← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

والدليل على التعميم في الصور الخمس قول الصحابي: فما سئل عن شيء الخ، لكنه يشمل الصورتين اللتين قدم المصنف أن فيهما الدم، ولذا قال ابن حجر عن الطبري: فيه رد على مالك في حمله نفيَ الحرج على نفي الإثم مع لزوم الدم فيهما أي الفدية في الأولى والدم في الثانية، وعلى نفي الإثم والدم فيما عداهما: وأجاب الأبي عن مالك بأن الدم أي الفدية في الأولى تخص عموم الخبر المار، لقاعدة أخرى وهي أن في تقديم الحلق على الإفاضة إلقاء التفث عن المُحْرِمِ، وأجاب القسطلاني عن الصورتين بجواب بُحِثَ فيه، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني: (أفضت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج (١)). نقله في التوضيح عن ابن عبد السلام. وعاد للمبيت بمنى؛ يعني أنه إذا طاف للإفاضة يلزمه أن يعود لمنى للبيات فيها، فالعود لمنى واجب لكنه لا يجب فورا بل يجوز التأخر عنها نهارا بعد الإفاضة، لكن الفور أفضل ولا يمضي من منى إلى مكة: ويلزم مسجد الخيف للصلوات أفضل، ولو طاف للإفاضة يوم الجمعة فالأفضل له أن يرجع إلى منى ولا يصلي الجمعة، وقوله: "للمبيت" مصدر ميمي، "والباء" في "بمنى" بمعنى: في، وهو متعلق بالمبيت. والله سبحانه أعلم. فوق العقبة، الظرف متعلق بالمبيت؛ يعني أنه إذا عاد من مكة لمنى لأجل البيات بها فإنه يسن له أن يبيت فيها فوق جمرة العقبة من ناحية منى لا من أسفلها من ناحية مكة، فإنه لا يجوز لأنه ليس من منى، ثلاثا معمول للمبيت؛ أي يعود من مكة إلى منى فيبيت بها ثلاث ليال إن لم يتعجل، وهو معنى قوله : ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وحذف التاء لأنها ليال كما أشعر به قوله: "للمبيت" قاله الشبراخيتي. وحاصل ما أشار إليه المصنف أن الذي يفعله الحاج بمنى يوم النحر أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله إليها، ثم يذبح هديه إن كان معه هدي، ثم يحلق رأسه، ثم يأتي إلى مكة لطواف الإفاضة سبعة أشواط لا يرمل في ذلك ولا يسعى بين الصفا والمروة إن كان قد سعى بعد طواف القدوم: فإذا طاف طواف الإفاضة فإنه يلزمه أن يعود إلى منى لا على الفور، بل يجوز له أن يتأخر بمكة بحيث يدرك المبيت بمنى، ولكن الفور أفضل، وإن كان مكيا جاز له أن يصيب أهله

стр. 2767

قبل أن يأتي منى، فإذا عاد إلى منى فإنه يسن له أن يبيت فيها فوق جمرة العقبة من ناحية منى لا من أسفلها من ناحية مكة، فإنه لا يجوز لأنه ليس من منى، ومدة البيات بها ثلاث ليال إن لم يتعجل، وليلتان إن تعجل كما يأتي. وعلم مما قررت أن قوله: "فوق العقبة"، تبيين لقوله: "بمنى"، وليس هو تبيينا لمنى؛ لأن ذلك لا يناسب المضاف الذي قدره غير واحد قبل العقبة أي جمرة العقبة؛ لأن جمرة العقبة من منى وما دون الجمرة ليس من منى كما في التوضيح والمناسك. قاله محمد بن الحسن. واعلم أن منى لها آيات خمس: إحداها أن ما قُبلَ من الحصاة يرفع، الثانية اتساعها للحجيج مع ضيقها في الأعين، الثالثة كون الحدأة لا تخطف منها اللحم، الرابعة كون الذباب لا يقع في الطعام وإن كان لا ينفك عنه كالعسل، الخامسة قلة البعوض بها، ونظمها بعضهم فقال: وآي منى خمس فمنها اتساعها … لحجاج بيت الله لو جاوزوا العدا ومنع حداة من تخطف لحمها … وقلة وجدان البعوض بها عُدَّا وكون ذباب لا يقعْ في طعامها … ورفع الحصى المقبول دون الذي رُدَّا وفي التوضيح: ولا يجوز المبيت دون جمرة العقبة لأنه ليس من منى، وفي الموطإ (عن عمر: أنه كان يدخل الناس من ورائها (١)). وإن ترك جل ليلة فدم؛ يعني أنه إذا ترك المبيت فوق العقبة جل ليلة فإنه يلزمه الدم على المشهور، وكذا ليلة كاملة أو أكثر، وظاهره ولو كان الترك لضرورة كخوف على متاعه وهو الذي يقتضيه مذهب مالك حسبما روى عنه ابن نافع فيمن حبسه مرض فبات بمكة أن عليه هديا، وفهم من قوله: "جل ليلة"، أن نصفها فدون لا دم فيه، وهو كذلك على ظاهر المدونة. قاله الشارح والشبراخيتي. وقوله: "وإن ترك جل ليلة فدم"، هو المشهور كما علمت، قال في الموازية عن مالك: وإذا بات وراء العقبة جل ليلة فليُهد هديا، وعنه: لاهدي عليه إلا أن يبيت الليلة كلها، نقله الشارح. وعطف على "ثلاثا" قوله: أو ليلتين إن تعجل؛ يعني أنه لا يلزم الحاج أن

стр. 2768

يبيت بمنى ثلاث ليال بل له أن يتعجل قبلها بأن يبيت ليلتين بمنى: ولا يجوز أن يبيت بها أقل من ليلتين، ويأتي في قوله: "أو ليلتين": "وإن ترك جل ليلة فدم"، ويستثنى من قوله: "ثلاثا أو ليلتين": الرعاة ومن ولي السقاية؛ (لأنه ﷺ أرخص للعباس في المبيت بمكة (١))؛ وقوله: "إن تعجل"، كان بمنى أو غيرها كمكة، لكن إن كان بمنى يشترط فيه إذا تعجل الخروجُ منها قبل الغروب من الثاني، بخلاف ما لو لم يكن بمنى وكان ممره بها ولو لشيء نسيه فله أن يتعجل، ولو غربت عليه الشمس بمنى كما في الشارح. والله سبحانه أعلم. وقوله: "إن تعجل"، هو معنى قوله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وعدم التعجل أفضل: ويكره التعجيل للمقتدى به، وما مر من أنه يجوز التعجيل لمن يبيت بغير منى هو المشهور، وقال الخرشي والشبراخيتي: قال ابن الماجشون وابن حبيب: يلزم من يبيت بمكة أن يعود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، والدم إن لم يعد، وقال محمد بن الحسن بناني: إن عبد الملك وابن حبيب قالا: من بات بمكة فقد خرج عن سنة التعجيل، ويلزمه أن يرجع فيرمي في اليوم الثالث، وعليه دم لمبيته بمكة، وما قاله محمد بن الحسن هو الظاهر الموافق لقول المصنف: "وإن ترك جل ليلة فدم". ولو بات بمكة؛ يعني أنه يجوز للحاج أن يتعجل بأن يرمي الجمار يومين بعد يوم النحر، ويخرج من منى بعد ذلك، ولا يرمي في اليوم الثالث، ولا فرق في ذلك بين من يبيت بمنى وبين من يبيت بمكة على المشهور كما علمت، خلافا لابن الماجشون وابن حبيب القائلين: ليس لمن يبيت بمكة التعجل، بل يلزمه أن يعود للرمي لخروجه عن سنة التعجيل، وعليه الهدي لمبيته بغير منى، وقد مر هذا قريبا. أو مكيا، هو في حيز المبالغة لكونه معطوفا على المبالغ عليه؛ يعني أنه يجوز التعجل للمكي وغيره على الأصح، وقيل: لا يتعجل المكي، والقولان لمالك ويكره للإمام التعجل كما في ابن عرفة، وقد مر ما يفيده، والمبالغة في مقدر؛ أي وله أن يتعجل ولو بات بمكة أو كان مكيا كما في

стр. 2769

الخرشي. قبل الغروب، الظرف متعلق "بتعجل"؛ يعني أن التعجل يشترط فيه أن يخرج المتعجل من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام الرمي؛ بأن يجاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس من اليوم الثاني، فإن غربت وهو بمنى لم يبح له التعجل بل يلزمه المبيت بمنى، ورمي الثالث لأنه لم يصدق عليه أنه تعجل في يومين، وفي الحطاب: ولو رجع إلى منى ثم بدا له قبل الغروب أن يتعجل فله ذلك. وبين ثمرة التعجل بقوله: فيسقط عنه رمي الثالث؛ يعني أن من تعجل يسقط عنه رمي الثالث من الأيام وهو اليوم الرابع من يوم النحر، وكما يسقط عنه رمي اليوم الثالث يسقط عنه مبيت ليلته أي ليلة اليوم الثالث، فإذا بات المتعجل بمكة ليلة الحادي عشر فإنه يبيت بمنى ليلة الثاني عشر فقط لا ليلتين. ورخص لراع بعد العقبة أن ينصرف؛ يعني أن الراعي إذا رمى جمرة العقبة وطاف طواف الإفاضة فإنه يرخص له في أن ينصرف لرعيه، ولا يذهب إلى منى لرمي الجمار مع الناس، بل يشتغل برعيه حتى يمضي اليومان الأولان من أيام النحر وليلة اليوم الثالث، ويأتي لمنى اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي فيه لليومين؛ يوم النحر الثاني الذي مضى وهو في رعيه، واليوم الثالث من أيام النحر الذي حضر، فيه ثم إن شاءوا أقاموا لرمي اليوم الثالث من أيام الرمي، وإن شاءوا تعجلوا فيسقط عنهم رمي الثالث. هذا هو محل الرخصة، فليس المراد بالثالث الثالث من أيام الرمي؛ إذ لوأخر له لم يجُزْ، فإن وقع وأتى ثالث أيام الرمي رمى لليومين قبله ثم يرمي للثالث الحاضر في وقته وعليه دم للتأخير، وظاهر المصنف: كانوا رعاة إبل لحاجٍّ أو لغيره، أو رعاة غيرها، ووقع في نص: رعاة إبل حجاج. قاله عبد الباقي. وقال بناني: قوله: وظاهر المص كانوا رعاة إبل الخ قال مصطفى: أطلق المصنف في الراعي كصاحب الجواهر وابن حبيب وابن عرفة وغيرهم من أهل المذهب، مع أن الرخصة (في الموطإ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسما لِرِعَاءِ الإبل (١))، فقال الباجي: للرعاء عذر في الكون مع الظهر الذي لا بد من مراعاته والرعي له للحاجة إليه في الانصراف، وقد قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ الآية، فظاهر هذا أنه خاص بالإبل لا سيما الرخصة لا تتعدى محلها: وفي القياس

стр. 2770

عليها نزاع. انتهى. وكلام المصنف كالمستثنى من قوله: "وعاد للمبيت" الخ، ومن قوله: "أو ليلتين إن تعجل"، وأما أهل السقاية فيرخص لهم في ترك المبيت بمنى فقط لا في ترك الرمي، فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارا ويعودون لمكة، فليسوا كالرعاة في تأخير الرمي، بل في ترك المبيت. قاله عبد الباقي. وقوله: "ورخص لراع بعد العقبة" الخ، وقال محمد: يجوز له ذلك، ويجوز لهم أن يأتوا ليلا فيرموا ما فاتهم في ذلك اليوم. انتهى. ونقله ابن عرفة وغيره، والظاهر أنه وفاق؛ لأنه إذا رخص لهم في تأخير الرمي لليوم الثاني فرميهم ليلا أولى بالجواز، إلا أنهم إذا جاءوا ليلا فيظهر من كلام صاحب الطراز أنه يلزمهم حكم المبيت بها، قال: لأن حاجة الرعي إنما تكون بالنهار، فإذا غربت الشمس فقد انقضى الرعي، وبهذه العلة فرق أصحاب الشافعي بينهم وبين أهل السقاية، مع أنه أشار إلى ذلك في مناسكه، قال في الطراز: يجوز لأهل السقاية ترك البيت بمنى بخلاف الرعاة. انتهى. قاله الحطاب. قوله: والظاهر أنه وفاق الخ، اعترضه الرماصي، وذكر من كلام الباجي ما يدل على أنه خلاف. قاله محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله: بخلاف الرعاة، لا يخالف ما مر عن عبد الباقي إن حمل على أنهم أتوا منى. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله تعالى عنه. تنبيهات: الأول: قال في الطراز: الجمرات ثلاث؛ الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى وهي التي تلي الأولى، ثم الثالثة وهي الجمرة القصوى؛ وهي أبعد الجمار إلى منى وأقربها إلى مكة؛ وهي التي ترمى يوم النحر، وهي على حد أول منى من ناحية مكة. انتهى. وقال الشيخ زروق: وجمرة العقبة آخر منى من ناحية مكة. انتهى. نقله الحطاب. الثاني: قال الإمام الحطاب: وما وقع في عبارة أهل المذهب من إطلاقهم لفظ العقبة فإنما يعنون به جمرة العقبة، ولا نزاع في ذلك، فقد قال المؤلف قبل هذا: "ورميه العقبة"، وقال بعده: "ورخص لراع بعد العقبة" وقال: "ورمي العقبة أول طلوع الشمس"، ومراده بذلك جمرة العقبة. والله أعلم. انتهى. الثالث: قال الإمام الحطاب: فائدة تتضمن الكلام على أصل خروج سابق الحاج المبشر عنهم بسلامتهم ووقت خروجه، هل هو يوم العيد أو بعد مضي أيام التشريق؟ قال الشيخ جلال الدين السيوطي في

стр. 2771

حاشية الموطإ في جامع القضاء: خَرَّج الخطيب البغدادي من طريق حسين الجعفي عن علي بن زيد عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: تخرج الدابة من جبل أجياد (١) في أيام التشريق والناس بمنى، قال: فلذلك جاء سابق الحاج يخبر بسلامة الحاجِّ الناسَ. قال الحطاب: هذا أصل لقدوم المبشر عن الحاج، وفيه بيان للسبب في ذلك، وأنه كان من زمن عمر بن الخطاب إلا أن البشر يخرج من مكة يوم العيد، وحقه أن لا يخرج إلا بعد أيام التشريق، ثم حكى في السيرة من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمر (٢) عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد أراه رفعه، قال: (تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة فبينما هم قعود تربو الأرض فبينما هم كذلك إذ تصعدت (٣)، قال ابن عيينة: تخرج حين يسير الإمام من جمع، وإنما جعل سابق الحاج ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج، فهذه الرواية تقتضي أن خروج المبشر يوم العيد واقع موقعه. والله سبحانه أعلم. الرابع: قد مر قول محمد في الرعاة إنهم إن رموا النهار أو رموا بالليل أجزأهم، قال الشارح: روي أن النبي ﷺ أرخص في ذلك (٤)، ومن العتبية: ابن القاسم عن مالك: ومن تعجل فأفاض ثم انصرف فكان ممره على منى فلم ينفر منها حتى غابت الشمس فلينفر ولا يضره، قال عنه محمد: وكذا لو لم تكن ممره إلا أنه نسي فيها شيئا فرجع له فغابت الشمس فيها فلينفر ولا يضره. قاله الشارح. الخامس: الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة، والأيام المعدودات أيام الرمي الثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر الأول معلوم فقط، واليوم الرابع معدود فقط، واليومان قبله معلومان معدودان، وتسمى الأيام المعدودات بأيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم كانوا لا يذبحون فيها إلا بعد الشروق أو لتشريق الناس لحوم أضاحيهم ليلا تتغير، أو لأن الناس يبرزون فيها إلى منى وهي في المشرق أقوال. ولمالك كراهة تسمية الأيام المعدودات بأيام التشريق، لأن الله سبحانه سماها بالأيام المعدودات.

стр. 2772

السادس: قال الخرشي: مقتضى ما ذكره المؤلف من البالغة أن المِنَويَ لا يتعجل وهو واضح، وظاهره: ولو عزم على السفر منها لمحل. انتهى. وفي الطراز: من تعجل سقط عنه رمي الثالث، فإن كان معه حَصًى أعدَّه طرحه أو دفعه لمن لم يتعجل ولا يعرف دفنه، وفي التوضيح: ذكر بعض أصحابنا أنه يدفن الحصى إذا تعجل، وليدر بمعروف. انتهى. السابع: قوله: "ورخص لراع" الخ، هذه الرخصة جائزة كما قال الشيخ عبد الرحمن، ومثله للحطاب عن مالك. قاله الشبراخيتي. قال: وأما رخصة تقديم الضعفة فمستحبة، ورخصة ترك التحصيب خلاف الأولى. ولما كان المطلوب استحباب الدفع مع الإمام من المزدلفة ولا يتعجل، ووسع للنساء والصبيان في المتقدم والتأخر كما في المدونة وغيرها، قال عاطفا على أن ينصرف: وتقدم الضعفة في الرد للمزدلفة؛ يعني أنه إذا رجع الناس من عرفة ونزلوا بالمزدلفة فإنه يرخص للضعفاء من الناس كالنساء والصبيان والمرضى ومن تلحقه مشقة حطمة الناس أي زحمتهم أن يتقدموا عن الناس في رجوعهم من المزدافة إلى منى، فيذهبوا من المزدافة ليلا ويبيتون بمنى، وهذه الرخصة مندوبة كما مر. وعلم مما قررت أن اللام في قوله "للمزدلفة" بمعنى: من، نحو: سمعت له صراخا، ومنه قول جرير: لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل أي منكم، ومتعلق الرد محذوف أي: ورخص تقديم الضعفة في الرد من المزدلفة لمنى. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي عند قوله "للمزدلفة": اللام بمعنى: من، متعلقة بالرد، ومتعلق تقديم محذوف وهو إلى منى؛ أي من ردَّ أي رجع من عرفة بعد غروب ليلة النحر إلى المزدافة يرخص له تقديمه منها إلى منى، يبيت بها إن كان ضعيفا، ونحوه كنساء وصبيان ومن تلحقه مشقة عظيمة في بياته بمزدلفة، فالمُرَادُ بالتقديم بمعنى المتقدم عدم البيات بالمزدلفة لضرورة تلحقه فيها، لا التقديم الذي هو عدم النزول بالكلية، لما تقدم من قوله: "وإن لم ينزل فالدم"، فالرخصة لهم إنما هي في ترك ما زاد على النزول الواجب، وهي هنا مستحبة في حقهم كما علمت، فلا يقال: إنهم تركوا مستحبا وهو المبيت؛ بل فعلوا مستحبا في حقهم وهو تقديمهم لمني، قال علي

стр. 2773

الأجهوري: وانظر هل يحصل لهم ثواب المبيت كما ذكروه في الجمع الصوري للمريض ونحوه من حصول فضيلة أول الوقت له دون الصحيح أو لا؟ انتهى. قلت: قوله: ثواب المبيت؛ أي زيادة على ثواب الرخصة. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: انظر هذا التنظير، فإن الضَّعَفَة فعلوا ما هو مشروع في حقهم وهو الأفضل لهم، فكيف يكون لهم ثواب ما هو مرجوح في حقهم؟ وإن كان مراده ثواب المبيت الحاصل لغيرهم. والله سبحانه أعلم. وكما رخص للضعفة في التقديم، رخص لهم في تأخرهم عن الإمام أيضا كما مر، فلو قال المصنف: وتقديم الضعفة أو تأخرهم من المزدافة لكان أحسن وأشمل. انتهى. وقد مر أن من أتى منى بالليل يؤخر رميه للفجر، وقوله: "في الرد"، سماه ردا لمروره الأول يوم التاسع بالمزدلفة، ولا يصح حمل كلام المصنف على ظاهره من أن الرخصة في المتقدم من عرفة للمزدلفة، ولئن سلم على ظاهره فلا بد من تقييده بإدراك جزء من الليل، فقد ورد ذلك أيضا إلا أنه غير معروف عند أهل المذهب. وترك التحصيب لغير مقتدي به؛ يعني أنه يرخص في ترك النزول بالمحصب ليلة الرابع عشر لغير مقتدى به، والمحصب ما بين الجبلين للمقبرة؛ أي منتهيا لها سمي بذلك لكثرة الحصباء به، والأبطح منه حيث القبرة التي بأعلى مكة تحت عقبة كداء بالفتح والد، سمي بذلك لانبطاحه. قاله الشبراخيتي. ومفهوم قوله: "لغير مقتدى به"، أن المقتدى به لا يرخص له في ترك النزول بالمحصب لإحياء السنة إلا أن يكون متعجلا أو يوافق نفره يوم الجمعة، فقال مالك: لا أحب للإمام أن يقيم بالمحصب وليدخل مكة ليصلي الجمعة بأهل مكة. قاله الشبراخيتي. وسيأتي للمصنف أنه يستحب تحصيب الراجع أي نزوله بالمحصب، فالرخصة هنا خلاف الأولى، والتي قبلها مندوبة، والتي قبل ذلك جائزة، وفي الخرشي: والمحصب بضم الميم ثم حاء مهملة مفتوحة ثم صاد مشددة مفتوحة ثم باء موحدة: اسم لمكان متسع بين مكة ومنى، قال صاحب المطالع: هو أقرب إلى منى وهو الأبطح والبطحاء وخيف، والمحصب أيضا موضع الجمار من منى، وليس هو المراد هنا، وإنما كان النزول بالمحصب مشروعا (لنزوله صلى الله عليه وسلم

стр. 2774

بد وصلاته الظهر والعصر والمغرب والعشاء به (١))، وعن مالك: ليس بمشروع؛ ومثله عن عائشة رضي الله تعالى عنها. ورمى كل يوم الثلاث؛ قوله: "رمى" فعل ماض معطوف على "عاد"، من قوله: "وعاد للمبيت بمنى"؛ يعني أنه إذا عاد لمني فإنه يرمي كل يوم بعد يوم النحر الجمار الثلاث كل واحدة بسبع حصيات، يبدأ بالتي تلي مسجد منى ثم الوسطى التي بالسوق، وختم بالعقبة. أي يرتبهن هكذا، فيبدأ بالتي تلي المسجد، ثم الوسطى التي بالسوق، ثم جمرة العقبة يختم بها، فجملة ما يرميه المتعجل تسع وأربعون حصاة، وغيره سبعون حصاة بزيادته رمي اليوم الرابع وهو إحدى وعشرون حصاة، وعلق "برمى" قوله: من الزوال؛ يعني أن وقت أداء الرمي للجمار أيام منى مبدؤه من الزوال؛ أي وقت أداء كل يوم مبدؤه من زواله، ومختاره للاصفرار وضروريه من الاصفرار للغروب. والظاهر كراهة الرمي به أي بالضروري أي الظاهر كراهة تأخيره إلى الضروري؛ فيرمي به، وقوله: "للغروب"، قد مر أن ما بعد الغروب وقت قضاء للرمي إلى غروب الرابع، فينتهي وقت الرمي. واعلم أن الفضيلة متعلقة بالزوال من هذه الأيام. واعلم أنه يشترط في صحة الرمي أمور أربعة، أحدها أشار إليه بقوله: في صحته بحجر كحصي الخذف؛ يعني أنه يشترط في صحة الرمي مطلقا أي في أيام منى أو في يوم النحر أمور أربعة: كونه بحجر أي جنس ما يرمى به حجر من حصى أو رخام أو برام؛ ويكون المرمى به في القدرك حصى الخذف بذال وخاء معجمتين وهو الرمي للحصى بالأصابع، وذلك الحصى فوق الفستق ودون البندق، ولا يجزئ الصغير جدا كالقمحة والحمصة فهو كالعدم، ويكره الكبير خوف الإذاية ولمخالفة السنة، ويجزئ عند الجميع؛ لأن فيه الواجب وزيادة. قاله عبد الباقي. قوله: أو برام، قال محمد بن الحسن: البرام في الأصل القدور المتخذة من الحجارة المعروفة بالحجاز واليمن. قاله مصطفى. نقله محمد بن الحسن. قال: ولعل مراده حجارة من ذلك المعدن. انتهى. وقوله: "كحصى الخذف"، هكذا في الصحيح، واستحب الإمام في المدونة أن تكون أكبر من حصى الخذف، قال الباجي: لعل مالكا لم يبلغه

стр. 2775

الحديث: ولو بلغة ما استحب ما هو أكبر منه، والخذف قال الليث: هو رميك حصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك أو تجعل مخذفة ترمي بها بين سبابتك وإبهامك، ودخل في الحجارة الرخام كما مر، ويقال له: الزنط، بالنون وكسر الزاي، ولا يصح الرمي بغير الحجارة، وفي الشبراخيتي: وهل حصى الخذف كالفول أو النواة أو دون الأنملة طولا وعرضا؟ أقوال. انتهى. ومثله للشارح في الكبير، وفي التوضيح: قال سند: كان القاسم بن محمد يرمي بأكبر من حصى الخذف، واستشكل الشافعي استحباب مالك كونها أكبر من حصى الخذف مع ما ورد (أن النبي ﷺ رمى مثل حصى الخذف (١))، وأجيب بجوابين، أحدهما للباجي، وهو الذي تقدم أن مالكا لم يبلغه الحديث، ثانيهما أنه بلغة ولكن استحب الزيادة على حصى الخذف ليلا ينقص الرامي ذلك. انتهى. نقله الحطاب. وقال في الزاهي: ويحمل حصى نفسه ولا يستعين على حمله بغيره ولا يغسل الحصى. انتهى. نقله الحطاب. ونحوه للشارح، قال: والجواب الثاني أظهر، وقوله: "بحجر"، قال الشارح: احترز به من نحو الطين والآجر وشيء من المعادن التي نذكرها بعد هذا. القرافي في الذخيرة: ولا يختص بجنس بل ما يسمى حجرا أو رخاما، وظاهر المذهب منع الطين والمعادن كالحديد والزرنيح. انتهى. وقال الشارح أيضا: والخذف بالخاء والذال العجمتين وبالفاء، قال الجوهري: هو الرمي بالحصى بالأصابع. انتهى. وكانت العرب ترمي بها في الصغر على وجه اللعب، تجعلها بين السبابة والإبهام من اليسرى بسبابته اليمنى. الليث: أو يجعلها بين سبابتيه. انتهى كلام الشارح. ومثله للخرشي. وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: ورمي، مصدر مجرور معطوف على"حجر"؛ يعني أنه يشترط في صحة الرمي أن يصل المرميُّ به إلى الجمرة برمي لا بوضع أو دحرجة من مكان عال، فإن ذلك لا يجزئ، ولأشهب: يجزئ الطرح، ولا يخفى ما في كلام المصنف من القلق؛ لأن التقدير وصحة الرمي برمي، ويجاب عنه بأنه استعمل الرمي بمعنى الوصول إلى الجمرة، ويشترط في ذلك الوصول أن يكون برمي حقيقة، وبهذا يصح المعنى ويزول القلق، وقوله: "ورمي"، المراد رمي

стр. 2776

لكل حصاة بانفرادها، فإن رمى السبع في مرة واحدة احتسب منها بواحدة، والظاهر أنه يشترط أن يكون الرمي بيده فلا يجزئ بقوس أو رجل أو فم، وفي حاشية الشيخ خضر ما نصه: من مستحبات الرمي أن يكون بالأصابع لا بالقبضة، وأن يكون باليد اليمنى إلا أن يكون أعسر لا يحسن الرمي باليمنى. انتهى. وتحصل مما مر أن الاعتراض اندفع عن المصنف بأن المراد بالرمي الأول الإيصال وبالثاني الاندفاع الناشئ عن الدفع؛ ولا بد أن يكون الدفع حاصلا لكل حصاة. وإن بمتنجس. مبالغة في قوله: "وصحته بحجر"؛ يعني أنه إذا رمى بحجر متنجس فإن ذلك يجزئه لكنه يكره كما نص عليه سند في الطراز، وأنه يستحب له أن يعيده بطاهر، والكراهة وندب الإعادة بطاهر لا يفهمان من كلام المصنف: ونقل ابن الحاج الإجزاء عن مالك في الحجر النجس، وفي الشارح: سند: قالت الشافعية: لو رمى بحجر نجدى أجزأه، قال: وليس ببعيد عن المذهب لكنه يكره، وقد قال: مالكَ: ليس عليه غسلها. انتهى. وقال الحطاب: وكلام صاحب الطراز يدل على أن هذا الفرع ليس بمنصوص عليه لمالك، وقال في التوضيح، ونقل ابن الحاج الإجزاء عن مالك. انتهى. على الجمرة: متعلق "برمى"؛ يعني أنه يشترط في الرمي أن يكون واقعا على الجمرة، والجمرة اسم للجميع: البناء وما حوله وهو مذهب الطراز، وقال الشارح: هي اسم للبناء وما تحته. قاله الشيخ إبراهيم. وقال عبد الباقي عند قوله: "على الجمرة": وهي البناء وما تحته من موضع الحصى؛ وإن كان المطلوب الرمي على الثاني كما يفيده قول منسكه: ولا ترم في البناء بل ارم أسفله بموضع الحصى، وسيقول المصنف: "وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد، فالمطلوب ابتداء أنه لا يرمي في البناء، فإن رمى فيه ووقف في شقوق البناء ففي إجزائه تردد كما يأتي، ولا يجزئ ما وقع في ظهرها قطعا، وقال ابن فرحون: ليس المراد بالجمرة البناء القديم، فإن ذلك البناء علامة على موضعها ونحوه قول الباجي وغيره: الجمرة اسم لموضع الرمي سميت بذلك لاسم ما يُرمَى فيها، والجمار الحجارة. انتهى. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن صور هذه المسألة تسع وهي: رميها ببطن الوادي وهو المطلوب، كان الرامي بنفسه ببطن الوادي أو ظهره أو فوق البناء، ورميها بظهر الوادي ولا يجزئ كان

стр. 2777

الرامي بظهر الوادي أو بطنه أو فوق البناء، ورميها على البناء أي الحائط ووقفت في شقوقه فيه تردد كان الرامي فوق رأس الحائط أو ظهر الوادي أو بطنه. انتهى. وقال الشيخ زروق: من أي جهة رمى الجمرة في مرماها صح الرمي. ولما أوهم قوله: "على الجمرة" أنه لا بد من إصابة الجمرة أولا، دَفَعَهُ بقوله: وإن أصابت غيرها؛ يعني أنه إذا وقع المرمي به على الجمرة فإن ذلك كاف، ولا فرق في ذلك بين أن يصيب الجمرة أولا، وأن يصيب غيرها قبلها ثم يقع عليها بعد ذلك، لكن بشرط أشار إليه بقوله: إن ذهبت إليها بقوة: يعني أنه إذا رمى الجمرة فأصابت الرمية غيرها فذهبت إليها بقوة من الرمية فوصلتها، فإن ذلك يجزئ، كما إذا رماها فوقعت على محمل فذهبت إلى الجمرة بقوة الرمية، وكذا لو وقعت دون الجمرة ثم تدحرجت إليها بقوة الرمية. قاله الشارح. وقال الخرشي: أي وإن أصابت الحصاة غير الجمرة ابتداء من محمل وغيره فلا يمنع ذلك الإجزاء إن ذهبت إليها بقوة من الرمي لاتصال الرمي بها، قال سند: بمثابة من رمى صيدا فأصاب السهم حجرا، وينقلب بحدة الرمي إلى الصيد فقتله، فإنها ذكاة تامة. انتهى. وشمل كلامه -يعني المصنف- ما لو وقعت دونها ثم تدحرجت إليها؛ لأنه من فعله. انتهى. وقد مر عن الشارح مثله ومفهوم قوله بقوة أنها لو ذهبت لها لا بقوة الرمي كما لو وقعت على محمل رجل فنقضها صاحب المحمل لم يُجْزِ ذلك؛ لأنها إنما وصلت لها بفعل الذي نقضها، كما لو وقعت عليها من موضع عال؛ لأنه ليس من فعله. والله سبحانه أعلم. لا دونها؛ يعني أنه إذا رماها فوقعت الرمية دونها ولم تصل إليها فإن ذلك لا يجزئه، وقد مر عن الشارح أنه لو رماها فوقعت دونها ثم تدحرجت إليها بقوة فإن ذلك يجزئه. انتهى. ومفهوم قوله: "دونها"، أنها لو تعدتها الرمية لم يجزه ذلك فهو مفهوم موافقة، فإن رماها وشك هل وصلت إليها أم لا؟ فالظاهر عدم الإجزاء. قاله عبد الباقي. وقوله: "لا دونها"، معمول لفعل مقدر؛ أي لا يجزئ الرمي دونها. قاله الشبراخيتي. وفي الخرشي ما نصه: أما إن تدحرجت إلى الجمرة من عال غير بناء الجمرة فلا، سند: لأن رجوعها ليس من فعله، وللشافعية فيه قولان،

стр. 2778

وقال الخرشي عند قوله: "لا دونها"؛ أي لا إن وقعت الحصاة دون الجمرة ولم تذهب بقوة الرمية أو جاوزتها بالبعد منها فلا تجزئ؛ لأن رميه لم يتصل بالجمرة. وإن أطارت غيرها؛ مبالغة في عدم الإجزاء لوقوع الرمية دون الجمرة؛ يعني أنه إذا رماها فوقعت الرمية دون الجمرة إلا أن الحصاة التي رمى بها أطارت حصاة غيرها فوصلت المطارة لها؛ أي للجمرة، فإن ذلك لا يجزئه، وفي الخرشي: لا يجزئ الرمي إن وقعت الحصاة دون الجمرة ولم تذهب بقوة الرمية، أو جاوزتها بالبعد منها فلا تجزئ؛ لأن رميه لم يتصل بالجمرة، وإن أطارت الرمية غيرها مما وقعت عليه للجمرة أو لغير الجمرة قصدا فوقعت بها لعدم النية. انتهى. ولا طين؛ يعني أن رمي الجمرة بطين لا يجزئ؛ لأن شرط صحة الرمي أن يكون بحجركما مر، والظاهر أن مثل الطين الطفل أو هو من جملته. قاله عبد الباقي. ومعدن؛ يعني أن الرمي بما هو من المعدن لا يجزئ، سواء كان متطرقا كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس؛ أو غير متطرق كالياقوت والزمرذ والزرنيخ والكبريت، قوله: "ولا طين ومعدن"، مرفوعان معطوفان على فاضل يجزئ المقدرة بعد "لا" من قوله: "لا دونها". وفي إجزاء ما وقف بالبناء تردد؛ يعني أنه إذا رمى الحصاة على الجمرة فَوَقَعَتْ في شُقُوقِ البناء ووقفت فيه بأن لم تنزل إلى أرض الجمرة، فإنه وقع التردد من المتأخرين لعدم نص المتقدمين في الإجزاء وعدمه، فالإجزاء هو الذي كان يميل إليه سيدي أبو عبد الله المنوفي شيخ المصنف، وعدم الإجزاء هو الذي كان يفتي به سيدي خليل الكي شيخ المصنف أيضا والشارح، ولعل الجمرة عنده اسم للمكان المجتمع فيه الحصى فقط، قال الحطاب: والإجزاء هو الظاهر. والله أعلم. انتهى. وفي الخرشي: مذهب الطراز أن الجمرة اسم للجميع البناء وما حوله، وعليه فما وقف بالبناء مجزئ وهو القياس، فكان ينبغي للمؤلف أن يقطع بالإجزاء فيقول: ويجزئ ما وقف بالبناء. انتهى. وقال الشبراخيتي وعبد الباقي: إن ما للمنوفي هو المناسب لتفسير الجمرة بالبناء وما تحته. انتهى. وقال محمد بن الحسن عند قوله "تردد": الظاهر الإجزاء كما في الحطاب. انتهى.

стр. 2779

قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: فتحصل من كلام هؤلاء الأشياخ أن الراجح الإجزاء فيما وقف بالبناء. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: وبترتبهن؛ يعني أنه إذا أراد الرمي في أيام منى وهي الثلاثة الكائنة بعد يوم النحر، فإنه يشترط في صحة الرمي لهن أن يرتبهن على الكيفية المتقدمة؛ بأن يبدأ بالتي تلي مسجد منى، ويثني بالوسطى، ويختم بجمرة العقبة، وقوله: "وبترتبهن"، عطف على "بحجر"، وفي بعض النسخ بدون باء عطف على "حجر"، والإخلال بالترتيب يبطل ولو سهوا. الباجي: الترتيب واجب كركعات الصلاة. انتهى. وذلك لفعله ﵊ (١))، ولفعل الصحابة والتابعين. قاله غير واحد. قال الشارح: ولا أظنهم يختلفون في ذلك؛ فلو نكس الجمار فرمى الجمرة الآخرة ثم الوسطى ثم الأولى أعاد الوسطى ثم الآخرة، وكذا لو رمى الوسطى ثم الآخرة ثم الأولى فإنه يعيد الوسطى ثم الآخرة، ولو رمى الأولى ثم الآخرة ثم الوسطى أعاد الآخرة فقط، وفي الشبراخيتي عند قوله "وبترتبه": أي وصحته بترتبهن؛ أي الجمار الثلاث بعد يوم النحر؛ بأن يبدأ بالتي تلي مسجد منى ثم الوسطى ثم العقبة، فالإخلال بالترتيب مبطل ولو سهوا ما دام يوم الجمرة، فإن تذكر قبل خروج يومها، فأشار له بما بعده. انتهى. وأعاد الحاج أو الرامي استحبابا ما أي شيئا، أو الشيء الذي حضر أي بقي وقته، وعلق "بأعاد" قوله: بعد فعل؛ أي رمي الجمرة المنسية في اليوم الذي ذكرها فيه وجوبا، معد فعل ما بعدها وجوبا أيضا أي المنسية التي فعلها في للظرفية، متعلقة بصلة الوصول قبلها كما لبناني. والله سبحانه أعلم. يومها؛ أي المنسية فقط، لا ما بعدها من غير يومها، ومعنى كلام المصنف أنه لو نسي شيئا من الجمار ثم تذكره قبل خروج وقت الرمي، فإنه يأتي بالنسية وجوبا، وبما فعله بعدها مما هو من يومها وجوبا أيضا، لوجوب الترتيب بين الجمرات لا غير ذلك مما فعله بعد يومها في يوم آخر؛ وبعد إتيانه بما ذكر يعيد ندبا ما حضر؛ أي ما بقي وقته وهو الجمرة أو الجمار التي رماها في اليوم الذي ذكر فيه المنسية إن كان قد رمى ما حضر وقته، وإلا أتى به بعد المنسية وما بعدها مما هو من يومها فقط وجوبا إن ذكر، مثال ذلك ما لو نسي الجمرة الأولى من

стр. 2780

ثاني النحر، ثم رمى ثالث النحر بتمامه، ثم رمى رابع النحر بتمامه، ثم ذكر في اليوم الرابع ما نسيه وهو الجمرة الأولى من ثاني النحر، فإنه يرمي الجمرة المنسية وجوبا، وكذا ما بعدها مما هو من يومها وجوبا أيضا وهي الوسطى، والعقبة من ثاني النحر لأنه رمي باطل لعدم الترتيب، ثم يرمي اليوم الرابع بتمامه استحبابا لبقاء وقته، وهو المراد بقوله: ما حضر في هذا المثال، وإنما أعاد رمي الرابع لأجل الترتيب فيه مع المنسية، فإنه واجب مع الذكر لا مع النسيان، فلذا ندب فقط: وأما اليوم الثالث فإن رميه صحيح وقد خرج وقته، ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم ذكر في تلك الليلة، فإنه يصلي الصبح والمغرب والعشاء لبقاء وقتهما، وقد مر أن "بعد" الأولى في كلام المصنف متعلقة "بأعاد"، "وما" من قوله: "ما حضر"، مفعول "أعادَ"، وما حضر وقته هو رمي اليوم الذي ذكر فيه المنسية، وقوله: "المنسية"، على حذف مضاف كما قررت؛ أي فعل المنسية أي رميها، "وما" من قوله: "وما بعدها"، عطف على "المنسية"؛ أي فعل ما بعد المنسية، وقوله: "في يومها" لعبد الباقي والشبراخيتي: أنها بمعنى من، قال الشبراخيتي: تبيين لما، ونازع في ذلك بناني، وقال: فيه نظر، بل هي على بابها للظرفية لكنها متعلقة بصلة الوصول قبلها. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وما قاله بناني هو المتعين. والله سبحانه أعلم. وقوله: "فقط"، احترز به مما هو بعد المنسية وهو من يوم آخر، وما مر من أنه يقدم المنسية على أداء ما حضر وقته وجوبا مع الذكر ظاهر إذا اتسع الوقت للأداء والقضاء، وأما لو ضاق على ذلك؛ فقال الحطاب: سئلت عنه فأجبت بأني لا أحفظ فيه نصا، والذي يظهر لي في غير اليوم الثالث أن يقدم القضاء، وإن أدى لفوات الأداء كما في الصلاة الحاضرة مع الفائتة أي اليسيرة، وأما في الثالث الذي هو رابع النحر فالذي يظهر لي أنه يقدم الأداء، وقد فات وقت القضاء حيث لم يبق للغروب إلا ما يسع رمي اليوم الرابع. انتهى. وما قاله ظاهر، ويؤيده قولهم في أرباب الأعذار: إذا ضاق الوقت اختص بالأخيرة إن لم تفعل اتفاقا، وإن فعلت فخلاف. قاله الشيخ سالم. قال: وانظر لو ضاق الوقت عن بعض القضاء مع إمكان رمي جميع اليوم الرابع، هل يقدمه ثم يقضي ما أمكن من بعض الماضي أو يقدم البعض الماضي ثم يفعل رمي اليوم الرابع؟ قاله عبد الباقي.

стр. 2781

قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: وإذا كان يفعل بعض القضاء لضيق الوقت، فالذي يظهر تقديمه على الأداء لوجوب تقديم القضاء على الأداء مع اتساع الوقت، وفي الخبر: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم (١))، وقد استظهر الأجهوري أنه يأتي ببعض القضاء مع الأداء في هذا الفرض، قال: ورأيت في ابن عمر ما يوافقه، وقوله: "وأعادما حضر" حكى ابن شأس قولا أنه لا يعيد ما رماه في يومه. قاله الحطاب. ولما ذكر أن ترتبهن شرط، ذكر أن الفورية مندوبة، فقال: وندب تتابعه؛ يعني أنه يندب تتابع رمي الجمار الثلاث؛ أي الإتيان برمي كل جمرة عقب الأخرى فورا؛ بأن يرمي الثانية عقب الأولى بكمالها، والثالثة عقب الثانية بكمالها، فلا يتكرر مع ما تقدم من قوله: "وتتابعها"؛ لأن ما مر في تتابع الحصيات في كل جمرة كما هو الأنسب، بقوله: "ولقطها"، فلا يؤخر بعض الجمرات عن بعض إلا بقدر ما سيأتي من التتابع. وعلم مما قررت أن التتابع بمعنى الموالاة، وله صورتان: تتابع بين الحصيات وهذا هو الذي قدمه المصنف بقوله: "ومتابعتها"، وتتابع بين الجمرات بأن يرمي الثانية، على فور الأولى والثالثة على فور الثانية وهذا هو المراد هنا، ولو اقتصر على أحدهما لكفاه. والله سبحانه أعلم. ولما ذكر أن ترتيب رمي الجمرات واجب، وأن الفور مستحب رتب عليهما، قوله: فإن رمي بخمس خمس اعتد بالخمس الأول؛ يعني أنه إذا رمي الجمار الثلاث في أي يوم من أيام منى بخمس خمس بأن رمي كل جمرة بخمس حصيات وترك من كل منها حصاتين، فإنه يعتد بالحصيات الخمس من الجمرة الأولى فيكملها بحصاتين حيث لم يخرج وقت الرمي، وهو اليوم الثالث من أَيام منى، وإذا اعتد بالخمس الأول من الجمرة الأولى فإنه يلغي خمس الجمرة الوسطى وخمس العقبة فيرميهما سبعا سبعا، وسواء كان ذلك سهوا أو عمدا بناء على أن الفور ليس بواجب، ولا هدي عليه إذا فعل ذلك في اليوم الذي ذكر فيه الحصاتين من كل جمرة، وعليه إن فعله من الغد، وإنما لم يعتد بما فعل بعد الخمس الأول لأنه لم يكمل الأولى، فلم يحصل الترتيب فيبطل رمي الثانية والثالثة.

стр. 2782

ولما لم تكن الفورية واجبة كان له البناء على الخمس الأول، وما ذكره المصنف من ندب التتابع طريقة شهرها الباجي وابن بشير وابن راشد، وصدر بها ابن شأس، وحمل أبو الحسن المدونة عليها، وطريقة سند وابن عبد السلام وابن هارون ودرج عليها ابن الحاجب أن الفورية شرط مع الذكر اتفاقات واختلف فيها مع النسيان وعليها فلا يعتد بشيء. وإن لم يدر موضع حصاة اعتد بست من الأولى؛ يعني أنه إذا رمى الجمرات ثم إنه لم يدر موضع حصاة تحقق تركها أو شك فيه بقيت بيده حصاة أم لا، فإنه يعتد بست حصيات من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها، فيكملها بحصاة ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع سبع، هذا إذا كان الشك في الجمرات الثلاث، فإن تحقق إتمام الأولى وشك في الثانية والثالثة اعتد بست من الثانية، فيكملها بحصاة ويرمي العقبة بسبع، فإن شك مع ذلك في كونها من الجمرة الأولى من اليوم الأول والثاني اعتد بست من الأولى من كلا اليومين، ويكمل عليها، وقوله: "موضع حصاة" أي أو أكثر أي فيعتد بخمس من الأولى في اثنتين، وهكذا كلما زاد الشك اعتد بغير المشكوك فيه، وألغي المشكوك فيه وهذا أيضا مبني على ندب التتابع؛ وأما على وجوبه فلا يعتد بشيء، ومفهوم قوله: "لم يدر"؛ أنه لو درى أنها من الأولى فإنه يعتد بست من الأولى ويكمل عليها، فهو مفهوم موافقة، ولو درى أنها من الثانية اعتد بالأولى وبست من الثانية وكمل على ذلك، ولا يستأنفها على المشهور كما مر. ومن رمى عن نفسه وعن صبي أجزأ رميه ذلك عنه وعن صبي، صورتها أنه رمى الجمرة بأربع عشرة حصاة، سبع عن نفسه وسبع عن صبي أو غيره ممن يرمي عنه؛ فإن ذلك يجزئه عن نفسه وعن الصبي ونحوه، ولو حصاة حصاة، يعني أن ذلك يجزئ، ولما فرق في الإجزاء بين أن يرمي الجمرة رميا كاملا عن نفسه، بأن يرميها بسبع حَصَيَاتٍ عن نفسه أو عن غيره، ثم يرميها بعد ذلك بسبع حصيات عن غيره أو عن نفسه، وبين أن يرمي حصاة عن نفسه أو عن غيره ثم يرمي حصاة عن غيره أو عن نفسه، وسواء وقع ذلك في جمرة واحدة أو في أكثر، فإن ذلك يجزئ عنهما لا حصاة عنه وعن غير، فإن هذا لا يجزئ، ورد المصنف "بلو"، قول القابسي: يعيد عن نفسه ولما يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة، قال ابن يونس: وهو غير صحيح، وما قبل المبالغة أن يرمي جمرة رميا كاملا عن نفسه، ثم يرمي الجمرة

стр. 2783

رميا كاملا عن غيره أو عكسه، ولو رمى عنه حصاتين أو أكثر وعن الآخر مثله أو دون أو أكثر فالظاهر الإجزاء وانظر هل هذا من محل الخلاف أم لا؟ قاله عبد الباقي. ولما قدم أنه يندب له رمي العقبة حين وصوله وإن راكبا، ولم يصرح هنالك بندب ذلك وقت طلوع الشمس: بينه بقوله: ورميُ العقبة أول يوم طلوع الشمس؛ يعني أنه يستحب رمي العقبة عند طلوع الشمس أول يوم من أيام النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، ويستمر ذلك الوقت للزوال، فلو رماها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فقد ترك مستحبا، وهل هو مكروه كما صرح به الجزولي أو خلاف الأولى. وعلم مما قررت أن أول الوقت المستحب طلوع الشمس، وآخره الزوال، ويكره بعد الزوال للغروب ووقت الأداء من طلوع الفجر إلى الغروب. قاله ابن بشير وابن هارون في شرح المدونة، ونص ابن هارون: أما رمي العقبة فيستحب بعد طلوع الشمس، ويجوز بعد الفجر إلى الزوال، ويكره بعد الزوال إلى الغروب من غير دم. واختلف في الدم إذا ذكر في الليل وما بعده من أيام التشريق. قاله الحطاب. وقوله: "طلوع الشمس"؛ أي وقت طلوعها، وقال الشارح: بعد طلوعها، وفي المدونة: ضحوة. قاله أحمد. انتهى. وإلا أثر الزوال قبل الظهر، قوله: "وإلا"، مركب من إن الشرطية ولا النافية، وقوله: "إثر"، متعلق بمقدر؛ أي فالمستحب أن يرمي إثر الزوال؛ يعني أنه إذا لم يكن الرمي في أول يوم من أيام النحر، بل في ثانيها أو ثالثها أو رابعها وهي الأيام المعدودات أيام منى الثلاثة، فإنه يستحب أن يكون الرمي فيها بإثر الزوال قبل أن يصلي الظهر، ولو رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه وقد أساء. ووقوفه إثر الأوليين قدر إسراع البقرة؛ يعني أنه يندب للرامي أن يقف للذكر والدعاء إثر رمي كل واحدة من الجمرتين الأوليين من غير رفع يديه، ويكون وقوفه بقدر ما يقرأ القارئ سورة البقرة حال كونه مسرمحا بقراءتها، قوله: "ووقوفه"؛ أي يقف إثر رمي كل واحدة منهما كما مرة يدعو ويهلل ويكبر ويحمد الله تعالى ويصلي على النبي ﷺ ، لا أنه يقف إثر الثانية فقط دون الأولى وإن صدق عليه أنه إثر الأوليين، وهذا كالاستدراك على قوله: وتتابعه ووقف إثر كل من الأوليين دون العقبة، لما كان يفعله سالم وابن القاسم فإنهما كانا يفعلان ذلك،

стр. 2784

وأما جمرة العقبة فإنه إذا رماها ينصرف ولما يقف عندها للدعاء لعدم الوارد في ذلك. ابن الحاجب: يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى فيرميها من فوقها مما يلي مسجد منى، ثم يتقدم أمامها. وقوله: "ووقوفه"، قال الشبراخيتي: فيستقبل الكعبة، وفي رفع يديه قولان، قال الموضح: مذهب المدونة عدم الرفع. انتهى. وهو الذي قررت عليه أولا، وضعف ماله رفع اليدين في جميع المشاعر والاستسقاء، وقد ريء رافعا يديه في الاستسقاء، وقد جعل بطونهما إلى الأرض. ياسره في الثانية؛ يعني أنه يستحب للرامي إذا رمى الجمرة الثانية وهي الوسطى أن يتياسر عنها بحيث يقف في جهة يسارها كما في عبارة ابن المواز، ومثله في عبارة ابن شأس وابن الحاجب، ومستند هذه الكيفية كما في التوضيح الاتباع، وفي البخاري من حديث ابن عمر: (ثم يرمي الوسطى فيأخذ ذات الشمال فيسهل (١) الخ، قال ابن حجر: قوله: يأخذ بذات الشمال؛ أي يمشي إلى جهة شماله ليقف داعيا في مكان لا يصيبه الرمي، ويلزم من كونه في جهة يسارها أن تكون هي في جهة يمينه. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي والشبراخيتي: وتياسر في وقوفه للدعاء عند الجمرة الثانية، والمراد أنه يتقدم أمامها بحيث تكون جهة يساره حال وقوفه للدعاء بعد رميها، لا أنه يجعلها في مقابلة يساره. انتهى. وقال الشبراخيتي عقب هذا: ويرميها من فوقها مما يلي مسجد منى كالأولى، ولا يرفع يديه ولا يجعلها خلف ظهره، ثم يثلث بجمرة العقبة إلا أنه يرميها من أسفلها من بطن الوادي ولا يقف للدعاء، فتلك السنة. قال الباجي: ويحتمل من جهة المعنى أن موضع الجمرتين الأوليين فيه سعة للقيام لمن يرمي، وجمرة العقبة موضع ضيق، ولذلك لا ينصرف الذي يرميها على طريقه؛ لأنه يمنع الذي يأتي الرمي: وإنما ينصرف من أعلى الجمرة. انتهى. ونازع بناني في قولهما: بحيث تكون جهة يساره؛ وقال: فيه نظر. وقال الكلام الذي قررتُ به المصنف. وانظر ما تقدم عن مالك من تضعيفه رفع اليدين، مع ما في البخاري من ثبوت رفع اليدين في الجمرتين الأوليين (٢))، ولذا قال ابن المنذر

стр. 2785

فيما نقل عنه ابن حجر: لا نعلم أحدا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك. انتهى. وتحصل مما مر أنه يرمي الجمرتين الأوليين من فوقهما والعقبة من أسفلها، وأنه يقف في الجمرتين الأوليين للدعاء مما يلي مسجد منى، وأنه لا يتياسر في الأولى بل يجعلها خلف ظهره، ويقف للدعاء مستقبل القبلة، وأنه يتياسر في الثانية فيقف في جهة يسارها، ومن لازم ذلك أن تكون في جهة يمينه على ما قال محمد بن الحسن، أو يقف بحيث تكون جهة يساره على ما لعبد الباقي والشبراخيتي وقد علمت أن بناني أنكره، وأنه لا يقف في العقبة. والله سبحانه أعلم. وفي المدونة: ويرمي الجمرتين جميعا من فوقهما والعقبة من أسفلها، فيقف في الجمرتين مما يلي مسجد منى. وتحصيب الراجع؛ يعني أنه يستحب للراجع من منى لمكة أن يحصب؛ أي ينزل المحصب وهو ما بين الجبلين منتهيا للمقبرة التي بأعلى مكة، سمي بذلك لكثرة الحصباء فيه من السيل، ويسمى أيضا الأبطح لانبطاحه، واستحب نزول المحصب؛ (لأن النبي ﷺ نزل به (١))، واستحباب التحصيب ثابت للمكي وغيره، والنزول المستحب يستمر ليصلي؛ أي إلى أن يصلي به أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وَنَدْبُ التحصيب إنما هو لغير التعجل على الأصح، وأما المتعجل فلا يندب له ظاهره ولو مقتدى به، ومحله أيضا في غير الجمعة، وإلا ترك النزول به ودخل مكة لصلاة الجمعة. قاله عبد الباقي. لكن زدت فيه بعض الإيضاح، وقال الشبراخيتي: وسبب النزول بالمحصب فعل النبي ﷺ ، وحينئذ فاللام في "ليصلي"، ليست للعلة بل للغاية؛ أي غاية النزول به إلى أن يصلي أربع صلوات؛ لأن المحصب هو الموضع الذي تحالفت فيه قريش على أنهم لا يبايعون بني هاشم ولا يناكحونهم ولا يأخذون منهم ولا يعطونهم، فنزله ﷺ وذكر الله تعالى فيه شكرا له حيث ظَفَّره الله تعالى ونصره على أعدائه، وكان مجلسا لسوء جعله الله تعالى

стр. 2786

مجلسا لخير، ويؤيده حديث أبي رافع حيث قال: (يا رسول الله تأذن لي أن أضرب خيمتك بأي محل؟ فقال عمر: بمكة، فقال ﷺ : خيف بني كنانة (١)). انتهى. عياض: المحصب هو البطحاء، وخيف بني كنانة. انتهى. القرافي: وليس التحصيب بنسك. عياض: أجمعوا أنه ليس من المناسك؛ أي ليس بمتأكد على وجه السنية أو الوجوب حتى يلزم الدم بتركه. قاله محمد بن الحسن. (ولما رجع النبي ﷺ من منى إلى مكة نزل بالمحصب، وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هجع هجعة ثم دخل مكة (٢))، وقوله: "ليصلي أربع صلوات"، هذا إذا وصل للمحصب قبل دخول وقت الصلاة، وأما إذا أدركه وقت الصلوات وهو في غير المحصب فإنه يصليها حين أدركه الوقت، ولما يؤخر للمحصب. قاله في المدونة. وطواف الوداع؛ يعني أن طواف الوداع مندوب لكل من خرج من مكة من مكي وغيره قدم لنسك أو لتجارة؛ وطواف الوداع هو الذي يفعل عند الخروج من مكة، وفي الحديث عنه ﷺ : (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت (٣))، ويسمى طواف الوداع طواف المصدر بفتح الصاد والدال، قال في التوضيح: وسمى طواف المصدر إما لكونه يصدر بعده للسفر وإما لكونه يعقب الصدر من منى، قال عياض: الصدر الرجوع. النووي: ويطلق الصدر أيضا على طواف الإفاضة والوداع بفتح الواو وكسرها، وكره مالك في الموازية أن يقال طواف الوداع، قال: وليقل الطواف. انتهى. ويحتمل أنه إنما كره ذلك لأنه إنما يكون من الفارق، فكره له اسم المفارقة لذلك المحل الشريف. والله أعلم. سند: يستحب إذا فرغ من طواف وداعه أن يقف بالملتزم للدعاء، ومحل ندب طواف الوداع للخارج من مكة إن خرج منها لمكان بعيد، سواء كانت نيته العودة أم لا، كالجحفة مثال للمكان البعيد، وأدخلت الكاف مثلها من كل بعيد، ومعنى قوله: "إن خرج": أراد أن يخرج، وأما إن خرج أي أراد أن يخرج لمكان قريب، فإنه لا يندب له طواف الوداع كالتنعيم، وأدخلت الكاف نحو التنعيم من كل مكان قريب، ومحل عدم ندب طواف الوداع لمن خرج من مكة لكان قريب إنما هو حيث كانت نيته العودة، كما إذا خرج

стр. 2787

لاقتضاء دين أو زيارة أهل، وأما إن كانت نيته الإقامة طويلا أو ذهب لمسكنه فإنه يندب له طواف الوداع، قال الشبراخيتي: ويستثنى ممن خرج لمكان بعيد المتردد لمكة بالحطب ونحوه فلا وداع عليه ولو خرج لمكان بعيد، وكذا يستثنى منه المتعجل. انتهى. ونحوه للخرشي. وعبد الباقي. وهو غير صحيح بالنسبة للمتعجل كما ذكره بناني، فإنه قال: حاصل ما ذكروه مع كلام المصنف أن الخارج من مكة إن قصد التردد لها فلا وداع مطلقا، وإن خرج لاقتضاء دين، فإن خرج لنحو أحد المواقيت وَدَّعَ ولدونها كالتنعيم لا وداع، وسواء في ذلك المتعجل وغيره؛ إذ لا تعلق لطواف الوداع بالحج، ولا هو من المناسك حتى يفرق فيه بين المتعجل وغيره لاتفاقهم على أن من قصد مكة لا يؤمر به، وفي التوضيح: وليس من شرط الأمر به أن يكون مع أحد النسكين، بل يؤمر به كل من أراد سفرا مكيا كان أو غيره، وفي الحديث أنه ﷺ ، قال: (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت (١)). انتهى. وإن صغيرا؛ يعني أن طواف الوداع يؤمر به الحر والعبد والصغير والكبير والذكر والأنثى، وظاهر المصنف: ولو كان الصغير غير هميز فيفعله عنه وليه. تنبيه: يستحب لمن فرغ من ركعتي طوافه أي الوداع أن يقف بين الركن والمقام، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما من عليه، ويجتهد في الدعاء فإنه موضع رغبة، وليقل إن شاء: اللهم إنك حملتني على ما سخرت بنعمتك لعبادك، وما كانوا له مقرنين حتى بلغتني بيتك الحرام، فإن كنت يا رب قد قبلت ورضيت فازدَدْ علي رضى، وإلا فالآن قبل أن أبعد عن بيتك غير متبدل بك ولا راغب عنك، اللهم قني شر نفسي وكل ما ينقص أجري أو يحبط عملي، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة. ابن فرحون: لطواف الوداع ركعتان إن تركهما حتى تباعد أو بلغ بلده ركعهما ولا شيء عليه، وإن قرب وهو على طهارته رجع لهما، وإن انتقض وضوءه ابتدأ الطواف وركعهما، وإن كان بعد العصر ركعهما إذا حلت النافلة في الحرم أو خارجه، ولم يذكروا أنه يقبل الحجر بعد طواف الوداع قبل خروجه من المسجد كما قالوه عند خروجه للسعي وهو حسن، قال محمد بن الحسن:

стр. 2788

وكلام ابن فرحون قصور، والتقبيل بعد طواف الوداع ذكره في الواضحة، ونقله الحطاب عند قوله "ودعاء بالملتزم"؛ وقال سند: يستلم الركن بعده ثم يقف، ويقول: اللهم إني قصدت حج بيتك راجيا لعفوك ومغفرتك ورضوانك، قاضيا لما وجب علي من فرض ذلك، فمننت علي أن بلغتني بيتك ومعالم حجه وأشهدتني مشاهده؛ وهذا أوان رجوعي ووداعي بيتك، فإن كنت يا رب غفرت لي ورضيت عني، وإلا فامنن علي بعفوك ومغفرتك ورضوانك الآن في موطني هذا، ولا تخيب سعيي ولا تقطع رجاءي وأوجب لي التوفيق بطاعتك والعصمة من معصيته بقية عمري، ثم يقبل الحجر أو يستلمه أو يستقبله، ويقول: لا إله إلا الله والله أكبر، أستودع الله تعالى هذا البيت، وأستودعه ديني وخواتم عملي. انتهى. وتأدي بالإفاضة؛ يعني أن طواف الوداع يتأدى بطواف الإفاضة، ومعنى ذلك أن طواف الوداع ليس مقصودا لذاته، بل المقصود أن يكون آخر عهده المبيت، فأي طواف كان أجزأه فرضا أو تطوعا. نص عليه اللخمي وغيره. فإذا طاف للإفاضة ثم خرج من فوره فإنه لا يستحب له أن يطوف للوداع. والعمرة؛ يعني أن طواف الوداع يتأدى بطواف العمرة، فإذا طاف للعمرة ثم خرج من مكة بأثر سعي العمرة فإنه لا يستحب له أن يطوف للوداع. وعلم مما قررت أن سعيه للعمرة بعد طوافها لا يكون طولا، ومحل كونه لا يطلب بطواف الوداع بعد الإفاضة والعمرة إنما هو حيث لم يقم بعدهما إقامة تبطل حكم التوديع، وسيأتي بيان الإقامة التي تبطل حكم التوديع، ومعنى قوله: تأدى أنه يسقط الطلب بطواف الوداع، ويحصل له فضله إن نواه بالإفاضة أو العمرة قياسا على تحية المسجد بفرضه. قاله عبد الباقي وغيره. ولا يرجع القهقري؛ يعني أنه إذا طاف للوداع أو غيره وخرج بإثر ذلك، فإنه لا يستحب له أن يرجع القهقرى، بأن يرجع ووجهه إلى البيت وظهره لخلف كما تفعله الأعاجم والأروام ونحوهم إلى أن يتواروا عن البيت لعدم الوارد في ذلك عن النبي ﷺ ، بل يكره رجوعه القهقرى أو هو خلاف الأولى، وكذا يقال في القهقرى في زيارة الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وإذا كان الأمر في رجوع القهقرى كذلك فإنه يخرج موليا ظهره للبيت.

стр. 2789

وبطل بإقامة بعض يوم؛ يعني أنه إذا طاف للوداع ثم أقام بمكة بعض يوم والمراد به ما فوق الساعة الفلكية، فإنه يبطل كونه للوداع مع صحته في نفسه، وعدم بطلان ثوابه، فيطالب بطواف آخر للوداع إذا أراد الخروج. وقد علمت أن قوله: "بإقامة بعض يوم"، معناه: بمكة، فلو أقام بذي طوى أو بالأبطح لم يبطل وداعه كما لعبد الباقي والشبراخيتي، وعبارة الشبراخيتي: ويستفاد من كلامهم أن الإقامة خارج مكة بموضع يتم فيه المسافر ليس حكمه حكم الإقامة بها. انتهى. والله سبحانه أعلم. لا بشغل خف؛ يعني أنه إذا فعل فعلا خفيفا بعد طواف الوداع من بيع أو شراء أو غيرهما، فإن ذلك لا يضره، وطواف وداعه باق لم يبطل، قال فيها: يسير شغله بعده قبل خروجه لا يبطل، فقوله: "لا بشغل"، عطف على بإقامة. واعلم أن المسافر من مكة لا يقصر حتى يجاوز ذا طوى. ابن الحاجب: ولو بَرَزَ بهِ الكَرِيُّ إلى ذي طوى فأقام ليلته ويومه لم يرجع، وإن كان من مكة لأنه وداع في العادة؛ إذ قد عهد في السفر أن يقيم المسافر بطرف البلد ثم يسير منه. انتهى. ورجع له إن لم يخف فوات أصحابه؛ يعني أنه إذا قلنا ببطلان طواف الوداع وإن كان صحيحا في نفسه؛ أي ببطلان كونه للوداع أو تركه جملة، فإنه يرجع لطواف الوداع فيفعله حيث لم يبعد ما لم يخف فوات أصحابه الذين يسير بسيرهم أو يمنعه كريه، وإلا فلا يرجع له، وإن حاضت المرأة أو نفست قبل طواف الوداع يفوت، ولا تقيم حتى تطهر؛ لأنه ساقط عنها. قاله في المدونة. سند: فإن طهرت بعد خروجها رجعت إن كانت بقرب مكة وأمكنها الرجوع، قوله: "ورجع" الخ، قال ابن عرفة: ويرجع له من لم يبعد، وفيها: رد له عمر من مر الظهران، ولم يحد له مالك أكثر من القرب، وأرى أن يرجع ما لم يخف فوات أصحابه أو يمنعه كريه. الشيخ: من بلغ مر الظهران لم يرجع له، ومر الظهران واد بينه وبين مكة مسيرة ستة عشر ميلا، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: إحدى وعشرون، ونقل عن الكندي أن مر اسم قرية في الأصل، والظهران اسم للوادي. وحبس الكري والولي لحيض أو نفاس قدره؛ يعني أن المرأة مبتدأة أو معتادة إذا حاضت أو نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة، فإن كَرِيَّها ووليها يُحْبَسُ كل منهما؛ أي يجبر على إقامته معها مقدار حيضها أو مقدار نفاسها، فيحبس في حيض المبتدأة خمسة عشر يوما، وفي

стр. 2790

المعتادة عادتها وأيام الاستظهار، وفي الحامل على تفصيلها، وليس عليها شيء من نفقة الكري ولا نفقة دوابه، ويحبس في النفاس ستين يوما، ويستحب لها أن تعينه بالعلف، فإذا مضى قدر حيضها والاستظهار ولم ينقطع الدم فظاهر المدونة أنها تطوف لأنها مستحاضة، وقيل: لا تطوف ويفسخ الكراء، وقوله: "أو نفاس قدره"، سواء علم الكَرِيُّ بحملها أم لا، طرأ حملها بعد الكراء أم لا، وقوله: "قدر"، ظرف متعلق بحبس. وعلم مما قررت أن قوله: "وحبس الكري"، ليس في طواف الوداع وإنما هو في طواف الإفاضة، وقد مر أنه يستحب لها في النفاس أن تعينه -أي الكري-كما في الحطاب بالعلف، وليس ذلك في الحيض لقصر زمنه، وفي التوضيح: قال في الجواهر: وإذا قلنا برواية ابن القاسم فتجاوز الدم مدة الحبس؛ فهل تطوف أو يفسخ الكراء؟ قولان. انتهى. والظاهر أنها تطوف، ولا وجه للفسخ؛ لأن مدة الحبس هو أقصى مدة الحيض والنفاس. انتهى كلام التوضيح. وفي ابن عرفة: فإن زاد دمها فظاهرها تطوف كمستحاضة، وتأولها الشيخ بمنعه، وفسخ كرائها كرواية ابن وهب بالاحتياط؛ قال مصطفى: ورواية ابن وهب بالاحتياط بعد استظهارها فيما بين عادتها وخمسة عشر يوما، فظهر للفسخ وعدم الطواف وجه وهو مراعاة رواية ابن وهب بالاحتياط، فقول التوضيح بعد حكاية القولين: والظاهر أنها تطوف ولا وجه للفسخ، غير ظاهر. فتأمله. انتهى. وقُيّد حبس من ذكر أي جبره على بقائه، إن من؛ يعني أنه قُيد جَبْر من ذكر من ولي وكري على الإقامة مع المرأة المذكورة بما إذا كان الطريق مأمونا حال رجوعهم بعد طوافها للإفاضة حين طهرها، فإن لم يؤمن الطريق فسخ الكراء اتفاقا كما لعياض، ومكثت وحدها للطواف إن أمكنها المقام بمكة وإلا رجعت لبلدها وهي على حالها، ثم تعود في المقابل. هذا هو الظاهر، وطواف العمرة كطواف الإفاضة. قاله الوالد. قاله عبد الباقي. ولما يحبس الولي والكري لأجل رَمْيها، وقال محمد بن الحسن: قوله: [اتفاقا كما لعياض (١)]، هكذا نقله التتائي وهو خلاف نقل ابن عرفة عن اللخمي، ونصه: قال اللخمي: ويختلف، هل يفسخ أو يُكْرَى عليها؟ انتهى.

стр. 2791

ثم قال بعد كلام: فتحصل أنه حيث قلنا لا يحبس لها مع الخوف فهي كالمحصرة لا تحل إلا بالإفاضة، ثم إن أمكنها المقام بمكة فسخ الكراء، وقيل: لا يفسخ بل يكري عليها، وإن لم يمكنها المقام بمكة لم ينفسخ ورجعت لبلدها ثم تطوف في المقابل. انتهى. وقوله: "وقيد"، التقييد لابن اللباد والتونسي وابن أبي زيد، ومهمى انقطع عنها الدم اغتسلت وطافت وجوبا فيهما وإن علمت أنه يعود قبل انقضاء وقتها، وتأخيرُها الطواف والصلاة لعلها تحيض لا يجوز بل مكروه أو ممنوع. انتهى. تنبيه: لو حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة وإذا انتظرت الطهر تعذر عليها العود لبلدها، فمقتضي يُسرِ الدين أن لها أن تقلد، إمَّا مَا رواه البصريون المالكية عن الإمام مالك من أن من طاف للقدوم وسعى ورجع لبلده قبل طواف الإفاضة جاهلا أو ناسيا أجزأه عن طواف الإفاضة، خلاف ما نقله البغداديون عنه من عدم الإجزاء وإن كان هو المذهب، ولما شك أن عذر الحائض والنفساء أبلغ من عذر الجاهل والناسي، وإمَّا أبا حنيفة القائل: إن للحائض أن تطوف لأنه لا يشترط عنده في الطواف طهارة حدث وخبث، وكذا هو إحدى الروايتين عن أحمد وتلزمها بدنة ويتم حجها لصحة طوافها، وإن كانت تأثم عندهما أو عند أحمد فقط بدخولها المسجد حائضا. والله أعلم بالصواب. قاله عبد الباقي. وتقدم أن الإحرام بالعمرة كالإحرام بالحج في أن الولي والكري يحبسان لها حتى تطوف للعمرة حيث حاضت بعد الإحرام بالعمرة، فإن حاضت قبله لم يحس الكري، واختلف في فسخ الكراء، فقال ابن عرفة: يفسخ، وقال في التوضيح: لا يوضع من الكراء شيء. قاله الشبراخيتي. وما ذكرته هنا زبدة غير واحد، وفي الحطاب: قال في التوضيح: قال مالك في العتبية: وإذا شرطت عليه عمرة في المحرم فحاضت قبلها لا يحبس على هذا كريها ولا يوضع من الكراء شيء، قال في الذخيرة: لأن المقصود الحج. انتهى. ونقله سند. والرفقة في كيومين؛ يعني أنه إذا كان عذر المرأة يزول في كيومين، فإن رفقة المرأة والكري يجبرون على الحبس أي الإقامة معها؛ قال بعض: ولعله مع الأمن كما سبق، ولا تحبس الرفقة فيما زاد على ذلك بل الكري وحده.

стр. 2792

قاله مالك في العتبية، وقوله: "في كيومين"، مقتضى ما في الذخيرة عن مالك أن الكاف استقصائية. قاله غير واحد. وكره رمي بمرمي به؛ يعني أن رمي الجمار بالحصى الرمي به مكروه، سواء كان الرامي به هوأو غيره، والكراهة ثابتة ولو في حصاة واحدة؛ قال ابن القاسم في المدونة: سقطت مني حصاة فلم أعرفها فرميت بحصاة من حصى الجمرة، فقال لي مالك: إنه لكروه وما أرى عليك شيئا، وهذا الذي ذكره المصنف من إطلاق الكراهة هو المشهور، ومقابله ما نقله الباجي من رواية ابن القاسم عن مالك أنه خفف في الحصاة الواحدة، وظاهر المصنف الكراهة ولو في ثاني عام؛ وكره ذلك (لأنه ﷺ رمى بسبع (١))، فلو جاز الرمي بمرمي به لسارع الناس إلى الرمي بما رمى به ﷺ . الأبهري: ومثله لابن شعبان وغيره؛ لأنه أديت به عبادة، كما يكره الوضوء بماء تُوُضِئَ به. ابن عبد البر: ولأن ما يقبل يرفع كما في الحديث المرفوع الذي رواه الديلمي عن ابن عمر: (ما قبلَ اللهُ حج امرئ إلا رفع حصا (٢))، قال ابن حجر: وأنا شاهدت من ذلك العجب؛ كنت أتأمل وأرى الناس يرمون كثيرا ولا يسقط منه إلى الأرض إلا شيء يسير، قال التبريزي: قد شاهدت ارتفاع الحجر عيانا، واستدل بذلك المحب الطبري على صحة الوارد في ذلك. قاله الشبراخيتي. وقوله: "مرمي"، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وتشديد الياء اسم مفعول من رمى. اللخمي: لو كرر الرمي بحصاة واحدة سبعا لم يجزه، وناقشه ابن عرفة. قاله الحطاب. وقوله: "مرمي به"؛ سواء كان في تلك الجمرة أو غيرها، وقد مر أن المشهور الكراهة ولو في حصاة واحدة. التونسي: ويعيد ندبا ما لم تمض أيام الرمي فلا شيء عليه، وشبه في الكراهة قوله: كأن يقال للإضافة طواف الزيادة؛ يعني أنه يكره أن يقال لطواف الإفاضة طواف الزيارة؛ أي يكره أن يسمى طواف الإفاضة بطواف الزيارة؛ لأنه أي لفظ الزيارة لفظ يقتضي التخيير وطواف الإفاضة ركن لا تخيير فيه ولا ينجبر بالدم، فكأنه تكلم بالكذب، وأنكر مالك أن يقال: صلاة العتمة

стр. 2793

وأيام التشريق، وقال يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، وقال : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. أو زرنا قبره ﵊؛ يعني أنه يكره أن يقال زرنا قبره ﵊، أو زرنا النبي ﵊، فلا فرق بين ذكر لفظ القبر أو إسقاطه، وإنما يقال قصدناه أو حججنا إلى قبره ﵊. سند: استعظم مالك إطلاق هذه اللفظة في حقه ﷺ ، وفي حق بيت الله تعالى من حيث إنها تستعمل بين الأكفاء وفي السعي لغير الواجب، ويعد الزائر متفضلا على من زاره، [ولا يقول من ذهب (١)] إلى السلطان لإقامة ما يجب في حقه أتيت السلطان لأزورد ولا زرت السلطان، وليس من سمعى يطلب حاجته عند أحد يعد زائرا، وكل أولئك يسعون في الحج لحوائجهم وقضاء فرائضهم وعبادة مولاهم، وكذلك في مشاهدة الرسول ﵊ والصلاة في مسجده، إنما يطلبون بذلك الفضل من الله تعالى والرحمة، فليسوا بزائرين على الحقيقة، ولا يرد على هذا حديث: (من زار قبري وجبت له شفاعتي (٢))؛ إذ لا دليل فيه لإطلاق لفظ الزيارة من غيره، لكن يرد على ذلك حديث زيارة أهل الجنة لربهم (٣))، وهذا الذي ذكرته ملخص غير واحد. وقوله: ورقي، بضم الراء وكسر القاف وشد الياء مصدر رَقِيَ أي صَعِدَ، وأصله رُقُويٌ كجلوس قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء بعدها للقاعدة المقررة عند التصريفيين، وهو معطوف على نائب "كره"، وهو قوله: رَمْيٌ، وهو مضاف إلى المبيت، يعني أنه يكره رقي المبيت أي دخوله بنعل محقق الطهارة، وأطلق المصنف الرقي على الدخول، وإن كان الرقي معناه الصعود لارتفاع باب البيت فأوقع عليه الرقي لهذا، والله سبحانه أعلم. أو عليه؛ يعني أنه يكره الرقى على البيت أي الصعود على ظهره بنعل محقق الطهارة، أو منبره ﵊؛ يعني أنه يكره الصعود على منبره ﵊ بنعل محقق الطهارة.

стр. 2794

وعلم مما قررت أن قوله: بنعل، متعلق بقوله: "ورقي"، فهو راجع للمسائل الثلاث، والباء للملابسة أي تكره مصاحبة النعلين لراق في البيت أو عليه أو على منبره ﷺ ولو لم يكن لابسا لهما وكره مالك أن يجعل نعله في البيت إذا جلس يدعوة وليجعلهما في [حُجرتِه (١)]، وقوله: "بنعل"، مثله الخف المحقق الطهارة، ويحرم وضع المصحف على النعل، وكذا يحرم وضعه على الخف لعظم حرمة القرآن. قاله عبد الباقي. وما ذكرته من تقييد قوله: "بنعل"، بأنه حيث تحققت طهارة النعل. قاله غير واحد. ومقتضاه المنع فيما إذا لم تتيقن الطهارة، فيشمل ما إذا توهمت نجاستها. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. وصرح بذلك الأمير، فقال: وحرم بغير الطاهر. انتهى. وقال الحطاب: ويؤخذ منه أنه لا كراهة في رقي دُرَج البيت. انتهى. بخلاف الطواف يعني أنه لا يكره الطواف بالبيت بنعل محقق الطهارة. والحجر يعني أنه لا يكره دخول الحجر بكسر فسكون بنعل محقق الطهارة، وظاهره ولو مشى بالنعل في الستة الأذرع من الحجر التي هي من البيت؛ لأن كونها من البيت غيرُ قطعي، وكره أشهب الدخول بالنعل في الحجر، قال: وكراهته في البيت أشد. وإن قصد بطوافه نفسه مع محموله لم يجز عن واحد منهما؛ يعني أن الشخص إذا طاف حاملا لشخص، وقصد بذلك الطواف أنه عن نفسه وعن محموله من صبي أو مجنون أو مريض، كان المحمول متحدا أو متعددا، فإنه لا يجزئ عن واحد منهما لا عن الحامل ولا عن المحمول؛ لأنه صلاة والصلاة لا تكون عن اثنين، كذا قرره الشيخ سالم. وانظر إدخاله في المصنف ما إذا نوى المريض عن نفسه والحامل عن نفسه أي فقط، والذي يدل عليه قول المصنف مع محموله صحته في هذا عن الحامل فقط، وهو القياس. قاله عبد الباقي. قوله: وانظر إدخاله في المصنف الخ، هذه الصورة التي أدخلها السنهوري في كلام المصنف، تبع فيها الحطاب، ونصه: وظاهر المصنف أنه لا فرق بين كون المحمول واحدا أو جماعة، صغيرا نوى الحامل عنه وعن نفسه، أو كبيرا ينوي هو لنفسه وينوي الحامل لنفسه. والله أعلم. انتهى.

стр. 2795

قال محمد بن الحسن بناني: فيه نظر، والظاهر ما ذكره الزرقاني، وقوله: "لم يجز عن واحد منهما"، قال الإمام الحطاب: حكى ابن الحاجب وابن عرفة فيمن حمل صبيا ونوى أن يكون الطواف عنه وعن الصبي أربعة أقوال: الإجزاء عنهما وعدمه، والإجزاء عن الحامل دون المحمول وعكسه. وقال ابن الحاجب: إن المشهور عدم الإجزاء عنهما. انتهى. قال محمد بن الحسن بناني: تبع المصنف تشهير ابن الحاجب، قال في التوضيح: لم أر من شهره، قال الحطاب: وظاهر الطراز ترجيح القول بالإجزاء عنهما، ونسب المواق والتوضيح الإجزاء عن الصبي لابن القاسم. انتهى. وقول المصنف: "لم يجز عن واحد منهما"، قد مر تعليله بأن الطواف صلاة، والصلاة لا تكون عن اثنين، قال الشبراخيتي: فإن قلت يرد هذا إجزاء الطواف عن محمولين فأكثر، قلت: الفرق أن المحمولين مارا بمنزلة الشيء الواحد، كذا في الشرح. انتهى. وفهم من كلام المصنف أنه إذا قصد بالطواف المحمول فقط أنه يجزئه. ابن جماعة: وإذا طاف الولي بغير المميز، فإن كانا غير متوضئين لم يصح، الطواف وكذا إن كان الصبي متوضئا والولي محدثا، وكذلك مذهب المالكية، وإن كان الولي متوضئا والصبي محدثا فوجهان، ومذهب مالك الصحة، قال الحطاب: وما ذكره في الفرعين عن المالكية غريب، وهذا في طوافه عن المحمول وحده لاعنه وعن نفسه. وأجزأ السعي عنهما؛ يعني أنه إذا حمل صبيا أو مريضا أو صحيحا في ابتداء سعيه بين الصفا والمروة، ونوى بذلك السعي عنه وعن محموله، فإنه يجزئ عنهما لخفة أمر السعي بالنسبة للطواف؛ إذ لا تشترط فيه الطهارة، ولأن الطواف بمنزلة الصلاة فلا يصح فيه الاشتراك. كمحمولين؛ أي كما يجزئ إذا نوى عن محمولين فينهما أي في الطواف والسعي، ومعنى كلامه أن من حمل صبيين أو مجنونين أو نحوهما فأكثر في الطواف أو السعي ينوي ذلك عنهما أو عنهم، فإن ذلك يجزئه عنهما أو عنهم فيهما؛ أي في العبادتين الطواف والسعي، كان المحمول معذورا أم لا، لكن الدم على غير المعذور في الطواف إذا لم يُعِدْه كما مر في قوله: "وإلا فدم لقادر لم يعده" وكذا غير المعذور في السعي، وفي الشبراخيتي: ثم إن المعتبر في طوافه عن المحمول طهارة الحامل وحده إذا كان المحمول غير مميز، وإن كان مميزا فالطهارة شرط في المحمول لا

стр. 2796

في حاملد. انتهى. ونحوه لعبد الباقي حيث قال: والمعتبر طهارة الحامل، وكذا يقال في قوله: "كمحمولين"، إن كان المحمول في المسألتين غير مميز، فإن كان مميزا فالمعتبر طهارة المحمول لا الحامل. انتهى. وقوله: والمعتبر طهارة الحامل؛ يعني فيما إذا حمل شخصا ونوى الحامل الطواف عن المحمول، كما أوضح ذلك. والله سبحانه أعلم. ولما أنهى الكلام على أركان النسكين غير المنجبرة، والواجبات المنجبرة والمندوبات، وما يتبع ذلك. شرع في الكلام على المحظورات والمكروهات، والمحظورات على قسمين: مفسدة وغير مفسدة، ومتعلقهما أفعال الرجل والمرأة، فبدأ بغير المفسدة، وبالمرأة عكس صنيع ابن الحاجب فيهما، قال بعض: ولَعَلَّه إنما بدأ بالمرأة وإن كان البداءة بالرجل أولى، كما ورد بذلك القرآن في آي كثيرة والسنة لقلة الكلام على ما يختص بها، فقال:

стр. 2797

فصل: في ذكر منهي الإحرام محرمه ومكروهه على الرجال والنساء، مفسدة ومنجبره. قاله الشبراخيتي. وقال محمد بن الحسن: ممنوعات الإحرام ضربان: ضرب غير مفسد كاللبس والتطيب وفيه الفدية، وضرب مفسد كالجماع ومقدماته، وبدأ بالأول، فقال: حرم بالإحرام على المرأة لُبْسُ قفاز، كرمان شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسه للبرد، والباء في قوله: "بالإحرام"، للسببية؛ يعني أنه يحرم بسبب الإحرام بحج أو عمرة من رجل أو امرأة أمور كثيرة يشتركان في الأكثر منها، وتختص الحرمة بالرجل دون المرأة في بعضها، فكل ما يحرم على المرأة يحرم على الرجل دون العكس، فمما يحرم على المرأة بإحرامها بحج أو عمرة: لبس القفاز، وخص المصنف القفاز للخلاف فيه وإلا فغيره مما تُعِدُّهُ لستر يديها مخيطا أو مربوطا، كذلك قاله التتائي. وكذا ستر إصبع من أصابعها، فإن أدخلت يديها في قميصها فلا شيء عليها، وقوله: "لُبس"، بضم اللام مصدر لبس بكسر الباء ومضارعه بفتحها، وأما اللَّبس مصدرا بمعنى التخليط فبفتح اللام من باب ضرب يضرب، ومنه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، ولو لبست المرأة القفازين فالفدية، وقوله: "المرأة"، حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة، ومثلها الخنثى المشكل. قاله غير واحد. وقال محمد بن الحسن: مقتضى الاحتياط إلحاق الخنثى بالرجل؛ لأن كل ما يحرم على المرأة يحرم على الرجل دون العكس، إلا أن يقال احتمال الأنوثة يقتضي الاحتياط في ستر العورة، وأن حكمه حكم المرأة. والله أعلم. انتهى. وقد مر أن الباء في قوله: "بالإحرام" سببية، فمبدأ الحرمة مجرد الإحرام، ويحتمل أنها للمعية وأنها للظرفية، وهذان المعنيان يفيدان ما أفادته السببية من أن مبدأ الحرمة مجرد الإحرام، وقال الإمام الحطاب: قال بعضهم: تخالف المرأة الرجل في عشرة أشياء في الحج: في تغطية الرأس، وفي حلقه أي الرأس، وفي لبس المُحِيطِ وفي لبس الخفين، وفي عدم رفع الصوت بالتلبية، وفي الرمل في الطواف؛ وفي الخبب في السعي، وفي الوقوف بعرفة في القيام والركوب أفضل للنساء، وفي البعد عن البيت في الطواف والقرب منه أفضل للرجال والبعد منه أفضل للنساء، وفي الارتقاء على الصفا والمروة. انتهى. قلت: وفي ركوب البحر والمشي من المكان البعيد فيكره ذلك للنساء ولو قدرن ويجب على الرجال إذا قدروا، وفي أنها يشترط في حقها زوج أو محرم أو رفقة مأمونة.

стр. 2798

واعلم أن كل ما يحكم له بأنه ممنوع في هذا الفصل ففيه الفدية ما لم يصرح بأنه لا فدية فيه، كتقليبه السيف لغير ضرورة. قاله الحطاب. وستر وجه قوله: "وستر"، بالرفع معطوف علي "لبس"؛ يعني أنه يحرم على المرأة بإحرامها بحج أو عمرة ستر وجهها أو بعضه، ترفها أو لحر أو لبرر ولو لم تلاصق الستر، فلو غطت شيئا من وجهها فالفدية كما لو تبرقعت أو تعصبت. قاله في المناسك. ونص عبد الوهاب في شرح الرسالة في الكلام على غسل الوجه في الوضوء على أنه إن غطت المحرمة شيئا من وجهها وجبت عليها الفدية، ولو غطت ما في الصدغ من البياض لا يلزمها شيء، وذكره على وجه الاحتجاج به على أنه ليس من الوجه، فظاهره أنه متفق عليه، ونصه: وأما حد الوجه فهو عندنا من قصاص شعر الرأس إلى آخر الذقن طولا، ومن الصدغ عرضا، والبياض الذي وراء الصدغ إلى الأذن ليس من الوجه عند مالك، والذي يدل على سقوط غسله أن المرأة إذا أحرمت لزمها كشف جميع وجهها، ثم لا شيء عليها في تغطية هذا الموضع، ولو غطت شيئا من وجهها لزمها الفدية. انتهى. وما ذكره من وجوب الفدية فيما إذا غطت شيئا من وجهها؛ يعني به ما عدا ما يستره الخمار من وجهها فإنه يعفى عن ستره، قال في الطراز: لأنه لما كان عليها ستر رأسها ولا يمكن إلا بجزء من الوجه سترت من الوجه ما يستره الخمار في تخمير الرأس. [وقد (١)]، ستر ذلك على كشف جزء من الرأس؛ لأن الرأس عورة، وستر العورة فوق حق الإحرام. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وستر وجه أو بعضه. انتهى المراد منه. قال محمد بن الحسن: جزم في بعض وجه المرأة بأنه كجميعه تبعا للحطاب، وحكى فيما يأتي في بعض وجه الرجل تأويلين، وكلام التوضيح وابن عبد السلام يفيد أنهما سواء، وأن التأويلين في كل منهما واعتمده مصطفى. انتهى. إلا لستر؛ يعني أن حرمة ستر وجهها أو بعضه إنما هي فيما إذا سترت ما ذكر لغير قصد الستر عن الرجال، كما إذا سترته لحر أو برد أو ترفه أو لغير قصد، وأما إن كان ذلك لقصد الستر عن الرجال فلا يحرم ولو لاصقته، وقوله: "إلا لستر" اعلم أن الاستثناء متصل كما قاله محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي في قوله: إنه منقطع، قال محمد بن الحسن: هو غير صواب، بل

стр. 2799

هو متصل لدخول ما بعد إلا فيما قبلها لولا الاستثناء. انتهى. وقوله: "إلا لستر" اعلم أنه يجب عليها الستر المذكور إن علمت أو ظنت أنه يخشى من عدم الستر الفتنة وإلا جاز، فمتى أرادت الستر عن الرجال فلها ذلك إلا أن تعلم أو تظن أنه يخشى منها الفتنة أو ينظر لها بقصد لذة، فيجب عليها الستر، ولا يلزم الذكر تغطية وجهه كما قال ابن القطان وغيره: إن غير الملتحي لا يلزمه ستر وجهه وإن كان يحرم النظر إليه بقصد اللذة، وإذا لم يجب ستر وجهه في غير الإحرام ففي الإحرام أولى كما هو ظاهر، وتنظير عبد الباقي قصور. قاله محمد بن الحسن بناني. والله سبحانه أعلم. بلا غرز وربط؛ يعني أن محل عدم حرمة ستر وجه المرأة أو بعضه بقصد التستر عن الرجال، إنما هو حيث سدلت على وجهها رداء أو نحوه بحيث لا تغرزه بإبرة ولا تربطه، وأما إن غرزت ما تستر به وجهها بإبرة أو ربطته تثبت به ذلك فإنه لا يجوز، ومعنى ربطته عقدته، وفي الحديث: إحرام المرأة في وجهها وكفيها، ومعناه تكشفهما، وفي الطراز: للمرأة أن تستر وجهها عن الرجل، فإن أمكنها شيء في يدها كالمروحة فحسن، وإن لم يمكنها وكان لها جلباب سدلته على رأسها، فإن لم يكن لها جلباب فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها، ولها أن تلقي كمها على رأسها، وتسدل بعضه على وجهها. انتهى. نقله الحطاب. وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم تترك ما مر بل فعلت شيئا مما يحرم عليها؛ بأن لبست قفازا أو سترت وجهها أو كفيها أو بعض ذلك لغير قصد ستر عن الرجال، أو فعلته لقصد ستر عن الرجال لكنها غرزت ما سدلته على وجهها أو ربطته؛ أي عقدته، فإنه تلزمها فدية إن طال ذلك، وفي المدونة: وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل، وفي الطراز: فإن عقدت الخمار على رأسها نظرت، فإن حلته بالقرب فلا فدية عليها، وإن تركته حتى طال افتدت. نقله الحطاب. قال: وانظر ما يفعله النساء اليوم من القبة المعلومة من السقف ويربطنها على وجوههن ثم يسدلن عليها الثوب، والظاهر أن عليها الفدية إذا

стр. 2800

فعلت ذلك وطال، وقد قال في المدونة في المرأة تتبرقع وتجافي البرقع عن وجهها: إن عليها الفدية، قال في الطراز: لأن البرقع مخيط وضع للوجه وقد عقدته عليه، فقد تم لبسه. وأشار إلى المُحَّرم الذي تختص حرمته بالرجل: وعلى الرجل محبط. بعضو، عطفت الواو هنا شيئين على معمولي عامل واحد وذلك سائغ؛ يعني أنه يحرم بالإحرام على الرجل أن يلبس ما يحيط بعضو من أعضائه ويدخل فيه القبقاب، ولعله إذا كان سيره عريضا وإلا فلا، ولا يدخل المداس لأن المحرم يلبسه، والمراد بالرجل الذكر حرا كان أو عبدا كبيرا أو صغيرا وتتعلق الحرمة بولي الصغير، وقوله: "محيط"، بضم أوله وبكسر المهملة اسم فاعل من أحاط رباعيا؛ أي استدار كما ضبطه بعض تلامذة المصنف عنه، فيشمل المخيط بفتح أوله وبكسر المعجمة، وقوله: "بعضو"؛ أي محيط بعضو واحد من أعضائه، كيده مثلا فأحرى أكثر منه أو جميع بدنه، وقوله: "محيط"؛ يعني إذا لبسه على الوجه المعتاد، فلو ارتدى بثوب محيط أو بثوب مرقع برقاع أو بإزار كذلك فلا شيء عليه وهو جائز له، وإذا جاز الارتداء بالقميص فلأن يجوز الارتداء بالعباءة المحيطة والملحفة أولى كما قاله اللقاني عن عياض. وفي الحطاب عن ابن عرفة: ولبسُ المخيط الممنوع لبسَ الجائز جائز. وإن بنسخ؛ يعني أنه لا فرق في منع المحيط للمحرم بين ما كان محيطا بسبب خياطة، وبين ما هو محيط بسبب غيرها كنسج، بأن ينسج محيطا كدرع الحديد، فإن العرب سمته نسجا أو ملصق بعضه ببعض، وكجلد حيوان سلخ بغير شق. واعلم أنه لا خصوصية لدرع الحديد بذلك، فقد قال الشيخ إبراهيم الشبراخيتي: قد شاهدنا بعض الحياكين ينسج الثوب والسراويل على هيئتها، أو زر؛ يعني أنه يحرم على الرجل ما أحاط بعضو من أعضائه فأكثر بسبب زر؛ بأن يكون الثوب مفتحا ويقفله عليه بالأزرار. أو عقد يعني أنه يحرم على الرجل ما أحاط بعضو من أعضائه فأكثر بسبب عقد؛ أي ربطه عليه أو تخليل بعود كما في العتبية، وأما الخيط -الحال أنه لم يحط- فلا يحرم على المحرم كالإزار المرقع برقاع، والبردة الملفقة بفلقتين. والحاصل أن الرجل لا يلبس ما يمسك بنفسه بخياطة أو غيرها، وإذا لبس الرجل ما ذكر مما يحرم عليه فالفدية، وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة: والتجرد عن المخيط بفتح الميم والمعجمة

стр. 2801

واجب، وكذلك المحيط بضم الميم وبالحاء المهملة شرط إحرام الرجال لا النساء، فلا يدع عليه ما يمسك بنفسه لخياطة أو إحاطة لا إزار دون عقد، وقال ابن عرفة: وممنوع الإحرام غير مفسدة التطيب وإزالة الشعث ولبس الرجل المخيط كالقميص والجبة والبرنس والقلنسوة. نقله الحطاب وقال ابن فرحون في كتاب ابن المواز: إجازة التخلل بعود، ومنعه في العتبية. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها: التخليل والعقد والمغروز كالخياطة، قلت: ولذا قالوا: اللبد والمنسوج على صورة المخيط الممنوع مثله، ونقل ابن عبد السلام إجازة التخلل عن كتاب محمد لم أجده له ولما لغيره. انتهى. نقله الحطاب. وقال: لم أقف عليه في نسختي من ابن عبد السلام، ولعله سقط منها. والله أعلم. انتهى. كخاتم، التشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام لبس الخاتم ولو كان فضة ووزنه درهمان، وإذا لبسه ففيه الفدية، ومثله السوار، وفهم من تخصيص ذلك بالرجل جوازه للمرأة، فيجوز لهن لبس المحيط بخياطة أو غيرها ولبس الخاتم، وقوله: "كخاتم"، الخاتم بكسر التاء وفتحها والخيتام والخاتام كلها بمعنى، جمعه خواتم وخواتيم، والمراد بالخاتم هنا حلي الإصبع، وقال في القاموس بعد أن ذكر أن الخاتم حلي للإصبع ما نصه: كالخاتم والخيتام والخاتام، والختم محركة جمعه خواتم وخواتيم وقد تختم به، ومن كل شيء عاقبته وآخرته كخاتمته، وفي الحديث: (الأمور بخواتمها (١)). اللهم اختم لنا بالسعادة التي ختمت بها لأوليائك، واجعل خير أيامنا وأسعدها يوم لقائك. آمين. آمين. آمين. وقوله: "كخاتم"، ما ذكره المصنف من الحرمة هو المعروف من قول مالك ومقابله يقول بالجواز وسقوط الفدية. انظر الحطاب. وقباء؛ يعني أنه يحرم على الرجل لبس القباء بفتح القاف والمد والقصر، واقتصر في القاموس على القصر والكرماني والمصباح والتتائي على المد. نقله عبد الباقي. والقباء مشتق من القبو وهو الضم والجمع، وهو ما كان مفرجا كالقفطان، وسمي بذلك لانضمام أطرافه، وأول من لبسه السيد سليمان صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، قاله القسطلاني. على البخاري. نقله عبد الباقي.

стр. 2802

وإن لم يُدخل كما يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام لبس القباء، وسواء أدخل يده في كم منه أم لا كما قال: وإن لم يدخل كما فما قبل المبالغة حيث أدخل يدا واحدة في كم، وما بعدها حيث لم يدخل يدا منه في كمه لأنه يلبس كذلك، وظاهره سواء كانت عادته لبسه أم لا وهو كذلك: ومحل المنع إذا أدخل منكبيه في موضعهما منه، وحذف المصنف مفعول يدخل؛ أي وإن لم يدخل يده، "وكما" منصوب بنزع الخافض؛ أي في كم، فإن جعل أسفل القباء على منكبيه فإنه لا فدية عليه لأن القباء لا يلبس على هذه الهيئة، وظاهر هذا التعليل عدم الفدية في لبسه بجعل بطنه على ظهره وظهره داخل جسده مع إدخال منكبيه، ولعله غير مراد، بل فيه الفدية أيضا كما إذا جعل رجليه في كميه حين جعل أعلاه أسفله إن ترفه بذلك أو أزال أذى وإلا فلا. قاله عبد الباقي. وعلى ما قررت به المصنف لا قلب فيه، وفي بعض التقارير: وإن لم يدخل كما منه في يده وفيه حينئذ قلب، ولعلماء المعاني في القلب ثلاثة أقوال: المنع مطلقا وهذا أصح الأقوال لأنه مخل بالفصاحة، والجواز مطلقا وهذا أضعفها، والتفصيل إن تضمن اعتبارا لطيفا جاز وإلا فلا وهو مستحسن عندهم، وذلك كقول القائل: ومهمه مغبرة أرجاؤهُ … كأن لون أرضه سماؤه فإنه تضمن اعتبارا لطيفا. قاله الشبراخيتي. وستر وجه؛ يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام ستر وجهه كلا أو بعضا، ويفهم منه أن ستر ما انسدل من لحيته لا شيء فيه، وبه صرح سند. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وستر وجه جميعه لا ستر بعضه فلا يحرم ولا فدية إلا لانتفاع به. انتهى، وما ذكره من أنه لا فدية في ستر بعض وجه الرجل حوأحد تأويلين، ويفيد كلام التوضيح وابن عبد السلام أنهما سواء، واعتمده الرماصي واستظهر بعض الشيوخ عليه الفدية. أو رأس؛ يعني أنه يحرم بالإحرام على الرجل ستر رأسه كلا أو بعضا، بما يعد ساترا "بما" متعلق "بستر"؛ لأنه مصدر، فهو بفتح السين، وعبارة الأمير: بكل ساتر يعني أن الرجل يحرم عليه بالإحرام ستر بدنه غير الوجه والرأس بنوع خاص، فإحرامه فيه إنما هو بنوع خاص وهو

стр. 2803

المحيط، وأما الوجه والرأس فإحرامه فيهما مخالف لسائر البدن، فيجب عليه تجريدهما، ويحرم عليه سترهما كلا أو بعضا بما يعد ساترا عرفا أو لغة بقرينة قوله: كطين؛ يعني أن الطين مما يعد ساترا لأنه يدفع الحر، فغيره أولى كعمامة وخرقة وقلنسوة، ومثل الطين الحناء والطيب والدقيق والجير، وقال الحطاب عند قول المصنف: "وستر وجه أو رأس": قال في الطراز: سواء غطى رأسه أو بعضه، خلافا لأبي حنيفة. ولا فدية في سيف؛ يعني أن المحرم إذا تقلد بالسيف في حال إحرامه فإنه لا يلزمه فدية لذلك. قاله في التوضيح. وقال ابن الحاجب: عليه الفدية، وظاهر المصنف سواء نزعه مكانه أم لا، وسواء تقلده لعذر أم لا، ولهذا قال: وإن تقلد السيف بلا عذر؛ ووجب نزعه مكانه حيث لبسه لغير عذر كما هو ظاهر المدونة، قال الشيخ أحمد: والظاهر أن السكين ليست كالسيف أي قصرا للرخصة على محلها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر عن الحطاب أن كل ما حكم بأنه ممنوع في هذا الفصل ففيه الفدية ما لم يصرح بأنه لا فدية فيه كمسألة السيف لغير ضرورة. انتهى. وفي الحطاب: قال في النوادر: وإذا مات المحرم خُمِّر وجهُه ورأسُه. واحتزام؛ يعني أنه لا فدية في الاحتزام بثوبه أو بغيره كحبل أو خيط أو عمامة على المذهب إذا أراد العمل؛ لأنه يجوز له حينئذ أن يحتزم، وفيها: والمحرم لا يحتزم بحبل أو خيط إذا لم يرد العمل؛ فإن فعل افتدى، وإن أراد العمل فجائز له أن يحتزم، وعلى ظاهرها حملها أبو الحسن وابن عرفة وغيرهما، وقيد في مختصر الوقار الاحتزام بكونه بلاء، واقتصر عليه الحطاب. قاله محمد بن الحسن. ونص الحطاب: قال في مختصر الوقار: ولا بأس أن يُحَزِّمَ ثوبا على وسطه من فوق إزاره إذا أراد العمل ما لم يعقده. انتهى. وقيل إنه إذا احتزم فوق إزاره ولو لعمل فعليه الفدية، والأول هو المذهب. واستثفار؛ يعني أنه لا فدية في الاستثفار إذا كان لعمل، والاستثفار جعل طرفي مئزره بين فخذيه ملويا معقودا في وسطه كالسراويل. قاله التتائي تبعا لابن غازي؛ إذ لا يتصور العمل معه إلا بالعقد كما قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. رادا على الشيخ عبد الباقي في قوله: إنه لا يعقده في وسطه، وأنه إن فعل افتدى. انتهى.

стр. 2804

وعلم مما قررت أن قوله: لعمل؛ راجع للاحتزام والاستثفار، واحترز بقوله: فقط عما إذا احتزم أو استثفر لغير عمل أي خدمة فإن عليه الفدية فيهما، قال الشيخ إبراهيم: ولو أدخل الكاف على احتزام لجري على قاعدته الأغلبية. وجاز خف قطع أسفل من كعب؛ يعني أن المُحْرِمَ يجوز له أن يلبس الخفين إن قطعا أسفل من الكعبين، لقوله ﵊: (إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين (١))، وقوله: "خف"، الخف هنا يشمل اثنين لأنه اسم للمزدوج، ومثل الخف الجرموق والجورب، وقوله: "قطع"، وكذا لو ثني فيما يظهر. قالد عبد الباقي. وقوله: "قطع" سوا، قطعد هو أو غيره أو اشتراه كذلك، ومثله في أبي الحسن الصغير، ونقل ابن عمر في شرح الرسالة قولين هذا أحدهما، والآخر أنه إنما يغتفر ممن قطعه لا لمن اشتراه كذلك. قاله أحمد. لكن الثاني حكاه الشاذلي بقيل، والظاهر الإطلاق. قاله عبد الباقي. لفقد نعل؛ يعني أنه إنما يجوز للمحرم لبس الخف المذكور لأجل فقد النعال بالكلية، أو غلوه فاحشا؛ يعني أنه كما يجوز للمحرم لبس الخف المقطوع أسفل من الكعبين لأجل فقد النعال جملة: يجوز له لبسه أيضا لغلو ثمنها غلُوًا فاحشا، بأن يزيد ثمنه أي النعل على قيمته بالثلث كما لأبي الحسن. قاله بناني. فلو لبسه لغير ما ذكر وقد قطع أسفل من الكعبين فعليه الفدية، ولو لضرورة كشقوق في رجليه يقتضي مشيه بالخف وعدم مشيه بالنعل؛ إذ وجود النعل في هذه الحالة كعدمه. قاله الشبراخيتي. وظاهر المصنف اعتبار الفقد والغلو عند الإحرام، فلا يجب عليه ذلك قبل الميقات إذا وجد ثمنا، وفي الطراز: خلاف ذلك، وهو أنه يجب عليه أن يُّعدَّهما أي النعلين قبل الميقات إذا وجد ثمنا، وتبعه الشيخ زروق في شرح الإرشاد، وقال القاضي عياض في قواعده، والتجرد من المحيط والخفاف للرجال وماله حارك من النعال يستر بعض القدم إلا أحدا لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين. انتهى. وماله حارك من النعال كنعل التكرور التي لها عقب يستر بعض القدم. قاله الحطاب. وقوله: "أو غلوه فاحشا"، يشمل قليل الدراهم وغيره، فيشتري النعل ولو مع حاجة، فليس كالوضوء لأن الوضوء له بدل وهو التيمم، وأما كونه

стр. 2805

له هنا مندوحة وعي الحفاء فمردود بأن الحفاء لا يطيقه أحد، وعلى تقديره فبمشقة وحرج وهما منفيان من الدين. انظر الشبراخيتي. وفي الحطاب عن الشيخ سليمان ما نصه: ولا يلبس أيضا القبقاب؛ لأن سيره محيط بأصابع رجليه. انتهى. قال الحطاب عقبه: وهذا إذا كان سير القبقاب غليظا فواضح وإلا فالظاهر الجواز. والله أعلم. انتهى. والقبقاب: النعل من خشب. قاله في القاموس. واتقاء شمس وريح بيت؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يتقي الشمس بيده؛ أي يجعلها بينه وبين الشمس، وكذلك يجوز له أن يتقي بيده الريح، فقوله: "واتقاء"، عطف على قوله: "خف". واعلم أنه يجوز الاتقاء المذكور باليد مرتفعة ومتصلة كما قاله ابن عاشر؛ لأنها لا تعد ساترا فلا فدية فيها بحال. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "بيد"، رد به على ابن المواز القائل: يواري وجهه بطرف ثوبه، وقال الأمير: وستر وجه ورأس بكل ساتر كطين ويد ألصقها طويلا، فيفتدي كما في عبد الباقي، وفي بناني عن ابن عاشر: يجوز الاتقاء باليد ولما فدية بحال لأنها لا تعد ساترا. انتهى. وفي النوادر: ولا بأس أن يواري المحرم بعض وجهه بطرف ثوبه، ولما بأس أن يجعل [يديه (١)]، فوق حاجبيه يستر بهما وجهه، وقال مالك في المختصر: وليس على المحرم كشف ظهره للشمس إرادة الفضل فيه. انتهى. وقال سند: لا بأس أن يسد أنفه من الجيفة، واستحبه ابن القاسم إذا مر بطيب، ويأتي للمصنف مفهوم بيد في قوله: "وتظلل ببناء" الخ، وفي الخبر: (ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه كيوم ولدته أمه (٢))، ولله در القائل: ضحوت له كي أستظلى بظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فيا أسفى إن كان سعيك باطلا … ويا حسرتى إن كان حجك ناقصا أو مطر بمرتفع؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يتقي المطر بشيء مرتفع عن رأسه من ثوب ونحوه، وأما الخيمة فيجوز الدخول تحتها من غير عذر كما يأتي، فلا يمثل بها هنا خلافا للتتاءي،
следующие страницы →