للمتعة، ويقضي أيضا قارنا ويهدي هديين. ولم ينب قضاء تطوع عن واجب؛ يعني أن من تطوع بحجة قبل الفرض ثم أفسدها فإنه يلزمه قضاؤها، وإذا قضى ذلك التطوع الذي أفسدة فإنه لا يجزئه عن حجة الفرض إذا نوى عند إحرامه للقضاءِ القضاءَ والفرضَ أو نيابةَ القضاء عن الفرض، وأحرى إذا لم ينو إلا القضاءَ، وذلك ظاهر لأن حجة الفرض في ذمته، وقضاء المفسد في ذمته أيضا، وحجة واحدة لا تجزئ عن اثنتين. البساطي: وصح عن القضاء، وأما من نوى الواجب فقط، فيجزئ ما فعله عن الواجب فقط وقضاء التطوع باق في ذمته، ولو نوى بحجه الواجبَ عليه أصالة مع قضاء النذر المفسد فإنه لا يجزئ ذلك عن الواجب أصالة، كما يظهر من قوله: وإن حج ناويا نذره وفرضه أجزأ عن النذر فقط. انظر حاشية الشيخ بناني.
وكره حملها للمحمل؛ يعني أنه يكره للزوج في حال إحرامه حمل زوجته للمحمل محْرِمَةً أم لا، وأما المرأة المَحْرَمُ فلا يكره للرجل الذي هو محرم لها حملها للمحمل، هذا هو الصواب كما يظهر من قول المواق عن الجواهر من اختصاص الكراهة بالزوج، خلاف ما في الخرشي من الكراهة في المحرم أيضا، وأما الأجنبي فيحرم عليه ذلك مُحْرِمًا أم لا، فالأقسام ثلاثة. ولذلك اتخذت السلاليم؛ يعني أنه لأجل الكراهة المذكورة اتخذت الناس في الحج السلاليم لترقى النساء عليها والسلاليم واحدها سلم بتشديد اللام مَفْتُوحَةٌ وضم السين وهو المرقى، ورؤية ذراعيها؛ مصدر مضاف إلى مفعوله، وهو معطوف على حملها؛ يعني أنه يكره للزوج المحرم أن يرى ذراعي زوجته ظاهرهما وباطنهما، وينبغي حرمة مسهما لكونه مظنة اللذة وهو أقوى من رؤيتهما، لا شعرها، بالرفع عطف على نائب "كره"؛ أنه لا يكره للزوج أن يرى شعر زوجته، وأما مسه فينبغي كراهته، قال الإمام مالك: ولا يلمس كف امرأته تلذذا، ويكرة أن يرى ذراعيها ولا بأس أن يرى شعرها، ويكره أن يحملها على المحمل، وإن الناس ليتخذون سلاليم، ولا بأس أن يقضي المحرم في أمور النساء. انتهى. والمحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية هو ما يحمل فيه على ظهور الإبل أو غيرها. قاله الخرشي.
والفتوى في أمورهن؛ يعني أنه لا يكره للمحرم أن يفتي في أمور النساء ولو فيما يتعلق بفروجهن. ابن القاسم عن مالك: وأكره للمحرم أن يقلب جارية للابتياع، وقال أشهب عن مالك: وله أن
стр. 2872
يمسك امرأته إذا أمن ورب رجل لا يأمن، وفي العتبية من سماع القرينين: ولا بأس أن يمسك يد امرأته إذا أمن على نفسه ولم يخف شيئا.
وعلم مما قررت أن قوله: "والفتوى"، معطوف على قوله: "لا شعرها"، قال محمد بن الحسن بناني: وهذا هو ظاهر المصنف وهو الصواب، لقول الجواهر: ويكره أن يحملها للمحمل، ولا بأس أن يفتي المفتي في أمور النساء، ونحوه لابن الحاجب، قال مصطفى: والمراد بلا بأس هنا الإباحة بدليل مقابلة الأئمة لها بالمكروه، وما في الجواهر هو لفظ الموازية كما في مناسك المؤلف، ونقله ابن عرفة عن النوادر، وبذلك تعلم أن قول الخرشي: عطفه على المكروه هو الظاهر غير صواب. انتهى.
ولما أنهى الكلام على محرمات الإحرام خاصة، شرع في محرماته مع الحرم على أنهما مرادان من قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهو المعتمد عند الفقهاء، وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، فقال: وحرم به؛ يعني أنه يحرم على الرجل والمرأة بسبب الإحرام تعرض لحيوان بري إلى آخر ما يذكره، فالضمير في "به"، عائد على الإحرام، "والباء" للسببية، وسواء كان الإحرام صحيحا أو فاسدا، كان بحج أو عمرة؛ بأي نوع من أنواع الإحرام، كان في الحرم أو خارجه.
وبالحرم؛ يعني أنه يحرم على من في الحرم مُحْرما أم لا تعرض لحيوان بري إلى آخر ما يذكره، وعلم مما قررت أن الباء في قوله: "بالحرم"، للظرفية؛ أي بمعنى: في، وأن الواو بمعنى: أو كما في قول الشاعر:
وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكى … فقلت البكى أشفى إذا لغليلي
واعلم أنه قد اختلف أهل التفسير في قول الله : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، فقيل: وقد أحرمتم بأحد النسكين، وقيل: دخلتم في الحرم، وقيل: هما مرادان؛ لأنه يقال لمن دخل في الحرم قد أحرم؛ لأن الإحرام هو الدخول في حرمات الشيء، ومنه قيل: أحرم بالصلاة دخل فيها، كما يقال: أتهم وأنجد إذا أتى تهامة ونجدا، وأصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وهذا القول الأخير هو الذي اعتمده الفقهاء. قاله الشارح.
стр. 2873
ولما كان للحرم حدود حددها سيدنا إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم سيدنا رسول الله ﷺ عام الفتح، ثم عمر ثم معاوية ثم عبد الملك بن مروان، وفي بعضها اختلاف بيَّن المعتمد من ذلك بالأميال، ومركزها البيت، فقال: من نحو المدينة أربعة أليال أو خمسة للتنعيم؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة المدينة المشرفة أربعة أميال وقيل خمسة أميال، وعلى كل ينتهي إلى التنعيم المشهور عند الناس الآن تسميته بمساجد عائشة، وقد مر أن المركز هو البيت، فابتداء حرم مكة من جهة المدينة ما يتصل بالتنعيم، والتنعيم من الحل. فيحرم صيد حيوان على من بالبيت أو خارجا عنه مريدا للمدينة أو آتيا منها أو غيرهما، ومنتهى التحريم مبدأ التنعيم مما يلي مكة، ومبدؤه منتهى التنعيم إلى البيت الشريف، وهل ذلك القدر المحرم أربعة أميال أو خمسة؟ خلاف فأو للخلاف، فالتنعيم خارج فيجوز الصيد فيه، والخلاف في أن الأميال أربعة أو خمسة مبني على الخلاف في قدر الميل وفي قدر الذراع.
وعلم مما قررت أن هذا الخلاف ليس في ابتداء الحرم ولما في انتهائه، وإنما هو في عدة أميال ذلك القدر المعين وأذرُعه والله سبحانه أعلم.
ومن العراق ثمانية للمقطع، بفتح الميم والطاء بينهما قاف ساكنة وبضم الميم وفتح القاف والطاء المشددة؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة العراق ثمانية أميال، وينتهي للمقطع على ثنية جبل بمكان يسمى القطع، قال في التنبيه: المقطع المذكور في معالم الحرم، سمي بذلك لأنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن سيدنا إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وأما العراق فهو بلاد يذكر ويؤنث سمي بذلك لكثرة أشجاره.
ومن عرفة تسعة؛ يعني أن حد حرم مكة من جهة عرفة تسعة أميال، وينتهي إلى حد عرفة، وحد الحرم من جهة الجعرانة تسعة أيضا، وينتهي إلى موضع يسمي شعب آل عبد الله بن خالد ومن جهة اليمن سبعة أميال بتقديم السين، وينتهي إلى موضع يسمي أضاة بوزن نواة.
ومن جدة عشرة لآخر الحديبية؛ يعني أن حد الحرم من جهة جدة بضم الجيم عشرة أميال، وينتهي لآخر الحديبية، وجدة بضم الجيم كما علمت وشد الدال المهملة علم قرية على ساحل
стр. 2874
البحر غربي مكة بينهما مرحلتان، وهو علم منقول إذ هي في الأصل الطريق، والجمع جدد كغرف وغرفة، قال جل من قائل: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾، والحديبية ضبطها أكثر المحدثين بتشديد الياء، وضبطها الشافعي بتخفيفها، والمراد لآخرها من جهة الحل؛ إذ الحديبية من الحرم كما قال مالك، والشافعي بينها وبين مكة مرحلة واحدة.
وذكر أيضا ضابطا للحرم بقوله: ويقف سيل الحل دونه؛ يعني أن الحرم يعرف أيضا بأن سيل الحل إذا جرى إليه لا يدخله، وسيله إذا جرى يخرج إلى الحل ويجري فيه، وهذا تحديد للحرم بالأمارة والعلامة، والأول تحديد له بالمسافة، ولمحمد بن عزم رحمه الله تعالى:
إن رمت للحرم المكي معرفة … فاسمع وكن واعيا قولي وما أصف
واعلم بأن سيول الحل قاطبة … إذا جرت نحوه فدونه تقف
وما ذُكِرَ من وقوف سيل الحل دونه أغلبي، فلا ينافي قول الأزرقي: يدخله من جهة التنعيم، وكذا قول الفاكهي: من جهات أخر، ويعتبر التحريم وقت الإصابة لا وقت الرمي، فلو رمى صيدا وهو حلال، ثم أحرم قبل وصول الرمي إليه وأَصَابَتْهُ الرمية بعد إحرامه فعليه جزاؤه. نقله المصنف وابن عرفة. وأما الجزاء الذي يوجبه الحرم فيعتبر فيه كون الصيد بالحرم وقت الإصابة أو مرور السهم بالحرم. تعرض بري، الاسم الأول فاعل حرم وما بينهما اعتراض، والثاني مضاف إليه ما قبله وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي حيوان بري وحشي، والإضافة على معنى اللام؛ يعني أنه يحرم على المحرم -وإن لم يكن في الحرم، وعلى من في الحرم وإن لم يكن محرما- أن يتعرض لحيوان بري، ويحرم اصطياده والتسبب في اصطياده ما لم يكن صاده حلال لحلال في الحل، فإنه يجوز للحلال أن يذبحه في الحرم، وأما الحيوان البحري فلا يحرم على المحرم أن يصطاده، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
وإن تأنس؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم ولمن في الحرم التعرض لحيوان بري وحشي، وإن كان قد خرج عن طباع الوحش وتأنس، ويدخل في البري الجراد فيحرم اصطياده، ويدخل فيه أيضا الضفدع البري والسلحفاة البرية ونحوهما، والحيوان البري هو ما مقره البر وإن كان يعيش في
стр. 2875
الماء، والبحري ما مقره البحر وإن كان يعيش في البر. قاله عيسى عن ابن القاسم. ابن رشد: وهو تفسير مذهب مالك، وليس من الصيد الكلب الإنسي، فيجوز للمحرم أو من في الحرم قتله، وأما قول البساطي: المشهور عدم جواز قتله، فمراده به الكلب المأذون فيه بالنسبة لغرم القيمة لربه، ولا فرق فيه بين المحرم وغيره، وما تولد من الإنسي والوحشي والبري والبحري فالاحتياط الحرمة في جميع ذلك.
أو لم يؤكل، عطف على قوله: "تأنس"، فهو في حيز المبالغة؛ يعني أنه يحرم التعرض للحيوان البري على المحرم، وعلى من في الحرم سواء كان ما يصاد مأكول اللحم أم لا، كخنزير وقرد مملوكا أم لا، خلافا للشافعي في تخصيصة بما يؤكل.
واعلم أنه يجوز للمحرم أن يذبح الأنعام كلها. نقله ابن فرحون وغيره. وقوله: "إن لم يؤكل"، قد مر أنه خلاف مذهب الشافعي، وعلى مذهبنا ففيه أي في غير المأكول الجزاء، ويقوم على أن لو جاز بيعه. أو طير ماء، منصوب معطوف على خبر كان المحذوفة؛ أي وإن كان الحيوان البري قد تأنس أو كان طير ماء، ومعنى كلامه أن طير الماء أي الطير البري الذي يلازم الماء -فلذا أضيف إليه- يحرم التعرض له على المحرم، وعلى من بالحرم، فلا يجوز اصطياده، وأما الطير الذي يألف الماء وهو من دواب الماء، فيجوز اصطياده كما في الخرشي. وقال الحطاب: قال ابن فرحون في الألغاز: قال مالك: لا يقتل المحرم الطير الذي يكون في البحر إذا كان يخرج إلى البر. فإن كان يخرج إلى البر ولا يعيش إلا في البحر جاز صيده؛ لأنه من طير البحر. انتهى والله أعلم. انتهى. وقوله: أو طير ماء، قال اللخمي: ولما يجوز له أن يصيد طير الماء، وفي المدونة: وإن أصاب شيئا من طير الماء فعليه الجزاء. انتهى. قاله الشارح. وبيضه، بالجر عطف على بري؛ يعني أند يحرم على المحرم وعلى من بالحرم التعرض لبيض الحيوان البري، وجزئه؛ يعني أنه كما يحرم التعرض للحيوان البري بجملته يحرم التعرض لجزئه أي بعضه، فقوله: "جزئه"، بالجيم والزاي المعجمة كما هو في غالب النسخ، وقال بعضهم: هي تصحيف، وهذه النسخة هي التي ارتضاها الحطاب، واستدل لها بقول المناسك: ويحرم التعرض لأبعاض الصيد وبيضه. انتهى. وقال محمد بن الحسن: بحث في هذه النسخة؛ بأن الجزء مستغنى عن ذكره؛ لأنه إن
стр. 2876
فرض متصلا فالتعرض له تعرض للكل، وإن فرض منفصلا فإما ميتة بأن ذكاه محرم أو حلال في حرم أو كان بلا ذكاة، وهذا سيأتي، وإما أن لا يكون كذلك فلا يحرم التعرض له أي أكله. والله أعلم. انتهى.
وضبطه ابن غازي بالجيم والراء المهملة؛ أي جرو واحد الأجراء، والمراد به هنا صغار الحيوان البري الذي يحرم صيده، ومعنى المصنف على هذه النسخة أنه يحرم على المحرم وعلى من بالحرم أن يتعرض لصغار الحيوان البري ككباره، قال ابن غازي: أطلقه هنا على الصغير من كل بري تبعا لابن شأس؛ إذ قال: يحرم التعرض لأجرائه وبيضه. انتهى. وبحث في هذه النسخة أيضا بأنه يغني عنه قوله: "وبيضه"؛ لأنه إذا حرم التعرض لبيضه فأحرى جروه، ولأنه يدخل في عموم قوله: "بري"، وأيضا يأتي له النص على الجرو في قوله: "والصغير والمريض" الخ. انظر حسن نتائج الفكر للإمام عبد الباقي. ولا شيء على المحرم في شرب لبن الصيد حيث وجده محلوبا، كما يوجد من لحم الصيد قد ذكي من حلال في حل، ولا يجوز للمحرم أن يحلبه لأنه لا يمسكه ولا يؤذيه، فإن حلبه فلا ضمان عليه ولا يشبه البيض، وقال أبو حنيفة: إن نقص الصيد بذلك ضمن ما نقصه، وإن لم ينقصه لم يضمن، وهذا يجري على قول في المذهب في جرح الصيد إذا نقصه، وقال الشافعي: يضمن اللبن بقيمته، واعتبره بالبيض، ودليلنا أن ذلك [ليس من أجزاء الصيد (١)] ولا يكون منه صيد. انظر الحطاب.
ولما كان التعرض لصيد البر حراما ابتداء ودواما، نبه على الدوام بقوله: وليرسله؛ يعني أنه يجب على المحرم أن يرسل الصيد البري إن كان بَيدِهِ أي حوزه، كان بيده حقيقة أو بقفص أو نحو ذلك.
وعلم مما قررت أن قوله: "بيده"، خبر لكان مضمرة، ويصح أن يكون حالا من الهاء في قوله: "وليرسله"؛ أي يجب على المحرم أن يرسل الصيد حال كون الصيد كائنا في يده، قال عبد الباقي: ويصح أيضا أن يكون متعلقا بيرسله، والباء بمعنى: من. انتهى. وفيه نظر؛ لأن الباء لا
стр. 2877
تكون بمعنى من الابتدائية، وإنما تكون بمعنى من التبعيضية، نحو: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. انظر حاشية بناني.
أو رفقته؛ يعني أنه يجب على المحرم إذا كان صيده البري مع رفقته أن يرسله، والمراد برفقته أتباعه أو المرافقون له، فإن لم يرسله حتى تلف منه ضمن، وكذا يضمنه هو أيضا إذا لم يرسله حتى تلف منهم، والضمير في "رفقته" يعود على المحرم، وقوله: "وليرسله"؛ أي حيث كان يملكه قبل الإحرام، وأما بعد الإحرام فلا يجوز له التعرض له، فإن تعرض له وأخذه فليرسله، وكذا من في الحرم من حلال مكيا أو آفاقيا، وعلم من هذا أن الأقسام ثلاثة: أحدها أن يملك الصيد قبل الإحرام ثم أحرم وهو في ملكه فليرسله، ثانيها أن يتعرض له بعد الإحرام فليرسله أيضا، ثالثها أن يأخذه من في الحرم فليرسله أيضا، وسواء في الأقسام الثلاثة كان بيده أو مع رفقته، والأولى شمول المصنف لجميعها خلاف ما قدمته تبعا لغيري. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
ولا يمنع شموله لجميعها أن قوله: وزال ملكه عنه خاص بمن كان في ملكه قبل الإحرام أي الدخول في أحد النسكين أو في الحرم؛ لأنه يرجع لما يليق به من الأقسام، وفي هذا الذي ذكرته إجمال.
وها أنا أبدأ بشرح كلام المصنف ثم أرجع إلى تحرير هذا الإجمال، فأقول: معنى قول المصنف: "وزال ملكه عنه"، أن من أحرم بحج أو عمرة وقد كان قبل إحرامه يملك صيدا بريا يزول ملكه عنه بسبب الإحرام حالا ومآلا، فلو أفلته أحد من يده لم يضمن، ولو أفلته صاحبه وأخذه غيره قبل أن يلحق بالوحش وبقي بيد آخذه حتى حل صاحبه من إحرامه كان لآخذه، ولو أبقاه صاحبه بيده حتى حل لزمه إرساله، ولو ذبحه بعد إحلاله لزمه جزاء الصيد كما في الحطاب وغيره، ولو لم يرفع صاحبه يده عنه حتى مات فإنه يلزمه جزاؤه أيضا، ومن اصطاده وهو محرم أو في الحرم فإنه لا يصدق عليه أنه ملكه حتى يقال: زال ملكه عنه، وأما الحلال إذا اصطاد في الحل ودخل به الحرم، فإن كان من أهل الآفاق وجب عليه إرساله ولو أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر، فإن ذبحه حرم عليه سواء ذبحه وهو بمكة أو خرج به عن الحرم، وإن كان من أهل
стр. 2878
مكة وهو حلال بأن كان من المترددين مثلا جاز له ذبحه وأكله ولو اشتراه من آفاقي صاده في الحل. وفي التتائي: أن من أقام بمكة طويلا كأهلها، والمراد بعد إحلاله من الإحرام. قاله عبد الباقي. والفرق بين أهل مكة حيث جاز لهم ذلك وبين غيرهم يجب عليهم الإرسال، ما قاله مالك: أن شأن أهل مكة يطول. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وليرسله بيده أو رفقته"، هو المشهور، وحكى اللخمي عن محمد: ليس عليه إرساله إذا كان معه في الرفقة، وحكى أبو الحسن الصغير عن أشهب: أنه لا يرسله ولو كان بيده، وجعل الاستدامة ليست كالابتداء، وسبب الخلاف قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، هل معناه اصطياد البر؟ وهو يأتي على قول أشهب. أو معناه نفس الصيد؟ وهو يأتي على قول ابن القاسم، وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا لم يرسله حتى أرسله غيره، فعلى قول أشهب: يضمن له قيمته ولا شيء عليه عند ابن القاسم، وهو الذي قدمته، وانظر ما الفرق على المشهور بين هذا وبين من أبقى بيده خمرا حتى تخللت فإنه يملكها؟ والجامع بينهما أنه في كل موضع لا يجوز له التمادي على الإمساك قبل التحليل من إحرامه والتخليل. قاله الشارح، فإن قيل: لم أوجبوا على المحرم إذا أحرم وبيده صيد أن يرسله، ولم يقل أحد إنه يطلق زوجته، مع أن الإحرام مانع من الاصطياد ومن عقد النكاح؟ فالجواب -والله أعلم-: أن الإحرام مانع من الاصطياد لذاته: وأما عقد النكاح فإنما منع منه لكونه وسيلة إلى الوطء، فبقاء يد المحرم على الصيد فعل في الصيد فأشبه الاصطياد، وأما إمساك الزوجة فليس في معنى تجديد العقد عليها. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وزال ملكه عنه"، الضمير في "ملكه"، يرجع للمحرم وللحل في الحرم، لا بإذنه؛ يعني أن من اصطاد صيدا وهو محرم أو في الحرم أو كان يملكه قبل ذلك، وأحرم وهو بيده أو مع رفقته يجب عليه أن يرسله كما مر، وأما من أحرم وفي بيته صيد يملكه، فإنه لا يرسله ولا يزول عنه ملكه بإحرامه، وفي المدونة: ومن أحرم وفي بيته صيد فلا شيء عليه فيه ولا يرسله، وقوله: "لا ببيته"، عطف على "بيده"، واختلف الأشياخ هل كلام المدونة على إطلاقه وعليه فعدم وجوب إرساله وعدم زوال ملكه ثابت؟ وإن كان الذي يملك الصيد الكائن ببيته قد أحرم منه أي من بيته أو مر به وهو للتونسي وابن يونس، أو هو مقيد بمن لا يحرم ببيته ولا يمر به، وإلا وجب إرساله
стр. 2879
وزال ملكه عنه، ونقله ابن يونس عن بعض الأصحاب، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان. ابن يونس: والفرق بين القفص والبيت أن القفص هو حامل له ومنتقل معه، وهو كالذي بيده. وما كان في البيت ليس كالذي بيده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له فافترقا. أبو محمد: والأول أسعد بالكتاب. قاله الخرشي. وفي هذا تقوية للتأويل الأول، وقال الأمير: ولو أحرم منه أي من البيت على الراجح مما في الأصل. انتهى. فلا يستجد ملكه؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم أن يتسبب في أن يتجدد له ملك الصيد، فلا يتملكه بشراء أو هبة أو صدقة أو إقالة ممن اشتراه منه قبل الإحرام، وإذا رُدَّ عليه بعيب ولزم بالحكم لم يجب عليه إرساله، كالذي يدخل في ملكه جَبْرًا بميراث، ومعنى قوله: "فلا يستجد ملكه": لا يستحدث ملكه. وفي التوضيح: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبوله بعد إحرامه ولا شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه، وقوله: "فلا يستجد ملكه" مفرع على قوله: "وحرم به وبالحرم تعرضى بري"، وهذا الذي قررت به المصنف هو الأقرب في تفسيره، وأما حمله على أنه يستجد ملكه بعد إحلاله حيث أبقاه بيده فبعيد، قاله محمد بن الحسمن. وإذا اشترى شخص صيدا وهو حلال، فلما أحرم اطلع على عيب به فيعد إحرامه فوتا ويرجع بالأرش، ولا إشكال في، وجوب إرساله. والله أعلم. انظر الخرشي.
تنبيه: ما تقدم من أنه لا يستجد ملكه، محله إذا كان الصيد حاضرا معه، وأما إن كان الصيد غائبا عنه فيجوز له استجداد ملكه، قال سند: ويحرم ابتياع الصيد بحضرته وقبول هبته. انتهى. ونقله التادلي. وقال اللخمي: يجوز للشخص أن يشتري وهو محرم بمكة صيدا بمدينة أخرى ويقبل هبته انتهى. قاله الحطاب.
ولا يستودعه، بالبناء للمفعول، والنائب ضمير يعود على المحرم والضمير البارز للصيد؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم أن يقبل الصيد وديعة من حلال أو محرم، قال في الطراز: ولا يجوز للمحرم أن يأخذ صيدا وديعة، فإن فعل رده إلى ربه، فإن غاب، فقال في الموازية: عليه أن يُطْلِقَهُ ويضمن لربه قيمته، ومعناه إذا لم يجد من يحفظ الصيد عنده، ولو وجده لم يرسله. انتهى. وكلام التوضيح -والله أعلم- يوهم أنه يجب إرساله بلا تفصيل، ونقله ابن غازي والشارح وسلماه،
стр. 2880
وليس كذلك. انظر الحطاب. قاله بناني. وقوله: "ولا يستودعه"، قد مر أنه إن فعل يرده إلى ربه إن وجد، فإن أبى ربه أن يأخذه منه فليرسله بحضرته ولا يضمن، بخلاف ما إذا أرسله بغيبته فإنه يضمن. قاله في الطراز. قاله الحطاب. وفي كتاب محمد: إن أودع حلال حلالا صيدا بالحل ثم أحرم به، فإن كانا رفيقين أرسله، وإن لم يكونا في رحل واحد فكأنما خلفه ببيته. قاله الحطاب.
ورد إن وجد مودعه؛ يعني أن من أودع صيدا وهو حل ثم أحرم وهو بيده، يجب عليه أن يرده إلى مودعه بكسر الدال، فإن أبى من قبوله أرسله المودع بالفتح ولم يضمنه لإباية ربه من أخذه له، ولعله حيث تعذر جبر بحاكم على أخذه، وإلا يجد ربه ولا حلالا يودعه عنده، بقي بيده ولم يرسله؛ لأنه قبله في وقت يجوز له قبوله فيه، فإن مات عنده بتفريطه أوأرسله ضمن قيمته؛ لأن المحرم يضمن الصيد باليد.
وعلم مما قررت أن قوله: "ورد إن وجد" الخ، ليس مفرعا على ما قبله، بل هو مفرع على مستقل وهو من كان عنده صيد مودع قبل إحرامه فأحرم وهو عنده، والحاصل أن إيداع الصيد من محرم أو غيره تسع؛ لأنه: إما أن يودع الصيد حلال عند حلال ثم يحرم المودع بالفتح، أو حلال عند محرم، أو محرم عند محرم فهذه ثلاث، وفي كل منها إما أن يجد المودَعُ بفتح الدال ربَّ الصيد، وإما أن لا يجده لكن يجد حلالا يودعه عنده، وإما أن لا يجد ربه ولا من يودعه عنده، فالمجموع تسع، فإذا كان المودع بالكسر حال الإيداع حلالا وأحرم بعده وحضر مع المودع بالفتح، فإنه يجب إرساله، فإن لم يحضر مع المودع بالفتح فإن كان المودع بالفتح حلالا ثم أحرم فإنه يرده لربه إن أمكن، فإن لم يمكن أودعه له عند من يحفظه، فإن لم يمكن أبقاه بيده، وإن كان المودع بالفتح حال الإيداع محرما والمودع بالكسر إذ ذاك حلالا ولو أحرم بعد ذلك، فإنه يرده لربه إن أمكن، فإن لم يمكن أودعه له عند من يحفظه حلالا إن أمكن، فإن لم يمكن أرسله وغرم قيمته لربه، ولا جزاء عليه؛ لأن الجزاء إنما هو بهلاكه أو التسبب في ذلك أو إمساكه للهلاك، وإن كان ربه حين الإيداع محرما فإن المودع بالفتح يرسله ولو مع حضوره.
стр. 2881
وفي صحة الشراء قولان؛ يعني أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز للمحرم شراء الصيد حال إحرامه؛ أي لا يجوز له الإقدام على شرائه، وأما لو تعدى المحرم واشترى صيدا من حلال فقيل: هذا البيع صحيح، وهو قول ابن حبيب، وقيل: فاسد وهو في الموازية، وعلى القول الأول يجب على المشتري إرساله ويغرم قيمته لربه دون ثمنه. قاله سند. وَوَجَّهَه بقوله: لأن ربه كان سببا في وضع يد المحرم عليه وإرساله فلم يبق له حق في عينه، وإنما حقه في ماليته والرجوع بقيمته، واستظهر القولُ بأنه يغرم ثمنه، وعلى ما لسند يقال لنا بيع صحيح يمضي بالقيمة، ثم إنه على القول بالصحة لو لم يرسله ورده لربه فعليه جزاؤه. قاله سند عن ابن حبيب. وعلى القول بالفساد يرده لربه لأنه بيع فاسد لم يفت، فإن لم يجد ربه فقياس ما تقدم أنه إذا لم يجد حلالا يودعه عنده أرسله وضمن لربه قيمته: فلو ابتاعه بالخيار أي على أن الخيار للمبتاع وهما حلال، ثم أحرما قبل مضى أمد الخيار نظر، فإن اختار المبتاع الإمضاء غرم الثمن وأطلقه، وإلا فلا ثمن عليه، ويُطْلَقُ على البائع، وإن كان الخيار للبائع، ثم يحرمان يوقف البائع، فإن لم يختر فهو منه وسرحه، وإن أمضى فهو من المشتري ويسرحه، ولو سرحه قبل إيقاف البائع ضمن قيمته لإتلافه لما في ملك البائع، ولم يمض البيع.
وعلم مما قررت أن محل القولين في المصنف: إذا كان البائع حلالا فإن كان محرما ففاسد قطعا.
ولما ذكر حرمة التعرض للبري عموما أخرج منه ما استثني في الصحيحين بخبر: (خمسٌ فواسقُ يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العقور (١))، ولمسلم: (خمس فواسق) (٢) بالإضافة من غير تنوين، فقال: إلا الفأرة مستثنى من قوله: وحرم به، وبالحرم تعرض بري؛ يعني أن الفأرة تقتل في الحل وفي الحرم، ويقتلها المحرم وغيره، والتاء هنا للوحدة لا للتأنيث، والفأرة بهمزة ساكنة وقد تسهل، ويلحق بها بنت عرس وما يقرض الثياب من الدواب. والحية؛ يعني أن الحية يجوز قتلها في الحل وفي الحرم للمحرم ولغيره، ويدخل في الحية الأفعى، وقوله: "والحية"، التاء فيها للوحدة لا للتأنيث كالتي قبلها، وكذا الرتيلاء والزنبور وهو
стр. 2882
الدبر. نص عليه صاحب التلقين. والرتيلاء دابة صغيرة ربما قتلت من لدغته، والعقرب؛ يعني أن العقرب يباح قتلها في الحل، وفي الحرم للمحرم ولغيره.
وقوله: "إلا الفأرة والحية والعقرب" اعلم أنه لا فرق في هذه الأجناس الثلاثة بين الصغير والكبير منها؛ لأن صغيرها يؤذي كما أن كبيرها يؤذي، وسواء بدأت بالإيذاء أم لا، ولهذا قال: مطلقا؛ أي يجوز قتل هذه الأجناس الثلاثة مطلقا؛ أي صغيرة كانت أو كبيرة، وغرابا؛ يعني أن الغراب يباح قتله في الحل والحرم للمحرم وغيره؛ وسواء كان أسود أوأبقع وهو ما خالط سواده بياض، وتقييده في بعض طرق (الحديث بالأبقع (١)) لا يخصص العام الواقع في طريق أخرى، بل هو فرد منه؛ لأن شرط المخصص المنافاة على ما عليه غالب أهل المذهب، ولبعض أنه من باب تقييد المطلق. قاله ابن عبد السلام. والله سبحانه أعلم. وحدَأَةٍ: يعني أن الحدأة بوزن عنبة يباح قتلها في الحل والحرم للمحرم وغيره، فيجوز قتل هذه الخمس لا بنية الذكاة، فإن قصد تذكيتها لم يجز قتلها كما لسند عن عبد الوهاب، فإن قتلها بنية الذكاة فعليه جزاؤها، وكذا يقال في طير خيف إلا بقتله ووزغا محل.
وفي صغير غراب وحدأة مبتدأ وخبر؛ يعني أنه اختلف في قتل صغار الغربان والحدأة، فقيل: يباح قتلها للمحرم وغيره، وقيل: لا، قال ابن راشد وغيره: المشهور إباحة القتل لعموم الحديث، وقال ابن هارون: المشهور المنع في الصغير منهما ما لم يصل إلى حد الإيذاء، وعلى القول بالمنع فلا جزاء فيه مراعاة للقول الآخر: ويجوز قتل الغراب والحدأة وإن لم يبدءا بالأذى. كعادي سبع، العادي من السباع هو الذي يتعرض للإنسان؛ يعني أن ما يعدو من السباع يجوز للمحرم ومن في الحرم وغيرهما قتله، فقوله: "كعادي سبع"، تشبيه في أنه يقتله المحرم ومن في الحرم لأجل الإيذاء، وجواز قتله مقيد بما إذا لم ينو ذكاته، فإن قتلد بنية الذكاة ففيه الجزاء، مع أنه لا يجوز كما تقدم، ومثل لعادي السباغ بقوله: كذيب، وأسد ونمر ونحوها، وهو تفسير للكلب العقور الوارد في الحديث، وفسروه بذلك لقوله ﷺ في عُتَيْبَةَ بنِ أبي لَهَبٍ:
стр. 2883
(اللهم سلط عليه كلبا من كلابك (١))، فعدا عليه الأسد فقتله، هذا هو الراجح أنه عتيبة بالتصغير، وأما أخواه عتبة بالتكبير ومعتب فقد أسلما عام الفتح كما ذكره ابن عبد البر وابن حجر وغيرهما، خلاف ما في الشفاء من أن عتبية المصغر هو الذي أسلم وهو معترض بأن المشهور خلافه، والحديث حسن أخرجه الحاكم. انظر حاشية الشيخ بناني.
إن كبر قيد في عادي السبع؛ يعني أن العادي من السباع إنما يقتل إن كبر، وأما إن صغر فيكره قتله ولا جزاء فيه، فقد نقل الفاكهاني في شرح الرسالة عن القاضي عبد الوهاب أن قتل صغار السباع مكروه ولا جزاء فيه، وقال المصنف في مناسكه: ولا تقتل صغار السباع على المشهور، لكنه إن فعل فلا جزاء على المشهور، وبالكراهة صرح في الطراز، فقال: رأى ابن القاسم أن هذا مما يكره ولا يحرم؛ لأنه من جنس ما يضر ويباح قتله، وإنما كره للمحرم قتله لعدم إذايته في حقه، وظهر مما مر أن المصنف أتى بالكاف لِيَرْجِعَ إليه، قوله: "إن كبر". والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه.
وقد مر تفسير الكلب العقور الوارد في الحديث بأنه العادي من السباع وهو المشهور، وقيل: المراد الكلب الإنسي، قال اللخمي: وهو ظاهر قول أشهب لأنه قال: يقتل الكلب وإن لم يعقر، زاد في النوادر: وإن كان كلب ماشية، ونص أشهب على أنه يقتل صغار السباع، وقال بعضهم: اتفقوا على دخول السباع تحت لفظ الكلب العقور، واختلفوا في الكلب والمشهور عدم دخوله. انتهى. نقله الشارح. وروي عن مالك جواز قتل القرد والخنزير. ابن حبيب: ولا يقتل الدب وإن قتله فعليه جزاؤه. قاله الشارح.
كطير خيف إلا بقتله؛ يعني أن الطير إذا عدا وخيف منه وكان لا يندفع إلا بقتله، فإنه يجوز قتله ولا جزاء فيه.
وبما قررت علم أن الاستثناء راجع لمقدر؛ أي ولا يندفع إلا بقتله، ويصح رجوعه "لخيف"، بتضمينه لا يؤمن منه، وظاهر حذف متعلق خيف يعم ولو على الطعام والشراب وانظره. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: خيف منه على النفس أو بعض الأعضاء أو الدواب أو المال، وينبغي
стр. 2884
تقييده بما له بال. انتهى. الباجي: ولا خلاف في المذهب أنه لا يجوز قتل سباع الطير غير ما في الحديث ابتداء، ومن قتلها فعليه الفدية، فإن ابتدأت بالضرر فلا جزاء على قاتلها وهو المشهور، وقال أشهب: عليه في الطير الفدية وإن ابتدأت بالضرر، واحتج ابن القاسم بأن الإنسان أعظم حرمة من الطير، فإذا قتله الإنسان دفعا عن نفسه فلا شيء عليه، وقوله: "كطير خيف" الخ، يخص بغير الغراب والحدأة لما مر. ووزغا لحل بحرم، عطف على قوله: "إلا الفأرة"؛ أي وإلا وزغا لحل بحرم؛ يعني أنه يجوز للحل أن يقتل الوزغ في الحرم، ومفهوم قوله: "لحل"، أن المحرم يمنع من ذلك وهو كذلك، قال في الذخيرة: ومنع مالك قتل الوزغ للمحرم مع إباحة قتلها في الحرم، والفرق أن الإحرام سريع الزوال، ولو لم تقتل في الحرم لكثرت فيه، ويطعم المحرم إذا قتلها، وعلى ذلك المذهب كله، وبه تعلم أن ما في المدونة من كراهة قتل الوزغ للمحرم المراد به التحريم، ولو كان المراد كراهة التنزيه ما قال: أطعم كسائر الهوام، والقاعدة أن ما جاز قتله في الحرم جاز للمحرم قتله في الحل، إلا أن مالكا رحمه الله تعالى رأى أنه لو تركها الحلال في الحرم لغلبت في البيوت وحصل منها الضرر بإفساد ما تصل إليه ومدة الإحرام قصيرة، وقد ورد الحديث بالحض على قتل الوزغ ولولا أن شأنها الأذى لم يحض؛ لأنه لا يجوز إتلاف نفس الحيوان لغير علة.
وفي الحطاب عن الفاكهاني قال: قال العبدي: جملة ما يجوز للمحرم قتله وفي الحرم ثلاثة عشر: ستة تذبح للأكل، وسبعة تقتل للضرر ودفع أذاها، فأما ما يذبح للأكل: فبهيمة الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم. وثلاث من الطير البط والإوز والدجاج، وأما ما يقتل لدفع الضرر فثلاثة هوائية وهي الغراب والحدأة والزنبور، على اختلاف في الزنبور وثلاثة ترابية العقرب والفأرة والحية، والكلب العقور.
كإن عم الجواد تشبيه في عدم الجزاء المفهوم من الاستثناء، فكأنه قال: ولا جزاء في هذه المستثنيات "كإن عم الجراد"؛ يعني أنه إذا عم الجراد بحيث لا يستطاع دفعه، والحال أن المحرم اجتهد في التحفظ من قتله، فما أصابه منه بعد ذلك فهدر، قال في المختصر: وإذا عم
стр. 2885
الجراد على الناس ولم يستطيعوا دفعه فلا شيء على من أصاب منه شيئا، ولو أطعم شيئا من الطعام كان أحسن، وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم يعم الجراد أو عم ولم يجتهد في التحفظ وقتله مفرطا، فقيمته؛ أي الجراد الذي قتل لازمة له طعاما يحتمل كالجلاب من غير حكومة. ابن رشد: وهو ظاهر المدونة، ولابن القاسم: بحكومة. قاله التتائي. وعلى الاحتمال الأول ما تقوله أهل المعرفة، وعلى الثاني فإن أخرج من غير حكومة أعاد، ولا مانع من عود قوله: "وإلا فقيمته"، لمسألة الوزغ أيضا أي، وإلا بأن قتل المحرمُ الوزغ فقيمته لقول مالك، وإذا قتل المحرم الوزغ أطعم كسائر الهوام. انتهى. قاله غير واحد. وقوله: "فقيمته"؛ أي حيث قتل أكثر من واحدة بدليل قوله: وفي الواحدة حفنة؛ يعني أنه يلزمه في قتل الجرادة الواحدة حفنة من طعام بيد واحدة على المعتمد، وظاهر قوله: "الواحدة"، أن فيما زاد عليها القيمة وهو ظاهر الجلاب أيضا، وفي المواق ما يفيد أن الحفنة في الواحدة والاثنتين والثلاث إلى العشر، لا أن كل واحدة فيها حفنة، وفيما زاد على العشر القيمة وظاهر المصنف تعين الحفنة أو القيمة من الطعام، وقال الباجي: لو شاء الصيام لحكم عليه بصوم يوم. انتهى. وما ذكره المصنف من لزوم القيمة في أكثر من واحدة والحفنة في الواحدة جار فيما إذا قتله عمدا، بل وإن في نوم أو نسيان؛ يعني أنه إذا انقلب على الجراد في نوم فقتله، فإن في الواحدة قبضة أي حفنة بيد واحدة، وفي أكثر منها القيمة على ما مر، فلا فرق بين من قتله نائما ومن قتله عامدا إلا في الإثم وعدمه، ومثل النوم النسيان كما مر. كدود، تشبيه في وجوب الحفنة من غير تفصيل بين الواحدة وغيرها؛ يعني أنه يلزم في قتل الدود والنمل والذر والذباب قل أو كثر حفنة يبد واحدة. الخرشي: وأما الدود الذي يخرج من الجراح فيجري على ما تقدم من قوله: كشعرة أو شعرات الخ. انتهى. والحفنة والقبضة بمعنى كما في الشارح وفي الشارح: وإذا وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلهن فليتصدق بشيء من الطعام، قال ابن المواز: بقبضة بحكومة، فإن أخرج بغير حكومة أعاد. ابن رشد: ظاهر الكتاب أن الجراد لا حكومة فيه، فإن قتلت الدابة شيئا من ذلك بنفسها فلا شيء عليه.
وعلم مما قررت أنه لا فرق بين الواحدة وغيرها في لزوم الحفنة في الدود ونحوه.
стр. 2886
ولما ذكر أن التعرض للبري بأي وجه حرام، شرع في ذكر موجب جزائه، فقال: والجزاء بقتله؛ يعني أن الجزاء يجب بقتل الحيوان البري حيث قتله لغير مخمصة، بل وإن كان ذلك لأجل مخمصة؛ أي يجب الجزاء بقتل الصيد وإن قتله لمخمصة أي شدة مجاعة عامة أو خاصة تبيح الميتة، وتقدم عليه كما يأتي في باب المباح، وقوله: "والجزاء بقتله"، هذا لا إشكال فيه، وذكره توطئة لما بعده من قوله: "وإن لمخمصة"، وما بعده، وإذا اشتدت المخمصة حتى أبيحت الميتة، فهل يجوز اصطياده حينئذ وعليه الجزاء أو لا؟ قولان، وقيل: يجوز ولاجزاء. قاله عبد الباقي. وجهل؛ يعني أنه إذا قتل الصيد يجب عليه الجزاء لأجل جهل الحكم أو العين، قال عبد الباقي مقررا للمصنف: ويجب عليه الجزاء، وإن انتفى عنه الإثم لأجل جهل الحكم. قال محمد بن الحسن في سقوط الإثم بالجهل: نظرٌ لجرأة الإقدام قبل علم الحكم، ولم أَرَهُمْ ذَكَرُوا سقوط الإثم إلا في النسيان وهو ظاهر. انتهى. وكذلك يجب عليه الجزاء في قتل، وإن انتفى عنه الإثم لأجل نسيان؛ أي نسي كونه محرما أو أنه في الحرم أوأنه صيد أو الحكم، وكذلك يجب عليه الجزاء، بمعنى أنه يتكرر عليه لأجل تكرر؛ أي تكرر قتله للصيد فيتعدد الجزاء بتعدد المصيد، وفي المدونة: ومن قتل صيودا فعليه بعددها كفارات. انتهى. وحكى في الجواهر عن ابن بشير أنه حكى عن محمد بن عبد الحكم أنه قال: لا جزاء في غير العمد ولا فيما تكرر قاله الشارح. وقال: -يعني ابن عبد الحكم-: وليس عليه بعد أول مرة إلا ما وعد الله ﵎ بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ أي في الآخرة أو يعفو عنه، قال: وهو نص كتاب الله تعالى. انتهى. والجواب عما قال ابن عبد الحكم: أن ما في الآية خرج مخرج التغليظ، فلا ينافي الجزاء، وينتقم الله منه في الآخرة، وإن شاء سامحه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية، خرج مخرج الغالب وقررت قوله: "وتكرر"، على أنه مصدر داخل في حيز المبالغة تبعا لغير واحد، وقرره بعضهم على أنه فعل ماض وفاعله الجزاء، ومتعلق "تكرر" محذوف؛ أي وتكرر الجزاء بتكرر الصيد، وكان ينبغي له أن يأتي بالمتعلق، فيقول: وتكرر بتكرره.
كسهم مر بالحرم تشبيه في لزوم الجزاء، والمعنى أنه إذا رمى وهو في الحل صيدا في الحل إلا أن بينه وبين الصيد بعض حرم، فمر السهم ببعض الحرم فقطعه وخرج إلى الصيد فقتله، فإنه ميتة
стр. 2887
وفيه الجزاء، ولا يؤكل عند ابن القاسم قرب أو بعد. وقال أشهب: يؤكل ولا جزاء عليه. ابن عبد السلام: ووافق أشهبَ عبدُ الملك بشرط البعد، قال: ولا أدري كيف يتصور البعد في رمية السهم. نقله الشارح. قال الشارح: قلت: ليس المراد بالبعد إلا أن يكون بين الرامي وبين الحرم مسافة لا يقطعها السهم غالبا، فوافق من مقدور الله تعالى أنه قطعها، ومر بطرف الحرم لقوة حصلت للرامي في ذلك أو لجودة القوس والسهم، ولا بعد في تصور ذلك. انتهى.
وكلب تعين طريقه؛ يعني أن الحلال إذا أرسل على صيد في الحل كلبا ليس له طريق توصله للصيد إلا من الحرم فوصل إليه من الحرم وقتله فإنه ميتة، وعلى مرسل الكلب جزاؤه لأنه حينئذ منتهك لحرمة الحرم، فقوله: "طريقه" إما بالرفع على أنه فاعل "تعين"، والضمير فيه يعود على الكلب؛ أي تعين طريقه من الحرم، وإما بالنصب والفاعل ضمير يعود على الحرم؛ أي تعين الحرم طريقه، ومفهوم كلام المصنف لو كان للكلب طريق غير الحرم لم يكن عليه جزاء لعدم انتهاكه حرمة الحرم وهو كذلك، نص عليه ابن الحاجب، وسوَّى اللخمي بين مسألتي السهم والكلب في الاختلاف، واختار فيهما جواز الأكل وَعَدَمَ الجزاءِ، والتقييد في الكلب تبع فيه المصنف ابن شأس وابن الحاجب. قاله ابن غازي.
أو قصر في ربطه؛ يعني أن من هو محرم أو في الحرم ومعه كلب أو جارح يصطاد به، فقصر في ربطه فانفلت منه فقتل صيدا في الحل أو في الحرم، فإنه ميتة لا يؤكل وعليه جزاؤه لتقصيره في ربطه، فإن لم يقصر في ربطه فلا شيء عليه، فالضمير في "ربطه"، للجارح كلبا أو بازيا أو غيرهما. أو أرسل بقربه فقتل خارجه؛ يعني أن الصائد إذا أرسل كلبه أو بازيه من الحل بقربه أي الحرم وهو ما يغلب على الظن أنه إنما يدركه بالحرم فقتله بعد أن خرج به من الحرم، فإن الصيد لا يؤكل، وعلى الصائد الجزاء.
واعلم أنه اختلف في حكم الاصطياد قرب الحرم، فقال مالك: إنه مباح إذا سلم من قتله في الحرم، وقال في التوضيح: المشهور أنه منهي عنه إما منعا أو كراهة بحسب فهم قوله ﷺ : (كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه (١))، قال الحطاب: والظاهر الكراهة، ثم إن
стр. 2888
قتله في الحرم أو بعد أن خرج منه ففيه الجزاء، وإن قتله بقرب الحرم قبل أن يدخله فالمشهور أن لا جزاء عليه، وهو قول مالك وابن القاسم، قال التونسي: ويؤكل وقال ابن عبد الحكم وابن حبيب: عليه الجزاء، والمتبادر من كلام المصنف هو الصورة الأخيرة، لكن لضعف القول بالجزاء فيها تعين حمله على الثانية، ويجعل قوله: "خارجه"، حالا من فاعل "قتل". تأمل. قاله محمد بن الحسن. ومفهوم "بقربه"، أنه لو أرسله في بعد من الحرم وهو كما في التوضيح ما يغلب على الظن إدراكه فيه قبل دخوله الحرم أو يرجع عنه، فقتله فيه أو أدخله فيه، ثم أخرجه منه فقتله، فإنه لا جزاء فيه، وهو كذلك لكنه لا يؤكل في الوجهين. وفي الواضحة: أن ما قتل قريبا من الحرم يسكن بسكونه ويتحرك بتحركه، فعليه جزاؤه، ولو أرسله على صيد قرب الحرم فعدل عنه إلى غيره في الحرم فعليه جزاؤه؛ لأنه غرر، كما لو أرسل على ذيب في الحرم فعدل إلى ظبي. ونقل الحطاب بعد أن نقل ما مر عن التوضيح أن البعد عند ابن القاسم ما لا يظن أن الكلب يلجئ الصيد إليه، وأنه إما أن يدركه قبل ذلك أو يرجع عنه. وعند ابن الماجشون: ما لا يتحرك الصيد فيه بحركة ذلك الموضع، وما مر عن التوضيح يفيد أن الظن غير القوي والشك في ذلك من القرب، وكلام ابن القاسم يفيد أن الشك من البعد كما في الخرشي. والله أعلم. وظاهر قول المصنف: "بقربه": [سواء (١)] تعين الحرم طريقه أم لا وهو ظاهر؛ لأنه لما كان قربه جاز دخوله إياه. أبو إبراهيم: لو جر الشخص أو الكلب الصيد من الحل فأدخله الحرم، ثم خلى عنه حتى خرج الصيد من غير أن يخرجه ثم اتبعه فقتله، فينبغي أن يؤكل كمسألة العصير يصير خمرا ثم تخلل. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: يمكن جعل هذه المسألة مفهوم قول المصنف: وطرده من حرم؛ لأنه صادق بما إذا تسبب في إدخاله الحرم، وبما إذا كان فيه من غير سببه. انتهى. وقوله: "وطرده"، عطف على "قتله" من قوله: "والجزاء بقتله"، فهو مما يلزم فيه الجزاء؛ يعني أن الإنسان إذا طرد الصيد من الحرم وأخرجه إلى الحل، فصاده صائد في الحل أو هلك فيه قبل أن يعود إلى الحرم، أو شك في هلاكه وهو لا ينجو بنفسه فإنه يلزم الصائد جزاؤه.
стр. 2889
الحطاب: لا إشكال في حرمة ذلك؛ يعني طرد الصيد من الحرم، قال: فإن فعل ثم عاد الصيد إلى الحرم فلا جزاء عليه، وإن صاده صائد في الحل فعلى من نفره جزاؤه؛ لأنه السبب في إتلافه، وهو كمحرم صاد صيدا في أرض غير مسبعة، ثم أرسله في أرض مسبعة فأخذته السباع وإن لم يتيقن تلفه، فإن كان في موضع ممتنع يتحقق منعته فيه فلا جزاء عليه، وإن لم يكن ذلك متيقنا فعليه جزاؤه، وأما طرد الصيد عن طعامه أو رحله فلا بأس به إلا أن يهلك بسبب طرده فعليه الجزاء، كقضية سيدنا عمر. قاله محمد بن الحسن. يشير بذلك إلى ما نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه دخل دار الندوة بمكة، فوضع ثيابه على شيء واقف يجعل عليه الثياب، قال: فوقعت فيه حمامة فخفت أن تؤذي ثيابي فطردتها، فوقعت على هذا الواقف الآخر، فخرجت حَيَّةً فَأكَلَتْها فخشيت أن طردي إياها كان سببا لحتفها، فقال لعثمان ونافع: احكما علي، فقال أحدهما لصاحبه: ما تقول في عنز ثنية عفراء تحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال له صاحبه: نعم، فحكما عليه. انتهى. نقله الحطاب.
وتحصل مما مر أنه إن لم يطرده فلا جزاء عليه، وإن طرده منه، فإن عاد إلى الحرم فلا جزاء، وإن صاده صائد في الحل فالجزاء، وإلا فإن كان في موضع ممتنع تحقق منعته فيه فلا جزاء على طارده، ولو حصل له التلف بعد ذلك أو صيد؛ لأن طرده حينئذ لا أثر له وإلا فالجزاء.
وقال الشارح عند قوله: "وطرده من حرم": يعني ويجب الجزاء بطرده من الحرم إلى الحل، وهكذا قال في المدونة، يريد إذا كان الصيد لا ينجو بنفسه لأنه أخرجه من مأمنه وعرضه للتلف، فإن كان ينجو بنفسه فلا شيء عليه، نص على ذلك اللخمي وابن يونس، وحكى التونسي في إخراجه من الحرم قولين: الأول أن عليه الجزاء وأطلق، والآخر أن لا جزاء عليه إذا كان ينجو بنفسه، ولو أطلقه في الأندلس. انتهى.
ورمي منه، عطف على قوله: "بقتله"، والضمير في قوله: "منه"، عائد على "الحرم"؛ يعني أن من رمى من الحرم صيدا في الحل فقتله فعليه الجزاء، ولا يؤكل عند ابن القاسم نظرا لابتداء الرمية، خلافا لأشهب وعبد الملك نظرا لانتهائها، وقوله: "ورمي منه"، بخلاف ما لو رأى صيدا في الحل وهو في الحرم فعدا عليه من الحرم، وذلك لأن الإرسال يكون بدءا لذكاة وعنده تشترط
стр. 2890
التسمية، وأما الذي عدا خلف الصيد فإنما يبتدئ الاصطياد من حين يطرده ويأخذه، فلا اعتبار بما قبل ذلك. وله: أي الحرم، وهو معطوف على قوله: "منه"؛ يعني أن من رمى من الحل صيدا في الحرم فقتله فإنه لا يؤكل اتفاقا، وعليه الجزاء لأنه يصدق عليه أنه قتلُ صيدٍ، وفي المدونة: من رمى صيدا في الحل وهو في الحل فهرب الصيد وتبعته الرمية، فإن إصابته في الحرم ففيه جزاؤه، وإن أصابته في الحل فلا شيء عليه، قرب من الحرم أو بعد، وهو المشهور. وقال ابن عبد الحكم: ما قارب الشيء له حكمه، وقال ابن الماجشون: كل ما يسكن بسكون ما في الحرم ويتحرك بحركته فله حكمه. قاله الشارح. ومثل الرمي في الحالين؛ أي منه أو له إرسال الكلب، ويفهم من المصنف أن من بالحرم إذا أراد صيدا بالحل فذهب له عازما على اصطياده فرآه بالحرم ولم يرمه ولم يرسل عليه كلبه ونحوه حتى خرج من الحرم فصاده في الحل، لا شيء عليه وهو كذلك. وفي كلام سند ما يفيده انظر الحطاب. قاله عبد الباقي.
وعطف على قوله: "بقتله"، قوله: وتعريضه للتلف. والمجرور متعلق "بتعريضه"؛ يعني أنه لا فرق في لزوم الجزاء للصائد بين قتله للصيد وتعريضه للتلف حيث لم تحقق سلامته، مثال ذلك حبسه ونتف ريشه الذي لا يقدر مع نتفه على الطيران، وإلا فلا جزاء فيه، وإذا نتف ريشه ثم أمسكه عنده حتى نبت وأطلقه فلا جزاء عليه، وليس من تعريضه للتلف أخذه من مكة وإرساله للأندلس حيث لا يخاف عليه. قاله ابن عرفة، وغيره. قوله: "وإرساله"؛ أي إطلاقه لا بعثه عنده في بيته -مثلا- فلا يعارض قوله: "وليرسله"، وقوله: "وزال ملكه عنه". قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لا يتصور عادة إطلاقه من مكة للأندلس، وإنما المراد بعثه عنده في رحله ثم يرسله بالأندلس. والله أعلم. وليس من تعريضه للتلف كون الغير يقدر عليه بسبب جرحه له، خلاف ما استظهره البساطي وسلمه التتائي؛ لأنه مهما علم أنه لا يموت بالجرح، أو برئ منه بنقص والتحق بجنسه فلا شيء فيه، وإن كان الغير يقدر عليه وهو مذهب المدونة، ويدخل في قول المؤلف: "ولو بنقص". ابن عرفة: وإن برئ ناقصا ففي غُرم نقصه ولغوه، ثالثها: إن كان نقصه يسهل اصطياده، وعزا الثاني للمدونة وعبد الحق وابن القصار.
стр. 2891
وجرحه بالجر، عطف على قوله: "بقتله"؛ يعني أنه يجب الجزاء في جرح الصيد المذكور جرحا لم تنفذ مقاتله منه، وغاب إن لم تحقق سلامته من ذلك الجرح.
وعلم مما قررت أن قوله: ولم تحقق سلامته، قيد في الجرح والتعريض للتلف؛ يعني أن محل وجوب الجزاء في جرح الصيد وتعريضه إذا لم تحقق سلامة الصيد منهما، فإن تحققت سلامته منهما فلا شيء عليه حيث برئ بلا نقص، بل ولو بنقص، فهو مبالغة في المفهوم، والباء فيه بمعنى: مع؛ يعني أن الصيد إذا برئ من جرحه ومن الفعل الذي عرضه به للتلف ناقصا، فإنه لا شيء عليه على المشهور، وهو مذهب المدونة، وقال ابن المواز: يلزمه ما بين القيمتين، فيقوم صحيحا بعشرة أمداد مثلا، ومعيبا بثمانية فيغرم ما بين القيمتين وهو مدان، وحمله اللخمي وغيره على الخلاف. ابن عبد السلام: وهو الظاهر، وقال ابن يونس: ويحتمل الوفاق، ويحمل قول ابن القاسم: لا شيء إذا استيقن، أنه سلم؛ أي سلم بغير نقص. قاله الشارح. وكونه وفاقا ضعيف قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ولم تحقق سلامته"؛ أي لم يغلب على الظن سلامته. قاله الخرشي.
تنبيه: إذا نتف ريشه ماذا يفعل به؟ ظاهر قوله فيما مر: "وليرسله"، أو صريحه أنه يرسله، فإن تحقق سلامته فلا شيء عليه، وإن لم يتحقق سلامته وداه. وقال اللخمي. محمد: يدعه في موضع ينسل فيه، ثم عليه جزاؤه. ابن حبيب: يحبسه حتى يَعْفُوَ رِيشُهُ ثم يرسله ويطعم مسكينا، فإن غاب قبل أن ينسل وخيف عطبه فليده، ويختلف على هذا إذا جرح صيدا فلم يستطع النجاة، هل يحبسه حتى يبرأ أو يرسله ويغرم جزاءه الآن؟ فإن حبسه لم يغرم الآن شيئا، فإن برئ بغير شين فلا شيء عليه، وإن بقي شين غرم ما نقصه. نقله الشارح.
وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته؛ يعني أنه إذا جرح الصيد وغاب عنه ولم يعلم هل مات أم لا، فإنه يجب عليه أن يخرج الجزاء كما مر، فإذا أخرجه ثم تحقق بعد الإخراج أنه مات فإنه يجب عليه أن يخرج الجزاء ثانيا، وهو مراده بالتكرير.
وعلم مما قررت أن المراد بالشك مطلق التردد، وقوله: "لشك"؛ أي لأجل شك نشأ عن رمي الصيد ونحوه، هل مات أم لا؟ وقوله: "ثم تحقق"، مثل التحقق غلبة الظن، وقوله: "إن أخرج
стр. 2892
لشك"، قال عبد الباقي: ولو كانت الرَّمْيَةُ أنفذت مقاتله، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلامهم أن إنفاذ القاتل كالموت بالفعل، وأنه لا يكررها إن أخرجها بعد إنفاذ المقاتل. انتهى. وإنما كرر الإخراج؛ لأنه تبين أنه أخرج قبل الوجوب؛ لأن الموجب على الحقيقة إنما هو القتل، وغيره إنما أوجب لأنه موصل إليه، فإذا تبين أنه أخرج قبله وجب الإخراج عند حصول الموجب الحقيقي. وقد مر عن الشيخ بناني أن إنفاذ المقاتل بمنزلة القتل، ومفهوم قوله: "ثم تحقق"، أنه لو بقي على شكه لم يكرر الإخراج، وكذا إن تحقق بعد الإخراج للشك موته قبل الإخراج كما في النقل، وكلامه صادق بهذه الثانية، فلو قال: ثم مات، لأفاد القصر على الأولى.
ككل من المشركين، تشبيه في قوله: "وكرر"؛ يعني أن الجماعة من المحرمين إذا اجتمعوا على قتل صيد ولو لم يكونوا في الحرم، أو كانوا في الحرم ولو لم يكونوا محرمين، فإنه يلزم كل واحد منهم جزاء كامل: فقوله: "من المشتركين"، بالجمع والألف واللام للجنس؛ أي جنس المشتركين، والجنس يصدق بالاثنين فأكثر أو بالتثنية، وهي بيان لأقل ما يتحقق به الاشتراك، فتحصل من هذا أن معنى كلام المصنف أن المحرمين أو من في الحرم إذا اشتركوا في قتل صيد، فإنه يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، وفيها: وإن أرسل كلبه على صيد في الحرم فأشلاه بعدُ آخرُ فأخذ الصيد، فإن انشلى الكلب بإشلائه فعلى الذي أشلاه أيضا الجزاء، ومفهوم قوله: "من المشتركين"، أنه لو تمالأ جماعة على قتلة فقتله واحد منهم، فجزاؤه على قاتله فقط كما هو ظاهر كلامهم وظاهر كلام المصنف: لا ينظر إذا قتله جميعهم لمن فعله أقوى في حصول الموت، ويدل له قوله: أو أمسكه ليرسله فقتله محرم، وإلا فعليه، وأما لو تميزت جنايات كل واحد، وعلم أو ظن أن موته من ضربة معين: فالظاهر أن الجزاء عليه وحده؛ لأنه اختص بقتله إلا أن تكون ضربة غيره هي التي عاقته عن النجاة، ولو اشترك حل ومحرم ليس بالحرم فعلى المحرم جزاؤه. فقط. وبإرسال لسبع؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا أرسل كلبه أو بازيه على سبع ونحوه مما يجوز للمحرم قتله، فأصاب صيدا غيره مما يحرم قتله، فإنه يلزمه جزاؤه. وقوله: "لسبع"؛ أي على سبع كما قال عبد الباقي، وقال الخرشي: لا يحتاج إلى جعل اللام بمعنى:
стр. 2893
على؛ لأن أرسل يتعدى باللام نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وبعلى نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبإلى نحو: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر ما لعبد الباقي لا ما للخرشي. والله سبحانه أعلم. ولو قال: لكسبع، لشمل كل ما يجوز قتله، وقوله: "لسبع" كما إذا ظن أنه سبع ثم تبين أنه غيره من بقر وحش أو ظبية مثلا، وليس المراد أنه أرسله على سبع فقتله كما هو ظاهره؛ لأنه يمنع منه قوله: فيما سبق. "وعادي سبع". وقوله: "وبإرسال"، عطف على بنفسه مقدر بعد قوله: "بقتله"، وما ذكره المصنف هو مذهب المدونة. وقال أشهب: لا جزاء عليه. قاله اللخمي. قال: وهو أبين، ولو لزم من أرسل على ذيب في الحرم الجزاء، للزم المحرم إذا أرسل على ذيب في الحل فأخَذَ صيدا؛ لأنه غرر أيضا. نقله الشارح.
أو نصب شرك له؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا نصب شركا للسبع فعطب فيه حمار وحش مثلا، فإن الجزاء يلزمه كحافر بير لسارق معين فوقع فيها غيره، فعليه الدية، قال فيها: وإن نصب المحرم شركا للذيب والسباع مخافة على غنمه أو دابته أو على نفسه، فوقع فيه صيد ظبي أو غيره فعطب فعليه الجزاء، كمن حفر في منزلة بيرا للسارق أو عمل في داره شيئا ليتلف فيه السارق، فهو ضامن إن وقع فيه السارق فمات، ولو وقع فيه غير السارق فمات ضمن ديته. وقال سحنون: لا جزاء عليه في الصيد؛ لأنه فعل ما يجوز له.
وبقتل غلام أمر بإفلاته فظن القتل؛ يعني أن المحرم إذا كان معه صيد فأمر عبده بإفلاته؛ أي بأن يرسله ويخلي سبيله، فظن العبد أن السيد المحرم أمره بقتله فقتله الغلام، فعلى السيد جزاؤه، ولا شيء على العبد إلا أن يكون محرما فعليه جزاء آخر، ولا ينفع السيد خطأ الغلام، ويلزم السيد المحرم بقتل غلام محرم أمره السيد بالقتل فقتل طائعا أو مكرها جزاءان عنه وعن الغلام، وواحد إن كان المحرم أحدهما، وما وجب على العبد فيما فعله بأمر سيده في الهدي والإطعام إن شاء أخرج عنه أو أمره بذلك من ماله، أو يصوم العبد عن نفسه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي بعد قوله: "فظن القتل": وعلى العبد جزاء أيضا إن كان محرما ولا ينفعه خطؤه، وأما لو أمره بذبحه وذبحه فعلى السيد الجزاء أيضا بالأولى، وسواء كان العبد محرما أو حلالا.
стр. 2894
انتهى. وعلى العبد المحرم جزاء ثان إن أطاع سيده أو أكرهه، لكن يقوم به عن العبد، ومثل الأمر بالذبح الأمر بالاصطياد، ومثل الغلام الولد الصغير. قاله الوالد. قاله عبد الباقي. وقوله: "فظن القتل"، سواء كان ما أمر به السيد شأنه أن يفهم منه ذلك أم لا، ومفهوم "ظن القتل": لو شك في القتل ما حكمه. ومقتضى اللخمي أن الجزاء على العبد فقط. وهل إن تسبب السيد فيه؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا هل يقيد وجوب الجزاء على السيد الذي في المدونة: بما إذا تسبب السيد فيه أي في الصيد؛ بأن أذن له في صيده ولو عَبَّر به لكان أظهر، فإن لم يأذن له فيه فلا شيء على السيد، والجزاء على العبد إذ لم يفعل السيد الأخير. أولا. تقيد المدونة بذلك بل الجزاء على السيد مطلقا، تسبب أي أذن له في الصيد أم لا، في ذلك تأويلان؛ الأول لابن الكاتب، والثاني لابن محرز، فقوله: "أوْلا" نفي راجع لقوله: "إن تسبب"؛ أي لا يشترط تسبب السيد فيه أي إذنه في الصيد، وجوز ابن غازي تشديد الواو فيه منصوبا على الظرفية؛ أي في حالة الصيد، وعليه فقد حذف التأويل الثاني، والمذهب هو الإطلاق قاله غير واحد وبسبب؛ يعني أنه كما يجب الجزاء بقتل الصيد يجب بقتله بسببٍ قصد المحرم سببيته، كالأمور السابقة من إرسال سبع ونصب شرك ونحو ذلك، بل ولو اتفق كونه سببا من غير قصد جعله سببا، ومثل لذلك بقوله: (كفزعه فمات) يعني أن من السبب الاتفاقي ما لو رآه الصيد، والحال أنه لم يقصد التعرض له ففزغ منه فمات، فإنه يلزمه جزاؤه، وهذا هو المشهور وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: لا شيء عليه أبو إسحاق: وهو الصواب، واختاره أيضا ابن المواز. الشيخ: وهو أظهر ولا يكون الصيد أعظم من حرمة الآدمي، وإليه أشار بقوله: والأظهر عند ابن عبد السلام والمصنف وابن فرحون، لا ابن رشد كما يوهمه كلامه. قاله غير واحد. وقال محمد بن الحسن: وصواب قوله: "والأظهر" والأرجح، والأصح عند التونسي وابن المواز خلافه؛ أي خلاف قول ابن القاسم وهو قول أشهب بعدم الجزاء.
وأقيم من هذه المسألة مسائل مِنْهَا: تضمين الغرة في الجنين على من أفزع حاملا فألقت حنينها، ونزلت بعمر رضي الله تعالى عنه إذ أرسل أعوانا فخافت حامل فأسقطت، فاستشار فأفتاه من حضر بعدم الضمان؛ لأنه مأذون له في البعث. فقال لعلي رضي الله تعالى عنه: ما تقول يا أبا
стр. 2895
الحسن؟ فقال: أرى عليك الغرة مُوَدَّاة. أبو الحسن: وهذا بشرط إثبات ما فزعت منه، ومشاهدتها الفزع واتصال مرضها بإلقائه وشهادة امرأتين بإلقائه، وزاد ربيعة وسحنون: شهادة على رؤية الجنين، ومنها تضمين من مشى أو نام في طريق ففزعت منه دابة فألقت ما عليها. وحاصله أن من فعل ما يجوز له فنشأ عنه ما لم يقصده، هل يضمن أم لا؟ قاله الخرشي. ثم قال: وجد عندي ما نصه: ويؤخذ من قوله: "كفزعه فمات". ما لو فتح شخص بابه وكان مسندا عليه جرة عسل مثلا فانكسرت، أنه يضمنها؛ لأن الفعل قارن الإتلاف على قول محمد بن عرفة، بخلاف نار في محل فأحرقت دار جاره فلا ضمان؛ لأن الفعل لم يقارن التلف، وقوله: "والأظهر والأصح خلافه"؛ أي ولكن لا يؤكل، وكذا فيما شَبَّهَهُ من المسائل، بقوله كفسطاطه؛ يعني أن المحرم إذا نصبت له خيمة وهي المراد بالفسطاط، فتعلق صيد بأطنابها فمات، فإنه لا جزاء عليه على المذهب. وللجلاب عن ابن القاسم: عليه الجزاء، كجوازه على رمحه المركوز فعطب، قال في توضيحه: وهو ضعيف.
وبئر لماء؛ يعني أنه إذا حفر بئرا لماء فعطب فيه الصيد فإنه لا جزاء عليه، ووافق ابن القاسم أشهب على سقوط الجزاء في البئر، وقال بالجزاء في مسألة "فزعه فمات". قال الحطاب: وهي مناقضة لا يشك فيها، وحكى بعضهم قولا بوجوب الجزاء في مسألة البئر وهو ضعيف، وفرق في الذخيرة بأن رؤيته مستلزمة لهربه بخلاف حفر البئر، وظاهر قوله: "وبئر لماء"، ولو بالطريق، فليس الصيد كالآدمى في هذا، ولعل الفرق أن الصيد شأنه أنه ليس له طريق معينة، بخلاف الآدمي.
ودلالة محرم؛ يعني أن المُحْرِم إذا دل مُحْرِمًا على الصيد فقتله فإنه لا جزاء عليه، وكذا لو دل الحلال وهو في الحرم غيره على صيد فإنه لا جزاء عليه، ولم يختلفوا فيما إذا قتله محرم أن عليه الجزاء، وفيما إذا قتله حلال في الحل أنه لا جزاء عليه، واختلفوا في الدال إذا كان محرما والمشهور لا جزاء عليه كما قاله المصنف. قال في المدونة: وإذا دل المحرم على صيد محرما أو حلالا فقتله المدلول عليه، فليستغفر الله تعالى الدال ولا شيء عليه، وحكى ابن المواز عن أشهب أنه قال: إذا دل المحرم محرما على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاء، وإن دل عليه حلالا
стр. 2896
فليستغفر الله تعالى ولا شيء عليه. أبو إسحاق: كذا الرواية عن أشهب، والأشبه أن على الدال الجزاء إذا دل على الصيد حلالا. أو حل؛ يعني أن المحرم إذا دل حلالا على الصيد فقتله فإنه لا جزاء على الدال، قوله: "ودلالة محرم أو حل"، من إضافة المصدر لفعوله، والفاعل محذوف أي أن المحرم إذا دل على الصيد محرما أو حلالا فإنه لا جزاء على الدال المحرم، ومثل دلالة المحرم لغير على الصيد إعانته للغير بمناولة سوط أو رمح مثلا، فقد أساء أي أثم ولا جزاء عليه على المشهور، واقتصر صاحب المدخل على القول بوجوب الجزاء على المحرم في دلالة المحرم على الصيد، وفيمن أعطى سوطه أو رمحه لمن يقتل صيدا. سند: وإذا أمر عبده أو ولده أو من تلزمه طاعته ومن يده كيده فالضمان عليه فيه وليس على العبد ضمان آخر، بخلاف من أحرم وبيده صيد فأمر عبده بذبحه فإن عليهما جميعا الجزاء، وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يؤكل.
والحاصل أن الصيد لا يؤكل فيما مر من قوله: "كفسطاطه" إلى هنا. وقال سند في الطراز فيما قتله الحل بدلالة محرم: وإذا قلنا لا جزاء عليه فلا يأكل منه ويحرم عليه، وإن أكل منه فعليه الجزاء. قاله القاضي أبو الحسن، والقاضي عبد الوهاب، ويفهم منه أنه ليس بميتة، ويجوز لغيره أن يأكل وليس كذلك، فقد قال هو في شرح مسألة ما صيد للحلال: وجملة ذلك إن صاده المحرم لا يحل له أكله لا يختلف فيه، وكذلك ما صاده له الحلال بأمره أو كان من المحرم فيه معونة أو إشارة وهو أيضا متفق عليه. انتهى. نقله الحطاب.
ورميه على فرع أصله في الحرم؛ يعني أنه إذا كان شجرة أصلها ثابت في الحرم ومنها فرع في الحل وعليه طائر مثلا، فرماه الحلال بسهمه فقتله، فإنه يؤكل ولا جزاء فيه هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وذهب عبد الملك بن الماجشون على وجوب الجزاء عليه، وهو على أصله أن كل ما يسكن بسكون ما في الحرم ويتحرك بتحركه فله حكمه، ولا خلاف في وجوب الجزاء فيما إذا كان الفرع في الحرم وأصله في الحل؛ لأنه يصدق عليه أنه اصطاد في الحرم. سند: ولو كان بعض الصيد في الحرم وبعضه في الحل ففيه الجزاء. وقاله الشافعي. وذكر عن أبي حنيفة الضمان إن كانت قوائمه في الحرم لا رأسه.
стр. 2897
واعلم أنه لا يلزم من جواز رمي الصيد الكائن على فرع بالحل وأصله بالحرم وعدم الجزاء فيه، وأنه يؤكل جواز قطع ذلك الفرع كما ظن التتائي فإن ابن عرفة صرح بعدم جواز قطع ذلك الفرع؛ لأن المعتبر في الشجر أصله، وفي الصيد محله. وعلم منه أنه إن كان الشجر مغروسا في الحل جاز قطع فرعه الذي في الحرم، وإن غرس في الحرم حرم قطع غصنه الذي في الحل. وقوله: "ورميه على فرع أصله في الحرم"، قال الشيخ عبد الباقي: وهو خارج عن جدار الحرم ويؤكل، وأما لو كان الفرع مسامتا لجدار الحرم والطير فوقه، فالظاهر أن فيه الجزاء، كما لو كان الطير على الجدار نفسه أو على غصن بالحرم وأصله بالحل، وأولى في الحرمة والجزاء وعدم الأكل إذا كان الأصل والغصن بالحرم. انتهى. وقوله: "ورميه"، بالجر عطف على: "فسطاط"، وقوله: "أصله في الحرم"، مبتدأ وخبر، والجملة صفة "لفرع". والله سبحانه أعلم.
أو بحل وتحامل فمات به؛ يعني أنه إذا كان الصائد والمصيد في الحل فضربه أو رماه فوقع السهم فيه فتحامل الصيد أي ذهب بنفسه ودخل الحرم فمات به أي بالحرم، فإنه لا جزاء على الرامي ويؤكل، وهذا إن أنفذ السهم مثلا مقتله؛ أي الصيد، والحال أن الصيد في الحل اتفاقا، وكذا لا جزاء عليه ويؤكل إن لم ينفذ مقتله في الحل عند أشهب واختاره اللخمي، وإلى ذلك أشار بقوله: على المختار.
وعلم مما قررت أن كلام المؤلف صواب؛ إذ الأقوال ثلاثة: قول التونسي بالجزاء ولا يؤكل، وقول أصبغ بعدم الجزاء ولا يوكل وقول أشهب بعدم الجزاء ويوكل وهو الذي اختاره اللخمي كما عرفت، فاختياره منصب على نفي الجزاء خلافا للأول وعلى الأكل خلافا للثاني. والله أعلم. قاله محمد بن الحسن. وفي كلام عبد الباقي نظر، وما اختاره اللخمي هو المشهور.
أو أمسكه ليرسله فقتله محرم؛ يعني أن المحرم إذا أمسك صيدا ليرسله لا ليقتله فعدا عليه غيره فقتله، فإن كان القاتل له محرما أو حلالا في الحرم فجزاؤه على القاتل ولا شيء على المحرم الذي أمسكه، وإلا يقتله محرم آخر بل قتله حلال ليس في الحرم، فعليه أي فعلى الممسك الجزاء، فلو قتله في الحرم وهو حلال فعليه جزاء، وليس على المسك جزاء آخر خلافا لما في شرح عبد الباقي. وغرم الحل له الأقل، مرتب على قوله: "وإلا فعليه"؛ يعني أنه إذا قلنا إن
стр. 2898
الجزاء على الممسك أي حيث كان محرما والقاتل حلال، فإن ذلك القاتل الحلال يغرم له أي للممسك المحرم الأقل من قيمة الصيد وجزائه، وإنما غرَّمه مع زوال ملكه عنه كما مر لتسببه بسبب القتل في لزوم الجزاء على الممسك للإرسال. قاله عبد الباقي مع توضيح مني. وقال الخرشي: الأقل من القيمة طعاما أو من المثل بأن يغرم المثل كالشاة مثلا في الثعلب، وإن لم يكن للصيد فقيمته، فإن صام الممسك فلا شيء على الحلال. وللقتل، هذا مفهوم قوله: "ليرسله"؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا أمسك الصيد للقتل فقتله محرم آخر أو من في الحرم، فإنهما أي القاتل والممسك للقتل شريكان في وجوب الجزاء؛ أي على كل واحد منهما جزاء كامل، لا أنهما يشتركان في جزاء واحد، وأما إن قتله حلال فعلى الممسك ولا شيء على الحلال. قاله الشارح في الكبير.
وما صائده محرم؛ يعني أن ما صاده المحرم مما يحرم عليه اصطياده أي مات باصطياده بسهمه أو كلبه أو ذبحه، وإن لم يصده أو أمر بذبحه أو أعان على صيده بإشارة أو مناولة سوط، فإنه يكون ميتة وعليه جزاؤه، ولا يجوز أكله لحلال ولا لمحرم، وسواء ذبح في حال إحرامه أو بعد إحلاله، ومثل ما صاده محرم ما صاده حلال في الحرم في كونه ميتة. أو صيد له؛ يعني أن ما صيد لأجل المحرم معينا كان المحرم أو لا ميتةٌ، فقوله: "صيد له"؛ أي صيد له بغير أمر منه ولا إعانة وذبح في حال إحرامه، وكذا صيد ذبحه حلال لأجل أن يضيف به المحرم، وأما ما صيد للمحرم وذبح بعد إحلاله فإنه يكره أكله ولا يَحْرُمُ. قاله الحطاب.
فتحصل من هذا أن ما صاده المحرم أو صيد بأمره أو بإعانته أو بدلالته فهو ميتة مطلقا، ذبح في حال إحرامه أو بعد إحلاله، وإن ذبح بعد إحلاله بغير إذنه خلافا لما في عبد الباقي، فإنه غير صواب، وأما ما صيد له بغير أمر منه ولا إعانة ولا دلالة، فإنما يحرم إن ذج في حال إحرامه، وأما إن ذبح بعد إحلاله فإنه يكره أكله، وما ذبح له كما صيد له، ومفهوم قوله: "أو صيد له"، أنه لو صاده حل لحل، فإنه يجوز للمحرم الأكل منه وهو قول المصنف الآتي: "وجاز مصيد حل لحل".
وعلم مما قررت أن قوله: ميتة، خبر عن "ما" من قوله: "وما صاده محرم أو صيد له"، فهو راجع للمسألتين، وهو ميتة عند الجمهور، وسواء في الثانية ذبحه ليباع للمحرم أو ليهدي له به،
стр. 2899
وفي الخبر: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوا أو يصد لكم وأنتم حرم (١))، فإن قلت: يشكل مذهب الجمهور بالشاة المغصوبة يذبحها الغاصب لأنها ليست عندهم ميتة ولا فرق بينها وبين الطير يذبحه المحرم؟ فالجواب أن النهي في الصيد عن القتل والذبح يستلزمه بخلاف الغصب، ولأنه لما كان قصد الشرع الزجر عن قتل الصيد، كان جعله ميتة على من صاده موافقا لذلك؛ إذ لو لم يجعل ميتة لتسارع الناس إلى إمساك الصيد وقتله ويعطون جزاءه لخفة أمره لأن طالبه غير معين ولا كذلك المغصوب، ومن أحرم ومعه صيد يجب إرساله، فإن ذبحه بعد إحلاله فعليه جزاؤه ولا يكون ميتة، ففرقوا بين ما كان ملكا له قبل الإحرام فيؤكل، وبين ما صيد بعد الإحرام فلا يؤكل، وإن كان لا يملك واحد منهما.
واعلم أن ما صيد وقت الإحلال كونه يجوز إرساله فيه نظر؛ لأنه بصيده صار مالا وفي إرساله ضياعه، فمن صاد صيدا وهو حلال ولم يطرأ عليه إحرام وهو عنده لا يرسله؛ لأنه مال، وفي ذلك تضييع مال. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
كبيضة؛ يعني أن بيض الصيد غير الإوز والدجاج إذا كسره محرم أو شواه أو شوي له، فإنه يحرم أكله على المحرم والحلال، قال الشيخ عبد الباقي: وظاهره نجاسته حتى في حق غيره، خلافا لبحث سند قائلا بأن البيض لا يفتقر لذكاة حتى يكون بفعل المحرم ميتة على غيره، ولا يزيد المحرم فيه في حكم غيره على فعل المجوسي إذا شوى البيض أو كسره لا يحرم بذلك على المسلم، بخلاف الصيد فإنه يفتقر لذكاة شرعية والمسلم ليس من أهلها، قال أحمد: وهو بين. انتهى. وَوُجِّهَ المشهور بأنهم جعلوا البيض هنا بمنزلة الجنين؛ لأنه لما كان ينشأ عنه نزل منزلته، وباحتمال أن يكون فيه جنين، ويرشح هذا ما يأتي من أن من أفسد وكر طير حمام -مثلا- فيه فراخ وبيض عليه في البيض الدية، ثم على بحث سند فقشره طاهر للمحرم وغيره، وعلى ما ذكره المصنف كغيره من أن البيض ميتة فقشره نجس قطعا، فلا وجه لتنظير التوضيح فيه. انتهى. يشير إلى قوله في التوضيح: وانظر هل يحكم لقشر البيض بالنجاسة أم لا؟ قوله: خلافا لبحث سند قائلا لخ، قال بناني عنده ما معناه نصه: أما منع المحرم منه فبين، وأما منع
стр. 2900
غير المحرم ففيه نظر؛ لأن البيض لا يفتقر … إلى آخر ما مر قريبا، وقوله: وعلى ما ذكره المصنف كغيره لخ، كلام المدونة لا يفيد إلا عدم الأكل، ولا يفيد أنه ميتة، ونصها على نقل ابن عرفة: إن شق بيض نعام فأخرج جزاءه لم يصلح أكله ولا لحلال انتهى واقتصر عليه، وهذا هو الظاهر؛ إذ كونه ميتة بعيد. والله أعلم. انتهى.
واستظهر الحطاب أن قشر البيض المذكور ليس بنجس. والله سبحانه أعلم. وكون ما صاده المحرم أو صيد له ميتة كبيضه هو مذهب الجمهور، وذهبت طائفة إلى أنه ليس بميتة، والحجة لنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وفي الخبر: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوا أو يصد لكم وأنتم حرم (١)). وقد مر.
وفيه الجزاء يعني أن ما صيد من أجل المحرم معينا أم لا، يكون على المحرم فيه الجزاء، ومحل كون الجزاء على المحرم فيه إن علم المحرم بأنه صيد لمحرم وَأَكَلَ منه، فعليه الجزاء بقيدين؛ أحدهما أن يأكل ذلك المحرم، ثانيهما أن يعلم أنه صيد لأجل محرم كان هو الآكل أو غيره، والجزاء عليه من حيث أكله عالما، لا من حيث كونه ميتة. الباجي: اختلف عن مالك هل يَجْزِي كل الصيد أو قدر ما أكل؟ انتهى. وظاهر كلام المصنف الأول. قاله عبد الباقي.
وعلم مما قررت أن الضمير في قوله: "وفيه"، عائد على ما صيد من أجل محرم، وأما ما صاده محرم فعليه الجزاء فيه، سواء أكل هو منه أو غيره أو لم يؤكل منه، ولا جزاء على الغير الآكل ولو محرما، وعلم بأنه صيد محرم كما قال: لا في أكلها؛ أي ميتة الصيد؛ يعني أن المحرم إذا أكل ما صاده محرم أو من في الحرم، فإن ذلك المحرم الذي لم يحصل منه إلا مجرد أكل ميتة الصيد لا جزاء عليه، وإنما الجزاء على من قتل الصيد، فهو راجع لأكل المحرم ما صاده محرم غيره، وترتب فيه على الصائد الجزاء، ويرجع أيضا لمفهوم إن علم؛ أي أن ما صيد لأجل محرم لا شيء عليه في أكله المجرد عن العلم بأنه صيد لمحرم، وقوله: "لا في أكلها"، أنث الضمير لا قدمه من أنه ميتة، وإنما لم يَكُنْ فيما صاده المحرم أو من في الحرم محرم آخر؛ لأنه ميتة كما علمت، وأكل الميتة لا جزاء فيه. وقوله: "لا في أكلها"، هو المشهور، وإنما افترق صيد المحرم مما
стр. 2901
صيد له؛ لأن صيد المحرم وجب عليه فيه الجزاء باصطياده له، وما صيد له لم يجب على صائده الحلال فيه جزاء، فوجب الجزاء على من أكل منه؛ لأنه صار بمنزلة صائده. قاله عبد الباقي. وجاز مصيد حل لحل؛ يعني أن المحرم يجوز له أن يأكل من لحم صيد صاده حلال في الحل لنفسه أو لحلال آخر، يريد إذا ذكاه قبل أن يحرم الذي صيد له، وأما ما صيد له قبل أن يحرم وذبح بعد أن أحرم فهو داخل فيما ذبح للمحرم فهو ميتة، صرح بذلك اللخمي وصاحب الطراز، ونقله في التوضيح. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أن متعلق "جاز" محذوف؛ أي جاز ذلك للمحرم وأحرى لغيره، وأن قوله: "لحل"، متعلق بمصيد، وقوله: "وجاز مصيد حل لحل"، ذكره لأجل قوله: وإن سيحرم؛ يعني أنه يجوز أكل ما صاده حلال في الحل لنفسه أو لحلال آخر وإن كان الصائد أو المصيد له أو كل منهما، يريد أن يحرم ولم يحصل منه في اصطياده بأن مات بالصيد قبل الإحرام أو تمت ذكاته قبله، وإلا لم يأكله كما مر قريبا لزوال ملكه عنه بالإحرام، ويدخل فيما ذبح لمحرم. وذبح محرم ما صيد بحل؛ يعني أنه يجوز لحلال ساكن بالحرم أن يذبح بالحرم ما صاده حلال في الحل، كان هو الصائد أو غيره، ويجوز لكل أحد أكله كما في الخرشي لا محرم، خلافا لعبد الباقي القائل: صاده حلال أو محرم، فإنه غير صواب، وأما الآفاقي الداخل في الحرم بصيد معه صاده في الحل فلا يجوز له ذبحه ولو أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر، ويجب عليه إرساله بمجرد دخول الحرم كما قدمه بقوله: "وزال ملكه عنه"، لكن في التتائي أن إقامته بها طويلا تنزل منزلة ساكنه في جواز ذبحه وهو حلال ما صيد بحل، والضمير في ذبحه يرجع للحلال المقيم بمكة، ومفهوم قول المصنف: "بحل"، أن ما صيد بحرم لا يجوز ذبحه لساكن الحرم ولو كان الصائد حلالا وهو كذلك، ويعلم من هذا أن الصيد في الحرم أشد حرمة من صيد المحرم في الحل؛ لأنه يحرم الصيد فيه على كل أحد، بخلاف الصيد في الحل فإنه إنما يحرم على المحرم فقط. وفي المدونة: وجائز أن يذبح الحلال بمكة الحمام الإنسي والوحشي، والصيد يدخله من الحل فيذبحه في الحرم؛ لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول وهم محلون في ديارهم، والمحرم إنما يقيم
стр. 2902
محرما أياما قلائل. قال مالك: وما أدركت ممن اقتُدِيَ به من يكره ذلك إلا عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى، ثم أجازه، وللشيخ عبد الباقي هنا سؤال وجواب ساقطان. والله سبحانه أعلم. وليس الإوز والدجاج بصيد؛ يعني أنه يجوز للمحرم أن يذبح الإوز والدجاج ويأكله؛ لأن أصله لا يطير، فليس بصيد، والدجاج جمع دجاجة للذكر والأنثى مثلث الأول من الدج وهو المشي الرويد، سميت بذلك لإقبالها وإدبارها. قاله الخرشي. ولأجل ما ذكر يجوز للمحرم أن يأكل بيض الإوز والدجاج، وكذلك يجوز للمحرم أن يذبح البقر والغنم وينحر الإبل لا البقر الوحشي؛ لأنه صيد. سند: ويختلف في دجاج الحبش، وتسمى الدجاجة السندية، وهي تشبه الدجاج، فقال الشافعي: في دجاج الحبشة الجزاء؛ لأنها وحشية: وعن ابن حنبل: لا جزاء فيه، ومقتضى المذهب أن ينظر، فإن كانت مما يطير كانت كحكم حمام الدور. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله: والدجاج ولو حبشيا؛ إذا كان لا يطير، فإن كان مما يطير فصيد كما هو مقتضى المذهب كما قال سند، وأما الإوز العراقي فصيد كالبقر الوحشي، وأما البقر الإنسي فيجوز له ذبحه كالغنم والإبل. انتهى؛ يعني بذبح الإبل نحرها. والله سبحانه أعلم. وقوله: "الإوز" بكسر الهمزة وفتح الواو وتشديد الزاي والوز لغة فيه وهو اسم جنس الواحدة إوزة، قيل: هو طير الماء، وقيل: هو الطير الذي يقال له: البط، وقد يجمع بالواو والنون، فيقال: إوزون.
(بخلاف الحمام) يعني أن الحمام الوحشي وغيره صيد، فليس للمحرم أن يذبحه ولو روميا متخذا للفراخ، فلا يؤكل هو ولا يبضه؛ لأنه من أصل ما يطير. وفي المدونة: وكره مالك أن يذبح المُحْرِمُ الحَمَامَ الوحشيَ والحمام الرومي الذي لا يطير، وهذه الكراهة تحتمل أن تكون على بابها، فإن فعل فلا جزاء، وهو قول مالك في الواضحة، وتحتمل أن تكون على المنع، فإن فعل فعليه الجزاء وهو قول مالك في كتاب محمد، أصبغ: قال مالك: ولا يذبح المحرم فراخ برج له، ولا بأس بما يذبح أهله منه، ولا يأكل هو ما ذبحوا له منه. أشهب: لا بأس أن يأكلوا ما ذبحوا منه لأنفسهم وهو محرم، ولابن القاسم أن المحرم إذا أصاب حمارا وحشيا بعد ما دجن وداه. نقله الشارح.
ولما أنهى الكلام على حرمة التعرض للحيوان البري وما يترتب عليه من لزوم الجزاء، ذكر حكم النبات بقوله: وحرم به قطع ما ينبت بنفسه؛ يعني أنه يحرم في الحرم المتقدم ذكره على كل
стр. 2903
أحد محرما كان أو غير محرم أن يقطع ما جنسه ينبت بنفسه من غير علاج، كالبقل والطرفاء وأم غيلان ونحوها، ولو استنبت بعلاج نظرا لجنسه، ولا فرق بين الأخضر ويسمى عشبا، وخلا بفتح الخاء والقصر، وبين اليابس ويسمى حشيشا، ويحرم قطع ما ذكر ولو لاحتشاش البهائم كما هو ظاهر كلام الكافي وابن رشد. وحمل عليه ابن عبد السلام قول المدونة: يكره الاحتشاش، وحملها سند على ظاهرها وهو كلام أبي الحسن. إلا الإذْخِرَ، مستثنى مما ينبت بنفسه؛ يعني أن الإذخر الذي بالحرم يجوز قطعه لاستثنائه في الحديث، وهو بذال معجمة نبت معروف كالحلفاء طيب الريح واحدة إذخرة وجمعه أذاخر، والأصل فيما ذكر المصنف ما في الصحيحين: (لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة قام ﵊ فيهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيننا وبيوتنا، فقال ﵊: إلا الإذخر (١)). قوله: لا يعضد شجرها، العضد القطع والكسر، وقوله: لقيننا القين الحَدَّادُ. والسنا؛ أي وإلا السنا فهو عطف على المستثنى؛ يعني أنه يجوز قطع السنا الذي في الحرم، وهو بالقصر نبت معروف يتداوى به، قاسه أهل المذهب على الإذخر لشدة الحاجة إليه في الأدوية ورأوه من قياس الأولى، ويطلق بالقصر أيضا على الضوء للبرق، قال جل من قائل: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾، وفي القاموس: السنا ضوء البرق، ونبت مسهل للصفراء والسوداء والبلغم ويمد. انتهى. والسناء بالمد: الرفعة.
تنبيه: المُلْحَقَاتُ بالإذخر ستة: أحدها السنا كما علمت، ثانيها الهش، قال مالك: الهش تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق، والمجحن عصا معوجة ومن الهش قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾. ثالثها العصا، رابعها السواك، خامسها قطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، سادسها قطع الشجر لإصلاح الحوائط والبساتين. فجملة المستثنيات سبعة كما قاله التادلي. وفي المدونة: وجاز الرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر، وأكره أن يحتش في الحرم
стр. 2904
حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك المحرم في الحل، فإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم وأكره لهم ذلك. (ونهى النبي ﷺ عن الخبط، وقال: هُشوا وارعوْا (١))، وقال مالك: الهش تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق، ولا يخبط ولا يعضد، والعضد: الكسر. انتهى. قاله الحطاب. قال: وظاهر كلام أبي الحسن أن الكراهة على بابها، فإنه قال في قوله: خيفة قتل الدواب: أما لو تيقن أنه يقتلها لمنع. أبو عمر في الكافي: ولا يجوز لحلال ولا لحرام قطع شيء من شجر الحرم المباح ولا كسره، ولا أن يحتش في الحرم، ولا بأس بقطع كل ما غرسه الآدميون من النخل والشجر، وقد رخص في الرعي في الحرم وفي الهش من شجره للغنم. انتهى. وفي رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب الحج، قال: لا بأس أن يخبط المحرم لبعيره من غير الحرم. ابن رشد: الخبط هو أن يضرب بعصاه الشجر ليسقط ورقها لبعيره، وذلك جائز في الحل للحلال والمحرم؛ إذ يامن ذلك المحرم من قتل الدواب بخلاف الاحتشاش، ولا يجوز ذلك في الحرم لحلال ولا لحرام، وإنما الذي يجوز لهما فيه الهش، وهو أن يضع المحجن في الغصن فيحركه حتى يسقط ورقه، فيؤخذ من قوله أن الخبط لا يجوز في الحرم وأن الاحتشاش لا يجوز أيضا، ويجوز اجتناء ثمار الأشجار التي تنبت بنفسها في الحرم، وأدخل التادلي في مناسكه كالمؤلف وابن معلى في الممنوعات إخراج شيء من تراب الحرمين وأحجارهما وأشجارهما وأغصانهما والكيزان المعمولة من ترابهما والأباريق ونحوها إلى غيرهما، ومن أخذ شيئا من ذلك وجب عليه رده، وتبعوا في ذلك ابن الصلاح. ابن فرحون: وذلك يدل على إخراجه عن قواعد المذهب ويحتاج لتوقيف، وكذا كراهة الشافعية إدخال تراب الحل وأحجاره للحرم مع أن أكثر أشجار الكعبة من غير الحرم، ويشكل عليهم ذلك بنقل ماء زمزم وهو مساو للتراب في العنصرية، وبأن الوليد بن عبد الملك نقل أساطين الرخام ولم ينكره السلف عليه مع أن شأنهم القيام في الحق والرجوع إليه، وبأن مالكا استخف شراء كسوة الكعبة، وبأنه أجاب السائل عن حصاة تعلَّقتْ به من مسجد رسول الله ﷺ ، هل يلزم ردها للمسجد؟ فقال: لا، وأرخص في طرحها، فقال السائل: يا أبا عبد الله إنها تصيح إذا خرجت
стр. 2905
منه حتى ترد إليه، فقال: دعها ينشق حلقها. فقال: أَوَلَهَا حلق؟ فقال: ومن أين تصيح؟ فألزمه إبطال ما ذكر من صياحها. انتهى. قول ابن فرحون: ويشكل عليهم ذلك الخ، فيه نظر؛ لأن الأصل منع إخراج شيء من الحرم وخرج ماء زمزم لدليل، وهو إذنه ﵊ فيه، وبقي ما عداه على الأصل، وأما كراهة إدخال تراب الحل وأحجاره للحرم فما نقلوها عن الشافعية، وإنما نقلوا عنهم ما يجري على قواعد المذهب وهو إخراج شيء من تراب الحرمين وأحجارهما الخ، ولم ينقلوا عنهم كل ما قالوه في مذهبهم، وأما استخفاف مالك شراء كسوة الكعبة فليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام في نقل التراب وما ذكر معه، وكذلك جوابه عن حصاة تعلقت به لأن الكلام في تعمد النقل، وفرق بينه وبين من لم يعلم تعلق الحصاة به على أنه ما أنكر إلا صياحها ردا على من تجرأ وأخبر بصياحها من غير دليل، وبالجملة فما قاله ابن فرحون غير وارد.
تنبيه: علم مما مر أن محل حرمة قطع شجر الحرم إذا كان لغير مصلحة؛ بأن كان ليدخره أو يفرغ الأرض منه، وأما لو أراد أن يبني في موضعه أو يغرس فيه فإنه يجوز كما مر.
كما يستنبت، تشبيه في جواز القطع، وهو مفهوم قوله: "ما ينبت بنفسه"؛ يعني أنه يجوز أن يقطع من نبات الحرم ما جنسه يستنبته الناس بالمعالجة، كخس وعناب وعنب وحنطة وذرة ونحوها. وإن لم يعالج؛ يعني أن ما شأن جنسه أن يستنبت في الأرض يجوز قطعه في الحرم وإن نبت بنفسه من غير علاج، اعتبارا بأصله بمنزلة ما توحش من الإنسية، ولا جزاء؛ يعني أن من قطع شجر الحرم الذي يحرم قطعه وهو ما شأنه أن ينبت بنفسه لا جزاء عليه؛ لأنه قدر زائد على التحريم يحتاج إلى دليل، بل يستغفر الله تعالى خلافا للشافعي في إيجاب بقرة في الشجرة الكبيرة، وفي الصغيرة شاة كما روى عن ابن عباس، وأجيب بأن مالكا إمام الحديث ضعفه، وشبه في الحكمين السابقين لشجر حرم مكة وهما الحرمة وعدم الجزاء. قوله: كصيد المدينة؛ يعني أن صيد المدينة يحرم التعرض له كصيد مكة، إلا أن صيد المدينة لا جزاء فيه فيحرم قتله وأكله، ولا جزاء فيه، وإن كان المحرم لها النبي ﷺ ، والمحرم لمكة الخليل
стр. 2906
صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، قال عبد الباقي: لأنه كاليمين الغموس، وكون المحرم لمكة الخليل لا يعارض خبر: (إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض (١)) الخ؛ لأن نسبته لإبراهيم لظهور تحريمه له بعد الطوفان لا ينافي إخبار نبينا بأن الله تعالى حرمه يوم خلق السماوات والأرض. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ بناني: قال ابن رشد في رسم الحج من سماع القرينين ما نصه: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة بريدا في بريدة وقال: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها (٢))، واختلف أهل العلم فيمن صاد فيها صيدا؟ فمنهم من أوجب عليه الجزاء فيه كحرم مكة سواء، وبذلك قال ابن نافع، وإليه ذهب عبد الوهاب، وذهب مالك إلى أن الصيد فيها أخف من الصيد في حرم مكة، فلم ير على من صاد فيها إلا الاستغفار والزجر من الإمام، قيل له: فهل يؤكل الصيد يصاد في حرم المدينة؟ قال: ما هو مثل ما يصاد في حرم مكة، وإني لأكرهه، فروجع فيه، فقال: لا أدري. انتهى. وبه تعلم ما في كلام الزرقاني، وقوله: إن صيد المدينة كاليمين الغموس، تبع فيه التوضيح، وكلام ابن رشد المذكور بخلافه. انتهى. كلام البناني. وقال الخرشي عند قوله: "كصيد المدينة": والمعنى أن المدينة شرفها الله تعالى يحرم الصيد في حرمها ولا جزاء فيه، وهذا هو المشهور؛ لأن المذهب لحوقها بمكة في تحريم الصيد بحرمها، ولا يؤكل حينئذ، وكذلك يحرم قطع شجر حرم المدينة وما نبت فيه بنفسه كما في حرم مكة، وما استثني هناك يستثنى هنا، وهل عدم جزائه لأن الكفارة لا يقاس عليها، أو لأن حرمة المدينة أشد فهي كاليمين الغموس؟ قولان، وقال الشارح عند قوله "كصيد المدينة": تشبيه في الأمرين السابقين: تحريم الصيد، وعدم الجزاء.
بين الحرار الأربع؛ يعني أن الحرم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالنسبة للصيد هو ما بين حرارها الأربع المحيطة بها، جمع حرة: أرض ذات حجارة نخرة كأنها أحرقت بالنار، من جهات المدينة الأربع وهي اللابتان في جانبي الشرق والغرب، والغربية
стр. 2907
حيث ينزل الحاج والأخرى تقابلها شرقي المدينة، وحرتان أخريان أيضا من ناحية الجوف والقبلة. انظر الخرشي. والمدينة بالنسبة للصيد داخلة.
وشجرها، بالجر عطف على "صيد"؛ يعني أن شجر المدينة يحرم قطعه كما يحرم التعرض لصيدها. بريدا في بريد؛ يعني أن تحديد حرم المدينة بالنسبة للصيد وبالنسبة لقطع الشجر مختلف، فهو بالنسبة للصيد ما قدمه، وهو ما بين الحرار الأربع، وبالنسبة لقطع شجرها بريد في بريد؛ أي أن حده من كل جهة من جهات المدينة الأربع بريد والمدينة خارجة عنه، فقطع الشجر الذي بها غير حرام، ويعتبر طرف البيوت التي كانت في زمنه ﵊، وما كان خارجا عنه من البيوت يحرم قطع ما نبت به.
والحاصل أن المدينة نفسها داخلة في حدود الحرم بالنسبة للصيد، وليست بداخلة بالنسبة لقطع الشجر والنقل يفيد ذلك، والمراد بشجرها ما نبت بنفسه؛ أي شأنه ذلك، قال بعض الشراح: في عبارة المؤلف قلق؛ لأن البريدين إذا تقاطعا صليبا نصفيا هكذا: +، فيكون نصف بريد من كل جهة، وأجيب بأن "في" بمعنى: مع، على حد قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾؛ أي مع أمم؛ أي بريدا مصاحبا لبريد حتى يستوفى جميع الجهات. وقال أحمد: بريدا طولا من البيوت ويقاس من كل جهة من جهتي الطول، وبريدا عرضا من البيوت ويقاس كذلك من الجهتين، وحينئذ فالمسافة بريد من كل جهة من الجهات الأربع، وبهذا التقرير سقط ما يقال من أن في عبارة المصنف قلقا، ولم يحرم قطع الشجر الذي بالمدينة لأنه يشغل عن بناء البيوت المرغب في سكناها، وقطع الخارج عنها يفوت ثمره لأهلها، وقيس ما لا ثمر فيه على ما فيه ثمر، وقد مر أنه يعتبر طرف البيوت التي في زمنه ﵊، وسورُها الآن هو طرفها في زمنه ﵊، فما خرج عنه من البيوت يحرم قطع ما ينبت به.
ولما كان جزاء الصيد ليس كالفدية والهدي، بل لابد فيه من حكم الحكمين لقوله : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، أشار إلى ذلك بقوله: والجزاء بحكم عدلين؛ يعني أنه يشترط في جزاء الصيد أن يحكم به حكمان، وتشترط فيهما العدالة، ولا بد من حكمهما ولو كان الحيوان غير مأكول كخنزير. وتعتبر قيمته طعاما على تقدير جواز بيعه، فإن أخرج الكفارة
стр. 2908
قبل الحكم بها أعاد ولابد من لفظ الحكم، والأمر بالجزاء قاله الحطاب، ولا تكفي الفتوى ولا الإشارة؛ لأن الحكم إنشاء، فلا بد فيه من اللفظ ولا يحتاجان لإذن الإمام، ولابد أيضا أن لا يكون من ترتب عليه الجزاء أحدهما، واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ وعلم ما يحكمان به، وصرح به لأجل تقييده بالجار والمجرور، فقال: فقيهين بذلك؛ يعني أنه يشترط في الحكمين أن يكونا فقيهين بأحكام الصيد؛ بأن يعرفا ما يحكم به من قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، مثله؛ أي الصيد، وهو خبر المبتدأ؛ أعني قوله: "والجزاء". من النعم؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا وجب عليه الجزاء، فإنه بالخيار بين ثلاثة أمور أيها فعل أجزأ: أحدها هدي بالغ الكعبة مثل الصيد من النعم أي مقاربه في القدر والصورة، فإن لم يوجد فالقدر كاف، والنعم الإبل والبقر والغنم، وقوله: من النعم، بيان لمثله، ولا يجوز أن يكون مثله مبتدأ. ثانيا ومن النعم خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وهو قوله: "والجزاء"، لخلو الجملة الواقعة خبرا عن الرابط؛ لأن الضمير في "مثله"، عائد على الصيد، قال عبد الباقي: وكلامه -يعني المصنف- هنا في غير ما ورد فيه شيء معين مما سيذكره، فلا يكون فيه ما ذكر هنا، بل ما سيذكره إما بحكم أو بلا حكم كحمام مكة والحرم ويمامه، فقوله: "والجزاء"، حكم على بعض الأفراد. انتهى. قوله: وكلامه هنا الخ، قال محمد بن الحسن: هذا الكلام باطل، والنقل يدل على التخيير بين الأنواع الثلاثة في الجميع ما ورد فيه شيء وما لم يرد فيه غير حمام مكة والحرم.
تنبيه: قد مر أنه يشترط اللفظ بالحكم والأمر بالجزاء، ومعنى الأمر بالجزاء أن المحكوم عليه يأمرهما بالحكم عليه بالجزاء أي بأحد الثلاثة لا بخصوص لفظ الجزاء، وفي التتائي: لابد من لفظ الحكم والجزاء، واعترضه الرماصي بأن الحكمين لا يشترط أن يتلفظا بالجزاء بل بالحكم فقط، ففي الموطإ: (قال عمر لرجل بجنبه: تعال أحكم أنا وأنت فحكما (١)). قاله محمد بن الحسن بناني. وظاهر المصنف أنه لابد من الحكم في الجزاء مثلا أو طعاما أو صياما، قال الحطاب: ولا أعلم خلافا في اشتراط الحكم في الأولين، وأما الصوم فصرح ابن الحاجب باشتراط ذلك فيه: وذكر
стр. 2909
صاحب الطراز في ذلك خلافا بعد أن قال: لا يختلف المذهب في استحبابه: ثم ذكر عن الباجي أنه قال: الأظهر عندي استئناف الحكم، وظاهر كلام ابن عرفة بل صريحه أن الصوم لا يشترط فيه الحكم. انتهى. قال الرماصي: أطلق رحمه الله تعالى الخلاف، فظاهره من غير تفصيل وليس كذلك، ولابد من بيان محله. قال الفاكهاني في شرح الرسالة: إن أراد ابتداء أن يصوم فلا بد أن يحكما عليه، فينظر لقيمة الصيد لأنه لا يعرف قدر الصوم إلا بمعرفة قدر الطعام، ولا يكون الطعام إلا بالحكم، وأما إن أراد الطعام فلما حكما عليه أراد الصيام، فهاهنا قال جماعة من أصحابنا: لا يحتاج إلى حكمهما في الصوم؛ لأن الصوم بدل من الطعام لا بدل من الهدي، بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكان الصوم مقدرا بالطعام بتقدير الشرع، فلا حاجة إلى الحكمين. انتهى. فينزل كلام ابن الحاجب تبعا لابن شأس على الأول، ونحوهما قول المدونة، والمحكوم عليه مخير إن شاء أن يحكما بجزاء ما أصاب من النعم أو بالصيام أو بالطعام، وكلام الطراز وابن عرفة والباجي على الثاني. ثانيهما أشار إليه بقوله: أو إطعام بقيمة الصيد؛ يعني أنه إن شاء أخرج مثل الصيد من النعم كما مر، وإن شاء أطعم بقيمة الصيد أي أخرج قيمة الصيد طعاما، فيقوم بالطعام حيا كبيرا ويخرج ذلك الطعام، ولا يقوم بدراهم ثم يشتري بها طعاما، لكن لو فعل أجزأ على المشهور، والذي يفهم من كلام التوضيح وابن عبد السلام والكافي أن صورة هذه المسألة أنه قوم الحكمان الصيد بدراهم، ثم قوما تلك الدراهم بطعام وحكما عليه به. قاله الخرشي. وقوله: "بقيمة الصيد"؛ أي ولا يُقَوَّمُ المثل خلافا للشافعي، ودليلنا أن الطعام جزاء عن الصيد، فوجب اعتبار الصيد. قاله الشارح.
يوم التلف؛ يعني أن قيمة الصيد طعاما إنما تعتبر يوم التلف أي تلف الصيد، لا يوم تقويم الحكمين ولا يوم التعدي ولا يوم الأكثر منهما، ويخرج من طعام جل عيش ذلك المكان كما قال: بمحله؛ أي التلف، وهو متعلق بقوله: "أو إطعام وبقيمة الصيد". قاله الخرشي. والظاهر أن الظرف قبله ظرف مستقَر حال من قيمة. والله سبحانه أعلم. ومعنى قوله: "بمحله"، أنه يعتبر كل من الطعام والتقويم بمحله أي التلف، فيقال: كم يساوي هذا الطير -مثلا- من طعام غالب
стр. 2910
عيش هذا المحل؟ فيقال: كذا، فيلزمه، وظاهره اعتبار قيمته بمحله، وإن قلت: وفهم من قوله: "إطعام"، أنه لو دفع قيمته دراهم أو عرضا لم يجزه ويرجع به إن كان باقيا.
واعلم أنه إن أخرج الجزاء هديا اختص بالحرم، وإن كان صياما فحيث شاء، وإن كان طعاما اختص بمحل التقويم، وإلا يكن للصيد قيمة ببلد الإتلاف أو لم يجد به مساكين، فيقوم أو يطعم بقربه أي بمحل قريب من محل التلف، فإن لم يكن حكم عليه حتى رجع لأهله فأراد الإطعام حكم اثنين ممن يجوز تحكيمهما ووصف لهما الصيد، وذكر لهما سعر الطعام بموضع الصيد فإن تعذر عليهما تقويمه بالطعام قوماه بالدراهم، ويبعث بالطعام إلى موضع الصيد كما يبعث بالهدي إلى مكة.
ولا يجزئ بغيره؛ يعني أنه إذا أخرج قيمة الصيد طعاما ودفعه لمساكين ليسوا بمحل التلف ولا بقربه، فإن ذلك لا يجزئه، فالضمير في "لا يجزئه"، عائد على الإطعام لا على التقويم، قال البناني: لم نر من ذكر عدم الإجزاء في التقويم بغير محل التلف، وقوله: "ولا يجزئ بغيره"؛ أي مع الإمكان. قاله عبد الباقي. ولا زائد على مد لمسكين؛ يعني أنه إذا كفر بالإطعام فإنه يدفع لكل مسكين مدا فقط، والمعتبر في ذلك مده ﷺ ، فإن دفع للمسكين أكثر من مد فإنه لا يعتد بالزائد على المد كما في كفارة اليمين، فإذا وجبت عليه مثلا خمسة أمداد فأطعمها لأربعة أشخاص فقراء فلابد من إطعام شخص آخر، وتنزع الزيادة سواء كانت عند البعض أو عند الكل، ولا تتصور القرعة في هذا المثال، وإنما محلها فيما إذا دفع عشرة أمداد لعشرين مثلا، فإنه ينزع من عشرة بالقرعة، ويكمل للآخرين ولا يجزئ الناقص إلا أن يكمل كما في اليمين.
إلا أن يساوى سعره، هذا مرتب على قوله: "ولا يجزئ بغيره"؛ يعني أن مذهب المدونة أن من أخرج الطعام بغير محل تلف الصيد لا يجزئه ذلك كما قدمه قريبا، وظاهرها سواء ساوى محل الإخراج موضع التلف في السعر أم لا، وقال ابن المواز: إن اتفق السعر في موضع الإخراج وموضع التلف، أو كان موضع الإخراج أغلى أجزأ ذلك، وإن كان في موضع الإخراج أرخص فلا.
واختلف الشيوخ في مذهب المدونة، فمنهم من جعل كلام ابن المواز تفسيرا لها، ومنهم من جعله خلافا لها واعتمده ابن الحاجب، وإلى ذلك أشار بقوله: فتأويلان؛ يعني أنه إذا أخرج الطعام