← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

بحثه في توضيحه، فقال: ويقطع إذا نسي نفقته كما في الصلاة، لكن لا يبني على المشهور. انتهى. وهذا هو الظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. قال الشارح: وعلى هذا فينبغي أن يفرق في النفقة بين ماله بال وغيره، وبين الفقير وغيره. أو نسي بعضه؛ يعني أن الشخص إذا نسي بعض الطواف بأن نسي بعض شوط فأكثر، فإنه لا يبني على ما فعل من الطواف، وهذا إن فرغ سعيه؛ يعني أن محل كونه لا يبني حيث ترك بعض طوافه إنما هو حيث فرغ من السعي بين الصفا والمروة، يريد: وطال الأمر بعد فراغه من السعي بالعرف أو انتقض وضوءه، وأما إن تذكر بإثر فراغه من السعي ولم ينتقض وضوءه فإنه يبني على ما طافه على المشهور. سند: إن قيل: كيف يبني بعد فراغ السعي وهو فعل تفريق كثير مثله يمنع البناء في الصلاة؟ قلنا: لما كان السعي مرتبطا بالطواف حتى لا يصح دونه جرى معه مجرى الصلاة الواحدة، كمن ترك السجود من الركعة الأولى، ثم قرأ في الثانية البقرة فتذكر سجود الأولى، فإنه يرجع له من غير جعل قراءة البقرة طولا، وأشعر قول المصنف: "إن فرغ سعيه"، أن ذلك في طواف يسعى بعده، كطواف قدوم وهو كذلك، فإن كان لا يسعى بعده كطواف الإفاضة والوداع والتطوع روعى القرب والبعد من فراغه من الطواف، فإن قرب بنى وإن بعد ابتدأه. وفي الخرشي: وحاصل كلام الموازية أن نقض الوضوء يوجب الابتداء مطلقا، وكذا الطول جدا وأما الطول لا جدا، فإنه يوجب الابتداء في العمد، ومنه فعل بعض السعي، وأما في النسيان والجهل فا، يوجب الابتداء، ففعل كل السعي ليس بطول فيهما، وفعل بعضه طول في العمد يوجب الابتداء. وقطعه للفريضة؛ يعني أنه يجب قطع الطواف فرضا أو نفلا لصلاة الفريضة أي لإقامتها عليه؛ يعني أن صلاة الفريضة إذا أقيمت على الطائف فإنه يجب عليه أن يقطع طوافه ذلك لأجل الدخول فيها، فالكلام في الطواف الركني وأحرى غيره، وإيضاح كلام المصنف أن تقول من كان يطوف وأقيمت عليه صلاة الفريضة فإنه يقطع طوافه مطلقا فرضا أو نفلا، ويلزمه الدخول مع الإمام الراتب بأي محل على رأي، أو بمقام إبراهيم على آخر إن لم يكن صلاها أصلا أو صلاها منفردا ببيته أو بالمسجد الحرام أو في جماعة بغيره، فإن كان قد صلاها فيه جماعة

стр. 2662

وأقيمت للراتب فهل يقطعه ويخرج لأن في بقائه طعنا عليه كما مر في الصلاة أولا؛ لأن تلبسه بالطواف يدفع الطعن؟ ومثل الفريضة المقامة فريضة حاضرة تذكرها وخشي خروج وقتها ولو الضروري لو أتم الطواف الفرض كما ذكره الحطاب بحثا، قال: وأما طواف التطوع فلا إشكال في قطعه لا تذكره الفائتة فلا يقطعه لها وظاهره ولو كان ذلك الطواف مندوبا، وانظر ما الفرق بينه وبين الصلاة. قاله عبد الباقي. قوله: وانظر ما الفرق بينه وبين الصلاة، قال محمد بن الحسن: الفرق بينهما ظاهر لأن الصلاة الحاضرة يجب ترتيبها مع يسير الفوائت، بخلاف الطواف فلم يقل أحد بترتيبه مع الفائتة، وقطعه للحاضرة خوف خروج وقتها لا للترتيب. انتهى. قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "للفريضة"، أنه لا يقطعه ركنا أو واجبا لغيرها أي الفريضة، كركعتي الفجر والوتر والضحى، فإن كان مندوبا فله قطعه لركعتي الفجر إن خاف أن تقام الصلاة عليه، فلا يقدر أن يركع ركعتي الفجر. قال الحطاب: ويبني، وانظر هل مثلهما صلاة الضحى إذا خاف خروج وقتها أم لا؟ وعموم عبارة البيان يقتضي أنها كذلك، وانظر قوله: أولا فله قطعه، ولم يندب له حيث خشي خروج وقت تلك العبادة، والظاهر قطع غير الطواف الواجب أيضا للوتر إذا خاف خروج وقته الاختياري وإيقاعه في الضروري، والظاهر أن المراد بالنفل هنا ما يشمل الوتر أي فقط دون الشفع؛ بأن يكون قدم الشفع قبل الطواف أو أراد الاقتصار على الوتر مع الكراهة، والظاهر أن سجود التلاوة للسامع بشرطه أو للقارئ، وإن كره له القراءة في الطواف لا يطلب به ابتداء، وانظر السجود البعدي. قال جميعه عبد الباقي. وقال الشارح: وقوله: "وقطعه للفريضة"، ظاهره وجوب القطع وهو كذلك؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولا يجوز لمن في المسجد أن يصلي بغير صلاة الإمام المؤتم به إذا كان يصلي المكتوبة. قاله الأبهري. ونحوه لابن رشد. ابن عبد السلام: وظاهر نصوصهم وجوب القطع، وظاهر كلام ابن الحاجب أنه مخير في القطع. انتهى. ونحو ما لابن الحاجب للجلاب، وقال الحطاب: ينبغي أن يحمل كلام الجلاب وابن الحاجب على أن المراد نفي توهم عدم قطع هذه العبادة لعبادة أخرى، فتتفق النقول، وقد أشار إلى ذلك ابن فرحون. والله أعلم. انتهى.

стр. 2663

وقال الشبراخيتي: "وقطعه"؛ أي الطواف وجوبا ركنا أو واجبا أو نفلا. "للفريضة"؛ أي لإقامتها عصرا أو غيرها، فإذا سلم أتمه قبل تنفله وإلا ابتدأه، وظاهر كلام المصنف وجوب القطع وهو كذلك كما قررنا؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، ولا يجوز لمن في المسجد أن يصلي بغير صلاة الإمام المؤتم به إذا كان يُصَلِي المَكْتوبَةَ لِأَنَّهُ خِلافٌ عَلَيْهِ. وقوله: "وقطعه للفريضة"؛ أي التي لم يصلها أو صلاها منفردا، وأما لو صلاها في جماعة فلا يقطعه لها، ويدخل في الفريضة الجنازة إذا تعينت. وقوله: "للفريضة"؛ أي ولخطبة الجمعة. وسئل ابن فرحون: هل وجوب القطع بإقامة صلاة أحد الأئمة الأربعة، أو المعتبر إمام المقام دون غيره؟ فأجاب بأن ذلك مبني على أن صلاة أيمة المقامات الأربعة، كمساجد مستقلة بأئمة راتبين، وهو فتوى جماعة من شيوخ المذهب بأن صلاتهم جائزة لا كراهة فيها لأمر الإمام بذلك، فمقاماتهم كمساجد. فيقطع الطواف بإقامة أحدهم، وخالف غيرهم في ذلك، وقال: إن الراتب إمام المقام فقط، وغيره كجماعة بعد الراتب فلا يقطع الطواف لغيره، قال الحطاب: والمخالف لجماعة الشيوخ هو الشيخ أبو القاسم بن الحباب، وقد قدمنا في باب الجماعة أنه الحق. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومفهوم قوله: "للفريضة"، أنه لا يقطعه لغير الفريضة، كركعتي الفجر والوتر والضحى ركنا أو واجبا، فإن كان مندوبا فله قطعه لركعتي الفجر إن خاف أن تقام عليه الصلاة ولا يقدر أن يركع ركعتي الفجر قال الحطاب. ويبني، وانظر هل مثلهما صلاة الضحى إذا خاف خروج وقتها أم لا؟ وعموم كلام المص يقتضي أنها كذلك. انتهى. وقال الخرشي بعد نقله تعليل وجوب قطع الطواف للفريضة الذي قاله الأبهري: ما نصه: وهذا يفيد وجوب القطع إن خشي فوات ركعة وإلا أتمه، وأجاز مالك في العتبية إذا كان في طواف تطوع أن يقطع ويصلي ركعتين للفجر إن خاف أن تقام الصلاة عليه فلا يقدر أن يركع ركعتي الفجر، قال بعض: ويبني، قال في البيان: خفف قطع طواف النافلة لصلاة النافلة كما استحب ترك الطواف الواجب لصلاة الفريضة. انتهى. كلام الخرشي. تنبيهات: الأول: قول المصنف: "وقطعه للفريضة"، هذا الفعل مأمور به بعد الوقوع، وأما ابتداء فالأولى للشخص أن لا يشرع في الطواف إذا خاف أن تقام الصلاة، وكذلك إذا خاف أن تفوته

стр. 2664

ركعتا الفجر، قال ابن رشد في سماع أشهب: الطواف بالبيت صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام والشغل اليسير، فلا يصح لأحد أن يترك الطواف الواجب لشيء إلا للصلاة المفروضة، واستحب له أن يترك طوافه النافلة لصلاة النافلة، وإن كان الاختيار له أن لا يفعل شيئا من ذلك فلا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إذا خشي أن تقام الصلاة قبل أن يفرغ من طوافه، ولا أن يدخل في طواف التطوع إذا خشى أن تفوته ركعتا الفجر إن أكمل طوافه. انتهى. قاله الحطاب. الثاني: إذا دخل الخطيب يوم الجمعة المسجد الحرام، فالظاهر أنه لا يجوز لأحد حينئذ أن يشرع في الطواف لا الواجب ولا التطوع، قال سند في القادم إذا دخل المسجد الحرام: بدأ طواف القدوم إلا أن يجد الإمام في صلاة الجمعة أو يجد الإمام في صلاة الفرض فإنه يصليها معه ثم يطوف، وكذلك إذا خاف فوات وقت المكتوبة فإنه يصليها ثم يطوف، فقوله: في صلاة الجمعة، ينبغي أن يحمل على أن المراد به ما يعم الصلاة والخطبة، وما قبل ذلك من حين دخول الإمام المسجد، وأما من شرع في الطواف ثم دخل الخطيب عليه وهو في أثناء الطواف فلم أر فيه نصا، والذي يظهر لي أنه يتم طوافه إلى أن يشرع الإمام في الخطبة، فإن أكمل طوافه لم يركع ويؤخر الركعتين حتى يفرغ الإمام من الصلاة، وإن لم يكمل طوافه قبل شروع الإمام في الخطبة فإنه يقطع. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. ومر نحوه عن الشبراخيتي. الثالث: إذا خرج للفريضة فإنه يبني قبل أن يتنفل. قاله في الموازية. قال ابن الحاج: فإن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، ونقله ابن فرحون في منسكه. قاله الحطاب. وقال: وكذا لو جلس بعد الصلاة جلوسا طويلا، لذكر أو حديث فإنه يستأنف الطواف لترك الموالاة. والله أعلم انتهى. وندب كمال الشوط؛ يعني أنه يستحب للطائف إذا قطع الطواف للفريضة أن يخرج من طوافه على تمام شوط؛ بأن يكمل الشوط الذي أقيمت عليه الصلاة وهو في أثنائه، ويتمه ولو أحرم الإمام بأن يخرج من الحجر الأسود لتحصل البداءة من أول الشوط، فإن خرج قبل كمال الشوط، فقال في التوضيح: ظاهر المدونة أنه يبني من حيث قطع، واستحب ابن حبيب أن يبتدئ ذلك الشوط، وينبغي حمل كلام ابن حبيب على الوفاق وهو ظاهر كلامه في الطراز، وإذا خرج للفريضة فإنه يبني قبل أن يتنفل. قاله في المدونة. والشوط بفتح الشين هو في الحج طوفة واحدة من الحجر

стр. 2665

الأسود إليه، وفي السعي من الصفا إلى المروة، جمعه أشواط، وعبر بالشوط ردا على من قال بكراهة التعبير بالشوط وهو الإمام الشافعي، وإذا لم يكره عنده التعبير بالشوط فأحرى بالدور. وبنى إن رعف؛ يعني أن الشخص إذا رعف في الطواف فإنه يخرج لغسل الدم فإذا غسل الدم رجع وبنى على طوافه. البساطي: يشترط أن لا يمشي على نجاسة ولا يتعدى موضعا ممكنا كما في الصلاة ولا يشترط عدم الكلام لأنه غير معتبر في الطواف، ولا استدبار القبلة لأنه يجعل البيت عن يساره، ولو قال: وبنى كإن رعف لأفاد البناء في القطع للفريضة وهو المطابق للنقل، وقوله: "وبنى إن رعف"، وقيل: يبتدئ الطواف، وقال عبد الباقي عند قوله "وبنى إن رعف" ما نصه: وينبغي أن يشترط هنا أن لا يجاوز مكانا ممكنا قرب، وأن لا يبعد جدا، وأن لا يطأ نجسا. انتهى. المراد منه. قوله: وينبغي الخ، قال محمد بن الحسن: صحيح وقد استظهر الحطاب الأولين، ومصطفى الثالث. انتهى. أو علم بنجس؛ يعني أن الشخص إذا طاف وفي بدنه أو ثوبه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد فراغه من الطواف، فإنه لا إعادة عليه، وإن علم بها أثناء طوافه أو سقطت عليه في طوافه فإنه يطرحها أو يغسلها، ويبني على ما تقدم من طوافه إن لم يطل، وإلا بطل لعدم الموالاة، قال الحطاب: مراد المصنف إذا علم بالنجاسة فطرحها من غير غسل أو احتاجت لغسل فيبني إن كان ذلك قريبا، وأما إن طال الفصل فإنه يبطل الطواف لعدم الموالاة. وعلم من هذا خفة أمر الطواف بالنسبة إلى الصلاة، وما ذكره المصنف من البناء في النجس هو الذي جزم به ابن الحاجب، قال محمد بن الحسن: وهو الموافق لقول مالك وابن القاسم، وذلك أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لمالك كراهة الطواف بالثوب النجس. ابن رشد: وعليه لا تجب الإعادة وإن كان متعمدا، الثاني لابن القاسم: إذا لم يعلم به إلا بعد الطواف فلا إعادة عليه. التونسي: يشبه أن يبني إن علم أثناءه، الثالث لأشهب: إن علم به أثناءه ابتدأه وبعد كماله أعاده، وأعاد السعي إن قرب، ثم قال: الحاصل الموافق لقول مالك وابن القاسم هو ما جرى عليه المصنف. انتهى. وفي الحطاب: وقد أجاز مطرف وابن الماجشون لمن علم بنجاسة في صلاة أن يطرحها ويبني، بل تقدم في كتاب الصلاة عن اللخمي وصاحب الطراز نقلا عن أشهب أنه أجاز في الصلاة لمن خرج

стр. 2666

لغسل النجاسة أن يغسلها ويبني، وإن كان ذلك غريبا. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: ونحوه للخرشي تقوية ما لأشهب، أن من علم بالنجاسة في أثناء الطواف يبتدئه ولا يبني، وبعد كماله أعاده وأعاد السعي إن قرب. والله سبحانه أعلم. وأعاد ركعتيه؛ يعني أن الشخص إذا طاف بنجاسة ولم يذكرها إلا بعد فراغه من الطواف وركعتيه، فإنه يعيد الركعتين فقط بشرط أن يتذكر بالقرب من سلامه من الركعتين بالعرف، فإن طال ما بين تذكره والسلام من الركعتين فلا إعادة عليه، ونقض الوضوء كالطول؛ أي فلا إعادة عليه لزوال الوقت، وقوله: "وأعاد ركعتيه"؛ أي استحبابا، وقال الأجهوري: الاستحباب ظاهر على القول ببناء من علم بالنجس، وأما على القول بأنه يبتدئ فالظاهر وجوب إعادة الركعتين. قاله الخرشي. وقال الحطاب: ولم يبين ابن يونس وابن رشد، هل إعادتهما بالقرب على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ وذكر المصنف في التوضيح أن ابن القاسم يقول: يعيدهما استحبابا، وأصبغ يقول بنفي الإعادة. انتهى. وعلى الأقل إن شك؛ يعني أن الشخص إذا شك هل طاف ثلاثة أشواط مثلا أو أكثر؟ أو اثنين أو أكثر أو واحدا أو أكثر مع تحقق الأقل، فإنه يبني على الأقل المحقق، ولا خصوصية لما ذكرته من العدد، والمراد أنه يبني على الأقل المحقق من أي عدد كان حتى يتحقق أنه كمل الأسبوع، والمنصوص عن مالك أنه يبني على الأقل، سواء شك وهو في الطواف أو بعد فراغه منه، بل في الموازية أنه إذا شك في إكمال طوافه بعد رجوعه لبلده. أنه يرجع لذلك من بلده. قاله الحطاب. وقوله: "إن شك"، قال عبد الباقي: الشك هنا مطلق التردد فيما يظهر، فيشمل الوهم كما في الصلاة لشبهه بها كما في خبر: (الطواف كالصلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام (١))، لا كالوضوء الذي يلغى فيه الوهم، ومحل بنائه على الأقل إن لم يكن مستنكحا وإلا بنى على الأكثر، ويعمل بإخبار غيره ولو واحدا ليس معه في الطواف كما ذكره الحطاب عن مالك، وما في التتائي من أنه لا يرجع لإخبار غيره ولو اثنين مقابل. انتهى. قوله: ولو واحدا ليس معه في الطواف الخ، فيه نظر، بل لا يرجع إليه إلا إذا كان قد طاف معه كما نقله ابن عرفة عن سماع ابن القاسم،

стр. 2667

ونصه: وسمع ابن القاسم تخفيف مالك للشاك قبول خبر رجلين طافا معه. الشيخ: وفي رواية قبول خبر رجل. الباجي عن الأبهري: القياس إلغاء قول غيره وبناؤه على يقينه كالصلاة. وقاله عبد الحق. انتهى. ونقله الحطاب. قاله محمد بن الحسن. وقال الحطاب: قول الأبهري: القياس إلغاء قول غيره الخ، بحث منه والمنصوص أنه يقبل خبر من معه كما تقدم. واعلم أن الاستنكاح بلاء ومحنة وهو يتصور في جميع الأفعال ودواؤه الإلهاء، وقوله: "وعلى الأقل"، عطف على المعنى؛ أي وبنى على ما طاف قبل رعافه وعلمه بالنجاسة، وعلى الأقل إن شك. قاله غير واحد. وجاز بسقائف؛ يعني أنه يجوز الطواف في المواضع المسقفة من المسجد المحيط بالبيت الحرام إذا كان ذلك لأجل زحمة؛ أي ازدحام من الناسِ انتهَى إلى السقائف، وكذا يجوز الطواف من وراء زمزم وقبة الشراب من أجل زحام الناس، ولا يضر حيلولة الأسطوانات وزمزم والقبة دون البيت، قال في المدونة: ومن طاف وراء زمزم وفي سقائف المسجد من زحام الناس فلا بأس؛ لأن الزحام يصير الجميع متصلا بالبيت كاتصال الزحام بالطرقات يوم الجمعة. وقوله: "وجاز بسقائف"، المراد ما كان مسقفا في الزمن الأول، وأما السقائف الموجودة الآن فلا يجوز الطواف فيها لا لزحمة ولا لغيرها. قاله الشبراخيتي. وغيره لأنها مزيدة فيه، فالطواف فيها طواف خارج المسجد، فإن ذهبت الزحمة أثناء الطواف كمله بمكانه المعتاد، ولا يجوز تجاوز المكان المعتاد فيما بقي من أشواطه لأنه كان لضرورة وقد زالت، فإن طاف في السقائف حين زوالها، فهل يعيد ما طافه فيها إن كان قريبا؟ وإلا أعاد الجميع أو يعيد الجميع لفصله بما طاف فيها حين لا زحامَ. قاله عبد الباقي. وقوله: "وجاز بسقائف" الخ؛ يعني خلافا لأشهب القائل: لا يصح الطواف في السقائف ولو لزحام وهو كالطواف خارج المسجد، قال سحنون: ولا يمكن أن ينتهي الزحام إلى السقائف. انتهى. قلت: ولم يسمع قط أن الزحام انتهى إليها، بل لا يجاوز محل الطواف المعتاد. والله أعلم قاله الحطاب. وإلا أعاد؛ يعني أن الشخص إذا طاف في السقائف لا لزحام بل لحر أو لمطر أو لغير ذلك، فإنه يعيد طوافه وجوبا ما دام بمكة، وإن خرج من مكة ووصل إلى بلده أو نحوه مما يتعذر الرجوع منه

стр. 2668

(ولم يرجع له) أي للطواف أي لأجل إعادته؛ يعني إذا خرج من مكة ووصل إلى بلده أو نحوه فإنه لا يرجع ليعيد الطواف الذي طافه في السقائف. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "وإلا"، وإن لا يكن طوافه لأجل زحمة بل لغير ذلك كحر أو مطر أو غيرهما، وأن الضمير في "له"، عائد على الطواف "واللام"، فيه للتعليل، ولا دم عليه في طوافه ذلك في السقائف، أما ما ذكره من عدم الرجوع فهو قول ابن أبي زيد، ورجحه الباجي وغيره، وأما عدم وجوب الدم فهو جار على ما نقله ابن عبد السلام عن الباجي وتبعه في التوضيح، والذي نقله ابن بشير وابن شأس وجوب الدم وهو المذهب كما قاله غير واحد، والقول بأنه لا دم عليه أنكره ابن عرفة: فقال: لا أعرفه، قال الشبراخيتي وغيره: وذكر بعضهم أن الأعمدة علامة على طرف المسجد الأصلي وهي اثنان وثلاثون عمودا من النحاس وعمودان من الرخام. فما وراءها فهو الزيادة. انتهى. قال محمد بن الحسن: هو غير صحيح بالمشاهدة لأنها إنما هي على طرف المحل المعتاد للطواف لا على طرف المسجد الأصلي، وفي الحطاب: فهم من كلام سند أن الطواف خلف المقام لا يؤثر وهو ظاهر، وكذلك الطواف خلف الأساطين التي في حاشية الطواف لا يؤثر فيما يظهر. ابن بشير: ولا يطوف من وراء زمزم ولا من وراء السقائف، وإن فعل مختارا أعاد ما دام بمكة، فإن عاد إلى بلده قيل يجزئ لأنه قد طاف بالبيت، وقيل يرجع لأنه قد طاف في غير الموضع الذي شرع فيه الطواف، ونحوه لابن شأس، وفيه: وهل يجزئه الهدي أو يلزمه الرجوع؟ قولان للمتأخرين. واعلم أن اللخمي وابن بشير وابن شأس وابن الحاجب ألحقوا من طاف وراء زمزم بمن طاف في السقائف، ورد ذلك سند، وتبعه ابن عرفة بأن زمزم في جهة واحدة فقط، فلا يؤثر كالمقام أو حفر في المطاف، وقوى الحطاب ما للخمي، فإنه قال ما قاله اللخمي وخرجه على قول ابن القاسم وأشهب، وقال به غير واحد من أئمة المذهب المتأخرين كابن بشير وابن شأس، وتبعهم عليه ابن الحاجب من أن حكم زمزم حكم السقائف هو الظاهر. والله أعلم. انتهى. ولما أنهى الكلام على شروط الطواف مطلقا، شرع في بقية أقسامه وهي في الحج ثلاثة: طواف قدوم وهو المذكور هنا، وإفاضة وقد تقدم، ووداع وسيأتي؛ فالأول واجب كما قال: ووجب؛ يعني

стр. 2669

أن طواف القدوم يجب أن يوقع قبل الخروج إلى عرفة، كالسعي؛ يعني أن السعي بين الصفا والمروة وهو من الأركان يجب أن يوقع قبل الخروج إلى عرفة، فقوله: قبل عرفة؛ أي قبل الخروج إلى عرفة متعلق "بوجب"، فهو راجع للطواف والسعي، والضمير في قوله: "وجب"، للطواف، والمعين لكونه مرادا به طواف القدوم. قوله: "قبل عرفة"، قال الإمام الحطاب: واعلم أن طواف القدوم من أفعال الحج التي اختلفت عبارات أهل المذهب فيها، فمنهم من يعبر عنها بالوجوب، وبعضهم يعبر عنها بالسنة، والتحقيق فيها أنها واجبة وأن في إطلاق السنة عليها مسامحة، وفي التعبير بالوجوب إشارة إلى المغايرة بين طواف القدوم وطواف الإفاضة، فإن طواف الإفاضة ركن لا يجبر، وطواف القدوم واجب يجبر بالدم كما قال ابن عاشر: الحج فرض مرة في العمر … أركانه إن تركت لم تجبر الإحرام والسعي وقوف عرفه … ليلة الأضحى والطواف ردفه والواجبات غير الأركان بدم … قد جبرت منها طواف من قدم ووصله بالسعي مشي فيهما … وركعتا الطواف إن تحتما نزول مزدلف في رجوعنا … مبيت ليلات ثلاث بمنى إحرام ميقات فذو الحليفه … لطيب والشام ومصر الجحفه قرن لنجد ذات عرق للعراق … يلملم اليمن آتيها وفاق تجرد من المخيط تلبيه … والحلق مع رمي الجمار توفيه وكون طواف القدوم يجب إيقاعه قبل عرفة هو المذهب، وكذا إيقاع السعي بعده، قال ابن عبد السلام: وهو محلهما اتفاقا، فمن تركه أو ترك تقديم السعي بعده وكان قد أحرم بالحج من الحل وليس بمراهق ولا حائض ولا ناس فعليه الدم على المشهور، وإن ترك ذلك ناسيا فلا دم عليه على المشهور. قاله المصنف في توضيحه ومناسكه. وقال عبد الباقي: وَإِنَّمَا يجب طواف القدوم في حق غير حائض ونُفَسَاءَ وَمَجْنُونٍ ومُغْمَى عليه وَنَاسٍ إلا أن يزول مانع كل ويتسع الزمن. وقوله: "كالسعي"، تشبيه تام؛ إذ طواف القدوم واجبٌ والسعي ركن، وأفاد المصنف بقوله: "ووجب"

стр. 2670

الخ، وجوب طواف القدوم ووجوب قبليته أي كونه قبل عرفة، فالتشبيه إذا في وجوب القبلية لا في كيفية وجوب الطواف للقدوم؛ لأن السعي في نفسه ركن، وكونه قبل عرفة واجب إن أحرم من الحل؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بالحج من الحل مفردا أو قارنا فإنه يجب عليه طواف القدوم وتعجيل السعي بعده قبل الوقوف بعرفة سواء كان آفاقيا أو مكيا أو غيره من المقيمين إذا خرجوا للحل. ابن عبد السلام: ويؤمر بهما يعني طواف القدوم والسعي كل من أحرم بالحل وهو غير مراهق، سواء كان من أهل مكة أو غيرها، وقال ابن فرحون: طواف القدوم والسعي يجبان على القادم الآفاقي، وعلى المكي وغيره من المقيمين إذا خرجوا إلى الحل فأحرموا منه ثم دخلوا مكة. وعلم مما قررت أن قوله: "إن أحرم من الحل" شرط في الأمرين قبله؛ أعني وجوب الطواف قبل عردة ووجوب السعي قبلها، واحترز بقوله: "من الحل"، عن المكي وكل من منزلة بالحرم فإنهم يؤخرون الطواف والسعي إذا لم يخرجوا إلى الحل، فإن أحرموا من الحل قدمُوا طوافهم وسعيهم وصلوا إلى الميقات أم لا، وأما الآفاقي إذا تعدى للحرم ثم أحرم ولم يرجع فإنه يجب عليه الطواف للقدوم، وهذا وارد على المصنف، وأجاب الأجهوري بأن قوله: "إن أحرم من الحل" معناه: خوطب بالإحرام من الحل وجوبا، وأما المقيم بمكة وأراد أن يحرم بالحج ومعه نَفَسٌ فإنه إنما يخاطب بالإحرام من الحل ندبا. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. ولم يراهق؛ يعني أن محل وجوب الطواف والسعي قبل عرفة على من أحرم من الحل إنما هو فيمن لم يضق عليه الوقت؛ بأن يخشى فوات زمن الوقوف بعرفة إذا اشتغل بطواف القدوم والسعي قبل الوقوف بعرفة، ويصح كسر الهاء من يراهق كما اقتصر عليه الشارح أي لم يقارب الوقت بحيث يخشى فوات الخروج لعرفة إن اشتغل بطواف القدوم، من قولهم: غلام مراهق، إذا قارب الحلم، ويصح فتح الهاء كما اقتصر عليه التتائي؛ أي لم يزاحمه الوقت. وفي التوضيح: ومتى يكون الحاج مراهقا، قال أشهب: إن قدم يوم عرفة أحببت تأخير طوافه، وإن قدم يوم التروية أحببت تعجيله وله في التأخير سعة. ولم يردف بحرم؛ يعني أنه يشترط في وجوب الطواف والسعي قبل عرفة أن يكون الحج غير مردف على العمرة في الحرم بعد فراغها، كما لعبد الباقي؛ بأن يكون أحرم بالحج من الحل مفردا أوأردفه عليها في الحل، فهذا هو الحج

стр. 2671

الذي يجب فيه الطواف والسعي قبل عرفة، وهذا الشرط يغني عنه قوله: "إن أحرم من الحل". قاله محمد بن الحسن. وهو ظاهر. وإلا، بأن اختل شرط من هذه الثلاثة بأن أحرم من الحرم أو روهق أو أردف في الحرم، سعى بين الصفا والمروة بعد فراغه من طواف الإفاضة؛ لأن ذلك موضعه ولا طواف قدوم عليه، ومثل ذلك الناسي والحائض والنفساء والمغمى عليه والمجنون حيث بقي عذرهم حتى حصل الوقوف، أو زال قبل الوقوف بحيث لا يمكنهم الإتيان بالطواف والسعي قبل الوقوف، وأما إن أمكنهم فإنهم يطوفون ويسعون قبل الوقوف. وقوله: "سعى بعد الإفاضة". بعده معطوف بالواو محذوف، ففيه حذف الواو مع ما عطفت كما قررت؛ أي ولا طواف قدوم عليه ولا دم في تركه لفقد ما اشترط لوجوبه، وإيضاح كلام المصنف أن تقول: من أحرم بالحرم أو أردف فيه أو روهق لا طواف قدوم عليه، فلذلك يؤخر السعي بين الصفا والمروة إلى أن يطوف للإفاضة، فيسعى بعده لأن السعي بين الصفا والمروة لا بد أن يكون بعد طواف واجب. وقوله: "يراهق". ابن فرحون: المراهق هو الذي يضيق وقته عن إيقاع طواف القدوم والسعي وما لابد منه، ويخشى فوات الحج إن تشاغل بذلك، وقد مر قول التوضيح: متى يكون الحاج مراهقا الخ، وتحصل مما مر أن من أحرم بالحج من الحل مفردا وقارنا يجب عليه الطواف والسعي قبل عرفة إن لم يكن مراهقا، فإن ترك ذلك فعليه الدم، وإن كان مراهقا فلا دم عليه في ذلك لما علمت، وكذا حكم من أردف الحج على العمرة في الحل، ومن أحرم بالحج أو بالقران من الحل ومضى إلى عرفات ولم يدخل مكة وليس بمراهق، بمنزلة من ترك طواف القدوم، فيجب عليه الدم، ومن أحرم بالقران من مكة أو بالعمرة من مكة ثم أردف عليها حجة وصار قارنا، فإنه يلزمه الخروج للحل على المشهور، فإذا دخل من الحل لا يطوف ولا يسعى لأنه أحرم من مكة، ومر في حَلِّ قوله: "إن أحرم بالحل" أنه أحرم بالحج مفردا أو قارنا، وظاهر المصنف يشمل ما لو أحرم بالحج من الحل بعد أن تحلل من العمرة في أشهر الحج وهو حقيقة التمتع، فيجب عليه طواف القدوم والسعي قبل عرفة وهو صريح ما مر عن عبد الباقي عند قول المصنف: "ولم يردف بحرم". والله سبحانه أعلم.

стр. 2672

وإلَّا، مركب من إن الشرطية ولا النافية وهو راجع للمحذوف بعد قوله: "سعى بعد الإفاضة"، أي ولا طواف قدوم عليه؛ أي وإن كان هذا الذي أمر بتأخير السعي وفعله بعد فراغه من طواف الإفاضة لم يفعل ما أمر به من تركه للطواف بل طاف، وإنما يكون طوافه تطوعا أو لنذر، فإنه يكون عليه الدم بشرط أن يقدم السعي بين الصفا والمروة إثر طوافه ذلك، ولهذا قال: فدم إن قدم، وإنما يكون عليه الدم إذا رجع لبلده، والحال أنه لم يعد السعي بعد طواف الإفاضة، فقوله: "يعد"، بضم أوله رباعيا، ومفعوله محذوف كما قررت، ومفهوم قوله: "ولم يعد"، أنه لوأعاد السعي بعد طواف الإفاضة فإنه لا دم عليه؛ لأنه مأمور بإعادة السعي بعده، فقد أتى بما هو مشروع له. فتحصل من هذا أن هذا الذي طاف تطوعا أو لنذر طواف إنما يكون عليه الدم بشرطين: أَحَدُهُمَا أن يقدم السعي عقب ذلك الطواف، ثانيهما أن لا يعيد السعي بعد طواف الإفاضة، وقد علمت أنه مأمور بالإعادة كما صرح بد الحطاب. وقوله: "ولم يعد"، يحتمل أن الجملة حالية كما قاله عبد الباقي، ويحتمل أنه عطف على قوله: "إن قدم". والله أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: "إن قدم"، له فائدة، وقوله: "وإلا فدم" اعلم أن هذا الحكم لا يتناول المراهق، وإن كان ظاهر كلامه أنه يتناوله؛ لأن المراهق إذا قدم الطواف والسعي أجزأه، ولا يؤمر بإعادة السعي لأنه أتى بما هو الأصل في حقه؛ لأن التأخير في حقه رخصة، وقوله: "وإلا فدم"، علل وجوب الدم بتقديم السعي عن محله الذي هو بعد الإفاضة، وحينئذ فيجب الدم، ولو أوقع السعي بعد طواف واجب بالنذر كما مر في أول الحل، وجعل بعض الشراح وجوب الدم لوقوع السعي بعد طواف تطوع، وعليه فلو وقع بعد طواف واجب بالنذر لم يجب عليه دم، وهو مبني على أن الطواف المنذور يصير كطواف القدوم في وقوع السعي بعده، ولا يدخل تحت "وإلا" ما إذا قدم السعي من غير طواف بالكلية ولم يعده بعد الإفاضة؛ لأنه في هذه الحالة لا يُكتفَى بالدم، بل يجب عليه الرجوع من أي محل؛ إذ سعيه في هذه الحالة كلا سعي، لقوله الآتي: "وصحته بتقدم طواف" الخ. وقد مر أن كلام المصنف لا يتناول المراهق المحرم من الحل ولم يردف بحرم. والله سبحانه أعلم.

стр. 2673

ولما أنهى الكلام على الركنين الأولين من أركان الحج والعمرة وهما الإحرام والطواف، شرع يتكلم على الركن الثالث، فقال: ثم السعي؛ عطف على الإحرام من قوله: "وركنهما الإحرام"؛ يعني أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، وجعلت قوله: "ثم السعي"، عطفا على الإحرام تبعا للحطاب، وجعله عبد الباقي معطوفا على الطواف من قوله: "ثم الطواف لهما"، قال: ولم نجعله معطوفا على الإحرام، وإن كانت المعطوفات إذا تعددت إثما تكون على الأول على الصحيح لتخصيص بعضهم ذلك بمعطوف غير الفاء وثم. انتهى. سبعا، مفعول مطلق نصب بالمصدر قبله؛ يعني أن السعي بين الصفا والمروة سبع مرات ركن من أركان الحج والعمرة، وبيّن محل السعي بقوله: بين الصفا والمروة؛ يعني أن السعي الذي هو ركن إنما هو بين الصفا والمروة، والسعي هو آخر أركان العمرة، فأركانها الثلاثة التي هذا آخرها، وبقي للحج ركن رابع وهو الوقوف بعرفة، ذكره المصنف فيما يأتي. قال المصنف في التوضيح: اعلم أن العمرة إحرام وطواف وسعي وحلق، والثلاثة الأول أركان والرابع ينجبر بالدم، وقوله: "الصفا والمروة"، الصفا هو الجبل المعروف وهو في الأصل جمع صفاة، وكان عليه صنم يسمى إسافا؛ اسم لرجل فجر بامرأة في الكعبة تسمى نائلة، وقيل قبلها فمسخا حجرين فعبدتهما قريش وجُعِلَا على الجبلين، والمروة في الأصل واحد المرو وهي حجارة صغار ليس فيها لينٌ، وقوله: "بين الصفا والمروة"، فلو سعى في غير هذا المحل بأن دار من سوق الليل ونزل من الصفا ودخل من المسجد لم يصح سعيه، وما ذكره المصنف من ركنية السعي هو المعروف من المذهب، لقوله ﵊: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (١))، وقوله: (خذوا عني مناسككم (٢))، فإن قلت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ يدل على عدم الوجوب؛ إذ لا يقال في الواجب لا جناح على من فعله؟ فالجواب أنا لا نسلم ذلك؛ لأنه إنما نفى الحرج عن الفعل، ونفي الحرج عن الفعل يدل على الجواز، وهُوَ لا ينافي الوُجُوبَ بَلْ هُوَ مِنْ لَوَازِمَه، ولو نفى الحرج عن الترك لدل على

стр. 2674

عدم الوجوب، وإنما قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ لأن المشركين كانوا في ذلك الزمان يضعون على الصفا صنما يسمى إسافا وعلى المروة صنما يسمى نائلة ويسعون بينهما، فلما جاء الإسلام شق السعي على الصحابة لشبه ذلك بالمشركين فنزلت الآية، وعلى المعروف من المذهب الذي مشى عليه المصنف مَن تَرَك السعي بين الصفا والمروة أو شوطا منه أو ذراعا من حج أو عمرة صحيحتين أو فاسدتين رجع له من بلده، وروي عن مالك أنه يهدي إذا تباعد وطال وأصاب النساء ويجزئه، فعلى هذه الرواية هو واجب ينجبر بالدم فهو غير ركن كما فهمه صاحب الطراز. منه لبدء، مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، والضمير المجرور بمن عائد على الصفا وهذا وما بعده بيان لصفة السعي؛ يعني أن السعي المذكور يبتدأ من الصفاء فيقف على الصفا ويذهب نحو المروة فيقف عليها. واعلم أن الواجب بلوغهما من غير تحديد، والوقوف عليهما مندوب، ويصح أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال؛ أي حال كون السعي مبتدءا من الصفا، "والبدء" مبتدأ، وخبره: مرة. على أن "منه" حال، وعلى أن "منه"، خبر يكون قوله: "مرة"، منصوبا. قال بعضهم: إن نصبها هنا على الحال، وهو مخالف لما قاله ابن الحاجب: من أن مرة وجميع أخواتها من: طورا وفورا وذاتَ مرة، منصوبة على المفعولية المطلقة. نقله الخرشي. والله سبحانه أعلم. والوجهان في قوله: والعود أخرى، فيكون "أخرى" خبر "العود"؛ أو خبره محذوف تقديره منه، ومعنى كلام المصنف أنه يشترط في السعي أن يكون بين الصفا والمروة، وأن يكون مبتدءا من الصفا منتهيا إلى المروة، وأن يعود من المروة إلى الصفا، فلا يزال كذلك حتى يكمل سبعة أشواط، فلذلك يقف على الصفا أربع وقفات، ويقف على المروة أربع وقفات، وبين المصنف المراد بالبينية بقوله: "منه البدء مرة والعود أخرى"؛ لأن البينية تصدق على وسط الشيء وليس ذلك بمراد هنا، وقد علمت أن من شروطه البدء من الصفا، فإن بدأ من المروة لم يعتد بذلك الشوط الأول، فإن اعتد به فهو كمن ترك شوطا من سعيه. قاله غير واحد. وعبارة الشبراخيتي: فإن بدأ من المروة لم يحتسب به وأعاد، فإن لم يعد بطل سعيه. انتهى. فقوله: "منه البدء مرة والعود أخرى"، أفاد به حكمين أحدهما أن الابتداء من الصفات ثانيهما أن الابتداء المذكور شوط والعود شوط آخر.

стр. 2675

وبما قررت علم أن معنى قوله: "العود"، من المروة إلى الصفا كما في الخرشي. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن الصعود على الجبلين المذكورين -أعني الصفا والمروة- غير واجب، بل مستحب كما قاله الشيخ إبراهيم، وعبارة الحطاب: والواجب فيه -يعني السعي بين الصفا والمروة- أن يبلغهما من غير تحديد، ومن شروط السعي موالاته في نفسه، ويغتفر التفريق اليسير كصلاته أثناءه على جنازة، أو بيعه أو شرائه شيئا، أو جلس مع أحد أو وقف معه يحدثه فيبني في ذلك، ولا ينبغي شيء من ذلك كما في المدونة، فإن كثر التفريق فلا يبني وابتدأ سعيه، فإن أقيمت عليه الصلاة وهو فيه لم يقطع بخلاف الطائف كما مر لأنه بالمسجد، وعدم قطعه فيه طعن على الإمام. نقله في التوضيح عن مالك في العتبية والموازية. وأما الموالاة بينه وبين الطواف، ففي الحطاب ما يفيد بحسب ظاهره أن اتصاله بالطواف شرط، قال: إلا أن التفريق اليسير مغتفر، وفي شرح الرسالة: سنة، وفي الشبراخيتي: أنه سنة، قال: فإن فُصِلَ عنه فصلا فاحشا أو انتقض وضوءه أعاد الطواف والسعي والحلاق، فإن خرج من مكة أهدى وأجزأه، قال مالك فيمن طاف ليلا وأخر السعي ثم أصبح فكانا بطهر واحد: أجزأه، وإن كان قد نام أو انتقض وضوءه فبيس ما صنع، وليعد الطواف والسعي والحلق ثانية إن كان بمكة، وإن خرج من مكة أهدى وأجزأه. والأصل في السعي خبر الصحيح (أن إبراهيم ﵊ لما أنزل ابنه إسماعيل بمكة وهو رضيع عدمت أمه الماء وعطشا فجعلت تنظر إليه، فانطلقت كراهة أن تنظره فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، وهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة ونظرت فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات (١)). انتهى. قاله الخرشي وغيره. وسأل صاحب الذخيرة، هل الصفا أفضل أم المروة؛ وأجاب: بأن الصفا أفضل؛ لأن السعي منه أربع ومن المروة ثلاث، وما كانت العبادة فيه أكثر فهو أفضل. قاله الشبراخيتي.

стр. 2676

(وصحته بتقدم طواف) يعني أن صحة السعي بين الصفا والمروة مشروطة بأن يتقدم السعي طواف أيُّ طواف كان واجبا كطواف القدوم للمفرد والقارن، أو ركنا كطواف الإفاضة والعمرة، أو تطوعا كطواف الوداع وطواف المحرم من الحرم والمردف فيه، فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وشرط صحته أي شرط صحة السعي في الحج والعمرة كائنة بتقدم طواف واجب أو نفل، ثم إن كان واجبا كطواف القدوم صح السعي صحة تامة لا يحتاج معها لشيء، وإن كان نفلا أعاد الطواف ثم السعي إن كان بمكة، فإن تباعد فعليه دم. انتهى. وقال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني أن شرط صحة السعي أن يتقدمه طواف، قال ابن عبد السلام: وذلك متفق عليه، وقال ابن عرفة: والمذهب شرط كونه بعد طواف. انتهى. فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف. انتهى. (ونوى فرضيته) الواو للاستئناف، قال الحطاب شارحا للمصنف: يعني أنه يجب في الطواف الذي يسعى بعده أن يكون فرضا. انتهى؛ يعني وينوي فرضيته أي وجوبه. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. وقال الشبراخيتي: ونوى على وجه السنة فرضيته إن كان من الأطوفة المفروضة، ولا يريد أن غير الفرض ينوي به الفرض. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "ونوى فرضيته": غير شرط في صحة السعي، وإنما هو شرط لعدم إعادته وعدم ترتب دم عليه. انتهى. وإلا. قال عبد الباقي: وإلا بأن طاف قبله ولم ينو فرضا ولا تطوعا، وهو ممن يعتقد عدم لزوم الإتيان به ولا يتأتى ذلك إلا لبعض الجهلة في طواف القدوم، أو نوى به تطوعا كذلك، فاللازم له دم إن تباعد عن مكة، وإن لم يصل إلى بلده، وإن لم يتباعد عن مكة أعاده مع السعي. فقوله: "وإلا فدم"، فيه مسامحة؛ لأن ظاهره عدم الأمر بالإعادة ولو كان قريبا وليس كذلك قاله عبد الباقي قال والمراد بنية فرضيته نية وجوبه إذ لو كان فرضا حقيقة لما انجبر بدم إن تباعد، وأيضا الطواف الفرض الذي هو ركن إنما هو طواف الإفاضة بعد عرفة. واعلم أنه متى نوى وجوبه أو سنيته -بمعنى أنه واجب ينجبر بالدم أو لم يستحضر عند فعله إحدى هاتين النيتين لكنه كان ممن يعتقد وجوبه أو سنيته بمعنى أنه واجب ينجبر -بالدم- فإنه يصح بعده السعي في هذه الصور الثلاث، ومتى نوى سنيته؛ -معنى أنه له تركُه وفعلُه أو

стр. 2677

لم ينو شيئا وكان يعتقد ذلك- كان من الطواف النفل الذي لا بد في السعي الواقع بعده من دم حيث تباعد عن مكة أو رجع لبلده ولم يعده. هذا هو التحرير. قاله عبد الباقي. وقد مر أن الطهارة ليست شرطا في صحة السعي وإنما تستحب، قال سند: ولو جلس ليستريح فنعس واحتلم فليذهب فيغتسل ويبني، فإن أتمه جنبا أجزأه، وكذلك لو حاضت المرأة بعد الركعتين فإنها تسعى، وقال التادلي: قال الباجي: من طاف فلا ينصرف إلى بيته حتى يسعى إلا من ضرورة يخاف فواتها أو يتعذر التصبر (١) لها ويرجو بالخروج ذهابها كالحقن والخوف على المنزل. انتهى. قاله الحطاب. وقال: قال مالك في كتاب محمد فيمن طاف ولم يخرج للسعي حتى طاف تنفلا أسبوعا أو أسبوعين: أحب إلي أن يعيد الطواف ثم يسعى، فإن لم يعد الطواف رجوت أن يكون في سعة، وقال فيمن طاف وركع ثم مرض فلم يستطع السعي حتى انتصف النهار: إنه يكره أن يفرق بين الطواف والسعي، وقال ابن القاسم: يبتدئ؛ وهو استحسان، فإن لم يفعل أجزأه. قاله الحطاب. بعد أن قال: لم يذكر المصنف من شروط النفل اتصاله بالطواف واتصاله في نفسه، وذلك شرط إلا أن التفريق اليسير مغتفر. انتهى. وقد مر أنه يشترط في صحة السعي أن يكون بعد طواف أي طواف كان، قال ابن عبد السلام: وذلك متفق عليه؛ يعني كونه بعد طواف، واختلف هل يشترط مع ذلك أن يكون أحد الطوافين إما طواف القدوم وإما طواف الإفاضة؟ أو يكفي فيه أي طواف؟ انتهى. وقال ابن عرفة: والمذهب شرط كونه بعد طواف، وفي شرط وجوبه قولان لابن عبد الحكم ولها. انتهى. وقال في التوضيح: واختلف هل من شرطه أن يكون واجبا أو يكفي أي طواف، لقوله في المدونة: وإذا طاف حاج أول دخوله مكة لا ينوي به تطوعا ولا فريضة لم يجزه سعيه إلا بعد طواف الفريضة، فإن لم يتباعد رجع فطاف وسعى، وإن فرغ من حجه ثم رجع إلى بلده وتباعد وجامع النساء أجزأه ذلك وعليه دم، والدم في هذا خفيف. انتهى. قال الحطاب: فتخفيفه الدم يقتضي أن ذلك ليس بشوط. انتهى. قوله: وجامع، بالواو في رواية التهذيب، وذلك يقتضي أن ذلك مسألة واحدة، والذي في الأم عطفه بأو وهو الظاهر. قاله الحطاب.

стр. 2678

ولما قدم شروط الطواف وهي عامة في الواجب وغيره وفي الحج والعمرة، وأشار إلى عدم صحته حيث اختل شيء من أجزائه، شرع في بيان حكم ما وقع منه في طواف حج أو عمرة مبتدئا من ذلك بطواف العمرة، فقال: ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرما، بكسر الحاء وضمها اسم مصدر؛ بمعنى محرما هنا وفي بعض النسخ محرما وهو حال من فاعل "رجع"؛ يعني أن المعتمر إذا طاف لعمرته طوافا غير صحيح كما لو كان على غير وضوء، أو ترك بعض الطواف عمدا أو نسيانا فإنة يرجع من أي موضع بلغ من الأرض لكة محرما لبقائه على إحرامه، فيطوف ويسعى لأنه كمن لم يطف، فقوله: "حرما": أي محرما كما مر قال عبد الباقي عند قوله: "حرسا": أي محرما متجردا من المخيط كما كان عند إحرامه؛ لأنه ليس معه إلا الإحرام، فيحرم عليه ما يحرم على المحرم، ويجب عليه ما يجب على المحرم في ارتكاب شيء، فإن كان قد أصاب النساء فسدت نيتها ثم يقضيها من الميقات الذي أحرم منه، ويهدي وعليه لكل صيد أصابه الجزاء. قاله في المدونة. وعليه فدية للبسه وطيبه وهي مما تتحد أو تتعدد على ما يأتي في قوله: "واتحدت إن ظن الإباحة"، فإذا وصل إلى مكة طاف وسعى وحلق أو قصر، وظاهره أنه لا فرق بين وقوع ذلك منه في هذه المسألة عمدا أو سهوا، وأنه لا يقضي النسك في العمد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وفيه: وإن كان قد أصاب النساء فسدت عمرته فيتمها ثم يقضيها من الميقات الذي أحرم منه، ويهدي وعليه لكل صيد أصابه الجزاء. قاله في المدونة. وقوله: "ورجع"، قال الخرشي والفيشي: أي إلا أن يتطوع بعده بطواف كما في ما بعدها، وما قالاه غير صواب كما يأتي، وظاهره أنه لا فرق بين من وقع منه ما ذكر عمدا أو سهوا، وكذا يقال فيما بعدها. وقوله: "إن لم يصح"، يصدق بمن لم يطف، عملا بقول المناطقة السالبة تصدق بنفي الموضوع، وبمن طافه كله، وبمن ترك منه شوطا. انتهى. وقال الحطاب: يعني أن المحرم بالعمرة إذا لم يصح طواف عمرته لفقد شرط من شروطه فإنه يرجع من بلده محرما متجردا من المخيط كما كان عند الإحرام؛ لأنه كمن لم يطف: فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت وسعى، وإن كان قد أصاب النساء فعليه أن يعيد العمرة ويهدي. قاله في الموازية. ونقله ابن يونس. قلت: ويقضيها من الميقات الذي أحرم منه أولا، قال في المدونة: وعليه لكل صيد أصابه الجزاء، قال ابن يونس: وإن تطيب فعليه الفدية.

стр. 2679

وافتدى لحلقه؛ يعني أن هذا المعتمر الذي لم يصح طواف عمرته يرجع إلى مكة محرما -كما عرفت- وإن كان قد حلق رأسه أولا فعليه الفدية، ويعيد حلق رأسه لأنه لم يصادف محلا، وإن لم يكن حلق لم يلزمه شيء. تنبيه: اعلم أن السعي بين الصفا والمروة لا يتطوع به في غير حج وعمرة، وإنما يفعل في الحج والعمرة خلافا لما يقتضيه كلام عبد الباقي، ورد عليه بناني بما نقله الحطاب عن ابن يونس أن السعي لا يتطوع به وإنما يفعل في حج أو عمرة، قال: ونقل الحطاب أيضا عن اللخمي في باب النذر ما نصه: وناذر السعي يختلف فيه قيل (١) يسقط نذره أو يأتي بعمرة؛ لأن السعي ليس بقربة بانفراده فيصح نذره بحسب الإمكان. انتهى. وإن أحرم بعد سعيه بحج فقارن؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بعمرة فطاف، والحال أن طوافه لم يصح فأحرم بحج بعد أن سعى، فإنه يكون قارنا لا مفردا ولا متمتعا؛ لأن طوافه الذي لم يصح كالعدم وسعيه عقبه كذلك لفوات شرطه وهو صحة الطواف، فلم يبق معه غير إحرامها والإرداف عليه صحيح، ومفهوم "بعد سعيه" أحروي، ومفهوم قوله: "بحج"، أنه لو أحرم بعمرة لكان تحلله من الثانية تحللا من الأولى، وقوله: "وإن أحرم" الخ إنما كان قارنا لأنه لما فسد طوافه وسعيه صارا كالعدم، وصار هو بمنزلة من أردف الحج على العمرة قبل طوافها وسعيها، فلا يخالف ما مر من أنه يصح الإحرام بعد السعي ويكون متمتعا. وقد مر أنه لا يكون متمتعا إلا إذا وقع بعض ركنها في وقت الحج. تنبيه: إن نسي ركعتي الطواف وسعى ثم ذكرهما بعد أن أحرم بالحج بالقرب بحيث يؤمر بإعادة الطواف إن لم يحرم بالحج، فهل يكون قارنا أولا؟ في ذلك قولان؛ أحدهما أنه قارن لأن من ذكر الركعتين بمكة أو قريبا منها يؤمر بإعادة الطواف والسعي. أبو محمد: وإن كان قد لبس وتطيب فإنه يفتدي، وإن وطئ فإنه يعيد الطواف والسعي ثم يأتي بعمرة، وإن لم يذكر حتى رجع إلى بلده فإنه يركعهم (٢) ثم يبعث بهدي. القَوْلُ الثَّانِي: لا يكون قارنا، وأن إحرامه بالحج يقوم مقام الطول واختاره

стр. 2680

عبد الحق، وقال: في الأول نظر؛ لأنه إذا عقد الحج كان ممنوعا من إعادة الطواف والسعي، فكان ذلك كالطول، والقول الذي اختاره عبد الحق، قال ابن يونس: إنه الصواب قاله الحطاب. كطواف القدوم إن سَعَى بعده واقتصر. قال عبد الباقي وغيره: تشبيه في الرجوع، لكن الرجوع هنا في الحقيقة ليس لطواف القدوم بل للسعي؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بالحج وطاف للقدوم وفسد طوافه ذلك لفقد شرط من شروطه، وسعى ووقف بعرفة وطاف طواف الإفاضة، فإنه يرجع للسعي والطواف؛ بأن يطوف ثم يسعى سبعا بين الصفا والمروة، هذا إن اقتصر على سعيه الذي أوقعه بعد طواف القدوم الفاسد، وأما لو لم يقتصر عليه بأن سعى بعد طواف الإفاضة فلا شيء عليه، ولا يلزمه دم لترك طواف القدوم؛ لأنه لم يتعمد تركه، وهذا ظاهر إن علم فساد طواف القدوم فأعاد السعي بعد طواف الإفاضة، وأما إن أعاده مع اعتقاد صحة طواف القدوم والسعي بعده، فإنما يجزئه إن رجع إلى بلده أو تطاول وعليه دم، وأما إن ذكره قبل أن يرجع فإنه يعيده لأنه لم ينو بسعيه الركن. قاله محمد بن الحسن. ونقله الحطاب عن ابن يونس، قال: وقال قال بعض أصحابنا: لا يجزئه؛ يعني ولو رجع لبلده؛ لأن السعي لا يكون إلا في حج أو عمرة. وقوله: "كطواف القدوم" الخ، قال سند: يطوف أولا ثم يسعى فيتم تحلله من الحج، قال بعض: وينوي بطوافه الذي يأتي به طواف الإفاضة؛ لأن طواف القدوم فات محله بالوقوف بعرفة، ولزمه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة، فلما لم يعده بعد طوافها بطل طوافها. أبو إسحاق التونسي: وصار كمن فرق بين طواف الإفاضة والسعي، فيعيد طواف الإفاضة ويسعى بعده، وقد مر أنه إذا لم يقتصر على السعي الأول وسعى بعد طواف الإفاضة يجزئه ذلك ولا شيء عليه، وكذا لو أعاد السعي بعد طواف تطوع على ما مر في قوله: "ونوى فرضيته"، وقوله: "كطواف القدوم" الخ، انظر إذا أحرم هذا الذي لم يصح طواف قدومه بعد فراغه من الحج على ما في ظنه بعمرة وطاف لها وسعى وكمل عمرته، فأما العمرة فلا كلام في عدم انعقادها لبقاء ركن من الحج وهو السعي، وهل يجزئه طوافه وسعيه للعمرة عن سعيه للحج؟ الظاهر أنه إذا كان بمكة أعاد الطواف والسعي لحجه ليأتي لذلك بنية تخصه، وإن رجع إلى بلده فالظاهر أنه يجزئه. قاله الحطاب. قال: ولا يأتي فيه الخلاف الذي ذكره ابن يونس عن بعض أصحابه؛ لأن مفهوم

стр. 2681

تعليله في المسألة الأولى أن السعي لا يتطوع به، وإنما يفعل في حج أو عمرة، وفي مسألتنا قد أتى به في العمرة التي كان يعتقد أنه يجب عليه أن يسعى لها. فتأمله. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وذكر المصنف ما يفعل فيما إذا فسد طواف العمرة وطواف القدوم، وأشار إلى ما إذا فسد طواف الإفاضة، بقوله: والإفاضة؛ فهو عطف على مدخول الكاف؛ أعني قوله: "كطواف القدوم"؛ يعني أن الشخص إذا طاف طواف الإفاضة ولم يصح طوافه ذلك، لكونه على غير وضوء أو نسي بعضه مثلا، فإنه يرجع له من أي مكان كان فيه فيطوف، وهذا إذا لم يتطوع بعد طوافه الفاسد بطواف تطوع، وأما إن تطوع بعده بطواف فإنه يجزئه ولا يرجع له؛ لأن تطوعات الحج تجزئ عن واجب جنسها، وإلى هذا أشار بقوله: إلا أن يتطوع بعده؛ أي فإن تطوع بطواف صحيح بعد طوافه للإفاضة الفاسد أجزأه، قال: فيها ومن طاف للإفاضة على غير وضوء رجع لذلك من بلده فيطوف للإفاضة، إلا أن يكون قد طاف بعد ذلك تطوعا فيجزئه عن طواف الإفاضة. ابن يونس: يريد ولا دم عليه، وكذا لا دم عليه في المسألة التي قبل هذه وهي قوله: "كطواف القدوم إن سعى بعده واقتصر"، وإلى كونه لا دم عليه أشار بقوله: ولا دم؛ يعني أنه إذا تطوع بطواف صحيح بعد طوافه للإفاضة الفاسد فإن ذلك يجزئه ولا دم عليه لما ترك من النية؛ لأن أركان الحج لا تحتاج لنية وكذا بقية أفعاله؛ لأن الإحرام ينسحب عليها كما ينسحب إحرام الصلاة على أفعالها. واعلم أن قوله: "ولا دم" راجع للمسألتين كما قررت؛ أي لقوله: "والإفاضة"، ولقوله: "كطواف القدوم"، فلا دم فيهما، وكذا لا دم في الأولى إن تطوع بطواف وسعى بعده، ولا يقال قوله: "ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرما"، إنما هو فيما إذا لم يتطوع بعده بطواف وإلا فلا يرجع، وحينئذ فلا مانع من رجوع الاستثناء -أعني قوله: "إلا أن يتطوع بعده"- للمسائل الثلاث. والله سبحانه أعلم. كما قاله الفيشي والخرشي، فإن ذلك غير صواب لأنه إن أجزأه طواف التطوع عن طواف العمرة بقي عليه الرجوع للسعي لوقوعه بعد طواف فاسد، ولا يقال: يحمل على ما إذا سعى أيضا بعد طواف التطوع لما تقدم أنه لا يتطوع بالسعي. قاله بناني. وقوله: "إلا أن يتطوع بعده"، ظاهره تطوع ناسيا للإفاضة أو ذاكرا لها، وحمل بعضهم المشهور على أن ذلك

стр. 2682

كان نسيانا بخلاف العمد، قال الحطاب: الظاهر حمله على النسيان لقول الجزولي: لا خلاف فيما إذا طاف للوداع وهو ذاكر للإفاضة أنه لا يجزئه، وظاهر كلام المصنف أيضا إجزاء التطوع عن الفرض، سواء رجع إلى بلده أم لا. قاله غير واحد. وقال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر المصنف هو التقييد بما إذا رجع لبلده. وفي الحطاب: لا إشكال أن المسألة إنما هي مفروضة فيمن رجع إلى بلده، وأما إذا كان بمكة فلا شك أنه مطلوب بالإعادة، تطوع بعده أم لا كما في كلام ابن يونس وصاحب النكت. انتهى. وظاهر المصنف أن إجزاء التطوع عن غيره خاص بالحج، وفي التوضيح: هل يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة؟ ظاهر المذهب عدم الإجزاء، وهو مذهب ابن القاسم وغيره، وصورة ذلك أن ينوي بطواف القدوم طواف الإفاضة. وعلم مما مر أن الطواف المتطوع به لا يجزئ عن السعي لكونه من غير جنسه، واعلم أن حكم من نسي الطواف بالكلية حكم من لم يصح طوافه، قال سند: إذا نسي طواف الإفاضة حتى طاف للوداع أو غيره وخرج، فقال مالك والشافعي والجمهور: يجزئه ذلك، وقال ابن حنبل: لا يجزئه، ووجه الجمهور أن أركان الحج لا تحتاج إلى تعيين نية؛ لأن نيته مشتملة على جميع أفعاله، فلا يصح فعل غير الحج في زمن الحج، فإذا صح الطواف في نفسه وجب أن يحكم بأنه طواف الإفاضة، واستحب ابن القاسم فيه الدم، كمن طاف عند قدومه من غير نية وسعى ولم يعد سعيه حتى رجع لبلده. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم. حِلًّا؛ هذا حال ممن لم يصح طواف قدومه أو طواف إفاضته، فهو حال من فاعل "رجع" المقدر بعد الكاف، فهو راجع للمسألتين؛ يعني أن الشخص إذا سعى بعد طواف القدوم وكان طوافه غير صحيح ولم يعد السعي بعد طواف الإفاضة حتى رجع إلى بلده، أو طاف للإفاضة وكان طوافه غير صحيح ولم يتطوع بعد ذلك بطواف، فإن كل واحد منهما يرجع من بلده حلالا من ممنوعات الإحرام؛ لأن كلا منهما حصل له التحلل الأصغر برمي العقبة، وإذا رجع كل منهما في هاتين الصورتين فإنه يكمل ما بقي عليه بإحرامه الأول، ولا يجدد إحراما لأنه باق على إحرامه الأول فيما بقي عليه، ولا يلبي في طريقه لأن التلبية قد انقضت، فالذي لم يصح طواف قدومه

стр. 2683

يعيد طواف الإفاضة ثم يسعى بعده، والذي لم يصح طواف إفاضته يطوف للإفاضة فقط، ولا يحلق واحد منهما لأنه قد حلق بمنى. إلا من نساء؛ يعني أن كلا منهما يرجع حلالا من كل شيء إلا من النساء فإنه يجب عليه تجنبهن، وصيد؛ يعني أنه كما يحرم على كل منهما أن يَقْرَبَ النساء، يحرم عليه أيضا أن يتعرض للصيد، فكل منهما محرم بالنسبة للنساء والصيد من جملة من يشمله قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وذلك أن كلا من النساء والصيد إنما يحل بالتحلل الأكبر وهو طواف الإفاضة. وكره الطيب؛ يعني أنه يكره لكل منهما أن يتطيب لأنهما حصل لهما التحلل الأصغر وهو رمي جمرة العقبة، والتحلل به لا يخرج عن الإحرام بالكلية، وبه يعلم رد قول من قال: إذا رجع حلا فكيف يسوغ له دخول مكة بلا إحرام؟ وظاهر قوله: "ورجع"، إلى هنا أنه لا فرق في المسائل الثلاث بين أن يقع ما ذكر منه عمدا أو سهوا، وأنه لا قضاء نسك عليه في العمد. واعتمر؛ يعني أنه إذا تبين أن طواف القدوم أو الإفاضة فاسد فإنه يرجع حلا ويكمل على ما مر، فإذا كمل اعتمر أي خرج إلى الحل ليأتي بعمرة مطلقا حصل منه وطء أم لا، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، وزاد: ويهدي. والأكثر إن وطئ؛ يعني أن الأكثر من العلماء قال: لا عمرة على هذا الذي رجع وكمل لفساد طواف قدومه أو الإفاضة إلا إذا وطئ فيكمل ثم يحرم بعمرة ليأتي بطواف صحيح لا وطء قبله، ويهدي ولا يحرم بها قبل كمال أطوافه، وأما إن لم يطأ فلا عمرة، وهذا الذي قررت به قول المصنف: "واعتمر والأكثر إن وطئ"، تقرير له بحسب ظاهره، فظاهره أن الأقل قائل بالعمرة مطلقا، وأن الأكثر يفصل بين ما إذا وطئ فعليه العمرة، وبين ما إذا لم يطأ فلا عمرة عليه وليس الأمر كذلك، وإنما الخلاف فيما إذا وطئ، فالأكثر يقولون لا عمرة عليه، والأقل يقولون عليه العمرة إن وطئ لا إن لم يطأ، وليس هناك من يقول: يأتي بعمرة إن لم يطأ، فلو قال: واعتمر إن وطئ لوافق المذهب؛ لأن إثبات العمرة مع الوطء مذهب المدونة، فقد قال أبو الحسن في قول المدونة: والعمرة مع الهدي تجزئ عن ذلك كله، وجل الناس يقولون لا عمرة عليه، المراد بجل الناس: سعيد بن المسيب، والقاسم بن

стр. 2684

محمد، وعطاء ولا حاجة لذكرهم لأنهم خارج المذهب، بل في ذكرهم إيهام أنهم من أهل المذهب. انتهى. قاله محمد بن الحسن. وبقي على المصنف الهدي إذا أصاب النساء؛ لأن من وطئ قبل التحلل الثاني يجب عليه الهدي مع العمرة كما يأتي في فصل الممنوعات، فإن أخر ذلك إلى المحرم، فالأقيس قول أشهب: عليه هديان، وقال ابن القاسم: هدي واحد. نقله محمد بن الحسن. وقال الحطاب: هذا الخلاف الذي ذكره المصنف في العمرة لم يذكره في المدونة إلا فيمن أصاب النساء، قال في كتاب الحج الأول: والمفرد بالحج إذا طاف الطواف الواجب أول ما يدخل مكة، وسعى بين الصفا والمروة على غير وضوء، ثم خرج إلى عرفات فوقف الواقف، ثم رجع إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الإفاضة على وضوء، ولم يسع حتى رجع إلى بلده فأصاب النساء والصيد والطيب ولبس الثياب يرجع لابسا للثياب حلالا إلا من النساء والصيد والطيب حتى يطوف ويسعى ثم يعتمر ويهدي، وليس عليه أن يحلق إذا رجع بعد فراغه من السعي؛ لأنه قد حلق بمنى إلى آخر ما مر، ثم قال: قال أبو الحسن في شرح قوله: وجل الناس يقولون لا عمرة عليه هو سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعطاء، وقيل: يطوف ويتم حجه ويقضي قابلا وهو قول ابن عمر وابن شهاب. انتهى. ثم قال: والخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف فيمن وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل الطواف والسعي، فالمشهور من مذهب مالك أن عليه العمرة، قال في الطراز في باب جمرة العقبة: وهو مروي في الموازية عن ابن عباس وربيعة، قال: وروى ابن الجهم عن أبي مصعب عن قالك أن حجه يفسد، قال القاضي أبو محمد: وهو أقيس وهو مروي في الموازية عن ابن عمر والحسن وابن شهاب، وقال أبو حنيفة: إنما عليه الهدي وهو في الموازية عن ابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء، وعن ابن عباس أيضا. انتهى. وقوله في المدونة: والمفرد بالحج لا مفهوم، وحكم القارن كذلك وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: "ولا دم"، محل كونه لا دم عليه حيث تطوع بطواف بعده، وإلا فالدم كما مر التنبيه عليه. ولما أنهى الكلام على الأركان الثلاثة المشترك فيها الحج والعمرة، شرع في الركن الرابع المنفرد به الحج، فقال: ويصح حضور جزء عرفة؛ حضور جزء عرفة؛ يعني أن الركن المختص به الحج عن العمرة هو أن

стр. 2685

يحضر الحاج جزءا من جبال عرفة، والمراد بحضوره مطلق الطمأنينة، والكون بها سواء كان واقفا أو جالسا أو مضطجعا، وكيف ما تصور ذلك أجزأ، فلذلك عبر المصنف بالحضور، وإنما كثر استعمالهم الوقوف لأنه الأفضل في حق أكثر الناس، ولما لم يكن لموضع من عرفة فضل إذا وقف مع الناس -كما قال إمامنا مالك- عبر المصنف بما يشمل جميعها، فقال: "جزء عرفة"، وإضافة الحضور للجزء على معنى: في. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: بمعنى اللام، فالمراد بالحضور الكون في جزء أي جزء من عرفة، لخبر: (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة (١))، والأفضل (محل وقوفه ﵊ كما في الصحيح (٢))؛ وهو عند الصخرات الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة؛ وهو وسط عرفة، قال الشبراخيتي: لولا جعل الإضافة على معنى في لَوَرَدَ على المصنف إشكال وهو أن الحضور ضد الغيبة فمعناه المشاهدة، وهذا لا يصح شموله لما إذا كان واقفا في الهواء غير ملاصق للأرض أو ما اتصل بها أو شاهد عرفة وهو في الحرم وذلك لا يجزئ، وفي الشبراخيتي قال حجة الإسلام: يقال إن الله تعالى إذا غفر ذنبا لعبد في الموقف، غفر ذلك الذنب لكل من أصابه في ذلك الموقف وأخرج زروق في تجريد الصحاح عنه ﷺ : (أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين في غير يوم الجمعة (٣))، وفي قوت القلوب لأبي طالب عن بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف، ويوم الجمعة أفضل أيام الدنيا. (وصح أنه ﷺ وقف به عام حجة الوداع (٤)). فالحاصل أن لوقفة الجمعة مزية على غيرها بخمسة أوجه: من تفضيل الحج فيه بسبعين حجة في غيره، والمغفرة فيه لكل أهل الموقف خصوصا، ولأنه أفضل أيام الأسبوع، وللساعة التي فيه وموافقة حجة المصطفى ﷺ ، قال ابن جماعة: ومن حيث سقوط الفرض لا مزية. وسميت عرفة لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله سبحانه أهبط آدم بالهند وحواء بجُدة فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل ﵇ عرَّف إبراهيم المناسك بها، أو لأن الناس يعترفون فيها

стр. 2686

بذنوبهم ويسألون غفرانها. ساعةً ليلةَ النحر؛ الظرف الأول يتعلق "بحضور"؛ يعني أن الحضور بجزء من عرفة إنما يقع ركنا إذا وقع ساعة ليلة النحر، والمراد بالساعة الساعة الزمانية أي لحظة من الزمان، ولفظ "ساعة"، منصوب على الظرفية، وإضافته لليلة النحر على معنى اللام، ويصح أن يكون لفظ ساعة منونا كما قاله الشبراخيتي، وساعة ليلة النحر التي هي لحظة تدخل وقت الغروب، فالوقوف بساعة بعد الغروب ركن لا ينجبر بالدم، وأما الوقوف نهارا فواجب ينجبر بالدم بتركه عمدا لغير عذر، لا لعذر كمراهق، ويدخل وقته من الزوال، ويكفي أي جزء منه، ويأتي فيه ما بالغ عليه من الركن بقوله: ولو مر؛ يعني أن الوقوف بعرفة بمعنى الكينونة في جزء منها يجزئ على وجه الركنية إذا وقع بعد الغروب، ولا فرق في ذلك بين من اطمأن فيها وبين من مر بها من غير طمأنينة، وظاهر المصنف أن المقابل يقول بعدم إجزاء المرور مطلقا، ونحوه قول ابن الحاجب ففي المار قولان، واعترضه في التوضيح بقوله: لم أر قولا بعدم الإجزاء مطلقا، ولذلك جعل سند محل الخلاف إذا لم يعرفها، فقال: من مر بعرفة وعرفها أجزأه، وإن لم يعرفها فقال محمد. لا يجزئه، والأشهر الإجزاء. الحطاب: لم يصرح سند بأنه الأشهر وإنما قال بعد أن حكى عن مالك الإجزاء: وهو بين، ونقل ابن عرفة في الجاهل بها روايتين، وفي العارف بها أربعة أقوال: الإجزاءُ مطلقا، والإجزاءُ إن نوى به الوقوف: ثالِثُهَا وَذَكَرَ الله تعالى فإن نوى ولم يذكر لم يجزه، وَرَابعُهَا الوقف. والدليل على أن الركن وقوف جزء من الليل، قوله ﵊: (الحج عرفة فمن أدرك ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك الحج (١))، وقوله: (من أفاض من عرفات قبل الصبح فقد تم حجه (٢))، وقوله: (من وقف بعرفة بليل فقد أدرك ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج (٣)). وقد علمت أن المراد بعرفة الكون بها والاستقرار على أي حالة ما عدا المرور فإنه هو المختلف فيه.

стр. 2687

تنبيهات: الأول: كون الركن هو ساعة من الليل هو مذهبنا، وهو خلاف ما عليه الجمهور، قال ابن عبد السلام: والحاصل أن زمن الوقوف موسع وآخره طلوع الفجر، واختلفوا في مبدئه فالجمهور أن مبدأه من صلاة الظهر، ومالك يقول: من الغروب، ووافق الجمهور اللخمي وابن العربي، ومال إليه ابن عبد البر. الثاني: قال ابن القاسم في المدونة: من دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه الوقوف؛ لأنه إنما دفع وقد حل الدفع، وإن دفع بدفع الإمام كانت السنة وكان ذلك أفضل. الثالث فهم من المصنف أنه إذا دفع قبل الغروب فلم يخرج من عرفة حتى غابت الشمس أجزأه، وعليه هدي. إن نواه؛ شرط في قوله: "أو مر"، لا فيما قبل المبالغة؛ يعني أن المرور في عرفة إنما يجزئ إذا نوى المار به الوقوف وعرف أن الذي مر فيه عرفة، وإنما اشترطت نية الوقوف في المار دون غيره لأن فعل المار لا يشبه فعل الحاج، بخلاف الواقف مطمئنا فإنه يشبهه، فلم يحتج لنية لاندراجه في نية الإحرام كالطواف والسعي، ثم على المار الناوي دم. القرطبي: جعل الله تعالى لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل ليلة قبله ولا بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان، ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الوقف ليلة بعد يوم عرفة فقد أدرك الحج لطلوع فجر يوم النحر. انتهى. قاله الشبراخيتي. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن الوقوف على جبال عرفة مكروه، ومثله البعد عن محل وقوف الناس، والمستحب أن يقف بمحل وقوف الناس، والقرب من الهضاب حيث يقف الإمام أفضل. ابن بشير: ولو دفع من عرفة قبل الغروب مغلوبا، فهل يجزئه أو لا؟ قولان نفي الإجزاء أصل المذهب، وثبوته مراعاة للخلاف، والقول بالإجزاء ليحيى بن عمر: يجزئهم ولا دم عليهم، ومن دفع من عرفة فليحذر أن يؤذي أحدا. وقد مر أن من دفع قبل الغروب ولم يخرج من عرفة حتى غابت الشمس أن ذلك يجزئه وعليه [هدي (١)] وإنما وجب عليه الدم لأنه كان بنية الانصراف قبل الغروب، وعلى هذا فمن دفع

стр. 2688

قبل الغروب من المحل الذي يقف فيه الناس لأجل الزحمة ونيته أن يتقدم لسعة ويقف حتى تغرب الشمس فلا يضره ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. أو بإغماء قبل الزوال؛ يعني أن حصول الإغماء بعد الإحرام لا يضر، فلذلك من أغمي عليه قبل الزوال وكان أحرم قبل ذلك بالحج فوقف به أصحابه جزءا من الليل ولم يفق حتى انقضى الليل فإن ذلك يجزئه؛ لأن الإغماء لا يبطل الإحرام، وأولى إن أغمي عليه بعد الزوال حتى انقضى الليل ولا دم عليه، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، بخلاف المغمى عليه في الصوم قبل الفجر حتى طلع فمبطل صومه لاحتياجه إلى نية. وقوله: "أو بإغماء" في حيز المبالغة فهو متعلق بمقدر عطف على مَرَّ من قوله: "ولو مر"؛ أي أو كان الوقوف متلبسا بإغماء قبل الزوال، وقوله: "أو بإغماء" الخ، مثل الإغماء الجنون والنوم والسكر الحلال لا الحرام، فلا يجزئه وقوفه كالجاهل، بل أولى. انظر الحطاب. قوله والنوم؛ أي قبل الليل، وقوله: "أو بإغماء"، هو المشهور -وقد علمت أنه في حيز المبالغة- ومقابله قولان: أحدهما أنه إن أغمي عليه قبل الزوال لم يجزه، وإن أغمي عليه بعد الزوال أجزأه ذلك، وليس عليه أن يقف ثانية إن أفاق في بقية ليلته وهو لمطرف وابن الماجشون. ثانيهما إن حصل الإغماء بعد أن أخذ في الوقوف بعد الزوال أجزأه، وأما إن وقف به مغمى عليه فلا يجزئه ولو كان ذلك بعد الزوال. أو أخطأ الجم بعاشر؛ هو أيضا في حيز المبالغة؛ يعني أنه إذا أخطأ جماعة أهل الموسم وهو مراده بالجم فوقفوا بعرفة في اليوم العاشر، فإن وقوفهم ذلك يجزئهم، واحترز بقوله: فقط عما إذا أخطأ بعضهم، ولو أكثرهم فوقفوا باليوم العاشر ظنا أنه التاسع مخالفا لظن غيره، وعما إذا أخطأ الجم فوقفوا بالثامن ظانين أنه التاسع ولم يعلموا أنهم أخطئوا حتى فات وقت الوقوف، فإنه لا يجزئهم، وهذا هو المعروف في المذهب، وقيل بالإجزاء فيما إذا أخطأ الجم بالثامن، وقيل بعدم الإجزاء فيما إذا أخطأ الجم بعاشر. فتلك ثلاثة أقوال. التفصيل الذي مشى عليه المصنف وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، وقيل بعدم الإجزاء مطلقا فيما إذا أخطأ الجم أخطأوا بعاشر أو ثامن، وقيل بالإجزاء فيما إذا أخطأ الجم أخطأوا بعاشر أو ثامن.

стр. 2689

وقد علمت أن التفصيل مذهب أكثر أهل العلم، وهو قول مالك والليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والفرق للجمهور أن الذين وقفوا يوم النحر فعلوا ما تعبدهم الله تعالى به على لسان رسوله ﷺ من إكمال العدة دون اجتهاد، بخلاف الذين وقفوا في الثامن فإن ذلك اجتهادهم وقبولهم شهادة من لا يوثق به. واعلم أن الخلاف في إجزاء الوقوف في الثامن إنما هو إذا لم يعلموا بذلك حتى فات الوقوف، وقوله: "أو أخطأ الجم بعاشر"، ظاهره الإجزاء، سواء تبين لهم الخطأ قبل وقوفهم ويؤمرون به كما قال ابن محرز، أو بعده وهو كذلك على الراجح، خلافا لقول سند: محل الإجزاء إن تبين لهم الخطأ بعد الوقوف، فإن تبين لهم أنه اليوم العاشر قبل الوقوف لم يجز لهم الوقوف حينئذ ولم يجزئهم. قاله عبد الباقي. ومثله في الحطاب قائلا: ما قاله سند غير ظاهر، لما نص عليه مالك في العتبية من أنهم يمضون على عملهم سواء ثبت عندهم أنه العاشر في بقية يومهم أو بعده، وقبله ابن رشد وغيره. انتهى. ونحوه في الجواهر؛ قال الرماصي: وإذا تأملت كلام سند وجدته غير مخالف لما في العتبية والجواهر؛ لأن كلامهما فيمن وقف ثم تبين له في بقية يومه أو بعده أنه العاشر، وكلام سند فيمن لم يذهب للوقوف حتى تبين له أنه العاشر. انتهى. وأصله للقاني في حواشي التوضيح، وفرق بينهما بأن الأول أوقع الوقوف في وقته المقدر له شرعا في ظنه اجتهادا، والثاني ليس له أن يوقع الوقوف في غير وقته المشروع قصدا على وجه القضاء لأنه لا يقضى. انتهى. قال اللقاني: وهذا مصرح به في الطراز. قاله محمد بن الحسن. وظاهر المصنف أيضا كان الخطأ من حصول غيم ليلة ثلاثين من ذي القعدة أو في عدد الأيام، ولكن مقتضى الفرق المتقدم أنه خاص بالأول، وأنه لا يجزئهم وقوفهم في العاشر في الفرض الثاني ويدل له ما ذكره ابن غازي في الإحصار عند قوله: أو خطأ عدد، ثم إذا وقفوا في العاشر على الوجه المجزئ صار في حقهم كالتاسع في بقية أفعال الحج، فيصير اليوم الخامس آخر أيام الرمي. تنبيه: من رأى الهلال وردت شهادته لزمه الوقوف كالصوم. قاله الجمهور. وقال محمد بن الحسن وأصبغ يقف لرؤيته ويعيد الوقوف مع الناس، ولو ثبت هلال ذي الحجة بواحد وحكم المخالف به، هل يلزم الوقوف بالتاسع على شهادته أو يجري فيه التردد السابق في الصوم، وكذا

стр. 2690

لو ثبت بعدلين وَكُذِّبَا لعدم رؤيته بعد ثلاثين صحوا من ذي القعدة، هل يكون حجهم باطلا ويجري فيه ما جرى في الصوم أم لا؟ قاله غير واحد. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: أما اللذان كذبا فالظاهر أو المتعين أنهما كالعدم، وأن من عمل بشهادتهما يبطل حجه لقول الإمام: هما شاهدا سوء أي زور، وأما الأول فالظاهر أنه يجري فيه ما جرى في الصوم وأما لو شهد عدلان بهلال ذي الحجة ثم بعد ثلاثين صحوا لم ير المحرم فلا وجه للتوقف في الإجزاء، لقوله: "أو أخطأ الجم بعاشر". والله سبحانه أعلم. لا الجاهل بها؛ يعني أن من مر بعرفة جاهلا بها ولم يعرفها، فإنه لا يجزئه ذلك، ولا يصح وقوفه إذا لم يعرفها لعدم استشعار القربة، وهذا القول عزاه في التوضيح لمحمد، وكذلك عزاه غيره، وغزاه ابن الحاجب لابن القاسم، وقال المصنف في منسكه: إنه المشهور، وذكر في التوضيح عن صاحب الطراز أنه قال: الأشهر الإجزاء لأن تخصيص أركان الحج بالنية ليس شرطا، قال الحطاب: ولم يصرح صاحب الطراز بأنه الأشهر، وإنما قال بعد أن ذكر الإجزاء عن مالك: وهو أبين. وقد مر هذا والفرق بين الجاهل والمغمى عليه أن الجاهل معه ضرب من التفريط، والمغمى عليه معذور لأن الإغماء أمر غالب، وقوله: "لا الجاهل"، عطف على مقدر بعد قوله: "ولو مر"؛ أي العارف بعرفة لا المار الجاهل، ولا يقدر الواقف الجاهل؛ لأن الواقف بها لا يشترط علمه بها، وشبه بالبطلان قوله: ببطن عرفة؛ يعني أن الوقوف ببطن عرفة لا يجزئ؛ وهي واد بين العلمين اللذين على حد عرفة والعلمين اللذين على حد الحرم، فليست عرنة من عرفة ولا من الحرم، وعرنة بعين مهملة مضمومة فراء مفتوحة فنون، وقال عياض وغيره: بضم العين والراء، قال في التوضيح: والصواب الأول، وحكى ابن عبد السلام فيها ضم العين وسكون الراء، وحكى ابن حبيب أنها من الحرم، فمن وقف بها لم يجمع بين الحل والحرم، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال فيمن وقف ببطن عرنة: حجه تام وعليه دم. وأجزأ بمسجدها؛ يعني أن الوقوف بمسجد عرنة يجزئ بكُره: يعني أن من وقف بمسجد عرنة يجزئه ذلك كما عرفت لكن مع الكراهة، وإنما أجزأ الوقوف بمسجد عرنة لأنه من عرفة بالفاء، ونسب لذات النون لأنه لو سقط حائطه القبلي الذي من جهة الحرم لسقط في عرنة بالنون، وكره

стр. 2691

الوقوف به نظرا إلى أن له ارتباطا بغير عرفة، وأجزأ بغير دم لأنه منها، وما ذكره المصنف من الكراهة مع الإجزاء أخذه كما قال الحطاب مما حكاه الجلاب عن المذهب، وإن كان ابن عرفة لم يعرج عليه، ومسجد عرنة هو الذي يقال له: مسجد إبراهيم، وفي الحطاب أنه يتحصل في الوقوف بمسجد عرنة خمسة أقوال: الإجزاء وهو قول محمد وابن مزين، وعدمه وهو لأصبغ، والإجزاء مع الدم حكاه ابن المنذر عن مالك، والإجزاء مع الكراهة وهو صحيح على ما حكاه ابن الجلاب عن المذهب، والوقف عن مالك. وصلى؛ يعني أن من قرب من عرفة ولم يكن صلى المغرب أو العشاء، والحال أنه لم يبق من الليل إلا قدر ما يسع نحو صلاة وإن ذهب إلى عرفة لا يدرك من العشاء ركعة إن كانت هي التي لم يصلها أو منها بعد صلاة المغرب إن لم يكن صلاهما فإنه يصلي ولو كان يفوته الوقوف بعرفة بانقضاء ليلة العيد، كما قال: ولو فات؛ أي يصلي تلك الصلاة أو الصلاتين قبل أن يذهب إلى عرفة ولو فاته الوقوف؛ لأن ما رتب على تاركه القتل مقدم على ما ليس كذلك هذا هو المشهور، واختار اللخمي وسند والقرافي وجمع تقديم عرفة في هذا الفرض، وعليهم رد المصنف بلو، وأما لو أمكنه الذهاب إلى عرفة مع إدراك ركعة من العشاء بعرفة فإنه لا يصلي حتى يأتيها اتفاقا؛ إذ يحصل له الفرضان، والتقييد بالحاضرة مخرج لتذكر الفائتة حيث لا يمكنه فعلها بها، فإنه يقدم الوقوف قطعا، وإن كان وقت الفائتة ذِكْرَهَا كما في الخبر (١))، لضعف أمرها بالنسبة لما حضر وقته وهو الوقوف، ثم الخلاف المتقدم جارٍ على القول بفوريته وتراخيه، وقول ابن رشد: يقدم الصلاة على القول بالتراخي غير ظاهر؛ لأن الفور والتراخي إنما ينظر إليهما قبل الدخول في الإحرام، وأما بعده فقد صار إتمامه فرضا على الفور إجماعا، بل لو كان تطوعا وجب إتمامه، فإن أفسده وجب قضاؤه فورا، والتقييد بالحاضرة أي بالعشاء أو بالمغرب، قال محمد بن الحسن: صحيح، وفي ذلك فرض ابن بشير الخلاف، ولذا قال الحطاب: لا ينبغي أن يحمل المؤلف على ظاهره بأن يصليها ولو فائتة؛ لأن هذا القول لم أقف عليه. انتهى. ولا يرد بقول ابن عرفة. محمد: إن ذكر

стр. 2692

منسية إن صلى فاته الوقوف قبل الفجر وقف إن كان قرب عرفة، وإلا صلى. ابن عبد الحكم: إن كان آفاقيا وقف وإلا صلى. الصائغ: يصلي إيماء كالمسايفة، ثم قال: وفرضها ابن بشير في ذاكر عشاء ليلته. انتهى. لأن كلامه محتمل لكون المنسية فائتة أولا وإن كان ظاهرا في الأول. قاله الرماصي. ونحوه للحطاب. واعلم أن ظواهر نصوص المذهب أن من أدرك الوقوف بعرفة قبل الفجر صح حجه ولو لم يخرج منها إلا بعد طلوع الفجر، وكلام صاحب الطراز كالنص في ذلك، ولم أقف على خلافه إلا ما ذكره ابن جزي في قوانينه، ونصه: الثالث من الأمور التي يفوت بها الحج: من أقام بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر سواء وقف بها أو لم يقف. انتهى. ولم أقف عليه لغيره. قاله الحطاب. ولما أنهى الكلام على الأركان للحج والعمرة، شرع فيما يسن وابتدأ بسنن الإحرام، فقال: والسنة؛ يعني أن السنن لكل إحرام بحج أو بعمرة أو بهما أو مطلق ولو كإحرام زيد أربع إحداها غسل؛ أي اغتسال لذكر أو أنثى صغيرين أو كبيرين ولو لحائض أو نفساء، لخبر الموطإ: (ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ليلا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: مرها فلتغتسل ثم لتهل (١))، ولو رجت الحائض الطهر، فقال مالك: لا تؤخر الإحرام عن ذي الحليفة، وقيل: إن الغسل للإحرام مندوب. متصل؛ يعني أن هذا الغسل إنما يقع سنة إذا اتصل بما فعل له وهو الإحرام، فلا بد أن يتصل بالإحرام فاتصاله به من تمام السنة، فلو اغتسل أول النهار وأحرم في عشيته لم يجزه -قاله في المدونة- وكذا لو اغتسل غدوة وأخر الإحرام إلى الظهر لم يجزه غسله، ولو اشتغل بعد غسله بشد رحله وإصلاح جهازه أجزأ، وجعل البساطي الاتصال سنة ثانية أي يسن الغسل ويسن اتصاله بالإحرام، وما قاله البساطي خلاف ظاهر نصوص المذهب من أن اتصاله من تمام السنة، فإن لم يَصِلْهُ لم يجزه كما عليه الشراح، وهو الذي يؤخذ من المدونة. قاله الرماصي. نقله محمد بن الحسن بناني. وقوله: "متصل"؛ أي فلا يفصل بينهما بفعل لا تعلق له بالإحرام، وقال الشبراخيتي: متصل بالإحرام كغسل الجمعة في اتصاله بالرواح. انتهى. وفي الحطاب: والسنة أن يكون الغسل عقب الإحرام، وفهم من قوله: "غسل"، عدم

стр. 2693

التيمم عند فقد الماء وهو كذلك: قال الحطاب: فإن لم يحضر الماء سقط الغسل ولا يتيمم نعم إن كان محدثا، وأراد الركوع للإحرام فإنه يتيمم لذلك، وكذا يسقط الغسل إن لحقته ضرورة من الغسل، مثل قلة ماء أو ضيق وقت أو سير رفقة أو خوف كشف للمرأة أو شبه ذلك، وقال ابن فرحون في شرحه: أو خوف كشف، ولم يقل: للمرأة، وهو أولى فإنه يسقط بكشف العورة مطلقا. انظر الحطاب. وفي الحطاب: فإن كان من يريد الإحرام جنبا، فقال سند: يغتسل لجنابته وإحرامه غسلا واحدا ويجزئه. انتهى. ويستحب في اغتسال الإحرام التدلك والإنقاء من الأوساخ. ولا دم؛ يعني أنه لو ترك الغسل للإحرام عمدا أو جهلا أو نسيانا فإنه لا دم عليه، قال سحنون: ولكنه أساء، وقال التادلي عن عبد الملك: هو لازم إلا أنه ليس في تركه -ناسيا أو عامدا- دم ولا فدية، وقال ابن يونس: قال سحنون: من ترك الغسل وتوضأ فقد أساء ولا شيء عليه، وكذلك إن ترك الغسل والوضوء. انتهى. وقوله: "ولا دم"، هذا حكم من أحرم، والحال أنه لم يغتسل، وهل يؤمر بالغسل هذا الذي أحرم من غير اغتسال بعد إحرامه ذلك أم لا؟ قال الحطاب: فإن أحرم من غير غسل فإن بعد تمادى وإن قرب، فهل يؤمر بالغسل؟ قولان ذكرهما صاحب الطراز وابن بشير وابن فرحون وغيرهم، قال عبد الحق في النكت: قال أبو محمد: قال ابن الماجشون في كتابه: ومن ركع للإحرام وسار ميلا قبل أن يهل بالحج ونسي الغسل فليغتسل ثم يركع ثم يهل، وإذا ذكره بعد أن أهل تمادى ولا غسل عليه. انتهى. وندب بالمدينة للحليفي؛ يعني أن من كان يريد الإحرام من ذي الحليفة سواء كان ممن يلزمه ذلك أو ممن يستحب له الإحرام منه، يندب له أن يغتسل بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وهذا في قوة الاستثناء من قوله: "متصل"، فكأنه قال: لا بد من اتصاله إلا من يحرم من ذي الحليفة وجوبا أو ندبا فيندب له إيقاع الغسل بالمدينة، لفعله ﵊ (١))، فإذا اغتسل الحليفي من المدينة فإنه يأتي ذا الحليفة على الفور، ويتجرد من ثيابه عقب غسله بالمدينة كما نقله ابن يونس، ونصه: ابن حبيب: واستحب عبد الملك أن يغتسل

стр. 2694

بالمدينة ثم يخرج مكانه فيحرم بذي الحليفة وذلك أفضل، (وبالمدينة اغتسل النبي ﷺ وتجرد وليس ثوبي إحرامه (١))، قال سحنون: وإذا أردت الخروج من المدينة خروج انطلاق، فأت القبر فسلم كما صنعت أول دخول، ثم اغتسل والبدى ثوبي إحرامك، ثم تأتي مسجد ذي الحليفة فتركع وتهل. انتهى. بلفظه. قاله محمد بن الحسن بناني. وفي الخرشي ونحوه لعبد الباقي: ثم يمضي ذاهبا على الفور لابسا لثيابه إلى أن يصل إلى ذي الحليفة، فإذا أحرم منها نزع ثيابه وتجرد منهاة وقد فعل ذلك النبي ﷺ ، وتعقبه محمد بن الحسن بما مر عنه مما نقله ابن يونس، وفي الطراز: ولا يختص تقدمة الغسل بالمدينة، بل كل من كان منزلة قريبا من الميقات -أي ميقات كان، والميقات منه على ثلاثة أميال ومثلها، ونحو ذي الحليفة من المدينة- واغتسل من منزلة أجزأه؛ لأن غسله في بيته أستر له وأحسن وأمكن. انتهى. فعلى هذا من أراد الإحرام من التنعيم، فإنه يجوز له أن يغتسل من مكة، وربما كان غسله بها أولى لما ذكره في الطراز من كونه أستر له وأمكن. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: "وندب بالمدينة"، هو قول عبد الملك بن الماجشون وابن حبيب وسحنون، وقال عياض: إنه ظاهر المذهب، وأن ابن الماجشون وسحنون فسرا به المذهب: فاعتمده المصنف هنا، وَحَمَل بعضهم المدونة على أن الغسل بالمدينة جائز وليس بمستحب، وقال أبو الحسن: ظاهر قوله في المدونة: أجزأه غسله، أن المطلوب الغسل بذي الحليفة وهو ظاهر كلام صاحب الطراز، قاله الحطاب. وَنَقَلَ عن سند أن من رأى أن تقدمة الغسل بالمدينة فضيلة جعل التجرد بها من الثياب فضيلة، ومن جَعَلَ ذلك رخصة جَعَلَ التجرد منها رخصة أيضا. واعلم أن الغسل بالمدينة إنما يندب أو يرخص فيه لمن يغتسل بها، ثم يذهب إلى ذي الحليفة فيحرم منها من فوره أو يقيم بها قليلا بحيث لا يحصل بين الغسل والإحرام تفريق كثير، فأما من يقيم بذي الحليفة يوما أو ليلة فهذا لا يطلب بالغسل بالمدينة على القول باستحبابه، ولا يرخص له فيه على القول بجوازه. قاله الحطاب. ومن اغتسل بالمدينة يراعى في حقه اتصال

стр. 2695

غسله بخرُوجه، فإن لم يخرج من فوره وطال تأخره لم يجزه الغسل، وإن تأخر ساعة من نهار لشغل خف، كشد رحله وإصلاح بعض جهازه أجزأه. واعلم أن الغسل من مثلثات الحج، وهذا أحد الاغتسالات، ثانيها أشار إليه بقوله: ولدخول غير حائض مكة؛ يعني أن الاغتسال لدخول مكة مندوب لغير الحائض والنفساء لا لهما، وقد تقدم أن الغسل للإحرام يستحب لكل أحد صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، حائضا أو غيرها، ولا بد أن يكون الغسل لمكة متصلا بدخولها أو في حكم المتصل، فلو اغتسل ثم بات خارجها لم يكتف بذلك، قال سند: ليكون طوافه متصلا بقدومه، فإن أخره واغتسل بعد دخوله فواسع. قاله مالك. ولم يندب الغسل للحائض والنفساء لأنه في الحقيقة للطواف، فلا يندب إلا لمن يؤمر بالطواف على المشهور، وقيل: لدخول مكة، وعليه فتغتسل الحائض والنفساء بذي طوى؛ يعني أنه يستحب الغسل لدخول مكة -كما مر- ويستحب أن يكون الاغتسال لدخولها بذي طوى، فهو مندوب ثان، فحقه أن يقول: وبذي طوى. قاله عبد الباقي وغيره. وقال الخرشي وغيره: يستحب بذي طوى إن مر بها، وإلا فمن مقدار ما بينهما. انتهى. وزاد الخرشي: لما ورد عن عمر (١) أنه كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى، فإذا صلى الصبح اغتسل وتحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٢)). الأصمعي: وطوى بضم الطاء مقصورا: جدار بأرض مكة، قال: والذي بطريق الطائف ممدود، وضبطه -أي ذا طوى- بعضهم بكسر الطاء، وبعضهم بضمها. قاله في توضيحه. وهذا الضبط لصاحب الحواشي ضبط به طوى، وقد عطل الناس ضبط صاحب الحواشي، فالصواب الاقتصار على ضبط الأصمعي. وقال ابن فرحون في منسكه: ذو طوى هو الذي بعد الثنية التي يصعد إليها من الوادي المعروف الآن بالزاهر على يسارك وأنت قادم من طريق التنعيم، فهناك بات النبي ﷺ واغتسل لدخول مكة، وأشار إلى ثالث الاغتسالات بقوله: وللوقوف؛ يعني أنه يندب الغسل للوقوف بعرفة ولو لحائض ونفساء، قال الحطاب: ولا يَتَدَلَكُ في غسل دخول

стр. 2696

مكة ولا في غسل عرفة بل يكتفي بصب الماء على ما قاله أكثر الشيوخ، ومع إمرار اليد على ما قاله المصنف في منسكه تبعا لابن عطاء الله، ويطلب أيضا في غسل عرفة الاتصال، فلو اغتسل في أول النهار لم يجزه. انتهى. وقال عبد الباقي وغيره: ويتدلك في هذين الغسلين بخلاف الأول. انتهى. وقال الأمير: ويتدلك في الاغتسالات الثلاثة؛ أي يتدلك في جميعها على التحقيق لكن يخففه فيما بعد الإحرام، ووقت الغسل للوقوف بعد الزوال مقدما على الصلاة، وما مشى عليه المص من أن كلا من الغسل لدخول مكة والوقوف وبعرفة مندوب هو الراجح، وقيل: كل منهما سنة: وقد مر أنه قيل باستحباب الغسل للإحرام. وأشار إلى السنة الثانية من سنن الإحرام بقوله: ولبس إزار ورداء ونعلين؛ يعني أن هذه الهيئة الاجتماعية سنة؛ في أي أن السنة مجموع هذه الثلاثة، فلو فعل بعضها لم يكن آتيا بالسنة. والإزار ما يشد به الوسط، والرداء يجعل على الكتفين أو في الوسط، وأما الإزار فيأتزر به في وسطه، ويقلب طرفه الأعلى ويرشقه في وسطه من ناحية لحمه؛ بأن يثني طرف حاشيته العليا على طرف الإزار، ويرشق كل طرف من طرفيه في جمته، وهذا يصدق بلف طرفيه في بعضهما وشدهما على لحمه، ولا يربط بعضهما ببعض ولا بحزام عليه، فإن فعل افتدى. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي عن الأجهوري عن ابن عرفة: الاتزار رشق طرفي حاشيته العليا بين جسمه وحاشيته العليا مشدودة بجسمه. انتهى. وقوله: وحاشيته العليا، عطف على جسمه، وقوله: مشدودة، حال من حاشيته، ولا يخفى أن الذي يرشق أحد طرفي الحاشية والطرف الآخر يكون على جسمه تحت الحاشية العليا من الجانب الآخر، فإطلاق الرشق عليه مجاز، وقال في مختصر المتيطية: ثم تأتزر بمئزرك تديره حولك وتدخل طرفيه في الطي. انتهى. وما قررت به المصنف من أن مجموع هذه الثلاثة سنة هو الذي قرره به غير واحد، وفي كتاب الشيخ الأمير التصريح بأن هذه الهيئة الاجتماعية مندوبة، وعلى كل فإن فعل غيرها كالتحافه برداء أو كساء أجزأ وخالف المأمور به، وأما أصل التجرد عند إرادة الإحرام فواجب، وعلى التقرير الأول يكون العطف على الخبر من قوله: "والسنة غسل"، وعلى الثاني يكون العطف على نائب الفاضل في قوله: "وندب بالمدينة للحليفي". وقال محمد بن الحسن عن الرماصي عن ابن

стр. 2697

عبد السلام: ظاهر الأكثرين يقتضي أنه لا خصوصية للبس إزار ورداء، بل يجوز ذلك ويجوز الالتفاف في ثوب واحد، وإنما الخصوصية في اجتنابه المخيط، قوله: "ونعلين"، بشرط أن لا يكون هناك عقب يستر بعض القدم. والله سبحانه أعلم. وفي التلقين: وأما واجباته -يعني الإحرام- فأن يحرم من الميقات، وأن يتجرد من مخيط الثياب وقت إرادته الإحرام، ومن كل ما يمنع منه في الإحرام. وتقليد هدي؛ يعني أنه يسن لمن أراد الإحرام وكان معه هدي لتطوع أو لعام مضى أن يقلده بعد غسله، وتجرده إن كان الهدي مما يقلد كإبل وبقر لا غنم كما يأتي، وإن كان الهدي لهذا الإحرام بقران أو تمتع فلا يسن التقليد قبل الإشعار، بل غاية الأمر أنه يجزئ إن وقع كما قال، "ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله". قاله عبد الباقي. وعبارة الشبراخيتي: وتقليد هدي إن كان معه لتطوع أو لعام مضى، وأما ما يجب بعد الإحرام فلا يقلد إلا بعده كما قال: "ودم التمتع يجب بإحرام" الخ. ثم إشعاره؛ يعني أن السنة هي أن يقلد الهدي ثم يشعره، فالسنة منصبة على ترتيب التقليد والإشعار مع ما قبلهما، وليس التقليد والإشعار من سنن الإحرام؛ إذ لا يعد من سنن الإحرام إلا ما كان متعلقا به مطلوبا عنده على كل حال إلا لعذر، وفي بناني أن كلام المدونة ظاهر في أن الترتيب المذكور مستحب، قال: وصرح بذلك سند وابن رشد وابن عرفة، ونصه: ابن رشد: الاختيار تقديم التقليد قبل الإشعار؛ لأنه قبله أمكن، وتقديمهما قبل الإحرام ليلا يشتغل بهما بعده، فإن عكس شيئا من ذلك فلا حرج. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: والترتيب بين هذه الأفعال سنة؛ أي تقديم التقليد على الإشعار وتقديمهما على الركوع كما هو مذهب المدونة، ولسند هو مستحب. قاله بعض الشراح. وعلى ما لسند اقتصر بعض أشياخي وهو ظاهر؛ إذ ليس في المدونة دلالة على أن ذلك سنة. انتهى. وأشار إلى السنة الثالثة من سنن الإحرام بقوله: ثم ركعتان؛ يعني أنه يسن ركعتان عند الإحرام، وظاهر المصنف أن السنة ركعتان بخصوصهما وليس كذلك، وإنما السنة الركوع عند الإحرام، وأشار بقوله: "ثم"، إلى أن الركوع للإحرام بعد تقليده الهدي وإشعاره وهو الذي فهمه المصنف في توضيحه، والنص أن الركعتين مقدمتان على التقليد والإشعارت ومحل سنية ركعتي الإحرام إن

стр. 2698

كان الوقت وقت جواز وإلا انتظره بالإحرام، إلا الخائف والمراهق فيحرم، ولكن لا يركعهما حينئذ كما يفيده كلام أبي البقاء في مناسكه، وكذا غير الخائف والمراهق لا يركعهما بوقت نهي حال إحرامه به خلافا للداوودي، وقولي: إن الركعتين هما السنة الثالثة تبعت فيه عبد الباقي، قال محمد بن الحسن: عده الركعتين سنة ثالثة لا رابعة يقتضي أن التقليد والإشعار ليسا من سنن الإحرام وهو كذلك؛ إذ لا يعد من سننه إلا ما كان متعلقا به مطلوبا عنده على كل حال إلا لعذر، وهكذا فعل في الجواهر جعل السنة الثالثة في الإحرام ركعتين. انتهى. وقوله: "ثم ركعتان"، قال المازري: وينبغي أن يتأمل تحرير أبي محمد لما ذكر ركوع الحج، فقال: ركعتا الطواف والركوع عند الإحرام، وهذه إشارة منه إلى أنه لم يشتهر في أصل الشرع الاقتصار على ركعتين عند الإحرام، كما اشتهر الاقتصار عليهما عقب الطواف، فلهذا لم يقل: ركعتا الإحرام. كما قال: ركعتا الطواف. انتهى. فتأمله، فإنه حسن. والله أعلم. قاله الحطاب. من جملة ما تعقب به قول المصنف ثم ركعتان. (والفرض مجز) قد علمت أن الركوع للإحرام سنة، فمن أحرم عقب صلاة الفرض يجزئه ذلك عن صلاة تخص الإحرام، ولكن المستحب أن يكون الإحرام عقب نفل ليكون للإحرام صلاة تخصه، قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: فالإحرام بعد صلاة النفل تحصل به سنة وفضيلة، وبعد صلاة الفرض تحصل به السنة دون الفضيلة. انتهى. وفي التوضيح: السنة الثالثة أن يحرم إثر صلاة، والمستحب أن تكون نافلة ليكون للإحرام صلاة تخصه، ويدل على الاستحباب قوله -يعني ابن الحاجب-: فإن اتفق فرض أجزأ، وفي المذهب قول أنه لا رجحان للنافلة. انتهى. فدل كلامه أن أصل السنة يحصل بالإحرام عقب الفريضة. قاله الحطاب. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: دل كلامهم على أن الإحرام عقب صلاة أي صلاة كانت مجزئ (١))، وأن وقوعه بعد نفل يخصه هو الأفضل، وأما بعد نفل لا يخصه فمقتضى صنيع المصنف والشبراخيتي أنه أفضل، ومقتضى التعليل المتقدم عن التوضيح استواء الفريضة والنافلة التي لا

стр. 2699

تخصه. والله سبحانه أعلم. انتهى. ما قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقوله: "والفرض مجزئ"، ظاهره يشمل المنذور والأصلي. والله سبحانه أعلم. تنبيه: قال غير واحد من الشراح: انظر هل أراد المصنف العيني أو ولو بالروض كجنازة تعينت؟ انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا محل لهذا التنظير بالنسبة لصلاة الجنازة، لقولهم من سنن الإحرام وقوعه عقب الركوع، وصلاة الجنازة لا ركوع فيها. والله سبحانه أعلم. يحرم إذا استوى؛ الضمير في يحرم للراكب أي الراكب المريد للإحرام؛ يعني أن الشخص إذا فرغ من صلاته وكانت له راحلة فإنه يحرم إذا استوى على دابته، ولا يكون ذلك إلا بعد أن تكون قائمة للسير لا قبل قيامها؛ إذ لا يقال استوى عليها إلا إذا قامت للسير، وفيه حينئذ تلميح لقوله تعالى: ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، والحاصل أنه لا بد من أن يستوي عليها وهي قائمة، وأنه لا يشترط أن تكون سائرة على المشهور لخبر الموطإ (أنه ﵊ صلى في مسجد ذي الحليفة، فلما استوت به راحلته أهل (١))، وفي مناسك سليمان بن يوسف بن عمر: فإذا فرغ من صلاته ركب راحلته، فإذا استوت به قائمة أحرم، وإن ركبها قائمة فحين يستوي عليها. انتهى. وقال ابن حبيب: يتوقف ذلك على مشي الدابة. واعلم أنه إذا صلى في المسجد فإنه يخرج منه وبعد ذلك يركب دابته، فإذا استوى عليها وهي قائمة أحرم. والله سبحانه أعلم. وقوله: "يحرم إذا استوى"، هو المذهب كما علمت، وقال الأئمة: يحرم عقب سلامه لما في أبي داوود: (قال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب النبي ﷺ في إهلاله حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك (٢))، إنما كانت منه ﵇ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج ﵇ حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، وسمع بذلك منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، ورأى ذلك

стр. 2700

منه أقوام فقالوا: إنما أهل حينئذ فلما علَا على شرف البيداء أهل، فأدرك ذلك أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء. ولنا الحديث المتقدم وهو معضود بالعمل من عمر وغيره من السلف. قاله الشارح. والله سبحانه أعلم. (والماشي إذا مشى) يعني أن الماشي ليس كالراكب، فإنه إنما يحرم إذا مشى، ولا يحرم بعد أن استوى قائما بل يصبر حتى يمشي، فإذا فرغ من صلاته وخرج من المسجد إن كان قد صلى فيه فإنه يحرم ماشيا ولا ينتظر خروجه إلى البيداء، وما ذكره هنا من هذين الأمرين بيان للوقت الذي يحرم فيه، وفي تقدم بيان لما ينعقد به، والظاهر أن هذا على جهة الأولوية، وأنه لو أحرم الراكب قبل أن يستوي والماشي قبل أن يمشي كفاه ذلك. والله سبحانه أعلم. والفرق بين الراكب والماشي أن الراكب لا يركب دابته إلا للسير، والراجل قد يقوم لحوائجه، فشروعه في المشي كاستواء الراكب على دابته. عياض: يهل مستقبلا لأنها إجابة الداعي إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ولا تجيب أحدا موليا ظهرك عنه. نقله الشارح. ويجب على الكري أن ينيخ بالمكتري بباب مسجد ذي الحليفة حتى يصلي ثم يركب، وليس له أن يقول اذهب فصل ثم ارجع إليَّ -يريد- لأن العرف جار بذلك قاله الشارح. وقوله: "يحرم"، ضميره يعود على الراكب؛ أي الراكب المريد للإحرام -كما مر- والماشي عطف عليه. وتلبية؛ هذه هي السنة الرابعة من سنن الإحرام؛ يعني أنه تسن التلبية عند الإحرام أي مقارنتها للإحرام واتصالها به، وأما التلبية في نفسها فواجبة ويجب أيضا أن لا يفصل بينها وبين الإحرام بطويل، فإن كان الفصل طويلا أو تركها فعليه الدم، وإن قل الفصل فلا دم، وَتَحَصَّلَ من هذا أنه إن فصل لم يكن آتيا بالسنة قل الفصل أو طال، لكن إن طال فدم لتركه الواجب كما لو تركها، وهذا التقرير مأخوذ من كلام عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: مثله للحطاب، وحمله على ذلك ما قدمه من كون الدم ينافي السنية، وتقدم جوابه وهو أن عبارات أهل المذهب مختلفة في ذلك، فمنهم من يعبر عما يجبر بالدم بالواجب، ومنهم من يعبر عنه بالسنة، وللحطاب أن عد
следующие страницы →