وهو مراده. والله أعلم. وقد مر في فصل الاستقبال أن في استقبال الستة الأذرع قولين، والراجح منهما أنه لا يصح استقبالها، والراجح هنا وجوب الطواف خارجا عن جميع الحجر، فَلِمَ لا يصح الطواف في الستة الأذرع على الراجح كما في الصلاة؟ والجواب على المعتمد هنا من وجوب الطواف خارج الحجر أنه إنما وجب لفعل الرسول ﷺ ، وأما على ما قاله اللخمي فالجواب أنه احتيط في كل من البابين، فمنعوا الصلاة إليه لعدم القطع بأنه من البيت، ومنعوا الطواف في الستة لأنه قد ثبت بحديث الصحيح أنها من البيت (١). انظر الحطاب. والله سبحانه أعلم. الرابع: أثبت المصنف التاء في قوله: "وستة أذرع"؛ لأن الذراع تذكر وتؤنث، قال في الصحاح: ذراع اليد يذكر ويؤنث. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم. ونصب المقبل قامته، قوله: "ونصب" إما بالجر بصيغة الاسم عطفا على "الطهرين"، "والمقبل"، مضاف إليه ما قبله، "وقامته"، مفعول المصدر وهو نصب، وأما بالفتح على أنه فعل ماض "والمقبل" فاعله؛ يعني أن الإنسان إذا قبل الحجر الأسود واستلم الركن اليماني؛ فإنه يثبت مكانه حتى يعتدل قائما على قدميه ثم يطوف؛ لأنه لو طاف مطأطئا ورأسه أو يداه في هواء الشاذروان، أو وطئه برجله لم يصح طوافه، وهذه دقيقة نبه عليها النووي وغيره من متأخري

стр. 2658

الشافعية، بنوها على أن الشاذروان من البيت، قال النووي: وينبغي أن يتنبه هنا لدقيقة وهي أن من قبل الحجر فرأسه في حال التقبيل في جزء من البيت فيلزمه أن يُثيتَ قدميه في موضعهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما؛ لأنه لو زالت قدماه عن موضعهما إلى جهة الباب قليلا ثم فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضع الذي زالتا إليه ومضى من هنالك، لكان قد قطع جزءا من طوافه ويده في هواء الشاذروان، فتبطل طوفته تلك. انتهى. نقله ابن معلى. ونقل عن غير النووي من الشافعية: أنه ينبغي للطائف أن يحترز في حال استلامه الحجر والركن اليماني من هذا الشاذروان؛ لأنه إن طاف ويده أو رأسه في هواء الشاذروان أو وطئه برجله لم يصح طوافه، والواجب على الطائف أن يثبت قدميه حتى يفرع من تقبيله ويعتدل قائما ثم يمشي، قال: وهذه من الدقائق النفيسة، وكثير من الناس يرجعون بلا حج بسبب الجهل بما قلناه، قال ابن معلى: ولم أر أحدا من المالكية نبه على هذه الدقيقة غير شيخنا الفقيه المحقق أبي يحيى بن جماعة، فإنه قال: وإذا قبل الطائف وقف حتى يعتدل قائما، وحينئذ يأخذ في السير، وقد أنكر ابن رشيد هذه الدقيقة، وقال: هذه الدقيقة تخفى على الصحابة ومن بعدهم، فلا ينتبه لها أحد وينبه على ذلك بعض المتأخرين، ولو كان الأمر كما قالوا لحذر منه السلف الصالح لعموم البلوى بذلك، فتركهم ذكره دليل على أن مثله مغتفر والتوقي منه أولى، وأما أن ذلك مبطل للحج فبعيد. انتهى. ونحوه لابن جماعة الشافعي، وفي الحطاب: والذي يقتضيه كلام المصنف ومن نبه على هذه الدقيقة من المالكية أن من لم يتنبه لها وطاف ورأسه أو يده في هواء الشاذروان أن طوافه ذلك لا يصح، فإن تنبه لذلك بالقرب عاد ومشى ذلك القدر، وإن أكمل الأسبوع فيبطل ذلك الشوط ويصير حكمه حكم من ترك جزءا من طوافه، قال: وينبغي أن يلاحظ في ذلك ما ذكرناه في الشاذروان من أن من لم يتنبه لذلك حتى بعد عن مكة لا يلزم بالرجوع لذلك مراعاة للخلاف في الشاذروان. انتهى. وقوله: "ونصب المقبل قامته"، هو كقوله في المناسك: "ثم يرجع "؛ أي يرجع قائما، وليس مراده أنه يرجع إلى جهة خلفه كما يفعله بعض الناس فيؤذي الطائفين بذلك. قاله الحطاب.

стр. 2659

داخل المسجد حال من الطواف؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يكون داخل المسجد، فلو طاف خارج المسجد لم يجزه. ابن رشد: ولا خلاف في ذلك، -ومثله- والله أعلم من طاف على سطح المسجد وهذا ظاهر، ولم أره منصوصا فتأمله، وصرح الشافعية والحنفية بأنه يجوز الطواف على سطح المسجد، ولم يتعرض لذلك الحنابلة. والله أعلم. قاله الحطاب. سند: ويستحب الدنو من البيت كالصف الأول في الصلاة، ومن طاف في زيادة المسجد كمن طاف خارجه، وتطوف النساء بالبيت من وراء الرجال كالصلاة. قاله عبد الباقي. وغيره. وقوله: "داخل المسجد"، قال غير واحد: إنه منصوب على الحال، قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن "داخل"، منصوب على الظرفية أو على نزع الخافض، وهذا المنصوب على الظرفية أو على نزع الخافض في موضع الحال من الطواف. والله سبحانه أعلم. وولاء؛ يعني أن الموالاة بين أشواط الطواف، شرط في صحة الطواف فإن فرقه لم يجزه. قاله القرافي. وقال اللخمي: إلا أن يكون التفريق يسيرا أو يكون لعذر وهو على طهارته، وفي كلام سند. أن: التفريق اليسير لا يضر ولو لغير عذر، لكنه يكره ويندب له أن يبتدئ به، وقد مر أن من انتقض وضوءه قبل أن يصلي ركعتي الطواف توضأ وأعاده قبل صلاتهما، فإن توضأ وصلاهما وسعى بعدهما أعاد الطواف والركعتين والسعي ما دام بمكة أو قريبا منها، فإن تباعد عنها فليركعها بموضعه وليبعث بهدي. ابن المواز: ولا يجزئه الركعتان الأوليان، ولعله لكونه صلاهما في وقت يطلب فيه إعادة الطواف، وظاهر كلامه سواء انتقض عمدا أو لا، وقوله: فإن تباعد، الظاهر أن تعذر الرجوع مع القرب تباعد. قاله في حسن نتائج الفكر. وقال الحطاب: عند قوله: "وولاء"؛ يعني أن من شروط الطواف الموالاة، قال ابن بشير: ولا يفرق بين أجزاء الطواف، فإن فعل ابتدأ إلا أن يفرق لضرورة كصلاة الفرض تقام عليه وهو في الطواف. انتهى. وهذا في التفريق الكثير، وأما التفريق اليسير فقد صرح اللخمي بأنه مغتفر، قال: ويوالي بين الطواف والركوع والسعي، فإن فرق الطواف متعمدا لم يجزه إلا أن يكون التفريق يسيرا أو يكون لعذر وهو على طهارته، فإن انتقضت طهارته توضأ واستأنف الطواف من أوله، سواء انتقضت طهارته تعمدا أو غلبة، وقوله: "وولاء"، قال الشبراخيتي: أي ويكون الطواف ولاء فهو منصوب، ويصح جره

стр. 2660

عطفا على المجرور؛ أي ويشترط أن لا يفرق بين أجزاء الطواف، وإلا ابتدأ إلا أن يكون التفريق يسيرا فإنه لا يضر، ولو لغير عذر أو يكون لعذر وهو على طهارته. انتهى. (وابتدأ إن قطع لجنازة) يعني أن الشخص إذا قطع طوافه لأجل صلاة على جنازة وصلى عليها، فإنه يبتدئ طوافه واجبا أو تطوعا، ولو قل الفصل لأنه فعل آخر غير ما هو فيه، ولا يبني على ما فعل من الأطواف خلافا لأشهب، وقوله: "إن قطع لجنازة"، الحكم في ذلك أنه يمتنع القطع لها ما لم تتعين، فإن تعينت وخشي تغير الميت ولم يوجد سوى الطائف فالظاهر وجوب القطع كالفريضة، والظاهر أنه حينئذ يبني كالفريضة، وأما إن تعينت ولم يخش تغيرها فلا يقطعه لها. قاله عبد الباقي. وغيره. وعبارة الشبراخيتي: ويمتنع القطع لها اتفاقا كما قال في توضيحه ما لم تتعين بخشية التغير ونحوه، والظاهر وجوب القطع كما يفيده كلام سند وأبي الحسن، وأما إن تعينت ولم يخش التغير فلا يقطعه، وإذا قلنا بالقطع فالظاهر أنه يبني على طوافه. (أو نفقة) يعني أن الشخص إذا قطع طوافه لأجل طلب نفقة نسيها كما لو نسي صرة فيها دراهم معدة لشراء نفقته، فإنه يبتدئ ولا يبني على ما فعل من طوافه الذي لم يكمله، وقوله: "أو نفقة"، قال الشبراخيتي: ولا يجوز القطع لها، وجزم في مناسكه بجواز القطع، ثم إن القطع فيمن خرج للنفقة والحال أن صاحبه لا يبني إنما هو إذا خرج من المسجد، وأما إن قطع لنفقة ولم يخرج من المسجد فإنه يبني على طوافه. انتهى. وقال عبد الباقي: قال المصنف: ولو قيل بجواز الخروج للنفقة كان أظهر كما أجازوا قطع الصلاة لمن أخذ له مال له بال وهي أشد حرمة. انتهى. وبحث فيه المدني شارح الشامل بالفرق بأن الصلاة لما لم يبح فيها إلا يسير الكلام لإصلاحها فقط لم يكن له مندوحة في القطع لحفظ ماله، ولا كذلك الطواف، فعدم حرمة الكلام فيه يقتضي أنه يوكل في عود نفقته له بدون قطع، فلذا بطل الطواف إن قطع لها وخرج من المسجد. انتهى. وقال في التوضيح: قد علمت أن مذهب المدونة عدم الخروج للنفقة، لقوله: ولا يخرج إلا لصلاة الفريضة، وأن القول فيها بالبناء مخرج على قول أشهب في الجنازة، ولو قالوا بجواز الخروج للنفقة لكان أظهر، كما أجازوا قطع الصلاة لمن أخذ له مال له بال، وهي أشد حرمة، وجعل إبن عبد السلام الخلاف في القطع وليس بظاهر. انتهى. وجزم في مناسكه بما

стр. 2661

بحثه في توضيحه، فقال: ويقطع إذا نسي نفقته كما في الصلاة، لكن لا يبني على المشهور. انتهى. وهذا هو الظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. قال الشارح: وعلى هذا فينبغي أن يفرق في النفقة بين ماله بال وغيره، وبين الفقير وغيره. أو نسي بعضه؛ يعني أن الشخص إذا نسي بعض الطواف بأن نسي بعض شوط فأكثر، فإنه لا يبني على ما فعل من الطواف، وهذا إن فرغ سعيه؛ يعني أن محل كونه لا يبني حيث ترك بعض طوافه إنما هو حيث فرغ من السعي بين الصفا والمروة، يريد: وطال الأمر بعد فراغه من السعي بالعرف أو انتقض وضوءه، وأما إن تذكر بإثر فراغه من السعي ولم ينتقض وضوءه فإنه يبني على ما طافه على المشهور. سند: إن قيل: كيف يبني بعد فراغ السعي وهو فعل تفريق كثير مثله يمنع البناء في الصلاة؟ قلنا: لما كان السعي مرتبطا بالطواف حتى لا يصح دونه جرى معه مجرى الصلاة الواحدة، كمن ترك السجود من الركعة الأولى، ثم قرأ في الثانية البقرة فتذكر سجود الأولى، فإنه يرجع له من غير جعل قراءة البقرة طولا، وأشعر قول المصنف: "إن فرغ سعيه"، أن ذلك في طواف يسعى بعده، كطواف قدوم وهو كذلك، فإن كان لا يسعى بعده كطواف الإفاضة والوداع والتطوع روعى القرب والبعد من فراغه من الطواف، فإن قرب بنى وإن بعد ابتدأه. وفي الخرشي: وحاصل كلام الموازية أن نقض الوضوء يوجب الابتداء مطلقا، وكذا الطول جدا وأما الطول لا جدا، فإنه يوجب الابتداء في العمد، ومنه فعل بعض السعي، وأما في النسيان والجهل فا، يوجب الابتداء، ففعل كل السعي ليس بطول فيهما، وفعل بعضه طول في العمد يوجب الابتداء. وقطعه للفريضة؛ يعني أنه يجب قطع الطواف فرضا أو نفلا لصلاة الفريضة أي لإقامتها عليه؛ يعني أن صلاة الفريضة إذا أقيمت على الطائف فإنه يجب عليه أن يقطع طوافه ذلك لأجل الدخول فيها، فالكلام في الطواف الركني وأحرى غيره، وإيضاح كلام المصنف أن تقول من كان يطوف وأقيمت عليه صلاة الفريضة فإنه يقطع طوافه مطلقا فرضا أو نفلا، ويلزمه الدخول مع الإمام الراتب بأي محل على رأي، أو بمقام إبراهيم على آخر إن لم يكن صلاها أصلا أو صلاها منفردا ببيته أو بالمسجد الحرام أو في جماعة بغيره، فإن كان قد صلاها فيه جماعة

стр. 2662

وأقيمت للراتب فهل يقطعه ويخرج لأن في بقائه طعنا عليه كما مر في الصلاة أولا؛ لأن تلبسه بالطواف يدفع الطعن؟ ومثل الفريضة المقامة فريضة حاضرة تذكرها وخشي خروج وقتها ولو الضروري لو أتم الطواف الفرض كما ذكره الحطاب بحثا، قال: وأما طواف التطوع فلا إشكال في قطعه لا تذكره الفائتة فلا يقطعه لها وظاهره ولو كان ذلك الطواف مندوبا، وانظر ما الفرق بينه وبين الصلاة. قاله عبد الباقي. قوله: وانظر ما الفرق بينه وبين الصلاة، قال محمد بن الحسن: الفرق بينهما ظاهر لأن الصلاة الحاضرة يجب ترتيبها مع يسير الفوائت، بخلاف الطواف فلم يقل أحد بترتيبه مع الفائتة، وقطعه للحاضرة خوف خروج وقتها لا للترتيب. انتهى. قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "للفريضة"، أنه لا يقطعه ركنا أو واجبا لغيرها أي الفريضة، كركعتي الفجر والوتر والضحى، فإن كان مندوبا فله قطعه لركعتي الفجر إن خاف أن تقام الصلاة عليه، فلا يقدر أن يركع ركعتي الفجر. قال الحطاب: ويبني، وانظر هل مثلهما صلاة الضحى إذا خاف خروج وقتها أم لا؟ وعموم عبارة البيان يقتضي أنها كذلك، وانظر قوله: أولا فله قطعه، ولم يندب له حيث خشي خروج وقت تلك العبادة، والظاهر قطع غير الطواف الواجب أيضا للوتر إذا خاف خروج وقته الاختياري وإيقاعه في الضروري، والظاهر أن المراد بالنفل هنا ما يشمل الوتر أي فقط دون الشفع؛ بأن يكون قدم الشفع قبل الطواف أو أراد الاقتصار على الوتر مع الكراهة، والظاهر أن سجود التلاوة للسامع بشرطه أو للقارئ، وإن كره له القراءة في الطواف لا يطلب به ابتداء، وانظر السجود البعدي. قال جميعه عبد الباقي. وقال الشارح: وقوله: "وقطعه للفريضة"، ظاهره وجوب القطع وهو كذلك؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولا يجوز لمن في المسجد أن يصلي بغير صلاة الإمام المؤتم به إذا كان يصلي المكتوبة. قاله الأبهري. ونحوه لابن رشد. ابن عبد السلام: وظاهر نصوصهم وجوب القطع، وظاهر كلام ابن الحاجب أنه مخير في القطع. انتهى. ونحو ما لابن الحاجب للجلاب، وقال الحطاب: ينبغي أن يحمل كلام الجلاب وابن الحاجب على أن المراد نفي توهم عدم قطع هذه العبادة لعبادة أخرى، فتتفق النقول، وقد أشار إلى ذلك ابن فرحون. والله أعلم. انتهى.

стр. 2663

وقال الشبراخيتي: "وقطعه"؛ أي الطواف وجوبا ركنا أو واجبا أو نفلا. "للفريضة"؛ أي لإقامتها عصرا أو غيرها، فإذا سلم أتمه قبل تنفله وإلا ابتدأه، وظاهر كلام المصنف وجوب القطع وهو كذلك كما قررنا؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولا يجوز لمن في المسجد أن يصلي بغير صلاة الإمام المؤتم به إذا كان يُصَلِي المَكْتوبَةَ لِأَنَّهُ خِلافٌ عَلَيْهِ. وقوله: "وقطعه للفريضة"؛ أي التي لم يصلها أو صلاها منفردا، وأما لو صلاها في جماعة فلا يقطعه لها، ويدخل في الفريضة الجنازة إذا تعينت. وقوله: "للفريضة"؛ أي ولخطبة الجمعة. وسئل ابن فرحون: هل وجوب القطع بإقامة صلاة أحد الأئمة الأربعة، أو المعتبر إمام المقام دون غيره؟ فأجاب بأن ذلك مبني على أن صلاة أيمة المقامات الأربعة، كمساجد مستقلة بأئمة راتبين، وهو فتوى جماعة من شيوخ المذهب بأن صلاتهم جائزة لا كراهة فيها لأمر الإمام بذلك، فمقاماتهم كمساجد. فيقطع الطواف بإقامة أحدهم، وخالف غيرهم في ذلك، وقال: إن الراتب إمام المقام فقط، وغيره كجماعة بعد الراتب فلا يقطع الطواف لغيره، قال الحطاب: والمخالف لجماعة الشيوخ هو الشيخ أبو القاسم بن الحباب، وقد قدمنا في باب الجماعة أنه الحق. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومفهوم قوله: "للفريضة"، أنه لا يقطعه لغير الفريضة، كركعتي الفجر والوتر والضحى ركنا أو واجبا، فإن كان مندوبا فله قطعه لركعتي الفجر إن خاف أن تقام عليه الصلاة ولا يقدر أن يركع ركعتي الفجر قال الحطاب. ويبني، وانظر هل مثلهما صلاة الضحى إذا خاف خروج وقتها أم لا؟ وعموم كلام المص يقتضي أنها كذلك. انتهى. وقال الخرشي بعد نقله تعليل وجوب قطع الطواف للفريضة الذي قاله الأبهري: ما نصه: وهذا يفيد وجوب القطع إن خشي فوات ركعة وإلا أتمه، وأجاز مالك في العتبية إذا كان في طواف تطوع أن يقطع ويصلي ركعتين للفجر إن خاف أن تقام الصلاة عليه فلا يقدر أن يركع ركعتي الفجر، قال بعض: ويبني، قال في البيان: خفف قطع طواف النافلة لصلاة النافلة كما استحب ترك الطواف الواجب لصلاة الفريضة. انتهى. كلام الخرشي. تنبيهات: الأول: قول المصنف: "وقطعه للفريضة"، هذا الفعل مأمور به بعد الوقوع، وأما ابتداء فالأولى للشخص أن لا يشرع في الطواف إذا خاف أن تقام الصلاة، وكذلك إذا خاف أن تفوته

стр. 2664

ركعتا الفجر، قال ابن رشد في سماع أشهب: الطواف بالبيت صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام والشغل اليسير، فلا يصح لأحد أن يترك الطواف الواجب لشيء إلا للصلاة المفروضة، واستحب له أن يترك طوافه النافلة لصلاة النافلة، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل شيئا من ذلك فلا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إذا خشي أن تقام الصلاة قبل أن يفرغ من طوافه، ولا أن يدخل في طواف التطوع إذا خشى أن تفوته ركعتا الفجر إن أكمل طوافه. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: إذا دخل الخطيب يوم الجمعة المسجد الحرام، فالظاهر أنه لا يجوز لأحد حينئذ أن يشرع في الطواف لا الواجب ولا التطوع، قال سند في القادم إذا دخل المسجد الحرام: بدأ طواف القدوم إلا أن يجد الإمام في صلاة الجمعة أو يجد الإمام في صلاة الفرض فإنه يصليها معه ثم يطوف، وكذلك إذا خاف فوات وقت المكتوبة فإنه يصليها ثم يطوف، فقوله: في صلاة الجمعة، ينبغي أن يحمل على أن المراد به ما يعم الصلاة والخطبة، وما قبل ذلك من حين دخول الإمام المسجد، وأما من شرع في الطواف ثم دخل الخطيب عليه وهو في أثناء الطواف فلم أر فيه نصا، والذي يظهر لي أنه يتم طوافه إلى أن يشرع الإمام في الخطبة، فإن أكمل طوافه لم يركع ويؤخر الركعتين حتى يفرغ الإمام من الصلاة، وإن لم يكمل طوافه قبل شروع الإمام في الخطبة فإنه يقطع. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. ومر نحوه عن الشبراخيتي. الثالث: إذا خرج للفريضة فإنه يبني قبل أن يتنفل. قاله في الموازية. قال ابن الحاج: فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، ونقله ابن فرحون في منسكه. قاله الحطاب. وقال: وكذا لو جلس بعد الصلاة جلوسا طويلا، لذكر أو حديث فإنه يستأنف الطواف لترك الموالاة. والله أعلم انتهى. وندب كمال الشوط؛ يعني أنه يستحب للطائف إذا قطع الطواف للفريضة أن يخرج من طوافه على تمام شوط؛ بأن يكمل الشوط الذي أقيمت عليه الصلاة وهو في أثنائه، ويتمه ولو أحرم الإمام بأن يخرج من الحجر الأسود لتحصل البداءة من أول الشوط، فإن خرج قبل كمال الشوط، فقال في التوضيح: ظاهر المدونة أنه يبني من حيث قطع، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، وينبغي حمل كلام ابن حبيب على الوفاق وهو ظاهر كلامه في الطراز، وإذا خرج للفريضة فإنه يبني قبل أن يتنفل. قاله في المدونة. والشوط بفتح الشين هو في الحج طوفة واحدة من الحجر

стр. 2665

الأسود إليه، وفي السعي من الصفا إلى المروة، جمعه أشواط، وعبر بالشوط ردا على من قال بكراهة التعبير بالشوط وهو الإمام الشافعي، وإذا لم يكره عنده التعبير بالشوط فأحرى بالدور. وبنى إن رعف؛ يعني أن الشخص إذا رعف في الطواف فإنه يخرج لغسل الدم فإذا غسل الدم رجع وبنى على طوافه. البساطي: يشترط أن لا يمشي على نجاسة ولا يتعدى موضعا ممكنا كما في الصلاة ولا يشترط عدم الكلام لأنه غير معتبر في الطواف، ولا استدبار القبلة لأنه يجعل البيت عن يساره، ولو قال: وبنى كإن رعف لأفاد البناء في القطع للفريضة وهو المطابق للنقل، وقوله: "وبنى إن رعف"، وقيل: يبتدئ الطواف، وقال عبد الباقي عند قوله "وبنى إن رعف" ما نصه: وينبغي أن يشترط هنا أن لا يجاوز مكانا ممكنا قرب، وأن لا يبعد جدا، وأن لا يطأ نجسا. انتهى. المراد منه. قوله: وينبغي الخ، قال محمد بن الحسن: صحيح وقد استظهر الحطاب الأولين، ومصطفى الثالث. انتهى. أو علم بنجس؛ يعني أن الشخص إذا طاف وفي بدنه أو ثوبه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد فراغه من الطواف، فإنه لا إعادة عليه، وإن علم بها أثناء طوافه أو سقطت عليه في طوافه فإنه يطرحها أو يغسلها، ويبني على ما تقدم من طوافه إن لم يطل، وإلا بطل لعدم الموالاة، قال الحطاب: مراد المصنف إذا علم بالنجاسة فطرحها من غير غسل أو احتاجت لغسل فيبني إن كان ذلك قريبا، وأما إن طال الفصل فإنه يبطل الطواف لعدم الموالاة. وعلم من هذا خفة أمر الطواف بالنسبة إلى الصلاة، وما ذكره المصنف من البناء في النجس هو الذي جزم به ابن الحاجب، قال محمد بن الحسن: وهو الموافق لقول مالك وابن القاسم، وذلك أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لمالك كراهة الطواف بالثوب النجس. ابن رشد: وعليه لا تجب الإعادة وإن كان متعمدا، الثاني لابن القاسم: إذا لم يعلم به إلا بعد الطواف فلا إعادة عليه. التونسي: يشبه أن يبني إن علم أثناءه، الثالث لأشهب: إن علم به أثناءه ابتدأه وبعد كماله أعاده، وأعاد السعي إن قرب، ثم قال: الحاصل الموافق لقول مالك وابن القاسم هو ما جرى عليه المصنف. انتهى. وفي الحطاب: وقد أجاز مطرف وابن الماجشون لمن علم بنجاسة في صلاة أن يطرحها ويبني، بل تقدم في كتاب الصلاة عن اللخمي وصاحب الطراز نقلا عن أشهب أنه أجاز في الصلاة لمن خرج
следующие страницы →