مكة ولا في غسل عرفة بل يكتفي بصب الماء على ما قاله أكثر الشيوخ، ومع إمرار اليد على ما قاله المصنف في منسكه تبعا لابن عطاء الله، ويطلب أيضا في غسل عرفة الاتصال، فلو اغتسل في أول النهار لم يجزه. انتهى. وقال عبد الباقي وغيره: ويتدلك في هذين الغسلين بخلاف الأول. انتهى. وقال الأمير: ويتدلك في الاغتسالات الثلاثة؛ أي يتدلك في جميعها على التحقيق لكن يخففه فيما بعد الإحرام، ووقت الغسل للوقوف بعد الزوال مقدما على الصلاة، وما مشى عليه المص من أن كلا من الغسل لدخول مكة والوقوف وبعرفة مندوب هو الراجح، وقيل: كل منهما سنة: وقد مر أنه قيل باستحباب الغسل للإحرام.
وأشار إلى السنة الثانية من سنن الإحرام بقوله: ولبس إزار ورداء ونعلين؛ يعني أن هذه الهيئة الاجتماعية سنة؛ في أي أن السنة مجموع هذه الثلاثة، فلو فعل بعضها لم يكن آتيا بالسنة. والإزار ما يشد به الوسط، والرداء يجعل على الكتفين أو في الوسط، وأما الإزار فيأتزر به في وسطه، ويقلب طرفه الأعلى ويرشقه في وسطه من ناحية لحمه؛ بأن يثني طرف حاشيته العليا على طرف الإزار، ويرشق كل طرف من طرفيه في جمته، وهذا يصدق بلف طرفيه في بعضهما وشدهما على لحمه، ولا يربط بعضهما ببعض ولا بحزام عليه، فإن فعل افتدى. قاله عبد الباقي.
وقال الخرشي عن الأجهوري عن ابن عرفة: الاتزار رشق طرفي حاشيته العليا بين جسمه وحاشيته العليا مشدودة بجسمه. انتهى. وقوله: وحاشيته العليا، عطف على جسمه، وقوله: مشدودة، حال من حاشيته، ولا يخفى أن الذي يرشق أحد طرفي الحاشية والطرف الآخر يكون على جسمه تحت الحاشية العليا من الجانب الآخر، فإطلاق الرشق عليه مجاز، وقال في مختصر المتيطية: ثم تأتزر بمئزرك تديره حولك وتدخل طرفيه في الطي. انتهى.
وما قررت به المصنف من أن مجموع هذه الثلاثة سنة هو الذي قرره به غير واحد، وفي كتاب الشيخ الأمير التصريح بأن هذه الهيئة الاجتماعية مندوبة، وعلى كل فإن فعل غيرها كالتحافه برداء أو كساء أجزأ وخالف المأمور به، وأما أصل التجرد عند إرادة الإحرام فواجب، وعلى التقرير الأول يكون العطف على الخبر من قوله: "والسنة غسل"، وعلى الثاني يكون العطف على نائب الفاضل في قوله: "وندب بالمدينة للحليفي". وقال محمد بن الحسن عن الرماصي عن ابن
стр. 2697
عبد السلام: ظاهر الأكثرين يقتضي أنه لا خصوصية للبس إزار ورداء، بل يجوز ذلك ويجوز الالتفاف في ثوب واحد، وإنما الخصوصية في اجتنابه المخيط، قوله: "ونعلين"، بشرط أن لا يكون هناك عقب يستر بعض القدم. والله سبحانه أعلم.
وفي التلقين: وأما واجباته -يعني الإحرام- فأن يحرم من الميقات، وأن يتجرد من مخيط الثياب وقت إرادته الإحرام، ومن كل ما يمنع منه في الإحرام. وتقليد هدي؛ يعني أنه يسن لمن أراد الإحرام وكان معه هدي لتطوع أو لعام مضى أن يقلده بعد غسله، وتجرده إن كان الهدي مما يقلد كإبل وبقر لا غنم كما يأتي، وإن كان الهدي لهذا الإحرام بقران أو تمتع فلا يسن التقليد قبل الإشعار، بل غاية الأمر أنه يجزئ إن وقع كما قال، "ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله". قاله عبد الباقي. وعبارة الشبراخيتي: وتقليد هدي إن كان معه لتطوع أو لعام مضى، وأما ما يجب بعد الإحرام فلا يقلد إلا بعده كما قال: "ودم التمتع يجب بإحرام" الخ. ثم إشعاره؛ يعني أن السنة هي أن يقلد الهدي ثم يشعره، فالسنة منصبة على ترتيب التقليد والإشعار مع ما قبلهما، وليس التقليد والإشعار من سنن الإحرام؛ إذ لا يعد من سنن الإحرام إلا ما كان متعلقا به مطلوبا عنده على كل حال إلا لعذر، وفي بناني أن كلام المدونة ظاهر في أن الترتيب المذكور مستحب، قال: وصرح بذلك سند وابن رشد وابن عرفة، ونصه: ابن رشد: الاختيار تقديم التقليد قبل الإشعار؛ لأنه قبله أمكن، وتقديمهما قبل الإحرام ليلا يشتغل بهما بعده، فإن عكس شيئا من ذلك فلا حرج. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: والترتيب بين هذه الأفعال سنة؛ أي تقديم التقليد على الإشعار وتقديمهما على الركوع كما هو مذهب المدونة، ولسند هو مستحب. قاله بعض الشراح. وعلى ما لسند اقتصر بعض أشياخي وهو ظاهر؛ إذ ليس في المدونة دلالة على أن ذلك سنة. انتهى.
وأشار إلى السنة الثالثة من سنن الإحرام بقوله: ثم ركعتان؛ يعني أنه يسن ركعتان عند الإحرام، وظاهر المصنف أن السنة ركعتان بخصوصهما وليس كذلك، وإنما السنة الركوع عند الإحرام، وأشار بقوله: "ثم"، إلى أن الركوع للإحرام بعد تقليده الهدي وإشعاره وهو الذي فهمه المصنف في توضيحه، والنص أن الركعتين مقدمتان على التقليد والإشعارت ومحل سنية ركعتي الإحرام إن
стр. 2698
كان الوقت وقت جواز وإلا انتظره بالإحرام، إلا الخائف والمراهق فيحرم، ولكن لا يركعهما حينئذ كما يفيده كلام أبي البقاء في مناسكه، وكذا غير الخائف والمراهق لا يركعهما بوقت نهي حال إحرامه به خلافا للداوودي، وقولي: إن الركعتين هما السنة الثالثة تبعت فيه عبد الباقي، قال محمد بن الحسن: عده الركعتين سنة ثالثة لا رابعة يقتضي أن التقليد والإشعار ليسا من سنن الإحرام وهو كذلك؛ إذ لا يعد من سننه إلا ما كان متعلقا به مطلوبا عنده على كل حال إلا لعذر، وهكذا فعل في الجواهر جعل السنة الثالثة في الإحرام ركعتين. انتهى.
وقوله: "ثم ركعتان"، قال المازري: وينبغي أن يتأمل تحرير أبي محمد لما ذكر ركوع الحج، فقال: ركعتا الطواف والركوع عند الإحرام، وهذه إشارة منه إلى أنه لم يشتهر في أصل الشرع الاقتصار على ركعتين عند الإحرام، كما اشتهر الاقتصار عليهما عقب الطواف، فلهذا لم يقل: ركعتا الإحرام. كما قال: ركعتا الطواف. انتهى. فتأمله، فإنه حسن. والله أعلم. قاله الحطاب. من جملة ما تعقب به قول المصنف ثم ركعتان.
(والفرض مجز) قد علمت أن الركوع للإحرام سنة، فمن أحرم عقب صلاة الفرض يجزئه ذلك عن صلاة تخص الإحرام، ولكن المستحب أن يكون الإحرام عقب نفل ليكون للإحرام صلاة تخصه، قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: فالإحرام بعد صلاة النفل تحصل به سنة وفضيلة، وبعد صلاة الفرض تحصل به السنة دون الفضيلة. انتهى. وفي التوضيح: السنة الثالثة أن يحرم إثر صلاة، والمستحب أن تكون نافلة ليكون للإحرام صلاة تخصه، ويدل على الاستحباب قوله -يعني ابن الحاجب-: فإن اتفق فرض أجزأ، وفي المذهب قول أنه لا رجحان للنافلة. انتهى. فدل كلامه أن أصل السنة يحصل بالإحرام عقب الفريضة. قاله الحطاب.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: دل كلامهم على أن الإحرام عقب صلاة أي صلاة كانت مجزئ (١))، وأن وقوعه بعد نفل يخصه هو الأفضل، وأما بعد نفل لا يخصه فمقتضى صنيع المصنف والشبراخيتي أنه أفضل، ومقتضى التعليل المتقدم عن التوضيح استواء الفريضة والنافلة التي لا
стр. 2699
تخصه. والله سبحانه أعلم. انتهى. ما قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. وقوله: "والفرض مجزئ"، ظاهره يشمل المنذور والأصلي. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال غير واحد من الشراح: انظر هل أراد المصنف العيني أو ولو بالروض كجنازة تعينت؟ انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا محل لهذا التنظير بالنسبة لصلاة الجنازة، لقولهم من سنن الإحرام وقوعه عقب الركوع، وصلاة الجنازة لا ركوع فيها. والله سبحانه أعلم.
يحرم إذا استوى؛ الضمير في يحرم للراكب أي الراكب المريد للإحرام؛ يعني أن الشخص إذا فرغ من صلاته وكانت له راحلة فإنه يحرم إذا استوى على دابته، ولا يكون ذلك إلا بعد أن تكون قائمة للسير لا قبل قيامها؛ إذ لا يقال استوى عليها إلا إذا قامت للسير، وفيه حينئذ تلميح لقوله تعالى: ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، والحاصل أنه لا بد من أن يستوي عليها وهي قائمة، وأنه لا يشترط أن تكون سائرة على المشهور لخبر الموطإ (أنه ﵊ صلى في مسجد ذي الحليفة، فلما استوت به راحلته أهل (١))، وفي مناسك سليمان بن يوسف بن عمر: فإذا فرغ من صلاته ركب راحلته، فإذا استوت به قائمة أحرم، وإن ركبها قائمة فحين يستوي عليها. انتهى. وقال ابن حبيب: يتوقف ذلك على مشي الدابة.
واعلم أنه إذا صلى في المسجد فإنه يخرج منه وبعد ذلك يركب دابته، فإذا استوى عليها وهي قائمة أحرم. والله سبحانه أعلم. وقوله: "يحرم إذا استوى"، هو المذهب كما علمت، وقال الأئمة: يحرم عقب سلامه لما في أبي داوود: (قال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب النبي ﷺ في إهلاله حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك (٢))، إنما كانت منه ﵇ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج ﵇ حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، وسمع بذلك منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، ورأى ذلك
стр. 2700
منه أقوام فقالوا: إنما أهل حينئذ فلما علَا على شرف البيداء أهل، فأدرك ذلك أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء. ولنا الحديث المتقدم وهو معضود بالعمل من عمر وغيره من السلف. قاله الشارح. والله سبحانه أعلم.
(والماشي إذا مشى) يعني أن الماشي ليس كالراكب، فإنه إنما يحرم إذا مشى، ولا يحرم بعد أن استوى قائما بل يصبر حتى يمشي، فإذا فرغ من صلاته وخرج من المسجد إن كان قد صلى فيه فإنه يحرم ماشيا ولا ينتظر خروجه إلى البيداء، وما ذكره هنا من هذين الأمرين بيان للوقت الذي يحرم فيه، وفي تقدم بيان لما ينعقد به، والظاهر أن هذا على جهة الأولوية، وأنه لو أحرم الراكب قبل أن يستوي والماشي قبل أن يمشي كفاه ذلك. والله سبحانه أعلم. والفرق بين الراكب والماشي أن الراكب لا يركب دابته إلا للسير، والراجل قد يقوم لحوائجه، فشروعه في المشي كاستواء الراكب على دابته.
عياض: يهل مستقبلا لأنها إجابة الداعي إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ولا تجيب أحدا موليا ظهرك عنه. نقله الشارح. ويجب على الكري أن ينيخ بالمكتري بباب مسجد ذي الحليفة حتى يصلي ثم يركب، وليس له أن يقول اذهب فصل ثم ارجع إليَّ -يريد- لأن العرف جار بذلك قاله الشارح. وقوله: "يحرم"، ضميره يعود على الراكب؛ أي الراكب المريد للإحرام -كما مر- والماشي عطف عليه.
وتلبية؛ هذه هي السنة الرابعة من سنن الإحرام؛ يعني أنه تسن التلبية عند الإحرام أي مقارنتها للإحرام واتصالها به، وأما التلبية في نفسها فواجبة ويجب أيضا أن لا يفصل بينها وبين الإحرام بطويل، فإن كان الفصل طويلا أو تركها فعليه الدم، وإن قل الفصل فلا دم، وَتَحَصَّلَ من هذا أنه إن فصل لم يكن آتيا بالسنة قل الفصل أو طال، لكن إن طال فدم لتركه الواجب كما لو تركها، وهذا التقرير مأخوذ من كلام عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: مثله للحطاب، وحمله على ذلك ما قدمه من كون الدم ينافي السنية، وتقدم جوابه وهو أن عبارات أهل المذهب مختلفة في ذلك، فمنهم من يعبر عما يجبر بالدم بالواجب، ومنهم من يعبر عنه بالسنة، وللحطاب أن عد
стр. 2701
التلبية في سنن الإحرام فيه تجوز، ولذلك لما عد في الجواهر سنن الإحرام عد فيها تجديد التلبية لا التلبية نفسها.
ابن العربي: التلبية هي الإجابة والقصد والإخلاص، وتكون بالقلب واللسان، ولا تتم إلا باجتماع الكل. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. ويلبي العجمي بلسانه إن لم يجد من يعلمه العربية، وتلبي الحائض والجنب، ومن لا يتكلم لا يلبى عنه، وانظر هل يكفي عنها التكبير لمن لا يقدر على حفظها أو كالعدم وأقلها مرة؟ وقال ابن هارون في شرح المدونة: قوله وكره مالك أن يلبي من لا يريد الحج ورآه خرفا (١) من فعله، قيل: الذي كرهه مالك إنما هو تلبية الحج، وأما قول القائل لمن دعا (٢) لبيك فلا كراهة فيه؛ لأن الصحابة لم يزالوا يلبون النبي ﷺ في غير موضع فلا يعيب ذلك عليهم، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ يقول يوم القيامة: (لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك (٣))، وأما تلبية الحج فتكره في غير موضعها إلا لرواية أو معلم أو متعلم، وقال في التوضيح عن الشيخ ابن أبي جمرة: وقد نص العلماء على أن جواب الرجل من ناداه بلبيك أنه من السفه وأنه جهل بالسنة، واستدل على ذلك بكون الصحابة لم يفعلوا ذلك فيما بينهم، وبكونه ﵊ لم يفعل ذلك معهم. انتهى. فانظر ما قاله مع كلام ابن هارون، إلا أن يحمل كلامه على ما حمل عليه ابن هارون كلام المدونة فيتفق كلامهما وهو الظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأول: قال في الشفاء: وسئل ابن القاسم رحمه الله تعالى عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه لبيك اللهم لبيك؟ قال: إن كان جاهلا وقاله على وجه سفه فلا شيء عليه، قال القاضي رحمه الله تعالى: وشرح قوله أن لا قتل عليه، والجاهل يزجر ويعلم، والسفيه يؤدب ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه كفر. هذا مقتضى قوله. انتهى. قاله الحطاب.
стр. 2702
الثاني: [قال ابن خليل (١)]، في منسكه: قال ثابت البناني: كان مالك بن أنس لا يحرم حتى ينتهي إلى ذات عرق، فإذا انتهى إليها أحرم، وكان لا يكلم أحدا إلا بما لا بد له منه حتى يطوف بالبيت. انتهى.
الثالث: في الخرشي: وتكره الإجابة بالتلبية في غير الإحرام، وأما إجابة الصحابة للنبي ﷺ فمن خصائصه ﷺ . انتهى.
وقد مر قول ابن هارون، وسيأتي عند قول المصنف: "واقتصار على تلبية الرسول"، أن الصواب ما مر عن ابن هارون.
واعلم أن معنى التلبية: الإجابة؛ أي إجابة لك بعد إجابة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، والثانية إجابة قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، يقال: إن إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه لما أذَّنَ بالحج أجابه الناس في أصلاب آبائهم، فمن أجابه مرة حج مرة ومن زاد زاد، فالمعنى أجبتك في هذا كما أجبتك في ذلك، وأول من لبى الملائكة وكذلك أول من طاف بالبيت، وفي الخرشي: قال ابن الفاكهاني: لو أتى عوضها -يعني التلبية- بتسبيح أو نحوه لم يكن عليه دم، بخلاف ما إذا تركها.
(وجددت لغير حال) يعني أن الملبي لا يطالب بدوام التلبية بحيث لا يسكت عنها، بل يلبي ويسكت عنها، ويجددها أي يعاودها عند تغير كل حال كقيام وقعود ونزول وركوب وصعود وهبوط وملاقاة رفاق وسماع ملب، وفي تلبية من رجع لشيء نسيه في رجوعه روايتان، واللام في قولد: "لتغير"، بمعنى عند، وقوله: "وجددت"، قال الشبراخيتي: استحبابا، كما يفيده كلام المواق والشيخ سالم، وذكر الشارح أنه سنة، وفي نقل بعضهم ما يفيد الوجوب. انتهى.
(وخلف صلاة) الظرف معطوف على المجرور؛ يعني أنه يجدد التلبية أي يعاودها إثر كل صلاة صلاها فريضة أو نافلة. قاله ابن المواز. وابن حبيب وغيرهما. وهل؛ يعني أنه اختلف فيمن أحرم بحج مفردا أو قارنا، هل يستمر يلبي حتى يدخل بيوت مكة، فيقطع التلبية، فإذا طاف وسعى عاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها، هذا مذهب الرسالة وشهره ابن
стр. 2703
بشير. فقوله: لمكة؛ أي وهل تنتهي التلبية لابتداء دخول مكة، أو يستمر على التلبية؟ ولو دخل مكة للطواف؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أنه لا يقطع التلبية عند دخول مكة بل لا يزال يلبي إلى ابتداء الطواف، وهو مذهب المدونة لقولها: وكرهها مالك من أول طوافه حتى يتم سعيه. خلاف، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك خلاف.
وتحصل من هذا أنه إذا شرع في الطواف لا يلبي حتى يكمل سعيه بلا خلاف، وأن محل الخلاف إذا دخل مكة، ولو أقيمت عليه الصلاة وهو في أثناء الطواف وقطعه للصلاة وصلى، هل يلبي بعد تلك الصلاة أم لا؟ لأنه لم يكمل السعي وهو الظاهر، ولم أر الآن فيه نصا. قاله الحطاب. وفيه نظر إذ كلام المؤلف صريح في أنه لا يعيدها بعد الصلاة وإنما يعيدها بعد السعي. قاله الأجهوري.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو للطواف"، ولابن الحاجب: لرؤية البيت. قاله عبد الباقي. وإن ترَكت أوله فدم إن طال؛ يعني أن الشخص إذا ترك التلبية أول الإحرام عمدا أو نسيانا ولم يأت بها إلا بعد طول من إحرامه، فإنه يجب عليه الدم وإن عاودها، ومثل الطول ما إذا تركها جملة، وأما إن أتى بها بعد الإحرام بقليل فلا دم عليه، ومفهوم قوله: وإن تركت أوله أنه إذا لبى في أول الإحرام ثم تركها بعد ذلك لا دم عليه، وبذلك صرح أبو الحسن الصغير، قال في شرح قوله في المدونة: وإن توجه ناسيا من [فناء (١)] المسجد كان بنيته محرما فإن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك به أو نسيه حتى يفرغ من حجه فليهرق دما، وقال عبد الحق: ظاهر هذا الكلام أنه إذا رجع إلى التلبية بعد الطول لا يسقط عنه الدم برجوعه إليها، بخلاف من لبى أول إحرامه ثم ترك التلبية ناسيا أو عامدا فهذا لا دم عليه. قاله الحطاب. وقال أبو إسحاق التونسي: ولو ابتدأ بالتلبية ثم ترك أو كبر فلا شيء عليه، وقيل: عليه دم، ونقله عنه التادلي، وعلى ذلك اقتصر صاحب التلقين، فقال: وإن قلل منها ولو مرة فلا دم عليه، وقال في العمرة: ويجزئ منها مرة واحدة وإن تركت
стр. 2704
في جميعه فدم، وقال ابن عرفة: فإن لبى حينا وترك ففي الدم، ثالثها إن لم يعوضها بتكبير وتهليل للمشهور وكتاب محمد واللخمي. انتهى.
وقال سيدي إبراهيم: قال ابن العربي: وإن ابتدأها ولم يعدها فعليه دم في أقوى القولين. انتهى. وكأن المصنف اعتمد ما تقدم وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب.
وندب تَوَسّطٌ في علو صوته؛ يعني أنه يندب للملبي أن يتوسط في رفع صوته بالتلبية؛ أي يتوسط بين رفعه وخفضه، فلا يرفعه عاليا ليلا يعقد حلقه ولا يخفضه جدا بحيث لا يسمعه من يليه أو من هو قريب منه وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فالمستحب في حقها أن تسمع نفسها فقط. قاله الشبراخيتي وغيره؛ لأن صوتها عورة يخاف منه الفتنة. قاله مالك. قاله الخرشي. وفيها؛ يعني أن الملبي يندب له أن يتوسط في التلبية، فلا يكثرها جدا حتى يلحقه الضجر ولا يقللها حتى يفوت المقصود منها وهو الشعيرة، ولكن يفعل ذلك تارة وتارة: قال مالك: ولا ينبغي للرجل أن يلبي ولا يسكت، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، ويكره كثرة الإلحاح بها. قاله بعض شراح الرسالة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: التوسط في علو الصوت بها والتوسط فيها كل واحد منهما مندوب لا سنة، خلافا للتتائي فيهما. انتهى. وعاودها بعد سعي؛ يعني أنه إذا قطع التلبية عند ابتداء دخول مكة أو عند الأخذ في الطواف على الخلاف المتقدم، فإنه إذا أتم سعيه بين الصفا والمروة يعاود التلبية، والمعاودة حكمها حكم التجديد المتقدم، وقوله: "وعاودها"؛ أي المحرم بحج، وأما المحرم بعمرة فقد انقضت عمرته فلا يعاودها بعد السعي. وإن بالمسجد، مبالغة في قوله: "وتوسط في علو صوته"، كما في الشبراخيتي وغيره؛ يعني أنه يتوسط في رفع صوته بالتلبية، وإن كان بالمسجد؛ يعني المسجد الحرام، ومثله مسجد منى؛ لأن ذلك يكثر فيهما فلا يشتهر بذلك الملبي لأنهما موضع لذلك، وأهل مكة كغيرهم في التلبية، وأما غير المسجد الحرام ومسجد منى من المساجد فيسمع نفسه به ومن يليه. ابن المواز: ويسمع نفسه ومن يليه في جميع المساجد غير المسجدين، فليرفع صوته فيهما.
وفهم مما قررت أن المسجد الحرام ومسجد منى ترفع التلبية فيهما عن غيرهما من المساجد. والله أعلم.
стр. 2705
لرواح مصلى عرفة، اللام للانتهاء؛ يعني أنه إذا عاود التلبية بعد السعي لا يزال يلبي على ما مر حتى يروح أي يذهب إلى مصلى عرفة بعد الزوال، كما يشعر به لفظ رواح، فإن ذهب إليها قبل الزوال لبى إليه، فإن أحرم بعرفة بعد الزوال لبى بها ثم قطع على الشهور كما صرح به القرافي في شرح ابن الجلاب، وقال ابن الجلاب: يلبي إلى جمرة العقبة. انتهى. واقتصر التتائي على الثاني.
وأما من أحرم بها قبل الزوال فإنه يلبي للزوال، بمنزلة من أحرم بغيرها وأتاها قبل الزوال كذا ينبغي، ومصلى عرفة هو الذي يقال له مصلى إبراهيم، ومسجد عرنة بالنون، ومسجد نمرة فهي أسماء لمسمى واحد وهو الذي على يمين الذاهب إلى عرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي مفسرا لقوله "لرواح مصلى عرفة": بعد الزوال فيقطع ولا يعود إليها على ما رجع إليه مالك وثبت عليه، وكان ينبغي له أن يقول: لوصوله؛ أي لوصول مصلى عرفة وللزوال أيضا، ولا بد من الأمرين، فلو وصله قبل الزوال لبى للزوال، أو زالت عليه الشمس قبل وصوله له لبى لوصوله، فيعتبر أقصى الأمرين. انتهى.
واعلم أن البناء الصغير المربع الذي في الموقف عند جبل الرحمة الذي تسميه العامة بيت آدم، فأصله سقاية للحاج بَنَتْها أم المقتدر، وأما القبة التي على الجبل التي تسميها العامة قبة آدم فبنتها زبيدة زوجة الرشيد، وقد تقدم أن من أحرم من عرفة بعد الزوال لبى بها ثم قطع التلبية، والظاهر أن حد ذلك توجهه للوقوف، لكن ظاهر النقل أنه إذا أتى بالتلبية ولو مرة واحدة كفى. نقله الخرشي عن الأجهوري.
ولما بين مبدأ التلبية لمحرم الميقات بحج ومنتهاها، بين مبدأ المحرم به من مكة لمخالفته له دون منتهاه لموافقته له، فقال: ومحرم مكة يلبي بالمسجد؛ يعني أن من أحرم من مكة من أهلها أو مقيم بها ولا يكون إلا بحج مفرد، يبتدئ التلبية من مسجد مكة وهو في انتهائها على ما سبق، فيقطعها بعد الأخذ في الطواف حتى يتم سعيه فيعاودها لرواح مصلى عرفة، وحكم من أفسد الحج في قطع التلبية وغيره حكم من لم يفسده. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله:
стр. 2706
"يلبي بالمسجد": ظاهره أن محرم مكة إنما يلبي في المسجد وليس كذلك، فالباء بمعنى: من؛ أي ابتدائية، فابتداؤه من المسجد وانتهاؤه إلى مصلى عرفة كغيره. انتهى.
ولما نوع محرم الحج المتمادي عليه إلى قسمين، نوع محرم العمرة إلى قسمين أيضا بحسب طول المسافة وقصرها، فقال: (ومعتمر الميقات) يعني أن الشخص إذا أحرم بعمرة من الميقات فإنه يلبي تلبية مقارنة لإحرامه على ما سبق، ولا يزال يلبي إلى أن يدخل في أول الحرم مما يلي الميقات، وقوله: "ومعتمر الميقات"؛ يعني الذي أحرم من الميقات بعمرة كما قررت. (وفائت الحج) يعني أن الشخص إذا أحرم من الميقات بحج ففاته بحصر عدو أو مرض أو خروج وقت فتحلل منه بعمرة، فإنه يلبي حتى يدخل أول الحرم؛ لأن عمله صار عمل عمرة، فقوله: "وفائت"، بالجر عطف على "الميقات"؛ أي ومعتمر فائت الحج كما لعبد الباقي وغيره، أو بالنصب عطف على مقدر بعد قوله: "ومعتمر الميقات"؛ أي مدرك الحج، والمعنى على هذا أن المعتمر من الميقات سواء أدرك الحج أو فاته الحج لا يزال يلبي حتى يدخل أول الحرم مما يلي الميقات الذي اعتمر منه، قال فيها: ومن اعتمر من ميقاته قطع التلبية إذا دخل الحرم ثم لا يعاودها. انتهى. وفي هذا الوجه من التكلف ما لا يخفى، والوجه الأول هو الأسعد بظاهر المصنف، ونحا إليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.
وبما قررت علم أن قوله: (للحرم) بيان لمنتهى تلبية معتمر الميقات وفائت الحج. والله سبحانه أعلم. فاللام بمعنى: إلى، التي هي لانتهاء الغاية؛ أي إلى أول الحرم مما يلي الميقات، وسيأتي بيان الحرم إن شاء الله تعالى.
(ومن الجعرانة) يعني أن من اعتمر من الجعرانة يلبي حتى يدخل البيوت أو المسجد الحرام، (والتنعيم) يعني أن المعتمر من التنعيم يلبي ولا يقطع التلبية حتى يدخل بيوت مكة أو المسجد الحرام.
وعلم مما قررت أن قوله: (للبيوت) بيان لمنتهى تلبية من أحرم بعمرة من الجعرانة أو من التنعيم. والله سبحانه أعلم. وأن اللام للانتهاء، قال في المدونة: والذي يحرم بعمرة من غير ميقاته مثل الجعرانة أو التنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة، قلت له: أو المسجد الحرام، قال: أو
стр. 2707
المسجد الحرام كل ذلك واسع، قال الرماصي: واقتصر المؤلف على البيوت؛ لأنه لم ينقل عن المدونة إلا ذلك، وكأنه سقط من نسخته أو المسجد. قاله محمد بن الحسن. وروى الباجي عن مالك، وقاله ابن المواز أن العبد إذا عَتَقَ بعرفة فأحرم بها أنه يلبي؛ لأن الإحرام لا يكون إلا بتلبية ثم يقطعها مكانه، وكذلك النصراني يسلم، وذكر عن ابن الماجشون أنهما يلبيان إلى جمرة العقبة. انتهى. قاله الشارح.
واعلم أنه لا تكره التلبية للجنب ولا للحائض، لقوله ﷺ لعائشة حين حاضت: (افعلى ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت (١))، وقياسا على التسبيح والذكر. قاله الشارح.
ولما ذكر سنن الإحرام ذكر سنن الطواف، فقال: الطواف في المشي؛ قوله: "للطواف"، معطوف على المقدر في قوله أولا: "والسنة غسل متصل"؛ أي والسنة للإحرام، ثم قال: "وللطواف"؛ أي والسنة للطواف. قاله الشارح؛ يعني أن سنن الطواف أربع، منها المشي؛ أي يطوف ماشيا لا راكبا لا على الدواب ولا على أعناق الرجال كما نص عليه الشارح، وأطلق المصنف السنة هنا على الواجب الذي ينجبر بالدم وقد مر أن بعضهم يعبر عنه بالسنة ولكونه واجبا يجبر بالدم، قال: وإلَّا يطف ماشيا بأن ركب في طوافه أو حمل، فاللازم دم لقادر؛ يعني أن لزوم الدم لمن طاف راكبا أو محمولا إنما هو حيث كان قادرا على المشي حين طوافه راكبا أو محمولا، والحال أنه لم يعده أي لم يعد الطواف ماشيا، فإن أعاد الطواف ماشيا بعد رجوعه له من بلده مثلا فلا دم عليه، وأما إن كان بمكة فيطلب بإعادته ماشيا ولو مع البعد ولا يجزئه دم، وقوله: "للطواف"، شامل للواجب وغيره، خلافا لتخصيص أحمد له بالواجب، وأما قوله: "وإلا فدم"، فخاص بالواجب والسعي كالطواف في المشي في سائر ما مر، وإذا ركب فيه وفي الطواف معا فالظاهر أن عليه هديا واحدا للتداخل، ويحتمل أن عليه هديين كترك الرمي ومبيت منى. قاله الحطاب.
ومفهوم قول المصنف "لقادر"، أن العاجز لا شيء عليه، وهو كذلك، قال مالك: إلا أن يطيق فأحَبُّ إلي أن يعيد. قاله التتائي. قاله عبد الباقي. قوله: إن العاجز لا شيء عليه، قال محمد
стр. 2708
بن الحسن: لا يشترط في العاجز عدم القدرة بالكلية بل يكفي المرض الذي يشق معه المشي. قاله في التوضيح عن ابن عبد السلام. انتهى. وقوله: "لقادر" قال الشارح: اللام بمعنى: على. انتهى. ولا مانع من كونها للتقوية كما أشرت إليه في الحل. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم.
وقد علمت أن العاجز له الركوب، وإذا ركب فإنه يجب عليه أن يركب ما فضلته طاهرة؛ لأنه لا بد من أن يكون ذلك منه في المسجد، فلا يركب ما فضلته نجسة كالجلالة والخيل ونحو ذلك، والكِبَر عُذْرٌ في الركوب في الطواف والسعي.
وعلم مما مر أند لا فرق في الركوب بين أن يكون على دابة وبين أن يكون على آدمي. سحنون: العاجز يحمل ولا يركب؛ لأن الدواب لا تدخل المسجد. الباجي: له ركوب طاهر الفضلة، وقد روي أنه ﵊ طاف راكبا، فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته فصلى الركعتين. ذكره عبد الوهاب. وفي الموازية عدم الإجزاء، وحمله أبو الوليد الباجي على مذهب المدونة، قال: ولا خلاف في إباحة الركوب للعذر، ولا يشترط فيه عدم القدرة بالكلية، بل يكفي المرض الذي يشق معه المشي. قاله الشارح. وفي الحطاب: قال القرافي: ويجوز الركوب لمن لا يطيق المشي وفي الكلفة وحدها قولان، والمشهور المنع. انتهى.
وأشار إلى السنة الثانية من سنن الطواف بقوله: (وتقبيل) عطف على المشي، وهو غير منون مضاف إلى (حجر) ويتعلق بالمصدر قوله: بفم؛ يعني أن من سنن الطواف أن يقبل الحجر الأسود بالفم وقوله: "بفم"، صفة كاشفة؛ لأن التقبيل لا يكون إلا بالفم، وتقبيل الحجر وضع الفم عليه، أول؛ أي أول الطواف؛ يعني أن من السنن تقبيل الحجر الأسود بالفم في أول الشوط الأول، وأما في باقي الأطواف فمستحب، وكذلك يسن استلام الركن اليماني بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل في الشوط الأول، وأما باقي الأطوفة فمستحب فيه، ومن سنن تقبيل الحجر الطهارة لأنه كالجزء من الطواف المشترط فيه الطهارة، وإن لم يقدر على استلام الركن اليماني بيده كَبَّرَ فقط.
стр. 2709
والحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم الكفار لا المسلمين، أخرج ابن خزيمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله في الدنيا (١))، وعن ابن عباس أيضا: (يحشر الحجر الأسود يوم القيامة له عينان ولسان يشهد على من استلمه بحق (٢))، وفي الجامع الصغير: (نزل الحجر الأسود أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم، ولولا ما مسه من أنجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا برئ (٣))، وقال محمد بن الحسن بناني: إن التقبيل في الطواف الواجب والتطوع هو الذي نسبه ابن عرفة للتلقين ولنقل اللخمي عن المذهب، وقد أطلق ابن شأس وابن الحاجب كالمصنف، وذلك كله خلاف قول المدونة، وليس عليه أن يستلم في ابتداء طوافه إلا [من عند (٤)] الطواف الواجب. انتهى.
وفي الصوت قولان؛ يعني أنه اختلف في كراهة الصوت وإباحته على قولين، الأول لابن وضاح، والثاني لأبي عمران، ورجح غير واحد الجواز. قاله الحطاب. وقد علمت أن القول بالكراهة لابن وضاح: قال هو وغيره: يضع فاه عليه من غير صوت، والصوت إنما يكون في قبلة الاستمتاع، وقال أبو عمران: هذا ضيق، فلا فرق بين الصوت وغيره، قال: لأن من قبل خبزا أو مصحفا أو صبيا لا يقال إنه قصد الاستمتاع. انتهى. وكره مالك السجود على الحجر وتمريغ الوجه عليه، قال بعض شيوخنا: وكان مالك يفعله إذا خلا به. نقله الحطاب عن الشيخ زروق. وذكر العلامة ابن رُشَيْدٍ في رحلته أن الشيخ محب الدين الطبرى جاءه مستفت يسأله عن تقبيل الحجر يعني أبصوت أم دونه؟ فذكر له التقبيل من غير تصويت، فقال: إني لا أستطيع، قال: فأطرق الشيخ، ثم قال:
وقالوا إذا قبلت وجنة من تهوى … فلا تُمسمعن صوتا ولا تُعلن النجوى
стр. 2710
فقلت ومن يملك شفَاها مَشُوقَةً … إِذَا ظَفِرَتْ يوما بغايتها القصوى
قال بعض المؤرخين: طول الحجر الأسود في الجدار ذراع وشبر، وعرضه ثمان وعشرون إصبعا، وارتفاعه عن الأرض ثلاثة أذرع إلا سبع أصابع. وعن ابن عباس: (أنزل الله الركن والمقام مع آدم ليلة نزل (١)). قاله النووي. وقال القرافي في الذخيرة: ويروى أن الحجر الأسود في أول مرة كان له نور يصل إلى آخر هذه الحدود، فلذلك منع الشرع من مجاوزتها لمن أراد الحج تعظيما لتلك الآثار، وروى ابن حبان في صحيحه وغيره أن النبي ﷺ ، قال: (الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة فلولا أن الله طمس نورهما لأضاءا فيما بين الشرق والمغرب (٢)): وروي: (الحجر يمين الله في الأرض (٣)). ولم تُرَدْ به الجارحة إجماعا تقدس الله تعالى عن ذلك، ويحتمل معنيين: أحدهما عهد الله، من لمسه كان له عند الله عهد كما قال في الخمس صلوات: (من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة (٤))، ثانيهما أن يريد به ضربا من المثل في التقريب كخبر: المصلي يسجد على قدم الرحمن، إنما أراد المبالغة في التقرب: فهو كمن وصل لقدم السلطان الأعظم، وكذلك من وصل لتقبيل اليد في المبالغة في القرب. نقله الخرشي. عن الشيخ زروق.
وللزحمة مس بيدٍ؛ قد مر أن الطائف يقبل الحجر بفيه، ومحل ذلك، إن قدر على ذلك وأما إن لم يقدر على تقبيل الحجر بالفم لأجل ازدحام الناس مثلا، فإنه يمس الحجر بيده إن قدر على ذلك، ثم يضعها على فيه من غير تقبيل على المشهور وهو مذهب المدونة، وفي الموازية: يقبل، وقوله. "يمس"، بفتح الميم مضارع مس، قال تعالى: ﴿ما لم تمسوهن﴾، وحذف المصنف معموله أي يمس الحجر، وفي بعض النسخ: لمس بدل يمس. ثم عودٍ؛ يعني أنه إذا عجز عن أن يمس الحجر بيده فإنه يمسه بعود حيث لم يؤذ أحدا وإذا مسه بالعود وضعه على فيه من غير تقبيل، فار يكفي العود مع إمكان اليد، ولا اليد مع إمكان التقبيل بالفم. وَوُضِعَا؛ أي كل من اليد والعود
стр. 2711
والفعل مبني للمجهول، على فيه من غير تقبيل، يريد أنه إذا لم يقدر على تقبيل الحجر الأسود بفيه، فإنه يمسه بيده ويضعها على فيه من غير تقبيل، وكذا إذا عجز عن مس الحجر باليد فإنه يمسه بعود ويضعه على فيه من غير تقبيل. كما قررت قبل والله سبحانه أعلم.
ثم كبر؛ يعني أنه إذا لم يقدر على مس الحجر الأسود لا بيده ولا بعود فإنه يكبر فقط ويمضي بغير إشارة إليه بيده ولا رفع لها، وظاهر المصنف أنه إنما يكبر مع تعذر الاستلام وهو الذي فهمه في توضيحه من المدونة معترضا كلام ابن الحاجب اغترارا بظاهر التهذيب، والصواب ما لابن الحاجب من الجمع بين التكبير والاستلام، لا أَنَّ التكبير يختص بالعجز عن الاستلام، فالمعتمد أنه يكبر مع تقبيله بفيه أو وضع يده أو العود، كما أنه يكبر إذا عجز عن ذلك، وما ذكره المصنف من المراتب كما يجري في الشوط الأول يجري فيما عداه، وإذا جمع بين التكبير والاستلام فظاهر المدونة أو صريحها أن التكبير بعد التقبيل، وظاهر ابن فرحون أنه قبل التكبير، ويجري مثل ذلك في المس بيد ثم عود.
وقد مر أن قوله: "ثم كبر"، من غير إشارة إليه، واختار عياض الإشارة مع التكبير، والأكثر على عدمها، وفي الخرشي: ويجوز تقبيل المصحف والخبز ورأس العالم كما نص عليه أبو عمران، وقال الأجهوري في شرحه: ويكره تقبيل المصحف وكذا الخبز. انتهى. وفي الحطاب: قال في الطراز فيمن لا يستطيع أن يلمس الركن: قال مالك: يكبر ويمضي ولا يرفع يديه، وقال الشافعي: يشير بيديه وهو فاسد، ثم ذكر وجهه.
وأشار إلى السنة الثالثة من سنن الطواف بقوله: والدعاء؛ يعني أنه يسن للطائف أن يطوف داعيا، ومثل الدعاء الذكر والصلاة على النبي ﷺ ، وكل ذلك بلا حد؛ يعني أن الدعاء الملابس للطواف غير محدود؛ أي لا حد في الدعاء ولا في المدعو به، فلا يقصر دعاءه على دنياه ولا على آخرته، ويكره أن يكون بدعاء معين. وقوله: "بلا حد"، قد علمت أن مثل الدعاء الذكر والصلاة على النبي ﷺ ، وفي شرح العمدة: والمستحب أن يطوف بالباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أو بغير ذلك من الأذكار، ولا يقرأ وإن كان القرآن المجيد أفضل الذكر؛ لأنه لم يرد أنه ﵊ قرأ في
стр. 2712
الطواف، فإن فعل فَلْيُسِر القرَان ليلا يشغل غيره عن الذكر، وفي التوضيح: ومما يستحب أن يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، اللهم إليك بسطت يدي، وفيما عندك زادت رغبتي، فاقبل مسألتي وأقلني عثرتي. وتقدم أن المشهور كراهة التلبية، قال الأجهوري. وما في التوضيح لا يخالف ما تقدم عن شارح العمدة؛ لأن مراده بقوله: لا يقرأ؛ أي غير قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية، أو أنه لم يذكرها على أنها قرآن. انتهى.
وأشار إلى السنة الرابعة من سنن الطواف، بقوله: ورمل رجل؛ يعني أن من أحرم من الرجال من الميقات بحج أو عمرة يسن في حقه الرمل، والرمل بالتحريك أن يثب في مشيه وثبا خفيفا يهز منكبيه، وليس بالوثب الشديد، ولا رمل على النساء في طوافهن.
واعلم أن الرمل مختص بالرجل المحرم من الميقات بحج أو عمرة، وهو سنة في طواف القدوم وطواف العمرة الركني. والله سبحانه أعلم. في الثلاثة الأول؛ يعني أن الرجل إنما يسن في حقه الرمل في الأطواف الثلاثة الأول من طواف القدوم في الحج، أو من طواف العمرة الركني فيما إذا كان الإحرام بعمرة، ولا رمل فيما بقي من الأطوفة ولو لتاركه من الثلاثة الأول، ولا يكون آتيا بالسنة إن فعل كتارك سورة في الأوليين لا يقرأها في الأخيرتين، وإن قرأ لا يجزئه عنها في الأوليين، ولا هرولة في السعي ولا دم على من ترك الرمل، ولو تركه عمدا على المشهور الذي رجع إليه مالك وهو مذهب المدونة.
والأصل في الرمل خَبَرُ أبي داوود عن ابن عباس: (قدم النبي ﷺ مكة فقال المشركون: [إنهم يقدمون (١)] عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب وَلَقُوا منها شرا، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ولم يأمرهم بذلك في الأشواط كلها رفقا عليهم، فلما رأوهم قالوا، هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أَجْلَدُ مِنَّا (٢)) فكان السبب في الرمل في حقه ﵊ وحق الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إظهار القوة للمشركين، فهو مما زال سببه وبقي حكمه، وخَبَرُ المُوَطَإِ عن جابر: (رأيت رسول الله صلى الله
стр. 2713
عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أشواط (١))، قال مالك: وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وسيأتي لهذه المسألة أبسط من هذا إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: ورمل محرم من كالتنعيم، ويأتي أن الرمل في طواف الإفاضة مستحب، وقال الشارح: قال بعض الأشياخ: الرمل بالنسبة للطائفين ثلاثة أقسام، قِسْمٌ يرملون باتفاق وهم المحرمون من الميقات، وَقِسْمٌ لا يرملون باتفاق وهم النساء والمتطوع بالطواف والطائف للوداع، وَقِسْمٌ اختلف في رملهم وهم المحرمون من الجعرانة والتنعيم والمراهقون والصبي والمريض والمحرم من مكة. انتهى. ولو مريضا؛ يعني أن الرجل يسن في حقه الرمل المذكور ولو كان مريضا حمل على دابة أو غيرها، فيرمل الحامل ويحرك الدابة كما يحركها ببطن محسر. أو صبيا؛ يعني أن الرمل يسن في حق الذكر الطائف، ولو كان صبيا حمل على دابة أو آدمي فيرمل الحامل، وتحرك الدابة كما تحرك ببطن محسر. وقوله: حملا؛ أي الصبي والمريض أي لا بد من الرمل بهما إذا حملا كما قررت، ورد بالمبالغة ما نقله الشارح، فإنه قال: قال في الجواهر: ولو طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه أو بالصبي، فالمنصوص في المريض أنه يرمل به، وفي الصبي قولان حكاهما أبو الحسن اللخمي في المريض. انتهى. ونص ما في التبصرة: واختلف في المريض يطاف به محمولا، فقال محمد: يرمل به، وقال ابن القاسم: لا يرمل بالصبي إذا طيف به محمولا، ولأصبغ: يرمل به. قلت: وهو مذهب المدونة، قال أبو الحسن اللخمي: وعلى قول ابن القاسم لا يرمل بالمريض وهو أحسن فيه، وفي الصبي لأن السنة وردت في ذلك فيمن كان صحيحا لترى قوته، والمريض وإن طيف به محمولا خارج عن ذلك. انتهى. ونسب ابن راشد القول في المريض بعدم الرمل لابن القاسم. انتهى كلام الشارح. قال الشارح: واحترز بقوله: "رجل". من المرأة، لأنه لم يشرع في حق النساء. ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا رمل على النساء في طوافهن ولا هرولة في سعيهن، وفي الشبراخيتي: ولا رمل على امرأة ولو نابت عن رجل، بل التعليل يفيد نهيها عن ذلك. انتهى. وقوله: "ولو مريضا أو صبيا حملا"، كان الأولى أن يقول: ولو حامل مريض أو صبي، ويمكن أن يقال: يعد المريض والصبي طائفين بطواف الحامل لهما. وللزحمة
стр. 2714
الطاقة؛ يعني أن المطلوب في الرمل إذا حصل الازدحام الطاقة أي ما يقدر عليه منه فلا يكلف فوق ما يطيقه، قال فيها: وإن زوحم في الرمل فلم يجد مسلكا رمل قدر طاقته. سند: يستحب للطائف الدنو من البيت، فإن كان بقربه زحام لا يمكنه معه الرمل، فإن كان يرجو فرجة إن تربص ووقف قليلا فعل، وإن لم يطمع لكثرة الزحام تأخر حاشية الناس ورمله حاشية الناس أولى من قربه من البيت، فإن تعذر من كل وجه فإنه يمشي ويعذر في ترك الرمل، ويكره الطواف مختلطا بالنساء والسجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وكثرة الكلام وقراءة القرآن وإنشاد الشعر إلا ما خف كالبيتين إذا اشتملا على وعظ، وشرب الماء لغير مضطر، والبيع والشراء وتغطية الرجل فمه، وانتقاب المرأة والركوب لغير عذر، وحسر المنكبين والطواف عن الغير قبل الطواف عن النفس، وقد مر ذكر هذه المكروهات.
التادلي عن القرافي: فإن قيل كيف يصح عنه ﵊ أنه ركب في السعي وأنه رمل فيه؟ قلنا: رمل بزيادة تحريك دابته، ويلزم مثله في الطواف أيضا إذ لا فرق بينهما، وما رأيت أحدا نص عليه إلا ما يستقرأ من هذا الجواب، ويؤيده نصوص المذهب على استحبابه للراكب في بطن محسر وللماشي فلا فرق بينهما. انتهى. وما ذكره صحيح. قاله الحطاب. وفيه ما نصه: فرع: نقل في المسائل الملقوطة عن والده أنه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء. انتهى. ومر أن الرمل إنما هو للرجل، ومحل ذلك إذا طاف عن نفسه أو عن رجل آخر لا عن امرأة، ولا ترمل امرأة ولو نابت عن رجل اعتبارا بفعلها، والفرق بين مراعاة المنوب عنه في الأول دون الثاني أنها عورة كما لعبد الباقي.
وَلَمَّا أنهى الكلام على سنن الطواف، شرع يتكلم على سنن السعي، وذكر منها أربعا فقال: وللسعي لتقبيل الحجر؛ يقال في إعرابه ما قدمته عند قوله: "وللطواف المشي". والله سبحانه أعلم؛ يعني أن من سنن السعي بين الصفا والمروة تقبيلَ الحجر الأسود بعد أن يفرغ من الطواف وركعتيه إذا كان على وضوء؛ إذ لا يقبله إلا متوض، قال الحطاب عند قول المصنف: "وللسعي تقبيل الحجر": قال ابن فرحون: إن كان [على وضوء (١)]، فإن الحجر لا يستلمه إلا متوض.
стр. 2715
انتهى. وهو ظاهر، وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة أن هذا الاستلام آكد من الاستلام في الشوط الثاني، وظاهر كلام ابن الحاجب أنهما سواء.
وقوله: "وللسعي تقبيل الحجر" اعلم أنه يجري فيه التفصيل المتقدم من أنه للزحمة يمس بيد ثم بعود ووضعهما على فيه ثم كبر، وَجُعِلَتْ هذه السنة للسعي مع تعلقها بالحجر لكونها بعد ركعتي الطواف، ويخرج للسعي من أي باب، والمستحب من باب بني مخزوم وهو باب الصفا لقربه بعد شربه من ماء زمزم. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: ومن سنن السعي تقبيل الحجر الأسود حين فراغه من الطواف وركعتيه، ثم يمر بزمزم فيشرب منها ويدعو بما أحب، ثم يخرج من أي باب شاء، ويستحب من باب بني مخزوم. انتهى. قال الشيخ زروق: وينوي بشرب ماء زمزم ما أراده، فإن (ماء زمزم لما شرب له (١))، وإن لم يصح الحديث به فقد جربت بركته. انتهى. وسيأتي تصحيح هذا الحديث، واستحب الخروج من باب بني مخزوم، (لأن النبي ﷺ خرج منه (٢))، وقوله: وللسعي تقبيل الحجر، قال في المدونة: فإذا فرغ من طوافه أول ما دخل مكة وصلى الركعتين فلا يخرج إلى الصفا والمروة حتى يستلم، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، فإذا طاف بالبيت بعد أن أتم سعيه وأراد الخروج إلى منزلة فليس عليه أن يرجع، فيستلم الحجر الأسود إلا أن يشاء. انتهى. وقال الشيخ زروق: يستحب لمن طاف وركع أن يكون آخر عهده بالبيت، فيقبل الحجر ثم يمر بزمزم فيشرب منها ويدعو عند ذلك بما أحب. انتهى. وهو صريح أنه يستحب تقبيل الحجر بعد الطواف وركعتيه وإن لم يكن بعد ذلك سعي. وقال ابن فرحون: لم يذكروا أنه يقبل الحجر بعد طواف الوداع وقبل الخروج من المسجد، وهو حسن. فتأمله. انتهى.
وأشار للسنة الثانية من سنن السعي، بقوله: وَرُقِيُّهُ: يعني أن من سنن السعي أن يصعد على الصفا والمروة فكلما وصل لإحداهما صعد عليها، لا أنه يصعد عليهما مرة فقط، ولا أنه يصعد على إحداهما فقط دون الأخرى، فإن ذلك بعض سنة، وفي المدونة: ويستحب أن يصعد إلى
стр. 2716
أعلاهما بحيث يرى الكعبة منه، ولا يعجبني أن يدعوَ قاعدا عليهما إلا من علة "ورقية عليهما" هذا في حق الرجال، وأما النساء فتقف أسفل الصفا والمروة، وليس عليهن أن يصعدن إلا لخلو من الزحام، ولهذا قال: كمرأة إن خلا؛ يعني أن المرأة كالرجل في أنها يسن لها الرُّقِيُّ على الصفا والمروة بشرط أن يكون موضع الرُّقِيُّ منهما قد خلا من الرجال ومزاحمتهم، وإلا وقفت أسفلهما. ابن فرحون: السنة القيام عليهما إلا من عذر، فإن جلس في أعلى الصفا فلا شيء عليه، وكما تقف الرجال تقف النساء أيضا إلا من بها علة أو ضعف، وما ذكره في المدونة من استحباب القيام قدر زائد على السنة، ويستحب رفع اليدين بالدعاء رفعا خفيفا.
وأشار إلى السنة الثالثة من سنن السعي بين الصفا والمروة، بقوله: وإسراعٌ بين الأخضرين؛ يعني أنه يسن للساعي إذا مر بين الميلين الأخضرين أن يسرع أي يخب من عند الميل الأول، وهذا الإسراغ فَوْقَ الرَّمَلِ في الطواف، قال سند: سعيا شديدا جيدا، والميلان الأخضران هما العودان اللذان في جدار المسجد الحرام على يسار الذاهب إلى المروة، أولهما في ركن المسجد تحت منارة باب علي، والثاني بعده قبالة رباط العباس، وثم ميلان آخران على يمين الذاهب في مقابلة الميلين الأولين، والميل في الأصل المرود الذي يكتحل به، وسميا ميلين لأنهما يشبهان المرودين، وقوله: "وإسراع بين الأخضرين فوق الرمل"، يريد: للرجال دون النساء. قاله الشارح. وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
وقال محمد بن الحسن: ذكر الحطاب عن سند أن ابتداء الإسراع يكون قبل الميل الأول بنحو ستة أذرع، خلاف ما يوهمه المصنف. انتهى. وفي الشبراخيتي الجواب عن المصنف، فإنه قال: قال شيخنا في شرحه: قال الحطاب: ومقتضى كلام المصنف أن ابتداء الخبب من عند الميل الذي في ركن المسجد، وليس كذلك لما في الطراز أن ابتداءه قبله بنحو ستة أذرع حتى يجاوز الميلين الأخضرين اللذين بين المسجد ودار العباس، فيترك الرمل ويمشي حتى يبلغ المروة، ونحوه لابن جماعة الشافعي، لكن ما ذكره المصنف نحوه في المواق وابن عرفة، فلا اعتراض عليه. انتهى.
ثم الإسراع المذكور يكون في الذهاب إلى المروة والرجوع منها إلى الصفا، لا أنه لا يكون إلا في الذهاب إلى المروة فقط، وحكمة الإسراع بينهما أنه محل الأنصاب أي الأصنام، وهذا الإسراع
стр. 2717
ذهابا وإيابا في جميع الأشواط وهو الذي يدل له ما في شرح المرشد تصريحا، فإنه قال بعد أن ذكر حكم البدء من الصفا: ثم ينزل من المروة ويفعل كما وصفنا من الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ والخبب. انتهى. ويفيده نقل المواق عن أبي إسحاق؛ يعني ابن شعبان.
وأشار إلى السنة الرابعة من سنن السعي بقوله: ودعاء؛ يعني أنه يسن الدعاء عند الصفا والمروة وإن لم يرق عليهما، وظاهر المدونة عند الرقي عليهما ولعله محمول على الأكمل، فهذه السنة عامة فيمن رقي عليهما ومن لم يرق عليهما، ولم يحد مالك في الدعاء حدا ولا لطول المقام وقتا، (وقد ثبت أنه ﵊ رقي على الصفا حتى رأى البيت واستقبل البيت وكبر ثلاثا، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده (١))، ثم دعا، قال ذلك ثلاث مرات، ثم نزل المروة ففعل مثل ذلك، ولا يدع الصلاة على النبي ﷺ بهما، وإذا نزل عن إحداهما فإنه يشتغل في مشيه بالذكر والدعاء والصلاة عليه ﷺ كما في شرح ميارة. وقال الشارح: ولم يحد مالك في الدعاء على الصفا والمروة حدا ولا لطول القيام وقتا، واستحب المكث عليهما في الدعاء، وإن رفع يديه عليهما في الدعاء وفي الوقوف بعرفة فرفعا خفيفا، وترك الرفع في كل شيء أحب إلى مالك إلا في ابتداء الصلاة، فإنه يرفع. ابن حبيب: إذا خرجت إلى الصفا فارتقيت عليه حيث ترى البيت وأنت قائم، فارفع يديك حذو منكبيك وبطونهما إلى الأرض، ثم تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، ثم تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم تدعو ما استطعت، ثم ترجع فتكبر ثلاثا وتهلل مرة كما ذكرنا ثم تدعو ثم تعيد التكبير والتهليل والتحميد ثم تدعو، تفعل ذلك سبع مرات فيكون إحدى وعشرين تكبيرة وسبع تهليلات، والدعاء بين ذلك، ولا تدع الصلاة على النبي ﷺ ، وهذا كله مروي وليس بلازم، ومن شاء زاد أو نقص أو دعا بما أمكنه. أبو محمد: وروي ذلك عن ابن عمر وغيره. ابن حبيب: ثم تفعل على المروة كما
стр. 2718
فعلت على الصفا، هكذا يفعل في كل وقفة حتى يتم سبعة أشواط، وذلك ثمان وقفات أربع على الصفا وأربع على المروة. انتهى كلام الشارح.
وفي سنية ركعتي الطواف ووجوبهما تردد؛ يعني أن أهل المذهب اتفقوا على عدم ركنية ركعتي الطواف مع أنه لا خلاف في مشروعيتهما: واختلفوا هل هما واجبتان على الإطلاق؟ وإليه نحا أبو الوليد الباجي، أو هما سنة على الإطلاق، وإليه نحا القاضي عبد الوهاب؟ وإلى ذلك أشار بالتردد، وذهب الشيخ أبو بكر الأبهري وأبو الوليد بن رشد إلى أن حكمهما حكم الطواف في الوجوب والندب. قاله الشارح. وعلى قول الأبهري اقتصر ابن بشير في التنبيه، قال الحطاب: وهو الظاهر، قال عبد الباقي: وترك المصنف قول الأبهري؛ لأن الأبهري ليس من المتأخرين حتى يدخله في التردد. انتهى. قال محمد بن الحسن: وفيه نظر، فإن الأبهري في طبقة ابن أبي زيد والقابسي وقد ذكروا أن هذه الطبقة أول طبقة من المتأخرين، ووجه وجوب الركعتين على القول بوجوبهما مع ندب الطواف أنهما لما كانتا تابعتين له فكأنهما من تتمته، وبالشروع فيه كأنه شرع فيهما، فلذا وجب الإتيان بهما على هذا القول.
واعلم أن من ترك ركعتي الطواف حتى تباعَدَ أو رجع لبلده فإنه يركعهما مطلقا ويهدي إن كانتا من فرض فقط، فإن لم يتباعد ولا رجع لبلده ركعهما فقط من فرض أو نفل إن لم تنتقض طهارته، وإلا فإن تعمد نقضها أعاد الطواف ولو غير فرض وصلى ركعتيه وأعاد السعي، وإن لم يتعمد ففي الفرض يعيد الطواف والركعتين والسعي، فإن كان نفلا صلى ركعتيه وخير فيه، فبان من هذا أن الفرض والنفل في ترك الركعتين يتفقان فيما إذا لم تنتقض الطهارة، ولم يحصل بعد وفيما إذا تعمد نقض الطهارة، ويختلفان في حالة البعد وفيما إذا انتقضت طهارته بغير تعمد. انظر الخرشي. وظاهر كلام المصنف هنا، وقوله الآتي: "وركوعه للطواف بعد المغرب قبل تنفله"، أن الفرض لا يجزئ عنهما، فلذا لم يقل ذلك فيهما كما قاله في ركعتي الإحرام، ولعل الفرق أنه قيل بوجوبهما هنا بخلاف ركعتي الإحرام، وكره جمع أسابيع وصلاة ركعتين فقالها أو لكل أسبوع ركعتين عقب أسبوعين أو أكثر، ويقطع الثاني إن شرع فيه قبل ركعتي الأول، فإن أتمه فلكل ركعتان على المشهور لا ركعتان فقط للجميع.
стр. 2719
اللخمي: وقياس المذهب أن الثاني طول يوجب استئناف ما تقدم من طواف، وفي الذخيرة: أن الشروع في طواف التطوع يوجب إتمامه، وكذا الحج والعمرة والصلاة والصوم والاعتكاف والائتمام، فهذه التطوعات السبعة يجب إكمالها بالشروع فيها ولا يوجد لها ثامن، وقول المالكية: التطوع يجب إتمامه محمول على هذا، وقد نصوا على أن الشروع في تجديد الوضوء وغيره من قراءة القرآن وبناء المساجد وغيرها من القربات لا يجب إتمامها بالشروع فيها، وأنشد ابن عرفة في ذلك:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة … عكوف طواف وائتمام تحتما
وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن … فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما
ويعني بالوقف بناء الأوقاف، كالمساجد والقناطر والسقايات وحفر الآبار وغير ذلك. قاله عبد الباقي. وتقدم عن محمد بن الحسن ما يفيد التعميم في الفرض والنفل في قوله: وفي غيرها كالوقف والطهر الخ، ونصه عند قول عبد الباقي في قول المصنف في الوضوء: "وبني" استنانا يفيد أن البناء على الوضوء سنة، فإذا رفض ما فعل منه وابتدأ آخر كان مخلا بالسنة، وقد صرحوا بأن المتوضئ مخير في إتمام وضوئه وتركه، ونظموا ما يجب إتمامه بالشروع وما لا يجب فيه بما نصه: صلاة وصوم ثم حج وعمرة الخ.
وتحصل مما مر أنه لا يجمع بين أسبوعين فأكثر من غير أن يركع لكل طواف كان في وقت تحل فيه النافلة أم لا، لكن إذا طاف في وقت تكره فيه النافلة يؤخر ركعتيه لوقت الإباحة فيصليهما بعد طلوع الشمس وبعد غروبها بشرط أن لا ينتقض وضوءه، ولا خلاف بين أرباب المذاهب أن ركعتي الطواف ليستا بركن، والمذهب أنهما واجبتان تجبران بالدم. انتهى. قاله سند. قاله الحطاب. وقال ابن عسكر في العمدة: المشهور أن حكمهما حكم الطواف، وفي الحطاب بعد جلب نقول: فيتحصل من هذا أن المشهور من المذهب وجوب ركعتي الطواف الواجب. انتهى. وقاله غير واحد. وأخر ركعتي الطواف عن سُنَنِ السعي مع أنهما متعلقتان بالطواف السابق على السعي ليقدم السنن قطعا المتعلقة بهما على السنة المختلف في وجوبها وسنيتها. وندبا؛ يعني أنه يندب أن تكون القراءة في ركعتي الطواف بالكافرون مع الفاتحة في الأولى وبالإخلاص معها في الثانية،
стр. 2720
والضمير في ندبا عائد على الركعتين، ويتعلق بالفعل المجرور الآتي، وعلى المصنف درك في إسقاط التاء من قوله: "وندبا"؛ لأن الضمير المستتر والبارز حكمهما واحد؛ أي يجب تأنيث الفعل لهما إن كانا لمجازي التأنيث والله سبحانه أعلم. وأما ما في مختصر الواضحة من أنه يستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ وفي الثانية بأم القرآن و ﴿قل يأيها الكافرون﴾ ففيه مخالفة السنة من وجهين؛ أحدهما القراءة على خلاف ترتيب المصحف، والثاني تطويل الثانية على الأولى، واستدلاله بما روى جابر (أن رسول الله ﷺ لما طاف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فجعل المقام بينه وبين البيت، ثم قرأ في الركعتين بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل يأيها الكافرون﴾ (١)) فلا دليل فيه؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب. قاله الحطاب.
كالإحرام؛ يعني أنه تندب قراءة ركعتي الإحرام بـ ﴿قل يأيها الكافرون﴾ في الأولى و ﴿قل هو الله أحد﴾ في الثانية، فقوله: بالكافرون والإخلاص، متعلق "بندبا" كما مر، فهو راجع لمسألتي المشبه به والمشبه. وبالمقام؛ يعني أنه يستحب إيقاع ركعتي الطواف بالمقام أي مقام إبراهيم؛ أي يستحب إيقاع ركعتي الطواف خلف المقام، وهو الحَجَرُ بفتح الحاء والجيم الذي قام عليه إبراهيم حين أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، ويقال: من أجاب حج بعدد إجابته، وقوله: "بالمقام"، ليس المراد أنه يوقعهما في داخل البناء المحيط به لأنه قول ضعيف وما مر من سبب قيام الخليل عليه هو أحد أقوال ثلاثة، ثانيها أنه وقف عليه حين غسلت له زوجة ابنه رأسه في قصة طويلة، ثالثها أنه قام عليه لبناء البيت وكان إسماعيل يناوله الحجارة. قاله عبد الباقي.
وقوله: "بالمقام" قد علمت أن إيقاعهما به مندوب، فيصح أن يركعهما في كل موضع حتى لو طاف بعد العصر أو بعد الصبح وأخر الركعتين فإنه يصليهما حيث كان ولو في الحل ما لم ينتقض وضوءه؛ ولكن المستحب أن يركعهما في المسجد أو بمكة، والأفضل من المسجد خلف المقام، والحاصل أن الأفضل المسجد، وأن الأفضل من المسجد خلف المقام في كل طواف، وأن مكة أفضل من غيرها فالمسجد أفضل مواضعها وأفضل المسجد خلف المقام فإن لم يمكنه أن يوقعهما خلف
стр. 2721
المقام فحيث ما تيسر من المسجد ما خلا الحِجْرَ والبَيْتَ وظهره، ومن ركع الركعتين الواجبتين من طواف السعي والإفاضة في الحجر أعادهما بالقرب، وإن بعد أعاد الطواف والركوع والسعي ما كان بمكة أو قريبا منها، فإن بعد أجزأتاه ويبعث بهدي. نقله ابن يونس عن ابن القاسم.
ابن بشير: لا يركع ركعتي الطواف الواجب في الحجر، فإن ركعهما فيه فهو بمنزلة ما لو ركعهما في البيت، ويختلف في إعادتهما ما دام بمكة على الاختلاف فيمن صلى الفريضة في البيت، قيل: يعيد في الوقت، وقيل: أبدا، وقيل: لا إعادة، فإن عاد إلى بلده ركعهما هناك، ويختلف هل يلزمه هدي. انتهى. قاله الحطاب. وقال في المدونة: ولا يصلى في الحجر ولا في الكعبة فريضة، ولا ركعتا الطواف الواجب، ولا الوتر، ولا ركعتا الفجر، فأما غير ذلك من ركوع الطواف فلا بأس. انتهى. قاله الحطاب. ودعاء بالملتزم؛ يعني أنه يندب بعد الطواف وركعتيه الدعاء بالملتزم، وهو ما بين الباب والحجر الأسود. أبو عمر: (وكان النبي ﷺ يلصق صدوه ووجهه بالملتزم (١)). انتهى. نقله الشيخ زروق. ويستحب له أن يدعو في طوافه بما تيسر، وكذلك في المقام والحطيم والملتزم وعند الحجر الأسود والركن اليماني، والباب المغلق الذي كان فتحه ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وفي الحجر تحت الميزاب ولا حد في ذلك كله. قاله محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وندب دعاء بلا حد بالملتزم بعد طوافه وهو ما بين الباب والحجر الأسود، فيلتزمه ويعتنقه واضعا صدره ووجهه وذراعيه عليه، باسطا كفيه كما كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يفعل.
ويُقْبَل الدعاء في خمسة عشر موضعا: الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي المزدلفة، ومنى، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية، وعند الصفا، وعند المروة، وزمزم، وفي السعي، وعند المشعر، وفي الحطيم. وسمي حطيما لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم. ونظمها شيخنا في شرحه فقال:
стр. 2722
قبول الدعا خلف المقام وزمزم … كمسعى طواف والحطيم ومروة
وملتزم جمع ومشعر والصفا … منى وبميزاب وموقف رحمة
وبالجمرة الأولى وتالية لها … ولم يذكروا هذا بجمر عقبة
وفي الواضحة: وإذا أردت الخروج فطف بالبيت سبعا؛ يعني طواف الوداع، ثم صل خلف المقام ركعتين، ثم تأتي زمزم فتشرب من مائها، ثم تأتي الملتزم وهو ما بين الركن والباب فتدعو كثيرا رافعا يديك راغبا إلى الله تعالى أن يتقبل حجك وأن يقلبك عتيقا من النار، وألصق صدرك ووجهك بالمتلزم، تم استلم الحجر وقبله إن قدرت على تقبيله، ثم انفر إلى بلدك فقد قضى الله تعالى حجك. قاله الحطاب.
واستلام الحجر؛ يعني أن استلام الحجر الأسود أي تقبيله على ما مر في غير الشوط الأول مندوب، وقد مر أن التقبيل وما في حكمه في الشوط الأول سنة. واليماني أي، وكذلك يستحب استلام الركن اليماني أي لمسه باليد في غير الشوط الأول، وأما استلام الركن اليماني في الشوط الأول فسنة: وقد علمت أن المصنف هنا أطلق الاستلام على تقبيل الحجر الأسود ولمس الركن اليماني باليد، فيستلمه الطائف بعد مروره على الشاميين المحاذيين للحجر بكسر الحاء، فاليماني منتهى في كل شوط آخره الحجر الأسود، وأما بالنسبة لليمن فلا فاصل بينهما.
وعلم مما قررت أن قوله: بعد الأول، متعلق "باستلام"، فهو راجع للمسألتين، وفهم من المصنف أن استلام اليماني سنة في الشوط الأول؛ لأنه لما نفي عنه الاستحباب تعينت السنية؛ إذ لا يتوهم الوجوب لأن استلام الحجر الذي هو آكد منه سنة، وفهم من اقتصار المصنف على هذين الركنين أن الركنين الشاميين لا يستلمان ولا يكبر عندهما، وهو كذلك نص عليه في المدونة وغيرها، ونقل ابن فرحون عن أبي الفرج أنه يكبر عند محاذاة كل ركن.
وعلم مما مر أن عدد التقبيلات ثمانية، سبعة الطواف، والثامنة الواقعة بعد ركعتي الطواف عند إرادة السعي، فالأولى سنة والسبع بعدها مندوبات.
стр. 2723
واقتصار على تلبية الرسول ﷺ يعني أنه يندب للملبي أن يقتصر على التلبية التي كان رسول الله ﷺ يقولها، ونقل عن مالك كراهة الزيادة عليها، وتلبيته ﷺ هي: (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك (١))، وعن مالك إباحة الزيادة عليها، فقد زاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك، وابن عمر: لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك. والعمل. انتهى. والرغباء: المسألة، ومعنى لبيك إجابة بعد إجابة، فالإجابة الأولى إشارة لقوله : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، والثانية قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، ويقال: إن إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه لما أذن بالحج أجابه الناس في أصلاب آبائهم، فمن أجابه مرة حج مرة، ومن زاد زاد، فالمعنى أجبتك في هذا كما أجبتك في الأول. وأول من لبى الملائكة وهم أول من طاف، وتكره الإجابة بها في غير الإحرام، وأما إجابته ﷺ فمن خصائصه. الجزولي: ما رأينا من قال: إذا لم يقل الصفة التي قال أبو محمد عليه الدم. انتهى. قاله الحطاب.
واعلم أن الصواب ما قاله ابن هارون أن الذي كرهه مالك إنما هو تلبية الحج، وأما مجرد قول الرجل لمن ناداه لبيك فلا بأس به بل هو أحسن أدبا، وفي الشفا عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما ناداه ﷺ أحد من أصحابه ولا من أهل ملته إلا قال: لبيك (٢))، وبه يرد قول ابن أبي جمرة أنه ﷺ لم يفعل ذلك معهم. انظر حاشية الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم. وقوله: إن الحمد، روي بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها على التعليل والكسر أجود عند الجمهور، قال ثعلب: لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال معناه لبيك لهذا السبب، والمشهور في النعمة النصب على العطف. عياض: ويجوز فيها الرفع على الابتداء والخبر محذوف، وإن شئت جعلت المحذوف خبر إن، وكذا يقال. في قوله: والملك. ولبيك مثنى عند سيبويه والجمهور منصوب على أنه مفعول مطلق ولا يكون عامله
стр. 2724
إلا مضمرا من معناه، وليست التثنية فيه حقيقية بل للتكثير والمبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة بعد إجابة.
وقال الشارح: اختلف في معنى التلبية فذكر الشيخ وصاحب الذخيرة فيها سبعة أقوال: الأَوَّلُ الإجابة أي إجابة بعد إجابة، الثَّانِي اللزوم أي أنا مقيم على طاعتك وأمرك من قولهم: لب بالمكان إذا أقام به، الثَّالِثُ المحبة من قولهم لبة إذا كانت تحب ولدها، الرَّابعُ الإخلاص أي إخلاص لك من قولهم لب الطعام ولبابه، الخَامِسُ الخضوع من قولهم أنا ملب بين يديك أي خاضع، السَّادِسُ أن معنى لبيك اتجاهي إليك أي توجهي من قولك داري تلب دار فلان أي تواجهها: السَّابعُ من الإلباب وهو القرب ونظير هذه اللفظة حنانيك ودواليك أي هب لنا منك رحمة بعد رحمة ولك دولة بعد دولة. انتهى. ومذهب يونس أنها أسماء مفرد قلبت الألف فيها ياء كما في على ولدي، ومذهب سيبويه والجمهور هو ما قدمت. والله سبحانه أعلم.
ودخول مكة نهارا؛ يعني أنه يستحب للآتي مكة -شرفها الله تعالى- أن يدخلها نهارا، قال في المدونة عن مالك: ومن أتى مكة ليلا فواسع أن يدخل وَأَسْتَحِبُّ له أن يدخل نهارا. انتهى. وروى البخاري عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ بات بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة (١))، وقال الشيخ زروق: يستحب للآتي مكة أربع: نزوله بذي طوى وهو الوادي الذي تحت الثنية العليا ويسمى الزاهر، واغتساله فيه، ونزول مكة من الثنية العليا، ومبيته بالوادي المذكور فيأتي مكة ضحى. انتهى. نقله غير واحد. وقال سند: يستحب لمن أتى مكة ليلا أو في ضيق نهاره أن يبيت بذي طوى، فإذا أصبح وأراد دخول مكة اغتسل، وقال أيضا: يستحب أن يدخل مكة على طهر ليكون طوافه متصلا بدخوله. قاله الحطاب. وقال الحطاب أيضا: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد. يستحب له عند إتيان مكة أربع: نزوله بذي طوى وهو الوادي الذي تحت الثنية العليا ويسمى الزاهر، واغتساله فيه لدخول مكة ولا تفعله الحائض والنفساء وهو سنة على المشهور ولا يتدلك فيه بغير إمرار اليد برفق ليلا يزيل الشعث كسائر غسولات الحج التي داخل إحرامه، ونزول مكة من الثنية العليا إن كان من ناحية المغرب، وأن يبيت
стр. 2725
بالوادي المذكور فيأتي مكة ضحى. انتهى. واستحب مالك للمرأة إذا دخلت نهارا أن تؤخر الطواف، فإن طافت فلا شيء عليها. اللخمي: قال محمد: إن جاء بعد العصر أحب إلي أن يقيم بذي طوف حتى يمسي ليصل بين طوافه وركوعه وسعيه، فإن دخل فلا بأس أن يؤخر الطواف حتى تغرب الشمس، وإن طاف أخر الركوع والسعي حتى تغرب الشمس، فيركع ويسعى إن كان بطهر واحد فإن انتقض وضوءه توضأ وأعاد الطواف والسعي إن كان بمكة، وإن خرج وتباعد بعث بهدي ويقدم المغرب على ركعتي الطواف، قال: وقال أبو مصعب: ذلك واسع، قال: ويختلف إذا أتى بعد صلاة الصبح، فعلى قول مالك: يؤخر الدخول حتى تطلع الشمس، فإن دخل أمسك عن الطواف، وعلى قول مطرف: يدخل حينئذ ويطوف ويركع لأنه جوز الركوع للطواف بعد الصبح ما لم يسفر، وذكر نحوه في النوادر عن محمد بن المواز عن مالك قاله الش.
والبيت؛ يعني أنه يستحب دخول البيت نهارا أو ليلا كما في النفل، (فقد جاء رسول الله ﷺ لعثمان بن شيبة بعائشة رضي الله تعالى عنها ليفتح لها ليلا، فاعتذر له بأنه لم يفتحها ليلا لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فوافقه النبي ﷺ على ذلك، وجاء بها إلى الحجر وقال: صلي فيه (١)).
واعلم أنه يستحب النفل في البيت والنظر إليه للأخبار الواردة، ويقول من دخله كما في الخرشي: اللهم أنت وعدت الأمان دُخَّال بيتك وأنت خير منزول به: اللهم اكفني مؤنة الدنيا وكل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك ويستحب أن يستحضر عند رؤية البيت ما أمكنه من الخشوع والتذلل، وعن الشبلي أنه غشي عليه عند رؤية البيت فأفاق وأنشد:
هذه دارهم وأنت محب … ما بقاء الدموع في الآماق
وتحصل مما مر أن دخول البيت ولو ليلا جائز، وإقرار النبي ﷺ المفاتيح بيد مَنْ هِيَ مَعَهُ جَبْرا لخاطره وتطييبا فلا يكون فيه دليل على كراهة دخوله ليلا. والله سبحانه أعلم. ومقتضى كون ستة أذرع من الحجر من البيت أن من دخل في ذلك المقدار قد أتى بالمستحب من دخول البيت. قاله الجيزي. قاله عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. سند: ويستحب دخول البيت
стр. 2726
لفعله ﵊ ذلك (١))، ويستحب التنفل في البيت، قال في مختصر الواضحة: سئل مالك عن الصلاة في البيت وعن دخوله على ما [نذر (٢)]، عليه الداخل؟ فقال: ذلك واسع حسن. انتهى. قاله الحطاب.
ومن كداء لمدني؛ يعني أنه يستحب لمن أتى مكة من طريق المدينة كان من أهل المدينة أم لا، أن يدخل مكة من كداء، بفتح الكاف والمد والدال المهملة منونا: الثنية التي بأعلى مكة يهبط منها للأبطح والمقبرة تحتها عن يسارك، وهو المعروف الآن بباب المعلى، وضبطها يوسف بن عمر بإعجام الذال وهو غلط، ولعله توهمه من قول السيدة عائشة: موعدك كذا، فإنه بالذال المعجمة، وليس هو الثنية إنما هو اسم كنى به عن موضع، وقوله: "لمدني"؛ أي ذلك للآتي من طريق المدينة، ومفهومه أن الآتي لمكة من غير طريق المدينة لا يندب له الدخول من كداء، سواء كان من أهل المدينة أو من غيرهم، وللفاكهاني: المشهور أنه يندب لكل حاج أن يدخل من كداء وإن لم تكن طريقه لاستقبال الداخل وجه الكعبة. انتهى. ولأنه الموضع الذي دعا فيه إبراهيم ربه بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم فقيل له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، ولذا قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾، ولم يقل: يأتوني. انتهى. وقال السهيلي: وإنما استحب رسول الله ﷺ لمن أتى مكة أن يدخل من كداء؛ لأنه الموضع الذي دعا فيه إبراهيم ربه بأن لخ: وقال الشيخ زروق عند قول صاحب الرسالة: ويستحب أن يدخل مكة من كداء: الثنية التي بأعلى مكة، وإنما يدخل من هذه لفعله ﵊، وحكمة دخوله من أعلاها، قيل: لدعوة إبراهيم ﵇: إذ قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: تصعد إليهم. والله أعلم. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وبهذا يتضح ما تقدم قبل من قول القائل، ولذا قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾، ولم يقل: يأتوني، فمعناه لو قال يأتوني لكان المأمور به الإتيان إلى البيت من أي جهة كانت. والله سبحانه أعلم. وقوله: "لمدني"، قال الشبراخيتي وغيره: متعلق بمقدر؛ أي ذلك لمدني، فإن قلت: هلا علقت قوله: "لمدني"، بقوله: "دخول"؟ فالجواب أنا لو علقناه به
стр. 2727
لاقتضى أن دخول مكة نهارا بالنسبة للمدني أي: من أتى من طريق المدينة، وليس كذلك. انتهى.
والمسجد من باب بني شيبة؛ يعني أنه يستحب دخول المسجد من باب بني شيبة وإن لم يكن في طريق الداخل كما هو الظاهر من إطلاقاتهم، وهو الظاهر؛ إذ لا كبير كلفة في ذلك، وباب بني شيبة هو المعروف الآن بباب السلام. ابن حبيب: دخل ﷺ المسجد من باب بني شيبة، وخرج إلى المدينة من باب بني سهم. قاله الشيخ إبراهيم. وخروجه من كدى؛ يعني أنه يستحب للمدني إذا أراد الخروج من مكة أن يخرج من كدى بالضم والقصر منونا، وهو الثنية الوسطى التي بأسفل مكة، فقد خرج منها النبي ﷺ إلى المدينة، ويعرف بباب بني سهم، وفي الموطإ أن الرسول ﷺ (كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى (١)) ينزل لها من باب بني شيبة، وظاهر المصنف استحباب خروجه من كدى وإن كانت طريقه من غيرها، وثم موضع آخر يقال: له كُدَيٌّ بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء، وهو الذي يخرج منه إلى اليمن، وفي الدخول من كداء والخروج من كدى مناسبة في الفتح للدخول وفي الضم للخروج، وندب خروجه للسعي من باب الصفا كما مر.
وركوعه للطواف بعد المغرب قبل تنفله؛ يعني أن من طاف بعد العصر طوافا واجبا أو تطوعا يؤخر ركوعه لطوافه ذلك إلى أن يصلي المغرب، فإذا صلاه فإنه يستحب له أن يركع ركعتي الطواف قبل تنفله للمغرب فالاستحباب منصب على كون ركوع الطواف قبل التنفل، وأما كونه بعد المغرب فاستحبابه معلوم من كراهة صلاة النافلة قبل صلاة المغرب، ولابن رشد: الأظهر تقديمهما على المغرب لاتصالهما حينئذ بالطواف ولا يفوتانه فضيلة أول الوقت لخفتهما، وفي المصنف رد عليه، وإنما جاز الفصل بين الطواف وركعتيه بالمغرب؛ لأنه إذا جاز الفصل بين أجزاء الطواف بالفرض مع الجماعة فالفصل بينه وبين ركوعه أولى، وليس في كلام المصنف أنه يؤخر الطواف حتى تغرب الشمس، وقد نص محمد على أن الأحب لمن جاء بعد العصر أن يقيم بذي طوى حتى يمسي ليصل بين طوافه وركوعه، فإن دخل فلا بأس أن يؤخر الطواف حتى
стр. 2728
تغرب الشمس أي ويصلي المغرب، وظاهر كلام المصنف يشمل من طاف قبل الغروب ومن طاف بعده، وإن كان المستحب لمن دخل مكة قبل الغروب أن يؤخر الطواف حتى يصلي المغرب، وربما يستفاد مما تقدم أن الطواف ولو واجبا كصلاة النافلة في الكراهة بعد العصر إلى أن تصلى المغرب، وبعد الصبح إلى حل النافلة، وقد يقال إن الكراهة في الطواف الواجب إنما هي للفصل بينه وبين ركعتيه لا لذاته. وإذا نوى قبل الوتر أن يوتر ثم يطوف بعد الوتر، هل يكره لأنه تنفل بعد الوتر نوى فعله قبل أن يوتر أم لا؟ والأول هو الظاهر. قاله الخرشي.
وقوله: "وركوعه للطواف"، علم مما قررت أنه عام: فقول عبد الباقي: وندب ركوعه للطواف بعد العصر حين دخوله مكة. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، ولا وجه لهذا التقييد، يعني بالمقييد قوله: حين دخوله مكة، بل كلامه عام في كل طواف بعد العصر. انتهى. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وركوعه" لخ، هو لمالك، وروي عنه أيضا في العتبية أنه مخير، فإن شاء ركع للطواف أو صلى المغرب. وبعد طلوع الشمس؛ يعني أن من طاف بعد الصبح يستحب له أن يؤخر ركوعه للطواف حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، فإذا حل النفل فإنه يستحب له أن يركع للطواف قبل تنفله ويستحب له أن يؤخر دخول مكة حتى تطلع الشمس، كما قال مالك، فإن دخل قبله أمسك لطلوعها، ولو على القول بوجوبهما مراعاة للقول بالسنة، قال عبد الباقي: ويعلم مما هنا أن الطواف ولو واجبا كصلاة النفل في كراهته بعد الصبح والعصر إلى أن ترتفع قيد رمح وتصلى المغرب. انتهى. وقد مر ما يفيد الجواب عما قاله في الواجب.
وبالمسجد؛ يعني أنه يندب إيقاع ركعتي الطواف بالمسجد الحرام، وتقدم ندب إيقاعهما خلف المقام فهو مندوب آخر، فلو أوقعهما بمنزلة أو بأي مكان من مكه أجزأه كما مر، وفي الموازية: قال مالك: وإن طاف للإفاضة بعد الصبح فأحب إلينا أن لا ينصرف حتى يركع الركعتين في إلمسجد أو بمكة.
ولما كان الرمل بالنسبة للطائفين كما مر ثلاثة أقسام: قسم متفق عليه وهو المحرم من الميقات وهو أوكدها، وقسم مختلف فيه والمشهور مَشْرُوعِيَّتُه ندبا للسنة وهو ما ذكره بقوله: ورَمَلُ محرِم من كالتنعيم؛ يعني أن الرجل إذا أحرم بحج أو بعمرة أو بهما من الجعرانة أو من التنعيم، فإنه
стр. 2729
يستحب له أن يرمل في الأطواف الثلاثة الأول، وقد علمت أن ذلك في الحج يكون في طواف القدوم، وفي العمرة يكون في طوافها.
وعلم مما قررت أن قوله: "من كالتنعيم"، متعلق بقوله: "محرم"؛ أي الذي أحرم من كالتنعيم، أي يندب له أن يرمل في طوافه، وقد توهم بعض الناس أن قوله: "من كالتنعيم"؛ متعلق "برمل"، فصار يرمل من كالتنعيم في تلك الأماكن الشريفة متمسكا بالمصنف على فهمه، غافلا عن أن الرمل إنما يكون في الطواف في الثلاثة الأول فحصلت له مشقة عظيمة، وقوله: "ورمل"، بصيغة الاسم، عطف على المندوبات، وما مشى عليه المصنف من ندبية رمل الرجل المحرم من التنعيم هو مذهب المدونة، وقيل: إن الرمل غير مشروع في حق من أحرم من كالتنعيم.
وعلم مما قررت أن الكاف مدخلة للجعرانة، كما في الحطاب عن التوضيح ما يفيده. والله سبحانه أعلم. أو بالإفاضة لمراهق؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج ولم يطف للقدوم لكونه مراهقا فإنه يستحب له أن يرمل في طواف الإفاضة؛ أي في الأشواط الثلاثة الأول من طواف الإفاضة، وأما لو كان غير مراهق، فإن طاف للقدوم ورمل فيه أو تركه ولو عمدا فلا يرمل في طواف الإفاضة. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقوله: "لمراهق"؛ أي لمن لم يطف للقدوم، إما لفقد شرطه أو نسيانه أو لتعمد تركه، فلو قال: لكمراهق، لكان أحسن ليشمل من أحرم بالحج من مكة مكيا أو آفاقيا والناسي لطواف القدوم، وأما لو طاف للقدوم وترك الرمل نسيانا أو عمدا فلا يرمل في الإفاضة. انتهى. وقد مر أن القسم المختلف في رملهم: المحرمون من الجعرانة والتنعيم، والمراهقون والصبي والمريض، والمحرم من مكة، وفي الجواهر: وفي مشروعيته -يعني الرمل في طواف الإفاضة للمراهق، وفي طواف القدوم في حق من أحرم من التنعيم وشبهه- خلاف. انتهى. ومذهب مالك في المدونة أنهم يرملون بذلك لكن على سبيل الاستحباب، وقال ابن كنانة وابن نافع: حكمهم في ذلك حكم من طاف للقدوم. انتهى. قاله الشارح. وفي الحطاب: قال ابن الحاجب: وأما طواف الإفاضة للمراهق ونحوه من التنعيم وشبهه، فثالثها المشهور مشروع دونه، قال في التوضيح: قوله: ونحوه؛ أي الناسي أو من يحرم بالحج من مكة مكيا كان أو آفاقيا، أو أحرم بالحج من التنعيم وشبهه أي الجعرانة. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. قال
стр. 2730
مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: فتحصل من كلام الحطاب والشارح هنا وفيما مر أن من طاف للقدوم وهو محرم من التنعيم أو الجعرانة، ومن ترك طواف القدوم وطاف للإفاضة لكونه مراهقا أو ترك طواف القدوم نسيانا أو عمدا، ومن أحرم بالحج من مكة آفاقيا كان أو مكيا، في رملهم ثلاثة أقوال: أحدها وهو المشهور أنهم يرملون ندبا، ثانيها أنهم لا يرملون، ثالثها أنهم كمن أحرم من الميقات وطاف للقدوم فيرملون استنانا. والله سبحانه أعلم.
ومر أن الرمل في حق الرجل إن كان طائفا عن نفسه أو عن رجل لاعن امرأة، وأنه لا ترمل امرأة طافت عن نفسها أو عن امرأة أخرى أو عن رجل، والفرق بين اعتبار المنوب عنه في الأولى دون الأخيرة أن المرأة عورة. والله سبحانه أعلم.
وأشار إلى القسم الثالث المتفق على أنه لا رمل عليهم باتفاق، فقال: (لا تطوع) يعني أنه لا يندب الرمل في طواف التطوع، بل يكره كما استظهره غير واحد، قال الشارح: وقد تقدم أن الطائفين بالنسبة للرمل على ثلاثة أقسام: قِسْمٌ يرملون بلا خلاف وهم المحرمون من المواقيت، وقِسْمٌ لا يرملون بلا خلاف وهم الطائف للوداع أو تطوعا والنساء، وقِسْمٌ اختلف فيهم وهم المحرم من الجعرانة إلى آخر ما مر. وقوله: (ووداع) عطف على تطوع وهو من عطف الخاص على العام؛ يعني أن من طاف للوداع لا يستحب له الرمل، ولله در المصنف، فقد استوفى الأقسام الثلاثة بأوجز عبارة، وألطف إشارة عليه رحمة الديان، وجمعنا وإياه في جنة الرضوان، بجاه سيدنا ومولانا محمد الذي نال به أهل الإيمان، محاسن الحور والولدان، وأمن به العصاة من الخلود في النيران، عليه أفضل الصالة والسلام، وعلى جميع الأنبياء والأصفياء الكرام، وعلى جميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين؛
(وكثرة شرب ماء زمزم) يعني أنه يندب لكل من بمكة آفاقيا أو غيره أن يكثر الشرب من ماء زمزم، ويتوضأ ويغتسل به ما دام بمكة، ويكثر من الدعاء عند شربه، وليقل: اللهم إني أسألك علما نافعا وشفاء من كل داء، وعن ابن عباس: إن شربته تريد الشفاء شفاك الله تعالى، ولظمإ أرواك الله تعالى، ولجوع أشبعك الله تعالى، وقد جعله الله تعالى لإسماعيل وأمه هاجر طعاما، وصَحَّحَ: (ماء زمزم لما شرب له (١)) ابن عيينة من المتقدمين والحافظ الدمياطي من المتأخرين، وقال
стр. 2731
فيه الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر طرقه: إنه يصلح للاحتجاج به على ما عرف من قواعد الحديث، واشتهر عن الشافعي أنه شربه للرمي فكان يصيب من كل عشرة تسعة، وشربه أبو عبد الله الحاكم لحسن التصنيف وغيره فكان أحسن أهل عصره تصنيفا، ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور قالوها، قال الحافظ ابن حجر: وأنا شربته وسألت الله تعالى أن يرزقني حالة الذهبي في حفظ الحديث، فظهر بطلان من رجح حديث: الباذنجان لما أكل له على حديث ماء زمزم لما شرب له، فإن حديث الباذنجان باطل لا أصل له فضلا عن كونه راجحا، وترجيحه من الغرائب بل من الأمور التي لا يحل نقلها إلا مع التنبيه على بطلانها، قال بعض: إنه من وضع الزنادقة، وقال الزركشي: وقول بعض العوام: هو أصح من حديث ماء زمزم خطأ قبيح، وكل ما يروى فيه باطل، ونحوه لأبي عبد الله القوري والبلالي، والباذنجان بكسر الذال المعجمة. وأخبر بعض الناس أنه أصابه إسهال فشرب ماء زمزم فذهب عنه مع أنه يطلق البطن، قال عبد الباقي: وتعليقه الندب بالكثرة ربما يفهم منه أن أصله قليلا غير مندوب.
ونقله؛ يعني أنه يندب نقل ماء زمزم من مكة لغيرها من بلاد الإسلام، وأصل هذا ما في الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أنه ﵊ كان يحمله (١))، ويستحب أن يتزود منه إلى بلده لهذا الخبر، ويستحب أيضا الإكثار من الوضوء به، واستحباب النقل صرح به ابن حبيب، ونقله عنه ابن الحاج في مناسكه، ونقله ابن معلى والتادلي وغيرهم.
واعلم أنه يستحب الإكثار من الطواف أيضا، قال في مختصر الواضحة: فإذا فرغت من السعي بين الصفا والمروة فارجع إلى المسجد الحرام فطاف بالبيت، وأكثر من الطواف ما كنت مقيما بمكة ومن الصلاة في المسجد الحرام الفريضة والنافلة، وقال ابن الحاج: وتكثر من الطواف بالليل والنهار بلا رمل ولا سعي بين الصفا والمروة، وتصلي لكل أسبوع ركعتين خلف المقام، فإنه يستحب كثرة الطواف مع كثرة الذكر، وعن مالك: الطواف بالبيت أفضل من صلاة النافلة لمن
стр. 2732
كان من أهل البلاد البعيدة: وهو المعتمدة وقال ابن المنير في قول البخاري: (باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف أي طوافا آخر بعد طواف القدوم حتى يتم حجه (١)): مشى على مذهب مالك في أنه لا يشتغل بطواف حتى يتم حجه، وقال ابن حجر: ونقل عن مالك أن الحاج لا يشتغل بطواف حتى يتم حجه. قاله الحطاب.
تنبيه: قال الحكيم في نوادر الأصول عن والده: أنه اشتد عليه بالليل الإراقة وهو يطوف، وخشي إن خرج من المسجد أن تتلوث أقدامه بأذى الناس وكان في الموسم، فتوجه زمزم وشرب منها ورجع فلم يحس بالبول حتى أصبح. انتهى. وهذا من الغرائب، فإن زمزم يُدّرُ الإراقة. قاله غير واحد.
وللسعي شروط الصلاة؛ يعني أنه يندب للسعي بين الصفا والمروة شروط الصلاة من طهارة حدث وخبث وستر عورة، وأما استقبال القبلة فلا لعدم إمكانه، ولو انتقض وضوءه أو تذكر حدثا أو أصابه حقن استحب له أن يتوضأ ويسعى، فإن أتم سعيه كذلك أجزأه واستخف اشتغاله بالوضوء ولم يكن مخلا بالموالاة الواجبة في السعي ليسارته، واستشكل تصوير الجنابة في حج صحيح مع أنه مأمور باتصال السعي بالركوع، وأجيب بتصوره في احتلام نوم خفيف عقب سلامه من الركوع لطوافه. قاله الخرشي.
ومن العتبية قال مالك: ومن أحدث في سعيه فتمادى فلا إعادة عليه، وأحسن ذلك أن يتوضأ ويتم سعيه، وقد مر أن من أصابته حقنة يستحب له أن يتوضأ ويسعى، ووضوءه ذلك إنما هو بعد إزالة حقنته، وقوله: "وللسعي شروط الصلاة"، يدخل في ذلك ترك الكلام، وتسعى الحائض والنفساء والجنب، وتقدم الجواب عن استشكال تصور الجنب في حج صحيح، فيندب له أن يتطهر ويبني ومر أن السعي لا تشترط فيه الطهارة من غير خلاف. والله سبحانه أعلم.
وخطبه الضمير في خطبه للحج واللفظ بصيغة الجمع؛ يعني أن خطب الحج مندوبة، وهي ثلاث: بعد ظهر السابع بمكة واحدة؛ يعني أن خطب الحج ثلاث منها واحدة بعد صلاة ظهر اليوم السابع من ذي الحجة وهو يوم الزينة، سمي بذلك لما كانوا يبرزون فيه من زينة المحامل وجلالات الهدايا، وقال بعض أهل الظاهر: إنه سمي يوم الزينة أخذا من يوم الزينة المذكور في
стр. 2733
الكتاب العزيز، وقوله: "واحدة"، مبتدأ وخبره: "بعد"، وقوله: "بمكة" حال؛ أي حال كونها كائنة بمكة، ويمكن العكس، ومعنى كونها واحدة أنه لا جلوس فيها، وقيل: يَجْلِسُ في وسطها، وعليه فهما خطبتان.
واعلم أن ما مشى عليه المصنف ومقابله قولان مرجحان، وهذه الخطبة التي بعد ظهر السابع بمكة يفتتحها الإمام بالتلبية إن كان محرما، وباقي الخطب يفتتحه بالتكبير، وفي الشارح والتتائي: أنه يفتتح هذه الخطبة أعني: خطبة السابع بالتكبير وهما قولان، قال في التوضيح عن ابن الحاج: يفتتح هذه الخطبة -يعني خطبة السابع- بالتلبية بخلاف الأخيرتين، وعن ابن حبيب عن الأخوين أنه: يفتتح الجميع بالتكبير، والظاهر أن محل الخلاف حيث كان الإمام محرما كما أشرت إليه في الحل، وأن الأولى له التلبية لأنها مشروعة الآن وهي شعار المحرم، فإن كان غير محرم تعين التكبير. والله سبحانه أعلم. انظر الخرشي.
وعلم مما قررت أن معنى قوله: "بعد ظهر السابع"، بعد صلاة الظهر في اليوم السابع، فلو فعلت قبل ظهر يوم السابع لم يكن آتيا بالمستحب، وفي كثير من النسخ: "وخطبة" بالإفراد، وعليه فيجوز رفع واحدة صفة لخطبة ونصبه على الحال منها وإن كان نكرة لوصفها بالظرف، وجعل المصنف ﵀ كل ما ذكره من قوله: "ونُدِبَا كالإحرام بالكافرون والإخلاص" إلى آخر الفصل مستحبات، قال الحطاب: وفيها سنن منها هذه؛ يعني وخطبة بعد ظهر السابع إلى قوله: "ودعاء وتضرع للغروب". قال عبد الباقي: والغاية خارجة. انتهى. وقوله: "بعد ظهر السابع"، هذا هو المشهور، وقال في مختصر الوقار: ضحى، وقال فيه أيضا: في الخطبة الثالثة يخطب الإمام من غد يوم النحر ارتفاع الضحى انتهى. وقوله: بمكة مفهومه أن هذه الخطبة لا تكون بغير مكة، وقد ذكر الشافعية أن الحجيج إذا توجهوا لرفة ولم يدخلوا مكة، يستحب لإمامهم أن يفعل ما يفعل بمكة، فانظره. والله أعلم. قاله الحطاب. يُخْيرُ بالمناسك؛ يعني أن الخطيب يخبر في هذه الخطبة المذكورة بالمناسك، أَيْ يُذَكِّرُ بها من كان عارفا ويعلم الجاهل، فهو شامل لهذين القسمين، والمراد بالمناسك هنا ما يُفْعَلُ من خطبته إلى عرفة من خروجهم إلى منى، وصلاتهم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومبيتهم بها ليلة عرفة، وصلاتهم الصبح
стр. 2734
صبيحتها بمنى، وقدومهم إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وتحريضهم على النزول بنمرة، ثم إن إخباره بهذه المناسك يتوقف عليه تحقيق هذه الخطبة، وإن لم يخبر فيها بذلك لم يكن آتيا بها. قاله الشبراخيتي.
وخروجه لمنى قدر ما يدرك بها الظهر؛ يعني أنه يندب الخروج لمنى يوم التروية بمقدار ما يدرك به الظهر قصرا بوقْتِهَا المُخْتَارِ، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، ويسمى يوم التروية يوم النقلة لانتقال الناس فيه، وعبارة المصنف واقعة كعبارة غير واحد من أهل المذهب، والظاهر أن مرادهم بقولهم: قدر ما يدرك بها الظهر، أن يدرك آخر الوقت المختار، ومن كان به ضعف أو ثقل بحيث لا يدرك آخر الوقت إذا خرج عند الزوال فلا بأس أن يخرج من أول النهار بحيث يدرك آخر الوقت المختار؛ إذ لا يجوز له أن يؤخرها إلى الوقت الضروري. قاله الحطاب. ويكره الخروج إلى منى قبل يومها، وإلى عرفة قبل يومها ولو بتقديم الأثقال، والمستحب أن يخرج بعد زوال الثامن، ومن به أو بدابته ضعف بحيث لا يدرك آخر الوقت إذا خرج بعد الزوال يخرج قبل ذلك كما مر قريبا، وظاهر قوله: ما يدرك بها الظهر، ولو وافق يوم جمعة وهو كذلك عند الجمهور فإنه الأفضل للمسافرين، وأما المقيمون فتجب عليهم، وقوله: "قدر ما يدرك بها الظهر"؛ يعني ويصليها قصرا كما مر: ويصلي بها المغرب والعشاء كما مر ويبيت بها كما قال.
وبياته بها؛ أي بمنى؛ يعني أنه يندب له أن يبيت بمنى ليلة عرفة، وقد مر أن الحطاب جعل هذا سنة، ولا دم في ترك بياته بمنى، ويستحب له أيضا أن يصلي الصبح بها، وقال الشبراخيتي: واختلفت العبارات، فبعضهم قال: يخرج قبل الزوال، وبعضهم قال: بعد الزوال، وبعضهم قال: قرب الزوال، وبعضهم قال: وقت الضحى، ومدارهم على إدراك الظهر في وقتها الاختياري، وما تقدم من أنه لا دم في ترك البيت بمنى هو المشهور، وقال ابن العربي: عليه الدم. قاله الحطاب.
وقال: والحاصل أن الخروج لمنى قدر ما يدرك بها الظهر هو على جهة الأولى، ولو خرج قبل ذلك في يوم التروية جاز، وإنما يكرد التقدم قبل يوم التروية، وسمي اليوم الثامن يوم التروية لما كانوا يحملون فيه من الماء إلى عرفة، ومنى بكسر الميم مقصورا منونا: موضع بين وادي محسر
стр. 2735
وجمرة العقبة يذكر ويؤنث، وقد علمت أنه مصروف، ويجوز ترك صرفه، سمى بذلك لما يمنى فيه من الدماء أي يراق.
وسيره بعد الطلوع؛ يعني أنه يندب له أن يسير من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وقد مر أنه يكره الخروج إلى عرفة قبل يومها ولا يجاوز بطن محسر قبل طلوع الشمس؛ لأنه في حكم منى، وإن تقدم الضعيف ومن به علة قبل ذلك فلا بأس، ومروره بين المأزمين، ومصب الاستحباب قوله: "بعد الطلوع"، وإلا فالسير لعرفة واجب. قاله الشبراخيتي. وفي الحطاب: وعد الجزولي من السنن التي لا توجب الدم المرور بين المأزمين في الذهاب والرجوع، قال: وهما جبلان يقول لهما الحجاج: العلمين. انتهى. ونزوله بنمرة؛ يعني أن الإمام وغيره يستحب له النزول بنمرة بفتح النون وكسر الميم: مكان بعرفة، فيضرب الإمام به خباء أو قبة كما فعل النبي ﷺ (١)).
وخطبتان بعد الزوال؛ يعني أنه يستحب خطبتان بعد الزوال بمسجد عرفة وهو مسجد نمرة، يفتتحهما الإمام بالتكبير ويجلس بينهما، ويعلم الإمام الناس فيهما ما بقي من مناسك الحج، من صلاتهم بعرفة ووقوفهم ودفعهم ومبيتهم بمزدلفة، وجمعهم بين المغرب والعشاء، ووقوفهم بالمشعر الحرام، والدفع منه إلى منى، والإسراع بوادي محسر، ورمي جمرة العقبة، والحلق والتقصير والنحر والذبح، وطواف الإفاضة. ابن عرفة: لو صلى بغير خطبة أجزأ. أبو عمر: إجماعا، ولو خطب قبل الزوال وصلى بعده أجزأ. وقوله: "وخطبتان"؛ أي خطبة يجلس في وسطها، والخطبة الثالثة لم يذكرها المصنف، ولعله لترك الناس لها اليوم وهي تفعل في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة أول يوم من أيام الرمي بعد الظهر، وهي واحدة لا يجلس فيها يعلم الناس فيها حكم مبيتهم بمنى، وكيفية الرمي، وما يلزم بتركه أو بعضه، وحكم التعجيل والتأخير وتعجيل الإفاضة والتوسعة في تأخيره، وطواف الوداع ونحو ذلك، وما ورد أنه ﷺ خطب يوم الأضحى محمول عند مالك وأبي حنيفة على بعض أيام التشريق؛ لأنها أيام أضحى وأيام نحر، أو هي خطبة من مواعظه ﷺ العتادة منه، وقوله: "بعد الزوال"، وأما