← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

دون الرجل، هذا إن لم يكن مطيبا وإلا ففيه الفدية مطلقا، واكتحاله بغير الطيب لضرورة مرض أو غيره لا فدية فيه. أبو إسحاق: ولبس الحرير للمرأة المحرمة والحلي جائز، بخلاف الكحل للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، وعليها الفدية إن اكتحلت للزينة. انتهى. وفي الموازية: لا تكتحل المرأة بالإثمد، وإن اضطرت إلى الكحل لأنه زينة إلا أن تدعو الضرورة إليه نفسه فتكتحل به ولا فدية. انتهى. ملخصا من الحطاب، وعبد الباقي وبناني. واعلم أن قوله: "لضرورة"، لا يصح أن يكون معطوفا إلا على مقدر كما قررت؛ لأنه لا حرمة مع الضرورة. ولو في طعام؛ يعني أنه يحرم على المحرم رجلا أو امرأة أن يأكل طعاما فيه الطيب، ومثله الشراب فلا يشرب ما فيه الطيب، وإن فعل افتدى، وكره في المدونة لغير المحرم أن يشرب الماء الذي فيه الكافور للسرف. انتهى. سند: وأما غير المحرم فيختلف حاله بقدر ثمن الكافور وعلو قيمته ونزولها، فإن كان مما لا قيمة له فلا شيء فيه، وتطييب الماء بمثل ذلك ليس بسرف، وهو كإنباذ العسل فيه، وشبه ذلك من مقاصد العقلاء: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾؛ وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان يستعذب له الماء ﵊ من السقيا: عين بينها وبين المدينة يومان (١)). أخرجه أبو داوود. ولم يكن هذا بإسراف في الرفاهية؛ لأنه لم يكن فيه كبير مؤنة كذا ما نحن فيه، وإن كان مما له كبير ولم يطلب بذلك التداوي إلا محض تطييب الرائحة فهو سرف ممنوع، وقوله: "ولو في طعام"، فإن كان لضرورة لم يحرم وفيه الفدية، وقوله: "ولو في طعام"؛ أي من غير طبخ، ورد المصنف بلو قول أشهب: لا فدية فيه، ورواه محمد عن مالك وقوله: "ولو في طعام"، قال الخرشي: لو قال: في كطعام ليدخل الماء كان أحسن؛ لأنهم نصوا على حرمة استعمال الماء الطيب للمحرم. انتهى. أو لم يطيب؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم أن يمس الطيب المؤنث بيده أو بغيرها، ولو لم يعلق فيه شيء منه أو أزاله سريعا وعليه الفدية، وقوله: "أو لم يعلق"، قال الخرشي: أي ولو لم يعلق، فهو معطوف على الفعل القدر بعد لو، داخل في حيز المبالغة؛ أي أن لمس الطيب يحرم ولو لم يعلق به. انتهى. وقوله: "يعلق": بفتح الياء التحتية واللام مضارع علق بكسر اللام. إلا قارورة

стр. 2837

سدت؛ يعني أن المحرم إذا حمل أو مس في حال إحرامه قارورة أو نحوها فيها طيب وهي مسدودة سدا وثيقا محكما؛ بحيث لم يظهر منه رائحة، فإنه لا فدية عليه في ذلك؛ إذ لا رائحة لها حينئذ. ابن الحاجب: ولا فدية في حمل قارورة مصمتة الرأس ونحوها. ابن عبد السلام: لعل مراده بنحو القارورة فأرة المسك غير مشقوقة. انتهى. واستبعد ابن عرفة تفسيره بذلك. قائلا: لأن الفأرة كطيب: قال الحطاب: والأحسن أن يكون مراد ابن الحاجب بنحوها ما ذكره صاحب الطراز من الخريطة والخرج ونحو ذلك. انتهى. وقوله: "إلا قارورة"، استثناء متصل إن قدرت ملابسة ومنقطع إن قدرت مس. قاله عبد الباقي؛ يعني بعد قوله: "إلا"؛ أي إلا ملابسة أو مس قارورة، واختلف أصحاب الشافعي فيمن حمل زجاجة فيها طيب أو خُرْجَهُ على وجه التطيب، فقال بعضهم: عليه الفدية، وقال بعضهم: هذه رائحة مجاورة ولا فدية فيها. انتهى. ومطبوخا؛ معطوف على المستثنى؛ أي وإلا طيبا مطبوخا؛ يعني أن الطيب إذا طبخ مع طعام فإنه لا فدية في أكله، سواء أماته الطبخ أم لا، وسواء صبغ الفم أم لا هذا هو المذهب، قال في التوضيح: والمذهب نفي الفدية؛ لأنه أطلق في المدونة والموطإ والمختصر الجواز في المطبوخ، وأبقاه الأبهري على ظاهره، وقيده عبد الوهاب بغلبة المازج، وابن حبيب بغلبة المازج بشرط أن لا يعلق باليد ولا بالفم منه شيء. انتهى. ابن عرفة: وما مسه نار في إباحته مطلقا، أو إن استهلك، ثالثها: ولم يبق أثر صبغه بيد ولا فم. الأول للباجي عن الأبهري، والثاني للقاضي، والثالث للشيخ عن رواية ابن حبيب، فقول الأبهري: هو الإباحة مطلقا استهلك أم لا وهو المذهب عن ابن بشير. قاله بناني. قال: وبذلك اعترض مصطفى على الحطاب. أو باقيا مما قبل إحرامه؛ يعني أنه إذا استعمل الطيب المؤنث قبل إحرامه ورائحته باقية عليه أو أثره، فإنه لا فدية عليه، والمراد بالأثر اللون مع ذهاب الجرم. سند: وإذا قلنا لا فدية في الباقي مع كراهته، فإنه يؤمر بغسله، فإن قدر على غسله بمجرد صب الماء فحسن، وإن لم يقدر إلا بمباشرته فعل ولا شيء عليه؛ لأنه فعل ما أمر به، ومفهوم أثره أو رائحته أنه إن بقي عليه جرم من الطيب تجب عليه الفدية قل ذلك أو كثر، ونقل ابن حجر عن مالك سقوط الفدية في بقاء لونه أو رائحته، قال: وفي رواية عنه تجب، والذي يظهر من كلام الباجي وابن الحاجب

стр. 2838

وابن عرفة أنها لا تسقط إلا في بقاء الرائحة دون الأثر. ابن عرفة: ولا يتطيب قبل إحرامه بما يبقى ريحه بعده. الباجي: إن فعل فلا فدية عليه: لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب بعد الإحرام، وهذا أتلفه قبله، وإنما يبقى منه بعد الإحرام الرائحة. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "باقيا"، عطف على المستثنى، وعلم مما مر أن التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعده مكروه فلا فدية فيه كما علمت؛ (لأن النبي ﷺ أمر المتضمخ بالخلوق أن يغسله عنه ولم يذكر له فرية (١)). أو مصيبا من إلقاء ريح؛ يعني أن المحرم إذا ألقت عليه الريح شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه: بشرط أن يطرحه بسرعة، فإن تراخى في طرحه لزمته الفدية، أو غير؛ يعني أن المحرم إذا ألقى عليه غيره شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه، ألقاه على ثوبه أو بدنه، نائما أو غير نائم، أو من غير علمه لكن بشرط أن ينزعه عن نفسه في الحال، وإلا لزمته الفدية. قاله الخرشي. وغيره. وعلم مما قررت أن "مصيبا"؛ عطف على المستثنى، وقوله: أو خلوق كعبة؛ عطف على "إلقاء"، فهو مجرور أي: مصيبا من إلقاء ريح ومصيبا من خلوق كعبة؛ فهو داخل في الاستثناء؛ يعني أن المحرم إذا أصابه طيب من الخلوق الذي على الكعبة شرفها الله تعالى، فإنه لا فدية عليه، ولو كثر لطلب القرب من البيت؛ والخلوق كصبور، قال الجوهري: ضرب من الطيب، وفي النهاية: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الحمرة والصفرة، ولا يفسر بما فسره بد سند وهو العصفر؛ لأنه ليس بطيب، ويرده قوله: وخير في نزع يسيره؛ أي خلوق الكعبة؛ يعني أن المحرم إذا كان الذي أصابه من خلوق الكعبة يسيرا فإنه يخير في نزعه عنه وعدمه، فهو راجع للفرع الأخير فقط، ولا يرجع للمسائل الثلاث قبله؛ لأن الباقي مما قبل إن كان لونا أو رائحة لم يتأت نزعه، وتقدم أنه لا شيء فيه؛ وفي كلام الخرشي نظر، وإن كان جرما ففيه الفدية قل أو كثر؛ إذ فيه إتلاف الطيب بعد الإحرام، وأما ما ألقته عليه الريح من الطيب، أو ألقاه عليه غيره، فإنه يجب نزع يسيره فورا، كما يجب نزع كثيرة فورا، فلا فرق

стр. 2839

بين الكثير واليسير فيهما، وإنما يفرق بين اليسير والكثير في مسألة خلوق البيت، فالكثير يجب نزعه فورا ويخير في اليسير، فإن شاء نزعه وإن شاء تركه، فصح أن قوله: "وخير في نزع يسيره"، خاص بمسألة الخلوق، وهو الذي قاله الحطاب والتتائي وارتضاه ابن عاشر والرماصى، وجعله الأجهوري وعبد الباقي وأحمد راجعا لمسألتي الخلوق والباقي مما قبل الإحرام، وجعله الشيخ سالم راجعا للمسائل الثلاث، أعني الباقي مما قبل الإحرام، والصيب من الإلقاء، والمصيب من الخلوق. وذلك كله غير ظاهر، والصواب أنه خاص بمسألة الخلوق كما مر. وتحصل مما مر أن المصيب مما ألقته الريح أو شخص غير المحرم يجب نزعه فورا، فإن تراخى فالفدية قل أو كثر، وكذا يجب نزع الباقي مما قبل الإحرام إن كان جرما قل أو كثر، وتقدم أن فيه الفدية، وأن المصيب من يسير خلوق البيت يخير في نزعه وتركه، وأشار إلى الكثير منه بقوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يكن المصيب من خلوق البيت يسيرا بل كان كثيرا، فإنه يجب عليه نزعه فورا، فإن نزعه فورا فلا شيء عليه، فإن تراخى في نزعه لزمته الفدية، كما قال: افتدى إن تراخى؛ أي فإن كان المصيب من خلوق البيت كثيرا لزمته الفدية بشرط أن يتراخى في نزعه، واحترز بذلك عما لو نزعه فورا فإنه لا فدية عليه كما عرفت. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا افتدى إن تراخى"، خاص بمسألة الخلوق، كما أن قوله: "وخير في نزع يسيرة"، خاص بها، ثم ما ذكره المصنف من لزوم الفدية في الكثير من الخلوق إن تراخى في نزعه ضعيف، والمذهب أنه لا فدية فيه، ولهذا قال الرماصي: إنما يؤمر بالغسل أي ندبا، ولا قائل بالفدية إلا ما يؤخذ من ظاهر كلام ابن وهب، وفي المدونة: ولا شيء عليه فيما أصابه من خلوق الكعبة. انتهى. والخلوق من الطيب المؤنث، لكن عفي عنه للضرورة، ومفهوم قوله: "تراخى"؛ أنه لو لم يتراخ لا فدية عليه، فإن قدر على إزالته بمجرد صب الماء فحسن، وإن لم يقدر على نزعه إلا بمباشرة بيده فعل، وإنما لم تكن عليه الفدية مع الفور لأنه فعل ما أمر به، (وقد أمر رسول الله ﷺ المتضمخ بالخلوق بغسله ولم يذكر فدية (١))، وقوله: "وإلا

стр. 2840

افتدى إن تراخى"، قال في الطراز: فإن تعذر عليه الماء ليغسل به بدنه أو ثوبه الذي لا يجد غير وطال ذلك، جرى على قولين فيمن ذكر لمعة كان نسيها في وضوئه وبعد منه الماء، قال: وعندي أنه ها هنا يفتدي؛ لأنه قادر على إزالة الطيب من غير ماء، إذ لو أزاله ببوله لأجزاه في باب الإزالة، ويكون حامل نجاسة يغسلها إذا وجد الماء، فجهله ذلك لا ينفعه في حمل الطيب. انتهى. كتغطية رأسه نائما. تشبيه في وجوب الفدية مع التراخي وعدمه بعدمه؛ يعني أن المحرم إذا غطى رأسه وهو نائم أو غطاه غيره وهو نائم، فإنه إذا انتبه يجب عليه نزعه عاجلا فإن نزعه عاجلا، فلا شيء عليه، وإن تراخى بعد انتباهه في نزعه فإنه تجب عليه الفدية، هذا حكم المحرم المغطي رأسه هو أو غيره، وأما المغطي رأس غيره فسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى، وقوله: "كتغطية رأسه": عورضت هذه المسألة بمسألة من غطى رأسه ساهيا، وبكون من انقلب في نومه فقتل فراخ صيد، فإن الجزاء واجب فيهما، وأجيب عن الأول بأن الساهي ينتفع دون النائم، فإنه لا ينتفع، وعن الثاني بأن هذا من باب الإتلاف لا من باب الترفه، كما لو تدحرج نائم على طيب. ولو تقلب في نومه على نؤرة فانحلق رأسه افتدى لبقاء أثره بعد اليقظة بخلاف ما يزول بإفاقته. ولا تُخَلَّق أيام الحج؛ يعني أنه يكره أن تخلق الكعبة أيام الحج لكثرة ازدحام الطائفين، ليلا يؤدي إلى أن الطائف يستعمله. قاله الخرشي. وبقاء العطارون فيها. أي في أيام الحج من المسعى؛ يعني أنه يستحسن أي يندب أن يقام العطارون في أيام الحج من السعى؛ أي من موضع السعي بين الصفا والمروة، وتخصيصه ما بين الصفا والمروة بالذكر لأن الطيب كان يباع هناك، وإذا تجر المحرم في الطيب ولم يباشره جاز. قاله الخرشي. وافتدى الملقي الحل؛ يعني أن المحرم إذا كان نائما وألقى عليه شخص حل ثوبا أو ألقاه على رأسه أو ألقى عليه أي على المحرم طيبا مؤنثا، فإنه تلزم الملقي لما ذكر الفدية، إن لم تلزمه؛ أي المحرم الفدية؛ بأن نزع ما ألقي عليه عاجلا حين انتبه، فالضمير البارز عائد على المحرم، والمستتر عائد على الفدية، ومفهومه أنه لو لزمت المحرم الفدية بأن لم ينزع ما ذكر بعد انتباهه في الحال لما لزم الحل الملقي

стр. 2841

فدية، وقوله: "وافتدى الملقي الحل" الخ، سواء ألقى يسيرا أو كثيرا؛ لأن قوله: "وخير في نزع يسيره"، خاص بالمخلوق كما مر، فإن المصيب من إلقاء الغير أو الريح يجب نزعه قل أو كثر، فإن تراخى افتدى كما مر، وقوله: "الملقي"، ظاهره سواء ألقاه عليه مما أصابه من خلوق الكعبة وهو يسير وهو ظاهر؛ لأن كلامهم السابق يدل على أنه يعفى عنه لضرورة اللصوق بالبيت الشريف، لا مطلقا وإن ألقاه الغير. بلا صوم؛ يعني أن الحل الملقي إذا لزمته الفدية فإنها تكون بغير الصوم؛ لأنه نائب عن المحرم، ولا يصح الصوم عن أحد لأنه من الأعمال التي لا تقبل النيابة، وإنما يخير بين أن يذبح شاة تجزئ ضحية، وأن يطعم ستة مساكين يدفع لكل مسكين مدين كما يأتي، وقوله: "بلا صوم"، متعلق "بافتدى"؛ أي وافتدى بغير الصوم من صدقة أو نسك، فإن قيل: الفدية لازمة للملقي الحل بطريق الأصالة، بدليل أنها لا تلزم المحرم إلا إذا عجز الحل عنها، وحينئذ فَلِم لَمْ يَفْتَدِ بالصوم؟ فالجواب أنها: لما كانت تلزم المحرم ابتداء في حالة، وكان إذا عجز الملقي يفتدي ولو بالصوم كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى، دل ذلك على أنها ليست على الملقي أصالة، بل بطريق النيابة. وإن لم يجد فليفتد المحرم؛ يعني أنه إذا لم يجد الملقي الحل ما يفتدي به، فإن المحرم يفتدي ولو بالصوم نظرا إلى أنها كفارة عن نفسه، وقوله: "فليفتد المحرم"؛ أي وجوبا، وقيل: ندبا، قال الخرشي: والأول هو الراجح، قال محمد بن الحسن: انظر من أين له ترجيح الأول، وقد رأيت ما لابن يونس وعبد الحق. انتهى. قوله: وقد رأيت ما لابن يونس وعبد الحق؛ يعني بذلك ما نقله عند قوله: "وإن لم يجد فليفتد المحرم"، ونصه: هذه عبارة ابن المواز؛ إذ قال: وإن كان الفاعل عديما أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه، قال في التوضيح: وظاهره الوجوب. ابن يونس: وهذا على رأيه فيمن أكره زوجته وهو معدم أن عليها أن تحج قابلا وتهدي، وتتبعه بالأقل من ثمن الطعام والنسك، ولابن القاسم في العتبية: أن الزوج إذا كان عديما وهي ملية ليس عليها هي حج، فعلى هذه الرواية ليس على النائم الطيب إذا كان الفاعل عديما فدية؛ لأن الفدية إنما تعلقت بغيره وهذا أبين. انتهى. ونحوه لعبد الحق. انتهى.

стр. 2842

(كأن حلق رأسه) تشبيه في أنه يفتدي بغير الصوم، وفي أن الفدية تلزم المحرم إذا لم يجد الحالق ما يفتدي به، والضمير في "رأسه"، عائد على المحرم، والضمير المستتر في حلق عائد على الحل من قوله: "وافتدى الملقي الحل"، فهو عائد على الصفة من دون الموصوف؛ يعني أن الحلال إذا حلق رأس المحرم بلا إذن كما لو حلقه نائما أو مكرها؛ فإن الحلال تجب عليه الفدية فيفتدي بغير الصوم، فإن لم يجد الحالق ما يفتدي به فليفتد المحرم ولو بالصوم. (ورجع بالأقل) يعني أنه إذا لم يجد كل من الحالق والملقي الحل ما يفتدي به، فإن المحرم يفتدي في المسألتين كما عرفت، فإذا افتدى المحرم فإنه يرجع على الملقي الحل أو الحالق بالأقل من قيمة النسك وكيل الطعام وثمنه كما سبق في الصوم، وقد مر تحريره هناك فراجعه إن شئت، ومحل رجوعه بما ذكر (إن لم يفتد بصوم) يعني أن محل رجوع المحرم على الملقي الحل أو على الحالق إنما هو إذا افتدى بغير الصوم من صدقة أو نسك، وأما إن افتدى المحرم بالصوم فإنه لا رجوع له على واحد منهما بشيء، لا على الملقي الحل ولا على الحالق. وعلم مما قررت أن قوله: "ورجع بالأقل"، راجع لمسألتي الملقي والحالق، قال عبد الباقي: ثم رجوعه عليه بالأقل حيث أعسر الملقي أو الحالق أو أيسر وأذن للمحرم، وكذا إن لم يأذن كما هو ظاهر الشيخ سالم، وهو الموافق لما ذكروه في الصوم عند قول المصنف: "وإن أعسر كفرت ورجعت" الخ من أن مثله إذا كفرت مع يسره، وبه سقط ما عساه يقال: هو في هذه الحال متبرع. انتهى. قوله: وكذا إن لم يأذن الخ، فيه نظر وجعلهم موضوع المسألة إذا كان الفاعل عديما أو لم يقدر عليه كما في عبارة ابن المواز وغيره يأبى ذلك، وقوله: وهو الموافق لما ذكروه الخ، لم أر من ذكره في الصوم ولا هنا، وإنما ذكره الزرقاني هناك غير معزو كما ذكره هنا، والظاهر خلاف ما ذكره. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن بناني. وعبارة ابن المواز: وإن كان الفاعل عديما أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه. وعلى المحرم الملقي فديتان؛ يعني أن المحرم إذا ألقى على محرم طيبا فإنه يجب على المحرم الملقي فديتان، فدية لمسه الطيب وفدية لتطييبه، وهذا حيث لا فدية على المفعول به بأن لم يتراخ، أما لو تراخى المفعول به المحرم في نزع الطيب عن نفسه فإنه تلزمه الفدية: وليس على

стр. 2843

الفاعل حينئذ إلا فدية واحدة لمسه الطيب، فقوله: "وعلى المحرم" الخ، هذا إذا مس الطيب ولم تلزم الفدية الملقى عليه، فإن لم يمس ولزمت الملقى عليه فلا شيء على الملقي، وإن مس ولزمت الملقى عليه فعلى الملقي فدية واحدة، وكذا إن لم يمس ولم يلزم المُلْقَى عليه فدية. والحاصل أن الصور أربع: صورتان فيما إذا مس الملقي طيبا لزمت الملقى عليه فدية أم لا، وصورتان فيما إذا لم يمس كذلك فيلزم الملقى بكسر القاف فديتان في صورة واحدة، وهي ما إذا مس الملقي ولم تلزم الآخر فدية، فإن لزمت الآخر فعلى كل فدية واحدة وإن لم يمس الملقي طيبا فإن تراخى الآخر فعليه فدية ولا شيء على الملقي، وإن لم يتراخ فلا فدية عليه بل على الملقي فدية واحدة. والله سبحانه أعلم. وإنما لزمت الملقي في حالة عدم مسه وعدم لزومها للملقى عليه؛ لأنه كإلقاء الحل على محرم حيث لم تلزم المحرم فدية بأن نزعه عنه فورا، وقوله: "وعلى المحرم الملقي فديتان"، هو قول القابسي، وصوبه ابن يونس، وقال ابن عبد السلام: وهو الصحيح، وقال سند: هو أظهرت وإلى تصويب ابن يونس لقول القابسي أشار بقوله: على الأرجح؛ ومقابله قول ابن أبي زيد: ليس على الملقي المحرم إلا فدية واحدة، ولا يقال صوابه تردت كما قال التتائي؛ لأن اصطلاحه إن قال تردد فقد أشار به لتردد المتأخرين، لا (١) أن كل ما اختلفوا فيه عبروا عنه به. انظر حاشية بناني. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: علم مما مر أن تغطية رأس المحرم لا فرق فيها بين أن تكون من حلال أو محرم آخر. والله سبحانه أعلم. وعلم منه أيضا أن المحرم إذا ألقى على حل طيبا فإن الملقيَ تلزمه فدية إن مس الطيب، وإلا فلا. والله سبحانه أعلم. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وإن حلق حل محرما بإذن فعلى المحرم؛ يعني أن الحلال إذا حلق رأس المحرم بإذن من المحرم ولو حكما كرضاه بفعله، فإن الفدية تكون على المحرم المحلوق، ظاهره: ولو أعسر، وإلا؛ أي وإن حلق حل رأس محرم بغير إذنه، بأن حلقه والمحرم نائم أو مكره، فإن الفدية تكون عليه؛ أي على الحلال الحالق، وهذا تكرار مع قوله فيما مر "كأن حلق رأسه"، قال عبد

стр. 2844

الباقي: وأعادها لكونها مفهوم قوله هنا: "بإذن". انتهى. ودفع الحطاب التكرار بأن ما هنا بَيَّنَ موضع لزومها للمحرم وموضع لزومها للحلال، وما مر بَيَّن أن حكم الحالق إذا لزمته هو حكم الملقي طيبا. ابن عاشر: وهذه محاولة لا تتم إذ لا مانع من جعل التشبيه تاما حتى يستفاد منه المعنى المفاد هنا. قاله محمد بن الحسن بناني. وفي الحطاب عن سند: المحرم ممنوع من قص أظفاره من غير ضرورة، وكما منع من ذلك منع غيره أن يشاركه في ذلك من حل أو محرم، ومن قصه له بإذنه فالفدية على المفعول كما قلنا في حلاق رأسه، وإن فعله من غير إذن، فإن كان نائما أو مكرها فالفدية على من فعل ذلك، وإن كان غير نائم ولا مكره ولم يأمر بذلك إلا أنه ساكت حتى قصت أظفاره وحلق شعر رأسه ولو شاء لامتنع فالفدية عليه. انتهى. وإن حلق محرم رأس حل أطعم؛ يعني أن المحرم إذا حلق شعر الحلال من محل تيقن نفي القمل منه كساقه، أو أزال عنه أذى كقلم ظفر فإنه لا شيء عليه، فإن حلق شعره من محل لا يتيقن منه نفي القمل، فإنه يلزمه أن يطعم لاحتمال أن يكون قتل في حلقه قملا. وعلم مما قررت الفرق بين هذه المسألة وبين ما مر عن ابن عرفة من أن المحرم لا شيء عليه إذا قلم ظفر حلال؛ إذ الظفر لا يحتمل أن يكون فيه دواب تقتل عند التقليم، وقوله: "أطعم"، هو قول ابن القاسم، وقال مالك يفتدي، اختلف الشيوخ هل قول الإمام موافق لقول ابن القاسم؟ وعليه فالمراد بقول الإمام: يفتدي، غير حقيقة الفدية، بل المراد بالفدية حفنة من طعام، وإليه ذهب التونسي، قول الإمام مخالف لقول ابن القاسم؛ وعليه فالمراد بقول الإمام: ويفتدي فدية على الحقيقة من صيام ثلاثة أيام أو صدقة أو نسك بشاة فأعلى وهو للباجي واللخمي وبعض البغداديين. فقوله: تأويلان؛ مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وقد علمت أهل التأويلين، والمراد بالحفنة هنا ملء يد واحدة، وإن كان المراد بها في اللغة ملء اليدين، وينبغي أن يراعى في اليد هنا اليد المتوسطة. قاله عبد الباقي. وفي الحطاب: وإن قتل قملا كثيرا فعليه الفدية. انتهى. قال محمد بن الحسن: وهو يقتضي أن محل التأويلين إذا قتل قملا قليلا، وليس كذلك؛ لأن أصل هذا التفصيل للخمي وسند، وهما جعلا محل الخلاف إذا قتل قملا كثيرا، زاد سند: أو لم يتحقق شيئا، ونص سند إذا حلق المحرم رأس حلال، فإن تبين له أنه لم يقتل شيئا من الدواب

стр. 2845

فلا شيء عليه في المعروف من المذهب، وإن قتل يسيرا أطعم، وكثيرا أو لم يثبت أو لم يدر مَا ثَمَّ فقال مالك: يفتدي، وقال ابن القاسم: يطعم. انتهى. نقله التتائي في الكبير. وهذا التفصيل مبني على تعليل الفدية بقتل القمل، وهو قول عبد الوهاب وسند واللخمي، وذهب البغداديون إلى تعليلها بالخلاف، وإليه ذهب ابن رشد، وعليه فلا فرق بين أن يقتل قملا كثيرا أو قليلا، أو يتحقق نفيه، وعلى الإطلاق حمل السنهوري كلام المؤلف بناء على أن التعليل بالحلاق، وصوبه مصطفى وهو غير ظاهر، والصواب حمله على التفصيل لتعليل ابن القاسم بقتل القمل كما في ابن الحاجب، ولقول المصنف بعد إلا أن يتحقق نفي القمل، ولما تقدم عن سند من أنه المعروف من المذهب، ولقولهم في تقليم المحرم ظفر حلال إنه لا شيء عليه، قال في التوضيح: وهو يرجح من تأول أن الفدية للقمل لا للحلق؛ إذ لو كانت للحلق لوجبت هنا الفدية. انتهى. وهو ظاهر. انتهى. كلام بناني رحمه الله تعالى. ومفهوم قوله: "حلق محرم رأس حل أطعم"، أنه لو حلق محرم رأس محرم آخر فإن حلقه بغير رضاه، فالفدية على الحالق، وكذا برضاه وتحقق قتل القمل وكان كثيرا فيكون على الحالق فدية، وعلى المحلوق فدية وقيل على الحالق حفنة كما مر؛ إذ هذا من محل الخلاف السابق، وأما برضاه وتحقق نفي القمل فالفدية على المحلوق فقط، وأما برضاه وشك في قتله، فقد مر عن سند أنها من محل الخلاف بين الفدية والإطعام، ولو تحقق القتل وكان يسيرا فعلى المحلوق الفدية وعلى الحالق حفنة، وقيل: فدية كما مر. انظر حاشية الشيخ بناني. قال عبد الباقي بعد أن ذكر المواضع التي تكون فيها الفدية على المحلوق ما نصه: ثم ما على المحلوق رأسه واضح حيث أيسر، فإن أعسر فانظر هل تبقى في ذمته أو تكون على الحالق ويرجع بها على الآخر؟ وكذا يقال فيما إذا كانت على الحالق وأعسر. انتهى. ثم ذكر مفهوم قوله المار: "وتقليم ظفر انكسر" بقوله: وفي الظفر الواحد لا لإماطة الأذى حفنة، مبتدأ وخبره المجرور بفي، وقوله: "لا لإماطة"، معطوف على مقدر تقديره لغير إماطة الأذى؛ يعني أن المحرم إذا قلم واحدا من أظفاره، فإن فعل ذلك لغير إماطة أذى، بل قلم ظفر نفسه عبثا أو ترفها فعليه حفنة، وأما لإماطة الأذى ففدية، وقد مر أن الحفنة ملء اليد الواحدة، وينبغي أن يراعى فيها اليد

стр. 2846

المتوسطة؛ وقولي: أو ترفها، قال عبد الباقي: كما هو ظاهر الحطاب، قال: وعلى ما للحطاب يستثنى ذلك من قوله الآتي: "والفدية فيما يترفه به"، ومفهوم قوله: "الواحد"، أن ما زاد على الواحد فيه الفدية، سواء كان لإماطة الأذى أم لا، وإذا أبان واحدا وآخر فإن أبانهما في فور ففدية، وإلا ففي كل واحد حفنة إن أبان الثاني بعد ما أخرج ما وجب في الأول، وإلا ففدية قياسا على ما للحطاب في تعدد الفدية، وينبغي أن يجري مثل هذا فيما إذا قتل قملة وأخرى ونحوها، وأراد المصنف "بالظفر الواحد": ظفر نفسه، وأما ظفر غيره فلا شيء على المحرم في قلم ظفره حيث كان حلا، فإن قلم ظفر محرم مثله جاهلا أو ناسيا، أو قلم له بأمره لافتدى المقلوم ظفره كما في المدونة والذخيرة، وإن فعل به نائما أو مكرها فالفدية على الفاعل من حلال أو حرام. كشعرة أو شعرات؛ التشبيه في إطعام حفنة من طعام؛ يعني أن المحرم إذا أزال شعر من جسده أو شعرات قليلة لا لإماطة الأذى فإنه يطعم حفنة من طعام، ومر أنه إذا سقط شيء من شعره لوضوء أو ركوب أو نزول أو غسل وما أشبه ذلك، فإنه لا شيء عليه، وكذلك لا شيء عليه إذا أزال وسخ نفسه، أي الوسخ الذي على بدنه، وقوله: "أو شعرات"، جمع قلة عشرة فدون، ومر أنما لغير إماطة الأذى؛ وأما لإماطة الأذى ففدية كما لو كثر بأن زاد على عشرة، فالتشبيه تام. وقملة أو قملات؛ يعني أن المحرم إذا قتل قملة واحدة أو قملات يسيرة عشرة فدون، فإنه يلزمه إطعام حفنة من طعام، وقوله: "وقملة"، على حذف مضاف؛ أي وقتل قملة، ومثل قتل القمل طرحه لتأديته إلى القتل، وإلى ذلك أشار بقوله: وطرحها؛ بالجر عطف على قتل المقدر، وقوله: "وقملة أو قملات"، سواء قتلها لإماطة الأذى أو غيره، وفي التوضيح: لا يعلم قول في المذهب بوجوب الفدية في قملة أو قملات. انتهى. وقال في التوضيح في قول ابن الحاجب: أما لو نتف شعرة أو شعرات أو [قتل] (١) قملة أو قملات أطعم حفنة بيد واحدة كذا في المدونة، وفي الموازية: قبضة، وهي دون الحفنة. انتهى كلامه في التوضيح. قاله الحطاب.

стр. 2847

وقال سند في شرح كلامه في المدونة: أما قوله: حفنة في القملة والقملات، فلأن ذلك أفضل مما قتل ويجزئ من كل شيء يطعم، وفي منسك ابن فرحون قال مالك: والحفنة كف واحدة وهي القبضة، وقال بعضهم: والقبضة أقل من الكف. انتهى. قاله الحطاب. وقد مر أن قوله: "وطرحها"، بالجر عطف على قتل المقدر، وجعله الشارح مبتدأ حذف خبره؛ أي وطرحها كذلك، وهذا مبني على جواز القطع عن العطف إلى غيره، وقد تعرض الرضي لهذه المسألة في آخر باب العطف، وحاصل ما عنده فيها أنه: يجوز القطع عن العطف إلى غيره إن كان المعنى الأصلي يفهم مع ذلك من غير لبس، ويمنع إن حصل لبس. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. كحلق محرم لمثله موضع الحجامة، تشبيه في وجوب الحفنة؛ يعني أن المحرم إذا حلق موضع الحجامة من محرم آخر بإذنه فإنه تجب على الحالق حفنة من طعام، وعلى المحلوق الفدية. إلا أن يتحقق نفي القمل؛ يعني أن محل لزوم الحفنة للحالق إنما هو إذا لم يتحقق نفي القمل، وأما إن تحقق نفي القمل فلا شيء عليه وعلى المحلوق الفدية، فالفدية عليه في المسألتين أي فيما بعد الاستثناء، وفي المستثنى منه لحلقه قبل التحلل، وكلام المؤلف شامل لما إذا فعل المحلوق ذلك لضرورة وغيرها، وقد مر الكلام على حلق المحرم رأس المحرم بأتم مما هنا عند قوله: "وهل حفنة أو فدية تأويلان"، فراجعه إن شئت. وتقريد بعيره؛ يعني أن المحرم إذا قَرَّدَ بعيره؛ أي أزال عنه القراد ولم يقتله فإنه يطعم حفنة من طعام؛ لأنه عَرَّضَه للقتل، وأحرى بعير غيره، فنص على المتوهم؛ لأنه يتوهم أن بعيره لما كان يحتاج إليه والقراد يضعفه لا شيء عليه في تقريده، وأما إن قتل القراد فعليه فدية في كثيرة وحفنة في قليله، ومثل القراد فيما ذكر سائر ما يتولد من جسد البعير، وتعيش فيه كالحلم والحمنان، وفي الخرشي أن دواب البعير المتولدة منه يستوي طرحها عن الدواب وقتلها، كما يستوي ذلك في هوام الإنسان كالقمل، ففي قتلها حفنة إلا الكثير ففيه فدية وهو التحقيق، ويتحصل من كلام غير واحد هنا أنه إذا قتل القراد أطعم في اليسير وافتدى في الكثير. قاله مالك، وقال ابن القاسم: يطعم في اليسير والكثير، ومحل القولين حيث قتل القراد كما قررت، وأما إذا طرحه ولم يقتله فلا خلاف أنه يطعم فقط، وذكر الحطاب والمواق عن المدونة أنه يطعم في طرحه،

стр. 2848

وفيه عن الشامل ما نصه: وله طرح برغوث ولا شيء في قتله؛ وقيل يطعم كقتل النمل والعلق والوزغ وإن لدغته، وقراد بعيره ونحوه على المشهور لا طرح ذلك. انتهى. وفيه عن سند: الهوام على ضربين ضرب مختص بالأجسام ومنها يعيش، فلا يقتله المحرم ولا يميطه عن الجسد المختص به إلى غيره، فإن قتله أطعم، وكذا إن طرحه. وضرب لا يختص بالأجسام كالنمل والذر والدود وشبهه، فإن قتله افتدى، وإن طرحه فلا شيء عليه؛ إذ طرحه كتركه. انتهى. فالحلمة والقراد والحمنان جنس واحد ليس هو من هوام الآدمى، وإنما هو من هوام الدواب يسمى صغيرا قمنانا، فإذا زاد قليلا قيل حمنان، فإذا زاد قيل قراد، فإذا زاد قيل حلمة، فهذا يطرحه المحرم عن نفسه لا يختلف فيه، وهل يطرحه عن غيره؟ يختلف فيه. انتهى. وإذا نقل الآدمي ما يختص به كالقمل من مكان من جسده أو ثوبه إلى مكان آخر منهما فلا شيء عليه، ويجري مثل ذلك فيما ينقله الآدمي من جسد بعيره من محل لآخر منه، وكذا سائر الدواب. لا كطرح علقة؛ يعني أن المحرم إذا طرح العلقة عنه أو عن بعيره فلا شيء عليه، والكاف داخلة على علقة: ومعنى كلام المصنف أن الهوام على ضربين: ضرب يختص بالجسد ويتولد عنه ويعيش فيه كالقمل والقراد للدواب، فلا يقتله المحرم ولا يزيله عن الجسد المختص به إلا أن يكثر فيميطه عند مالك ويفتدي في الكثير ويطعم في اليسير. ابن القاسم: في الكثير واليسير الإطعام. وضرب لا يختص بذلك كالنمل والدود والبراغيث والبق والبعوض والذباب، فللإنسان طرحه عن جسده، وكذا طرحه عن جسد القراد والحلم والحمنان والقمنان لا القمل كما مر، فإن ابتدأ شيء من ذلك بالضرر فقتله، فقال في محرم لدغته ذرة فقتلها وهو لا يشعر: أرى أن يطعم، وكذلك النملة، يريد: لأن ضررها يسير وطرحها يدفع أذاها، وأما القراد والحلم والحمنان فمن دواب البعير فلا يلقيه المحرم لأن ذلك سبب هلاكه إلا أن يضر بالبعير فيزيلها ويطعم. أو برغوث؛ يعني أن المحرم إذا طرح البرغوث عن نفسه أو عن دابته فإنه لا شيء عليه وكذا القرادت وأما قتلهما ففيه فدية إن كثر لا إن قل، وفي الشامل: وله طرح برغوث ولا شيء في قتله. انتهى. والفدية فيما يترفه به؛ يعني أن الفدية المنصوص عليها في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ سببها منحصر في أمرين؛ أحدهما الترفه، ثانيهما أشار إليه بقوله: أو يزيل

стр. 2849

أذى؛ يعني أن إماطة الأذى مما يوجب الفدية على المحرم، وتحقيق كلام المصنف أن كل شيء فعله المحرم مما يحصل له به الترفه أو يزيل به أذى عن نفسه تلزمه الفدية بسببه، ومثل لذلك بقوله: كقص الشارب؛ يعني أن المحرم إذا قص شاربه فإنه تلزمه الفدية، وقوله: "كقص الشارب"، قال عبد الباقي عن التتائي إنه مثال للأول، وفيه أي عبد الباقي ما نصه: وفي المواق عن ابن شأس: أنه مثال للثاني والأظهر صلاحيته مثالا لهما. انتهى. أو طفر؛ يعني أن الفدية تلزم في قلم الظفر. وتحصل من كلام المصنف في قلم الظفر أنه له ثلاثة أحوال: قلم المنكسر لا شيء فيه، قلمه لا لإماطة أذى فيه حفنة، قلمه لإماطة أذى فيه فدية، وما يترفه به هو الذي يكون لا لإماطة أذى، وقوله: "وقص ظفر"، مثال لإماطة أذى؛ إذ هو الذي فيه الفدية إذا كان واحدا، وأما إن تعدد ففيه الفدية كان لإماطة أذى أم لا، فيصح جعله مثالا بشرط أن يتعدد، ولما كان الشارب واحدا أتى به المصنف معرفا، ولما كان الظفر متعددا أتى به منكرا، وقوله: "كقص الشارب أو ظفر"، وكذا تلزمه الفدية أيضا إذا حلق عانته أو نتف إبطه أو أنفه. تنبيه: قال بناني: لم يبين ابن القاسم ما هي إماطة الأذى، وجعلها الباجي على وجهين، أحدهما أن يَقْلَقَ من طول ظفره فيقلمه وهذا أذى معتاد، والثاني أن يريد مداواة جرح بإصبعه ولا يتمكن منها إلا بذلك. انتهى. ونقله الحطاب عن سند عن الباجي، وقوله: "والفدية فيما يترفه به أو يزيل أذى"، وأولى لو اجتمعا، وفي نسخة بالواو وهي بمعنى: أو. وقتل قمل كثر عطف على قوله: "قص"؛ يعني أن الشخص إذا قتل في حال إحرامه قملا كثيرا، بأن زاد على عشرة وما قاربها تلزمه الفدية ولو في غسل تبرد لا في غسل جنابة فلا فدية ولو كثر. قاله ابن القاسم. ومثل الجنابة الحيض والنفاس، وكذا غسل مسنون أو مندوب كما مر استظهاره، وأما قتله في تبرد مثل الواحد فيطعم تمرات أو قبضات من سويق أو كسرات، وقوله: "وقتل قمل كثر"، هو قول مالك، قال في البيان: ورآه من إماطة الأذى، وقال ابن القاسم: يطعم كسرة، ومثل قتله طرحه كما مر.

стр. 2850

وخضب بحناء؛ يعني أن المحرم تلزمه الفدية إذا خضب بالحناء رأسه أو لحيته أو جسده، والحناء بكسر الحاء وتشديد النون. قاله الخرشي. وهو مصروف كما لعبد الباقي، وعبارة عبد الباقي: وخضب لرأسه أو لحيته أو غيرهما كجرح أصابعه، وقوله: "وخضب بكحناء"، مثال صالح للأمرين؛ لأنه يطيب الرأس ويفوحه ويقتل دوابه ويرجل شعره ويزينه، وتجب الفدية بدون هذا، ودخل بالكاف الوسمة بكسر السين وتسكينُها لغة نبت من شجرة كالكزبرة يدق ويخلط مع الحناء من الوسامة وهي الحسن؛ لأنها تحسن الشعر وتجب الفدية ولو نزعه مكانه. وإن رقعة؛ يعني أن المحرم إذا خضب بالحناء فإنه تلزمه الفدية: ولا فرق في ذلك بين أن يعم العضو بالحناء وأن لا يعمه به فتلزمه الفدية، ولو كانت الحناء رقعة بشرط أشار إليه بقوله: إن كبرت؛ يعني أن الرقعة إنما تكون فيها الفدية إن كبرت بأن كانت قدر الدرهم، قاله الأجهوري. وأفهم قوله: "وخضب"، أنه لو جعلها في فم جرح أو استعملها في باطن الجسد كما لو شربها أو حشا بها شقوقا، فلا شيء عليه ولو كثرت، واحترز بقوله: "كبرت"، عما لو صغرت فإنه لا شيء عليه فيها، وحكم المحرمة تخضب يدها أو رجلها أو رأسها بحناء حكم الرجل في الفدية. قاله في المدونة. والرقعة في الأصل واحدة الرقاع التي تكتب والخرقة. ومجرد حمام؛ بالجر، عطف على ما تلزم فيه الفدية؛ يعني أن المحرم تلزمه الفدية بمجرد صب الماء الحار عليه من الحمام؛ لأنه مظنة إزالة الوسخ، سواء تدلك أم لا، سواء أنقى من الوسخ أم لا ولو لجنابة، هذا هو المختار عند اللخمي من روايات ثلاث، كما قال: على المختار؛ الثانية إن تدلك، الثالثة إن تدلك وأنقى، وأما مجرد دخول الحمام من غير غسل بل لتدف فجائز ولا فدية فيه، قال عبد الباقي عند قوله وأسقط من كلامه تقييده بجلوسه فيه حتى يعرق. انتهى. قوله: وأسقط؛ يعني المصنف، وقوله: من كلامه؛ أي اللخمي كما في الخرشي. والله سبحانه أعلم. وأما مجرد صب الماء البارد فيه فلا فدية فيه، وما تقدم من أنه لا فدية في قتل قمل بجنابة وما في حكمها ولو كثر محمول على غسل بغير حمام ولو بمسخن أو به بماء بارد.

стр. 2851

واعلم أن ما اقتصر عليه المصنف خلاف مذهب المدونة من أنه إنما تجب الفدية على داخله إذا تدلك وأنقى الوسخ، فعلى المصنف الاعتراض في عدوله عن مذهبها ومشيه على ما للخمي، واعتذر عنه الشارح بأنه اقتصر عليه لاختيار غيره من الأشياخ لما اختاره. واعلم أن الأصل تعدد الفدية بتعدد موجبها إلا في أماكن ذكرها بقوله: واتحدت إن ظن الإباحة؛ يعني أن الفدية تتحد في أماكن أربعة، وإن كان الأصل أنها تتعدد بتعدد الوجب، الأَوَّلُ أن يفعل الوجب الثَّانِيَ مثلا ظانا أنه يباح له فعله أو جاهلا بالحكم أو ناسيا له، كما إذا لبس مُحِيطًا مثلا فلزمته الفدية ثم لبسه ثانيا ظانا أن فعله الثاني لا يوجب غير ما أوجبه الأول، وسواء كان الفعل الثاني على الفور من الأول أو على التراخي منه فليس عليه في ذلك كله إلا فدية واحدة، وكالمعتمر يطوف على غير وضوء ناسيا ثم يلبس الثياب، فإنما عليه فدية واحدة، وإن تكرر ذلك منه، قال فيها: ومن أفسد حجه بجماع ثم أصاب صيدا وحلق من أذى وتطيب، فإن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد فلبس وتطيب وقتل الصيد مرارا عامدا لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه إلا فدية واحدة، إلا في الصيد فعليه لكل صيد قتله جزاؤه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي عند قوله: "واتحدت إن ظن الإباحة": كالذي يطوف في عمرته ثم يسعى، فيحل ويظن أنه على طهارة، فيتبين خلافه أو يظن رفض إحرامه واستباحة موانعه، أو يفسده بوطء فتأول أو جهل أن الإحرام تسقط حرمته بالفساد فيفعل متعددا، يوجب كل واحد فدية من هذه الصور الثلاث، فقول المصنف إن ظن الإباحة في شيء خاص وهو المسائل الثلاث والأولى منها لا يتصور فيها شك الإباحة، والثانية والثالثة يتصور فيهما ذلك، وظاهر كلامهم أن الفدية تتعدد فيهما في حالة الشك. انتهى. وقال الخرشي: ومحل الاتحاد ما لم يخرج أولا ثم يظن أو ينوى التكرار فتتعدد حينئذ كما في الحطاب، وأما من ظن أن الإحرام أو أن كلا يوجب الفدية إذا انفرد وعند التعدد تجب الفدية بالأول فقط، فإن هذا لا يوجب الاتحاد. وأشار إلى المكان الثاني بقوله: أو تعدد موجببها بفور؛ يعني أن الفدية تتحد أيضا فيما إذا تعدد موجبها وكان بفور؛ أي في دفعة واحدة كما إذا لبس وتطيب وقتل القمل وحلق الشعر دفعة من

стр. 2852

غير تراخ؛ لأنه كالفعل الواحد فإن لم يكن في فور واحد أي وقت واحد تعددت، كذا يفيده ظاهر المدونة، وأقره ابن عرفة خلافا لما اقتضاه كلام ابن الحاجب، واقتصر عليه التتائي من أن اليوم فور وأن التراخي يوم وليلة لا أقل وقوله: "أو تعدد موجبها بفور"، سواء تعدد فعل ذلك في نفسه كما يفعله بعض أكابر من إحرامه ثم لبسه عقبه جميع ملبوسه، أو في غيره ولو تعمده الغير في نفسه أيضا، وتلزمهما حينئذ الفدية كما مر في قوله: وعلى المحرم الملقي فديتان، وهذا يجري في مسائل الاتحاد كلها التي ذكرها المصنف. وأشار إلى المكان الثالث بقوله: ونوى التكرار؛ يعني أن من فعل شيئا من ممنوعات الإحرام ونوى أنه يفعله بعد ذلك ويكرره: فإن الفدية تتحد في ذلك الفعل، وإن تراخى عن الأول كأن يلبس لعذر أو يتداوى بدواء فيه طيب، وينوي في الأول أنه إذا زال عذره تجرد، فإن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس، وفي الثاني أنه كلما احتاج إلى الدواء به فعله، ومحل النية من حين لبسه الأول. قاله سند. وهو الذي يفهم من لفظ المدونة. قاله الحطاب. ومما يتحد فيه الفدية إذا كانت نيته أن يفعل جميع ما يحتاج إليه من موجبات الفدية. قاله اللخمي. ونقله المصنف في المناسك، واستفيد من المصنف أن الفعل المكرر إن لم يكن معه نية يشترط في الاتحاد الفورية، وإن كان معه نية لا تشترط الفورية، وظاهر قوله: "أو نوى التكرار"، لو اختلف الموجب كاللبس مع التطيب. انظر المواق. قاله أحمد. فقول التتائي: أما لو تداوى لقرحة أخرى لتعددت -انتهى-. يحمل على ما إذا لم ينو مداواة الثانية عند الأولى، فيوافق ما للمواق وظاهر المصنف. قاله عبد الباقي. وكلام المصنف مقيد بما إذا فعل الموجب الثاني قبل إخراج فدية الموجب الأول وإلا تعددت، وإذا نوى التكرار لعلة وكرر، ثم زالت وخلفتها أخرى ففعل موجب الفدية أيضا من غير نية قبل ذلك لغيرها، فإنها تتعدد عليه، ويدخل في كلام المصنف ما إذا نوى أن يفعل جميع موجبات الفدية وفعل ما نواه أو متعددا مما نواه فتتحد الفدية، فالمسائل ثلاث: الأولى: أن ينوي فعل كل ما يحتاج إليه من موجبات الفدية، الثانية أن ينوي فعل موجبات الفدية ويفعل ذلك أو متعددا منه؛ الثالثة أن ينوي متعددا من موجبات الفدية معينا فلا تتعدد عليه الفدية في صورة من هذه

стр. 2853

الصور الثلاث عند فعل موجب من موجبات الفدية، أو عند إرادة فعله فتتحد الفدية بنية التكرار عند الإحرام كما يفيده الحطاب والمواق وغيرهما. انظر شرح عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي يفيده الحطاب خلافه، ونصه: ومحل النية من حين لبسه الأول. قاله سند. وهو الذي يفهم من لفظ المدونة. انتهى. وإذا تعدد موجب الحفنة جرى فيه مثك ما جرى في الفدية، فتتحد إن ظن الإباحة، وفي الحطاب: وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره، أو نزعه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ، فهذا فعل واحد يتصل في العرف ولا يضره تفرفته في الحس، قال: وقد صرح في المدونة بأن في ذلك فدية واحدة. انتهى. وأشار إلى المكان الرابع بقوله: أو قدم الثوب على السراويل؛ يعني أنه إذا لبس متعددا كل منه موجب للكفارة وبعضُه نفعُه أعمُّ وبعضُه نفعُه أخصُّ وقدم في اللبس ما نفعه أعم على ما نفعه أخص، فإن الفدية تتحد؛ كأن يقدم في لبسه الثوب أو القلنسوة أو القميص على السراويل أو العمامة أو الجبة ففدية واحدة: إلا أن ينتفع بالسراويل أيضا لطوله أو لدفع حر أو برد به فتتعدد بلبسه؛ لأنه انتفع ثانيا بغير ما انتفع به أولا، ولو عكس فقدم السراويل على الثوب ففديتان، وإن لبس قلنسوة ثم عمامة أو بالعكس ففدية واحدة إن لم تفضل إحداهما على الأخرى، ومن ائتزر بمئزر دوق مئزر ففدية واحدة إلا أن يبسطهما ثم يأتزر بهما فلا شيء عليه كرداء فوق رداء. الشَّيخُ: في كتاب محمد، إن احتزم فوق إزاره ولو بحبل، أو ائتزر بمئزر فوق آخر افتدى إلا أن يبسطهما ليأتزر بهما، والفرق بين مسألتي المئزرين والرداءين أن الرداء فوق مثله ليس كالحزام، بخلاف إزار فوق آخر، وإن لبس قميصا وهو صحيح ثم مرض ثم صح وهو لابسه ففدية واحدة. محمد: وإن لبسه لمرض ثم صح وتمادى لابسه فعليه فديتان. يريد لأن نيته كانت أن يلبسه للمرض خاصة، وقد بَعُدَ ما بين النية الأولى والثانية، والقياسُ على أصله أن لا شيء عليه في التمادي؛ أي أن عليه فدية واحدة؛ لأنه بانقضاء المرض تمادى في اللباس فأشبه ما قرب فعل بعضه من بعض، وكذا القول في التطيب صحيحا ثم مرض، وعكسه. انظر التوضيح. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: إن تطيب وهو صحيح ثم مرض ثم صح وهو عليه ولم يغسله كان عليه على قول محمد فديتان، وإن وصف له طيب فاستعمله ثم أصاب طيبا آخر بقرب الأول ففدية

стр. 2854

واحدة، وإن تباعد ما بينهما وذهبت رائحة الأول ففديتان، وكذا إن لم تذهب رائحته حتى استعمل الثاني؛ لأنه لو لم يستعمل الثاني ذهبت رائحة الأول قبل ذلك، ولما كانت موجبات الفدية كما في توضيحه قسمين: أحدهما ما لا يقع إلا منتفعا به كحلق شعر وتطيب؛ وهذا تجب فيه الفدية من غير تفصيل، الثاني ما لا ينتفع به إلا بعد طول فلا تجب فيه الفدية إلا بالانتفاع به، أشار إلى الثاني بقوله: وشرطها في اللبس انتفاع من حر أو برد؛ يعني أنه يشترط في لزوم الفدية في اللبس لثوب أو لخف أن ينتفع به؛ بأن يدفع عنه حرا أو بردا، فلو لبس قميصا رقيقا لا يقي حرا ولا بردا، وتراخي وهو عليه يوما، فإنه يفتدي لأن الطول مظنة حصول الانتفاع: واحترز بقوله: "في اللبس"، عن حلق الشعر والطيب فإن فيهما الفدية من غير تفصيل؛ لأنهما لا يقعان إلا منتفعا بهما؛ لأن موجبات الفدية يشترط فيها أن يحصل بها انتفاع للمحرم، ولكن منها ما لا يقع إلا منتفعا به كحلق الشعر والطيب، فهذا فيه الفدية من غير تفصيل كما عرفت، ومنها ما لا ينتفع به إلا بعد طول كاللباس: فلا تجب فيه الفدية إلا بالانتفاع للمحرم به من حر أو برد، زاد ابن الحاجب: أو طول كيوم، فلو لبس ولم ينتفع من حر أو برد ولم يطل ذلك يوما ولا قريبا من اليوم فلا فدية عليه، ولا شك أن ما قارب اليوم كاليوم. لا إن نزع مكانه؛ يعني أنه إذا لبس الثوب فنزعه مكانه كقياسه عليه فقط، ونزعه فإنه لا شيء عليه. وفي صلاة قولان؛ يعني أن المحرم إذا لبس المحيط من الثياب في الصلاة، فإنه اختلف في لزوم الفدية له وعدم لزومها له على قولين من رواية ابن القاسم، قال في الطراز بعد ذكره القولين رواية ابن القاسم عن مالك: فراعى مرة حصول المنفعة في الصلاة، ونظر مرة إلى الترفه وهو لا يحصل إلا بالطول، قال الحطاب: وهذا هو التوجيه الظاهر لا ما ذكره في التوضيح من أنه، هل تعد الصلاة طولا أم لا؟ لأن الصلاة ليست بطول لما تقدم. انتهى. والذي تقدم هو أن الطول كاليوم كما في ابن الحاجب وابن شأس وغيرهما. قاله محمد بن الحسن. قال: وبه تعلم أن القولين سواء طول في الصلاة أو لا: خلاف ما ذكره الزرقاني عن الشارح. انتهى.

стр. 2855

وعلم مما قررت أن مفهوم قوله: "لا إن نزع مكانه"، غير معتبر؛ لأن ما دون اليوم مما لم يقارب اليوم لا يعد طولا، وفي الخرشي ما نصه: واعلم أن الذي يتحصل مما ذكرنا أن من لم ينزع ملبوسه مكانه؛ فإن نزعه بعد مدة، فإن حصل له فيها انتفاع من حر أو برد فالفدية، وإذا لم يحصل ذلك فلا إلا إذا دام لبسه كاليوم. انتهى. وفيه أيضا: وقولنا: إذا طول في الصلاة تجب الفدية اتفاقا كما يفهم من كلام الشارح، محمول على ما إذا حصل بلبسه انتفاع من حر أو برد، فإن لم يحصل بلبسه ذلك فلا، كما يفيده كلام الجواهر، وقوله: "وفي صلاة قولان"، اعلم أن الأرجح من القولين عدم الفدية كما قاله غير واحد، وفي الحطاب بعد كلام: ففيه ترجيح القول بعدم الفدية وهو الظاهر؛ إذ لم يحصل له انتفاع من حر أو برد. انتهى. ولم يأثم إن فعل لعذر؛ يعني أن موجب الفدية لا يستلزم حصول الإثم، وإنما هو لحصول المنفعة، لكن المنفعة ربما تقع مأذونا فيها كما في ذي العذر، وربما تحرم كما في حق من لا عذر له. اللخمي: ولا يجوز لأحد أن يأتي بما يوجب الفدية اختيارا، ويكفر لأن ذلك انتهاك لحرمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾؛ أي فاحتاج إلى مُحيط فلبسه، أو إلى دواء فيه طيب فتداوى به، ومن اعتقد أن الفدية من غير عذر تكفر الإثم فقد أخطأ في اعتقاده، كمن يقول: أنا أشرب الخمر أو أزني، وما أشبه ذلك، والحد يطهرني، فإن الحد لا يطهره من ذلك، وإثم الإقدام على ذلك باق عليه، وأمره إلى الله تعالى. قاله الخرشي. وقوله: "لعذر"؛ أي حاصل أو مترقب، فخوف العذر كاف. قاله عبد الباقي. وَهِيَ نُسُك شاة؛ النسك مثلث النون وبضم السين وسكونها، يقال للعبادة وكل حق لله تعالى، ويقال نسيكة كسفينة، فقوله: "نسك"؛ أي منسوك به، وقوله: "شاة"، بدل أو عطف بيان، فهو مرفوع أو مجرور بالإضافة، وهي للبيان أي نسك هو شاة، وفي بعض النسخ بشاة بالباء، وقيل لثعلب، هل يسمى الصوم نسكا؟ فقال: كل حق لله تعالى يسمى نسكا، والفعل نسك كنصر وكرم، وفي التنزيل: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، أي متعبداتنا، والمنسك الموضع الذي تذبح فيه النسيكة، ورجل ناسك عابد، ومعنى كلام المصنف أن الفدية هي النسك أي التعبد بشاة، أو هي شيء متعبد به وهو شاة، ويخير من خوطب بالفدية بين ثلاثة أشياء: إما أن يذبح شاة فأعلى؛ أي له

стр. 2856

النسك بأعلى من شاة أي أكثر منها لحما من بقرة أو بعير، لا أن غير الشاة أفضل منها؛ لأن الشاة أفضل من الإبل والبقر، فليست الفدية كالهدايا بل كالضحايا، فالشاة أفضل فيها إلا أن ينوي بها الهدي، ويشترط في الفدية إذا كانت من النعم من السن والسلامة من العيب ما يشترط في الأضحية كما تفيده المدونة، وهذا القول هو الذي ارتضاه أبو الحسن، ومقابله وهو أن الإبل أفضل ثم البقر ثم الغنم هو للباجي، وقال الأبي: إنه المذهب، والظاهر أنه لا بد من ذبحها، ولا يكفي إخراجها غير مذبوحة. قاله عبد الباقي. وفي المدونة: ولا يجوز في جزاء الصيد والفدية ذوات العوار، ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا. انتهى. وقد مر أن قوله: "أعلى"، معناه أكثر لحما، وإذا نوى بها الهدايا فمعنى أعلى أفضل، وكذا إذا مُشِيَ على ما للباجي، وإذا قلنا إن الشاة أفضل فهل يجري هنا ما جرى في الضحايا من قوله الآتي: "وضأن مطلقا" ثم معز ثم هل بقر الخ أم لا؟ أو إطعام ستة مساكين؛ يعني أن المفتدي بالخيار بين أن يعتدي بشاة أو بغيرها من النعم، ويشترط في ذلك من السن والسلامة من العيوب ما يشترط في الأضحية كما مر، وبين أن يفتدي بإطعام ستة مساكين لكل؛ أي لكل مسكين من المساكين الستة مدان بمد سيدنا ومولانا محمد ﷺ تسليما، ولهذا قال: كالكفارة؛ يعني أن الأمداد المذكورة التي هي اثنا عشر مدا وهي ثلاثة آصع تكون كالكفارة في أنها من غالب القوت بالبلد لا غالب قوته هو، وفي أنها بمده ﷺ تسليما؛ إذ هو الذي به تؤدى جميع الكفارات ما عدا كفارة الظهار، فإنها بمد هشام على المشهور: وهو مد وثلثان بمده ﵊؛ والظاهر أن الشبه به كفارة اليمين، ويأتي حكمها في باب اليمين من قوله: "ولا تجزئ ملفقة" الخ، وقال الشيخ زروق: ولو افتدى من شيء قبل فعله لم يجزه. انتهى. أو صيام ثلاثة أيام؛ يعني أن المفتدي بالخيار بين أن يفتدي بما يجزئ من النعم ضحية، وبين أن يطعم ستة مساكين لكل مدان كما مر، وبين أن يصوم ثلاثة أيام؛ قال فيها: والإطعام ستة مساكين مدان لكل مسكين بمد النبي صلى اللّى عليه وسلم من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير، والأصل في الفدية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وما في الموطإ: (كان كعب بن عجرة معه ﷺ محرما؛ فآذاه

стр. 2857

القمل في رأسه، فقال له: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل مسكين، أو انسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك (١)). ولو أيام منى؛ يعني أنه إذا افتدى بصيام ثلاثة أيام، فإن ذلك يجزئه، ولو كانت أيام منى وهي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر الأول، وهذا مذهب المدونة، ورد بلو ما في الموازية من أنه مكروه لأنها لم تقيد بالحج، فرأى أنها أيام منهي عن صومها، وما ذكره المصنف هنا مخالف لقوله: "لا سابقيه إلا المتمتع". ولم يختص بزمان أو مكان؛ يعني أن الفدية ذبحا ونحرا أو إطعاما أو صياما كما نقله عبد الباقي عن التتائي، لا تختص بمكان من الأمكنة عن مكان آخر، ولا بزمان من الأزمنة عن زمان آخر فأي مكان فعل ذلك فيه أجزأه، وأي زمان فعل ذلك فيه أجزأه، قال عبد الباقي: وانظر قوله: "أو إطعاما" لخ، ما موقعه هنا؟ وهل يتوهم تخصيصه بمكان أو زمان حتى لا يتقيد؟ وقد أسقط ذلك في صغيره: وإسقاطه هو الظاهر، ثم مقتضاه إطلاق النسك على الثلاثة، ومقتضى المصنف كالآية تخصيصه بالذبيحة. انتهى. إلا أن ينوي بالذبح الهدي؛ يعني أن النسك لا يختص بزمان ولا مكان إلا أن يكون قد نوى بذبحه النسك أي مذبوحه الهدي، وأما إذا نوى بما ذبحه نسك الهدي، فإن حكمه أي النسك حينئذ كحكمه؛ أي الهدي في أنه يختص بمنى إن وقف به بعرفة، وإلا فمكة والجمع فيه بين الحل والحرم وأفضلية الأكثر لحما، وفي أنه يختص بزمان والتقليد فيما يقلد والإشعار فيما يشعر كالنية، فنية الهدي فيما يقلد أو يشعر دون تقليد أو إشعار يكون بها النسك حكمه كحكم الهدي، والتقليد والإشعار فيما يقلد أو يشعر دون نية الهدي كنية الهدي، ولا يدخل في قوله: "فكحكمه" الأكل، فلا يأكل منها بعد المحل ولو جعلت هديا كما يأتي إن شاء الله تعالى، وأما تقليد ما لا يقلد دون نية فكالعدم، فإذا قلد الغنم ولم ينو بها الهدي فإنه يذبحها حيث شاء في أي زمان: وكلام عبد الباقي هنا منه ما فيه نظر، والله سبحانه أعلم. وقوله: "بالذبح" بكسر الذال، بمعنى المذبوح، وعلم من كون النسك لا يختص بزمان أو مكان أن الإطعام والصوم لا يختصان بشيء من ذلك من باب أحرى. ولا يجزئ غداء وعشاء؛ يعني أنه ألا يجزئه في إطعام

стр. 2858

المساكين الستة غداء وعشاء لكل واحد منهم، ولا غداءان كذلك ولا عشاءان كذلك، وهذا إن لم يبلغ ما ذكر إن لم يبلغ ما ذكر مدين لكل واحد على انفراده وإلا أجزأ، قاله أحمد. قاله عبد الباقي. وإنما لم يجز الغداء والعشاء حيث لم يبلغ ذلك مدين؛ (لأنه ﷺ سمى مدين مدين (١))، ومعنى قوله: "إن لم يبلغ مدين"، لم يتحقق أنه بلغ مدين، فإن تحقق أن كل واحد بلغ مدين أجزأ، ولكن الأفضل خلافه كما يدل عليه قوله الآتي في الظهار: "ولا أحب الغداء والعشاء كفدية الأذى"، ولو حصل لبعضهم مدان أو أكثر ولبعضهم أقل من مدين، فإنه يكمل لمن لم يحصل له مدان بقيمتهما. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وينبغي إذا بلغ كل واحد على انفراده مدين الإجزاء، ولو في غداء فقط أو عشاء فقط، والفرق بين إجزاء الغداء والعشاء في كفارة اليمين وعدم إجزانهما هنا وفي الظهار إن لم يبلغا مدين، أن الكفارة لليمين أكل مد وهو الغالب في أكل كل شخص في يوم، والظهار والإطعام هنا لكل مدان وهما قدر أكل الشخص في يومين، فلذا لم يجز فيهما الغداء والعشاء؛ لأنهما أكل يوم فقط إن لم يبلغ ذلك مدين. والجماع؛ عطف على الممنوع على الرجل والمرأة بالإحرام؛ يعني أنه يحرم على المحرم ذكرا أو أنثى بالإحرام الجماع، وكذا تحرم عليهما مقدماته، ولو علمت السلامة، بخلاف الصوم فتكره فقط مع علمها ليسارة الصوم، وقوله: "والجماع ومقدماته"، لا خلاف فيه، ويستثنى من ذلك القبلة لوداع أو رحمة ما لم ينزل، وقوله: "والجماع" الخ، في الحرمة، وقوله: وأفسد. في الإفساد مطلقا؛ يعني أن الوطء إذا وقع قبل التحلل الأصغر يفسد الحج مطلقا؛ أي سواء كان عمدا أو نسيانا أو جهلا أو مكرها، في قبل أو دبر آدمى أو غيره أنزل أم لا، كان موجبا للمهر أم لا، بشرط أن يكون موجبا للغسل كما حرره الشيخ محمد بن الحسن، خلافا لقول عبد الباقي وغيره: إن وطء الصبي يفسد حجه دون وضوئه وصومه، وإنه سواء كان في هواء الفرج أم لا، وإنه سواء كان بخرقة كثيفة أم لا. انتهى.

стр. 2859

ويدخل في الإطلاق كونه بعد أن فعل شيئا من أفعال الحج أو قبله، وقوله: "مطلقا"، حال من فاعل أفسد، وهو ضمير يعود على الجماع، وفي النوادر: أن المحرم إذا ارتد انفسخ إحرامه ولا يلزمه قضاؤه. كاستدعاء مني؛ يعني أن المحرم إذا استدعى المني حتى خرج منه فإن ذلك يُفْسد حَجَّهُ، وإن بنظر؛ يعني أنه إذا استدعى المني بنظر أدامه فإن ذلك يُفْسد حَجَّهُ، وكذا لو أدام الفكر فحصل بذلك خروج مني، فإن لم يدم ما ذكر فالهدي مندوب والحج صحيح، ولو قال المصنف: ولو بنظر لكان أولى، ليشير إلى قول أشهب: إنما عليه الهدي، وقوله: "كاستدعاء مني وإن بنظر"، هذا هو المعروف، وقيل: لا يفسده إلا ما يوجب الصداق والحد، وقوله: "كاستدعاء مني وإن بنظر"؛ أي وحصل كما قررت، وإلا فالهدي إن حصل مذي وإلا فلا شيء عليه، وبه تعلم أنه كان الأولى له أن يقول: كإخراج مني، وما تقدم من ندب الهدي إذا أمنى بنظر أو فكر غير مدام هو للأبهري، وهو خلاف الراجح، والراجح وجوب الهدي. ابن عرفة: والإنزال بقصد كالوطء والاحتلام لغو، وفي المدونة: وإذا أدام المحرم التذكر للذة حتى أنزل، أو عبث بذكره فأنزل، أو كان راكبا فهزته الدابة فاستدام ذلك حتى أنزل، أو لمس أو قبل أو باشر فأنزل، أو أدام النظر حتى أنزل، فسد حجه، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعله شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت. انتهى. وقد أخذ المتأخرون من هذا أن الاستمناء باليد حرام، لقوله: شرار النساء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، وانظر هذا الأخذ مع قوله: أو عبث بذكره، ولم يقل شرار الرجال فتأمله، ولا شك في حرمة ذلك. والله أعلم. قاله الحطاب. ويأتي في باب النكاح الكلام على الاستمناء باليد، وأنه حرام. والله سبحانه أعلم. قبل الوقوف مطلقا، الظرف يتنازعه "أفسد" "واستدعاء". كما يفيده نقل الخرشي عن بعض الشراح، ولفظه: "قبل الوقوف"، ظرف "لأفسد" "واستدعاء". انتهى. وقال عبد الباقي: وقيد الفساد بقوله: "قبل الوقوف" الخ، ومعنى كلام المصنف أن الوطء وإخراج المني المذكور كل منهما يفسد الحج إذا وقع قبل الوقوف بعرفة مطلقا، فعل شيئا من أفعال الحج كطواف القدوم والسعي

стр. 2860

أم لا، ويحتمل قوله: "مطلقا"، أن يفسر بأنه سواء كان الاستدعاء عن أمر يغلب الإنزال منه أم يغلب عدمه: خلافا لقول اللخمي: إن أنزل عن استدعاء يغلب الإنزال منه أفسد، وإن أنزل عن استدعاء يغلب عدم الإنزال منه لم يفسد وعليه هدي. انتهى. قال محمد بن الحسن: ما ذكره اللخمي ليس بمنصوص، وإنما خرجه على عدم الفساد بالإنزال عن فكر، ونظر غير مستدامين؛ وقال سند: إنه تخريج فاسد، وكذا رده ابن عرفة بأن الفعل قوي. انتهى. أو بعده؛ يعني أنه إذا وطئ أو حصل له خروج المني المذكور بعد أن وقف بعرفة، فإن حجه إنما يفسد إن وقع ذلك منه قبل التحليلين الأصغر والأكبر من طواف إفاضة وَسَعْيٍ مؤخر عن الوقوف ورمي جمرة عقبة، وقوله: يوم النحر؛ متعلق بقوله: "إن وقع"، وقوله: أو فدية، عطف على "يوم"؛ يعني أن الحج إنما يفسد بما ذكر من وطء وإخراج مني حيث وقع الوطء، وما في حكمه يوم النحر أو قبله ليلة المزدلفة، أو يوم الوقوف: ولا بد من لفظة "قبله"، ليلا يتوهم اختصاص الفساد بيوم النحر؛ وإلا؛ أي وإن لم يقع الوطء وما في حكمه قبل إفاضة وعقبة يوم النحر أو قبله، بل وقع قبلهما بعد يوم النحر أو بعد أحدهما ولو في يوم النحر، فالواجب على الفاعل لذلك هدي في الصور الثلاث، وفي نسخة: فدم، والمصنف بحسب ظاهره يشمل ما إذا وقع الوطء وما في حكمه بعد التحليلين رمي العقبة والإفاضة يوم النحر، أو بعده مع أنه لا هدي في هذه؛ وكأنه إنما ترك التنبيه على ذلك اعتمادا على قوله فيما مر: "وحل به ما بقي". والفرق بين وطئه قبلهما بعده، وبين ما إذا وطئ قبلهما في يوم النحر أو قبله، أنه لما خرج يوم النحر صارت جمرة العقبة قضاء، وصار الطواف كالقضاء لخروجه عن وقته الفاضل المقدر له شرعا، والقضاء أضعف من الأداء، ألا ترى أن من أفطر برمضان عليه القضاء والكفارة؛ ومن أفطر في قضائه عليه القضاء فقط؟ قاله المصنف. وقوله: "فهدي"؛ قال النووي: الهَدْيُ والهَدِيُّ لغتان فصيحتان مشهورتان، إسكان الدال مع تخفيف الياء، وكسر الدال مع تشديد الياء. نقله الخرشي. كإنزاله ابتداء؛ يعني أن المحرم إذا أنزل بنظر أو فكر ابتداء؛ أي من غير استدامة، فإن حجه لا يفسد ولو قصد لذة، وعليه الهدي؛ لأن الفساد إنما يكون عنهما إن كان كل منهما للذة مع إدامة كل منهما وخروجه عنها، فإن خرج بلا لذة أو غير معتادة فلا شيء عليه؛ وقال الشيخ أحمد عند قوله: "كإنزاله

стр. 2861

ابتداء": كان في لحل يفسد الحج بحصوله فيه على غير هذا الوجه أم لا. انتهى. وقوله: "كإنزاله ابتداء"، قال عبد الباقي: يستثنى من ذلك خروجه عن قبلة بفم أو عن لمس أو عبث بذكر، فيفسد، وإن لم يدم ذلك، بل ظاهر المدونة: وإن لم يقصد بذلك لذة، وإمذائه؛ يعني أن المحرم يلزمه الهدي بإمذائه، سواء خرج ابتداء أو بعد مداومة نظر أو فكر أو قبلة أو مباشرة أو غيرها، وكلام المصنف يقتضي أو يوهم أنه مقصور على ما إذا خرج ابتداء، وأما لو خرج عن إدامة شيء مما ذكر فإنه يفسد، وليس كذلك. قاله الخرشي. وغيره. قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف لا يوهم ذلك ولا يقتضيه، لكونه أطلق في الإمذاء وقيد في الإنزال. والله سبحانه أعلم. فقوله: "وإمذائه"، سواء خرج في حالة لو خرج فيها المني لأفسد، أو في حالة لو خرج فيها لأوجب الهدي. قاله غير واحد. وقوله: "وإمذائه"، قال الخرشي: وينبغي حيث خرج بلذة معتادة. انتهى. وقبلة؛ يعني أن القبلة بغير إنزال توجب الهدي وإن لم يحصل عنها مذي، ومفهوم المصنف أن ما عدا القبلة من مقدمة الجماع إذا لم يحصل عنها مذي ولا مني لا توجب هديا، وإنما فيها الإثم، وإن قصد اللذة ووجدها وهو كذلك يريد إلا الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة، ففي ذلك الهدي؛ لأنها أشد من القبلة، وقوله: "وقبلة"، محل ذلك إذا كانت على الفم، وأما إن كانت على الجسد فحكمها حكم الملامسة التي ذَكَرْتُهَا لَك، ومحل الهدي في القبلة إن كانت لغير وداع أو رحمة، وإلا فلا شيء فيها إن لم يخرج معها مني أو مذي، وإلا جرى كل على حكمه. الباجي: وكل ما فيه نوع من الالتذاذ بالنساء فيمنع منه المحرم، ثم ما كان منه لا يفعل إلا للذة كالقبلة ففيه الهدي على كل حال، وما كان يفعل منها للذة وغيرها مثل لمس كفها أو شيء من جسدها، فما أتى من ذلك على وجه اللذذ ممنوع، وما كان بغير اللذة فمباح. انتهى. قاله الحطاب. وقال: الذي يتحصل من كلام ابن عبد السلام والمصنف في التوضيح والفاسي في تصحيح ابن الحاجب أن يعرى وجوب الهدي في القبلة من الخلاف؛ لأنها لا تفعل إلا للذة فهي مظنتها، والتعليل بالمظنة لا يتخلف، وأن محل الخلاف فيما عداها من ملامسة خفيفة ومباشرة وغمز

стр. 2862

ونظر وكلام وفكر، إذا حصل عن ذلك مذي وأن أظهر القولين وأرجحهما وجوب الهدي حينئذ، وأما إن لم يحصل مذي فلا هدي، وقد غَرَّ وسلم، وأما الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي لأنها مظنة اللذة كالقبلة بل ذلك ألذ، ولا يكاد يتخلف عنه الذي غالبا. والله أعلم. ابن الحاجب: وروي من قبل فليهد، فإن التذ بغيرها فأحب إلى أن يذبح؛ قال في التوضيح: قوله: وروي؛ أي في الموازية. قاله الحطاب. ووقوعه بعد سعي في عمرته. وقوعه بالجر عطف على قوله: كإنزاله: فهو مما يجب فيه الهدي؛ يعني أن المعتمر إذا وقع منه ما يفسد الحج بعد تمام سعي العمرة وقبل حلاقها، فإنه يلزمه الهدي من غير فساد لانقضاء أركانها: وإلا، بأن وقع من المعتمر ما يفسد الحج في أثناء السعي بين الصفا والمروة أو قبله فسدت عمرته، وفي شرح عبد الباقي أن ما يوجب الفساد في الحج في بعض الأحوال من وطء أو إنزال هو الذي يوجب الهدي في العمرة دون ما يوجب الهدي في الحج: فلا يوجبه في العمرة لأن أمرها أخف، هذا ظاهر الشارح وغيره. واستظهر الشيخ سالم مساواتها له، قال محمد بن الحسن: ما استظهره الشيخ سالم هو الذي يشهد له عموم كلام الباجي الذي نقله الحطاب والتوضيح. انتهى. ووجب إتمام المفسد؛ بفتح السين اسم مفعول؛ يعني أن المفسد من حج أو عمرة يجب إتمامه، وإنما يجب إتمام الحج المفسد حيث كان يدرك الوقوف في إتمامه أو أدركه قبل الفساد وإتمامه برمي العقبة وطواف الإفاضة والسعي إن لم يكن قدمه، فإن فاته الوقوف فيه وجب تحلله منه بفعل عمرة، ولا يجوز له البقاء على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفاسد مع تمكنه من الخلاص منه كما يأتي في قوله: "وإن أفسد ثم فات أو بالعكس وإن بعمرة التحلل تحلل وقضاه دونها"، فما يأتي يفيد تقييد ما هنا. واعلم أنه لا خلاف بين العلماء أن المحرم إذا أفسد حجه أو عمرته يجب عليه إتمامه إلا داوود، وإنما وجب إتمام المفسد مع أن فيه التمادي على الفاسد؛ لأن الحج جعل له غاية وهي التحللات؛ وفي الخرشي: ولو قال المصنف: ووجب إتمام الفاسد لكان أوضح، وإلا بأن لم يتمه سواء ظن إباحة قطعه أم لا، فهو أي المحرم باق عليه؛ أي على إحرامه الفاسد، وبالغ على

стр. 2863

بقائه على إحرامه الفاسد، بقوله: وإن أحرم؛ يعني إذا لم يتم المفسد وتمادى إلى السنة الثانية وأحرم بغيره فإنه باق على إحرامه الفاسد، وإحرامه الثاني لغو، ولو قصد به القضاء عن الفاسد من حج أو عمرة، فإنه لا يكون قضاء عنه للغوه؛ ولهذا قال: ولم يقع قضاؤه؛ يعني أن المحرم إذا فسد حجه أو عمرته فلم يتمه، وأحرم لقضائه في العام الثاني، فإنه لا يجزئه ولا ينعقد هذا الثاني وهو على إحرامه الأول الذي أفسده، ولم يقع قضاؤه إلا في السنة الثالثة أو العمرة الثالثة، وإلى ذلك أشار بقوله: إلا في ثالثة، وهذا حيث لم يطلع عليه حتى فات وقوف الثاني، وإلا أمر بالتحلل من الفاسد بفعل عمرة، ولو دخلت عليه أشهر الحج وقضاه في العام الثاني، وعبارة ابن الحاجب: فإن لم يتمه ثم أحرم للقضاء في سنة أخرى، فهو على ما أفسد ولم يقع قضاؤه إلا في ثالثة. انتهى. قاله محمد بن الحسن بناني. وعطف على فاعل وجب من قوله: "ووجب إتمام المفسد"، قوله: وفورية القضاء؛ يعني أن المحرم إذا أفسد حجه أو عمرته فإنه يجب عليه القضاء فورا لما أفسده من حج أو عمرة بعد التحلل من فاسدها أو فاسد الحج، ولو على القول بتراخي الحج ولم يخف الفوات فيقضي الحج في الزمن القابل. وإن تطوعا؛ يعني أن قضاء الحج المفسد واجب على الفور، ولا فرق في ذلك بين الحج الفرض وحج التطوع، وظاهر كلام المصنف في التوضيح وابن عبد السلام أن من أحرم بحجة تطوع قبل حجة الإسلام ثم أفسدها يقضي الفاسد قبل حجة الإسلام، وقوله: "وفورية القضاء"؛ أي على نحو ما فاته من قران وتمتع وإفراد، فإن خالف أتى فيه قوله: "وأجزأ تمتع عن إفراد" الخ. وقضاء القضاء؛ يعني أن المشهور وهو قول ابن القاسم: أن من أحرم قضاء عما أفسده من حج أو عمرة، ثم إنه أفسد القضاء أيضا يلزمه أن يحج حجتين، إحداهما عن الأصل والأخرى عن القضاء الذي أفسده؛ لأنه أفسد أولا وثانيا وعليه هديان، وتقدم قوله في الصوم: "وفي قضاء القضاء خلاف"، ومشى المصنف هنا على أحد القولين، والفرق بين الحج والصوم أن الحج كلفته شديدة، فشدد فيه بقضاء القضاء سدا للذريعة ليلا يتهاون فيه. قاله المؤلف. وفرق بينهما أيضا بأن القضاء في الحج على الفور، فصارت حجة القضاء كأنها معينة في زمن معين، فلزمه القضاء في فاسدها كحجة الإسلام، وأما زمن قضاء الصوم فليس بمعين، وأما من أفسد قضاء صلاة فليس

стр. 2864

عليه إلا صلاة واحدة قولا واحدا، وظاهر قوله: "وقضاء القضاء"، ولو تسلسل، وهل له تقديم الثاني على الأول. انظره. وقوله: "وقضاء القضاء"؛ أي وعليه هديان. ونحر هدي في القضاء؛ يعني أنه يجب على من أفسد حجه أو عمرته أن ينحر هديا في زمن قضاء حجه أو عمرته لا في زمن فسادهما، ليتفق له الجابر المالي والجابر النسكي وهما الهدي والقضاء، وظاهر العبارة يعطي أن الهدي للقضاء، فلو قال: ونحر هديه فيه، ويكون الضمير في هديه عائدا على الفساد، وفي فيه عائدا على القضاء لكان أحسن. قاله غير واحد. واتحد وإن تكرر لنساء؛ يعني أن من أفسد حجه أو عمرته بغير الوطء أو بالوطء مرارا في امرأة واحدة، بل وإن في نساء، فإنما عليه هدي واحد في ذلك كله لأجل الفساد الواقع بالوطء الأول؛ لأن الحكم له فقط، كثلاثة شركاء في عبد أعتق أحدهم نصيبه منه. ثم أعتق الثاني نصيبه منه فالتقويم على الأول فقط؛ لأنه هو الذي أدخل الفساد في رقبة العبد، ولا تقويم على الثاني لأنه لم يدخل فسادا في رقبة العبد، ونص المدونة: وأما وطؤه مرة أو مرارا امرأة واحدة أو عددا من النساء فليس عليه في ذلك إلا هدي واحد؛ لأنه بالوطء أفسد حجه ولزمه القضاء. عبد الوهاب: وإنما لم يتكرر الهدي بتكرر الوطء خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الثاني وطء لم يفسد الحج. نقله الشارح. بخلاف صيد؛ يعني أن الجزاء يتكرر بتكرر الصيد على المشهور لأن جزاءه عوض عما أتلفه، والأعواض تتكرر بتكرر التلفات؛ إذ القاعدة أن من أتلف شيئا لزمه غرمه وإن تكرر، وسواء فعله جهلا أو نسيانا أو عمدا كما يأتي. وفدية؛ يعني أن الفدية تتكرر بتكرر الموجب على التفصيل المتقدم، ثم إن قوله: "بخلاف صيد وفدية"، ليس له كبير فائدة لتكرره مع ما يأتي في الصيد مع ما فيه من مخالفة ظاهر قوله: "وفدية"، لما قدمه من التفصيل فيها، وجزأ إن عجل؛ يعني أن هدي الفساد يجب أن يكون في زمن القضاء كما مر، فإذا لم يفعل الواجب يأَنْ عجَّل هدي الفساد قبل قضاء المفسد فإن ذلك يجزئه كما هو المنصوص، وليس هذا مكررا مع ما يأتي في فصل الإحصار؛ لأن ما هنا في الفساد وما يأتي في الفوات، فلا تكرار. قاله محمد بن الحسن بناني معترضا على عبد الباقي. وثلاثة إن أفسد قارنا ثم فاته؛ يعني أن من أحرم بالحج والعمرة حال كونه قارنا، ثم أفسد حجه ذلك، ثم بعد أخذه في إتمامه فاته الوقوف بأن طلع الفجر ولم يقف، أو فاته أو لا ثم أفسده،

стр. 2865

فإنه يلزمه ثلاثة هدايا: هدي للفساد وهدي للفوات، وهدي للقران الثاني، فإنه يلزمه أن يقضي قارنا كما يعلم مما يأتي إن شاء الله تعالى. فقوله: وقضى؛ معناه أنه يلزمه أن يقضي ويكون في قضائه قارنا، وكما يلزم من أفسد قارنا ثم فاته ثلاثة هدايا، والقضاء قارنا يلزم من أفسد متمتعا ثلاثة هدايا والقضاء متمتعا، وقوله: "وثلاثة" الخ، هو رواية أصبغ عن ابن القاسم، وصححه ابن الحاجب وغيره من الأشياخ، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن عليه أربعة هدايا، واختاره ابن المواز، والأربعة الثلاثة الأول وهدي آخر للقران الأول. اللخمي: والأول أحسن؛ لأنه إنما آل أمره إلى عمرة، ولم يتم القران الأول. قاله الشارح. وعمرة؛ معطوف على هدي من قوله: "وإلا فهدي"، ولو وصله به كان أحسن ليلا يتوهم وصله بما قبله كما فعل بعض، وإنما هو متعلق بالأقسام الثلاثة الداخلة تحت قوله: "وإلا"؛ يعني أنه إذا وقع الوطء وما في حكمه قبل رمي العقبة والإفاضة بعد يوم النحر أو قبل أحدهما ولو في يوم النحر، فإنه لا يفسد الحج، وإذا لم يفسد فإنه يجب عليه هدي كما مر، ويلزم مع الهدي عمرة يأتي بها بعد أيام منى، بشرط أشار إليه بقوله: إن وقع قبل، ركعتي الطواف؛ يعني أن محل لزوم العمرة له مع الهدي إنما هو حيث وقع الوطء وما في حكمه بعد تمام السعي، لكن لم يركع للطواف، أو قبل تمام الطواف أو بعده وقبل ركعتي الطواف ليأتي بطواف وسعي لا ثلم فيهما، وإن وقع وطؤه بعد السعي والطواف بركعتيه وقبل الرمي أو بعده وقبل الحلق، فإنما عليه هدي فقط لسلامة السعي والطواف من الثلم، ولا عمرة عليه حيث قدم السعي وإلا لزمته. وقوله: وعمرة، هذه العمرة ليست بخارجة في الحكم عن إحرام الحج، ولذلك قال مالك: إن طلقها فبانت وتزوج كل واحد منهما قبل أن يعتمر فنكاحهما فاسد، وكذلك إن تزوجها هو بعد انقضاء عدتها. قاله سند: واستشكله بأنه لو نكحت بعد إتمام الفاسد وقبل القضاء صح نكاحها، وانظر إذا أراد أن يحرم بحج قبل أن يأتي بهذه العمرة، هل يصح إحرامه أم لا؟ وإحجاج مكرهته؛ يعني أن من أكره امرأة محرمة على الجماع فجامعها حرة أو أمة أذن لها في الإحرام أم لا، أو أكرهها غيرُه له، يجب عليه إحجاجها من ماله والكفارة عنها أيضا من ماله، والمراد بالكفارة الهدي.

стр. 2866

وبما قررت علم أن قوله: "مكرهته"، شامل للزوجة والأمة والأجنبية، ومفهوم قوله: "مكرهته"، أن الحرة الطائعة عليها ذلك من مالها خاصة، وطوع الأمة إكراه ما لم تطلب أو تتزين. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وقوله: "مكرهته"، يخرج الطائعة وهو كذلك، وظاهره: ولو كانت أمة؛ وقد نقل في التوضيح وغيره عن الموازية أن طوعها كالإكراه، وقال الخرشي: وأما أمته إِذا أذن لها في الحج فلما أحرمت وطئها طوعا أو كرها، فإنه يلزمه أن يحجها بعد ذلك؛ إذ لا فرق بين أن يطأها طائعة أو مكرهة ما لم تطلبه، قال ابن القاسم: ويهدي عنها ولا يصوم، وظاهر قوله: "وإحجاج مكرهته"، ولو صغيرة. انتهى. وبه تعلم أن قول عبد الباقي: أذن لها فيه أم لا، لا يأتي في أمته. والله سبحانه أعلم. (وإحجاج مكرهته) يعني أن الزوج إذا أكره زوجته وهي محرمة على الجماع فجامعها، فإنه يلزمه أن يحجها من ماله كما علمت، وإن كان أكرهها وهي في عصمته ثم طلقها وتزوجت غيره؛ فإنه يلزم الزوج الأول المكره لها أن يحجها من لماله، ويجبر الزوج الثاني على الإذن لها، وكذا إن باع الأمة، ويجوز بيعها على المنصوص، فإن بيّن وإلا فعيب. ابن يونس: فإن فلس الزوج حاصت الزوجة غرماءه بما وجب لها، ووقف ما صار لها حتى تحج به وتهدي، فإن ماتت قبل ذلك رجعت حصة الإحجاج المغرماء ونفذ الهدي، وفي المدونة: ومن أكره نساءه وهن محرمات أحجهن وكفر عن كل واحدة منهن كفارة، وإن بن منه ونكحن غيره، وإن طاوعنه فذلك عليهن دونه. ومعنى قوله في المدونة: كفر عنهن أهدى عنهن. قاله الخرشي. وقوله: "مكرهته"، قال عبد الباقي: وأما إن أكرهه شخص على أن يطأ غيره أو يطأه غيره فلا شيء على المكره بالكسر رجلا أو امرأة غير الإثم، وسواء كان المكره بالفتح رجلا أو امرأة ولا شيء عليها أيضا، بخلاف الرجل المكره فعليه إحجاج موطوءته؛ لأن انتشاره يعد اختيارا كذا قرره الأجهوري، قوله: ولا شيء عليها أيضا؛ يعني وعلى واطئها إحجاجها، ويمكن إدخالها في كلام المصنف، بأن يكون المراد بقوله: "مكرهته" مكرهة له، أعم من أن يكون هو الذي أكرهها أو غيره. قاله محمد بن الحسن. وهو الذي قررت به كلام المصنف، وقوله: بخلاف الرجل المكره؛ أي بالفتح. قاله محمد بن الحسن. قال: وفي كلامه نظر والظاهر لا شيء عليه.

стр. 2867

وعليها إن أعدم؛ يعني أنه إذا أكره محرمة على الجماع وجامعها فإنه يحجها إذا لم يكن معدما، وأما إن كان عديما فإنه يجب على المكرهة أن تحج وتهدي وتفدي من مالها، وإذا فعلت ذلك من مالها رجعت عليه؛ أي على المكره، كالرجوع المتقدم، والتشبيه في مطلق الرجوع بالأقل: فما لزمها من فدية رجعت عليه فيه بالأقل من قيمة النسك وكيل الطعام أو ثمنه، فإن صامت فلا رجوع لها، وما لزمها من هدي ترجع بالأقل من قيمته وثمنه حيث لم تصم، وفي الكراء ترجع بالأقل مما اكترت به، ومن كراء المثل، وفي النفقة ترجع بالأقل مما أنفقت، ومن نفقة مثلها في السفر على غير وجه السرف، وقوله: "كالمتقدم"، تقدم له ذكر الرجوع في مسألة إلقاء الحل الطيب على محرم نائم ولم يجد الحل الفدية، ولم يتقدم ذلك فيما استأجرت به ولا فيما أنفقته وفي التوضيح: ولو كان النسك بالشاة أرفق لها حين نسكت وهو معسر ثم أيسر وقد غلا النسك ورخص الطعام، فإنما يلزم الطعام؛ إذ هو الآن أقل قيمة من قيمة النسك الذي نسكت. انتهى. فاعتبر يوم الرجوع لا يوم الإخراج، وبه يظهر أن قول عبد الباقي: والظاهر أن المراعى في الأقل فيما تقدم يوم الإخراج قصور والنص بخلافه. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية بناني. وإنما اعتبر هنا نفقة السفر، وإن كانت إذا حجت الفرض إنما لها عليه نفقة حضرت لأن إحجاجها هنا عليه وكذلك حجة الفرض. وفارق من أفسد معه؛ فاعل فارق ضمير يعود على المحرم، "ومن" مفعول فارق، وهي واقعة على المرأة، ومفعول أفسد محذوف أي الحج مثلا، ومعه ظرف لغو معمول لأفسد، والضمير فيه عائد على "من"، فلذا أتى به مذكرا رعيا للفظ من وإن كان معناه مؤنثا؛ يعني أن من جامع زوجته أو أمته وهما محرمان، يجب عليه أن يفارق من فعل ذلك معها ليلا يعود إلى مثل ما مضى منه، وقيل: إن المفارقة المذكورة مندوبة، وأفاد المصنف أنه إنما يفارق من وقع الإفساد معها لا غيرها، فالمعية مُفيدَة لعدم وجوب مفارقة من لم يفسد الحج معها، فلا تجب عليه مفارقتها، فهو بمثابة ما لو قال: وفارق من أفسد حجها فقط، وقال: "وفارق من أفسد معه"، قال الإمام الحطاب عنده: جرى ﵀ على غالب عادته لمن أنه إذا كان في المسألة احتمالات يأتي بلفظ يقبل كل واحد منها، وعبارته نحو عبارة المدونة، ونصها: قال ابن القاسم: ومن جامع زوجته في

стр. 2868

الحج فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء حتى يحلا، وقد اختلف في التفريق، هل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ فقال ابن الجلاب وابن القصار: هو مستحب، وفي آخر كلام الطراز ميل إليه، وقال ابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب: وإذا قضى فارق الخ: يريد أنه إذا قضى الفاسد وجب عليه أن يفارق زوجته أو أمته التي كان إفساده للحجة المتقدمة معها، ثم قال: وظاهر إطلاقات المذهب أن ذلك على الوجوب، وهو أسعد بالأثر، وقال ابن القصار: مستحب؛ وفرق اللخمي بين الجاهل فيستحب والعالم فيجب. انتهى. ونحوه في التوضيح، وقال ابن بشير: ظاهر الكتاب الوجوب، وقال ابن فرحون: ظاهر المذهب الوجوب. انتهى. وظاهر قول المصنف: من أفسد معه أن هذا الحكم خاص بتلك المرأة، ونحوه لابن الحاجب، وقال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب المتقدم: مثله في المدونة وهو يدل على اختصاص الحكم بتلك المرأة؛ وقال اللخمي: لا فرق بين تلك المرأة وغيرها. انتهى. وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وهل غيرها من النساء كهي؟ قولان مشهوران. انتهى. انتهى. وقال الحطاب أيضا: الظاهر أنهما لا [يؤمران] (١) بالافتراق في بقية حجهما المفسد، وفي كلام القاضي سند ما يدل له. انتهى. وهذا الذي قاله الحطاب يدل له قول المصنف: من إحرامه؛ يعني أن ابتداء المفارقة لمن أفسد الحج معها من حين إحرامه بقضاء الحج المفسد، وغاية المفارقة لتحلله؛ أي يفارقها من حين أحرم بقضاء المفسد إلى أن يتحلل منه برمي جمرة العقبة. وطواف الإفاضة؛ وينبغي الحلق، قال عبد الباقي: وفي ذكر المبدإ والغاية إشعار بأن هذه المفارقة في حجة القضاء، وهو كما أشعرت وأما في عام الفساد فذكر ابن رشد أنه كذلك، وهو واضح كما يدل عليه علة المفارقة في عام القضاء، بل ربما تدل على أنها في عام الفساد أولى لكثرة التهاون منه في الفاسد الواجب إتمامه، وظاهر الطراز خلافه. وقوله: لتحلله، هذا فيمن قدم السعي، وأما من لم يقدمه فلا يتحلل إلا بتمام السعي. قاله الحطاب. وقوله: "من إحرامه"، ظاهره سواء كان من حج أو عمرة وهو كذلك. نص عليه الكافي وابن فرحون وغيرهما: وقال ابن فرحون: والتحلل في العمرة الحلاق.

стр. 2869

وعلم مما قررت أن اللام في قوله: "لتحلله"، للانتهاء. والله سبحانه أعلم. ولا يراعي في زمن إحرامه بالقضاء زمن إحرامه بالمفسد؛ يعني أنه لا يراعى في حجة القضاء زمن الإحرام الواقع في الحجة الأولى أي المفسدة؛ أي لا يلزمه أن يحرم ثانيا في زمن الإحرام الأول، بل له في حجة القضاء أن يحرم في زمن الإحرام الأول أو قبله أو بعده، فلمن أحرم في شوال مثلا وأفسد أن يحرم بالقضاء في قابل من شوال أو من ذي القعدة أو من ذي الحجة، هذا هو الصواب في تقرير المصنف، وهو الموافق لكلام ابن شأس وابن الحاجب، وفي شرح عبد الباقي احتمال ثان لا كبير فائدة فيه. والله سبحانه أعلم. بخلاف ميقات إن شرع؛ يعني أن الميقات المكاني الذي أحرم منه في الحجة الأولى إذا كان مشروعا فإنه يراعى، بمعنى أنه يلزمه أن يحرم منه، فمن أحرم من الجحفة أو غيرها من المواقيت فليس له أن يحرم ثانيا من غيره، ومعنى كونه مشروعا أنه مشروع للمحرم الذي أفسد حجه، بمعنى أنه مطلوب منه أن يحرم منه حال مجيئه في المفسد، ولو أقام بمكة إلى قابل بعد إكمال المفسد، فإن أحرم منها خالف الواجب وعليه دم، كما يشمل ذلك قوله: وإن تعداه فدم؛ يعني أنه إذا لم يحرم للقضاء من الميقات الشرعي الذي أحرم منه للمفسد بل تعداه حلالا وأحرم بعد مجاوزته، فإنه يلزمه الدم، ولو كان تعديه له بوجه جائز كإقامته بعد كمال المفسد بمكة إلى قابل كما مر قريبا، واحترز بقوله: "إن شرع"، عما لو كان أحرم أولا قبله، فليس عليه أن يحرم ثانيا إلا من الميقات، وعما لو كان تعداه أو لا فإنه لا يتعداه ثانيا إلا محرما، وظاهر قول مالك في الذي تعداه أولا ثم أحرم: أنه يحرم من المكان الذي أحرم منه، وتأوله اللخمي على أنه كان أحرم منه بوجه جائز كالذي يجاوز غير مريد دخول مكة، وأما من تعداه أولا لغير عذر فيؤمر أن لا يتعداد ثانيا إلا محرما، ونحوه للباجي والتونسي، ويصدق عليه قوله: "إن شرع"؛ لأنه مع العذر مشروع. قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما صرح بقوله: "وإن تعداه فدم"، لرفع توهم أنه مع التعدي يحرم فقط من غير فدية. قاله الخرشي. وليس مراده بالميقات الميقات الشرعي، بدليل قوله: "إن شرع"، وقوله: "بخلاف ميقات إن شرع وإن تعداه فدم"، اختصار عجيب جمع فيه عدة من المسائل. قاله الحطاب. أي لأنه إما أن يحرم في المفسد قبل الميقات الشرعي أو منه أو

стр. 2870

بعده، وفي كل إما أن يحرم أيضا في القضاء قبل الميقات الشرعي أو منه أو بعده، فتلك تسع؛ وإذا تجاوز الميقات الشرعي ولم يحرم منه، فإما أن يتعداه بوجه جائز أولا، وقد علمت أحكامها. وأجزأ تمتع عن إفراد؛ يعني أنه إذا أحرم بالحج مفردا فأفسده ثم قضاه متمتعا فإنه يجزئه؛ لأن التمتع إفراد وزيادة؛ إذ المطلوب في القضاء التساوي في الصفة، وعكسه؛ يعني أنه إذا أحرم متمتعا ثم أفست حجه بعد أن فرغت العمرة ثم قضاه مفردا، فإنه يجزئه أيضا، ففي الحقيقة أجزأ إفراد عن إفراد وعليه هديان: هدي للتمتع يعجله وهدي للفساد يؤخره للقضاء. قاله في منسكه. وما وقع في ابن بشير من عدم الإجزاء في هذه ليس بجيد. قاله الخرشي. وفهم من قوله: "أجزأ"، أن المطلوب أولا خلاف ذلك وهو كذلك، قال ابن الحاجب: ويراعى صفته من إفراد وتمتع وقران. ابن عبد السلام: يعني أن الواجب كون القضاء بصفة الأداء حتى يكونا معا إفرادا أو تمتعا أو قرانا، ولا ينبغي أن يخالف بين صفة القضاء والأداء. هذه إطلاقات المتقدمين. قاله الحطاب. فقوله: "وأجزأ" الخ؛ أي مع أن ذلك ممتنع. لا إفراد عن إفراد؛ يعني أنه لو أحرم مفردا ثم أفسده فقضاه قارنا، فإن ذلك لا يجزئه؛ لأن حج القران ناقص عن حج الفرد، وهذا هو المشهور، وحكاه اللخمي عن ابن القاسم، وقال ابن الماجشون: يجزئه، نقله ابن بشير وابن شأس. أو تمتع؛ بالجر عطف على "إفراد"؛ يعني أنه لو أحرم متمتعا فأفسده ثم قضاه قارنا فإن ذلك لا يجزئه؛ لأن القارن يأتي بفعل واحد للحج والعمرة؛ والمتمتع يأتي لكل واحد منهما بعمل على حدته؛ وعمل واحد لا يجزئ عن عملين، وعكسهما؛ يعني أنه لا يجزئ عكس القران عن الإفراد أو التمتع، وهو ما إذا أحرم قارنا فأفسده ثم قضاه مفردا أو متمتعا، وحاصل ما ذكره المصنف ست صور: اثنتان مجزئتان وأربعة غير مجزئة، وبقي عليه ثلاثة تركها لوضوحها، وهي قضاء القران بالقران، والتمتع بالتمتع، والإفراد بالإفراد، وهي المطلوب شرعا، فالصور تسع، وأجزأ التمتع عن الإفراد، وعكسه يشترط فيه أن يرجع بعد إحلاله من العمرة إلى الميقات الذي أحرم منه بالحج المفسد، عملا بقوله: بخلاف ميقات إن شُرِعَ ولو أقام بمكة، وفي النوادر: من حج قارنا فأفسد بالوطء فقضاه مفردا أو متمتعا لم يجزه؛ وعليه من هذا دمان، دم للقران ودم

стр. 2871

للمتعة، ويقضي أيضا قارنا ويهدي هديين. ولم ينب قضاء تطوع عن واجب؛ يعني أن من تطوع بحجة قبل الفرض ثم أفسدها فإنه يلزمه قضاؤها، وإذا قضى ذلك التطوع الذي أفسدة فإنه لا يجزئه عن حجة الفرض إذا نوى عند إحرامه للقضاءِ القضاءَ والفرضَ أو نيابةَ القضاء عن الفرض، وأحرى إذا لم ينو إلا القضاءَ، وذلك ظاهر لأن حجة الفرض في ذمته، وقضاء المفسد في ذمته أيضا، وحجة واحدة لا تجزئ عن اثنتين. البساطي: وصح عن القضاء، وأما من نوى الواجب فقط، فيجزئ ما فعله عن الواجب فقط وقضاء التطوع باق في ذمته، ولو نوى بحجه الواجبَ عليه أصالة مع قضاء النذر المفسد فإنه لا يجزئ ذلك عن الواجب أصالة، كما يظهر من قوله: وإن حج ناويا نذره وفرضه أجزأ عن النذر فقط. انظر حاشية الشيخ بناني. وكره حملها للمحمل؛ يعني أنه يكره للزوج في حال إحرامه حمل زوجته للمحمل محْرِمَةً أم لا، وأما المرأة المَحْرَمُ فلا يكره للرجل الذي هو محرم لها حملها للمحمل، هذا هو الصواب كما يظهر من قول المواق عن الجواهر من اختصاص الكراهة بالزوج، خلاف ما في الخرشي من الكراهة في المحرم أيضا، وأما الأجنبي فيحرم عليه ذلك مُحْرِمًا أم لا، فالأقسام ثلاثة. ولذلك اتخذت السلاليم؛ يعني أنه لأجل الكراهة المذكورة اتخذت الناس في الحج السلاليم لترقى النساء عليها والسلاليم واحدها سلم بتشديد اللام مَفْتُوحَةٌ وضم السين وهو المرقى، ورؤية ذراعيها؛ مصدر مضاف إلى مفعوله، وهو معطوف على حملها؛ يعني أنه يكره للزوج المحرم أن يرى ذراعي زوجته ظاهرهما وباطنهما، وينبغي حرمة مسهما لكونه مظنة اللذة وهو أقوى من رؤيتهما، لا شعرها، بالرفع عطف على نائب "كره"؛ أنه لا يكره للزوج أن يرى شعر زوجته، وأما مسه فينبغي كراهته، قال الإمام مالك: ولا يلمس كف امرأته تلذذا، ويكرة أن يرى ذراعيها ولا بأس أن يرى شعرها، ويكره أن يحملها على المحمل، وإن الناس ليتخذون سلاليم، ولا بأس أن يقضي المحرم في أمور النساء. انتهى. والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية هو ما يحمل فيه على ظهور الإبل أو غيرها. قاله الخرشي. والفتوى في أمورهن؛ يعني أنه لا يكره للمحرم أن يفتي في أمور النساء ولو فيما يتعلق بفروجهن. ابن القاسم عن مالك: وأكره للمحرم أن يقلب جارية للابتياع، وقال أشهب عن مالك: وله أن

стр. 2872

يمسك امرأته إذا أمن ورب رجل لا يأمن، وفي العتبية من سماع القرينين: ولا بأس أن يمسك يد امرأته إذا أمن على نفسه ولم يخف شيئا. وعلم مما قررت أن قوله: "والفتوى"، معطوف على قوله: "لا شعرها"، قال محمد بن الحسن بناني: وهذا هو ظاهر المصنف وهو الصواب، لقول الجواهر: ويكره أن يحملها للمحمل، ولا بأس أن يفتي المفتي في أمور النساء، ونحوه لابن الحاجب، قال مصطفى: والمراد بلا بأس هنا الإباحة بدليل مقابلة الأئمة لها بالمكروه، وما في الجواهر هو لفظ الموازية كما في مناسك المؤلف، ونقله ابن عرفة عن النوادر، وبذلك تعلم أن قول الخرشي: عطفه على المكروه هو الظاهر غير صواب. انتهى. ولما أنهى الكلام على محرمات الإحرام خاصة، شرع في محرماته مع الحرم على أنهما مرادان من قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهو المعتمد عند الفقهاء، وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، فقال: وحرم به؛ يعني أنه يحرم على الرجل والمرأة بسبب الإحرام تعرض لحيوان بري إلى آخر ما يذكره، فالضمير في "به"، عائد على الإحرام، "والباء" للسببية، وسواء كان الإحرام صحيحا أو فاسدا، كان بحج أو عمرة؛ بأي نوع من أنواع الإحرام، كان في الحرم أو خارجه. وبالحرم؛ يعني أنه يحرم على من في الحرم مُحْرما أم لا تعرض لحيوان بري إلى آخر ما يذكره، وعلم مما قررت أن الباء في قوله: "بالحرم"، للظرفية؛ أي بمعنى: في، وأن الواو بمعنى: أو كما في قول الشاعر: وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكى … فقلت البكى أشفى إذا لغليلي واعلم أنه قد اختلف أهل التفسير في قول الله : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، فقيل: وقد أحرمتم بأحد النسكين، وقيل: دخلتم في الحرم، وقيل: هما مرادان؛ لأنه يقال لمن دخل في الحرم قد أحرم؛ لأن الإحرام هو الدخول في حرمات الشيء، ومنه قيل: أحرم بالصلاة دخل فيها، كما يقال: أتهم وأنجد إذا أتى تهامة ونجدا، وأصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وهذا القول الأخير هو الذي اعتمده الفقهاء. قاله الشارح.

стр. 2873

ولما كان للحرم حدود حددها سيدنا إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم سيدنا رسول الله ﷺ عام الفتح، ثم عمر ثم معاوية ثم عبد الملك بن مروان، وفي بعضها اختلاف بيَّن المعتمد من ذلك بالأميال، ومركزها البيت، فقال: من نحو المدينة أربعة أليال أو خمسة للتنعيم؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة المدينة المشرفة أربعة أميال وقيل خمسة أميال، وعلى كل ينتهي إلى التنعيم المشهور عند الناس الآن تسميته بمساجد عائشة، وقد مر أن المركز هو البيت، فابتداء حرم مكة من جهة المدينة ما يتصل بالتنعيم، والتنعيم من الحل. فيحرم صيد حيوان على من بالبيت أو خارجا عنه مريدا للمدينة أو آتيا منها أو غيرهما، ومنتهى التحريم مبدأ التنعيم مما يلي مكة، ومبدؤه منتهى التنعيم إلى البيت الشريف، وهل ذلك القدر المحرم أربعة أميال أو خمسة؟ خلاف فأو للخلاف، فالتنعيم خارج فيجوز الصيد فيه، والخلاف في أن الأميال أربعة أو خمسة مبني على الخلاف في قدر الميل وفي قدر الذراع. وعلم مما قررت أن هذا الخلاف ليس في ابتداء الحرم ولما في انتهائه، وإنما هو في عدة أميال ذلك القدر المعين وأذرُعه والله سبحانه أعلم. ومن العراق ثمانية للمقطع، بفتح الميم والطاء بينهما قاف ساكنة وبضم الميم وفتح القاف والطاء المشددة؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة العراق ثمانية أميال، وينتهي للمقطع على ثنية جبل بمكان يسمى القطع، قال في التنبيه: المقطع المذكور في معالم الحرم، سمي بذلك لأنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن سيدنا إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وأما العراق فهو بلاد يذكر ويؤنث سمي بذلك لكثرة أشجاره. ومن عرفة تسعة؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة عرفة تسعة أميال، وينتهي إلى حد عرفة، وحد الحرم من جهة الجعرانة تسعة أيضا، وينتهي إلى موضع يسمي شعب آل عبد الله بن خالد ومن جهة اليمن سبعة أميال بتقديم السين، وينتهي إلى موضع يسمي أضاة بوزن نواة. ومن جدة عشرة لآخر الحديبية؛ يعني أن حد الحرم من جهة جدة بضم الجيم عشرة أميال، وينتهي لآخر الحديبية، وجدة بضم الجيم كما علمت وشد الدال المهملة علم قرية على ساحل

стр. 2874

البحر غربي مكة بينهما مرحلتان، وهو علم منقول إذ هي في الأصل الطريق، والجمع جدد كغرف وغرفة، قال جل من قائل: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾، والحديبية ضبطها أكثر المحدثين بتشديد الياء، وضبطها الشافعي بتخفيفها، والمراد لآخرها من جهة الحل؛ إذ الحديبية من الحرم كما قال مالك، والشافعي بينها وبين مكة مرحلة واحدة. وذكر أيضا ضابطا للحرم بقوله: ويقف سيل الحل دونه؛ يعني أن الحرم يعرف أيضا بأن سيل الحل إذا جرى إليه لا يدخله، وسيله إذا جرى يخرج إلى الحل ويجري فيه، وهذا تحديد للحرم بالأمارة والعلامة، والأول تحديد له بالمسافة، ولمحمد بن عزم رحمه الله تعالى: إن رمت للحرم المكي معرفة … فاسمع وكن واعيا قولي وما أصف واعلم بأن سيول الحل قاطبة … إذا جرت نحوه فدونه تقف وما ذُكِرَ من وقوف سيل الحل دونه أغلبي، فلا ينافي قول الأزرقي: يدخله من جهة التنعيم، وكذا قول الفاكهي: من جهات أخر، ويعتبر التحريم وقت الإصابة لا وقت الرمي، فلو رمى صيدا وهو حلال، ثم أحرم قبل وصول الرمي إليه وأَصَابَتْهُ الرمية بعد إحرامه فعليه جزاؤه. نقله المصنف وابن عرفة. وأما الجزاء الذي يوجبه الحرم فيعتبر فيه كون الصيد بالحرم وقت الإصابة أو مرور السهم بالحرم. تعرض بري، الاسم الأول فاعل حرم وما بينهما اعتراض، والثاني مضاف إليه ما قبله وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي حيوان بري وحشي، والإضافة على معنى اللام؛ يعني أنه يحرم على المحرم -وإن لم يكن في الحرم، وعلى من في الحرم وإن لم يكن محرما- أن يتعرض لحيوان بري، ويحرم اصطياده والتسبب في اصطياده ما لم يكن صاده حلال لحلال في الحل، فإنه يجوز للحلال أن يذبحه في الحرم، وأما الحيوان البحري فلا يحرم على المحرم أن يصطاده، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾. وإن تأنس؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم ولمن في الحرم التعرض لحيوان بري وحشي، وإن كان قد خرج عن طباع الوحش وتأنس، ويدخل في البري الجراد فيحرم اصطياده، ويدخل فيه أيضا الضفدع البري والسلحفاة البرية ونحوهما، والحيوان البري هو ما مقره البر وإن كان يعيش في

стр. 2875

الماء، والبحري ما مقره البحر وإن كان يعيش في البر. قاله عيسى عن ابن القاسم. ابن رشد: وهو تفسير مذهب مالك، وليس من الصيد الكلب الإنسي، فيجوز للمحرم أو من في الحرم قتله، وأما قول البساطي: المشهور عدم جواز قتله، فمراده به الكلب المأذون فيه بالنسبة لغرم القيمة لربه، ولا فرق فيه بين المحرم وغيره، وما تولد من الإنسي والوحشي والبري والبحري فالاحتياط الحرمة في جميع ذلك. أو لم يؤكل، عطف على قوله: "تأنس"، فهو في حيز المبالغة؛ يعني أنه يحرم التعرض للحيوان البري على المحرم، وعلى من في الحرم سواء كان ما يصاد مأكول اللحم أم لا، كخنزير وقرد مملوكا أم لا، خلافا للشافعي في تخصيصة بما يؤكل. واعلم أنه يجوز للمحرم أن يذبح الأنعام كلها. نقله ابن فرحون وغيره. وقوله: "إن لم يؤكل"، قد مر أنه خلاف مذهب الشافعي، وعلى مذهبنا ففيه أي في غير المأكول الجزاء، ويقوم على أن لو جاز بيعه. أو طير ماء، منصوب معطوف على خبر كان المحذوفة؛ أي وإن كان الحيوان البري قد تأنس أو كان طير ماء، ومعنى كلامه أن طير الماء أي الطير البري الذي يلازم الماء -فلذا أضيف إليه- يحرم التعرض له على المحرم، وعلى من بالحرم، فلا يجوز اصطياده، وأما الطير الذي يألف الماء وهو من دواب الماء، فيجوز اصطياده كما في الخرشي. وقال الحطاب: قال ابن فرحون في الألغاز: قال مالك: لا يقتل المحرم الطير الذي يكون في البحر إذا كان يخرج إلى البر. فإن كان يخرج إلى البر ولا يعيش إلا في البحر جاز صيده؛ لأنه من طير البحر. انتهى والله أعلم. انتهى. وقوله: أو طير ماء، قال اللخمي: ولما يجوز له أن يصيد طير الماء، وفي المدونة: وإن أصاب شيئا من طير الماء فعليه الجزاء. انتهى. قاله الشارح. وبيضه، بالجر عطف على بري؛ يعني أند يحرم على المحرم وعلى من بالحرم التعرض لبيض الحيوان البري، وجزئه؛ يعني أنه كما يحرم التعرض للحيوان البري بجملته يحرم التعرض لجزئه أي بعضه، فقوله: "جزئه"، بالجيم والزاي المعجمة كما هو في غالب النسخ، وقال بعضهم: هي تصحيف، وهذه النسخة هي التي ارتضاها الحطاب، واستدل لها بقول المناسك: ويحرم التعرض لأبعاض الصيد وبيضه. انتهى. وقال محمد بن الحسن: بحث في هذه النسخة؛ بأن الجزء مستغنى عن ذكره؛ لأنه إن
следующие страницы →