← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

واجب، وكذلك المحيط بضم الميم وبالحاء المهملة شرط إحرام الرجال لا النساء، فلا يدع عليه ما يمسك بنفسه لخياطة أو إحاطة لا إزار دون عقد، وقال ابن عرفة: وممنوع الإحرام غير مفسدة التطيب وإزالة الشعث ولبس الرجل المخيط كالقميص والجبة والبرنس والقلنسوة. نقله الحطاب وقال ابن فرحون في كتاب ابن المواز: إجازة التخلل بعود، ومنعه في العتبية. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها: التخليل والعقد والمغروز كالخياطة، قلت: ولذا قالوا: اللبد والمنسوج على صورة المخيط الممنوع مثله، ونقل ابن عبد السلام إجازة التخلل عن كتاب محمد لم أجده له ولما لغيره. انتهى. نقله الحطاب. وقال: لم أقف عليه في نسختي من ابن عبد السلام، ولعله سقط منها. والله أعلم. انتهى. كخاتم، التشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام لبس الخاتم ولو كان فضة ووزنه درهمان، وإذا لبسه ففيه الفدية، ومثله السوار، وفهم من تخصيص ذلك بالرجل جوازه للمرأة، فيجوز لهن لبس المحيط بخياطة أو غيرها ولبس الخاتم، وقوله: "كخاتم"، الخاتم بكسر التاء وفتحها والخيتام والخاتام كلها بمعنى، جمعه خواتم وخواتيم، والمراد بالخاتم هنا حلي الإصبع، وقال في القاموس بعد أن ذكر أن الخاتم حلي للإصبع ما نصه: كالخاتم والخيتام والخاتام، والختم محركة جمعه خواتم وخواتيم وقد تختم به، ومن كل شيء عاقبته وآخرته كخاتمته، وفي الحديث: (الأمور بخواتمها (١)). اللهم اختم لنا بالسعادة التي ختمت بها لأوليائك، واجعل خير أيامنا وأسعدها يوم لقائك. آمين. آمين. آمين. وقوله: "كخاتم"، ما ذكره المصنف من الحرمة هو المعروف من قول مالك ومقابله يقول بالجواز وسقوط الفدية. انظر الحطاب. وقباء؛ يعني أنه يحرم على الرجل لبس القباء بفتح القاف والمد والقصر، واقتصر في القاموس على القصر والكرماني والمصباح والتتائي على المد. نقله عبد الباقي. والقباء مشتق من القبو وهو الضم والجمع، وهو ما كان مفرجا كالقفطان، وسمي بذلك لانضمام أطرافه، وأول من لبسه السيد سليمان صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، قاله القسطلاني. على البخاري. نقله عبد الباقي.

стр. 2802

وإن لم يُدخل كما يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام لبس القباء، وسواء أدخل يده في كم منه أم لا كما قال: وإن لم يدخل كما فما قبل المبالغة حيث أدخل يدا واحدة في كم، وما بعدها حيث لم يدخل يدا منه في كمه لأنه يلبس كذلك، وظاهره سواء كانت عادته لبسه أم لا وهو كذلك: ومحل المنع إذا أدخل منكبيه في موضعهما منه، وحذف المصنف مفعول يدخل؛ أي وإن لم يدخل يده، "وكما" منصوب بنزع الخافض؛ أي في كم، فإن جعل أسفل القباء على منكبيه فإنه لا فدية عليه لأن القباء لا يلبس على هذه الهيئة، وظاهر هذا التعليل عدم الفدية في لبسه بجعل بطنه على ظهره وظهره داخل جسده مع إدخال منكبيه، ولعله غير مراد، بل فيه الفدية أيضا كما إذا جعل رجليه في كميه حين جعل أعلاه أسفله إن ترفه بذلك أو أزال أذى وإلا فلا. قاله عبد الباقي. وعلى ما قررت به المصنف لا قلب فيه، وفي بعض التقارير: وإن لم يدخل كما منه في يده وفيه حينئذ قلب، ولعلماء المعاني في القلب ثلاثة أقوال: المنع مطلقا وهذا أصح الأقوال لأنه مخل بالفصاحة، والجواز مطلقا وهذا أضعفها، والتفصيل إن تضمن اعتبارا لطيفا جاز وإلا فلا وهو مستحسن عندهم، وذلك كقول القائل: ومهمه مغبرة أرجاؤهُ … كأن لون أرضه سماؤه فإنه تضمن اعتبارا لطيفا. قاله الشبراخيتي. وستر وجه؛ يعني أنه يحرم على الرجل بالإحرام ستر وجهه كلا أو بعضا، ويفهم منه أن ستر ما انسدل من لحيته لا شيء فيه، وبه صرح سند. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وستر وجه جميعه لا ستر بعضه فلا يحرم ولا فدية إلا لانتفاع به. انتهى، وما ذكره من أنه لا فدية في ستر بعض وجه الرجل حوأحد تأويلين، ويفيد كلام التوضيح وابن عبد السلام أنهما سواء، واعتمده الرماصي واستظهر بعض الشيوخ عليه الفدية. أو رأس؛ يعني أنه يحرم بالإحرام على الرجل ستر رأسه كلا أو بعضا، بما يعد ساترا "بما" متعلق "بستر"؛ لأنه مصدر، فهو بفتح السين، وعبارة الأمير: بكل ساتر يعني أن الرجل يحرم عليه بالإحرام ستر بدنه غير الوجه والرأس بنوع خاص، فإحرامه فيه إنما هو بنوع خاص وهو

стр. 2803

المحيط، وأما الوجه والرأس فإحرامه فيهما مخالف لسائر البدن، فيجب عليه تجريدهما، ويحرم عليه سترهما كلا أو بعضا بما يعد ساترا عرفا أو لغة بقرينة قوله: كطين؛ يعني أن الطين مما يعد ساترا لأنه يدفع الحر، فغيره أولى كعمامة وخرقة وقلنسوة، ومثل الطين الحناء والطيب والدقيق والجير، وقال الحطاب عند قول المصنف: "وستر وجه أو رأس": قال في الطراز: سواء غطى رأسه أو بعضه، خلافا لأبي حنيفة. ولا فدية في سيف؛ يعني أن المحرم إذا تقلد بالسيف في حال إحرامه فإنه لا يلزمه فدية لذلك. قاله في التوضيح. وقال ابن الحاجب: عليه الفدية، وظاهر المصنف سواء نزعه مكانه أم لا، وسواء تقلده لعذر أم لا، ولهذا قال: وإن تقلد السيف بلا عذر؛ ووجب نزعه مكانه حيث لبسه لغير عذر كما هو ظاهر المدونة، قال الشيخ أحمد: والظاهر أن السكين ليست كالسيف أي قصرا للرخصة على محلها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر عن الحطاب أن كل ما حكم بأنه ممنوع في هذا الفصل ففيه الفدية ما لم يصرح بأنه لا فدية فيه كمسألة السيف لغير ضرورة. انتهى. وفي الحطاب: قال في النوادر: وإذا مات المحرم خُمِّر وجهُه ورأسُه. واحتزام؛ يعني أنه لا فدية في الاحتزام بثوبه أو بغيره كحبل أو خيط أو عمامة على المذهب إذا أراد العمل؛ لأنه يجوز له حينئذ أن يحتزم، وفيها: والمحرم لا يحتزم بحبل أو خيط إذا لم يرد العمل؛ فإن فعل افتدى، وإن أراد العمل فجائز له أن يحتزم، وعلى ظاهرها حملها أبو الحسن وابن عرفة وغيرهما، وقيد في مختصر الوقار الاحتزام بكونه بلاء، واقتصر عليه الحطاب. قاله محمد بن الحسن. ونص الحطاب: قال في مختصر الوقار: ولا بأس أن يُحَزِّمَ ثوبا على وسطه من فوق إزاره إذا أراد العمل ما لم يعقده. انتهى. وقيل إنه إذا احتزم فوق إزاره ولو لعمل فعليه الفدية، والأول هو المذهب. واستثفار؛ يعني أنه لا فدية في الاستثفار إذا كان لعمل، والاستثفار جعل طرفي مئزره بين فخذيه ملويا معقودا في وسطه كالسراويل. قاله التتائي تبعا لابن غازي؛ إذ لا يتصور العمل معه إلا بالعقد كما قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. رادا على الشيخ عبد الباقي في قوله: إنه لا يعقده في وسطه، وأنه إن فعل افتدى. انتهى.

стр. 2804

وعلم مما قررت أن قوله: لعمل؛ راجع للاحتزام والاستثفار، واحترز بقوله: فقط عما إذا احتزم أو استثفر لغير عمل أي خدمة فإن عليه الفدية فيهما، قال الشيخ إبراهيم: ولو أدخل الكاف على احتزام لجري على قاعدته الأغلبية. وجاز خف قطع أسفل من كعب؛ يعني أن المُحْرِمَ يجوز له أن يلبس الخفين إن قطعا أسفل من الكعبين، لقوله ﵊: (إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين (١))، وقوله: "خف"، الخف هنا يشمل اثنين لأنه اسم للمزدوج، ومثل الخف الجرموق والجورب، وقوله: "قطع"، وكذا لو ثني فيما يظهر. قالد عبد الباقي. وقوله: "قطع" سوا، قطعد هو أو غيره أو اشتراه كذلك، ومثله في أبي الحسن الصغير، ونقل ابن عمر في شرح الرسالة قولين هذا أحدهما، والآخر أنه إنما يغتفر ممن قطعه لا لمن اشتراه كذلك. قاله أحمد. لكن الثاني حكاه الشاذلي بقيل، والظاهر الإطلاق. قاله عبد الباقي. لفقد نعل؛ يعني أنه إنما يجوز للمحرم لبس الخف المذكور لأجل فقد النعال بالكلية، أو غلوه فاحشا؛ يعني أنه كما يجوز للمحرم لبس الخف المقطوع أسفل من الكعبين لأجل فقد النعال جملة: يجوز له لبسه أيضا لغلو ثمنها غلُوًا فاحشا، بأن يزيد ثمنه أي النعل على قيمته بالثلث كما لأبي الحسن. قاله بناني. فلو لبسه لغير ما ذكر وقد قطع أسفل من الكعبين فعليه الفدية، ولو لضرورة كشقوق في رجليه يقتضي مشيه بالخف وعدم مشيه بالنعل؛ إذ وجود النعل في هذه الحالة كعدمه. قاله الشبراخيتي. وظاهر المصنف اعتبار الفقد والغلو عند الإحرام، فلا يجب عليه ذلك قبل الميقات إذا وجد ثمنا، وفي الطراز: خلاف ذلك، وهو أنه يجب عليه أن يُّعدَّهما أي النعلين قبل الميقات إذا وجد ثمنا، وتبعه الشيخ زروق في شرح الإرشاد، وقال القاضي عياض في قواعده، والتجرد من المحيط والخفاف للرجال وماله حارك من النعال يستر بعض القدم إلا أحدا لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين. انتهى. وماله حارك من النعال كنعل التكرور التي لها عقب يستر بعض القدم. قاله الحطاب. وقوله: "أو غلوه فاحشا"، يشمل قليل الدراهم وغيره، فيشتري النعل ولو مع حاجة، فليس كالوضوء لأن الوضوء له بدل وهو التيمم، وأما كونه

стр. 2805

له هنا مندوحة وعي الحفاء فمردود بأن الحفاء لا يطيقه أحد، وعلى تقديره فبمشقة وحرج وهما منفيان من الدين. انظر الشبراخيتي. وفي الحطاب عن الشيخ سليمان ما نصه: ولا يلبس أيضا القبقاب؛ لأن سيره محيط بأصابع رجليه. انتهى. قال الحطاب عقبه: وهذا إذا كان سير القبقاب غليظا فواضح وإلا فالظاهر الجواز. والله أعلم. انتهى. والقبقاب: النعل من خشب. قاله في القاموس. واتقاء شمس وريح بيت؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يتقي الشمس بيده؛ أي يجعلها بينه وبين الشمس، وكذلك يجوز له أن يتقي بيده الريح، فقوله: "واتقاء"، عطف على قوله: "خف". واعلم أنه يجوز الاتقاء المذكور باليد مرتفعة ومتصلة كما قاله ابن عاشر؛ لأنها لا تعد ساترا فلا فدية فيها بحال. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "بيد"، رد به على ابن المواز القائل: يواري وجهه بطرف ثوبه، وقال الأمير: وستر وجه ورأس بكل ساتر كطين ويد ألصقها طويلا، فيفتدي كما في عبد الباقي، وفي بناني عن ابن عاشر: يجوز الاتقاء باليد ولما فدية بحال لأنها لا تعد ساترا. انتهى. وفي النوادر: ولا بأس أن يواري المحرم بعض وجهه بطرف ثوبه، ولما بأس أن يجعل [يديه (١)]، فوق حاجبيه يستر بهما وجهه، وقال مالك في المختصر: وليس على المحرم كشف ظهره للشمس إرادة الفضل فيه. انتهى. وقال سند: لا بأس أن يسد أنفه من الجيفة، واستحبه ابن القاسم إذا مر بطيب، ويأتي للمصنف مفهوم بيد في قوله: "وتظلل ببناء" الخ، وفي الخبر: (ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه كيوم ولدته أمه (٢))، ولله در القائل: ضحوت له كي أستظلى بظله … إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فيا أسفى إن كان سعيك باطلا … ويا حسرتى إن كان حجك ناقصا أو مطر بمرتفع؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يتقي المطر بشيء مرتفع عن رأسه من ثوب ونحوه، وأما الخيمة فيجوز الدخول تحتها من غير عذر كما يأتي، فلا يمثل بها هنا خلافا للتتاءي،

стр. 2806

ويفهم من كالأم المصنف جواز اتقاء المطر باليد والبناء والخباء بالأولى، لنصه على جوازه بالمرتفع، مع أنه يمنع اتقاء الشمس والريح به. قاله الشبراخيتى. وقال: ولو قال المصنف: واتقاء شمس أو ريح أو مطر بيد أو بناء أو خباء أو محارة لا فيها كثوب بعصا إلا المطر به، لسلم من التشتيت مع ما فيه من الاختصار. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "أو مطر بمرتفع": ظاهر كلام المصنف أنه ألا يستتر بمرتفع من البرد وهو رأي ابن القاسم في المدونة، قال في التوضيح: قال ابن الحاج في مناسكه: وله أن يرفع فوق رأسه شيئا يقيه من المطر، واختلف هل له أن يرفع شيئا يقيه من البرد؟ فوسَّع ذلك مالك في رواية ابن أبي أويس في المدونة، ولم ير ذلك ابن القاسم في المدونة أيضا، وليس له أن يضعه على رأسه من شدة الحر. انتهى. والأقرب جواز ذلك لما في صحيح مسلم وأبي داوود والنسائي عن أم الحصين، قالت: (حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقته ﵇ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة (١)). انتهى. انتهى كلام الحطاب. وتقليم ظفر انكسر؛ هو معطوف علي الجائز؛ يعني أن المحرم إذا انكسر له ظفر واحد، فإنه يجوز له أن يقلمه ولا شيء فيه، ونحوه في المدونة، والاثنان والثلاثة كالواحد. قاله أبو إسحاق. نقله التتائي تبعا للشارح. وانظر ما زاد على الثلاثة، هل في تقليمه الفدية أم لا؟ قاله عبد الباقي. ومفهوم قوله: "انكسر" أنه إن لم ينكسر فإن قلمه لإماطة الأذى ففيه الفدية، وإلا فحفنة كما يأتي، وهذا في الواحد، وأما ما زاد عليه ففي تقليمه الفدية مطلقا، وأما تقليم ظفر الغير، فقال ابن عرفة: تقليم المحرم حلالا لغو. انتهى. وقوله: "وتقليم ظفر انكسر"، قال سند بعد أن ذكر تقليم الظفر المنكسر: إذا ثبت هذا فإنه يقتصر على ما كسر منه عملا بقدر الضرورة، وإن أزال جميع ظفره كان ضامنا، كمن أزال بعض ظفره ابتداء من غير ضرورة، فإنه بعض من جملة مضمونة فيكون مضمونا. انتهى. وما قاله ظاهر. ومراده -والله أعلم- أن يقطع النكسر ويواسي

стр. 2807

الباقي حتى لا تبقى عليه ضرورة فيما يبقى في كونه يتعلق بما يمر عليه. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ثم الجَوَازُ؛ يعني جواز تقليم الظفر المنكسر مقيدٌ بأن يتأذى بكسره وإلا لم يجز قلمه، فإن قلمه جرى فيه قوله الآتي: "وفي الظفر الواحدة لإماطة الأذى حفنة، وبأن يقتصر في تقليمه على ما تزول به الضرورة كقطع المنكسر، ومساواة محله حتى لا يتعلق بما يمر عليه. واعلم أن تقليم ظفر نفسه المنكسر وقلع الشعرة من المعين، وتقليم غير المنكسر لإماطة الأذى مشتركة في أن فعلها جائز لإزالة الضرر، لكن الفدية في الأخيرين دون الأول لغلبة وقوع الضرر به بخلافهما، والقاعدة أن ما كان عاما ويغلب وقوعه لا فدية فيه عند الضرر، كتقليم الظفر المنكسر، وما يندر وقوعه فيه الفدية مع الجواز لذي العذر، والحرمة لغيره. ذكره الحطاب. فإن قلت: الشعرة إنما فيها حفنة فليست كالظفر، قلت: إذا أزالها لإماطة الأذى فيها فدية. انتهى. قولم: والقاعدة أن ما كان عاما الخ، بهذا أجاب الحطاب عن معارضة التونسي بين سقوط الفدية في الظفر المنكسر ولزومها في الظفر غير المنكسر إذا أزاله لإماطة الأذى، وهو ظاهر. فتأمله. قاله محمد بن الحسن. وارتداء بقميص؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يرتدي أو يأتزر بقميص، وجاز ذلك لأنه لم يلبس لما خيط له، كما يجوز الارتداء والائتزار برداء أو إزار مرقعين، أو فلقتين خيطتا، وإنما سقطت الفدية في ذلك وإن كان لبسا؛ لأن شرط الفدية في المخيط أن يلبس لما خيط له. قاله غير واحد. فلا معارضة بين هذا وبين ما يأتي في باب اليمين، فإن الارتداء والائتزار في البابين كل منهما يعد لبسا. وفي كره السراويل روايتان؛ يعني أنه اختلف على روايتين، هل يكره للمحرم الارتداء بالسراويل كما يكره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء لقبح الزي، أو لا يكره له ذلك بل يباح، وقوله: "روايتان"، بحث فيه ابن غازي بأن كلام المصنف في المناسك ونحوه للباجي، يفيد أن الجواز قول لغير الإممام. قاله بناني. وأما لبس المحرم للسراويل فلا يجوز، وإن لم يجد إزارا، روى محمد: من لم يجد منزرا لا يلبس سراويل ولو افتدى، وفيه جاء النهي، وروى ابن عبد الحكم:

стр. 2808

يلبسه ويفتدي، وبهاتين الروايتين شرح المواق والشارح المصنف، وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو يخطب: السراويل لمن لم يجد الإزار والخفان لمن لم يجد النعلين (١))، وقال مالك في الموطإ في السراويل: (ولم يبلغني هذا (٢))، قال ابن عبد السلام: وعندي أن مثل هذا من الأحاديث التي نص الإمام على أنها لم تبلغه إذا قال أحل الصنعة إنها صحت فيجب على مقلد الإمام العمل بمقتضاها، كهذا الحديث. وحديث: (إذن الإمام إذا وافق العيد الجمعة (٣))، قال محمد بن الحسن: ويؤيد ذلك ما قال الإمام في رواية معن بن عيسى: ما وافق من رأيي الكتاب والسنة فخذوا به، وما خالف فاتركوه. وتظلل ببناء؛ يعني أنه يجوز للمحرم التظلل بالبناء، كحائط وسقف، قال الشبراخيتي: وأحرى بالشجر، وخباء؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يتظلل بالخباء والخيمة إلا زمن وقوف عرفة: فيكره التظلل من الشمس كما في الشامل، ومثله في المناسك، ونقله الحطاب عن النوادر، وظاهر ما نقله ابن عرفة عن النوادر. المنع لا الكراهة، ونصه: ولا يستظل في النحر ولا يوم عرفة إلا أن يكون مريضا فيفتدي، وفي التمهيد لابن عبد البر: أجمعوا أن للمحرم أن يدخل الخباء والفسطاط، وإن نزل تحت شجرة أن يرمي ثوبا عليها. انتهى. والله أعلم قاله الحطاب. ولله در القائل: ضَحوتُ له كي أستظلَّ بظِلِّهِ … إذا الظلُّ أضحى في القيامة قَالِصَا فيا أَسَفى إن كان سَعْيُك بَاطِلاً … ويا حسرتى إن كان حَجُّك نَاقِصَا ومحارة. قال في القاموس: المحارة شبه الهودج، قال: والهودج مركب النساء؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يستظل بظل المحارة أي يستظل بجانبها، سواء كانت بالأرض أو سائرة، وكذا يجوز له أن يستظل تحتها أي داخلها على ما نقله ابن فرحون، ولكن ظاهر كلام أهل المذهب خلافه. قاله الحطاب. وقوله: "ومحارة"، قال الخرشي: أي وكذلك يجوز الاستظلال بجانب المحارة وهي الكحمل نازلة أو سائرة، ومثل ذلك الاستظلال بالبعير كان باركا أو سائرا أو نازلا، قال في توضيحه: وهو المشهور، ومنع سحنون أن يتظلل بظل المحمل وهو سائر، ونقل ابن بشير في

стр. 2809

الاستظلال بالبعير قولين، قال بعض: هما القولان المذكوران في الاستظلال بالمحمل، فيكون الراجح منهما الجواز لقول ابن فرحون، والصحيح في المسألتين أي المحمل والبعير الجواز، وقال الحطاب مفسرا للمصنف: يريد أنه يجوز له أن يستظل بجانب المحارة، يريد: وسواء كانت بالأرض أو سائرة، وما ذكره هو أحد القولين، قال في التوضيح: وهو ظاهر المذهب. انتهى. لا فيبها؛ يعني أنه لا يجوز للرجل المحرم بحج أو عمرة أن يستظل وهو في المحارة بأعواد يرفعها، فقد منعه إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه، قال في التوضيح: وهو المذهب، فإن فعل افتدى، وأجازه أبو حنيفة والشافعي وغيرهعا. اللخمي: وإن لم يكشف ما على المحارة افتدى، ولا يستظل تحتها أي فيها إن كان نازلا، فإن فعل افتدى، ولا بأس أن يكون في ظلها خارجا عنها، وقال مالك: إذا كان الرجل عديلا لامرأة أي في المحارة لا تستظل هي ولا يستظل هو، وقاله ابن القاسم، وعن ابن شعبان: يجوز لمعادلة امرأة أو مريض، ونص ابن فرحون على أنه يتظلل في المحارة بالساتر المسمر بها أو المخيط بها، وقواه غير واحد، وقال: إنها على هذا الوجه تكون كالبيت وهو خلاف ظاهر المصنف، وقول اللخمي: وإن لم يكشف ما على المحارة الخ، قال: إن المراد كشف ما فوقها دون كشف جوانبها؛ لأنه حينئذ من باب الاستظلال بجانب المحملى وهو جائز كما مر، وفي شرح عبد الباقي: ويجوز التظلل بالبلاليج والدخول فيها؛ وهي بيوت تجعل في المراكب الكبيرة، وبشراعها بوزن كتاب وهو قلعها، ويجوز أيضا دخول المحرم في المحفة قياسا على البلاليج ولو لم يرفع الجوخ الذي عليها. هذا هو الظاهر. قاله الأجهوري؛ أي الظاهر من كلام ابن فرحون. قاله عبد الباقي. وقال بناني: بل الظاهر من كلام ابن فرحون خلافه، والجوخ: الملف، وفي الحطاب: وانظر إذا عادل الرجل المرأة وسترت المرأة شقتها ولم يستر الرجل شقته، لكن جعل شقتها من جهة الشمس والظاهر جواز ذلك لأنه من باب الاستظلال من جانب المحارة. انتهى. والشقة بالضم والكسر إحدى شقتي المحمل. تنبيه: وقع في كلامهم هنا المحفة والمحارة والمحمل، فاحتيج إلى بيانها، أما المحفة، فقال في القاموس: المحفة بالكسر: مركب النساء كالهودج إلا أنها لا تُقَبَّبَ، وأما المحارة فقد مر الكلام

стр. 2810

عليها قريبا، وبان مما مر أنها تقَبَّبُ، وأما المحمل فقال في القاموس: المحمل كمجلس: شقان على البعير يحمل فيهمعا العديلان، ويظهر من كلامهم أنه يطلق على المحارة وغيرها، ومر عن الخرشي أن المحمل هو المحارة. والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: قال ابن الحاجب: وفي الاستظلال بشيء على المحمل وهو فيه بأعواد، والاستظلال بثوب في عصا قولان، قال ابن فرحون: احترز بقوله: بأعواد، مما لو كان المحمل مقيما كالمحارة، فإنه حينئذ كالبناء والأخبية فيجوز ذلك. انتهى. قال الحطاب: وما قاله له وجه، ولكن ظاهر كلام أهل المذهب كما قال المصنف. الثاني: كان البدر القرافي يرتضي ما لابن فرحون، ويجعل قول المصنف: "لا فيها" حالا؛ أي لا مستظلا بغيره حال كونه فيها، واعترض على الحطاب في اعتراضه على ابن فرحون. الثالث: قال في النوادر: ولا يستظل في البحر إلا أن يكون مريضا فيفعل ويفتدي. انتهى. ونقله ابن الجلاب وابن عرفة وابن فرحون وغيرهم. قاله الحطاب. قال: وكأنه -والله أعلم- فيما عدا البلاليج فإنها كالبيوت، وكذلك الاستظلال بظل الشراع لا شيء فيه فيما يظهر. والله أعلم انتهى. وشراع السفينة ككتاب: قلعها. كثوب بعصا؛ تشبيه في المنع؛ يعني أنه يحرم على المحرم أن يجعل ثوبا على عصا ويتظلل به، أو يجعله على أعواد ويتظلل به، فلا يجوز ذلك سائرا اتفاقا ولا نازلا عند مالك؛ لأنه لا يثبت بخلاف الخباء والبناء، وجوزه عبد الملك، قال الحطاب: وتعليلهم هذا يقتضي أنه إذا ربط الثوب بأوتاد وحبال حتى صار كالخباء الثابت أن الاستظلال به جائز، وقال ابن الماجشون: لا يستظل إذا نزل بالأرض بأعواد يجعل عليها كساء أو شجرة، ولا بمحمل، وإنما وسع له في الخباء والفسطاط والبيت المبني. انتهى. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "كثوب بعصا"، أنه يمنع التظلل به، وأما اتقاء المطر به فيجوز. قاله محمد بن الحسن بناني. ففي وجوب الفدية خلاف؛ يعني أن المحرم إذا استظل داخل المحارة أو تحت الثوب المرتفع على الأعواد أو الثوب على عصا، فإن ذلك لا يجوز كما علمت، واختلف في لزوم الفدية له

стр. 2811

واستحبابها على قولين: القول بالوجوب هو ظاهر المذهب نقله ابن فرحون، وكل من القولين رجح كما قاله ابن فرحون في شرحه لابن الحاجب والمصنف في مناسكه، فصح تعبير المصنف بخِلافٌ، وقال الحطاب: قال في المناسك: واستحب مالك في يوم عرفة ترك الاستظلال. انتهى. وقال في الشامل: وكره تظليله يوم عرفة. انتهى. وكأنه مبني على أن مقابل المستحب مكروه، وصرح بكراهة مالك لذلك في النوادر، ونقله ابن معلى في منسكه إلا أنهم خصوا ذلك بزمن الوقوف فقط لا بيوم عرفة جميعه. انتهى. ونقل الحطاب كلام النوادر إلى أن قال فيه: واختلف في إظلاله حال الوقوف، فكرهه مالك وأهل المدينة وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم، وأجاز ذلك غيرهم. انتهى. انتهى. وحَملٌ لحاجة؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يحمل خرجه أو جرابه أو غير ذلك على رأسه لحاجة فيما يحمله لنفسه بأن لا يجدمن يحمله مطلقا، أو وجد من يحمله له بأجرة لا يقدر عليها، وهذا فيما يحمله لنفسه، وقوله: وفقر، خاص بالحمل لغيره؛ يعني أنه إذا كان معاشه من الحمل للناس لأجل فقره فإنه يجوز له الحمل على رأسه، والواو بمعنى أو، لا للعطف التفسيري، فأحد الأمرين كاف. والحاصل أنه إذا كان الحمل لمعاشه فإنه لا فدية فيه، وإن لم يكن لمعاشه، فإن كان لعدم وجود ما يستأجر به فكذلك، وإن وجد من يحمله مجانا أو بأجرة يقدر عليها فعليه الفدية في حمله. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وجاز لماش حمل لخرجه أو جرابه على رأسه، أو وقره فيه متاعه ملقى خلفه مشدودا حبله على صدره، والوقر بالكسر: الحمل، وكان الحمل لحاجة للحمل، ولو غنيا لعيشه حيث لم يجد من يستأجره أو وجده ولم يجد أجرة. بلا تجر؛ يعني أن محل جواز الحمل المذكور حيث كان لا لتجر بل لمعاشه، فإن كان لتجر زائد على معاشه فعليه الفدية، وأما التجر الذي لمعاشه كالعطار فإنه داخل في قوله: "وحمل لحاجة وفقر"، فَلا فدية فيه فإن وقفت دابته للتجارة والتجأ إلى حمله حمل وافتدى، وتأثير الضرورة في رفع الإثم وجواز الإقدام لا في سقوط الفدية كما في الحلاق ولبس المُحيط.

стр. 2812

وفي الشبراخيتي ما نصه: وكلام أبي الحسن يفيد أنه لا شيء عليه في حمله لهضم نفسه مع قدرته على أن يحمله على غيره. انتهى. وفي شرح عبد الباقي عند قوله: "بلا تجر": ولا يجوز لغير عيش ولو تطوعا ولما غَنِيٌّ لنفسه بخلاً بأجرة، وإلا افتدى، ولو كان لا بخلا بل لكسر نفسه فينبغي المنع. انتهى. وإبدال ثوبه؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يبدل ثوبه الذي أحرم فيه بأن ينزعه ويلبس غيره، ولو قصد بذلك طرح الهوام؛ إذ ليس عليه شعوثة لباسه. وقوله: "ثوبه"، إزارا أو غيره كرداء وحزام، ولو تعدد الثوب المبدل فالمراد بالثوب الجنس، وقوله: "وإبدال"، راعى مالك رضي الله تعالى عنه نزع ثوبه بقمله بمنزلة من ارتحل من بيته وألقاه ببقه حتى مات حتف أنفه؛ أي وأما إن نقل الهوام من جسده أو ثوبه الذي عليه إلى الثوب الذي يريد طرحه فيكون كطرحه. وبيعه يعني أنه يجوز للمحرم بيع ثوبه الذي أحرم فيه ولو لقمل آذاه فيه على المشهور عند مالك وابن القاسم، خلافا لرأي سحنون أنه كطرد الصيد من الحرم، للفرق بأن الصيد أخرج إلى غير مأمن، والقمل يجوز قتله قبل البيع وبعده لغير المحرم. قاله الشيخ عبد الباقي. مالك لا بأس أن ينقل القملة من ثوبه أو بدنه إلى مكان آخر من ثوبه أو جلده، وإذا سقطت من رأسه قملة فليدعها ولا يردها مكانها. ابن الحاج: سئل مالك: المحرم يجد عليه البقة وما أشبهها فيأخذها فتموت؟ قال: لا شيء عليه في هذا. نقله الشيخ سالم. نقله عبد الباقي والشبراخيتي. (بخلاف غسله) يعني أنه يكره للمحرم أن يغسل ثوبه كما في الموازية وهو ظاهر المدونة، وإن كان ظاهر كلام ابن الحاجب والمصنف المنع، ومحل الكرهة حيث شك في قمله، فإن قتل بعضه حينئذ أخرج ما يجب فيه، فإن تحقق قمله لم يَجُزْ غسله، فإن غسل وقتل أخرج ما يجب فيه. قاله عبد الباقي. ويمكن حمل الكراهة في المدونة على المنع، فيسقط التعقب على المصنف وابن الحاجب. قاله محمد بن الحسن. وقال الحطاب: وظاهر الطراز أن غسله لغير النجاسة ممنوع، وهو الموافق لظاهر المصنف وابن الحاجب، وما تقدم من الكراهة عن الموازية هو كذلك، إلا أنه جعل فيها غسله للوسخ جائزا كغسله للنجاسة. قاله الحطاب. (إلا لنجس) يعني أن محل كراهة غسل الثوب للمحرم أو منعه إنما هو إذا لم تصبه نجاسة، بل غسله لترفه أو وسخ أو غيرهما،

стр. 2813

وأما إن أصاب ثوبه نجاسة فإنه يغسله بالماء؛ ولو شك في قمله ولا شيء عليه في قتله حينئذ كما في الموازية، وفي الطراز: يندب له أن يطعم، وأخرج بقوله: فقط غسله بصابون وأُشنان، ونحو ذلك حال نجاسته وشكه في قمله، فلا يجوز، فإن غسل به وقتل بعض قمل أطعم، وإن تحقق نفي قمله جاز غسله بصابون ونحوه كجوازه لترفه أو وسخ حيث تحقق نفيه ولو بصابون. وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه إذا تحقق أنه لا قمل بثوبه جاز له غسله بما شاء، وإن لم يتحقق ذلك فيجوز غسله للنجاسة بالماء فقط ولا شيء عليه، وإن قتل بعض قمل كما تقدم عن الموازية، وقال في الطراز: يطعم استحبابا، وأما غسله للوسخ فظاهر المدونة أنه مكروه، وقال في الموازية: إنه جائز، وحكى في الشامل في غسله من الوسخ قولين، وأما غسله لغير النجاسة والوسخ فاتفق لفظ المدونة والموازية على كراهة ذلك، وقال ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح: إنها على بابها، وظاهر كلامه في الطراز أن غسلة لغير النجاسة لا يجوز، وهو الموافق لظاهر كلام المصنف. فتأمله. والله أعلم. انتهى. وقد مر عن محمد بن الحسن بناني: أنه يمكن حمل الكراهة التي في المدونة والموازية على المنع، وقال الخرشي: ولم يتكلم المصنف على ما إذا غسله للنجاسة بصابون ونحوه، حيث لم يتحقق نفي القمل، وظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز، والأصل فيما لا يجوز الفدية، وصرح به التتائي. انتهى. ابن الحاج: أجمع أهل العلم أن للمحرم أن يستاك وإن أدمى فمه. ابن عرفة: قلت: لازم منع القاضي الزينة منع السواك بالجوزاء ونحوه. قاله الحطاب والخرشي. وفي الحطاب: وإن أصابت ثوب المحرم نجاسة ولم يدر موضعها افتقده موضعا موضعا: فما يتيقن أنه لا قمل فيه غسله، وما رأي فيه قملا نقله إلى موضع آخر حتى يتيقن سلامته، فإن كثر ذلك عليه، فإن كانت نجاسة لا نفتقر إلى حك وعرك كالبول والماء النجس وشبهه فإنه يواصل صب الماء ويتلطف في غسل ذلك، فإن شك أن يكون قتل شيئا أطعم استحبابا ولا يجب ذلك عليه، وكذلك إن احتاج إلى حك وعرك وكان فيه [قتل (١)] شيء من الدواب، فإنه يطعم استحبابا، ولو عرك جميع ثوبه في قصرية وكان قادرا على دون ذلك أطعم، وكذلك إن غسله بغاسول أطعم عند ابن القاسم،

стр. 2814

وافتدى عند مالك إن كان ثوبه كثير القمل. انتهى. وقال سند: غسل ثوب المحرم لا يمنع للإنقاء والتنظيف، وإنما يمنع لأجل قتل الهوام، قال: والأحسن أن من أصاب ثوبه نجاسة أو جنابة نظر إلى ذلك الموضع وافتقده وما حوله من الهوام، فإن قطع أنه لا شيء فيه غسله بما شاء وأنقاه بالماء؛ وإن أصابته نجاسة ولم يدر موضعها افتقدها موضعا موضعا إلى آخر ما مر قريبا. وبط جرحه؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يبط جرحه؛ أي يشقه ويخرج ما فيه بعصر ونحوه إذا احتاج إلى ذلك، أو ما في حكم ذلك كوضع لزقة عليه، ومثل الجرح الدمل ونحوه لحاجة، وجاز للمحرم حك ما خفي عليه من جسده برفق؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يحك ما خفي عليه من جسده كرأسه وظهره حكا مصاحبا للرفق، والرفق هو ما يأمن معه من قتل الدواب وطرحها، ومفْهوم قوله: "برفق". أن الحك الشديد ليس كذلك وهو كما أفهم، فإنه مكروه، ومَفْهُومُ قوله: "مما خفي". أن ما يراه من جسده له أن يحكه وإن أدماه، وجاز فصد لحاجة؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يفصد أي يشرط إذا احتاج إلى ذلك كما في الموطإ والمدونة، وأما لغير حاجة فينبغي أن يكره كما في الحجامة. قاله غير واحد. ومحل جواز الفصد لِحَاجَةٍ إن يعصبه؛ أي أن محل جواز الفصد إنما كسر حيث كان لا يعصبه؛ وأما إن كان إذا فصد جعل عليه عصابة فإنه يكره له الفصد، فإن عصبة ولو لضرورة افتدى، وقوله: "يعصبه"، مضارع عصب من باب ضرب. وشد منطقته لنفقته على جلده، قوله: "وشد"، عطف على الجائز؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يشد منطقته بكسر الميم وفتح الطاء على جلده تحت إزاره لأجل حفظ نفقته، كدراهم يجعلها فيها فيشدها على جلده تحت إزاره حفظا لتلك الدراهم التي ينفق بها على نفسه، والمنطقة هي الهميان بكسر الهاء وتقديم الميم على الياء. قال ابن حجر: شبه تكة السراويل تجعل فيه النفقة ويشد في الوسط. قاله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: وغيره هي مثل الكيس تجعل فيه الدراهم. انتهى. والمراد بشدها أن تدخل خيوطها في أثقابها، ونحو ذلك من غير عقد، فأما لو عقدها على جلده افتدى. قال معناه غير واحد: ونقل محمد بن الحسن عن ابن عرفة فيها: لا بأس بربط منطقته لنفقته تحت إزاردت وجعل سيورها في ثقبها، وقوله: "لنفقته"؛ أي لا مجردة أي فارغة، ولا للتجارة له أو لغيره ولا للتجارة ونفقته ولا لنفقة غيره.

стр. 2815

وإضافة نفقة غيره؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يضيف نفقة غيره إلى نفقته التي شدها أولا على جلده تحت إزاره؛ بأن يجعلها معها في المنطقة المذكورة، فإن شدها لنفقة الغير ابتداء أو شدها لهما معا وكانت نفقته هو تبعا فعليه الفدية، وفي الخرشي: والحاصل أن انتفاء الفدية في شد المنطقة يكون بشروط: أن يشدها لنفقة نفسه، وأن يكون الشد على جلده، وأن لا يضيف لها مالًا اتجر فيه، فمتى انتفى واحد منها وجبت الفدية. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: وإضافة نفقة غيره لنفقته؛ بأن يودعه رجل نفقته بعد شدها لنفقة نفسه فيجعلها معها من غير مواطأة على الإضافة فيما يظهر. انتهى. وقوله: من غير مواطأة، خلاف ما استظهره في التوضيح من الإطلاق، ونصه: وانظر لو شدها ابتداء له ولغيره، والأقرب سقوط الفدية؛ لأن نفقة غيره تيع كما لو أضاف نفقة غير بعد نفقته، وحمل ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب على أنه لا يجوز أن يشدها لنفقته ونفقة غيره، ولم أر ذلك لغيره. انتهى. وما استقْرَبَه في التوضيح هو ظاهر الجلاب واللخمي كما في ابن عرفة، وهو ظاهر الطراز كما في الحطاب، لكن قال ابن عرفة: مفهوم المدونة منع شدها لهما ابتداء. قاله محمد بن الحسن بناني. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يكن الأمر كذلك بل شدها فارغة أو لتجر أوله ولنفقة أو فوق إزاره، لا على جلده أو لنفقة غيره أو لتجره أي الغير أو لإضافة نفقته لنفقة الغير أو تجره، أو شدها لنفقته وإضافة تجر الغير لها أو شدها لنفقته ونفقة الغير معا ابتداء، أو شدها مجردة عن قصد، فإنه تلزمه فدية في هذه الصور كلها، وهي إحدى عشرة صورة كما قاله عبد الباقي، وتقدم ما لبناني في واحدة منها، لكن نقل هو أي بناني عن ابن عرفة أنه قال: مفهوم المدونة منع شدها لهما ابتداء. انتهى. فصح ما ذكره عبد الباقي. والله سبحانه أعلم. وشبه في وجوب الفدية أمورا جائزة، فقال: كعصب جرحه؛ يعني أن المحرم إذا عصب جرحه فإنه تلزمه فدية عصبة لضرورة أو لغيرها عصبة بخرقة صغيرة أو كبيرة كما في المدونة، وفصل ابن المواز في التعصيب بين الخرق الكبار والصغار كما في اللصق، وفَرَّق التونسي بينهما بأن التعصيب والربط أشد من اللصق؛ إذ لابد فيهما من حصول شيء على الجسم الصحيح، بخلاف اللاصق، ولذا صرح في المدونة بأن صغير التعصيب والربط ككبيرهما. قاله محمد بن الحسن.

стр. 2816

أو رأسه؛ يعني أن المحرم إذا عصب رأسه فإنه تلزمه الفدية، عصبة لضرورة أو لغيرها، عصبة بخرقة صغيرة أو كبيرة كما في المدونة، وفصل ابن المواز في التعصيب إلى آخر ما مر. أو لصق خرقة كدرهم؛ يعني أن المحرم إذا ألصق على جرحه أو قرحه خرقة، فإنه تلزمه فدية بشرط أن تكون الخرقة اللصقة على جرحه أو قرحه قدر درهم فأكثر، فلو كانت الخرقة أقل من درهم فلا فدية، والمراد بالدرهم الدرهم البغلي. تنبيهان: الأول: قوله: "أو لصق خرقة". قال محمد بن الحسن بناني ما نصه: ابن عاشر: هذا -والله أعلم- خاص بجراح الوجه أو الرأس لأنهما اللذان يجب كشفهما كما علل به التونسي. الثاني: قال الحطاب والشبراخيتي: انظر إذا كان به جروح متعددة وألصق على كل منها خرقة دون الدرهم والمجموع كدرهم أو أكثر، وظاهر ما في التوضيح وابن الحاجب أنه لا شيء عليه. انتهى. أو لفها على ذكر؛ يعني أن المحرم إذا لفها أي الخرقة لا بقيد كونها قدر درهم على ذكره، فإنه يفتدي كما لو لفها عليه لأجل بول أو مني أو مذي، بخلاف ما لو جعله في خرقة من غير لف عند النوم، فإنه لا فدية عليه إذا لم تكن كيسا، وإلا فالفدية، وقولي: لا بقيد كونها قدر درهم، قال عبد الباقي عقبه: فيما يظهر، ونحوه للشبراخيتي، والله سبحانه أعلم. أو قطنة بأذنيه؛ يعني أن المحرم إذا سد أذنيه بقطنة أي واحدة منهما وأولى لو سدهما معا، فإنه تلزمه الفدية سَدَّهما أو إحداهما بما فيه طيب أم لا، كان ذلك لعلة أم لا، وهذا بين لأن عليه كشف أذنيه، سواء قلنا إنهما من الرأس أم لا؛ لأنهما في عظم الرأس كالجبهة والصدغ، فإذا سدهما فقد ستر ما عليه كشفه فيشبه ما لو جعل في صدغه قرطاسا، أو عصب جبهته بعصابة. قاله الحطَّابُ. وَعُورِضَ إيجابهم الفدية في الأذن مطلقا بعدم إيجاب الفدية بلصق خرقة صغيرة دون الأذن، وأجيب بأنه لأجل كثرة انتفاعه بسد الأذن أشبه الكثير. قاله غير واحد. أو قرطاس بصدغية؛ يعني أن المحرم إذا جعل قرطاسا على صدغيه أو أحدهما، فإنه يفتدي ولو كان القرطاس الذي جعله على صدغيه أو أحدهما دون درهم جعله على ما ذكر لضرورة أم لا. أو ترك ذي نفقة ذهب؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يشد منطقته على جلده تحت إزاره لأجل حفظ

стр. 2817

نفقته التي فيها، ويضيف نفقة الغير إليها بعد ذلك كما عرفت، فإذا نفدت نفقة ذي المنطقة وبقيت نفقة الغير فإنه يرد إلى الغير نفقته، فإن ذهب ذو النفقة وعلم بذهابه صاحب المنطقة وتركه ولم يدفع إليه نفقته، فإن ذا المنطقة تلزمه الفدية، فإن لم يعلم بذهابه فلا شيء عليه، وهذا يعلم من كلام المصنف؛ لأنه لا يقال إنه ترك فذهب، إلا إذا كان عالما به. وعلم مما قررت أن قوله: "أو ترك"، مصدر معطوف على "عصب" من قوله: "كعصب جرح أو رأس"، فهو مجرور، أو ترك درها له، معطوف على "ذي"، من قوله: "ذي نفقة"، فهو معمول "لترك"، وهو مفهوم قوله: "ذهب"؛ يعني أنه إذا نفدت نفقة ذي المنطقة وبقيت نفقة الغير المضافة لها، وكان صاحب النفقة المضافة مصاحبا لذي المنطقة، وترك صاحب المنطقة رد النفقة المضافة لنفقته لصاحبها، فإن ذا المنطقة تلزمه الفدية لتركه رد النفقة المذكورة إلى صاحبها، قال اللخمي: وإن ذهبت نفقته حيث أضاف نفقة الغير إليها فإنه يرد نفقة الغير، وإلا افتدى. وقد مر أنه إذا لم يعلم بذهابه أنه يبقيها معه ولا فدية عليه، فقد قال ابن القاسم. فيمن أودع صيدا وهو حلال وقد غاب صاحبه: فلا يرسله ويضمن إن فعل ذلك، وكذلك النفقة قبلها بوجه جائز ثم غاب صاحبها فجاز أن يبقيها عنده ولا يخرجها إلى غيره. ابن عرفة: يرد بقدرته على جعلها حيث يحفظ تجره. ولامرأة خز وحلي؛ يعني أنه يجوز للمرأة المحرمة بحج أو عمرة أن تلبس الخز والحرير والحلي ذهبا أو فضة؛ يعني أن حكمها بعد الإحرام في اللباس كحكمها قبل الإحرام إلا في ستر الوجه والكفين، ويدخل في الحلي الخاتم فيجوز للمرأة لبسه، وقوله: وجاز للمرأة خز وحلي، نبه به على مخالفة قول حكاه اللخمي أن عليها الفدية، وليلا يتوهم أنها مطلوبة بأنها تخشوشن في اللباس إذا أحرمت، وظاهر كلام القاضي منعها التزين والحلي. ابن عبد السلام: لكنه شيء انفرد بنقله، ونقل سند اختلافا من أصحابنا في تحريم الزينة كالكحل والحلي للنساء. قاله الشبراخيتي. وكره شد نفقته بعصده أو فخذه؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يشد منطقته التي فيها نفقته على عضده أو فخذه أو ساقه، ولا فدية في ذلك كله ولم يوسع مالك أن يشدها إلا في الوسط، وذلك

стр. 2818

لأن المنطقة من اللباس الممنوع، وإنما جازت للحاجة والضرورة. فلا يعدل بها عن المحل المعروف لها عادة. وعلم مما قررت أن المراد بالنفقة دراهم مثلا أعدها لشراء نفقته، وكب رأس على وسادة؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يكب وجهه على الوسادة؛ لأن هذا مظنة الترفه، فالمراد بالرأس في كلام المصنف: الوجه، من تسمية الجزء الذي هو الوجه بالكل الذي هو الرأس، وليست الكراهة خاصة بالمحرم، لقول الجزولي: النوم على الوجه نوم الكفار وأهل النار والشيطان، ولا بأس بوضع خد المحرم على الوسادة، وعبر عنه ابن رشد بقوله: توسده جائز، وقوله: "وكب رأس"، يقال: كبه فأكب فالثلاثي متعد والرباعي لازم عكس المعهود، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾، وهذا من أكب رباعيا غير متعد، ومنه قول امرئ القيس: .................. كما … أكب على ساعديه النمر وقال جل من قائل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ وهذا معدى ثلاثي، فكب الثلاثي لا يكون إلا متعديا، وأكب الرباعي يكون لازما ويكون متعديا. والله أعلم. ومصبوغ؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يلبس المصبوغ، يريد المصبوغ بغير طيب إذا كان يشبه لون المصبوغ بالطيب كالمصبوغ بالعصفر، وإنما يكره لبس المصبوغ المذكور لـ محرم مقتدى به من إمام وعالم، وإنما كره للمقتدى به ليلا يلتبس على من لا يعرف فيقتدى به في المصبوغ الممنوع لبسه، ورواه محمد عن مالك وسيأتي في التنبيه الثالث وجه ترك المصنف للقيدين المذكورين، وأما المصبوغ بما فيه طيب كالورس والزعفران فلا خلاف أنه يحرم لبسه على الرجال والنساء في الإحرام، وتجب الفدية بلبسه، وقوله: "ومصبوغ"، محل كراهته إذا كان غير مطيب وغير مفدم بضم الميم وسكون الفاء وفتح الدال المهملة، فإن كان مفدما وهو القوي الصبغ الذي صبغ في العصفر مرة بعد أخرى حتى صار ثخينا قويا فيحرم على المشهور أي يحرم على الرجال والنساء، وفيد الفدية كالمطيب، وقيل: لا فدية في المعصفر الفدم فهو مكروه، واستظهره صاحب الطراز، وأما المصبوغ بما لا يشبه لونه المصبوغَ بما فيه طيب كالمصبوغ أسود ونحوه من ألوان لا تشبه المعصفر فيجوز الإحرام فيه لمقتدى به وغيره. خلافا لظاهر كلام التلمساني والغزالي من كراهة ما

стр. 2819

سوى الأبيض لمقتدى به، وأما غير المحرم فقال عبد الباقي: يجوز له لبس الزعفر والمعصفر، وخبر: (نهي عن أن يتزعفر الرجل (١)) حمله مالك على من يلطخ جسده بزعفران، ويؤيده ما روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ : (نهى أن يزعفر الرجل جلده (٢)). اللخمي: روي عنه ﷺ (أنه كان يصبغ ثيابه كلها والعمامة بالزعفران (٣)). انتهى. قوله: وأما غير المحرم الخ، قال محمد بن الحسن: هذا مقيد بغير المعصفر المفدم، وأما هو فإن الإمام مالكا صرح بكراهته للرجال في غير الإحرام كما في المدونة. انتهى. ومفهوم قوله: لمقتدى به، أن غير المقتدى به لا يكره له لبسه في حال الإحرام وهو كذلك، وقد مر أن المصبوغ بطيب يحرم لبسه، فإن غسل حتى ذهب منه ريح الطيب وبقي لونه فكرهه مالك في المدونة، قال: إلا أن يذهب لونه كله فلا بأس به، وإن لم يذهب لونه ولم يجد غيره صبغه بالشق بكسر الميم وسكون المعجمة، المغرة بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وقد تفتح: الطين الأحمر، وذكر بعضهم أن صبغها إنما يثبت إذا خلط بزيت، وقال أبو عمر في الاستذكار: إنه إذا غسل الزعفر، حتى ذهب منه ريح الزعفران فلا بأس به عند جميعهم، وروى ابن القاسم عن مالك كراهته ما بقي من لونه شيء، وفي النوادر: قال مالك: إذا غسل المفدم جاز، وقد مر أن المصبوغ بغير الطيب ولا يشبه لون المصبوغ بالطيب لا يكره الإحرام فيه، لكنه خلاف الأولى؛ لأن البياض أفضل لقوله ﵊: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم (٤)). [قاله (٥)] أبو داوود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. وابن حبان في صحيحه. وقال مالك في الموازية: لا ينام المحرم على شيء مصبوغ بورس أو زعفران من فراش أو وسادة إلا أن يغشيه بثوب كثيف، فإن فعل ولم يغشه افتدى إن كان صبغا كثيرات وإذا كان الثوب مصبوغا بزعفران ولم يغسل ولكنه لبس وتقادم وانقطعت رائحة الزعفران منه حتى لا يظهر بوجه كره

стр. 2820

للمحرم لبسه ولم يحرم. قاله في الطراز. قاله الحطاب. ومن العتبية وكتاب ابن المواز: قال مالك: ومن أحرم بثوب فيه لمعة من الزعفران فلا شيء عليه وليغسله إذا ذكر. قاله في التوضيح، وابن عبد السلام وغيرهما، وقبلوه كلهم، وقيده ابن رشد بما إذا غسل اللمعة. قاله الحطاب. وقال: ما ذكره ابن رشد وإن كان ظاهرا من جهة المعنى يرده قول مالك: وليغسله إذا ذكره، فإنه صريح في أنه أحرم فيه قبل غسله، وكأنه -والله أعلم- استخف ذلك ليسارته؛ لأن المراد باللمعة الشيء اليسير، أما لو كان كثيرا فالظاهر ما قاله ابن رشد: ويجوز الإحرام في الثوب غير الجديد ولما ينترع غسله لمجرد كونه غير جديد. فإن كان نجسا أو دنسا غسل من الدنس؛ لأن البياض مستحب، وغسله من الدنس عمل في تبييضه. وقال الشافعي: إن الجديد أفضل، وفي الطراز: فإن كان ثوبه نجسا غسله، فإن لم يغسله وأحرم فيه صح إحرامه وفاقا، ولا شيء عليه؛ لأن الإحرام يصح مع الحدث والجنابة والحيض، فلا تنافيه النجاسة حتى قال أصحابنا: لو كان في بدنه أو ثوبه طيب وأراد أن يحرم ولم يجد ما يزيل به الطيب فأزاله ببوله صح إحرامه وتخلص من فدية الطيب. انتهى. وقد كان مالك يحرم في ثوب حِجَجًا، وذلك يدل أنه كان يرفعه يُعِده للإحرام؛ إذ لو امتهنه لا أقام حججا لا يغسله وقال مالك في الموازية: من ابتاع ثوبين من أسود فخاف أن يكونا مسروقين فلا يُحرم فيهما إن شك، قيل: إن باعهما وتصدق بثمنهما؟ قال: قد أصاب، والذي قاله من باب الورع والفضيلة لا من باب الوجوب. قاله الحطاب. ولا شك أنه ينبغي أن يحتاط في هذا الباب ويتركهما إذا حصلت ريبة وإن ضعفت، بخلاف باب الطهارة فلا يعمل فيه بالاحتمالات البعيدة. والله أعلم. وللرجل أن يحرم في ثوب فيه حرير ما لم يكثر، وسئل مالك عن الرجل يكون في تابوته المسك فتكون فيه ملحفة فيخرجها ليحرم فيها وقد [علق (١)] فيها ريح المسك؟ قال: يغسلها وينشرها حتى تذهب ريحه.

стр. 2821

واعلم أنه اختلف في منع التطيب عند الإحرام وإباحته، فمن منع منعه في البدن والثوب، ومن أباحه أباحه في البدن والثوب، وفي الحطاب بعد جلب نقول: والذي يتحصل من هذا أن الثوب إذا كانت فيه رائحة الطيب فلا يحرم فيه، فإن كانت رائحة طيب مؤنث كان الإحرام فيه حراما، وإن كانت رائحة طيب مذكر كان الإحرام فيه مكروها، فإن أحرم فيه فإن كان الطيب مذكرا فلا شيء عليه، وإن كان مؤنثا فحكمه حكم من تطيب عند الإحرام بما تبقى رائحته بعد الإحرام، فالمشهور لا فدية عليه، وقال أشهب: عليه الفدية إن كان كثيرا، واختلف هل هو خلاف أو تفسير؟ انتهى. تنبيهات: الأول: قال الإمام الحطاب عند قوله "ومصبوغ لمقتدى به" ما نصه: إذا كان لون صبغه يشبه لون المصبوغ بالطيب. انتهى. قال احترزنا به عما يكون صباغه لا يشبه لون المصبوغ بالطيب، فإنه لا يكره الإحرام فيه، ولكنه خلاف الأولى؛ لأن البياض أفضل، لقوله عليه الصلاة السلام: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم (١)). قاله (٢) أبو داوود والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح وابن حبان في صحيحه، وذكر صاحب الطراز هذا الحديث بلفظ: خير ثيابكم البياض ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم، قال اللخمي: يستحب للمحرم لباس البياض؛ وهو في المصبوغ على ثلاثة أوجه: جائز إذا كان أزرق أو أخضر أو ما أشبه ذلك، وممنوع إذا كان بالورس والزعفران وما أشبه ذلك مما هو طيب فإن فعل افتدى، ويجوز إذا كان معصفرا غير مفدم، وكره المفْدم لأنه ينتفض. وقال أشهب: لا فدية فيه، ولم يره من الطيب المؤنث. انتهى. وكأن القسم الثالث من المصبوغ في كلامه هو المعصفر المفدم فجعله مكروها ولم ير فيه فدية. الثاني: قول المصنف: ومصبوغ لمن يقتدى به، الأصل فيه حديث الموطإ: (أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس،

стр. 2822

فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب الصبغة في الإحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة (١)). قاله الحطاب. ناقلا له عن صاحب الطراز، والمصبوغ بالمدر هو المشق: ونقل الحطاب أيضا عن صاحب الطراز أن المعصفر النافض منعه مالك وأبو حنيفة، وجوزد الشافعي وابن حنبل ولم يرياه من الطيب، واختلف أصحابنا في منعه هل هو منع تحريم أو كراهة -أعني المفدم المشبع- إذا كان ينتفض على الجسد؟ قال في المعونة: من أصحابنا من يوجب فيه الفدية، فعلى هذا يكون من محظورات الإحرام، وقال أشهب: ألا فدية على من لبسه من رجل أو امرأة، وقد أساء وهو الظاهر؛ لأنه لا يعد طيبا كسائر ألوان الحمرة والصفرة اعتبارا بما لا ينتفض، وأبو حنيفة يجعله طيبا، ولا يوجب فيه فدية إذا لم ينتفض. انتهى. وقال ابن عبد السلام: لما ذكر كراهة المصبوغ لمن يقتدى به، ولهذا قال غير واحد من أهل المذهب وغيرهم: إن العالم المقتدى به يترك من المباح ما يشبه الممنوع مما لا يفرق بينهما إلا العلماء ليلا بقتدي به في ذلك من لا يعرفه، وإن لم يلزم غيره المكف عنه. انتهى. قلت: والظاهر أن أمر العالم بذلك أمر ندب لا إيجاب كما يفهم من هذه المسألة. والله أعلم. قاله الحطاب. وفيه أن المصبوغ بالطيب أو بما في معنى الطيب يرجع في العادة إلى ثلاثة أصباغ: الزعفران والورس والعصفر: وفيه أيضا عن المدونة أنه لا بأس أن يحرم الرجل في البَرَّ كان والطيالسة الكحلية وفي جميع ألوان الثياب، إلا المعصفر المفدم الذي ينتفض وما صبغ بالورس والزعفران، ولا بأس بالورد والمشق. انتهى. والبركان بفتح الوحدة وتشديد الراء مثل الأكسية، وأهل اللغة يقولون: ثوب بركاني، وقال ابن عرفة: إن المصبوغ بالورد كالمصبوغ بالورس وهو غير ظاهر؛ لأن الورس من الطيب المؤنث والورد من الطيب المذكر: والظاهر أن يفصل فيه كما فصل في المصبوغ بالعصفر بين المفدم وغيره والله أعلم. قاله الحطاب. الثالث: قال الحطاب بعد جلب كثير من النقول: فتحصل من هذا أن البياض أفضل من كل شيء سواه وأن المصبوغ بغير طيب ولا يشبه لون صبغه لون مصبوغ بالطيب جائز لمن يقتدى به

стр. 2823

ولمن لا يقتدى به من غير كراهة لكنه خلاف الأولى، إلا على ظاهر كلام التلمساني والقرافي أن المصبوغ ولو أزرق أو أخضر يكره للمقتدى به ويجوز للعامة، وأن المصبوغ بغير طيب ولكنه يشبه لونه لون المصبوغ بالطيب والمصبوغ بالطيب إذا غسل حتى ذهب منه ريح الطيب وبقي لونه يكره لمن يقتدى به ويجوز لغير من يقتدى به، وأن المصبوغ بالطيب حرام. واستغنى المصنف عن التقييد بغير الطيب لما سيذكره من أن استعمال الطيب في الإحرام حرام، واستعمال الثوب الطيب كاستعمال الطيب، واستغنى عن التقييد بكون صباغه ينتبه لون المصبوغ بالطيب فإن ذلك يفهم من التفريق بين من يقتدى به ومن لا يقتدى به. انتهى. وفي الحطاب: قال في الطراز: قال أشهب في المجموعة: وإن شك أن على ثوبيه نجاسة فهذا من باب الوسواس: قال: وأحب إلي غسلهما كانا جديدين أو غسيلين. انتهى. قال الحطاب عقب نقله هذا: فانظر كيف جعل ذلك من الوسوسة ثم أمره بغسلهما؟ ولعله يريد إذا كان لشكه وجه، وأما إن لم يكن له وجه فالأولى ترك الغسل. والله أعلم. انتهى. الرابع قال في التوضيح: وأما المعصفرُ غير المفدم والمزعفرُ فيخفف لبسهما في غير الإحرام، نص على المورد في المدونة وعلى المزعفر في غيرها، قال مالك: لا بأس بالمزعفر لغير المحرم وكنت ألبسه، وقال في الحديث في النهي عن أن يتزعفر الرجل: هو أن يلطخ جسده بزعفران. اللخمي: (وروي عنه ﷺ أنه كان يصبغ ثيابه كلها والعمامة بالزعفران (١))، وفي قوله ﷺ : (لا يلبس المحرم شيئا مسه ورس أو زعفران (٢))، دليل على الجواز لغير المحرم. انتهى. كلام التوضيح. وأصله للخمي، وفي التوضيح أيضا: وأما كراهة المعصفر فلما في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: (رآني رسول الله ﷺ وعليَّ ثوبان معصفران، فقال: إن هذين من ثياب الكفار وتلبسهما (٣)). نقله الحطاب. قال: والحديث في النهي عن المعصفر عام في المفدم وغيره، وهو ظاهر كلام صاحب الطراز، وعلل ذلك بأن فيه

стр. 2824

تشبها بالنساء: وقد (لعن النبي ﷺ من تشبه بالنساء من الرجال (١))، وقال المازري في المعلم: إنما جاز لبس الملاحف المعصفرة للرجال في البيوت وفي أفنية الدور، وكره لباسها في المحافل وعند الخروج إلى السوق، فكأنه رأى أن التصرف بها بين الملإ من لباس الاشتهار، فلهذا نهى عنه، وفي الديار ليس فيها اشتهار فأجازه. انتهى. ونحوه لابن عبد السلام ونقل البرزلي في كتاب الجامع عن ابن العربي أنه قال: وأما الأحمر ومنه المعصفر والمزعفر فأجازه مالك والشافعي وأبو حنيفة، وكره بعض العراقيين المزعفر للرجال. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها كراهة المعصفر المفدم ولو للْمَرْأَةِ في الإِحْرَامِ وللرجل في غيره. عياض وغيره: كان محمد بن بشير القاضي يلبس المعصفر ويتحلى بالزينة من كحل وخضاب وسواك، سأل رجل غريب عنه فَدُلَّ عليه، فلما رآه قال: تسخرون بي؟ فزجروه فقال له ابن بشير: تقدم واذكر حاجتك، فوجد عنده أكثر مما ظنه، عاتبه زونان في لباس الخز والمعصفر. فقال حدثني مالك أن هشام بن عروة فقيه المدينة كان يلبس المعصفر، وأن القاسم بن محمد كان يلبس الخز، ثم ترك لبس الخز، قال يحيى بن يحيى: لا يلزم من يعقل ما يعاب عليه. انتهى. وزونان اسمه عبد الملك بن الحسين بن محمد بن زريق بن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، يكنى (٢) أبا مروان، وزونان، وهو من الطبقة الأولى ممن لم ير مالكا من أهل الأندلس من قرطبة، سمع من ابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم، وكان الأغلبُ عليه الفقه، وكان فقيها فاضلا ورعا زاهدا، وُلي قضاء طليطلة؛ وكان يحيى بن يحيى يعجب من كلامه؛ وتوفي سنة ثنتين وثلاثين ومائتين. قاله ابن فرحون في الديباج المذهب. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب. وفي المدونة كما مر: ولا بأس أن يحرم الرجل في البركان والطيالسة الكحلية، [وفي جميع ألوان] (٣) الثياب إلا المعصفر المفدم الذي ينتفض وما صبغ بالورس والزعفران، فإن مالكا كرهه ولم يكره شيئا من الصبغ غيره، ولا بأس بالمورد والممشق ولا بأس بالإحرام في الثياب الهروية إن كان صبغها بغير الزعفران، فإن كان بالزعفران فلا يصلح. انتهى. سند: البركان كساء أسود مربع من

стр. 2825

ناعم الصوف يجوز لبسه والإحرام فيه إجماعا. انتهى. والطيالسة جمع طيلسان مثلث اللام من لباس العجم مدور أسود، ومنه قولهم في الشتم: يابن الطيلسان، يريد إنك أعجمي، والثياب الهروية ثياب من رقيق القطن يصفر سداها بالزعفران، لقوله ﵊: (لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران (١))، فإن وقع نظر إلى الثوب فإن كان ريح الزعفران فيه تعلقت بلبسه الفدية، وإن لم يظهر ريحه بوجه كان مكروها. قاله الحطاب. وشم كريحان: يعني أنه يكره للمحرم في حال إحرامه أن يشم الطيب المذكر وهو ما يظهر ريحه ويخفي أثره؛ أي تعلقه بما مسه من بدن أو ثوب تعلقا غير شديد قاله عبد الباقي. كالريحان والورد والياسمين والخيرى وشبه ذلك، فإن تعمد شيئا من ذلك فلا فدية عليه، وكذا يكره شم مؤنث الطيب على مذهب المدونة، ومؤنث الطيب هو ما ظهر لونه وأثره أي تعلقه بما مسه تعلقا شديدا كالمسك. قاله عبد الباقي. وقال بعد ذلك: ما قدمته في تعريف الطيب المذكر والمؤنث مخالف لما في كفاية الطالب، ونصه عند قول الرسالة: وتجتنب أي المعتدة الطيب كله مذكره؛ وهو ما ظهر لونه وخفيت رائحته كالورد، ومؤنثه وهو ما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك. انتهى. وهو أقرب مما للتتاءي؛ يعني التعريف الأول، وقوله: في المذكر ما ظهر لونه؛ أي المقصود الأعظم منه ذلك الخ، فلا ينافي أن الورد له رائحة ذكية لكنها خفية، ولعل معنى كونها خفية أنها لا تنتشر لبعد كانتشار المسك، وقوله: في المؤنث ما خفي لونه؛ أي الغالب إخفاء لونه، فلا ينافي أنه قد يظهره إنسان، وقوله. وظهرت رائحته؛ أي أنها المقصود الأعظم منه ظهورا منتشرا، لا لونه كالورد فإنه يتمتع برؤية لونه بخلاف المسك. انتهى. وقال الأمير: الأقرب أن مؤنث الطيب ما قصد ريحه كالمسك. انتهى. وقال محمد بن الحسن: ما قدمه -يعني عبد الباقي عن التتائي- هو الذي في التوضيح عن ابن رشد وغيره، وما ذكره عن كفاية الطالب هو الذي فسره به أبو الحسن في شرح المدونة، والأول أقرب إلى اللغة، قال في القاموس: ذكورة الطيب ما ليس له ردع؛ أي ما ليس له أثرت وقال أيضا في القاموس: الردع أثر

стр. 2826

الطيب في الجسد، فيؤخذ منه أن المؤنث ماله ردع أي أثر، إلا أن جعلهم الحناء من المذكر مع أن لها ردعا في الجسد يخالف اللغة، هذا وفي الحديث عنه ﷺ : (إن خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه (١)). أخرجه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه ومثله في الشهاب. وقد فسر ابن حجر طيب الرجال بالمسك وما في معناه؛ قال ابن وحشي في شرح الشهاب: طيب الرجال كالمسك يشترك في المنفعة به الرجال والنساء، إلا أنه يحرم على النساء عند الخروج كما في الحديث، وطيب النساء كحو الذي تتزين به المرأة للزوج والسيد، مثل الكحل للعين وحمرة المعصفر للوجه والسواد للحاجبين، وهو أمر ينفرد به النساء. انتهى. بمعناه وفيه إضافة المؤنث للرجال والذكر للنساء، والمتجه أن ما للفقهاء اصطلاح خاص بباب الحج. والله أعلم. انتهى. تنبيهات: الأول: اعلم أن الطيب المذكر يكره شمه ومسه واستعماله، ويقيد ذلك أي كراهة استعماله بغير الحناء، ففي التوضيح: المذكر قسمان؛ قسم مكرره ولا فدية فيه كالريحان، وقسم محرم وفيه الفدية وهو الحناء. انتهى. وماء الورد وسائر ما يعتصر من الرياحين ليس من قبيل المؤنث. بل يكره فقط كأصله، نص على ذلك في الطراز، قال الحطاب: وهو الجاري على القواعد، وقال ابن فرحون: وأما ماء الورد ففيه الفدية. انتهى. أي لأن أثره يبقى في البدن، وكذا ما يعتصر من الرياحين؛ واعترض الرماصي الحطاب بكلام ابن فرحون هذا: قال بناني: وهو غير ظاهر لمخالفته قول المدونة: يكره أن يتوضأ بالريحان، وقد حمله سند على غسل اليد بالماء العصور من الريحان، وكذا قولها: ويكره له أن يأتدم بالزنبق والبَنَفْسَجِ أو شبهه أو يستعط بذلك. انتهى. فكلاهما صريح في كراهته فقط فلا فدية فيه، وبذلك تعلم أن اعتراض مصطفى على الحطاب غير صواب. والله أعلم. انتهى وأما المؤنث فقد مر أن شمه مكروه على مذهب المدونة، وبه قال ابن القصار، وقال الباجي: المذهب منع شم المؤنث ونص ابن عرفة في كون شمه أي المؤنث دون مس ممنوعا أو مكروها نقلا الباجي عن المذهب وابن القصار، قلت: هو نصها. انتهى. ويحرم مس المؤنث واستعماله.

стр. 2827

الثاني: لا يكره شم ولا مس الشيح والعصفر والإذخر ونحوها، وفي المدونة: ويكره له أن يتوضأ بالريحان أو يغسل يديه بالأشنان الطيب بالرياحين، فإن فعل فلا فدية عليه، وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى. انتهى. ومعنى قوله: يتوضأ، يغسل يديه كما مر، وفي الحطاب: وأما الخشائش والزنجبيل والشيح والقيصوم وشبهه مما يقصد شمه ولا يتطيب به ولا منه، فلا فدية فيه. انتهى. الثالث: قال المصنف في منسكه: وليحذر من تقبيل الحجر والناس يصبون عليه ماء الورد وفيه المسك، وفيه تقوية لما مر عن الطراز والحطاب؛ إذ قيده بكونه فيه المسك. فتأمله والله تعالى أعلم. ومكث بمكان فيه طيب؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يمكث بمكان فيه طيب مؤنث غير البيت الشريف، وكذا يكره للمحرم أن يمكث مع رجل متطيب، واستصحابه؛ أي المؤنث يعني أنه يكره للمحرم أن يستصحب الطيب المؤنث. والحاصل أن المسألة على عشرة أوجه: شم الطيب المذكر ومسه واستعماله، وهذه الأوجه الثلاثة مكروهة مكث بمكان فيه طيب مذكر بحيث لا يشمه واستصحابه لا يكرهان، شم الطيب المؤنث مكروه على مذهب المدونة ممنوع على نقل الباجي عن المذهب، مسه واستعماله محرمان، مكث بمكان هو فيه واستصحابه مكروهان. ويستثنى من قوله: "بمكان فيه طيب"، البيت الشريف. هذا هو تحرير المسألة. وفي شرح عبد الباقي: أن مس الطيب المذكر بغير شم غير مكروه، ورد عليه محمد بن الحسن، وقال: فيه نظر، بل ظاهر كلامهم أنه مكروه كشمه، وقد صرح في المدونة بكراهة استعماله كما في الحطاب، على أن ذلك ليس على إطلاقه بل يقيد بغير الحناء. انتهى. المراد منه. والله سبحانه أعلم. وحجامة بلا عذر؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يحتجم بلا عذر مطلقا، سواء زال بسببها شعر أو لم يَزُلْ، وسواء خَشِيَ قتل الدواب أو لم يخش، هذا هو المشهور، وقال سحنون: هي جائزة إذا لم يزل بسببها شعر إلا في الرأس خيفة قتل دوابه. قاله في التوضيح. وَوَجَّهَ سند المشهور بأن الحجامة إنما تكون في العادة بشد الزجاج ونحوه، والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده، وهو ظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب.

стр. 2828

وأما مع العذر فتجوز مطلقا، هذا حكمها ابتداء، وأما بعد الوقوع فقال الحطاب: فإن لم يُزِل بسببها شعراً ولم يقتل قملا فلا شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرا فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولا بسقوطها، قال في التوضيح، وهو غريب، وإن قتل قملا فإن كان كثيرا فالفدية وإلا أطعم حفنة من طعام. والله سبحانه أعلم انتهى كلام الحطاب. وقال محمد بن الحسن بعد أن تكلم على حكم الحجامة ابتداء ما نصه: وأما الفدية فتجب إن أزال شعرا أو قتل قملا كثيرا، وأما القليل ففيه الإطعام. انظر الحطاب. وسواء احتجم في ذلك لعذر أم لا، إلا أن لزوم الفدية إذا احتجم لغير عذر وأزال شعرا يقتضي المنع. انتهى. فالكراهة في هذا الأخير مشكلة. والله سبحانه أعلم. وفي كلام عبد الباقي هنا نظر. والله سبحانه أعلم. وغمس رأس؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يغمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئا من طعام، وبقي هذا على المصنف وهو في المدونة، وقال صاحب الطراز: إن هذا الإطعام مستحب، ولعل المصنف حمل الإطعام في المدونة على الاستحباب تبعا للطراز، فلم يذكره لأجل هذا، وحينئذ فلا يتم استدلال الرماصي بالإطعام، على أن الكراهة للتحريم إذ لا إطعام في كراهة تنزيه، وقال: الظاهر أن الإطعام واجب، وما ذكره المصنف من كراهة غمس الرأس هو ما عليه ابن القاسم، وأجازه ابن وهب، وعليه أكثر العلماء. أشهب: وما يخاف في الغمس يخاف في صب الماء، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان إرادة مخالفة ابن القاسم، ومقتضى هذا أن ابن القاسم لا يقول بكراهة صب الماء على الرأس. وهو كذلك، وحكي عن مالك كراهة الغسل إلا من ضرورة، وقوله: "وغمس"، معطوف على المكروه كما قررت، "وغمس"، مصدر غمس، يقال: غمس رأسه في الماء ومقله بمعنى، وفي الحديث: (إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحية سما وفي الآخر شفاءً، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء (١)): وقوله: غمس رأسه، فهم من التعليل المتقدم أن محل الكراهة فيمن له شعر، وأما من لا شعر له فلا يكره ذلك له. وقد مر أن صب الماء على الرأس جائز. نقله ابن يونس، وصاحب الطراز. وذكر ابن فرحون أنه يكره صب الماء على رأسه، وقال في التوضيح: قال ابن

стр. 2829

الجلاب: يجوز له أن يغسل رأسه تبردا، وحكي عن مالك: كراهة الغسل إلا من ضرورة. انتهى. والأول أظهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وقيد اللخمي الكراهة في غمس الرأس بما إذا كانت له وفرة، وإلا فلا كراهة. انتهى. وتجفيفه بشدة؛ يعني أنه يكره للمحرم إذا غسل رأسه أن يجففه بشدة بثوب أو بغيره خشية أن يقتل شيئا من دواب رأسه، وأما إن جففه برفق فلا كراهة، وعبارة عبد الباقي: وتجفيفه لرأسه بخرقة بعد غسله في الماء، قال مالك: ولكن يحركه بيده. انتهى. وقوله: "وتجفيفه"، كذا في نسخ، وفي نسخة بتأنيث الهاء وهي للحطاب، فإنه قال: والضمير المؤنث راجع للرأس وهو مهموز، وقد تبدل همزته ألفا، وقد جرى المصنف رحمه الله تعالى في هذا المختصر على تأنيث الرأس هنا، وفي قوله: "وإن صلعاء"، وفي قوله في البيوع: "وخير في دفع رأس أو قيمتها"، والذي ذكره الزجاجي في جمله وغيره: أن الرأس من الأعضاء التي تذكر ولا يجوز تأنيثها. وقال الفاكهاني: والرأس مذكر ليس إلا، وإنما ذكرت هذا وإن كان معلوما؛ لأني رأيت كثيرا من الفقهاء فضلا عن غيرهم أنثه ولا يعرفون فيه غير التأنيث، وهو من الخطإ القبيح، وقال في شرح العمدة: والرأس مذكر بلا خلاف أعلمه، ونقله القسطلاني، قال: ووهم من أنثه وهو مهموز وقد يخفف بتركه. انتهى. ولعل المصنف أنث باعتبار الجمجمة. انتهى. وسيأتي البحث مع الحطاب في قوله: إن المصنف أنث الرأس، في قوله: "وإن صلعا"، وقال عبد الباقي: وفي نسخة، أو تجفيفها، بالتأنيث باعتبار الهامة، وهو ضعيف للقاعدة المقررة، وهي أن كل ما كان مفردا في الإنسان فيذكر والرأس مذكر إجماعا، وما كان فيه أي أو في الحيوان من حيث هو مزدوج فيؤنث والكلية الثانية أغلبية إذ قد خرج منها الفودان والظفر لقول المصنف: وفي الظفر الواحد، وهو الموافق لقول المصباح: الظفر مذكر. انتهى. وَنظَرٌ بمِرْآةٍ؛ يعني أنه يكره للمحرم بحج أو عمرة أن ينظر في المرآة مخافة أن يرى شعثا فيزيله، قال في العتبية: لا أحب نظر المحرم في مرآة، فإن فعل فلا شيء عليه وليستغفر. ولبس امراة قباء مطلقا؛ يعني أنه يكره للمرأة لبس القباء مطلقا حرة أو أمة، محرمة أو غير محرمة؛ لأنه

стр. 2830

يصفهن، وقوله: "ولبس امرأة" الخ؛ يعني إلا مع زوجها. ابن الحاج: وكراهة القباء للحرائر أشد: وقوله: "ولبس امرأة" الخ. سند. هذا إذا لم يكن فوقه شيء، فإن كان فوقه قميص أو إزار فلا كراهة فيه كالسراويل، ويجوز للمرأة لبسه في بيتها وبين يدي زوجها ومن يجوز لها أن تكشف بدنها عليه إن كانت في أرض ذلك زي نسائها، وإلا فيكره للمرأة أن تشبه بالرجال، ولا يعرف ذلك من زي النساء أصلاً، وإنما هو من زي الرجال، ويجوز للمحرمة وغير المحرمة لبس السراويل إذا لبسته وفوقه قميص [سابل] (١)، وإلا فهو أشد فتنة من القباء في حقهن، وفي معنى القباء احتزامهن إلا أنه أخف في حق الإماء ومن لا تمد لها العين، والقباء أشد منه في حق الجميع لما فيه من جمع البدن حتى كأنه جلد المرأة حتى يتخيل فيه كأنها عريانة، بخلاف احتزامها من فوق ثيابها. انتهى. وعليهما دهن اللحية، عطف على المرأة وعلى الرجل من قوله: "حرم بالإحرام على المرأة" الخ؛ يعني أنه يحرم على المحرم رجلا أو امرأة أن يدهن شعر لحيته، فإذا نبتت للمرأة لحية فإنه يحرم عليها أن تدهنها. وعلم مما قررت أن الضمير في "عليهما"، عائد على الرجل والمرأة. والرأس؛ يعني أنه يحرم على المحرم ذكرا أو أنثى أن يدهن شعر رأسه، وفي الخرشي: والمعنى أنه يحرم على الرجل وعلى المرأة في حال إحرامهما أن يدهنا شعرهما رأسا أو لحية أو غيرهما، بالدهن مطلقا مطيبا أو غير مطيب: وقد علمت أن شعر اللحية خاص بالرجال بحسب العادة، فإن وجدت لها لحية فيحرم عليها أن تدهنها وهي محرمة. وقال عبد الباقي عند قوله: "دهن اللحية والرأس": أي تسريحهما بالدهن لما فيه من الزينة. ابن الحاجب: ويحرم ترجيل الرأس واللحية بالدهن بعد الإحرام لا قبله. انتهى. والترجيل هو التسريح. وإن صلعا؛ يعني أنه يحرم على المحرم أن يدهن رأسه وإن كان الرأس صلعا بفتح الصاد المهملة واللام أي ذا صلع، وهو انحسار شعر مقدم الرأس، أو بضم الصاد وسكون اللام جمعا لأصلع، ويراد حينئذ جنس الرأس حتى لا يلزم الإخبار بالجمع عن الفرد، ولا يضبط بفتح الصاد وسكون اللام والمد تأنيث الأصلع ليلا يلزم

стр. 2831

وصف الرأس وهو مذكر بصفة المؤنث. انظر شرح عبد الباقي. وفيه رد على ما مر عن الحطاب في قوله: إن المصنف جرى على تأنيث الرأس في قوله: "وإن صلعا". والله سبحانه أعلم. وعلم من قوله: "وإن صلعا"، أن المراد بالرأس ما يشمل الشعر إن كان عليه شعر، وما يشمل موضع الشعر إن لم يكن شعر، وأما دهن البشرة تحت الشعر فيدخل في قوله الآتي: "ودهن الجسد"، وقد مر أنه يحرم دهن اللحية والرأس كان مع الدهن طيب أم لا، لمنافاته للشعث المطلوب. فائدة: أول من لبس القباء سليمان صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وأول من لبس العمامة ذو القرنين، وذلك أنه طلع له في رأسه قرنان كالظلفين يتحركان فلبسها من أجل ذلك، ثم إنه دخل الحمام ومعه كاتبه فوضع العمامة، وقال لكاتبه: هذا أمر لم يطلع عليه غيرك فإن سمعت به من أحد قتلتك، فخرج الكاتب من الحمام فأخذه هيئة الموت، فأتى الصحراء فوضع فمه بالأرض ثم نادى: ألا إن للملك قرنين، فأنبت الله من كلمته قصبتين، فمر بهما راع فقطعهما واتخذهما مزمارا، فكان إذا زمر خرج من القصبتين: ألا إن للملك قرنين فاشتهر ذلك في المدينة، فقال ذو القرنين: هذا أمر أراد الله تعالى أن يبديه. قاله الخرشي في كبيره. وإبانة ظفر؛ يعني أنه يحرم عليهما أي الرجل والمرأة بالإحرام إبانة ظفر لغير عذر، وهذا مفهوم قوله فيما مر: "وتقليم ظفر انكسر". أو شعر؛ يعني أنه يحرم على المحرم بحج أو عمرة رجلا أو امرأة أن يزيل شعرا ولو قل، بنتف أو حلق أو نؤرة أو قرض بأسنان. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: فإن أبان شيئا من ذلك وجبت عليه الفدية، قال ابن فرحون: والإبانة بحلق أو نؤرة أو نتف أو قص لسواء. انتهى. أو وسخ؛ يعني أنه يحرم على المحرم رجلا أو امرأة أن يزيل وسخه إلا ما تحت الظفر من الوسخ ولا فدية. رواه ابن نافع عن مالك قاله عبد الباقي وغيره. والبعض في هذه كالكل في التحريم، وهذا فيما إذا أزال المحرم ذلك من نفسه، ففي ابن عرفة: وإزالة ظفر غيره لغو، وقوله: "أو وسخ"، وفي إزالة الوسخ الفدية اتفاقا، ولا بأس للمحرم أن ينقي ما تحت الإبط من الوسخ، ولا فدية. إلا غسل يديه بمزيله؛ مستثنى من قوله: "وسخ"؛ يعني أنه لا يحرم على المحرم رجلا كان أو امرأة أن يغسل يديه بما يزيل عنهما الوسخ،

стр. 2832

كحرض بضمتين آخره ضاد معجمة، وهو الغاسول والصابون والأشنان، بضم الهمزة والكسر، والضمير في "يديه" عائد على المحرم ذكرا أو أنثى، وفي "بمزيله" عائد على الوسخ؛ أي مزيل الوسخ من غير طيب، وأخرج "بيديه"؛ رأسه: ففي غسله بما ذكر الفدية، وأفهم الغسل أن الإزالة بغير الغسل أحرى: وأفهم قوله: "بمزيله"، أن غسلهما من غير مزيل أحرى أيضا، إلا تساقط شعر لوضوء؛ يعني أن إزالة الشعر تحرم على المحرم رجلا كان أو امرأة، وفيها الفدية على ما يأتي، إلا أن يكون زوال الشعر حصل بسبب تساقط شعر لأجل تخليله في وضوء ونحو ذلك فلا فدية فيه. وبما قررت علم أن "تساقط"، عطف على "غسل"؛ فهو داخل في حيز الاستثناء، وقال عبد الباقي: وإلا تساقط شعر ولو كثر من رأسه، كحمل متاعه عليه أو من لحيته أو أنفه لوضوء أو غسل واجبين أو مندوبين أو مسنون الغسل: ولا شيء عليه فيما قتل في واجب وكذا في مندوب ومسنون فيما يظهر ولو كثر، وكذا يجوز الطهر لتبرد، ولو تساقط فيه شعر فإن قتل فيه كثيرا افتدى، فإن قل كالواحدة ونحوها فعليه قبصات بصاد مهملة، وهي الأخذ بأطراف الأنامل، وعلى هذا فيقيد قوله الآتي: "أو قملة أو قملات" بغير ما قتل في غسل تبرد. انتهى. كلام عبد الباقي. سند عن الموازية: وسألنا مالكا عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه أو يخلل لحيته في الوضوء أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه منه أو يمسح رأسه أو يركب دابته فيحلق ساقَه الإكافُ والسرجُ؟ قال مالك: لا شيء عليه في ذلك كله وهذا خفيف ولا بد للناس منه، وقال في النوادر عن كتاب ابن المواز: ولو سقط من شعر رأسه [شيء] (١)، لحمل متاعه فلا شيء عليه، وكذلك إن مر بيده على لحيته فتسقط منها الشعرة والشعرتان. انتهى. قاله الحطاب. ولركوب؛ يعني أن تساقط الشعر لأجل ركوب؛ كساق يحكه الحارك أو الإكاف والسرج لا شيء فيه، ودهن الجسم؛ يعني أنه يحرم على الرجل والمرأة بالإحرام دهن الجسد لغير عذر، سواء كان ما ادهن به مطيبا أم لا، وعليهما الفدية في ذلك، خلافا لابن حبيب في غير المطيب، فإنه

стр. 2833

قال: لا فدية عليهما فيه، والمراد بالجسد ما عدا باطن الكفين والقدمين. قاله الخرشي. ككف؛ يعني أنه يحرم على المحرم ذكرا أو أنثى أن يدهن باطن كفه واحدا أو متعددا بمطيب لغير ضرورة، فإن فعل فعليه الفدية، وقيدت المصنف بباطن الكف تبعا للتوضيح، فإنه قال في قول ابن الحاجب: فإن دهن يديه أو رجليه لعلة بغير طيب فلا فدية عليه وإلا فالفدية. انتهى. ما نصه: المراد باليدين باطن الكفين، وأما ظاهرهما فليفتد. نقله ابن حبيب. عن مالك. انتهى. نقله بناني. فمحل التفصيل على هذا بين المطيب وغيره إنما هو في باطن الكف، وأما ظاهره فعليه الفدية ادهن بمطيب أو بغير مطيب، لعلة أم لا. والله سبحانه أعلم. ورجل؛ يعني أنه يحرم على المحرم ذكرا أو أنثى أن يدهن رجله -مطلقا ظاهرها وباطنها- بدهن مطيب لغير ضرورة، فإن فعل فليفتد، وقيدت كلام المصنف في المسألتين بغير الضرورة؛ إذ هو محل المنع، وأما مع الضرورة فلا إثم، وفيه الفدية؛ لأن هذا فيما إذا ادهن بمطيب. وعلم مما قررت أن قوله: بمطيب، قيد في المسألتين، ومفهومه أنه لو دهن باطن كفيه ورجليه مطلقا بغير مطيب فلا فدية عليه إن ادهن لعلة ولغيرها، فالفدية. والله سبحانه أعلم. واعلم أن المدونة كابن الحاجب أطلقت في اليدين ولم تقيد بباطنهما، قال مصطفى: ظاهر كلام ابن عرفة وغيره إبقاء المدونة على ظاهرها، وأن ما نقله ابن حبيب مخالف لها، ولذا أطلق ابن الحاجب وغيره. انتهى. أو لغير علة؛ يعني أنه يحرم على المحرم رجلا أو امرأة أن يدهن رجليه أو باطن كفيه بدهن غير مطيب إذا لم تكن ضرورة تدعو لذلك، فإن فعل فعليه الفدية، وأما ظاهر الكفين فيدخل في سائر الجسد على ما مر عن التوضيح، وقد علمت أنه لو دهن باطن كفه ورجله مطلقا لغير علة فعليه الفدية، دهنهما بمطيب أو بغير مطيب، ولها قولان؛ يعني أن المحرم رجلا أو امرأة إذا دهن جسده أو بعضه -أعني غير الرجل وباطن الكف بدهن غير مطيب لأجل علة- فإن في وجوب الفدية عليه وعدم وجوبها عليه قولين لا في الحرمة وعدمها؛ إذ الفرض أنه فعله لعلة، فلا إثم عليه. اختصرت عليهما؛ يعني أن هذين القولين اختصرت المدونة عليهما، اختصرها ابن أبي زمنين على الوجوب، واختصرها البرادعي على عدم الوجوب، وتحقيق هذه المسألة: أن دهن

стр. 2834

الجسد كلا أو بعضا -أعني بالبعض ما عدا الرجلين وباطن الكفين إذا كان بمطيب- ففيه الفدية كانت هناك ضرورة أم لا، وإن كان بغير مطيب لغير علة فكذلك، وإن كان لعلة ففيه القولان اللذان اختصرت المدونة عليهما، وأما دهن باطن الكفين ودهن القدمين، فإن كان بمطيب فالفدية كانت هناك ضرورة أم لا، وإن كان بغير مطيب لغير علة فالفدية، ولعلة فلا فدية عند الجميع كما لعبد الباقي، وصوبه بناني والمراد باليدين والرجلين، قال عبد الباقي: باطنهما، وأما ظاهرهما فمن الجسد، والمراد بذلك عند المصنف باطن الكفين وظاهر الرجلين وباطنهما كما نقله ابن حبيب عن مالك: وعند الرماصي أن المراد باليدين والرجلين ظاهرهما وباطنهما، وأن الذي رواه ابن حبيب عن مالك مقابل لا تقييد، وظاهر المصنف هنا أن القولين اللذين اختصرت المدونة عليهما إنما هما في باطن الكفين وفي القدمين مطلقا، وأن سائر الجسد فيه الفدية مطلقا، وكذا جعل في منسكه القولين في القدمين وباطن الكفين، والتحقيق هو ما قدمته من أن القولين إنما هما في ما عدا القدمين ونحوهما. والله سبحانه أعلم. واعلم أن الصور ثمانية: فإذا دهن بمطيب يفتدي كان لعلة أم لا، فعل بجسد كلا أو بعضا، أو ببطن كف أو برجل فهذه أربعة، وإن دهن بغير مطيب لغير علة افتدى أيضا، فعله في الجسد كله أو بعضه، أو في يد أو رجل، فإن دهن بغير مطيب لعلة فلا شيء عليه إن كان بكف أو رجل، فإن كان بجسد غير كف ورجل فقولان في وجوب الفدية وعدم وجوبها، فهذه أربعة أيضا. هذا هو تحرير المسألة. وحكم أكل الدهن الطيب حكم أكل الطيب الآتي ذكره، وإذا ثبت أنه يدهن لضرورة كالشقوق مثلا، فإنه يقتصر على موضع الشقوق ولا يتجاوزه إلا ما لا يحترز من مثله. وتطيب بكورس؛ يعني أنه يحرم عليهما -أي على الرجل والمرأة- بالإحرام التطيب بالطيب المؤنث وهو ما يظهر ريحه وأثره كالورس والزعفران والمسك والكافور والعنبر، وتجب الفدية باستعماله، فالمراد بالتطيب به استعماله؛ ومعنى استعماله إلصاقه بالبدن أو بعضه أو بالثوب، فلو عبق على جالس بحانوت عطار من غير أن يمسه بشيء منه، أو ببيت تطيب أهله فلا فدية مع كراهة تماديه على ذلك، والورس نبت كالسمسم طيب الرائحة صبغه بين الحمرة والصفرة،

стр. 2835

يبقى نبته عشرين سنة. واحترز بقوله: "كورس"، من الطيب المذكر وهو ما يظهر ريحه ويخفى أثره، فإنه لا يحرم استعماله ولكنه يكره كما مرت وفي كتاب الأمير: والأقرب أنه -يعني مؤنث الطيب- ما قصد ريحه كالمسك والعطريات، وفي ماء الورد والريحان خلاف، وبالغ في الحرمة من غير فدية بقوله: وإن ذهب ريحه؛ يعني أن الطيب المذكور يحرم استعماله على المحرم ذكرا أو أنثى، وإن كان قد ذهب ريحه فلنا شيء يحرم استعماله ولا فدية فيه، وهو الطيب المؤنث الذي ذهب ريحه، وسيأتي أيضا في جزاء الصيد أن الدلالة على الصيد تحرم ولا فدية على الدال، وتقدم أيضا قوله: "ولا فدية في سيف"، وقوله في مسألة التظلل بالمحارة والثوب بالعصا: "ففي وجوب الفدية خلاف"، وقال اللخمي: ولو جعل في ثوبه طيبا قد قَدُمَ وذهب ريحه لم يكن فيه فدية. انتهى. وكلامه يقتضي أن ذلك هو المذهب، وهذا هو الظاهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وفي الطراز ما هو صريح في الكراهة حيث ذهب الريح كما في الحطاب. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه هو الذي رد المصنف بالمبالغة. والله سبحانه أعلم. وقد مر أن التطيب بكالورس فيه الفدية حيث لم يذهب ريحه، قال في الطراز: ولا فرق في وجوب الفدية بين أن يطيب جميع جسده أو عضوا منه ودون ذلك، وهو قول الشافعي وابن حنبل، وقال أبو حنيفة: إنما تجب الفدية إذا طيب عضوا كاملا مثل الرأس والفخذ والساق وشبه ذلك، فَأَمَّا أن يطيب بعض العضو فلا فدية فيه، واحتج بأنه ليس بتطيب معتاد، وهذا غير صحيح والناس يختلفون في ذلك، وكيفما مس الطيب فقد تطيب. أو لضرورة كحل؛ يعني أن المحرم إذا اكتحل لضرورة، فإنه تجب عليه الفدية ولا حرمة، وأما لغير ضرورة فيحرم وعليه الفدية، وهو معطوف على ما تضمنته الحرمة من وجوب الفدية فيما قبل المبالغة؛ أي حرم ما سبق، وافتدى إن فعله لغير ضرورة أو لضرورة كحل، وكلام المصنف في الكحل الطيب كما هو سياقه، ومثله غير الطيب إن كان لزينة فقط أولها ولدواء معا فتجب الفدية كما في النقل تغليبا لجانب الزينة. كما نقله الحطاب عن سند عن ابن القاسم: لا بكحل غير مطيب لحر أو برد فلا فدية فيه، وأما اكتحال المحرم لغير ضرورة ففيه ثلاثة أقوال، مشهورها وجوب الفدية على الرجل والمرأة، وقيل: لا تجب عليهما، وقيل: تجب على المرأة

стр. 2836

دون الرجل، هذا إن لم يكن مطيبا وإلا ففيه الفدية مطلقا، واكتحاله بغير الطيب لضرورة مرض أو غيره لا فدية فيه. أبو إسحاق: ولبس الحرير للمرأة المحرمة والحلي جائز، بخلاف الكحل للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، وعليها الفدية إن اكتحلت للزينة. انتهى. وفي الموازية: لا تكتحل المرأة بالإثمد، وإن اضطرت إلى الكحل لأنه زينة إلا أن تدعو الضرورة إليه نفسه فتكتحل به ولا فدية. انتهى. ملخصا من الحطاب، وعبد الباقي وبناني. واعلم أن قوله: "لضرورة"، لا يصح أن يكون معطوفا إلا على مقدر كما قررت؛ لأنه لا حرمة مع الضرورة. ولو في طعام؛ يعني أنه يحرم على المحرم رجلا أو امرأة أن يأكل طعاما فيه الطيب، ومثله الشراب فلا يشرب ما فيه الطيب، وإن فعل افتدى، وكره في المدونة لغير المحرم أن يشرب الماء الذي فيه الكافور للسرف. انتهى. سند: وأما غير المحرم فيختلف حاله بقدر ثمن الكافور وعلو قيمته ونزولها، فإن كان مما لا قيمة له فلا شيء فيه، وتطييب الماء بمثل ذلك ليس بسرف، وهو كإنباذ العسل فيه، وشبه ذلك من مقاصد العقلاء: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾؛ وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يستعذب له الماء ﵊ من السقيا: عين بينها وبين المدينة يومان (١)). أخرجه أبو داوود. ولم يكن هذا بإسراف في الرفاهية؛ لأنه لم يكن فيه كبير مؤنة كذا ما نحن فيه، وإن كان مما له كبير ولم يطلب بذلك التداوي إلا محض تطييب الرائحة فهو سرف ممنوع، وقوله: "ولو في طعام"، فإن كان لضرورة لم يحرم وفيه الفدية، وقوله: "ولو في طعام"؛ أي من غير طبخ، ورد المصنف بلو قول أشهب: لا فدية فيه، ورواه محمد عن مالك وقوله: "ولو في طعام"، قال الخرشي: لو قال: في كطعام ليدخل الماء كان أحسن؛ لأنهم نصوا على حرمة استعمال الماء الطيب للمحرم. انتهى. أو لم يطيب؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم أن يمس الطيب المؤنث بيده أو بغيرها، ولو لم يعلق فيه شيء منه أو أزاله سريعا وعليه الفدية، وقوله: "أو لم يعلق"، قال الخرشي: أي ولو لم يعلق، فهو معطوف على الفعل القدر بعد لو، داخل في حيز المبالغة؛ أي أن لمس الطيب يحرم ولو لم يعلق به. انتهى. وقوله: "يعلق": بفتح الياء التحتية واللام مضارع علق بكسر اللام. إلا قارورة

стр. 2837

سدت؛ يعني أن المحرم إذا حمل أو مس في حال إحرامه قارورة أو نحوها فيها طيب وهي مسدودة سدا وثيقا محكما؛ بحيث لم يظهر منه رائحة، فإنه لا فدية عليه في ذلك؛ إذ لا رائحة لها حينئذ. ابن الحاجب: ولا فدية في حمل قارورة مصمتة الرأس ونحوها. ابن عبد السلام: لعل مراده بنحو القارورة فأرة المسك غير مشقوقة. انتهى. واستبعد ابن عرفة تفسيره بذلك. قائلا: لأن الفأرة كطيب: قال الحطاب: والأحسن أن يكون مراد ابن الحاجب بنحوها ما ذكره صاحب الطراز من الخريطة والخرج ونحو ذلك. انتهى. وقوله: "إلا قارورة"، استثناء متصل إن قدرت ملابسة ومنقطع إن قدرت مس. قاله عبد الباقي؛ يعني بعد قوله: "إلا"؛ أي إلا ملابسة أو مس قارورة، واختلف أصحاب الشافعي فيمن حمل زجاجة فيها طيب أو خُرْجَهُ على وجه التطيب، فقال بعضهم: عليه الفدية، وقال بعضهم: هذه رائحة مجاورة ولا فدية فيها. انتهى. ومطبوخا؛ معطوف على المستثنى؛ أي وإلا طيبا مطبوخا؛ يعني أن الطيب إذا طبخ مع طعام فإنه لا فدية في أكله، سواء أماته الطبخ أم لا، وسواء صبغ الفم أم لا هذا هو المذهب، قال في التوضيح: والمذهب نفي الفدية؛ لأنه أطلق في المدونة والموطإ والمختصر الجواز في المطبوخ، وأبقاه الأبهري على ظاهره، وقيده عبد الوهاب بغلبة المازج، وابن حبيب بغلبة المازج بشرط أن لا يعلق باليد ولا بالفم منه شيء. انتهى. ابن عرفة: وما مسه نار في إباحته مطلقا، أو إن استهلك، ثالثها: ولم يبق أثر صبغه بيد ولا فم. الأول للباجي عن الأبهري، والثاني للقاضي، والثالث للشيخ عن رواية ابن حبيب، فقول الأبهري: هو الإباحة مطلقا استهلك أم لا وهو المذهب عن ابن بشير. قاله بناني. قال: وبذلك اعترض مصطفى على الحطاب. أو باقيا مما قبل إحرامه؛ يعني أنه إذا استعمل الطيب المؤنث قبل إحرامه ورائحته باقية عليه أو أثره، فإنه لا فدية عليه، والمراد بالأثر اللون مع ذهاب الجرم. سند: وإذا قلنا لا فدية في الباقي مع كراهته، فإنه يؤمر بغسله، فإن قدر على غسله بمجرد صب الماء فحسن، وإن لم يقدر إلا بمباشرته فعل ولا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، ومفهوم أثره أو رائحته أنه إن بقي عليه جرم من الطيب تجب عليه الفدية قل ذلك أو كثر، ونقل ابن حجر عن مالك سقوط الفدية في بقاء لونه أو رائحته، قال: وفي رواية عنه تجب، والذي يظهر من كلام الباجي وابن الحاجب

стр. 2838

وابن عرفة أنها لا تسقط إلا في بقاء الرائحة دون الأثر. ابن عرفة: ولا يتطيب قبل إحرامه بما يبقى ريحه بعده. الباجي: إن فعل فلا فدية عليه: لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب بعد الإحرام، وهذا أتلفه قبله، وإنما يبقى منه بعد الإحرام الرائحة. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "باقيا"، عطف على المستثنى، وعلم مما مر أن التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعده مكروه فلا فدية فيه كما علمت؛ (لأن النبي ﷺ أمر المتضمخ بالخلوق أن يغسله عنه ولم يذكر له فرية (١)). أو مصيبا من إلقاء ريح؛ يعني أن المحرم إذا ألقت عليه الريح شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه: بشرط أن يطرحه بسرعة، فإن تراخى في طرحه لزمته الفدية، أو غير؛ يعني أن المحرم إذا ألقى عليه غيره شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه، ألقاه على ثوبه أو بدنه، نائما أو غير نائم، أو من غير علمه لكن بشرط أن ينزعه عن نفسه في الحال، وإلا لزمته الفدية. قاله الخرشي. وغيره. وعلم مما قررت أن "مصيبا"؛ عطف على المستثنى، وقوله: أو خلوق كعبة؛ عطف على "إلقاء"، فهو مجرور أي: مصيبا من إلقاء ريح ومصيبا من خلوق كعبة؛ فهو داخل في الاستثناء؛ يعني أن المحرم إذا أصابه طيب من الخلوق الذي على الكعبة شرفها الله تعالى، فإنه لا فدية عليه، ولو كثر لطلب القرب من البيت؛ والخلوق كصبور، قال الجوهري: ضرب من الطيب، وفي النهاية: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الحمرة والصفرة، ولا يفسر بما فسره بد سند وهو العصفر؛ لأنه ليس بطيب، ويرده قوله: وخير في نزع يسيره؛ أي خلوق الكعبة؛ يعني أن المحرم إذا كان الذي أصابه من خلوق الكعبة يسيرا فإنه يخير في نزعه عنه وعدمه، فهو راجع للفرع الأخير فقط، ولا يرجع للمسائل الثلاث قبله؛ لأن الباقي مما قبل إن كان لونا أو رائحة لم يتأت نزعه، وتقدم أنه لا شيء فيه؛ وفي كلام الخرشي نظر، وإن كان جرما ففيه الفدية قل أو كثر؛ إذ فيه إتلاف الطيب بعد الإحرام، وأما ما ألقته عليه الريح من الطيب، أو ألقاه عليه غيره، فإنه يجب نزع يسيره فورا، كما يجب نزع كثيرة فورا، فلا فرق

стр. 2839

بين الكثير واليسير فيهما، وإنما يفرق بين اليسير والكثير في مسألة خلوق البيت، فالكثير يجب نزعه فورا ويخير في اليسير، فإن شاء نزعه وإن شاء تركه، فصح أن قوله: "وخير في نزع يسيره"، خاص بمسألة الخلوق، وهو الذي قاله الحطاب والتتائي وارتضاه ابن عاشر والرماصى، وجعله الأجهوري وعبد الباقي وأحمد راجعا لمسألتي الخلوق والباقي مما قبل الإحرام، وجعله الشيخ سالم راجعا للمسائل الثلاث، أعني الباقي مما قبل الإحرام، والصيب من الإلقاء، والمصيب من الخلوق. وذلك كله غير ظاهر، والصواب أنه خاص بمسألة الخلوق كما مر. وتحصل مما مر أن المصيب مما ألقته الريح أو شخص غير المحرم يجب نزعه فورا، فإن تراخى فالفدية قل أو كثر، وكذا يجب نزع الباقي مما قبل الإحرام إن كان جرما قل أو كثر، وتقدم أن فيه الفدية، وأن المصيب من يسير خلوق البيت يخير في نزعه وتركه، وأشار إلى الكثير منه بقوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يكن المصيب من خلوق البيت يسيرا بل كان كثيرا، فإنه يجب عليه نزعه فورا، فإن نزعه فورا فلا شيء عليه، فإن تراخى في نزعه لزمته الفدية، كما قال: افتدى إن تراخى؛ أي فإن كان المصيب من خلوق البيت كثيرا لزمته الفدية بشرط أن يتراخى في نزعه، واحترز بذلك عما لو نزعه فورا فإنه لا فدية عليه كما عرفت. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا افتدى إن تراخى"، خاص بمسألة الخلوق، كما أن قوله: "وخير في نزع يسيرة"، خاص بها، ثم ما ذكره المصنف من لزوم الفدية في الكثير من الخلوق إن تراخى في نزعه ضعيف، والمذهب أنه لا فدية فيه، ولهذا قال الرماصي: إنما يؤمر بالغسل أي ندبا، ولا قائل بالفدية إلا ما يؤخذ من ظاهر كلام ابن وهب، وفي المدونة: ولا شيء عليه فيما أصابه من خلوق الكعبة. انتهى. والخلوق من الطيب المؤنث، لكن عفي عنه للضرورة، ومفهوم قوله: "تراخى"؛ أنه لو لم يتراخ لا فدية عليه، فإن قدر على إزالته بمجرد صب الماء فحسن، وإن لم يقدر على نزعه إلا بمباشرة بيده فعل، وإنما لم تكن عليه الفدية مع الفور لأنه فعل ما أمر به، (وقد أمر رسول الله ﷺ المتضمخ بالخلوق بغسله ولم يذكر فدية (١))، وقوله: "وإلا

стр. 2840

افتدى إن تراخى"، قال في الطراز: فإن تعذر عليه الماء ليغسل به بدنه أو ثوبه الذي لا يجد غير وطال ذلك، جرى على قولين فيمن ذكر لمعة كان نسيها في وضوئه وبعد منه الماء، قال: وعندي أنه ها هنا يفتدي؛ لأنه قادر على إزالة الطيب من غير ماء، إذ لو أزاله ببوله لأجزاه في باب الإزالة، ويكون حامل نجاسة يغسلها إذا وجد الماء، فجهله ذلك لا ينفعه في حمل الطيب. انتهى. كتغطية رأسه نائما. تشبيه في وجوب الفدية مع التراخي وعدمه بعدمه؛ يعني أن المحرم إذا غطى رأسه وهو نائم أو غطاه غيره وهو نائم، فإنه إذا انتبه يجب عليه نزعه عاجلا فإن نزعه عاجلا، فلا شيء عليه، وإن تراخى بعد انتباهه في نزعه فإنه تجب عليه الفدية، هذا حكم المحرم المغطي رأسه هو أو غيره، وأما المغطي رأس غيره فسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى، وقوله: "كتغطية رأسه": عورضت هذه المسألة بمسألة من غطى رأسه ساهيا، وبكون من انقلب في نومه فقتل فراخ صيد، فإن الجزاء واجب فيهما، وأجيب عن الأول بأن الساهي ينتفع دون النائم، فإنه لا ينتفع، وعن الثاني بأن هذا من باب الإتلاف لا من باب الترفه، كما لو تدحرج نائم على طيب. ولو تقلب في نومه على نؤرة فانحلق رأسه افتدى لبقاء أثره بعد اليقظة بخلاف ما يزول بإفاقته. ولا تُخَلَّق أيام الحج؛ يعني أنه يكره أن تخلق الكعبة أيام الحج لكثرة ازدحام الطائفين، ليلا يؤدي إلى أن الطائف يستعمله. قاله الخرشي. وبقاء العطارون فيها. أي في أيام الحج من المسعى؛ يعني أنه يستحسن أي يندب أن يقام العطارون في أيام الحج من السعى؛ أي من موضع السعي بين الصفا والمروة، وتخصيصه ما بين الصفا والمروة بالذكر لأن الطيب كان يباع هناك، وإذا تجر المحرم في الطيب ولم يباشره جاز. قاله الخرشي. وافتدى الملقي الحل؛ يعني أن المحرم إذا كان نائما وألقى عليه شخص حل ثوبا أو ألقاه على رأسه أو ألقى عليه أي على المحرم طيبا مؤنثا، فإنه تلزم الملقي لما ذكر الفدية، إن لم تلزمه؛ أي المحرم الفدية؛ بأن نزع ما ألقي عليه عاجلا حين انتبه، فالضمير البارز عائد على المحرم، والمستتر عائد على الفدية، ومفهومه أنه لو لزمت المحرم الفدية بأن لم ينزع ما ذكر بعد انتباهه في الحال لما لزم الحل الملقي
следующие страницы →