فيه الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر طرقه: إنه يصلح للاحتجاج به على ما عرف من قواعد الحديث، واشتهر عن الشافعي أنه شربه للرمي فكان يصيب من كل عشرة تسعة، وشربه أبو عبد الله الحاكم لحسن التصنيف وغيره فكان أحسن أهل عصره تصنيفا، ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور قالوها، قال الحافظ ابن حجر: وأنا شربته وسألت الله تعالى أن يرزقني حالة الذهبي في حفظ الحديث، فظهر بطلان من رجح حديث: الباذنجان لما أكل له على حديث ماء زمزم لما شرب له، فإن حديث الباذنجان باطل لا أصل له فضلا عن كونه راجحا، وترجيحه من الغرائب بل من الأمور التي لا يحل نقلها إلا مع التنبيه على بطلانها، قال بعض: إنه من وضع الزنادقة، وقال الزركشي: وقول بعض العوام: هو أصح من حديث ماء زمزم خطأ قبيح، وكل ما يروى فيه باطل، ونحوه لأبي عبد الله القوري والبلالي، والباذنجان بكسر الذال المعجمة. وأخبر بعض الناس أنه أصابه إسهال فشرب ماء زمزم فذهب عنه مع أنه يطلق البطن، قال عبد الباقي: وتعليقه الندب بالكثرة ربما يفهم منه أن أصله قليلا غير مندوب.
ونقله؛ يعني أنه يندب نقل ماء زمزم من مكة لغيرها من بلاد الإسلام، وأصل هذا ما في الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أنه ﵊ كان يحمله (١))، ويستحب أن يتزود منه إلى بلده لهذا الخبر، ويستحب أيضا الإكثار من الوضوء به، واستحباب النقل صرح به ابن حبيب، ونقله عنه ابن الحاج في مناسكه، ونقله ابن معلى والتادلي وغيرهم.
واعلم أنه يستحب الإكثار من الطواف أيضا، قال في مختصر الواضحة: فإذا فرغت من السعي بين الصفا والمروة فارجع إلى المسجد الحرام فطاف بالبيت، وأكثر من الطواف ما كنت مقيما بمكة ومن الصلاة في المسجد الحرام الفريضة والنافلة، وقال ابن الحاج: وتكثر من الطواف بالليل والنهار بلا رمل ولا سعي بين الصفا والمروة، وتصلي لكل أسبوع ركعتين خلف المقام، فإنه يستحب كثرة الطواف مع كثرة الذكر، وعن مالك: الطواف بالبيت أفضل من صلاة النافلة لمن
стр. 2732
كان من أهل البلاد البعيدة: وهو المعتمدة وقال ابن المنير في قول البخاري: (باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف أي طوافا آخر بعد طواف القدوم حتى يتم حجه (١)): مشى على مذهب مالك في أنه لا يشتغل بطواف حتى يتم حجه، وقال ابن حجر: ونقل عن مالك أن الحاج لا يشتغل بطواف حتى يتم حجه. قاله الحطاب.
تنبيه: قال الحكيم في نوادر الأصول عن والده: أنه اشتد عليه بالليل الإراقة وهو يطوف، وخشي إن خرج من المسجد أن تتلوث أقدامه بأذى الناس وكان في الموسم، فتوجه زمزم وشرب منها ورجع فلم يحس بالبول حتى أصبح. انتهى. وهذا من الغرائب، فإن زمزم يُدّرُ الإراقة. قاله غير واحد.
وللسعي شروط الصلاة؛ يعني أنه يندب للسعي بين الصفا والمروة شروط الصلاة من طهارة حدث وخبث وستر عورة، وأما استقبال القبلة فلا لعدم إمكانه، ولو انتقض وضوءه أو تذكر حدثا أو أصابه حقن استحب له أن يتوضأ ويسعى، فإن أتم سعيه كذلك أجزأه واستخف اشتغاله بالوضوء ولم يكن مخلا بالموالاة الواجبة في السعي ليسارته، واستشكل تصوير الجنابة في حج صحيح مع أنه مأمور باتصال السعي بالركوع، وأجيب بتصوره في احتلام نوم خفيف عقب سلامه من الركوع لطوافه. قاله الخرشي.
ومن العتبية قال مالك: ومن أحدث في سعيه فتمادى فلا إعادة عليه، وأحسن ذلك أن يتوضأ ويتم سعيه، وقد مر أن من أصابته حقنة يستحب له أن يتوضأ ويسعى، ووضوءه ذلك إنما هو بعد إزالة حقنته، وقوله: "وللسعي شروط الصلاة"، يدخل في ذلك ترك الكلام، وتسعى الحائض والنفساء والجنب، وتقدم الجواب عن استشكال تصور الجنب في حج صحيح، فيندب له أن يتطهر ويبني ومر أن السعي لا تشترط فيه الطهارة من غير خلاف. والله سبحانه أعلم.
وخطبه الضمير في خطبه للحج واللفظ بصيغة الجمع؛ يعني أن خطب الحج مندوبة، وهي ثلاث: بعد ظهر السابع بمكة واحدة؛ يعني أن خطب الحج ثلاث منها واحدة بعد صلاة ظهر اليوم السابع من ذي الحجة وهو يوم الزينة، سمي بذلك لما كانوا يبرزون فيه من زينة المحامل وجلالات الهدايا، وقال بعض أهل الظاهر: إنه سمي يوم الزينة أخذا من يوم الزينة المذكور في
стр. 2733
الكتاب العزيز، وقوله: "واحدة"، مبتدأ وخبره: "بعد"، وقوله: "بمكة" حال؛ أي حال كونها كائنة بمكة، ويمكن العكس، ومعنى كونها واحدة أنه لا جلوس فيها، وقيل: يَجْلِسُ في وسطها، وعليه فهما خطبتان.
واعلم أن ما مشى عليه المصنف ومقابله قولان مرجحان، وهذه الخطبة التي بعد ظهر السابع بمكة يفتتحها الإمام بالتلبية إن كان محرما، وباقي الخطب يفتتحه بالتكبير، وفي الشارح والتتائي: أنه يفتتح هذه الخطبة أعني: خطبة السابع بالتكبير وهما قولان، قال في التوضيح عن ابن الحاج: يفتتح هذه الخطبة -يعني خطبة السابع- بالتلبية بخلاف الأخيرتين، وعن ابن حبيب عن الأخوين أنه: يفتتح الجميع بالتكبير، والظاهر أن محل الخلاف حيث كان الإمام محرما كما أشرت إليه في الحل، وأن الأولى له التلبية لأنها مشروعة الآن وهي شعار المحرم، فإن كان غير محرم تعين التكبير. والله سبحانه أعلم. انظر الخرشي.
وعلم مما قررت أن معنى قوله: "بعد ظهر السابع"، بعد صلاة الظهر في اليوم السابع، فلو فعلت قبل ظهر يوم السابع لم يكن آتيا بالمستحب، وفي كثير من النسخ: "وخطبة" بالإفراد، وعليه فيجوز رفع واحدة صفة لخطبة ونصبه على الحال منها وإن كان نكرة لوصفها بالظرف، وجعل المصنف ﵀ كل ما ذكره من قوله: "ونُدِبَا كالإحرام بالكافرون والإخلاص" إلى آخر الفصل مستحبات، قال الحطاب: وفيها سنن منها هذه؛ يعني وخطبة بعد ظهر السابع إلى قوله: "ودعاء وتضرع للغروب". قال عبد الباقي: والغاية خارجة. انتهى. وقوله: "بعد ظهر السابع"، هذا هو المشهور، وقال في مختصر الوقار: ضحى، وقال فيه أيضا: في الخطبة الثالثة يخطب الإمام من غد يوم النحر ارتفاع الضحى انتهى. وقوله: بمكة مفهومه أن هذه الخطبة لا تكون بغير مكة، وقد ذكر الشافعية أن الحجيج إذا توجهوا لرفة ولم يدخلوا مكة، يستحب لإمامهم أن يفعل ما يفعل بمكة، فانظره. والله أعلم. قاله الحطاب. يُخْيرُ بالمناسك؛ يعني أن الخطيب يخبر في هذه الخطبة المذكورة بالمناسك، أَيْ يُذَكِّرُ بها من كان عارفا ويعلم الجاهل، فهو شامل لهذين القسمين، والمراد بالمناسك هنا ما يُفْعَلُ من خطبته إلى عرفة من خروجهم إلى منى، وصلاتهم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومبيتهم بها ليلة عرفة، وصلاتهم الصبح
стр. 2734
صبيحتها بمنى، وقدومهم إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وتحريضهم على النزول بنمرة، ثم إن إخباره بهذه المناسك يتوقف عليه تحقيق هذه الخطبة، وإن لم يخبر فيها بذلك لم يكن آتيا بها. قاله الشبراخيتي.
وخروجه لمنى قدر ما يدرك بها الظهر؛ يعني أنه يندب الخروج لمنى يوم التروية بمقدار ما يدرك به الظهر قصرا بوقْتِهَا المُخْتَارِ، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، ويسمى يوم التروية يوم النقلة لانتقال الناس فيه، وعبارة المصنف واقعة كعبارة غير واحد من أهل المذهب، والظاهر أن مرادهم بقولهم: قدر ما يدرك بها الظهر، أن يدرك آخر الوقت المختار، ومن كان به ضعف أو ثقل بحيث لا يدرك آخر الوقت إذا خرج عند الزوال فلا بأس أن يخرج من أول النهار بحيث يدرك آخر الوقت المختار؛ إذ لا يجوز له أن يؤخرها إلى الوقت الضروري. قاله الحطاب. ويكره الخروج إلى منى قبل يومها، وإلى عرفة قبل يومها ولو بتقديم الأثقال، والمستحب أن يخرج بعد زوال الثامن، ومن به أو بدابته ضعف بحيث لا يدرك آخر الوقت إذا خرج بعد الزوال يخرج قبل ذلك كما مر قريبا، وظاهر قوله: ما يدرك بها الظهر، ولو وافق يوم جمعة وهو كذلك عند الجمهور فإنه الأفضل للمسافرين، وأما المقيمون فتجب عليهم، وقوله: "قدر ما يدرك بها الظهر"؛ يعني ويصليها قصرا كما مر: ويصلي بها المغرب والعشاء كما مر ويبيت بها كما قال.
وبياته بها؛ أي بمنى؛ يعني أنه يندب له أن يبيت بمنى ليلة عرفة، وقد مر أن الحطاب جعل هذا سنة، ولا دم في ترك بياته بمنى، ويستحب له أيضا أن يصلي الصبح بها، وقال الشبراخيتي: واختلفت العبارات، فبعضهم قال: يخرج قبل الزوال، وبعضهم قال: بعد الزوال، وبعضهم قال: قرب الزوال، وبعضهم قال: وقت الضحى، ومدارهم على إدراك الظهر في وقتها الاختياري، وما تقدم من أنه لا دم في ترك البيت بمنى هو المشهور، وقال ابن العربي: عليه الدم. قاله الحطاب.
وقال: والحاصل أن الخروج لمنى قدر ما يدرك بها الظهر هو على جهة الأولى، ولو خرج قبل ذلك في يوم التروية جاز، وإنما يكرد التقدم قبل يوم التروية، وسمي اليوم الثامن يوم التروية لما كانوا يحملون فيه من الماء إلى عرفة، ومنى بكسر الميم مقصورا منونا: موضع بين وادي محسر
стр. 2735
وجمرة العقبة يذكر ويؤنث، وقد علمت أنه مصروف، ويجوز ترك صرفه، سمى بذلك لما يمنى فيه من الدماء أي يراق.
وسيره بعد الطلوع؛ يعني أنه يندب له أن يسير من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وقد مر أنه يكره الخروج إلى عرفة قبل يومها ولا يجاوز بطن محسر قبل طلوع الشمس؛ لأنه في حكم منى، وإن تقدم الضعيف ومن به علة قبل ذلك فلا بأس، ومروره بين المأزمين، ومصب الاستحباب قوله: "بعد الطلوع"، وإلا فالسير لعرفة واجب. قاله الشبراخيتي. وفي الحطاب: وعد الجزولي من السنن التي لا توجب الدم المرور بين المأزمين في الذهاب والرجوع، قال: وهما جبلان يقول لهما الحجاج: العلمين. انتهى. ونزوله بنمرة؛ يعني أن الإمام وغيره يستحب له النزول بنمرة بفتح النون وكسر الميم: مكان بعرفة، فيضرب الإمام به خباء أو قبة كما فعل النبي ﷺ (١)).
وخطبتان بعد الزوال؛ يعني أنه يستحب خطبتان بعد الزوال بمسجد عرفة وهو مسجد نمرة، يفتتحهما الإمام بالتكبير ويجلس بينهما، ويعلم الإمام الناس فيهما ما بقي من مناسك الحج، من صلاتهم بعرفة ووقوفهم ودفعهم ومبيتهم بمزدلفة، وجمعهم بين المغرب والعشاء، ووقوفهم بالمشعر الحرام، والدفع منه إلى منى، والإسراع بوادي محسر، ورمي جمرة العقبة، والحلق والتقصير والنحر والذبح، وطواف الإفاضة. ابن عرفة: لو صلى بغير خطبة أجزأ. أبو عمر: إجماعا، ولو خطب قبل الزوال وصلى بعده أجزأ. وقوله: "وخطبتان"؛ أي خطبة يجلس في وسطها، والخطبة الثالثة لم يذكرها المصنف، ولعله لترك الناس لها اليوم وهي تفعل في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة أول يوم من أيام الرمي بعد الظهر، وهي واحدة لا يجلس فيها يعلم الناس فيها حكم مبيتهم بمنى، وكيفية الرمي، وما يلزم بتركه أو بعضه، وحكم التعجيل والتأخير وتعجيل الإفاضة والتوسعة في تأخيره، وطواف الوداع ونحو ذلك، وما ورد أنه ﷺ خطب يوم الأضحى محمول عند مالك وأبي حنيفة على بعض أيام التشريق؛ لأنها أيام أضحى وأيام نحر، أو هي خطبة من مواعظه ﷺ العتادة منه، وقوله: "بعد الزوال"، وأما
стр. 2736
الخطبة التي تفعل الآن بعد العصر فهي مذهب الشافعي. ثم أذن؛ أي ثم بعد شروع الإمام في الخطبة يؤذن المؤذن يوم عرفة؛ أي يؤذن المؤذن يوم عرفة بعد الزوال، وبعد أن شرع الإمام في الخطبة فيؤذن فيها أو بعد فراغها، ولفظ المدونة: ويؤذن المؤذن إن شاء في الخطبة أو بعد فراغها، وسئل مالك عن المؤذن متى يؤذن يوم عرفة، أبعد (١) الخطبة، أو بعد فراغ الإمام من الخطبة، أو هو يخطب؟ قال: ذلك واسع، إن شاء والإمام يخطب، وإن شاء بعد ما يفرغ من خطبته. وقال ابن القاسم: وإنما الأذان والإمام يخطب أو بعد فراغ الإمام من خطبته، قال مالك: ذلك واسع. انتهى. وهذا الذي قررت به المصنف هو الذي قرره به محمد بن الحسن بناني، وقرره الخرشي والشبراخيتي وعبد الباقي على أن معنى قوله: "ثم"، بعد الفراغ من الخطبة "أذن"، لا عند جلوسه ولا قبلها ولا فيها أو بعدها، ولا في آخرها بحيث يفرغ منه مع فراغ الخطبة، خلافا لزاعمي ذلك. انتهى. وناقش محمد بن الحسن في ذلك، وقال: إن معنى المصنف: "ثم"، بعد الشروع في الخطبة "أذن"، وجلب ما مر من النقول. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ثم أذن". بالبناء للمفعول. قاله غير واحد.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر أن نائبه ضمير يعود على التأذين المعهود. والله سبحانه أعلم. أي يؤذن للأولى ويقام لها والإمام جالس على المنبر في الحالتين. وجمع -بصيغة الفعل- بين الظهرين؛ يعني أن الإمام إذا فرغ من خطبته ونزل عن المنبر فإنه يجمع بين الظهرين جمع تقديم بأذان ثان للعصر مع إقامة لها كما في المدونة. ابن الجلاب: وهو الأشهر، وقيل: بأذان واحد، وبه قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن المواز، وأتى بقوله: إثر الزوال؛ مع أنه تقدم ما يفيد صريحا أنهما بعد الزوال ليفيد أنه يطلب بتعجيلهما أي يصليهما عقب الزوال، وقوله: "إثر"، متعلق بجمع أي يصلي الظهر والعصر بقرب الزوال إثره جامعا بينهما جمع تقديم، وفي تغيير المصنف الأسلوب إشارة إلى أن حكم الأذان والجمع مخالف لحكم ما قبله وما بعده، وهو كذلك؛ إذ الحكم في كل منهما السنية لا الاستحباب. قاله الشبراخيتي وغيره.
стр. 2737
وفي مختصر الوقار: ولا يتنفل بينهما، وفي الزاهي لابن شعبان: ويصلي المغرب والعشاء يجمع بينهما يعني بالمزدلفة ولا يتنفل بينهما؛ ثم يوتر، ثم يبيت، وقال الشبيبي في الصلوات المنهي عنها: والصلاة بين الصلاتين في الجمع بعرفة والمزدلفة وليلة المطر، وفي الخرشي: ولا تنفل بينهما ولم يمنعه كجمع وليلة المطر، ومن فاته الجمع بعرفة مع الإمام فليجمع بينهما في رحله. انتهى. وأما قول الجزولي: المشهور أن من فاته الحج لا يجمع وحده، فهو غريب. والله أعلم. انظر الحطاب. وقوله: "وجمع بين الظهرين"؛ يعني ولو وافق يوم جمعة، قال في الذخيرة: جمع الرشيد مالكا وأبا يوسف، فسأله أبو يوسف عن إقامة الجمعة بعرفة؟ فقال مالك لا يجوز؛ لأنه ﵊ لم يصلها في حجة الوداع، فقال أبو يوسف: قد صلاها لأنه قد خطب خطبتين وصلى بعدهما ركعتين وهذه جمعة، فقال: أجهر بالقراءة كما يجهر بالجمعة؟ فسكت أبو يوسف وسلم، وقال ابن الحاجب: والصلاة سرية ولو وافقت جمعة، ويصليها المنفرد جمعا وقصرا، ومن أدركه وقت الجمعة بمكة يوم التروية من مكي أو غيره ممن أقام بمكة أربعة أيام فعليهم أن يصلوا جمعة قبل أن يخرجوا. قاله مالك. ابن القاسم: ومعناه أنه ممن يلزمه إتمام الصلاة. أصبغ: وأما المسافر فمخير، وأحب إلي أن يصلي لفضيلة المسجد الحرام، وقال محمد: أحب إلي خروجه إلى منى.
ودعاء؛ يعني أن الحاج إذا فرغ من الجمع بين الظهرين بعرفة فإنه يقف للدعاء راكبا والماشي واقفا، وللتسبيح والتحميد والتهليل وللصلاة على المصطفى ﷺ . وتضرع؛ يعني أنه يندب له بعد فراغه من الجمع بين الظهرين أن يكون بتلك الحالة، وأن يكون متضرعا متذللا، والمراد بالتضرع إظهار شدة الرغبة في طلب الإجابة؛ بأن يدعُوَ بتلهف ويُظهرَ الكرْبَ والحاجةَ والفاقةَ والذلَّ والافتقارَ، لا على وجه الترفه أو الكسل أو الأنفة والعظمة وعدم الاهتمام والمبَالاة أو نحو ذلك، ويستمر واقفا على تلك الحالة للغروب؛ أي لا تزال أيها الواقف بعرفة بعد الظهرين واقفا تدعو ربك وتضرع إليه حتى تغرب الشمس، فاللام للانتهاء، فإذا غربت الشمس دفع الإمام فتدفع أنت بدفعه، وفي الحديث: (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسئلوه بظهورها، فإذا
стр. 2738
فرغتم فامسحوا بها وجوهكم (١))، ويدعوا بألفاظ القرآن وما جرى مجراها من ألفاظه ﵊، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، إلى آخرها، ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾. إلخ، ونحو ذلك.
وقد علمت أن هذا في الوقوف بعرفة، وأما وقوف أهل الآفاق تشبيها بهم فإنه مكروه كما قال المصنف: "واجتماع لدعاء يوم عرفة"، وقال في منسكه: وليكثر من الدعاء والتضرع والابتهال له ولوالديه والمسلمين، فهناك تسكبُ العبرات، وتستقال العثرات، وتنجح الطَّلِبَات، وإنه لموقف عظيم ومجمع جليل تجمع فيه خيار عباد الله تعالى، وقوله: "ودعاء" ويبدأ دعاءه بالحمد لله والصلاة على نبيه ﷺ ، ثم يدعو بألفاظ القرآن، وعن علي رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (أكثر دعاءي ودعاءِ الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في سمعي نورا وفي بصري نورا وفي قلبي نورا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأعوذ بك من وساوس الصدور وتشتيت الأمور وعذاب القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر (٢)). قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: مفسرا للمصنف يعني أنه إذا فرغ من الجمع بين الظهرين بعرفة فإنه يقف للدعاء راكبا والماشي واقفا والتسبيح والتحميد والتهليل والصلاة على المصطفى ﵇ متضرعا متذللا إلى غروب
стр. 2739
الشمس، فإذا غربت دفع إلى المزدلفة: هكذا فعل النبي ﵇، وقد قال ﵇: (أفضل الدعاء يوم عرفة (١)). انتهى. وفي الحديث: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة (٢)). انتهى. رواه مسلم. قاله الشارح.
ووقوفه بوضوء؛ يعني أنه يندب للواقف بعرفة أي الحاضر بها أن يكون على وضوء ليكون على أكمل الحالات، وقد علمت أن الركن يحصل بالحضور لجزء من عرفة، ولا يشترط أن يكون واقفا فقوله: ووقوفه أي حضوره فلا ينافي قوله: وركوبه به، أي بالوقوف أي الحضور؛ يعني أنه يندب للواقف بعرفة أن يكون راكبا، "والباء" في "به"، بمعنى؛ في، وإنما ندب الركوب (لوقوفه ﷺ كذلك (٣))، ولكونه أعون على مواصلة الدعاء وأقوى على الطاعات، وهو مستثنى من قوله ﷺ : (لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي (٤))، وقوله: "وركوبه به "، ما لم يضر. قاله الشبراخيتي. ثم قيام؛ يعني أنه إذا أضر الركوب بالدابة أو لم تكن له دابة، فإن القيام في حقه أي الانتصاب على قدميه أفضل من غيره: وهذا في حق الرجال، ويكره القيام للنساء، فالمندوب في حقهن الجلوس للستر، وقوله: "ثم قيام"، هو المشهور، وفي مختصر الوقار: والراكب بمعرفة والجالس أفضل من القائم. انتهى. إلا لتلعب؛ يعني أنه إذا حصل للحاضر عرفة تعب من الوضوء فإنه يكون الأفضل له عدم الوضوء، وكذا إذا حصل له أو للدابة تعب من الركوب فإنه يكون الأفضل في حقه عدم الركوب، وكذا إذا عجز عن القيام يكون الأفضل في حقه عدم القيام. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: قال في الحاشية: وينبغي أن يكون أجر الجالس لتعبه مساويا لأجر القائم، قياسا على ما قالوه في النافلة: أن الجالس لغير عذر أجره على النصف من القائم، والجالس لعذر أجره كالقائم فينبغي أن يكون هنا كذلك؛ إذ لا فرق. انتهى.
стр. 2740
وعلم مما قررت أن الاستثناء راجع للمسائل الثلاث، أعني مسألة الوضوء، ومسألة الركوب، ومسألة القيام. والاستثناء شامل في الحقيقة لأربع كما قررت والله سبحانه أعلم.
وصلاته بمزدلفة العشاءين؛ يعني أنه يندب الجمع للعشاءين بالمزدلفة، فإذا غربت الشمس وهو واقف بعرفة فإنه يؤخر المغرب إلى أن يأتي المزدلفة فيجمعها مع العشاء، قال فيها: ومن دفع من عرفة حين غربت الشمس ولم يكن به علة ولا بدابته وهو يسير بسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة، فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها؛ لأن النبي ﷺ ، قال: (الصلاة أمامك (١))، قيل لمالك فإن أتى المزدلفة قبل الشفق؟ قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان ما أحب له أن يصلي حتى يغيب الشفق، وهكذا قال ابن حبيب وابن القاسم: إنه لا يصلي حتى يغيب الشفق، ولا يشتغل قبل الصلاة بشيء ولو عشاء خفيفا، وفي العتبية: ولا بأس أن يبدأ بحط الرحل الخفيف قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاة ثم يحط، وفي الموطأ (أنه ﷺ صلى المغرب بها ثم أناخ كل إنسان بعيره في بمنزلة ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما شيئا (٢))، وقوله: "وصلاته بمزدلفة العشاءين"، خلاف المذهب، والمذهب أنه سنة كما قال القائل:
والجمع للظهرين يوم الموقف … يسن كالجمع بجمع فاعرف
يعني بجمع المزدلفة، وفسرت المصنف بأن معناه أنه يجمع بين المغرب والعشاء مع أنه صادق بغير الجمع وهو غير مراد، لقوله الآتي: "وجَمَعَ وقصَّرَ"، ومحل كونه يجمع الصلاتين إذا وقف مع الإمام وسار مع الناس أو لم يسر معهم اختيارا، فإن لم يقف معه أصلا أو وقف وحده فإنه لا يجمع بالمزدلفة ولا بغيرها، ويصلي كل صلاة لوقتها كغير الحاج، وإن وقف مع الإمام وتأخر عن السير مع الناس لعجز صلاهما بعد الشفق في أي محل أراد. قاله الشبراخيتي.
واعلم أن صلاة العشاء والمغرب بالمزدلفة غير مجموعتين مخالف للسنة، فيكون مكروها كما لعبد الباقي، وفي الحطاب: والجمع بين الصلاتين بمزدلفة سنة. انتهى. وقال عبد الباقي: وتسمى
стр. 2741
المزدلفة جمعا بفتح الجيم وسكون الميم لاجتماع آدام وحواء بها، أو لجمع الصلاتين بها. قاله التتائي. والمذهب أن الجمع بها سنة إن وقف مع الإمام، فإن لم يقف معه؛ بأن لم يقف أصلا أو وقف وحده لم يجمع بالمزدلفة ولا بغيرها، ويصلي كل صلاة لوقتها كما يأتي للمصنف.
وبياته بها؛ يعني أنه يندب البيات بمزدلفة وقال الحطاب ما نصه: جمع الصلاتين بمزدلفة سنة، وكذا المبيت بها إلى الصبح، وأما النزول فواجب. انتهى. وقال عبد الباقي: وندب بياته بها أي بمزدلفة، وأما النزول بها بقدر حط الرحال سواء حطت بالفعل أم لا، وإن لم يجز لتعذيب الحيوان فواجب. وإن لم ينزل فالدم؛ يعني أن النزول بالمزدلفة أي المكث بها بقدر ما تحط به الرحال واجب، ولهذا إن لم ينزل بها حتى طلع الفجر فإنه يلزم الدم فهو من الواجبات التي تجبر بالدم، وقال في منسكه: والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لابد من حط الرحال. انتهى. قوله: في النزول؛ أي الواجب. قاله عبد الباقي. ولا فرق في النزول الواجب بين كونه في أول الليل أو وسطه أو آخره، وإن تركه لعذر فلا شيء عليه، وقول المصنف: والظاهر أنه لا يكفي في النزول الخ، مخالف لما مر من أن النزول الواجب يحصل بحط الرحال أو بقدره. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه.
وفي الحطاب بعد جلب كلام: فتحصل أن من ترك النزول من ضير عذر حتى طلع الفجر لزمه الدم عند ابن القاسم، ومن تركه لعذر فلا شيء عليه ولو جاء بعد طلوع الشمس. والله أعلم. انتهى. وقال أشهب: إنما يسقط الدم بالنزول قبل الفجر، فإن أتى بعد الفجر فعليه الدم وإن كان من ضعفة الرجال والنساء والصبيان، وقيل إنه لا دم في ترك النزول أصلا، وفي التوضيح وابن عرفة ما يفيد أن من ترك النزول ليلا بالمزدلفة من غير عذر ثم جاء بعد الفجر أنه لا شيء عليه عند ابن القاسم، وأن من لم يصل إلى المزدلفة إلا بعد طلوع الشمس فعليه الدم عند ابن القاسم أيضا ولو كان لعذر، وليس كذلك. قاله الحطاب. واستثنى المصنف من ندب البيات بمزدلفة فيما يأتي من يرخص لهم من الضعفاء ونحوهم في التقدم عن الناس إلى منى ليلة النحر، لكون بياتهم بها أرفق بهم من بياتهم بمزدلفة، والمزدلفة من الازدلاف والزلف، وهو التقرب لأن الناس إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي تقربوا ومضوا إليها، ولما كان قول المصنف: "وصلاته
стр. 2742
بمزدلفة "الخ، يصدق بصلاتهما جمعا وبصلاتهما على غير هذا الوجه مع أنه غير مراد، بَيَّنَ المراد بقوله: وجَمَعَ وقصَّر. فعلان ماضيان، قال عبد الباقي: ليفيد أن كلا من الجمع والقصر سنة بانفراده؛ يعني أنه يسن الجمع بمزدلفة بين العشاءين جمع تأخير، وكذلك يسن قصر العشاء، بها وانظر قول عبد الباقي ليفيد أن كلا الخ مع ما مر من حكم المصنف بالندبية في قوله: "وصلاته بمزدلفة العشاءين". إلا أهلها، مستثنى من قوله: "وقصر"، ولا يرجع لقوله: "وجمع"، كما يفيده النقل؛ يعني أن الجمع بين المغرب والعشاء يفعله أهل مزدلفة وغيرهم، وأما القصر فلا يكون إلا من غير أهلها، وأما أهلها فإنهم يتمون بها. كمعنى؛ يعني أن أهل منى يتمون بها وغيرهم يقصر بها، وأما الجمع بها فإن أهلها يجمعون بها كغيرهم. وعرفة؛ يعني أن أهل عرفة يتمون بها ويقصر بها غير أهلها، وأما جمع الظهرين بها فيفعله أهلها وغيرهم. والحاصل أن أهل كل مكان يتمون به ويقصرون فيما سواه، فيتم أهل عرفة بها ويقصرون بمنى ومزدلفة، ويتم أهل مزدلفة بها ويقصرون في عرفة ومنى، ويتم أهل منى بها ويقصرون في عرفة ومزدلفة. قاله سند. وقال: إنه مجمع عليه. نقله الحطاب. وقال: يريد إنه مجمع عليه عند أهل المذهب ونحو ذلك في الجلاب.
وقال بعد جلب نقول كثيرة: وحاصل ما تقدم أن جميع من يخرج إلى الحج يقصر الصلاة في خروجه من مكة قبل وصوله إلى منى على الأحسن. كما قاله سند. وبعد وصوله إليها بلا خلاف في المذهب، وكذا في ذهابه إلى عرفة وفي عرفة، وفي رجوعه للمزدلفة وفي المزدلفة، وفي رجوعه إلى منى وفي مدة إقامته بمنى إلا أهل كل مكان في محلهم فلا يقصرون فيه. انتهى. المراد منه.
وفي الإكمال: ولا خلاف أن الحاج من غير أهل مكة يقصرون بمنى وعرفة، وكذلك عند مالك حكم الحاج من أهل مكة يقصرون بعرفة ومنى لتقصيرهم مع النبي ﷺ ، وكذلك أهل عرفة ومنى بمكة لخطبة عمر أهل مكة بالتمام دونهم (١)). وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء إلى أن أهل مكة بمنى وعرفة وأهل عرفة ومنى بمكة يتمون كغير المحرم؛ إذ ليس في المسافة قصر الصلاة، وَحُجَّتُنَا ما تقدم من السنة والاتباع، ولأن في تكرار مشاعر الحج ومناسكه
стр. 2743
مقدار المسافة التي فيها قصر الصلاة عند الجميع. قاله الحطاب. وفي المدونة: ويتم أهل منى بمنى وأهل عرفة بعرفة، وكل من لم يكن من أهلها فليقصر الصلاة بها، قال ابن هارون: يريد وإن كان من أهل مكة وهذا إذا لم يكن الإمام من أهل عرفة ولا منى، فإن كان منها أتم وأتم الناس معه، وكره مالك أن يكون من أهلها لأنه يغير سنة القصر. انتهى. قاله الحطاب.
وقال: من أدركته الصلاة من الحجاج وهو في غير مواضع النسك كالرعاة إذا رموا الجمرة وتوجهوا للرعي، فالظاهر من كلامهم أن حكمهم حكم الحجاج. انتهى. وفي الحطاب عن ابن رشد في أثناء كلام: وإذا رموا في اليوم الرابع ثم توجهوا إلى المحصب فنزلوا فيه وأقاموا بمنى ليخف الناس أو أدركتهم الصلاة في الطريق، ففي قصرهم وإتمامهم قولان، رجع مالك إلى القصر وإليه رجع اختيار ابن القاسم وهذا كله في حق من لم يثبت له حكم السفر، أما من قدم قبل الخروج إلى الحج بأقل من أربعة أيام، وعزمه أن لا يقيم بعده فهذا حكمه حكم المسافر في كل موضع حل به. انتهى المراد منه.
ولما كان الجمع بمزدلفة خاصا بمن دفع بدفع الإمام من عرفة وهو يسير بسيره، ذكر من تخلف عنه ونوَّعه إلى نوعين فقال: وإن عجز فبعد الشفق؛ يعني أنه إذا وقف مع الناس بعرفة فلما دفعوا منها إلى المزدلفة عجز عن اللحاق بهم، فإنه يجمع المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق في أي محل ولو غير المزدلفة، ومن لم يقف معهم صلى كل صلاة لوقتها. إن نفر مع الإمام يعني أن محل كونه يجمع بين المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق في أي محل إنما هو فيما إذا نفر مع الإمام؛ أي سار معه من عرفة إلى المزدلفة وعجز عن اللحاق به، هذا مقتضاه وفيه نظر، وصوابه: إن وقف مع الإمام كما تقدمت الإشارة إليه هذا هو الموافق للنقل، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا ينفر مع الإمام فإنه يصلي كل صلاة عند وقتها، ولا يجمع بينهما كما قال: فكل لوقته، هذا ظاهره وليس بصواب كما علمت، والموافق للنقل أن تقول: وإن يقف مع الإمام فإنه يصلي كل صلاة لوقتها ولا يجمع بينهما، فقوله: "كل"؛ أي كل من الصلاتين، واللام في قوله: "لوقته"، بمعنى: عند، أو في، وذَكَّر الضمير مراعاة للفظ كل، ومفهوم قوله: "عجز"، أنه إن وقف معه وتأخر عنه لغير عجز فإنه يجمع بين الصلاتين على المعتمد، لكن في مزدلفة خاصة
стр. 2744
فَعُلِمَ أن الأقسام أربعة: وَقَفَ مع الإمام ووافى المزدلفة قبل صلاتهم جمع معهم، وَقَفَ معه وعجز عن اللحوق جمع بينهما بعد مغيب الشفق في أي محل، لَمْ يَقَفْ معه لا يجمع بل يصلي كل صلاة لوقتها، وَقَفَ معه وتأخر عنه لغير عجز جمع بينهما بالمزدلفة خاصة.
وإنما جمع في هذا الرابع لوجود سبب الرخصة في الجملة وهو وقوفه مع الإمام، وشدد عليه حيث لم يسر معه لغير عذر في أنه لا يجمع إلا في مزدلفة خاصة، وهذا الذي ذكرت أنه هو الصواب تبعت فيه الشبراخيتي ومحمد بن الحسن، فإنه قال: الصواب أن يقول: إن وقف مع الإمام كما لابن الحاجب والمناسك إذ هو المطابق للنقل، ومثله في الخرشي وهو الموافق لما في التوضيح، وبه تعلم ما في تقرير الزرقاني. انتهى.
وإن قدمتا عليه أعادهما؛ يعني أن من أمر بالجمع بمزدلفة إذا خالف بأن قدم المغرب والعشاء قبل النزول بمزدلفة وبعد مغيب الشفق فإنه يعيدهما في الوقت، هذا على أن الضمير في "عليه" عائد على محل الجمع وهو مزدلفة وعلى أن ضمير عليه عائد على الشفق فإنه يعيد المغرب في الوقت والعشاء أبدا.
وارتحاله بعد الصبح مغلسا؛ يعني أنه يندب للحاج ارتحاله من مزدلفة بعد صلاة الصبح حال كونه مغلسا أي في أول وقتها؛ أي في الظلمة قبل الضوء، وندب له وقوفه بالمشعر؛ يعني أنه يندب له أن يرتحل في الظلمة بعد صلاة الصبح. فيأتي المشعر الحرام فيقف به ندبا، والمشعر بفتح الميم وكسرها والفتح أشهر، وهو ما بين جبل المزدلفة وقزح بقاف مضمومة فزاي مفتوحة فحاء مهملة. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. قال عبد الباقي: سمي مشعرا لما فيه من الشعائر، وهي معالم الدين والطاعة، ومعنى الحرام المحرم الذي يحرم فيه الصيد وغيره؛ لأنه من الحرم. انتهى. وقال الشبراخيتي: ويقال له جمع وهو الذي بناه قصي في الجاهلية ليهتدي به الحاج المقبلون من عرفات. انتهى.
وقال الحطاب: المشعر اسم للبناء الذي بالمزدلفة ويطلق على جميعها، وقال في الزاهي: فإذا أصبح وصلى وقف الإمام والناس بالمشعر الحرام الذي بناه قصي بن كلاب في الجاهلية ليهتدي به الحجاج المقبلون من عرفات. انتهى. والوقوف في أي جزء من المزدلفة يجزئ، وعند البناء
стр. 2745
أفضل، ويجعل البناء على يساره، قال في شرح العمدة لابن عسكر: وليقف بعد الصلاة عند المشعر الحرام وهو المسجد الذي بالمزدلفة. يكبر ويدعو للإسفار؛ يعني أنه يقف بالمشعر الحرام يكبر في وقوفه ويدعو الله تعالى ويهلل ويحمد، ويصلي على النبي ﷺ بتذلل وخضوع وسكينة وخشوع مثل ما فعل بعرفة، ولا يزال واقفا مستمرا على تلك الحالة إلى الإسفار، والغاية خارجة، والمجرور تعلق "بوقوفه"، وقوله: "يكبر ويدعو"، هو مصب الندب؛ لأن وقوفه بالمشعر الحرام ليس لذاته، قال الشبراخيتي: وظاهر المصنف أن الندب لا يحصل إلا بالوقوف معهما أو مع أحدهما. انتهى. وظاهر كلام المصنف جواز التمادي بالوقوف إلى الإسفار، ونحوه في الموازية والمختصر، وفي المدونة: لا يقف أحد بالمشعر إلى طلوع الشمس والإسفار، ولكن يدفعون قبل ذلك، وفيها: وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه؛ لأنه ليس بعد الإسفار وقت للوقوف، فيتبعوه فيه والخطأ لا يتبع فيه، ولا خلاف في كراهة التأخير حتى تطلع الشمس، ومن فعله فقد أساء ولا هدي عليه، وقوله: "ووقوفه" الخ، قد مر أنه مندوب، والذي لابن رشد وشهره القلشاني أنه سنة، وقال ابن الماجشون: فريضة. واستقباله به؛ يعني أنه يندب استقبال الواقف للقبلة عند وقوفه بالمشعر الحرام بجعله عن يساره، فالضمير في "استقباله" للواقف، وفي "به" للوقوف أو للمشعر الحرام، الأول للخرشي والثاني للشبراخيتي.
ولا وقوف بعده؛ يعني أنه لا يشرع الوقوف بالمشعر الحرام بعد الإسفار الأعلى بل يفوت الوقوف به، قال في المدونة: وإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه لأنه ليس بعد الإسفار وقت للوقوف فيتبعوه فيه والخطأ لا يتبع فيه، ولا خلاف في كراهة التأخير حتى تطلع الشمس ومن فعله فقد أساء ولا هدي عليه. انتهى. وكانت الجاهلية يقفون لطلوع الشمس ففعلنا ذلك لمخالفتهم، وجعل الشارح الضمير في بعده للإمام؛ أي لا يقف أحد بعد الإمام إذا نفر، وعلى أن الضمير في قوله: "بعده" للإسفار، فالمعنى كما تفيده عباراتهم الدخول في الإسفار. والله سبحانه أعلم.
ولا قبل الصبح؛ يعني أنه لا وقوف قبل صلاة الصبح بل يكره، قال ابن فرحون: ومن وقف بعد الفجر وقبل أن يصلي الصبح فهو كمن لَمْ يَقِفْ. انتهى. وإنما ذكره لمخالفة السنة. وإسراع ببطن محسر، بميم مضمومة فحاء مهملة مفتوحة فسين مهملة مكسورة مشددة فراء مهملة: واد بين
стр. 2746
مزدلفة ومنى قدر رمي حجر ليس من واحد منهما. قاله النووي والطبري. وفي خبر الصحيحين ما يدل على أنه من منى (١))، وفي نقل صاحب المطالع، وصوبه أن بعضه من منى وبعضه من مزدلفة، سمي محسرا لحسر فيل أصحاب الفيل فيه أي إعيائه، ولبعض الشافعية أن النصارى والجاهلية كانوا يقفون فيه ويتفاخرون، وتسميه أهل مكة واديَ النار لأن رجلا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته، ويقال له: المهلل لتهليل الناس فيه إذا وصلوه، والمهلل مكان مرتفع عنده. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أنه يندب الإسراع في بطن محسر في الذهاب والرجوع، فالراكب يسرع بدابته، والماشي بخطواته. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب: الفاكهاني: وانظر سر التحريك ببطن محسر فإني لم أقف على شيء فيه أعتمد عليه: وليس بطن محسر من منى.
(ورميه العقبة حين وصوله) يعني أن هذا الذي دفع من المزدلفة يندب له أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله لمنى قبل حط رحله من غير تأخير؛ لأنه تحية الحرم والندب مُنْصَبّ على الظرف؛ أي أن المندوب هو الرمي حين الوصول وإلا فرمي جمرة العقبة واجب. (وإن راكبا) هو مبالغة في قوله: "حين وصوله"؛ أي يندب له رمي العقبة حين وصوله على الحالة التي هو عليها من ركوب أو مشي، وإنما بالغ بقوله: "وإن راكبا"، لدفع توهم أنها كغيرها من بقية الجمار في استحباب رميها ماشيا، وليس المراد أنه يستحب رميها في حالة الركوب، وأن رميها في غير هذه الحالة غير مستحب، ويدخل وقت رميها بطلوع الفجر، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: "ورمي العقبة أول يوم" الخ، وقوله: "ورميه العقبة حين وصوله"، هذا في حق من لم يرخص له في التقدم من مزدلفة لمنى، فإن هؤلاء يدخلون منى قبل الفجر ولا يصح رميها حينئذ، فينتظر حتى يطلع الفجر واستحب بعد طلوع الشمس. قاله البدر. واعترض الشارح قول المصنف: "وإن راكبا"، بأن ظاهره أن الركوب مرجوح وهو خلاف المدونة: الشأن أن يرمي جمرة العقبة ضحوة راكبا، وإن مشى فلا شيء عليه. انتهى. وأجيب بأنه ليس مراد المدونة أن الماشي إذا وصل إلى العقبة يركب ليرميها، بل يرميها على حالته التي وصل عليها ماشيا فلا يشتغل بالركوب، بل الأفضل تركه لأن فيه عدم الاستعجال برميها. قاله عبد الباقي عن التتائي وحلولو.
стр. 2747
وقوله: "ورميه العقبة"؛ أي من أسفلها، وهو ببطن الوادي، قال مالك: ومن لم يصل إلى أسفلها للزحام فلا بأس أن يرميها من فوقها، ثم رجع فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، وانظر لو رمى من فوق لا مع زحام، هل يجزئه أم لا؟ قال بعض شراح الرسالة: إن ذلك يجزئه. قاله الخرشي. وقال الحطاب: قال سند: والركوب في العقبة ليس من سنة الرمي حتى يقال: من قدم ماشيا فليركب وقت الرمي، وإنما السنة الاستعجال، فمن كان راكبا رمى راكبا قبل أن ينزل، ومن كان ماشيا رمى ماشيا، ولو مشى الراكب وركب الماشي لم يكن فيه شيء؛ لأن هذا هيئة وليس بركن مستقل. انتهى. وقال عن النوادر: ومن لم يصل لزحام فلا بأس أن يرميها من فوقها، وقد فعله عمر لزحام ثم رجع مالك فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، فإن فعل فليستغفر الله تعالى. انتهى. وقال الحطاب أيضا: وإذا رماها من أسفلها فليستقبلها ومنى عن يمينه وهو ببطن الوادي، وكذلك كان ابن مسعود يفعل ولا يقف عندها بعد الرمي. انتهى. وقال مالك: من رمى جمرة العقبة رجع من حيث شاء. انتهى. قاله الحطاب.
والمشي في غيرها؛ يعني أنه يستحب له أن يمشي في رمي غير جمرة العقبة يوم النحر، فيشمل المشي في جمرة العقبة وغيرها في غير يوم النحر؛ وهو الأيام الثلاثة لغير المتعجل، واليومان للمتعجل وفي الحطاب أنه إن قدم في غير وقت رمي أخر الرمي حتى تطلع الشمس فيمشي لها أي لجمرة العقبة كما يمشي لسائر الجمار، فإن المشي إلى العبادة في هذا الموضع أفضل، لما رواه نافع عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبا، وراجعا ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١))، (وروى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن الناس كانوا إذا رموا الجمار مشوا ذاهبين وراجعين (٢)). وأول من ركب معاوية بن أبي سفيان، ويرمي جمرة العقبة من أسفلها كما مر، ويستقبلها وهي عن يمينه وهو ببطن الوادي، وكذلك كان ابن مسعود يفعل ولا يقف عندها بعد الرمي، ولا ينصرف الذي يرمي جمرة العقبة على طريقه لأنه يمنع الذي يأتي للرمي، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة.
стр. 2748
وأشار إلى التحلل الأصغر بقوله: وحل بها غير نساء وصيد؛ يعني أنه يحل للحاج ما كان محرما عليه إذا رمى جمرة العقبة أو فات وقت أداء رميها بسبب الإحرام، إلا النساء فلا يحل له أن يقربهن بجماع ولا مقدماته، ولا أن يعقد عليهن، وكذا لا يحل له الصيد بسبب رمي جمرة العقبة فحرمتهما عليه بالإحرام باقية، وحرمة غيرهما بالإحرام زالت برمي جمرة العقبة، فقوله: "بها"؛ أي بجمرة العقبة أي برميها، وكما يحل ما حرم بسبب الإحرام غير النساء والصيد بسبب رمي جمرة العقبة، يحل أيضا بخروج وقت أداء رميها كما مر فخروج وقت أداء رمي جمرة العقبة ورميُها سواءٌ في أن كلا منهما يحل به غير النساء والصيد، وفي أن حرمة النساء والصيد باقية معهما، وظاهر ما سيأتي أن العقد حينئذ يفسخ مطلقا؛ أي قبل الدخول وبعده، وقوله: "وحل بها"، أي برمي جمرة العقبة الكائن قبل طواف الإفاضة، ويسمى هذا التحللُ التحللَ الأصغر والتحللَ الأول، وسيأتي الواجب في النساء والصيد إن شاء الله تعالى. وفي الحطاب أنه إن قَبَّل بعد الرمي فعليه هدي.
وكره الطيب؛ يعني أنه إذا رمى جمرة العقبة الرمي الكائن قبل الإفاضة فإنه يحل له كل شيء كان حراما عليه بإحرامه ما خلا ثلاثة أشياء؛ اثنان يتجنبهما على سبيل الوجوب وهما النساء والصيد كما مر، والثالث يتجنبه على سبيل الندب وهو الطيب، فيكره له استعماله، والتحلل الأكبر هو طواف الإفاضة، وبه يحل ما بقي وهي هذه الثلاثة، وسينص على ذلك، قال في المدونة: وأكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه، وإذا رمى العقبة فقلم أظفاره وأخذ من لحيته وشاربه واستحد أو طلى بالنؤرة قبل أن يحلق رأسه فلا بأس بذلك، ويستحب له إذا حل من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب، وقد فعله ابن عمر، وإنما استحب ذلك ليفرق بين الزمنين؛ زمن الإحرام والإحلال كما استحب الفطر في عيد الفطر قبل الغدو إلى المصلى ليفرق بين زمن الصوم وزمن الفطر، وأقام بعض الأشياخ من هنا مثل ما قاله فضل بن مسلمة أن المتوفى عنها إذا انقضت عدتها يستحب لها أن تطيب لتفرق بين الزمنين. قاله الشارح. وقوله: ويستحب له إذا حل من إحرامه الخ، المتبادر منه أنه يندب ولو في التحلل الأصغر. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. وهو
стр. 2749
مقتضى الخرشي أو صريحة. وأشعر قوله: نساء أن هذا في الرجل، ومثله المرأة فيحل لها برمي جمرة العقبة غير رجل وصيد. قاله عبد الباقي. وقوله: "وكره الطيب"؛ أي فلا فدية عليه على المشهور.
وتكبيرة مع كل حصاة؛ يعني أنه يستحب له أن يكبر مع رمي كل حصاة تكبيرة واحدة، وهذا جار في رمي العقبة وغيرها من الجمار، فقوله: "تكبيرة" بالتاء لا بالهاء كما في الخرشي، فيفيد أنها تكبيرة واحدة، وقوله: "وتكبيرة مع كل حصاة"، ظاهر المدونة أنه سنة، قال فيها: ويكبر مع كل حصاة، وإن لم يكبر أجزأه الرمي، قيل: فإن سبح مع كل حصاة؟ قال: السنة التكبير، وكان ابن عمر يكبر إثر كل حصاة، ويقول: رأيت المصطفى ﷺ يفعله (١))، وقوله: "مع"؛ أي لا قبل ولا بعد، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق به كما هو الظاهر ولو قبل وصولها لمحلها، وقد مر أن التكبير إذا ترك لا شيء فيه. أبو عمر: إجماعا، ابن هارون: لا شيء فيه عند مالك. وذهب قوم إلى أن التكبير هو الواجب في الجمار، وإنما جعل الرمي حفظا لعدده كالتسبيح بالحصى، فالدم يتعلق عندهم بترك التكبير لا بترك الرمي، وحكاه الطبري عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والجمهور على خلافه. انتهى. وحكى في الطراز أيضا الإجزاء عن الجمهور، وذكر ابن عطاء الله عن بعض أصحابنا أنه يقول مع التكبير: هذه في طاعة الرحمن وهذه في غضب الشيطان. انتهى. وقال في الزاهي: ويقول إذا رمى الجمار: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا، وقال في النوادر عن ابن حبيب: ويقول كلما رمى أو عمل شيئا من أمر الحج: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا، وظاهر قوله: "تكبيرة"، أنه لا بسملة فيه.
وعلم مما قررت أن التكبيرات بعدد الحصيات، فالتكبيرات سبع والحصيات سبع.
وتتابعها؛ أي الحصيات؛ يعني أنه يندب تتابع الحصيات السبع أي موالاتها في رمي كل جمرة من الجمرات الثلاث؛ أي يتبع الحصاة أختها من غير تربص إلا بمقدار يتميز به كونهما رميتين، ولا يبعد أن يتحد وذلك بوصول الحصاة للجمرة لا بوقوعها في الأرض حولها، ويرمي بأصابعه لا بقبضته.
стр. 2750
وعلم مما قررت أن المراد بالتتابع الموالاة، وقال الأمير عاطفا على المندوب: وتتابعها أي موالاة الحصيات، وإلا فرمي كل واحدة بمرة واجب، فإن رمى السبع دفعة اعتد بواحدة. انتهى. ولقطها؛ أي لقط سبع حصيات، ولا يكسر حجرا فيأخذ منه قطعا سبعا؛ يعني أنه يندب له أن يلقط جميع الحصيات التي يرمي بها يوم النحر وفي جميع الأيام، هذا مراده كما يفيده الشارح وغيره، وإن كان كلامه هنا في جمرة العقبة يوم النحر فقط، فقوله: "ولقطها"؛ أي فكسرها خلاف المندوب، فيكره في له أن يأخذ حجرا ويكسره. مالك: ولقطها أحب إلي من كسرها، وفي الحطاب: فإن احتاج إلى كسرها فلا بأس، وقال الشارح مفسرا للمصنف: أي لقط الحصيات التي يرمى بها أولى من كسرها للسنة، وله أن يأخذ حصى الجمار من منزلة بمنى أو من حيث شاء، إلا جمرة العقبة فيستحب أخذها من المزدلفة. قاله ابن القاسم، وغيره. نقله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: هكذا نقل في التوضيح هذا التفصيل عن غير واحد. انتهى. وعزاه الحطاب لابن القاسم وابن حبيب وغيرهما.
وفي المقدمات: لما أُمِرَ إبراهيم ﵇ ببناء البيت سارت السكينة بين يديه فكان يسير بسيرها، فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق مع جبريل ﵉ حتى أتيا العقبة فعرض له الشيطان فرماه، ثم عرض له عند الثانية فرماه، ثم عند الثالثة فرماه، فكانت سنة الرمي تذكيرا بآثار الخليل وتعظيما لشأنها ببقاء الذكر الجليل، ويروى أن الكبش الذي فدي به إسحاق هرب من إبراهيم فاتبعه فأخرجه عن الجمرة الأولى فرماه سبع حصيات فأفلت، فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عنها فرماه سبع حصيات، فجاء جمرة العقبة فرماه سبع حصيات فأخذه عندها فجاء به المنحر فذبحه، وروي أن سببه تعرض إبليس لإسحاق في المواضع الثلاثة، وأن الخليل أمره في كل منها بحصبه بسبع حصيات. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير عاطفا على المندوب: ولقط العقبة من مزدلفة والباقي من منى. انتهى.
وذبح قبل الزوال؛ يعني أنه يندب ذبح الهدي قبل الزوال يوم النحر ولو قبل طلوع الشمس، بخلاف الأضحية لتعلقها بالصلاة، ولا صلاة عيد على أهل منى، فلذلك جاز نحر الهدي قبل
стр. 2751
طلوع الشمس، ويندب أيضا الحلق قبل الزوال، فلذلك طَلَب؛ أي يطلب الحاج بدنته إن ضلت لى؛ أي للزوال أي لقربه بقدر ما يحلق قبل الزوال ليحلق؛ أي لكون الحلق قبل الزوال مندوبا. من ضلت بدنته بأول النهار يطلبها إلى قرب الزوال ليجدها فينحرها، ويحلق قبل الزوال بعد نحرها فكلاهما مستحب قبل الزوال مكروه بعده، فإن لم يصبها وخشي الزوال حلق ليلا تفوته الفضيلتان، والأصل في تقديم الذبح على الحلق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ودلت السنة على أن النهي في الآية الشريفة للتنزيه، فإنه قال لمن سأله ممن حلق قبل [فافعل ولا حرج (١)]، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج (٢)). انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
ثم حلقه، بصيغة الاسم والضمير للرجل؛ يعني أنه يستحب كون الحلق بعد الذبح؛ أي أن الذي يفعل بمنى يوم النحر على الترتيب: رمي، فنحر، فحلق. ولا فرق في استحباب إيقاع الحلق عقب الذبح بين المفرد والقارن على المشهور، وقال ابن الجهم: إن المكي القارن لا يحلق حتى يطوف ويسعى، قال عبد الباقي: ويلزمه ذلك في حق كل من أخر السعي إلى طواف الإفاضة. انتهى. قوله: ويلزمه ذلك الخ، مثله في التوضيح وهو غير ظاهر؛ لأن ابن الجهم إنما قاله في القارن لأجل إحرامه بالعمرة مع الحج، وهي لا حلق فيها إلا مع الطواف والسعي بخلاف الحج وحده، ونص ابن حجر: ولأبي داوود رمي ثم نحر ثم حلق.
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب إلا أن ابن الجهم المالكي استثنى القارن، وقال: لا يحلق حتى يطوف كأنه لاحظ أنه في عمل العمرة والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، ورد عليه النووي بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد. ابن عرفة: ومؤخر السعي لكونه مراهقا كغيره اتفاقا. ولكونه قارنا في كونه كذلك، وتأخير حلقه حتى يسعى للمشهور، وقول ابن الجهم بناء على اضمحلال العمرة في القران واعتبارها. قاله محمد بن الحسن.
стр. 2752
واعلم أن الحلق نفسه يجب هو أو التقصير، وقال الشبراخيتي: واعلم أن تأخير الحلق عن الرمي واجب ينجير بالدم، كما أن تأخير الإفاضة عن الرمي كذلك، وأما تأخير الذبح عن الرمي وتأخير الحلق عن الذبح فمستحب كتأخير الإفاضة عن الذبح. انتهى. وسيأتي للمصنف الإشارة إلى هذا. الباجي: وإذا قدم الحلق على الذبح فإما أن يفعل ذلك خطئا أو جهلا أو عمدا، فإن كان ذلك خطئا أو عمدا فروى ابن حبيب عن ابن القاسم: لا شيء عليه وهو المشهور، وقال ابن الماجشون: عليه الهدي، ووُجِّهَ الأول [بالحديث (١)]، ورأى ابن الماجشون أن معنى ذلك: لا إثم؛ لأن الحرج يطلق على الإثم دون الهدي، ولابن القاسم أن يقول: هذا موضع تعليم لما يجب على السائل: فلو وجب عليه الهدي لذكره. قاله الشارح. وقال الأمير: ووجب تأخير الحلق والإفاضة عن الرمي، فتقديم أحدهما يوجب دما، وندب ذبح أو نحر قبل الزوال، وطلب بدنته له ثم حلق جميع رأسه. انتهى.
واعلم أن الحلاق إنما يكون أفضل من التقصير في غير المتمتع، وأما هو فالتقصير في حقه أفضل استبقاء للشعث في الحج كما أشار له في الرسالة، وعن بعضهم: يستحب الإكثار من الدعاء عند الحلق، فإن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، ولعل المراد أنها تكثر أو يتحقق ذلك، وإلا فالرحمة تغشاه في غير وقت الحلق أيضا، ويبدأ في الحلق بالشق الأيمن، لخبر مسلم بذلك (٢))، والظاهر أن مرادهم الشق الأيمن للمحلوق. قاله الحطاب. وقال ابن شعبان عن الزاهي: ويستقبل القبلة أي المحلوق رأسه.
ويروى أن أبا حنيفة ﵁، قال (٣): أخطأت في ستة أبواب من المناسك فعلمنيها حجام، وذلك أني حين أردت حلق رأسي وقفت على حجام، فقلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال أعراقي؟ فقلت: نعم، فقال: النسك لا يشارط عليه، اجلس فجلست منحرفا عن القبلة. فقال: حول وجهك إلى القبلة فحولته، وأردت أن يحلق رأسي من الجانب الأيسر، فقال: أدر الشق الأيمن
стр. 2753
من رأسك فأدرته فجعل يحلق وأنا ساكت، فقال: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب، قال لي: أين تريد؟ قلت: رحلي، فقال: ادفن شعرك، ثم صل ركعتين، ثم امض، فقلت له، من أين لك ما أمرتني؟ فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح يفعل ذلك.
وقول المصنف: "ثم حلقه"، اعلم أن حكم الصبي في ذلك حكم الرجل، قال مالك: ومن برأسه وجع لا يقدر على الحلاق أهدى، قال بعض: فإن صح فالظاهر أنه يجب عليه الحلق.
ولما كان الحلق بمعنى الإزالة بالحديد أفضل اتفاقا، أشار إلى الإزالة بالنؤرة المختلف فيها بقوله: ولو بنؤرة؛ يعني أن الإزالة للشعر بالنؤرة حلق فهي مجزئة، ورد المصنف "بلو" قول أشهب: لا تجزئ الإزالة بالنؤرة، وقد علمت أن المصنف هنا استعمل الحلق في مطلق الإزالة؛ إذ الحلق إنما يكون بالموسى، والنؤرة بالضم فسرها غير واحد بالجير، قال بعضهم: وقد يسمى بهذا الاسم الخلط المتخذ منها ومن الزرنيخ لحلق الشعر. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: ومثل الرجل في الحلق البنت الصغيرة وهي من عمرها دون تسع سنين كما يأتي عن التتائي، وهو صريح في أنه يجوز للصغيرة الحلق والتقصير، وذكر البدر ما يقتضي أن الحلق لها أفضل، قال: والظاهر أن المبالغة في الجواز فقط لا في الأفضلية، فهو مثل قوله في التيمم: "كتراب وهو الأفضل ولو نقل" قوله: وذكر البدر ما يقتضي الخ، نقل ابن عرفة القولين، فقال: الشيخ: روى محمد: حلق الصغيرة أحب إلي من تقصيرها، وسمع ابن القاسم: التخيير. اللخمي: بنت تسع كالكبيرة ويجوز في الصغيرة الأمران. قاله محمد بن الحسن. وفي الحطاب: ثم استحباب الحلق على التقصير ليس هو على العموم، بل قد يتعين الحلق في بعض الصور كما إذا كان الشعر قصيرا جدا أو لم يكن في الرأس شعر كالأقرع، فإنه يمر الموسى على رأسه. قاله في المدونة. ويتعين الحلق أيضا في حق الرجل إذا لبد رأسه أو عقص أو ضفر، وإنما تعين الحلق في حق هؤلاء للسنة. قاله الحطاب. ويتعين التقصير في حق المرأة الكبيرة ولو لبدت ويخير في الصغيرة، وتقدم أن التقصير في حق المتمتع أفضل وظاهره: مطلقا.
والذي في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب الحج تقييد ذلك بأن تقرب أيام الحج، ونصه: وسئل عن المعتمر؛ أيحلق رأسه أحب إليك أم يقصر؟ فقال: بل يحلق إلا أن
стр. 2754
تكون أيامُ الموسم وتقاربَ الحج مثل الأيام اليسيرة فلا أرى أن يحلق، ويقصرُ أحب إليَّ. ابن رشد: الحلق أفضل؛ لأن الله تعالى بدأ به في كتابه، (ودعا ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة (١))، إلا أن تقرب أيام الحج فالتقصير أفضل، وقد مر أن حكم الصبي حكم الرجل في الحلق، ومن لم يقدر على حلاق رأسه ولا التقصير من وجع به فعليه هدي بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام وسبعة، والترتيب المذكور في الهدي هو على جهة الأولى، ويبلغ بالحلاق وبالتقصير إلى عظم الصدغين. الشيخ محيي الدين: إذا عصيت الله تعالى بموضع فلا تبرح حتى تعمل فيه طاعة كما شهد عليك يشهد لك، وكذلك ما يفارقك منك من قص شارب وحلق عانة وقص أظفار وتسريح لحية وتنقية وسخ لا يفارقك شيء من ذلك إلا وأنت على طهارة، وذكر الله تعالى فإنه مسئول عنك، وأقل عبادة تقدر عليها أن تدعو الله أن يتوب عليك حتى تكون مؤديا واجبا في امتثال قوله : ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾؛ يعني بالعبادة: الدعاء. انتهى. وقال : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، وقال ابن شعبان في الزاهي: قضاء التفث حلاق الرأس وقص الأظفار وإماطة الأذى عن الجسد والوجه والرأس، والنذر رمي الجمار وغيره يوم النحر، وكان ابن عمر يأخذ من لحيته ما جاوز القبضة، ويأخذ من شاربه وأظفاره ولا يأخذ من عارضيه، وكره ابن القاسم في العتبية ذلك للمعتمر بعد السعي قبل أن يحلق. ابن حبيب: وخذ من شاربك ولحيتك عند الحلق، وبالغ في الأخذ من اللحية فإنه يستحب ذلك في ذلك الوقت ما لا يستحب في غيره، والفرق بين الحاج والمعتمر أن الحاج وجد منه تحلل برمي جمرة العقبة، والمعتمر لا تحلل له قبل وقته. انتهى. وقال المحلي عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر. انتهى. وقال في التوضيح: ابن حبيب: ويبلغ بالحلاق -يريد وبالتقصير- إلى عظم الصدغين منتهى طرف اللحية. انتهى.
стр. 2755
وقال ابن فرحون في مناسكه: ولا يتم نسك الحلق إلا أن يحلق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين، قال ابن الحاج: وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن الحاج لا يحلق ما على الأذنين، وينبغي أن ينظر كونهما من الرأس أو من الوجه، وقال ابن عرفة: وفِيهَا الشأن غسل المحرم رأسه بالخطمي والغاسول عند إرادة حلقه. انتهى. نقله الحطاب. ابن حبيب: ويبدأ في حلقه بالشق الأيمن: لما في صحيح مسلم (١)). عياض: في بداءة النبي ﷺ حلقه بالشق الأيمن سنة في التيامن في العبادات وغيرها (٢))، وقال ابن شعبان في الزاهي: ويبدأ الحالق بالشق الأيمن ويستقبل القبلة أحب إلي، وقول ابن شعبان: ويستقبل القبلة أي المحلوقُ رأسُه. نقله الحطاب.
أن عم رأسه؛ يعني أنه لا يصح نسك الحلق إلا أن يحلق جميع الرأس، فحلق بعضه كالعدم فهو قيد في النؤرة وغيرها، وقد علمت أن المراد بالحلق: مطلق الإزالة، وقد علمت أيضا أن الحلق بالموسى أفضل من الإزالة بالنؤرة، وقد مر نقل التوضيح عن ابن حبيب: ويبلغ بالحلاق -يريد وبالتقصير إلى عظم الصدغين- منتهى طرف اللحية، وقولُ ابن فرحون: ولا يتم نسك الحلق إلا أن يحلق جميع الرأس والشعر الذي على الأذنين، وقولُ ابن الحاج: قال أبو عمر: أجمع العلماء أن الحاج لا يحلق ما على الأذنين وينبغي أن يكون النظر في كونهما من الرأس أو من الوجه. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والذي يتضح من كلامهم أن قوله: "إن عم رأسه"، شرط في مقدر؛ أي وتحصل مأمورية الحلق إن عم رأسه؛ أي فإن لم يعم رأسه فكالعدم، وقد مر عن الحطاب أنه يتعين الحلق في حق من لم يكن له شعر كالأقرع، وقال الشبراخيتي: وإطلاق الحلق يتناول الأقرع فيُمِرُّ الموسى على رأسه لأنه عبادة يتعلق بالشعر، فينتقل للبشرة عند فقده كالمسح في الوضوء؛ يعني مسح الرأس.
والتقصير مجزئ؛ يعني أن التقصير يجزئ عن الحلاق، فالحلاق هو الأفضل، لكن من ترك الأفضل وقَصَّرَ أجزاه ذلك عن الحلاق، وهذا إن لم يكن بالشعر عقص أو ضفر أو تلبيد وإلا لم يجزه التقصير كما مر، وعليه الحلق كما في المدونة، وقوله: "والتقصير مجزئ"، ولا بد أن يعم
стр. 2756
رأسه بالتقصير كما في الحلاق، فيبلغ بتقصيره إلى عظمي الصدغين منتهى طرفي اللحية كما في الحطاب، وقد مر أنه إنما تعين الحلق في حق هؤلاء للسنة، وفي قول المصنف "مجزئ"، إشعار بأن الحلاق أفضل من التقصير وهو كذلك كما عرفت، لخبر: (اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، ثم قال في الرابعة: والمقصرين (١)).
وقد مر أن العلة في وجوب الحلق على الملبد ومن معه إنما هي السنة، ولا يعلل بعدم إمكان التقصير لأنه يمكن أن يغسله ثم يقصر، ويوضح لك ذلكَ أن المرأة ليس عليها إلا التقصير ولو لبدت. الباجي: بعد زوال تلبيدها، والتلبيد أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام، وقد تقدم أن التقصير للمتمتع أفضل، وهو مقيد كما مر بأن يقع الحج عقب العمرة وإلا فالحلق أفضل كما مر في الرواية: بل يحلق إلا أن تكون أيام الموسم، وتقارب الحج مثل الأيام اليسيرة، فلا أرى أن يحلق ويقصر أحب إلي. انتهى. قوله في الرواية: أيام الموسم، قال الإمام الحطاب: وهي في العرف من أوائل ذي الحجة. والله أعلم. انتهى.
وقال ابن عرفة: سمع ابن القاسم: حلق المعتمر أفضل من تقصيره إلا أن يعقبه الحج بيسيرِ أيامٍ فتقصيره أحب إلي. انتهى. والمراد -والله أعلم- أن يعقبه حلق الحج بدليل التعليل ببقاء الشعث. قاله محمد بن الحسن.
وهو سنة المرأة؛ يعني أن التقصير هو سنة المرأة أي الطريق فيها؛ أي ليس لها إلا هو لا أنه في حقها سنة ولها أن تفعل غيره، وقوله: "المرأة"؛ أي الأنثى ولو صغيرة، كبنت تسع فما فوق كما في التتائي عن اللخمي، وقال أيضا: ولم يعلم من كلام المصنف حكم مخالفتها سنتها، وفيه قولان بالمنع والكراهة. اللخمي: لا يجوز لها أن تحلق لأنه مثلة إلا إن كان برأسها أذى. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وقوله: "المرأة"؛ أي الأنثى ما لم تصغر جدا، ولذا قال التتائني: ولو بنت تسع فما فوق، وقوله: "سنة المرأة"؛ أي ولو لبدت. الباجي: بعد زوال تلبيدها بامتشاطها. انتهى. وقال الحطاب: قال في التوضيح: ويكره لها الحلاق، هكذا حكى البلنسي في شرح الرسالة، وحكى اللخمي أن الحلق للمرأة ممنوع لأنه مثلة لها، أما الصغيرة فيجوز فيها
стр. 2757
الحلق والتقصير. اللخمي: وكذلك الكبيرة إذا كان برأسها أذى والحلق صلاح لها. انتهى. وقال ابن عرفة: وليس على النساء إلا التقصير، وروى [محمد (١)]، ولو لبدت. الباجي: بعد زوال تلبيدها لامتشاطها، ثم قال: وفيها: ولتأخذ في الحج والعمرة من كل قرونها الشيء القليل، وما أخذت من ذلك أجزأها. الشيخ: وروى محمد: حلق الصغيرة أحب إلي من تقصيرها، وسمع ابن القاسم: التخيير. اللخمي: بنت سبع كالكبيرة، ويجوز في الصغيرة الأمران، وحلق بعضه أو تقصيره لغو، ولا نص في تعميمه منهما، والأقرب الكراهة. انتهى. والظاهر أنه لو فعل ذلك -أعني التعميم منهما- انتفت الكراهة، وهو ظاهر كلام الطراز. انتهى كلام الحطاب. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: معنى التعميم منهما أن يحلق بعض الرأس ويقصر بعضه. والله سبحانه أعلم.
تأخذ قدر الأنملة؛ هذا بيان لتقصير المرأة؛ يعني أن المرأة الأولى لها في تقصيرها أن تأخذ مقدار الأنملة من رأسها، وقد مر أن التقصير كالحلق في التعميم في حق الرجل، وكذا المرأة لابد أن تعم رأسها بالتقصير، قال ابن فرحون في مناسكه: ولابد أن تعم المرأة الشعر كله طويلة وقصيره بالتقصير. نقله الباجي. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: قدر الأنملة ليس هذا التحديد أمرا لابد منه، وإنما هو على جهة الأولى كما قاله الحطاب، وقال الشبراخيتي: قال ابن عرفة: روى ابن حبيب: قدر الأنملة أو فوقها بيسير أو دونها به، ورواية الطراز: قدر الأنملة لا أعرفها، ولو قال المصنف: كالأنملة، لسلم من هذا. انتهى. والرجل من قرب أصله؛ يعني أن الرجل يأخذ من قرب أصل شعره؛ أي يأخذه من جميع شعره، والأخذ للرجل من قرب أصل الشعر على جهة الاستحباب. مالك: ليس تقصير الرجل أن يأخذ من أطراف شعره، ولكن يجزه جزا، وليس مثل المرأة، فإن لم يجزه فقد أخطأ ويجزئه. ابن عرفة: وفيها: ما أخذ من كل شعره أجزأه، وفي الطراز: قال مالك في الموازية: ليس لذلك حد عندنا معلوم، وما أخذ منه الرجل والمرأة أجزأ. انتهى. وقال ابن عبد السلام: أقل ما
стр. 2758
يكفي من التقصير الأخذ من جميع الشعر طويلة وقصيره، كذا نص عليه في الموازية مع ما يصدق عليه اسم التقصير من غير اعتبار بأنملة أو أقل أو أكثر. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.
ثم يفيض؛ يعني أنه إذا فرغ من رمي جمرة العقبة يوم النحر، ومن النحر والذبح والحلق أو التقصير، فالأفضل له أن يأتي إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الإفاضة سبعا من غير تأخير، فيندب عقب حلقه إلا قدر ما يقضي حوائجه التي لابد منها، ويندب فعل طواف الإفاضة في ثوبي إحرامه الإزار والرداء، ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر، فإن قدم طواف الإفاضة على الرمي فدم، وإن قدمه على الحلق والنحر فلا شيء عليه كما يأتي، والأحسن أن يأتي المصنف بالواو أو بالفاء؛ لأن الفورية هنا مستحبة، قال الشيخ إبراهيم بن هلال في منسكه: وينبغي أن لا يؤخر طواف الإفاضة بعد الحلق إلا بقدر ما يقضي حوائجه التي لابد منها، واستحب مالك له إذا فرغ من طواف الإفاضة أن يرجع إلى منى ولا يشتغل بطواف ولا طوافين، وعن النخعي أنهم كانوا يستحبون أن يطوفوا يوم النحر ثلاثة أسابيع، وقول مالك أولى. ومن أفاض يوم النحر أو في أيام منى فلما فرغ من طوافه سمع الأذان، فواسع أن يقيم حتى يصلي. ابن رشد: لأن الاختيار أن يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر إن كان أفاض في صدر النهار، أو المغرب إن كان أفاض في آخره، وفي الزاهي: ولا يمضي من منى إلى مكة في أيام منى للطواف تطوعا، ويلزم مسجد الخيف للصلوات أفضل.
وقوله: "ثم يفيض"، اعلم أن طواف الإفاضة هو التحلل الأكبر، فلذا قال: وحل به ما بقي؛ يعني أنه يحل بطواف الإفاضة ما بقي من المحرمات بالإحرام بعد التحلل الأصغر الذي هو رمي جمرة العقبة وهو النساء والصيد والطيب؛ إذ تقدم أنه يكره استعمال الطيب بعد رمي جمرة العقبة، فإذا طاف للإفاضة فإنه يحل له بطوافها مقاربة النساء بأنواع الاستمتاع وطأ أو غيره، ويحل له الصيد في غير الحرم، ولا يكره له استعمال الطيب، وهذا هو التحلل الثاني الذي هو التحلل الأكبر، فيحل به العقد للنكاح له أو لغيره والوطء ومقدماته، والاصطياد في غير الحرم، ولا يكره له استعمال الطيب كما مر قريبا، ومحل كون طواف الإفاضة يحل به ما بقي من ممنوعات الإحرام إن كان هذا الذي طاف للإفاضة قد حلق أو قصر؛ يعني وكان قد سعى بعد
стр. 2759
طواف القدوم، فإن لم يكن قدم السعي فلا يحل ما بقي إلا بفعله وفعل الإفاضة، وقد تم حجه، وتركه المصنف لظهوره، وأتى بقوله: إن حلق ليفيد أنه لم يجعل الترتيب فيما مر واجبا، فلو لم ينبه هنا على أن التحلل يتوقف على تقدم الحلق، لشمل تأخره عن الإفاضة، ولهذا قال: وإن وطئ قبله فدم، الضمير في قبله يرجع للحلق، والمعنى أنه إذا طاف للإفاضة ولم يكن حلق لا يحل له وطء النساء، فإذا وطيء قبل الحلق فإنه يجب عليه الدم.
وقد مر أن تقديم الرمي على طواف الإفاضة واجب ينجبر بالدم، كتأخير الحلق عن الرمي، وأن تأخير الذبح عن الرمي مستحب كتأخير الحلق عن الذبح، وكذا تأخير الإفاضة عن الذبح. والله سبحانه أعلم. ويأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
بخلاف الصيد؛ يعني أن من طاف للإفاضة ولم يكن حلق؛ إذا صار في غير الحرم فإنه لا جب عليه الجزاء لخفة الصيد عن الوطء، وأولى الطيب من الصيد في كونه لا دم فيه، ولو وطئ قبل السعي فإنه يهدي أو صاد فعليه الجزاء، وإنما افترق الصيد من الوطء لشدة الوطء، فإن الوطء يفسد الحج والصيد لا يفسده، وقوله: "بخلاف الصيد"؛ أي في غير الحرم كما مر، ويجوز له ابتداء ويوكل، وقد تقدم أنه يدخل وقت طواف الإفاضة بالفجر من يوم النحر،
ثم شبه في لزوم الدم مسائل، فقال: كتأخير الحلق لبلده؛ يعني أن من أخر الحلق عن وقته عامدا أو جاهلا أو ناسيا حتى رجع لبلده يجب عليه الدم، وقوله: "لبلده"، ولو قرب البلد، ولو فعله بذي الحجة، ومثل تأخيره لبلده تأخيره طويلا، قال عبد الباقي: بأن يحلق بعد أيام منى الثلاثة كما تفيده المدونة كما في الأجهوري. انتهى. ونحوه للأمير، قوله: بأن يحلق بعد أيام منى. الخ. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل المدونة تفيد خلافه، ونص التهذيب: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل، وإن حلق بمكة أيام التشريق أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق إلى بلده جاهلا أو ناسيا حلق أو قصر وأهدى. انتهى. التونسي: قوله: إن أخر ذلك إلى بلده فعليه دم، يريد: أو طال ذلك، وقيل: إن خرجت أيام منى ولم يحلق فعليه دم. قاله في التوضيح. فعلم أن قوله: وقيل إن خرجت الخ. مقابل لمذهب
стр. 2760
المدونة، وتقييد التونسي -والله أعلم- وتقييد الخرشي الطول بمن بلده [بعيدة (١)]، غيرُ صواب، بل الطول عند التونسي يكفي في لزوم الدم مطلقا. انتهى. وقال الحطاب عند قول المصنف: "كتأخير الحلق لبلده"، ما نصه: نحوه لابن الحاجب، قال في التوضيح: يريد أو طال ذلك، ثم قال: فإن قلت: هل يقيد وجوب الدم بما إذا أخره إلى المحرم كطواف الإفاضة؟ قيل: لا؛ لأن الباجي نقل عن ابن القاسم ما ينفي هذا التقييد، ولفظه: قال ابن القاسم: إذا تباعد ذلك بعد الإفاضة أهدى وليس لذلك حد، وإن ذكر وهو بمكة قبل أن يفيض فليرجع حتى يحلق ثم يفيض. انتهى. وقال الأمير مشبها في لزوم الدم "كتأخير الحلق لبلده"، أو لخروج أيام منى، في بناني عن المدونة: تقييده بمن لم يحلق بمكة، وأنه إذا حلق بها أيام التشريق أو بعدها، أو في الحل أيام منى فلا شيء عليه. انتهى.
أو الإفاضة للمُحَرَّم؛ يعني أن الشخص إذا أخر طواف الإفاضة وحده أو مع السعي أو السعيَ وحده حتى دخل المحرم، فإنه يأتي بطواف الإفاضة في الأولى وبطوافها مع السعي في الأخيرتين، وعليه هدي واحد في الجميع، ومفهوم قوله: "للمحرم"، أنه لو طاف طواف الإفاضة قبل غروب آخر يوم من ذي الحجة وصلى الركعتين بعد الغروب كان كمن فعلهما معه في ذي الحجة، وإن فصل بينهما وبينه جرى على ما مر عند قوله: "وفي سنية ركعتي الطواف" الخ، ولو أوقع السعي عقب الركعتين في الفرض المذكور فإن سعيه صحيح لاتصاله بطواف الإفاضة، وعليه الدم لفعله السعي في المحرم، وفعل بعض السعي في المحرم كفعل كله فيه. قاله الشيخ إبراهيم. فقوله: "أو الإفاضة"، معطوف على "الحلق"، فهو من المسائل التي يجب فيها الدم، ولوأخر الحلق لبلده والإفاضَةَ للمحرم فعليه فيهما دمان كما في الخرشي.
ورمي كل حصاة؛ يعني أنه إذا أخر رمي حصاة واحدة من حصيات العقبة أو غيرها عن وقتها وهو النهار حتى دخل الليل، فإنه يلزمه الهدي، والصواب إسقاط لفظة "كل" من قوله: "ورمي كل حصاة"، وقوله: "ورمي"، معطوف على الحلق. أو الجميع؛ يعني أنه لا فرق بين تأخير رمي حصاة واحدة وتأخير رمي أكثر من واحدة حتى دخل الليل في لزوم الدم، فلو أخر رمي
стр. 2761
حصيات جمرة كلها أو أخر رمي حصيات جميع الجمار حتى دخل الليل لزمه هدي لذلك التأخير، فقوله: لليل، راجع للمسألتين وهو معمول "لتأخير"، ووقت الأداء هو النهار ووقت القضاء هو الليل، وأولى في لزوم الدم لو فات الوقتان، ولا يلزم في الجميع إلا دم واحد، وأعطي هنا الكل حكم البعض فلم يتعدد الدم بتعدد الحصيات. ابن الحاجب: وفي تركه الجميع أو جمرة أو حصاة هديٌ. ونظير هذا إذا لبس قلنسوة افتدى لذلك، وكذا لو لبس قلنسوة وسراويل وقميصا وخفين وتطيب فليس عليه إلا ما يلزمه من فعل بعض ذلك، نعم لو ترك حصاة أو جمرة وأهدى، ثم فعل مثل ذلك في الثاني أو الثالث لوجب عليه هدي آخر. قاله الشبراخيتي. قال: وعلى هذا فكلام المدونة محمول على الأولى فقط؛ لأنه ذكر فيها أن في ترك الجمار كلها أو جمرة بدنة، وإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، وفي الحصاة يهدي ما شاء.
وإن لصغير لا يحسن الرمي؛ يعني أن الهدي يترتب على الحاج بتأخير رمي حصاة أو جمرة أو الجمار كلها إلى الليل، وإن حصل ذلك التأخير لصغير لا يحسن الرمي، فإن لم يرم عنه وليه حتى غربت الشمس فعليه الدم، وكذا لو كان الصبي يحسن الرمي فلم يرم حتى غربت الشمس، وكذا المجنون يؤخر وليه الرمي عنه حتى غربت الشمس والدم على من أحجهم، وإن رمى عن المجنون والصغير في الوقت فلا دم عليه، فرمي وليه عنه كرميه عن نفسه. أو عاجز؛ يعني أن التأخير المذكور يجب فيه الهدي، ولو كان التأخير حصل لأجل عجزه عن الرمي لكبر أو مرض، ولو لإغماء طرأ ولم يكن له من يحمله والدم في ماله.
وعلم مما قررت أن هذا عطف على المبالغ عليه، فهو داخل في حيز المبالغة، ويستنيب جملة مستأنفة لبيان الحكم؛ يعني أن الحكم في هذا الذي عجز عن الرمي أنه يجب عليه أن يستنيب من يرمي عنه، ففائدة الاستنابة الإثم وعدمه؛ أي الإثم إن لم يستنب وعدمه إن استناب؛ لأن الدم واجب مطلقا استناب أم لا، وهذا حيث لم يصح ويرمي عن نفسه في الوقت، وأما إذا صح ورمى عن نفسه في الوقت فيسقط عنه الدم.
والحاصل أن النائب إذا رمى عن العاجز في وقت الرمي فعليه -أي على العاجز- دم النيابة إلا أن يصح المستنيب ويرمي عن نفسه في الوقت فيسقط عنه الدم، وأن النائب إذا رمى عن العاجز
стр. 2762
في غير وقت الرمي فدمان؛ دم للنيابة على العاجز ودم للرمي في غير وقته على النائب، إلا لعذر في تأخيره فعلى المستنيب أيضا فيما يظهر. قاله عبد الباقي. ومن العاجز المغمى عليه الذي طرأ إغماؤه كما قررت، وإنما وجب على العاجز الدم دون الصغير ومن ألحق به؛ لأنه المخاطب بسائر الأركان، بخلاف الصغير فإن المخاطب في الحقيقة بالرمي هو وليه وهو الذي أدخله في الإحرام، ويجوز للعاجز الاستنابة في أيام الرمي الثلاثة، ولو رجا الصحة فيها وليس له ذلك في يوم النحر حيث رجا الصحة. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. وقال الشبراخيتي بعد كلام: ثم إن الاستنابة في أيام المرض إن وقعت في مرة واحدة ففيها دم واحد، وإن استناب في يوم ثم استناب في اليوم الثاني أيضا فإنه يتعدد عليه الدم بتعددها كذا ينبغي. انتهى. وفي التوضيح: والظاهر أنه إذا رجا الصحة قبل الغروب من أول يوم أنه لا يختلف في تأخيره وعدم استنابته، وقال الشارح: قال في المدونة: وإذا قدر على حمل المريض وهو يقوى على الرمي ويوجد من يحمله حمل ورمى بيده، ولا يرْمِي الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك الغير عنه، وإن لم يُستطع حمله أولا يقدر على من يحمله أو لم يستطع الرمي رمى عنه غيره، ثم يتحرى المريض وقت الرمي فيكبر لكل حصاة تكبيرة، وليقف الرامي عند الجمرتين عنه للدعاء، وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف فيدعو، وعلى المريض الدم لأنه لم يَرْمِ، وإنما رمى عنه غيره، فإن صح ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي أعاد ما رمى عنه في الأيام الماضية وعليه الدم، ولو رمى عنه العقبة يوم النحر ثم صح ذلك اليوم أعاد الرمي ولا دم عليه، وإن صح ليلا فليرم ما رمى عنه وعليه الدم.
والمغمى عليه في الرمي كالمريض. فيتحرى وقت الرمي ويكبر؛ يعني أن العاجز إذا استناب من يرمي عنه فإنه يتحرى وقت رمي النائب عنه ويكبر لكل حصاة كما لو كان هو الرامي بنفسه، وكذا يتحرى وقت دعاء نائبه ويدعو كما في المدونة. وأعاد إن صح؛ يعني أن المريض والمغمى يعيد وجوبا على الظاهر كل منهما ما فعل عنه من الرمي لعقبة يوم النحر وغيرها إن صح، وإنما يعيده إن صح قبل الفوات؛ الظرف يتنازعه "أعاد" "وصح"، والفوات يحصل بالغروب؛ أي بغروب الشمس من اليوم الرابع من يوم النحر، فإذا أعاد قبل الفوات من اليوم الأول فلا دم عليه بسبب النيابة؛ لأنه ليس مترتبا عليها فقط، بل عليها وعلى عدم حصوله من المرمي عنه في وقت
стр. 2763
الرمي، فإذا صح يومها أعاد، ولا دم لأن جميع يومها وقت أداء لها وأفضله من طلوع الشمس للزوال، فإن صح ليلا أعاد وعليه الدم.
وقضاء كل إليه يعني أن قضاء الرمي في كل من الجمرات العقبة وغيرها ينتهي إلى غروب رابع النحر، وبغروب الشمس منه يخرج وقت الرمي، وعليه دم واحد للجميع ما لم يكن أخرج أولا، فإن كان أخرج أولا تكرر، خلافا لأبي مصعب القائل: أن من تذكر حصاة يرمي في أي وقت كان، وقوله: "وأعاد إن صح"، وإذا قضى فإنه يرمي الجمرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة عن اليوم الأول ثم يرمي عن اليوم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك ولا يرمي الجمرة الأولى ثلاث مرات عن الأيام الثلاثة وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وقوله: والليل قضاء، معناه أن الليل الكائن عقب كل يوم من أيام الرمي قضاء لما فات من رمي اليوم الذي قبله مع وجوب الدم على المشهور، ونهار كل رمي أداء له، والنهار الذي بعد أيام الأداء وما بعده إلى غروب الرابع قضاء كما تقدم ذلك، ونبه بقوله: "والليل قضاء"، على أن الليل يُقْضَى فيه خشية أن يتوهم أنه لا يُقضَى إلا في مثل وقت الأداء؛ وهو النهار فكل وقت من ذلك الزمن ليلا أو نهارا، قضاء عما سبقه كان بلصقه أم لا، وتحرير المسألة أن تقول: الرمي لغير المتعجل في أربعة أيام؛
أحدها: يوم النحر الأول وهو وقت أداء لرمي جمرة العقبة ما لم تغرب الشمس منه، فإذا غربت فما بعد ذلك قضاء لرميها إلى غروب الشمس من اليوم الرابع، فإذا غربت فلا رمي بعد ويجب الدم كما يجب إذا لم ترم في وقت أدائها، بل رميت في وقت قضاء رميها. والله سبحانه أعلم.
ثانيها: اليوم الذي بعد يوم النحر يليه وهو وقت أداء لرمي الجمار الثلاث العقبة وغيرها ما لم تغرب الشمس منه، فإذا غربت فما بعدُ قضاءٌ لرمي ذلك اليوم إلى غروب الشمس من الرابع، فإذا غربت فلا رمي بعد، ويجب الدم كما يجب إذا لم ترم في وقت أداء رميها: بل رميت في وقت قضاء رميها. والله سبحانه أعلم. ثالثها: اليوم الثالث من أيام النحر وهو وقت أداء لرمي الجمار الثلاث العقبة وغيرها ما لم تغرب الشمس منه، فإذا غربت فما بعدُ قضاءٌ إلى غروب الرابع ثم لا رمي، فيجب الدم كما يجب إذا لم ترم في وقت أداء رميها بل رميت في وقت قضاء رميها. والله سبحانه أعلم.
стр. 2764
رابعها: اليوم الرابع بعد أيام النحر الثلاثة يليها وهو آخر الأيام المعدودات أيام منى، وهو وقت لرمي الجمار الثلاث العقبة وغيرها ما لم تغرب الشمس، فإذا غربت فلا رمي، فعلم من هذا أن للرمي في الأيام الثلاثة الأول وقتين: وقت أداء ووقت قضاء، وأن لرمي الرابع وقتا واحدا أي وقت أداء لا غير، وانتهاء القضاء في الثلاثة الأول والأداء في الرابع يحصل عند غروب الرابع.
وعلم مما مر وجوب الدم في الاستنابة إلا إذا صح المستنيب في وقت أداء، وفعل الرمي في وقت أدائه. وبالله تعالى التوفيق. وأما المتعجل فالرمي بالنسبة له إنما هو في ثلاثة أيام، ولرميه وقت أداء ووقت قضاء ينتهي بالغروب من الرابع كغير المتعجل، وأجر وجوب الدم فيه على ما مر من غير فرق يا فتى. والله سبحانه أعلم.
وَحُمِلَ مُطيق وَرَمَى؛ يعني أن المريض المطيق للرمي يحمل إن وجد حاملا ويرمي الجمار بنفسه وجوبا، ومثله الصغير، ولا يرمي واحد منهما الحصاة في كف غيره ليرمي عنه ولا يجزئ إن وقع، وفي بعض النسخ: ولا يرم بلا ياء، والنسخة الأولى هي المطابقة لما مر في قول المصنف: "ولا يسعى"، من أن الغالب في عبارات الفقهاء هو صيغ الإخبار، إشارة إلى أن هذا أمر قد تقرر عن الشارع، والغالب في عبارات الشارع هو صيغ النهي؛ لأنه ناه وآمر والله سبحانه أعلم.
وعطف على تأخير من قوله: "كتأخير الحلق لبلده"، ما فيه الدم أي الفدية لا الهدي، فقال: وتقديم الحلق؛ يعني أن الحاج إذا قدم الحلق على رمي جمرة العقبة فإنه تلزمه الفدية لوقوعه قبل شيء من التحلل كما في المدونة، لا هديٌ كما يعطيه المصنف؛ لأن الدم إذا أطلق إنما ينصرف للهدي، فإذا رمى العقبة أمر الموسى على رأسه؛ لأن الحلق الأول وقع قبل محله وهو رمي جمرة العقبة، أو الإفاضة؛ يعني أن الحاج إذا قدم طواف الإفاضة على رمي جمرة العقبة فإنه يلزمه الهدي مع الإجزاء على المشهور، وهل يسقط عنه بإعادة الإفاضة بعد الرمي أم لا؟ والظاهر لا يسقط. قاله الحطاب. قال: ويدل عليه كلام صاحب الطراز، وعن مالك: لا تجزئ الإفاضة قبل الرمي وهو كمن لم يفض، وأنه لو وطئ بعد إفاضته وقبل الرمي فسد حجه وهو خلاف مذهب المدونة، وقال أصبغ: أحب إلي أن يعيد الإفاضة وذلك في يوم النحر آكد. انتهى. وفي حاشية
стр. 2765
بناني عن المدونة: ولو وطئ يوم النحر أو بعده قبل الرمي وبعد الإفاضة فإنما عليه الهدي وحجه تام. انتهى.
واعلم أن كلام المصنف صادق بفعل الإفاضة قبل يوم النحر، وليس بمراد؛ لأن فعل الإفاضة قبل يوم النحر كلا فعل لأنه فعل لها قبل وقتها، ونازع المواق المؤلف فيما ذكره من أن تقديم الإفاضة على الرمي فيه الهدي مع الإجزاء، فقال: وأما من أفاض قبل الرمي، فقال في المدونة: لا يجزئه، قال: وليرم ثم يحلق ثم يفيض ثانية. انتهى. واعترض الرماصي المواق، فقال: وقع للمواق تورك على المؤلف إذ نسب عدم الإجزاء للمدونة، ونقل كلامه علي الأجهوري مقلدا له، وما نسبه للمدونة غير صحيح، واللفظ الذي أتى به ليس هو لفظها، ولم أر أحدا نسب إليها عدم الإجزاء، وكيف يصح وهي تقول: ولو وطئ قبل يوم النحر أو بعده قبل الرمي وبعد الإفاضة فإنما عليه الهدي وحجه تام؟ وقد جعل الحطاب القول بعدم الإجزاء مقابلا لمذهب المدونة، فتأمله. انتهى. نقله بناني. والله شحانه أعلم. ولو قدم كلا من الإفاضة والحلق على الرمي لوجب فيهما فدية وهدي، فالترتيب بين كل منهما وبين الرمي واجب؛ إذ لو كان مستحبا لما وجب فيه شيء، وهو ظاهر لأن الرمي هو التحلل الأصغر. قاله الخرشي. وغيره.
وعلم مما قررت أن الدم في تقديم الإفاضة على الرمي على حقيقته وهو الهدي.
وعلم مما قررت أن قوله: على الرمي متعلق بتقديم، فهو راجع لمسألتي الحلق والإفاضة. والله سبحانه أعلم.
لا إن خالف في غير؛ يعني أنه إذا خالف عمدا أو جهلا أو نسيانا في غير ما تقدم من الصورتين المتقدمتين؛ كأن حلق قبل أن يذبح، أو ذبح قبل أن يرمي، أو أفاض قبل الذبح أو الحلق أو قبلهما معا، فإنه لا دم عليه في واحدة من هذه الخمس على الأصح، لخبر حجة الوداع: (جعلوا يسئلونه، فقال رجل: لم أشر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبح ولا حرج، وقال آخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرميَ، فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء يومئذ قّدِم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج (١))، انتهى.
стр. 2766
والدليل على التعميم في الصور الخمس قول الصحابي: فما سئل عن شيء الخ، لكنه يشمل الصورتين اللتين قدم المصنف أن فيهما الدم، ولذا قال ابن حجر عن الطبري: فيه رد على مالك في حمله نفيَ الحرج على نفي الإثم مع لزوم الدم فيهما أي الفدية في الأولى والدم في الثانية، وعلى نفي الإثم والدم فيما عداهما: وأجاب الأبي عن مالك بأن الدم أي الفدية في الأولى تخص عموم الخبر المار، لقاعدة أخرى وهي أن في تقديم الحلق على الإفاضة إلقاء التفث عن المُحْرِمِ، وأجاب القسطلاني عن الصورتين بجواب بُحِثَ فيه، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني: (أفضت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج (١)). نقله في التوضيح عن ابن عبد السلام.
وعاد للمبيت بمنى؛ يعني أنه إذا طاف للإفاضة يلزمه أن يعود لمنى للبيات فيها، فالعود لمنى واجب لكنه لا يجب فورا بل يجوز التأخر عنها نهارا بعد الإفاضة، لكن الفور أفضل ولا يمضي من منى إلى مكة: ويلزم مسجد الخيف للصلوات أفضل، ولو طاف للإفاضة يوم الجمعة فالأفضل له أن يرجع إلى منى ولا يصلي الجمعة، وقوله: "للمبيت" مصدر ميمي، "والباء" في "بمنى" بمعنى: في، وهو متعلق بالمبيت. والله سبحانه أعلم.
فوق العقبة، الظرف متعلق بالمبيت؛ يعني أنه إذا عاد من مكة لمنى لأجل البيات بها فإنه يسن له أن يبيت فيها فوق جمرة العقبة من ناحية منى لا من أسفلها من ناحية مكة، فإنه لا يجوز لأنه ليس من منى، ثلاثا معمول للمبيت؛ أي يعود من مكة إلى منى فيبيت بها ثلاث ليال إن لم يتعجل، وهو معنى قوله : ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وحذف التاء لأنها ليال كما أشعر به قوله: "للمبيت" قاله الشبراخيتي.
وحاصل ما أشار إليه المصنف أن الذي يفعله الحاج بمنى يوم النحر أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله إليها، ثم يذبح هديه إن كان معه هدي، ثم يحلق رأسه، ثم يأتي إلى مكة لطواف الإفاضة سبعة أشواط لا يرمل في ذلك ولا يسعى بين الصفا والمروة إن كان قد سعى بعد طواف القدوم: فإذا طاف طواف الإفاضة فإنه يلزمه أن يعود إلى منى لا على الفور، بل يجوز له أن يتأخر بمكة بحيث يدرك المبيت بمنى، ولكن الفور أفضل، وإن كان مكيا جاز له أن يصيب أهله
стр. 2767
قبل أن يأتي منى، فإذا عاد إلى منى فإنه يسن له أن يبيت فيها فوق جمرة العقبة من ناحية منى لا من أسفلها من ناحية مكة، فإنه لا يجوز لأنه ليس من منى، ومدة البيات بها ثلاث ليال إن لم يتعجل، وليلتان إن تعجل كما يأتي.
وعلم مما قررت أن قوله: "فوق العقبة"، تبيين لقوله: "بمنى"، وليس هو تبيينا لمنى؛ لأن ذلك لا يناسب المضاف الذي قدره غير واحد قبل العقبة أي جمرة العقبة؛ لأن جمرة العقبة من منى وما دون الجمرة ليس من منى كما في التوضيح والمناسك. قاله محمد بن الحسن.
واعلم أن منى لها آيات خمس: إحداها أن ما قُبلَ من الحصاة يرفع، الثانية اتساعها للحجيج مع ضيقها في الأعين، الثالثة كون الحدأة لا تخطف منها اللحم، الرابعة كون الذباب لا يقع في الطعام وإن كان لا ينفك عنه كالعسل، الخامسة قلة البعوض بها، ونظمها بعضهم فقال:
وآي منى خمس فمنها اتساعها … لحجاج بيت الله لو جاوزوا العدا
ومنع حداة من تخطف لحمها … وقلة وجدان البعوض بها عُدَّا
وكون ذباب لا يقعْ في طعامها … ورفع الحصى المقبول دون الذي رُدَّا
وفي التوضيح: ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة لأنه ليس من منى، وفي الموطإ (عن عمر: أنه كان يدخل الناس من ورائها (١)).
وإن ترك جل ليلة فدم؛ يعني أنه إذا ترك المبيت فوق العقبة جل ليلة فإنه يلزمه الدم على المشهور، وكذا ليلة كاملة أو أكثر، وظاهره ولو كان الترك لضرورة كخوف على متاعه وهو الذي يقتضيه مذهب مالك حسبما روى عنه ابن نافع فيمن حبسه مرض فبات بمكة أن عليه هديا، وفهم من قوله: "جل ليلة"، أن نصفها فدون لا دم فيه، وهو كذلك على ظاهر المدونة. قاله الشارح والشبراخيتي. وقوله: "وإن ترك جل ليلة فدم"، هو المشهور كما علمت، قال في الموازية عن مالك: وإذا بات وراء العقبة جل ليلة فليُهد هديا، وعنه: لاهدي عليه إلا أن يبيت الليلة كلها، نقله الشارح. وعطف على "ثلاثا" قوله: أو ليلتين إن تعجل؛ يعني أنه لا يلزم الحاج أن
стр. 2768
يبيت بمنى ثلاث ليال بل له أن يتعجل قبلها بأن يبيت ليلتين بمنى: ولا يجوز أن يبيت بها أقل من ليلتين، ويأتي في قوله: "أو ليلتين": "وإن ترك جل ليلة فدم"، ويستثنى من قوله: "ثلاثا أو ليلتين": الرعاة ومن ولي السقاية؛ (لأنه ﷺ أرخص للعباس في المبيت بمكة (١))؛ وقوله: "إن تعجل"، كان بمنى أو غيرها كمكة، لكن إن كان بمنى يشترط فيه إذا تعجل الخروجُ منها قبل الغروب من الثاني، بخلاف ما لو لم يكن بمنى وكان ممره بها ولو لشيء نسيه فله أن يتعجل، ولو غربت عليه الشمس بمنى كما في الشارح. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "إن تعجل"، هو معنى قوله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وعدم التعجل أفضل: ويكره التعجيل للمقتدى به، وما مر من أنه يجوز التعجيل لمن يبيت بغير منى هو المشهور، وقال الخرشي والشبراخيتي: قال ابن الماجشون وابن حبيب: يلزم من يبيت بمكة أن يعود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، والدم إن لم يعد، وقال محمد بن الحسن بناني: إن عبد الملك وابن حبيب قالا: من بات بمكة فقد خرج عن سنة التعجيل، ويلزمه أن يرجع فيرمي في اليوم الثالث، وعليه دم لمبيته بمكة، وما قاله محمد بن الحسن هو الظاهر الموافق لقول المصنف: "وإن ترك جل ليلة فدم".
ولو بات بمكة؛ يعني أنه يجوز للحاج أن يتعجل بأن يرمي الجمار يومين بعد يوم النحر، ويخرج من منى بعد ذلك، ولا يرمي في اليوم الثالث، ولا فرق في ذلك بين من يبيت بمنى وبين من يبيت بمكة على المشهور كما علمت، خلافا لابن الماجشون وابن حبيب القائلين: ليس لمن يبيت بمكة التعجل، بل يلزمه أن يعود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، وعليه الهدي لمبيته بغير منى، وقد مر هذا قريبا.
أو مكيا، هو في حيز المبالغة لكونه معطوفا على المبالغ عليه؛ يعني أنه يجوز التعجل للمكي وغيره على الأصح، وقيل: لا يتعجل المكي، والقولان لمالك ويكره للإمام التعجل كما في ابن عرفة، وقد مر ما يفيده، والمبالغة في مقدر؛ أي وله أن يتعجل ولو بات بمكة أو كان مكيا كما في
стр. 2769
الخرشي. قبل الغروب، الظرف متعلق "بتعجل"؛ يعني أن التعجل يشترط فيه أن يخرج المتعجل من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام الرمي؛ بأن يجاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس من اليوم الثاني، فإن غربت وهو بمنى لم يبح له التعجل بل يلزمه المبيت بمنى، ورمي الثالث لأنه لم يصدق عليه أنه تعجل في يومين، وفي الحطاب: ولو رجع إلى منى ثم بدا له قبل الغروب أن يتعجل فله ذلك.
وبين ثمرة التعجل بقوله: فيسقط عنه رمي الثالث؛ يعني أن من تعجل يسقط عنه رمي الثالث من الأيام وهو اليوم الرابع من يوم النحر، وكما يسقط عنه رمي اليوم الثالث يسقط عنه مبيت ليلته أي ليلة اليوم الثالث، فإذا بات المتعجل بمكة ليلة الحادي عشر فإنه يبيت بمنى ليلة الثاني عشر فقط لا ليلتين. ورخص لراع بعد العقبة أن ينصرف؛ يعني أن الراعي إذا رمى جمرة العقبة وطاف طواف الإفاضة فإنه يرخص له في أن ينصرف لرعيه، ولا يذهب إلى منى لرمي الجمار مع الناس، بل يشتغل برعيه حتى يمضي اليومان الأولان من أيام النحر وليلة اليوم الثالث، ويأتي لمنى اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي فيه لليومين؛ يوم النحر الثاني الذي مضى وهو في رعيه، واليوم الثالث من أيام النحر الذي حضر، فيه ثم إن شاءوا أقاموا لرمي اليوم الثالث من أيام الرمي، وإن شاءوا تعجلوا فيسقط عنهم رمي الثالث. هذا هو محل الرخصة، فليس المراد بالثالث الثالث من أيام الرمي؛ إذ لوأخر له لم يجُزْ، فإن وقع وأتى ثالث أيام الرمي رمى لليومين قبله ثم يرمي للثالث الحاضر في وقته وعليه دم للتأخير، وظاهر المصنف: كانوا رعاة إبل لحاجٍّ أو لغيره، أو رعاة غيرها، ووقع في نص: رعاة إبل حجاج. قاله عبد الباقي.
وقال بناني: قوله: وظاهر المص كانوا رعاة إبل الخ قال مصطفى: أطلق المصنف في الراعي كصاحب الجواهر وابن حبيب وابن عرفة وغيرهم من أهل المذهب، مع أن الرخصة (في الموطإ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسما لِرِعَاءِ الإبل (١))، فقال الباجي: للرعاء عذر في الكون مع الظهر الذي لا بد من مراعاته والرعي له للحاجة إليه في الانصراف، وقد قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ الآية، فظاهر هذا أنه خاص بالإبل لا سيما الرخصة لا تتعدى محلها: وفي القياس
стр. 2770
عليها نزاع. انتهى. وكلام المصنف كالمستثنى من قوله: "وعاد للمبيت" الخ، ومن قوله: "أو ليلتين إن تعجل"، وأما أهل السقاية فيرخص لهم في ترك المبيت بمنى فقط لا في ترك الرمي، فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة، فليسوا كالرعاة في تأخير الرمي، بل في ترك المبيت. قاله عبد الباقي. وقوله: "ورخص لراع بعد العقبة" الخ، وقال محمد: يجوز له ذلك، ويجوز لهم أن يأتوا ليلا فيرموا ما فاتهم في ذلك اليوم. انتهى. ونقله ابن عرفة وغيره، والظاهر أنه وفاق؛ لأنه إذا رخص لهم في تأخير الرمي لليوم الثاني فرميهم ليلا أولى بالجواز، إلا أنهم إذا جاءوا ليلا فيظهر من كلام صاحب الطراز أنه يلزمهم حكم المبيت بها، قال: لأن حاجة الرعي إنما تكون بالنهار، فإذا غربت الشمس فقد انقضى الرعي، وبهذه العلة فرق أصحاب الشافعي بينهم وبين أهل السقاية، مع أنه أشار إلى ذلك في مناسكه، قال في الطراز: يجوز لأهل السقاية ترك البيت بمنى بخلاف الرعاة. انتهى. قاله الحطاب.
قوله: والظاهر أنه وفاق الخ، اعترضه الرماصي، وذكر من كلام الباجي ما يدل على أنه خلاف. قاله محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله: بخلاف الرعاة، لا يخالف ما مر عن عبد الباقي إن حمل على أنهم أتوا منى. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه.
تنبيهات: الأول: قال في الطراز: الجمرات ثلاث؛ الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى وهي التي تلي الأولى، ثم الثالثة وهي الجمرة القصوى؛ وهي أبعد الجمار إلى منى وأقربها إلى مكة؛ وهي التي ترمى يوم النحر، وهي على حد أول منى من ناحية مكة. انتهى. وقال الشيخ زروق: وجمرة العقبة آخر منى من ناحية مكة. انتهى. نقله الحطاب.
الثاني: قال الإمام الحطاب: وما وقع في عبارة أهل المذهب من إطلاقهم لفظ العقبة فإنما يعنون به جمرة العقبة، ولا نزاع في ذلك، فقد قال المؤلف قبل هذا: "ورميه العقبة"، وقال بعده: "ورخص لراع بعد العقبة" وقال: "ورمي العقبة أول طلوع الشمس"، ومراده بذلك جمرة العقبة. والله أعلم. انتهى.
الثالث: قال الإمام الحطاب: فائدة تتضمن الكلام على أصل خروج سابق الحاج المبشر عنهم بسلامتهم ووقت خروجه، هل هو يوم العيد أو بعد مضي أيام التشريق؟ قال الشيخ جلال الدين السيوطي في