← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، قال عبد الباقي: لأنه كاليمين الغموس، وكون المحرم لمكة الخليل لا يعارض خبر: (إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض (١)) الخ؛ لأن نسبته لإبراهيم لظهور تحريمه له بعد الطوفان لا ينافي إخبار نبينا بأن الله تعالى حرمه يوم خلق السماوات والأرض. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ بناني: قال ابن رشد في رسم الحج من سماع القرينين ما نصه: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة بريدا في بريدة وقال: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها (٢))، واختلف أهل العلم فيمن صاد فيها صيدا؟ فمنهم من أوجب عليه الجزاء فيه كحرم مكة سواء، وبذلك قال ابن نافع، وإليه ذهب عبد الوهاب، وذهب مالك إلى أن الصيد فيها أخف من الصيد في حرم مكة، فلم ير على من صاد فيها إلا الاستغفار والزجر من الإمام، قيل له: فهل يؤكل الصيد يصاد في حرم المدينة؟ قال: ما هو مثل ما يصاد في حرم مكة، وإني لأكرهه، فروجع فيه، فقال: لا أدري. انتهى. وبه تعلم ما في كلام الزرقاني، وقوله: إن صيد المدينة كاليمين الغموس، تبع فيه التوضيح، وكلام ابن رشد المذكور بخلافه. انتهى. كلام البناني. وقال الخرشي عند قوله: "كصيد المدينة": والمعنى أن المدينة شرفها الله تعالى يحرم الصيد في حرمها ولا جزاء فيه، وهذا هو المشهور؛ لأن المذهب لحوقها بمكة في تحريم الصيد بحرمها، ولا يؤكل حينئذ، وكذلك يحرم قطع شجر حرم المدينة وما نبت فيه بنفسه كما في حرم مكة، وما استثني هناك يستثنى هنا، وهل عدم جزائه لأن الكفارة لا يقاس عليها، أو لأن حرمة المدينة أشد فهي كاليمين الغموس؟ قولان، وقال الشارح عند قوله "كصيد المدينة": تشبيه في الأمرين السابقين: تحريم الصيد، وعدم الجزاء. بين الحرار الأربع؛ يعني أن الحرم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالنسبة للصيد هو ما بين حرارها الأربع المحيطة بها، جمع حرة: أرض ذات حجارة نخرة كأنها أحرقت بالنار، من جهات المدينة الأربع وهي اللابتان في جانبي الشرق والغرب، والغربية

стр. 2907

حيث ينزل الحاج والأخرى تقابلها شرقي المدينة، وحرتان أخريان أيضا من ناحية الجوف والقبلة. انظر الخرشي. والمدينة بالنسبة للصيد داخلة. وشجرها، بالجر عطف على "صيد"؛ يعني أن شجر المدينة يحرم قطعه كما يحرم التعرض لصيدها. بريدا في بريد؛ يعني أن تحديد حرم المدينة بالنسبة للصيد وبالنسبة لقطع الشجر مختلف، فهو بالنسبة للصيد ما قدمه، وهو ما بين الحرار الأربع، وبالنسبة لقطع شجرها بريد في بريد؛ أي أن حده من كل جهة من جهات المدينة الأربع بريد والمدينة خارجة عنه، فقطع الشجر الذي بها غير حرام، ويعتبر طرف البيوت التي كانت في زمنه ﵊، وما كان خارجا عنه من البيوت يحرم قطع ما نبت به. والحاصل أن المدينة نفسها داخلة في حدود الحرم بالنسبة للصيد، وليست بداخلة بالنسبة لقطع الشجر والنقل يفيد ذلك، والمراد بشجرها ما نبت بنفسه؛ أي شأنه ذلك، قال بعض الشراح: في عبارة المؤلف قلق؛ لأن البريدين إذا تقاطعا صليبا نصفيا هكذا: +، فيكون نصف بريد من كل جهة، وأجيب بأن "في" بمعنى: مع، على حد قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾؛ أي مع أمم؛ أي بريدا مصاحبا لبريد حتى يستوفى جميع الجهات. وقال أحمد: بريدا طولا من البيوت ويقاس من كل جهة من جهتي الطول، وبريدا عرضا من البيوت ويقاس كذلك من الجهتين، وحينئذ فالمسافة بريد من كل جهة من الجهات الأربع، وبهذا التقرير سقط ما يقال من أن في عبارة المصنف قلقا، ولم يحرم قطع الشجر الذي بالمدينة لأنه يشغل عن بناء البيوت المرغب في سكناها، وقطع الخارج عنها يفوت ثمره لأهلها، وقيس ما لا ثمر فيه على ما فيه ثمر، وقد مر أنه يعتبر طرف البيوت التي في زمنه ﵊، وسورُها الآن هو طرفها في زمنه ﵊، فما خرج عنه من البيوت يحرم قطع ما ينبت به. ولما كان جزاء الصيد ليس كالفدية والهدي، بل لابد فيه من حكم الحكمين لقوله : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، أشار إلى ذلك بقوله: والجزاء بحكم عدلين؛ يعني أنه يشترط في جزاء الصيد أن يحكم به حكمان، وتشترط فيهما العدالة، ولا بد من حكمهما ولو كان الحيوان غير مأكول كخنزير. وتعتبر قيمته طعاما على تقدير جواز بيعه، فإن أخرج الكفارة

стр. 2908

قبل الحكم بها أعاد ولابد من لفظ الحكم، والأمر بالجزاء قاله الحطاب، ولا تكفي الفتوى ولا الإشارة؛ لأن الحكم إنشاء، فلا بد فيه من اللفظ ولا يحتاجان لإذن الإمام، ولابد أيضا أن لا يكون من ترتب عليه الجزاء أحدهما، واشتراط العدالة يستلزم الحرية والبلوغ وعلم ما يحكمان به، وصرح به لأجل تقييده بالجار والمجرور، فقال: فقيهين بذلك؛ يعني أنه يشترط في الحكمين أن يكونا فقيهين بأحكام الصيد؛ بأن يعرفا ما يحكم به من قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ثم قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، مثله؛ أي الصيد، وهو خبر المبتدأ؛ أعني قوله: "والجزاء". من النعم؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا وجب عليه الجزاء، فإنه بالخيار بين ثلاثة أمور أيها فعل أجزأ: أحدها هدي بالغ الكعبة مثل الصيد من النعم أي مقاربه في القدر والصورة، فإن لم يوجد فالقدر كاف، والنعم الإبل والبقر والغنم، وقوله: من النعم، بيان لمثله، ولا يجوز أن يكون مثله مبتدأ. ثانيا ومن النعم خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، وهو قوله: "والجزاء"، لخلو الجملة الواقعة خبرا عن الرابط؛ لأن الضمير في "مثله"، عائد على الصيد، قال عبد الباقي: وكلامه -يعني المصنف- هنا في غير ما ورد فيه شيء معين مما سيذكره، فلا يكون فيه ما ذكر هنا، بل ما سيذكره إما بحكم أو بلا حكم كحمام مكة والحرم ويمامه، فقوله: "والجزاء"، حكم على بعض الأفراد. انتهى. قوله: وكلامه هنا الخ، قال محمد بن الحسن: هذا الكلام باطل، والنقل يدل على التخيير بين الأنواع الثلاثة في الجميع ما ورد فيه شيء وما لم يرد فيه غير حمام مكة والحرم. تنبيه: قد مر أنه يشترط اللفظ بالحكم والأمر بالجزاء، ومعنى الأمر بالجزاء أن المحكوم عليه يأمرهما بالحكم عليه بالجزاء أي بأحد الثلاثة لا بخصوص لفظ الجزاء، وفي التتائي: لابد من لفظ الحكم والجزاء، واعترضه الرماصي بأن الحكمين لا يشترط أن يتلفظا بالجزاء بل بالحكم فقط، ففي الموطإ: (قال عمر لرجل بجنبه: تعال أحكم أنا وأنت فحكما (١)). قاله محمد بن الحسن بناني. وظاهر المصنف أنه لابد من الحكم في الجزاء مثلا أو طعاما أو صياما، قال الحطاب: ولا أعلم خلافا في اشتراط الحكم في الأولين، وأما الصوم فصرح ابن الحاجب باشتراط ذلك فيه: وذكر

стр. 2909

صاحب الطراز في ذلك خلافا بعد أن قال: لا يختلف المذهب في استحبابه: ثم ذكر عن الباجي أنه قال: الأظهر عندي استئناف الحكم، وظاهر كلام ابن عرفة بل صريحه أن الصوم لا يشترط فيه الحكم. انتهى. قال الرماصي: أطلق رحمه الله تعالى الخلاف، فظاهره من غير تفصيل وليس كذلك، ولابد من بيان محله. قال الفاكهاني في شرح الرسالة: إن أراد ابتداء أن يصوم فلا بد أن يحكما عليه، فينظر لقيمة الصيد لأنه لا يعرف قدر الصوم إلا بمعرفة قدر الطعام، ولا يكون الطعام إلا بالحكم، وأما إن أراد الطعام فلما حكما عليه أراد الصيام، فهاهنا قال جماعة من أصحابنا: لا يحتاج إلى حكمهما في الصوم؛ لأن الصوم بدل من الطعام لا بدل من الهدي، بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكان الصوم مقدرا بالطعام بتقدير الشرع، فلا حاجة إلى الحكمين. انتهى. فينزل كلام ابن الحاجب تبعا لابن شأس على الأول، ونحوهما قول المدونة، والمحكوم عليه مخير إن شاء أن يحكما بجزاء ما أصاب من النعم أو بالصيام أو بالطعام، وكلام الطراز وابن عرفة والباجي على الثاني. ثانيهما أشار إليه بقوله: أو إطعام بقيمة الصيد؛ يعني أنه إن شاء أخرج مثل الصيد من النعم كما مر، وإن شاء أطعم بقيمة الصيد أي أخرج قيمة الصيد طعاما، فيقوم بالطعام حيا كبيرا ويخرج ذلك الطعام، ولا يقوم بدراهم ثم يشتري بها طعاما، لكن لو فعل أجزأ على المشهور، والذي يفهم من كلام التوضيح وابن عبد السلام والكافي أن صورة هذه المسألة أنه قوم الحكمان الصيد بدراهم، ثم قوما تلك الدراهم بطعام وحكما عليه به. قاله الخرشي. وقوله: "بقيمة الصيد"؛ أي ولا يُقَوَّمُ المثل خلافا للشافعي، ودليلنا أن الطعام جزاء عن الصيد، فوجب اعتبار الصيد. قاله الشارح. يوم التلف؛ يعني أن قيمة الصيد طعاما إنما تعتبر يوم التلف أي تلف الصيد، لا يوم تقويم الحكمين ولا يوم التعدي ولا يوم الأكثر منهما، ويخرج من طعام جل عيش ذلك المكان كما قال: بمحله؛ أي التلف، وهو متعلق بقوله: "أو إطعام وبقيمة الصيد". قاله الخرشي. والظاهر أن الظرف قبله ظرف مستقَر حال من قيمة. والله سبحانه أعلم. ومعنى قوله: "بمحله"، أنه يعتبر كل من الطعام والتقويم بمحله أي التلف، فيقال: كم يساوي هذا الطير -مثلا- من طعام غالب

стр. 2910

عيش هذا المحل؟ فيقال: كذا، فيلزمه، وظاهره اعتبار قيمته بمحله، وإن قلت: وفهم من قوله: "إطعام"، أنه لو دفع قيمته دراهم أو عرضا لم يجزه ويرجع به إن كان باقيا. واعلم أنه إن أخرج الجزاء هديا اختص بالحرم، وإن كان صياما فحيث شاء، وإن كان طعاما اختص بمحل التقويم، وإلا يكن للصيد قيمة ببلد الإتلاف أو لم يجد به مساكين، فيقوم أو يطعم بقربه أي بمحل قريب من محل التلف، فإن لم يكن حكم عليه حتى رجع لأهله فأراد الإطعام حكم اثنين ممن يجوز تحكيمهما ووصف لهما الصيد، وذكر لهما سعر الطعام بموضع الصيد فإن تعذر عليهما تقويمه بالطعام قوماه بالدراهم، ويبعث بالطعام إلى موضع الصيد كما يبعث بالهدي إلى مكة. ولا يجزئ بغيره؛ يعني أنه إذا أخرج قيمة الصيد طعاما ودفعه لمساكين ليسوا بمحل التلف ولا بقربه، فإن ذلك لا يجزئه، فالضمير في "لا يجزئه"، عائد على الإطعام لا على التقويم، قال البناني: لم نر من ذكر عدم الإجزاء في التقويم بغير محل التلف، وقوله: "ولا يجزئ بغيره"؛ أي مع الإمكان. قاله عبد الباقي. ولا زائد على مد لمسكين؛ يعني أنه إذا كفر بالإطعام فإنه يدفع لكل مسكين مدا فقط، والمعتبر في ذلك مده ﷺ ، فإن دفع للمسكين أكثر من مد فإنه لا يعتد بالزائد على المد كما في كفارة اليمين، فإذا وجبت عليه مثلا خمسة أمداد فأطعمها لأربعة أشخاص فقراء فلابد من إطعام شخص آخر، وتنزع الزيادة سواء كانت عند البعض أو عند الكل، ولا تتصور القرعة في هذا المثال، وإنما محلها فيما إذا دفع عشرة أمداد لعشرين مثلا، فإنه ينزع من عشرة بالقرعة، ويكمل للآخرين ولا يجزئ الناقص إلا أن يكمل كما في اليمين. إلا أن يساوى سعره، هذا مرتب على قوله: "ولا يجزئ بغيره"؛ يعني أن مذهب المدونة أن من أخرج الطعام بغير محل تلف الصيد لا يجزئه ذلك كما قدمه قريبا، وظاهرها سواء ساوى محل الإخراج موضع التلف في السعر أم لا، وقال ابن المواز: إن اتفق السعر في موضع الإخراج وموضع التلف، أو كان موضع الإخراج أغلى أجزأ ذلك، وإن كان في موضع الإخراج أرخص فلا. واختلف الشيوخ في مذهب المدونة، فمنهم من جعل كلام ابن المواز تفسيرا لها، ومنهم من جعله خلافا لها واعتمده ابن الحاجب، وإلى ذلك أشار بقوله: فتأويلان؛ يعني أنه إذا أخرج الطعام

стр. 2911

بغير محل تلف الصيد فهل لا يجزئه ذلك عند المدونة مطلقا، سواء ساوى سعر محل الإخراج سعر محل التلف أم لا، فيكون قول ابن المواز خلافا أو لا يجزئ ذلك عند المدونة إلا أن يساوي سعر محل الإخراج سعر محل التلف، أو يكون سعر محل الإخراج أغلى فيجزئه ذلك عندها، فيكون قول ابن المواز تفسيرا للمدونة. والله سبحانه أعلم. وحكى القاضي أبو الحسن عن مالك أن الهدي إذا نحر بمكة أو بمنى جاز أن يطعم منه مساكين الحل بأن ينقل إليهم. واعلم أن في الإطعام بغير محل تلف الصيد ثلاثة أقوال: مذهب المدونة كما مر، وقول ابن المواز الذي اختلف في كونه تفسيرا للمدونة أو خلافا لها، ومذهب الموطإ الإجزاء وهو قول ابن وهب وأصبغ وغيرهما، وفهم مما مر أنه لو كان سعر موضع الإخراج أغلى وأخرج على مقدار سعر محل التلف، فإن ذلك لا يجزئه وهو كذلك. وأشار إلى النوع الثالث من الأمور التي يخير فيها المكفر بقوله: أو لكل مد صوم يوم؛ يعني أنه إذا أراد أن يصوم في جزاء الصيد فإنه يصوم عن كل مد بمده ﷺ يوما ولو جاوز ذلك شهرين وثلاثة. قاله في المدونة. وكمل لكسره؛ يعني أن المد إذا انكسر فإنه يصوم له يوما كاملا، فإذا قيل مثلا ما قيمة هذا الظبي المصيد، فإذا قيل قيمته سبعة أمداد من الحنطة ونصف مد فإنه يصوم سبعة أيام عن سبعة أمداد، ويصوم أيضا وجوبا يوما كاملا، وفي المدونة: وأحب إلي أن يصوم لكسر المد يوما. انتهى. قال الشارح: وأحب في كلامه للوجوب، وفي الذخيرة ما يدل على أن ذلك مستحب؛ وهو يدل على أنه يجوز إلغاء الكسر وهو ضعيف. فالنعامة بدنة؛ يعني أنه يُكْتَفَى في إخراج المثل من النعم عن الصيد بالمقاربة في القدر والصورة، فمن صاد نعامة فجزاؤها بدنة. وقد علمت أن هذا إذا صادها محرم أو من في الحرم، قال الشارح: لا إشكال أن في النعامة إذا أصابها المحرم مطلقا أو غيره في الحرم بدنة من الإبل؛ لأنها تقاربها في القدر والصورة، فقوله: "فالنعامة بدنة"؛ أي فالنعامة فيها بدنة أو نظيرها بدنة، فلا بد من حذف. انتهى. وقوله: "فالنعامة بدنة"، قد حكم بذلك ابن عباس وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم. قاله السيوطي رحمه الله تعالى.

стр. 2912

تنبيه: اعلم أن ما في شرح عبد الباقي تبعا للأجهوري من أنه يتعين في النعامة، وما ذكره المصنف بعدها إخراج المثل من النعم فيتعين في النعامة بدنة، وفي الفيل ذات سنامين إلى آخر ما ذكره المصنف، وأنه ليس له الإطعام ولا عدله صياما غير صحيح. قال البناني ناقلا عن مصطفى: ما قاله علي الأجهوري خطأ فاحش خرج به عن أقوال المالكية كلهم؛ إذ كتب المالكية مصرحة بأن البدنة التي في النعامة والبقرة التي في حمار الوحش والعنز التي في الظباء وغير ذلك مما حكمت به الصحابة بيان للمثل المذكور في الآية المخير فيها. ولما ذكر الباجي ما في الموطإ أن عمر وعبد الرحمن بن عوف حكما على رجل أصاب ظبيا بعنز، قال: يريد أنه اختار المثل ولذا حكما عليه بعنز، ومن تصفح كلام الأئمة ظهر له ما قلناه انتهى. انتهى. فالخيار في الأمور الثلاثة ثابت مطلقا ما عدا حمام مكة والحرم ويمامه. والفيل بذات سنامين؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا أصاب فيلا، فإن جزاءه بدنة ذات سنامين، فالنعامة والفيل كل منهما ببدنة من الإبل، إلا أن بدنة الفيل ذات سنامين؛ وهي بدنة البخت: إبل تأتي من نحو خراسان للواحد منها سنامان، والبدنة هي الواحد من الإبل ذكرا أو أنثى، والظاهر أن قوله: "بذات سنامين"، متعلق بمحذوف تقديره: والفيل يجازى أو يعدل أو يحكم فيه بذات سنامين؛ لأن ذات السنامين تقرب من خلقة الفيل. ابن الحاجب: ولا نص في الفيل، فقال ابن ميسر: بدنة خراسانية ذات سنامين، وقال القرويون: القيمة، وقيل: قدر وزنه لغلاء عظمه. انتهى. التوضيح: قال بعضهم: وصفة وزنه أن يجعل في مركب فينظر إلى حيث ينزل في الماء، ثم يملأ بالطعام حتى ينزل ذلك القدر. انتهى. وقال ابن ميسر: فإن لم توجد البدنة الخراسانية فعليه قيمته طعاما. وحمار الوحش؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل حمار وحش فإنه تلزمه بقرة. وبقرة؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل بقرة وحش فإنه تلزمه بقرة، والبقرة للواحد ذكرا أو أنثى أي يلزم من أراد أن يكفر بالمثل في حمار وحش أو واحد من بقر الوحش بقرة إنسية، وله أن لا يكفر بالمثل بل بالإطعام أو الصوم، وذلك لأن البقرة الوحشية تشابهها البقرة الإنسية في الصورة والقدر، وتشابه الإنسية الحمار الوحشي وتقاربه في القدر.

стр. 2913

وعلم مما قررت أن قوله: بقرة، يجري فيه ما جرى في البدنة من التخيير بين الأمور الثلاثة المثل من النعم والطعام والعدل من الصيام، وقد حكم ابن عباس وأبو عبيدة رضي الله تعالى عنهم في بقر الوحش وحماره ببقرة. ابن شأس: وفي الأيل بقرة، والأيل قريب من شكل البقرة مستطيل القرون. قاله الشارح. والبقرة الواحد يقع على المذكر والمؤنث، جمعه بقر وبقرات وبقر بضمتين. والضبع؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل ضبعا وأراد أن يكفر بالمثل، فإنه تلزمه شاة وهي الواحدة من الغنم ذكرا أو أنثى. الجوهري: الضبع معروفة، ولا يقال ضبعة لأن الذكر ضبعان. والثعلب؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل ثعلبا وأراد أن يكفر بالمثل فإنه تلزمه شاة، فإن لم يرد التكفير بالمثل فله أن يكفر بصوم أو إطعام في قتل الثعلب والضبع. وعلم مما قررت أن قوله: شاة؛ يجري فيه ما جرى في قوله: "بقرة"، ويقال لأنثى الثعالب: ثعلبة، وللذكر: ثعلبان، ومحل الجزاء في الضبع والثعلب في غير ما إذا كان لا ينجو منهما إلا بقتلهما، وإلا فلا جزاء عليه كما صرح به القاضي في التلقين، ونقله في التوضيح عن الباجي أنه المشهور من المذهب فيمن عدت عليه سباع الطير أو غيرها فقتلها. كحمام مكة؛ يعني أن من قتل شيئا من حمام مكة تلزمه شاة وتتعدد بتعدد الصيد، والحرم؛ يعني أن ما صيد بالحرم من الحمام تلزمه فيه شاة؛ أي في كل واحد مما صيد من حمام مكة وحمام الحرم شاة، وعطف الحرم على مكة من عطف العام على الخاص، فالحرم غير مكة ملحق بمكة عند مالك وأصبغ وعبد الملك، وهو مذهب المدونة وهو المشهور، خلافا لابن القاسم القائل: فيه حكومة كحمام الحل إذا صاده حرم. ويمامه؛ يعني أن من قتل شيئا من يمام مكة والحرم تلزمه شاة، وتتعدد بتعدد المقتول، قال الإمام الحطاب: والمراد بحمام مكة والحرم ويمامه ما صيد في مكة والحرم. قال في المدونة: ولا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال. ابن يونس: هذا يدل على أنه إن صاده المحرم في الحل فإنما عليه قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما، وإنما تكون فيه شاة إذا صاده في الحرم. ابن ناجي: قال المغربي: وظاهر الكتاب أنه يجوز صيده، وإن كان له فراخ، قلت: إذا كان له فراخ فالصواب تحريم صيده لتعذيب فراخه حتى يمتن، وكان شيخنا أبو مهدي يفتي

стр. 2914

بالنهي عن صيادته حينئذ، ولا أدري أراد به التحريم أو الكراهة. قاله الحطاب. وحكم ابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام. نقله السيوطي. واليمام: الحمام الوحشي، وهو ضرب من طير الصحراء هذا قول الأصمعي، وكان الكساءي يقول: الحمام هو البري واليمام هو الذي يألف البيوت، ويقال: إن حمام مكة من ذرية الحمام التي عشت على النبي ﷺ ، وقولهم: والمراد بحمام مكة والحرم ويمامه ما صيد في مكة أو الحرم، يشمل ما ولد بمكة والحرم وغيره مما لم يولد بهما منه، وفي المدونة: وأما دبسي الحرم وقمريه، فإن كان عند الناس من الحمام ففيه شاة. ابن عبد البر: الدبسي نوع من الحمام، وفي القرطبي أن الدبسي والفواخت والقمري وذات الأطواق كله يمام، والدبسي نوع من الفواخت يشبه أن يقول في تصويته: اذكروا الله واذكروا ربكم. بلا حكم؛ يعني أنه يلزم في قتل كل واحد من حمام مكة ويمامها وحمام الحرم ويمامه شاة بلا حكم؛ أي لا يحتاج إلى حكم في هذه الشاة، ولا بد من الحكم في كل شيء حتى الجراد إلا حمام مكة والحرم ويمامه؛ لأن ما اتفق عليه من الشاة فيه ليس بمثل، والحكم إنما يحتاج إليه لتحقيق المثل، وقوله: "بلا حكم"، كالاستثناء من قوله: والجزاء بحكم، فكأنه قال: إلا حمام مكة فشاة من غير حكم لخروجه؛ لأنه من الديات التي تقررت بالدليل، فلا تخيير فيها، والحكم إنما يكون فيما فيه تخيير. واعلم أن حمام مكة ويمامه خالفا غيرهما من الصيد في أنهما ليس فيهما مثل، وفي أنهما لا يحتاج فيهما لحكم، وفي أنهما لا يطعم فيهما، بل إن عجز عن الشاة صام عشرة أيام، وإنما كان فيهما شاة مع إمكانها لأنه يألف الناس، فشدد فيه ليلا يتسارع الناس لقتله، ومقتضى ما تقدم أنه تلزمه شاة حيث قتله في الحرم، ولو كان حلا فإن خرج حلال عن الحرم وقتله خارجه فلا شيء عليه، فإن اصطاده محرم بحل وقتله به فقيمته طعاما، كما أشار له بقوله: وللحل، اللام بمعنى: في، خبر مقدم مبتدؤه قوله: "القيمة" الآتي؛ يعني أن المحرم إذا قتل حماما في الحل فإنه تلزمه قيمته طعاما بالحكومة، وضب؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل ضبا فإنه تلزمه قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما، وأرنب؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل أرنبا فإنه تلزمه

стр. 2915

قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما. ويربوع يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا قتل يربوعا فإنه تلزمه قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما، وجميع الطير؛ يعني أن الواجب في جميع الطير على من قتل منه شيئا محرما أو في الحرم قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما، ما عدا حمام الحرم ويمامه كما مر، ولو قال: وسائر الطير، لكان أنسب؛ لأنه بمعنى: باقي، وقد يرد بمعنى: جميع. وعلم مما قررت أن قوله: "وضب"، عطف على: "وللحل"، وكذا ما بعده. تنبيه: قال عبد الباقي ما معناه: أن الضب والأرنب ونحوهما من الحيوان فيها القيمة طعاما أو عدله من الصيام، وأما الطير غير حمام الحرم وما ألحق به فيتعين فيه القيمة طعاما، فإن لم يقدر عليها أو لم يجدها فعدلها صياما، وهذا التفصيل هو الصواب. انتهى. قوله: وهذا التفصيل هو الصواب، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل خلاف الصواب، فإن الذي عليه أهل المذهب أن ما كان من الصيد لا مثل له لصغره، مخير فيه بين الإطعام والصيام، وما له مثل مخير فيه بين الثلاثة المثل والإطعام والصيام، ولم يفصل أحد فيما ليس له مثل بين الطير وغيره، قال في كتاب الضحايا من المدونة: ولا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال، قال ابن يونس: هذا يدل على أنه إن صاده المحرم في الحل فإنما عليه قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما، وإنما تكون فيه شاة إذا صاده في الحرم. انتهى. وفي المدونة: وإذا أصاب المحرم اليربوع والضب والأرنب وشبهه حكم فيه بقيمته طعاما. انتهى. وقال ابن وهب: في الضب شاة. ابن زرقون: وفي كتاب ابن حبيب عن مالك: أن في كل واحد من الأرنب واليربوع شاة، ثم قال في المدونة: وأما حمام غير مكة والحرم ففيه حكومة. انتهى. قاله الشارح. القيمة، قد مر أنه مبتدأ خبره "للحل"، وأن اللام بمعنى: في، على حد قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، وعلى حد قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ومعنى ذلك أن من قتل الحمام واليمام في الحل وهو محرم فإنه لا تلزمه شاة، وإما عليه قيمة ما قتل طعاما يوم التلف كما مر أو عدل ذلك صياما، وكذا يقال فيمن قتل ما عطف عليه وهو محرم أو في الحرم. والصغير؛ يعني أن الصغير من الصيد الذي يجب فيه المثل أو الطعام أو الصيام كغيره أي كالكبير؛ أي فيقوم على أنه كبير فيغرم قيمته طعاما على أنه كبير، أو يأتي بصيام عدل ذلك أو

стр. 2916

يخرج عنه من النعم ما يخرج عنه من النعم لو كان كبيرا. والمريض؛ يعني أن المريض من الصيد فيما وجب فيه من مثل أو طعام أو عدله صياما كغيره أي كالصحيح، فعليه مثله أي على أنه صحيح أو قيمته طعاما كذلك أو عدل ذلك صياما. والجميل؛ يعني أن الجميل من الصيد الذي يجب فيه المثل أو قيمته طعاما أو عدل ذلك صياما كغيره أي كالقبيح. القرافي: والفراهية والجمال لا يعتد بهما في تقويم الصيد؛ لأن التحريم كان للأكل وإنما يؤكل اللحم انتهى والمعيب عيبا لا يؤثر في اللحم كالسليم، وتقوم ذات الصيد بقطع النظر عن ذكورته وأنوثته، ولا تقوم الأنثى على أنها ذكر ولا الذكر على أنه أنثى. وفي الحطاب: يعني أن جزاء الصغير كجزاء الكبير، وجزاء المريض كجزاء الصحيح، وجزاء الجميل كجزاء القبيح، وهذا عام في المثل والطعام والصيام، كما يفهم ذلك من كلام ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما. انتهى. وقال ابن عبد السلام: وأما الصغر والكبر والعيب والسلامة فكان ينبغي مراعاتها كما راعاها الشافعي، وإن كان المستحسن عنده مثل مذهبنا، ولكن منع أهل المذهب من ذلك في الطعام أنهم لا يلتفتون إلى مثل هذه الصفات في الجزاء إذا كان هديا، فلما لم يعتبروها في أحد أنواع الجزاء إذا كان من النعم ألحقوا بها بقية الأنواع. انتهى. والظاهر أن الحكمين يجتهدان في الكبر لأنه يختلف بالعلو والوسط مثلا. واعلم أنه يشترط في المخرج أن يكون سنة كالأضحية كما يأتي. وعلم مما قررت أن قوله: كغيره، خبر عن قوله: "والصغير"، وما عطف عليه، وتقدم تفسيره بالنظر لكل واحد من الثلاثة فراجعه إن شئت، وهذا الذي ذكره إنما هو في القيمة الواجبة لحق الله . وأشار إلى القيمة بالنسبة لمالكه بقوله: وقوم لربه بذلك؛ يعني أنه لو كان الصيد الموصوف بما ذكر من صغر ومرض وجمال وقبح وسلامة وعيب وغير ذلك مملوكا لشخص، فإنه يقوم لربه على من أتلفه بذلك الوصف الذي هو عليه من صغر ومرض وغيرهما، فيأخذ قيمته على تلك الأوصاف علية أم لا. معها؛ أي مع القيمة أي الدية الواجبة لله ؛ أي يلزمه أن يخرج قيمتين؛ قيمة لربه من الدراهم على ما هو عليه علية أم لا، وقيمته طعاما على ما هو عليه من الأوصاف

стр. 2917

التي تقدم أنها تلغى، أو عدلها صياما أو مثله من النعم على أنه كبير صحيح إلى آخر ما مر، وإذا كان الصيد معلما منفعة شرعية يرتفع بها ثمنه فتلغى تلك الصفة في الواجب لحق الله ، وتعتبر في القيمة الواجبة لربه. والله سبحانه أعلم. وعلم مما مر أن قوله: "والصغير"، عام في المثل والطعام والصيام، واستحسن اللخمي القول بأنه يقوم على حاله حتى في حق الله تعالى، لقوله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ولا يلزم أكثر منه، وقوله: "معها"، متعلق "بقوم" والله سبحانه أعلم. واجتهدا؛ يعني أنه يجب على الحكمين الاجتهاد؛ أي بذل الجهد أي الطاقة فيما يجازى به، وهذا فيما لهما فيه مدخل، وأما ما لا يحتاج لحكم فلا مدخل لهما فيه. وإن روي فيه؛ يعني أنه يجب على الحكمين الاجتهاد حيث لم يرو في المصيد المقتول شيء عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، بل وإن روي أي نقل فيه أي جزاء المصيد المقتول شيء عن النبي ﷺ أو عن الصحابة كبدنة في نعامة، وقوله: فيه، متعلق "باجتهدا"؛ أي واجتهدا فيه أي في جزاء المصيد المقتول حيث لم يرو فيه شيء، بل يجتهدان وإن روي فيه شيء، فالضمير المجرور في الموضعين عائد على الجزاء، وفيه لف ونشر غير مرتب، فالأول متعلق "بروي"، والثاني متعلق "باجتهدا"، واستشكل الاجتهاد فيما روي فيه عن النبي ﷺ أو عن الصحابة شيء كالنعامة، فإن فيها بدنة، ففي أي شيء يقع الاجتهاد؟ وأجاب غير واحد تبعا لأبي الحسن تبعا لابن محرز أن مصب الاجتهاد الأعراض والجزئيات اللاحقة، كالسمن والهزال بأن يرى أن في هذه النعامة بدنة سمينة أو هزيلة مثلا لسمن النعامة وهزالها. انتهى. وكذا غير السمن والهزال من الأوصاف. ولمحمد بن الحسن بناني ما حاصله أن الحكم لا بد منه حتى في المروي فيه شيء عن النبي ﷺ أو اتفق عليه السلف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾، وأن الاجتهاد خاص بغير ما ذكر، وحينئذ فالاجتهاد فيما يجب لا في الأحوال من السمن والهزال، كما قال أبو الحسن تبعا لابن محرز إذ ظاهر كلامهم أن الحكمين لا يتعرضان لذلك، وإنما عليه أن يأتي بما يجزئ في الأضحية. قاله مصطفى. انتهى.

стр. 2918

قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: مشى كلام البناني -والله سبحانه أعلم- أن الحكم عام في المروي عن رسول الله ﷺ فيه شيء، وفي المتفق عليه وغيرهما، وأن الاجتهاد إنما يكون فيما لم يُرْوَ فيه شيء ولم يتفق عليه، فإذا اختلفت الصحابة في شيء لم يخرج عن جماعتهم، لكن لا بد من الاجتهاد في تعيين ما يحكمان به عليه، كما أنهما يجتهدان فيما لم يرو فيه عن الصحابة شيء لا فيما روي فيه عن النبي ﷺ شيء، أو اتفق عليه فلا يتعرضان للاجتهاد فيه، وإنما يحكمان عليه، وعليه أن يأتي بما يجزئ ضحية. والله سبحانه أعلم. تنبيه: قال في المدونة: وليبتدئا بالاجتهاد ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى. أبو الحسن الصغير: والذي روى أن في الظبية شاة وفي البقرة الوحشية بقرة. انتهى. عبد الوهاب: وإنما قلنا إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة، ولا يكتفى بما تقدم من الحكم فيه، خلافا للشافعي في أنه يكتفى فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فعم. انتهى. وقد علمت أن الحكمين لا يخرجان باجتهادهما عن آثار من مضى، مثل أن يخرجا عما وجب القضاء فيه ببدنة إلى الشاة أو بالعكس. وله أن ينتقل؛ يعني أن الحكمين لا يحكمان عليه بالجزاء إلا بعد تخييره في أحد الأنواع الثلاثة فيما هي فيه إما المثل أو الإطعام أو الصيام، فإذا اختار أحدها حكما عليه به، ثم بعد ذلك له أن ينتقل عما حكما عليه به إلى غيره، يريد بحكم منهما أو من غيرهما، فإذا حكما عليه بالجزاء بالمثل فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الطعام أو الصيام فله ذلك بعد أن يحكما عليه بما انتقل إليه أو يحكم له به غيرهما. إلا أن يلتزم؛ يعني أن ما تقدم من أن له أن ينتقل هو مذهب المدونة وظاهرها، سواء عرف ما حكما به عليه والتزمه أم لا، واختلف الشيوخ هل كلام المدونة على ظاهره؟ وهو تأول الأكثر منهم سند وغيره وهو المعتمد، أو إنما محل كلام المدونة إذا لم يعرف الصائد ما حكما به عليه ويلتزمه، وأما إن عرفه والتزمه فليس له أن ينتقل عنه وهو تأويل ابن الكاتب وابن محرز، وإلى ذلك أشار بقوله: فتأويلان؛ مبتدأ حذف خبره؛ أي في ثبوت الانتقال له وعدمه تأويلان.

стр. 2919

وعلم مما قررت أن محل التأويلين إذا عرف المحكوم عليه ما حكما به والتزمه، لا إن التزمه من غير معرفة كما يوهمه المصنف نص عليه الشيخ البناني. قال عبد الباقي: والظاهر أن الالتزام إنما يكون باللفظ. [وقد علمت أن المعتمد من التأويلين تأويل الإطلاق، والظاهر أن الالتزام على القول الآخر إنما يكون باللفظ. قاله الشيخ عبد الباقي. والله سبحانه أعلم (١)]. وإن اختلفا ابتدئ بالبناء للمجهول، [الحكم منهما أو من غيرهما أو من إحدهما مع غير صاحبه (٢)]؛ يعني أن الحكمين إذا اختلفا في قدر ما حكما عليه به من جزاء الصيد أو في نوعه، فإنه يبتدئ الحكم غيرهما أو هما أو أحدهما مع غير صاحبه حتى يجتمع على أمر واحد، وقوله: ابتدئ؛ أي الحكم ثانية، أو ثالثة حتى يحصل الاتفاق على أمر واحد. قال في المدونة: وإن حكما فاختلفا ابتدأ الحكم فيه غيرهما حتى يجتمعا على أمر واحد. ولا يجزئ أن يأخذ بقول أرفعهما ولا بقول الآخر لأنه حكم بقول واحد والشرط حكمان، ولا يُكتَفى بقول آخر بعد ذلك يوافق أحد الحكمين الأولين. والأولى كونهما بمجلس؛ يعني أن الأولى أي المستحب أن يكون الحكمان وقت الحكم في مجلس واحد ليطلع كل واحد منهما على حكم صاحبه، محمد: وأحب إلينا أن يكون الحكمان في مجلدى واحد (٣) من أن يكونا واحدا بعد واحد. ابن عبد السلام: ولو قيل إن ذلك شرط لما بعد؛ لأن السابق منهما بالحكم منفرد ولا ينعقد له حكم وكذا اللاحق. انتهى. وتبعه ابن فرحون. والله أعلم قاله الحطاب. ونقص حكمهما إن تبين ظهرا الخطأ؛ يعني أن الحكمين إذا تبين الخطأ في حكمهما تبينا واضحا كما في المدونة، فإنه ينقض حكمهما كحكمهما بشاة فيما فيه بقرة أو بدنة، وببقرة فيما فيه شاة وببعير فيما فيه شاة أو إطعام، وظاهره ولو رضي المحكوم عليه بذلك. وفي الجنين؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا ضرب بطن ظبي فألقت جنينا، فإن الواجب فيه عشر قيمة أمه حيث ألقته ميتا، ومعنى ذلك عشر قيمتها من الطعام أو عدله من الصيام. والبيض؛ يعني أن المحرم أو من في الحرم إذا كسر بيضا فإن فيه عشر قيمة الأم؛ أي في كل

стр. 2920

واحدة من أي طائر كان عشر قيمة الأم، يتعدد بتعدد البيض، ولو أتلف اثنين في فور واحد وهذا في غير المذر، وأما المذر فلا شيء عليه في كسره. وعلم مما قررت أن قوله: عشر دية الأم، مبتدأ وخبره قوله: "في الجنين"، وقوله: "عشر دية الأم" أي، عشر قيمتها كما قررت، ومعنى ذلك عشر قيمتها من الطعام أو عدله من الصيام. ولو تحرك؛ يعني أن في الجنين عشر قيمة أمه طعاما أو عدله صياما إن ألقته أمه، ولا فرق في ذلك بين أن تلقيه ميتا لا حراك به وبين أن يتحرك بعد الإلقاء ثم يموت قبل أن يستهل صارخا، وهذا قول ابن القاسم وهو المشهور، وقال أشهب: إذا تحرك فالواجب فيه جزاء أمه ولو لم يستهل. ابن عبد السلام: ولعل الخلاف في الحركة اختلاف في حال هل هي دليل على الحياة أم لا؟ انتهى. وأما إن استهل الجنين صارخا ثم مات فالواجب فيه حينئذ دية أمه كاملة. وقوله: "والبيض"، كان فيه فرخ أم لا، ولو خرج منه الفرخ ولم يتحرك أو تحرك ومات قبل أن يستهل، وأما إن استهل ففيه دية أمه كاملة كالجنين، وإلى ذلك أشار بقوله: وديتها إن استهل؛ يعني أن الجنين والفرخ إذا مات كل منهما بعد أن استهل صارخا بعد انفصاله عن أمه أو عن البيضة فإن فيه دية كاملة، وقوله: "وفي الجنين"؛ أي إن ألقته بسبب ضرب، ولو تيقن أنه مات قبل ضرب بطنها برائحة ونحوها فلا شيء عليه، وقوله: "وفي الجنين" الخ، بشرط أن يزايلها كله وهي حية وهو ميت كجنين الآدمية، فلو ألقته ميلًا وهي ميتة فلا شيء عليه فيه لا ندراجه في جزائها، فإن استهل فله جزاء ثان. واعلم أنه يخير في الجنين والبيض بين عشر قيمة الأم من الطعام وبين عدل ذلك صياما يصوم مكان كل مد يوما إلا بيض حمام مكة فالحكم فيه عشر قيمة الشاة طعاما، فإن تعذر صام يوما، ومر أنه يتعدد عشر الأم بتعدد الجنين وتعدد البيض، وهو قول أبي عمران في البيض: ولو كسر عشر بيضات ففي كل بيضة واجبها لا شاة عن جملتها؛ لأن الهدي لا يتبعض كمن قتل من اليرابيع ما يبلغ قدر شاة فلا يجمع فيها، واستظهر ابن عرفة أنه يدفع في العشر شاة، وفرق بينها وبين اليرابيع فإن العشر بيضات أجزاء كل بخلاف اليرابيع قائمة بنفسها وقد مر أن المذر لا شيء في كسره، وكذا ما اختلط بياضه بصفاره فيما يظهر، أو وجد في صفارة نقطة دم لعدم تخلق فرخ في جميع ذلك، وقوله:

стр. 2921

"وفي الجنين والبيض عشر دية الأم"؛ أي عشر جزاء الأم، وقد مر أنه يكمل الكسر فكذا هنا، ولا بد من حكم عدلين في البيض ظاهره ولو بيض حمام الحرم. وقوله: "إن استهل"، الظاهر أن مثل الاستهلال سائر ما تحقق به الحياة ككثرة الرضع فيما يرضع. واعلم أن الصور أربع؛ لأنه إما أن يستهل أو لا، وفي كل إما أن ينفصل عنها حية أو ميتة، فإن استهل وماتا فديتهما، وإن استهل ومات أحدهما فدية الميت فقط، كما إذا لم يستهل وماتت هي لا إن لم تمت هي ففيه هو العشر كما قال المصنف، وقد مر جميع ذلك فراجعه إن شئت. ابن نافع: اتبع في بيض النعام ما جاء فيه عن النبي ﷺ ، فقد سأله محرم عن ثلاث بيضات نعامة أصابهن، فقال: صم لكل بيضة يوما، وفي المدونة: وإن أفسد محرم وكر طير فلا شيء عليه إلا أن يكون فيه بيض أو فراخ، ولعبد الباقي والخرشي كلام هنا غير صحيح. والله أعلم. ولما كانت دماء الحج على التخيير تارة وعلى الترتيب أخرى، وأنهى الكلام على ذات التخيير، شرع في الكلام على المرتبة، فقال: وغير الفدية والصيد مرتب هدي، قوله: "وغير"، مبتدأ وخبره "هدي"، وقوله: "مرتب"، خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهو مرتب، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره معترضة بين المبتدأ الظاهر وخبره؛ يعني أن اللازم في الحج لاختلال أمر من أموره أو العمرة إما الفدية وإما جزاء الصيد وقد تقدما، وإما غيرهما وهو هدي ثم صيام، وهذا الغير مرتب فلا ينتقل عن الهدي إلى الصيام إلا بعد العجز عن الهدي، وهو يجب لترك جمرة ومبيت ليلة من ليالي منى وطواف القدوم، وغير ذلك من الواجبات التي تجبر بالدم، وقوله: "مرتب"؛ أي هو على مرتبتين لا ينتقل عن أولاهما للثانية إلا بعد العجز عنها ولا ثالث لهما، وأشار إلى الأولى بقوله: "هدي"؛ أي أن الجابر في الحج غير الفدية وجزاء الصيد هدي ثم صيام، والهدي منحصر في بهيمة الأنعام، وأشار إلى أفضل الهدي بقوله: وندب إبل؛ يعني أن الأفضل في الهدي أن يكون من الإبل، فبقر؛ يعني أنه يلي الإبل في الفضل البقر، فالإبل في الهدايا أفضل ثم يليها

стр. 2922

البقر، ويلي البقر في الفضل الضأن، فالأولى أن يقول: وندب إبل فبقر فضأن، والمعز تجزئ ولا أفضلية لها. ثم صيام ثلاثة أيام؛ يعني أنه إذا عجز عن الهدي وعن ثمنه ولم يجد من يسلفه، فإنه يصوم ثلاثة أيام وأول وقتها من إحرامه أي من حين إحرامه بالحج إلى يوم النحر، فإن فرق الثلاثة أجزأه؛ لأن موالاتها مستحبة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، وألحق العلماء بذلك كل نقص وجب فيه هدي، واْخْتُلِفَ فيمن يجب عليه صيام الثلاثة في الحج على أربعة أقوال قيل: إنما تجب على القارن والمتمتع خاصة وهو لأصبغ، وقيل: إنما تجب عليهما وعلى المفسد لحجه ومن فاته الحج وهو لابن القاسم، وقيل: إنما تجب على هؤلاء الأربعة وعلى كل من وجب عليه الهدي لشيء تركه من أمر الحج من حين إحرامه إلى يوم وقوفه بعرفة، وَقِيلَ: تجب على هؤلاء الأربعة وعلى كل من ترك من أمر الحج ما يوجب الدم مطلقا قبل الوقوف أو بعده من نزول كنزول مزدلفة، وهذان القولان قائمان من المدونة. وصام أيام التشريق يعني أنه إذا أخر صوم الأيام الثلاثة إلى يوم النحر، فإنه يصوم أيام التشريق وهي: أيام منى الثلاثة، قال عبد الباقي: ونحوه لأحمد والأجهوري تبعا لأبي الحسن، ولا يجوز تأخيره لأيام منى إلا لعذر. انتهى. وتعقبه الرماصي بأنه خلاف قول الباجي: إن تقديم الصوم أفضل، ونحوه قول ابن رشد: لا ينبغي له أن يؤخر، وقول ابن عرفة: لاستحباب كمال صومها قبل يوم عرفة، وقول المدونة: وله أن يصوم الثلاثة أيام ما بينه وبين يوم النحر، وصام الثلاثة الأيام التي بعده. انتهى. فلو كان صومها واجبا قبل يوم النحر ويأثم بالتأخير ما قالت: وله. والحاصل الأظهر من المذهب كما قال الباجي: أن صيامها قبل يوم النحر مفضل لا واجب. والله أعلم. قاله بناني. قوله: "وصام أيام التشريق". الباجي: والأظهر من المذهب أن صومها على وجه الأداء، وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة. بنقص لحج، يتنازعه الفعل والمصدر؛ أعني قوله: "صام"، وقوله: "صيام"؛ يعني أن صوم ثلاثة أيام يترتب عليه بسبب نقص الحج، واحترز بقوله: "لحج"، من العمرة، فإنه يؤخر صوم الثلاثة عن أيام التشريق كما يأتي. إن تقدم الوقوف، شرط في كون الثلاثة من إحرامه، وفي صومه لأيام منى إن فات ذلك؛ يعني أن كون

стр. 2923

محل صومه للثلاثة الأيام من إحرامه وصومه لأيام التشريق إنما هو إذا تقدم النقص على الوقوف بعرفة، كتعدي الميقات بالإحرام وتمتع وقران وترك طواف قدوم، فتقدم النقصان على الوقوف بعرفة شرط في أمرين؛ أحدهما كون صوم الثلاثة من إحرامه إلى يوم النحر، والثاني كونه إذا فات ذلك صام أيام منى. وسبعة، مجرور عطف على "ثلاثة"؛ أي على العاجز عن الهدي صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع من منى؛ يعني أن السبعة يصومها بعد رجوعه من منى أي فراغه من الرمي، فيشمل أهل منى ومن أقام بها، ولا يلزمه أن يصل الثلاثة بالسبعة، وليس المراد بالرجوع من منى الرجوع الأول لطواف الإفاضة، ولو أوقع شيئا من السبعة بمنى فالظاهر من المذهب عدم الإجزاء. قاله سند. لأن الرجوع شرط فلا يجزنه أن يصوم حتى يرجع، وقال أبو حنيفة وابن حنبل: إذا فرع من أفعال حجه صام السبعة، ابن عاشر: انظر لو أوقع بعضها في أيام منى والظاهر عدم الإجزاء، ومفهوم قوله: "إن تقدم الوقوف"، أنه لو تأخر النقص عن الوقوف، كترك النزول بالمزدلفة وترك رمي أو حلق أو كان النقص وقت الوقوف بعرفة كلزوم الهدي للمار بعرفة الناوي للحج، وكإنزال ابتداء، وامذائه حين الوقوف، أواخر الثلاثة حتى فاتت أيام التشريق، فإنه يصومها مع السبعة متى شاء، إلا أنه لا يصوم أيام التشريق. وقد مر أن قوله: "بنقص"، يتنازعه المصدر والفعل، ويحتمل أن يتعلق بالفعل، والباء للسببية، فإن جعل من باب التنازع فاته الكلام على العمرة، مع أنه إذا حصل النقص فيها قبل الوقوف وجب عليه صوم الثلاثة أيضا من حين إحرامه، وذلك بأن يكون قد أحرم أولا بعمرة، وحصل فيها نقص ثم أحرم بعدها وإن بقران، وإن جعل متعلقا "بصام" فقط كان كلامه شاملا لمسألتي الحج والعمرة، ويكون قوله: "من إحرامه"، بيانا لمبدأ صيام الثلاثة الأيام في الحج والعمرة، ويكون قوله: "بنقص لحج"، بيانا للغاية المفصلة بين الحج والعمرة؛ أي فإن كان النقص في حج صام أيام منى، وإن كان في عمرة أخر صوم الثلاثة عنها، والفرق بينهما أن الحج واجب والعمرة سنة فأفعاله أقوى. وقوله: "إن تقدم الوقوف"، لا يغني عن قوله: "لحج"؛ لأن النقص المتقدم عن الوقوف قد يكون من عمرة، كما إذا كان متمتعا أو قارنا كما مر بيانه، ورجح بعضهم تعلق

стр. 2924

المجرور بالفعل، فإن من كان نقصه يوم عرفة فما بعده يستحيل صومه له قبله، فيغني عن رجوع الشرط له قوله: "من إحرامه"، انظر الخرشي. وقوله: "وسبعة إذا رجع"، هو تفسير للآية الكريمة، وبتفسير الرجوع المتقدم يفيد أنه يجزئه الصوم لسبعة في الطريق وهذا هو المشهور، وفسره في الموازية بالرجوع إلى الأهل إلا أن يقيم بمكة، واختاره اللخمي. ابن عبد السلام: والمشهور أظهر؛ لأن المذكور في الآية الحج لا السفر، فالرجوع إذًا من الحج لا من السفر. سند: ولأن الحكم معلق على مطلق الرجوع، فيكفي فيه ما يقع عليه الاسم، وذلك صادق بالرجوع من منى فلا يقيد بزائد عليه إلا بدليل، ويستحب تأخير صيام السبعة للرجوع إلى الأهل للخروج من الخلاف، فإذا رجع إلى الأهل استحب له التعجيل، فإن استوطن مكة صام قولا واحدا. وقوله: "وسبعة إذا رجع"، ولو متعجلا، ولو لم يقم بمكة، ولو صام العشرة قبل الوقوف فالظاهر أنه يجتزئ بثلاثة كما يفهم من توضيحه. قال مالك: لو نسي الثلاثة حتى صام السبعة، فإن وجد هديا فأحب إلي أن يهدي وإلا صام، وفسره التونسي بأنه لا يجتزئ منها بشيء، ولو صام الثلاثة ثم مات، فقال مالك: أرى أن يهدى عنه سواء مات ببلده أو بمكة. ابن رشد: ولو وجد الهدي بعد صوم الثلاثة لم يجب أن يهدي إلا أن يشاء، وإنما قال مالك: أرى أن يهدى عنه استحبابا من أجل أنه لا يصوم أحد من أحد. ولم تجز إن قدمت على وقوفه؛ يعني أنه إذا قدم السبعة على الوقوف بعرفة أو بعضها فإنها لا تجزئ ولا شيء منها، وقوله: "تجزئ"، بضم التاء وسكون الجيم، وكذا لا تجزئ إن قدمت على رجوعه من منى كما مر، وهل يجتزئ منها بثلاث حيث قدمها على الثلاث ناسيا أو عامدا؟ والمذهب أنه لا يجتزئ. قاله الخرشي. قال: واتصال الثلاثة بعضها ببعض، واتصال السبعة بعضها ببعض، واتصال السبعة بالثلاثة مستحب. انتهى. قوله: "واتصال السبعة بالثلاثة" الخ، إنما يظهر إذا أخر الثلاثة للرجوع أو أقام بمكة. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه. والله سبحانه أعلم. كصوم أيسر قبله، تشبيه في عدم الإجزاء؛ يعني أنه إذا أيسر قبل الشروع في الصوم فإنه لا يجزئه الصوم؛ أي صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، بل يجب عليه الهدي لأنه صار واجدا،

стр. 2925

لأن الله تعالى إنما أباح الصوم لغير الواجد، لقوله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. أو وجد مسلفا لمال ببلده؛ يعني أن من قدر على الهدي لكونه وجد من يسلفه لا يجزئه أن يصوم، بل يجب عليه أن يهدي بشرط أن يكون مليا ببلده، فإن لم يجد مسلفا أو لا مال له ببلده صام، ولا يؤخره لبلده ولا لمال يرجوه بعد خروج أيام الحج؛ لأنه مخاطب بصوم الثلاثة في الحج بخلاف من يكفر ليمين، وكذا عند ابن القاسم لظهار فإنهما يؤخران؛ لأنهما في سعة. وقوله: "لمال"، اللام إما بمعنى: مع، وهو متعلق "بوجد"؛ أي وجد مسلفا مع مال ببلده، وإما صلة "لمسلف"، وقوله: "ببلده"، متعلق بمحذوف تقديره: ويأخذه ببلده أي ويصبر ليأخذه ببلده. قاله الخرشي. وندب الرجوع له بعد يومين؛ يعني أنه إذا أيسر بعد أن صام يومين، فإنه يندب له الرجوع للهدي، فلو تمادى على الصوم لأجزأه. وقوله: "تدب الرجوع" إلخ، قال محمد بن الحسن بناني: نحوه لابن الحاجب وابن شأس، وأصله قول اللخمي: استحب مالك لمن وجد الهدي قبل أن يستكمل الأيام الثلاثة أن يرجع إلى الهدي، وفي المدونة: إن صام ثلاثة أيام في الحج ثم وجد ثمن الهدي في اليوم الثالث فليمض على صومه، فإن وجد ثمنه في أول يوم فإن شاء أهدى أو تمادى على صومه. انتهى. قال مصطفى: فأمره بعد يومين بالتمادي، وخيره في أول يوم وكل ذلك مخالف لما هنا. انتهى. قال محمد بن الحسن: قد يصح حمل ما ذكره المصنف ومتبوعاه على ما في المدونة؛ بأن يراد باستحباب الرجوع بعد يومين؛ أي وقبل الشروع في الثالث كما نقله التتائي عن ابن ناجي، خلافا للخمي، وأن المراد بالتخيير الذي فيها عدم اللزوم، فلا ينافي الاستحباب. انتهى. وقول عبد الباقي: يجب الرجوع للهدي إن أيسر بعد الشروع في الصوم وقبل كمال يوم غير صحيح. قاله بناني أيضا. وقال عبد الباقي: وأما بعد تمام الثالث فلا يرجع لأنها قسيمة السبعة، فكانت كالنصف كما في التتائي، وهو يقتضي أن ليس له الرجوع إلى الهدي مع أنه هو الأصل. وفي الحطاب ما نصه: قال ابن رشد: لو وجد الهدي بعد صوم الثلاثة لم يجب عليه إلا أن يشاء. انتهى.

стр. 2926

قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: ويتحصل من كلامهم هنا أنه إذا أيسر قبل الشروع في الصوم، فإنه يجب عليه الرجوع إلى الهدي، وبعد الشروع في الصوم يندب له الرجوع للهدي ما لم يشرع في اليوم الثالث؛ بأن أيسر في اليوم الأول أو الثاني أو بعد تمام اليومين، وقبل الشروع في الثالث، فإن أيسر في اليوم الثالث تمادى على الصوم على مذهب المدونة، وندب له الرجوع في الهدي عند ابن شأس واللخمي، وأما إن أيسر بعد كمال الثالث فإنه يتمادى، ولابن رشد: تمادى على الصوم ولا يجب عليه الهدي إلا أن يشاء. ووقوفه به المواقف، عطف على قوله: "إبل"؛ يعني أنه يندب للحاج أن يوقف هديه معه المواقف، وأراد بها عرفة والمشعر الحرام ومنى، وعدت منى موقفا لوقوفه فيها عقب الجمرتين الأوليين، وليست المزدلفة من المواقف خلافا للشارح والتتائي، وإنما هي مبيت، وقال عبد الباقي: وندب وقوفه به بالهدي المواقف كلها، فالندب منصب على الجميع، وإن كان وقوفه به بعرفة جزءا من الليل شرطا وهذا فيما ينحر بمنى، وأما ما ينحر بمكة فالشرط فيه أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ويكفي وقوفه به في أي موضع من الحل وفي أي وقت. انتهى. قوله: منصب على الجميع إلخ، نحوه في التتائي والحطاب، وتعقبه ابن عاشر ومصطفى بأن كلام المؤلف لا يحتاج لتأويل، بل هو على ظاهره من أن كل موقف مستحب؛ لأن وقوفه بعرفة جزءا من الليل إنما هو شرط لنحره بمنى، وليس شرطا في نفس الهدي حتى لو ترك بطل كونه هديا، ولا منافاة بين استحباب وقوفه به بعرفة وبين كونه شرطا في نحره بمنى، والنحر بمنى غير واجب بل إن شاء وقف به بعرفة ونحره بمنى، وإن شاء لم يقف به بها ونحره بمكة. قاله في المدونة. نقله الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم. والنحر بمنى؛ يعني أنه يندب نحر الهدي بمنى وكذا جزاء الصيد، ويشترط في النحر أن يكون نهارا فلا يجزئ ليلا على المشهور، وأما الفدية فلا تختص بمكان كما قدمه، ولو عبر بالذكاة كان أشمل، وقررته بالندب مع استيفاء الشروط الآتية تبعا لغير واحد منهم الحطاب، ومقتضى حل الشارح والتتائي أنه مع استيفائها واجب، وعزيا عن عياض الوجوب لابن القاسم، واتفق الشارح والحطاب على الإجزاء إن نحر بمكة مع استيفاء الشروط. قاله عبد الباقي. وقال محمد

стр. 2927

بن الحسن: صوب مصطفى ما اقتضاه حل الشارح والتتائي من الوجوب؛ لأنه صرح به عياض في الإكمال، وما قاله الحطاب غير ظاهر، قال: ولا دليل له في قول المدونة، ومن أوقف هدي جزاء صيد أو متعة أو غيره بعرفة، ثم قدم به مكة فنحره بها جاهلا أو ترك منى متعمدا أجزأه. انتهى. لأن الإجزاء لا يدل على الجواز. انتهى. وعلى ما للتتاءي والشارح يكون قوله: "والنحر"، مبتدأ، وخبره: "بمنى"، وعلى ما للحطاب ومن تبعه يكون معطوفا على المندوب، وقوله: "والنحر بمنى"، الأولى التعبير بالذكاة لأنه أشمل. إن كان في حج؛ يعني أن النحر يجب أو يستحب أن يكون بمنى على ما مر بثلاثة شروط، الأول أن يكون الهدي سيق في إحرام حج فرض أو منذور أو تطوع، أو ما كان عن نقص في عمرة أو جزاء صيد، وقد علمت أن ذلك سيق في إحرام حج. اللخمي: قال مالك: فيمن كان عليه جزاء صيد في عمرة أو شيء نقصه من عمرته فوقفه بعرفة ثم نحره بمنى: أجزأه، واحترز بذلك مما ساقه في العمرة، فإن المستحب أن ينحره بمكة، وما مر من أن من نحر هديه الذي أوقفه بعرفة بمكة جاهلا أو متعمدا أجزأه هو مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: لا يجزئه، وظاهر نقل ابن يونس سواء كان ذلك في أيام منى أو بعدها، خلاف نقل اللخمي عن أشهب: أن عدم الإجزاء فيما ذبح بمكة أيام منى، وأما ما ذبح بمكة بعد أيام منى فيجزئ. سند: وإذا سيق الهدي في إحرام لم ينحر وإن بلغ مكة حتى يحل من الإحرام كان بحج أو عمرة، وإن ساقه في غير إحرام نحره وأجزأه، قال مالك في الموازية: وكل هدي دخل مكة من الحل فعطب فنحر بها يجزئ إلا هدي التمتع. وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: ووقف به هو أو نائبه؛ يعني أنه يشترط في وجوب نحر الهدي بمنى أو ندبه على ما مر أن يكون صاحبه قد وقف به بعرفة أو وقف به نائبه وقوفا، كوقوفه هو أي صاحب الهدي؛ بأن يقف به في جزء من الليل، فقوله: "كهو"؛ أي كوقوفه الركن المتقدم، وقد مر أنه لا بد له من جزء الليل. ابن هارون: وأما شرط كون الوقوف بالهدي ليلا فلا أعلم فيه خلافا؛ لأن كل من اشترط الوقوف بعرفة جعل حكمه حكم ربه فيما يجزئ من الوقوف، والمراد بالنائب كما قال ابن غازي من ناب عن رب الهدي، إما بإذنه كرسوله، وإما بغير إذنه كمن

стр. 2928

وجد هديا مقلدا فوقف به عن ربه. والله أعلم انظر الحطاب. واحترز بقوله: "أو نائبه"، عن وقوف التجار لأنهم ليسوا نائبين عنه إلا أن يشتريه منهم ويأذن لهم بالوقوف عنه، وبقوله: "كهو"، عن وقوف به بغير الليل. وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: بأيامها. متعلق بمحذوف تقديره: ونحر بأيامها؛ يعني أنه يشترط في وجوب نحر الهدي بمنى أو ندبه أن يكون النحر واقعا في أيام منى -هذا ظاهر سياقه- وعليه فيقتضي أن اليوم الرابع محل للنحر والذبح بمنى؛ لأنه من أيام منى بل إذا أطلقت أيام منى فإنما يراد بها اليوم الرابع واليومان قبله، وبذلك عبر في توضيحه أيضا ونقله عن عياض في الإكمال، وعليه قرره الشارح والتتائي، وقال الأجهوري وأحمد: والمعتمد أيام النحر فقط؛ إذ اليوم الرابع ليس محلا للذبح ولا النحر فتجوز في التعبير، ولو عبر بأيام النحر كان أولى. اللخمي: والنحر والذبح بمنى ومكة يختلف، فأما منى فيختص ذلك فيها بأيام معلومة وهي: يوم النحر ويومان بعده، فإن ذهبت لم يكن منحر ولا مذبح إلا لمثله من قابل، وأما مكة فكل أيام السنة فيها مذبح ومنحر، وفي الطراز عن الموازية: فإن لم ينحرها بمنى في ثالث النحر فلا ينحرها بمنى في ثالث أيام منى، ولكن بمكة فإن نحرها بمنى فعليه بدلها. وقال القاضي عياض في التنبيهات: وأيام التشريق هي يوم النحر وثلاثة بعده، سميت بذلك لصلاة التشريق، وهي صلاة العيد لكونها عند شروق الشمس، وسميت سائر الأيام باسم أولها، وروي عنه ﷺ أنه قال: من ذبح قبل التشريق أعاد، وقيل: سميت بذلك لأنهم لا يذبحون فيها إلا بعد شروق الشمس، وهو قول ابن القاسم: إن الضحية لا تذبح في اليوم الأول ولا في الثاني حتى تحل الصلاة، وخالفه أصبغ في غير اليوم الأول، وقيل: سميت بذلك لأن الناس كانوا يشرقون فيها لحوم ضحاياهم؛ أي ينشرونها ليلا تتغير، وقيل: لأن الناس يبرزون فيها إلى المشرق وهو المكان الذي يقيم الناس فيه بمنى تلك الأيام، وكذا يأتي لأصحابنا وغيرهم أنها الأيام الأربعة، وقال مالك في الموطأ وغيره: أيام التشريق هي الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم

стр. 2929

النحر وهو الأكثر، ومثله لابن عباس، وقد مر أن مالكا كره أن يقال أيام التشريق، وقال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، والأيام المعلومات هي أيام النحر الثلاثة. وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لم توجد هذه الشروط الثلاثة كلا أو بعضا؛ بأن لم يكن ساق الهدي في إحرام الحج بل ساقه في إحرام العمرة نذرا أو جزاءَ صَيْدٍ أو تطوعا كما يأتي أو ساقه لا في إحرام، أو فاته الوقوف به بعرفة، أو خرجت أيام النحر، فإنه يتعين ذكاته بمكة وجوبا شرفها الله تعالى، فإن لم يرد الذبح بها صبر لقابل وذبح بمنى، وقوله: "بمكة"، ولا يجزئ بمنى خلاف ما مر عن اللخمي، ولا غيرها لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فإن ذكاه خارجا عن بيوت مكة إلا أنه من لواحقها فالمشهور عدم الإجزاء، ونص ابن القاسم على أنه لا يجزيه بذي طوى، والأفضل فيما ذبح بمنى أن يكون عند الجمرة الأولى، ولا يجوز النحر دون جمرة العقبة مما يلي مكة؛ لأنه ليس من منى. ابن عرفة: ومحل ذكاة الهدي الزماني فجر النحر نهارا. انتهى. وسواء ذبح قبل الإمام أو بعده، قبل الشمس أو بعدها بخلاف الأضحية؛ لأن الإمام في العيد لما كان يصلي بهم فهم يتوقفون على ذبحه، وفي الحج لا عيد لهم، وإذا بعث بهدي تطوع مع رجل حرام ثم خرج بعده حاجا، فإن أدرك هديه لم ينحره حتى يحل، وإن لم يدركه فلا شيء عليه، ولو كان الرسول دخل بحج ثم دخل ربه بعمرة، قال في الموازية: يؤخره ربه حتى ينحره في الحج؛ لأن النحر في الحج أفضل من العمرة لجعل الشارع له زمنا معينا، وما اعتنى الشرع به يكون أفضل، وإن سيق الهدي في عمرة ودخل ربه بعمرة فأراد تأخيره حتى يحج من عامة، فقال مالك: لا يؤخره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ولما كان الواجب في كل هدي واجب أو تطوع الجمع بين الحل والحرم، وكان ما يذبح بمنى مجموعا فيه بين الحل والحرم؛ لأن شرطه الوقوف به بعرفة وهو حل، بَيَّنَ المصنف أن ذلك يشترط فيما يذبح بمكة الذي من صورة ما فات الوقوف به بعرفة، فقال: وأجزأ إن أخرج لحل؛ يعني أنه إذا أخرج هديا من الحرم فإنه لا بد أن يخرجه للحل وإلا لم يجز وهذا هو المعروف في المذهب، وقال صاحب الطراز: روى أبو قرة عن مالك في الهدي إن اشتراه من الحرم وذبحه فيه: أجزأه. انتهى. ونقله أبو الحسن. قاله الحطاب. وإذا كان الهدي مما يقلد ويشعر فالأحسن

стр. 2930

أن يؤخر ذلك حتى يخرج به إلى الحل، فإن قلده وأشعره في الحرم أجزأه. قاله في الطراز. قاله غير واحد. والأحسن أن يباشر ذلك بنفسه، وأن يحرم إذا دخل به. قاله في الطراز. ونقله عن النوادر. فإن دخل به حلالا أو أرسله مع حلال أجزأه. قاله في المدونة، وهل يجري هنا؟ قوله: "والجعرانة أولى ثم التنعيم"، وقوله: "أخرج"، بالبناء للمجهول، وقوله: "لحل"، من أي الجهات ولو بالشراء من الحل، وسواء كان المخرج له حلا أو محرما كما لو قتل بعد الإحلال صيدا في الحرم وسواء أخرجه هو أو نائبه حلا أو محرما، وهذا من فوائد بناء أخرج للمجهول. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: قد علمت أنه لا بد أن يجمع في الهدي بين الحل والحرم، فإذا فات الهدي الموقوف بعرفة فإنه ينحره أو يذبحه بمكة، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون اشتراه من الحل أو من الحرم، فإن كان اشتراه من الحل فلابد أن يدخله الحرم، وإن كان اشتراه من الحرم فلا بد أن يخرجه إلى الحل ثم يدخله إلى الحرم، ولا فرق فيما ذكر بين الهدي الواجب والتطوع، ولا بين أن يكون الخارج به صاحبه أو نائبه، ولا يشترط في المبعوث معه أن يكون حراما، ولذا بنى قوله أخرج للمجهول. انتهى. (كأن وقف به فصل مقلدا ونحر) يعني أن من ضل هديه بعد أن وقف به بعرفة فوجده شخص فنحره بمنى في أيامها أو بمكة بشرطه لأنه رآه هديا أجزأه ذلك، فالتشبيه في الإجزاء، وقوله: "كأن وقف به" بالبناء للمجهول ليشمل ما وقفه ربه وغيره، وقوله: "مقلدا"، حال من الضمير الراجع للهدي، يتنازع فيه الفعلان قبله وأن مصدرية، قال جماعة من الأشياخ: من وجد هديا ضالا في أيام منى لم ينحره إلا في اليوم الثالث، لعل أن يأتي ربه، وإذا خاف خروج أيام النحر نحره عن ربه وأجزأه؛ لأنه بالتقليد وجب. اللخمي: فإن عجل النحر أول يوم أجزأ، وإن وجده بعد أيام منى لم يعجل بالنحر إلا أن يخشى ضيعته أو يشق حفظه فينحره بمكة، وقوله: "كأن وقف به" الخ، أي فيجزئ ولو نواه من نحره عن نفسه غلطا. والحاصل أنه إن ضل قبل الجمع فيه بين الحل والحرم ووجده مذكى فإنه لا يجزئ، وإن ضل بعد جمعه فيه بين الحل والحرم، فإن لم يكن وقف به بعرفة ووجده بمكة أجزأه، وإن وجده

стр. 2931

بمنى لم يجزه كما لو وجده بها مع عدم شرط من باقي الشروط المعتبرة في الذبح بمنى، وأما إن تحقق نحره ولم يدر هل نحره بموضع يجزئ نحره فيه أم لا؟ فظاهر كلام المواق الإجزاء. قاله الشيخ علي الأجهوري. وفي المدونة: أن من قلد هديه وأشعره ثم ضل منه فأصابه رجل فأوقفه بعرفة، ثم وجده ربه يوم النحر أو بعده أجزأه ذلك التوقيف؛ لأنه قد وجب هديا، ونحوه لابن الحاجب، قال محمد بن الحسن البناني: ولولا "الفاء"، في قول المصنف: "فضل"، لكان حمله على هذا الفرع أولى. والله أعلم. انتهى. وقال: يجب أن يقيد قول عبد الباقي: ومفهوم قوله وقف به أنه إن لم يقف به بعرفة فضل مقلدا ثم وجده مذكى بمنى لم يجزه -انتهى- بما إذا لم يعلم أن واجده وقف به وإلا أجزأه. انتهى. واستدل على ذلك بما ذكر من كلام المدونة، ويصح أن يحمل كلام المصنف على أنه وجد الهدي منحورا فجعل قوله: "ونحر" معطوفا على "وقف". ثم أعاد الكلام على الهدي المسوق في إحرام عمرة لبيان زمانه وما يترتب عليه بقوله: وفي العمرة بمكة؛ يعني أن الهدي المسوق في إحرام العمرة سواء وجب لنقصها كخلل في إحرامها، كمجاوزة الميقات غير محرم، وترك تلبية أو إصابة صيد أو لنقص حج تطوعا أو نذرا أو جزاء صيد، محل تذكيته مكة شرفها الله تعالى، وقد علمت أن كل ما ذكر سيق في إحرام عمرة، وكذا ما سيق في غير إحرام، قال عبد الباقي: وأعاد هذه المسألة مع دخولها في قوله: "وإلا فمكة" كما علمت لقوله: بعد سعيها؛ يعني أن تذكية الهدي المسوق في إحرام العمرة إنما تكون بعد سعي العمرة، فلا يجزئ نحره قبله لأنهم نزلوا سعيها منزلة الوقوف في هدي الحج في أنه لا يذكى إلا بعده. ثم حلق؛ يعني أن الحلق يؤخر عن ذكاة الهدي المسوق في إحرام العمرة، فقوله: "ثم"؛ أي بعد نحر الهدي المذكور يحلق رأسه، وقوله: "ثم حلق"؛ يعني أو قصر على ما مر، وإذا حلق أو قصر حل من عمرته، وقوله: "ثم حلق"، تأخير الحلق عن الذكاة مندوب كما مر للمصنف في الحج، وقول الأبهري: لا يجوز، لا يعارض ما مر لحمل قوله لا يجوز على الكراهة، فالنهي في الآية للكراهة؛ يعني قوله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.

стр. 2932

وإن أردف لخوف فوات؛ يعني أنه لو أحرم شخص بعمرة، وساق هديا تطوعا وقلده أو أشعره، ثم إنه أردف حجا عليها لأجل خوف فوات الحج، إن تشاغل بعمل العمرة بسبب ضيق الوقت، فإنه يجزئه ذلك الهدي لقرانه الحاصل بإردافه الحج على العمرة، أو حيض؛ يعني أن المرأة إذا أحرمت بعمرة وساقت معها هديا تطوعا، ثم إنها حاضت وخافت إن استمرت على حيضها حتى تكمل العمرة فتطهر فاتها الحج فأردفت الحج على العمرة لأجل ذلك، فإنه يجزئها لقرانها الحاصل بإردافها الحج على العمرة ذلك الهدي؛ أي هدي التطوع الذي ساقته في إحرام عمرتها، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الظاهر أن قوله: "أو حيض"، عطف على مقدر؛ أي أردف شخص لخوف فوات بالتشاغل بالعمرة لضيق وقت أو حيض. والله سبحانه أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: أجزأ التطوع لقرانه، جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن أردف"، فهو راجع للمسألتين -أعني- خوف الفوات بالتشاغل بالعمرة، وخوف الفوات في انتظار الطهر من الحيض، وقوله: "التطوع"؛ أي هدي التطوع، وهو ما سيق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل، والضمير في قوله: "لقرانه"، يرجع لما ذكر من الشخصين، ولو حذف المصنف قوله: "لخوف فوات أو حيض"، لكان أشمل وأخصر؛ إذ لو أردف لا لخوف فوات ولا لعذر لكان الحكم كذلك، وكلامه يوهم خلاف ذلك، فالمدار على إردافه في محل يصح فيه الإرداف، وظاهر قوله: "أجزأ التطوع لقرانه"، وإن قلد أو أشعر للعمرة قبل الإرداف، قال عبد الوهاب في المعونة: ويستحب للمردفة لحيض أن تعتمر بعد فراغها من القران، كما فعلت عائشة ﵂، وقوله: "أجزأ التطوع لقرانه"، لكن الأفضل في المسألتين هدي غيره، وقوله: "وإن أردف لخوف فوات أو حيض"، قال الخرشي: موضع نحره مكة إن نظر لإحرامه أولا بالعمرة، وإن نظر للمآل فموضع نحره منى؛ لأنه حج وهو الظاهر. انتهى. وقوله: "أجزأ التطوع لقرانه"، قال الشارح: فإن قيل هدي التطوع صار بالتقليد والإشعار واجبا لغير القران فلا يجزئ عنه، أجيب بأن الحج قد يجزئ بعض أفعاله بنية التطوع عن الواجب كما في الإفاضة إذا نسي طوافها ثم طاف بعده تطوعا. انتهى.

стр. 2933

وقوله: كإن ساقه فيها ثم حج من عامة؛ تشبيه في الإجزاء، والضمير المجرور "بفي" عائد على العمرة؛ يعني أن المعتمر إذا ساق هدي التطوع في عمرته، فلما حل من عمرته بدا له فأحرم بالحج وحج من عامة ذلك وصار متمتعا، فإنه يجزئه هدي التطوع عن تمتعه كما أجزأ عن قرانه، وهو أحد قولي مالك في المدونة. ابن القاسم: هو أحب إلي، وقد فعله أصحاب الرسول ﷺ ، وقال صاحب الطراز وغيره: إن الخلاف جار مطلقا سواء ساق الهدي بنية التطوع، أو ساقه ليجعله عن متعته، فالقول بالإجزاء غير مقيد، وتأول عبد الحق المدونة على أن الخلاف إنما هو إذا ساقه للمتعة، وأما إذا ساقه بنية التطوع فإنه يتفق على أنه لا يجزئه عن المتعة، وإليه أشار بقوله: وتؤولت أيضا بما إذا سيق للتمتع؛ يعني أن عبد الحق تأول القول الذي في المدونة بالإجزاء على ما إذا سيق الهدي للتمتع أي ساقه ليجعله عن متعته، وأما إذا سيق بنية التطوع فإنه لا يجزئ، والمذهب من التأويلين الأول لأنه ظاهر الكتاب. قاله عبد الباقي. وقال: فإن قلت: لِمَ أجزأ التطوع المحض عن القران ولم يجز عن التمتع على التأويل الثاني إذا لم يُسَقْ له؟ قلت: لأن القران لما كانت العمرة فيه تندرج في الحج فتعلقها بالحج فيه أقوى من تعلقها به في التمتع، فكأن الذي سيق فيها سيق في الحج، ومثله في الخرشي، فإن قيل: يشكل الكلام فيما إذا سيق للتمتع فإنه ليس من هدي التطوع في شيء، والكلام إنما هو في هدي التطوع، فالجواب أنه لما قلده أو أشعره قبل الإحرام بالحج سماه تطوعا لذلك فهو تطوع حكما، ويجزئ عن متعته، وفي الخرشي: أن قوله: "سيق للتمتع"، يشمل ما إذا سيق ابتداء للتمتع أو للتطوع، ثم جعله للتمتع على تقدير حصوله، فلا منافاة بين كونه سيق تطوعا وبين كونه سيق للتمتع، ثم إنه لا إشكال في أنه يستحب له أن لا يجتزئ به. قاله الحطاب. والمندوب بمكة المروة؛ يعني أن الهدي الذي ينحر أو يذبح بمكة يندب أن يكون نحره أو ذبحه بالمروة، لما في الموطأ وغيره أن رسول الله ﷺ قال بمنى: (هذا المنحر وكل منى منحر)، وفي العمرة عند المروة: (هذا المنحر وكل فجاج مكة وطرقها منحر (١)). والمراد بمكة: القرية نفسها، فلا يجوز النحر بذي طوى، بل حتى يدخل مكة كما قال ابن القاسم، ودل قوله: وكل

стр. 2934

فجاج مكة الخ، على أن قوله: هذا المنحر؛ أي المندوب كما قال المصنف، وقال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: منى كلها منحر إلا ما خلف العقبة، قال: وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى. نقله سند عن الموازية، وكذا ابن عرفة وغيرهما. والله أعلم. قاله الحطاب. وفي الإكمال: واختلف عندنا فيما خرج عن بيوتها من فجاجها؛ أيجزئ الذبح بذلك أم لا؟ انتهى. نقله الشارح. وفي الموازية عن مالك: كل ما محله من الهدي مكة ولم يقدر أن يبلغ به داخل بيوت مكة ونحره في الحرم لم يجزئه، وإنما محله مكة أو ما يليها من منازل الناس. نقله الشارح. وفي نقل الشارح (أنه قد نحر النبي ﷺ هديه بالحديبية في الحرم (١))، فأخبر الله تعالى أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، قال في البيان. قوله نحر رسول الله ﷺ هديه بالحديبية في الحرم، معناه: نحر هديه في الحرم إذ كان بالحديبية؛ لأن الحديبية في الحل، لكنه لم يكن ﷺ ممنوعا من دخول الحرم، فبعث بهديه من الحديبية إلى الحرم فصحت لمالك الحجة بذلك، كما ذهب إليه من أن محل الهدي من الحرم مكة القرية بنفسها لا جميع الحرم؛ لإخبار الله تعالى أنه لم يبلغ محله لقوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. انتهى. (وكره نحر غيره) يعني أن الشخص إذا نحر غيره هديه عنه أو ذبحه عنه، فإنه لا إشكال في إجزاء ذلك ولكنه يكره، فالمستحب للشخص المهدي أن يباشر ذكاة هديه بنفسه. كالأضحية؛ يعني أن الهدي كالأضحية في أنه يكره أن يذبح أو ينحر غيره عنه أضحيته، ولا إشكال في الإجزاء، وفهم من التشبيه أنه لا بد من كون النائب مسلما، وإلا لم يجز ما ذبحه أو نحره من أضحية -وهو كذلك- لأن ذبح الأضحية والهدي قربة والكافر ليس من أهل القرب. ابن يونس: كره مالك للرجل أن ينحر هديه أو أضحيته غيره. ابن المواز: وتلي المرأة ذبح أضحيتها بيدها أحب إلي، وظاهر كلام المؤلف أنه ليس له الاستنابة ولو لم يهتد إلا بمعلم وهو كذلك، إلا أن لا يحسنه جملة. وعلم مما مر صريحا أنه لو استناب مع القدرة فإن ذلك يجزئه، وقد استناب رسول الله ﷺ عليا ﵁ بعد أن نحر من البدن سبعا في عام الحديبية، وكان الهدي

стр. 2935

سبعين بدنة. قاله الخرشي. وتخصيص الكراهة بالذبح والنحر يفهم منه جواز الاستنابة في السلخ، وتقطيع اللحم وهو كذلك. قاله سند. نقله الخرشي. ولو قال المصنف: وكره ذكاة غيره، لكان أشمل. قاله الخرشي. وقال الشارح: واختلف إذا نحر عنه غير مسلم، فالمشهور أنه لا يجزئ؛ لأنه قربة والكافر ليس من أهل القرب، وخالف في ذلك أشهب، قال في المدونة: وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، فإن نحر له غيره أو ذبح أجزأ إلا أن يكون غير مسلم فلا يجزئ، وعليه البدل. انتهى. وفي الحطاب: فإن نحر له غيره أو ذبح أجزأه إلا أن يكون غير مسلم فلا يجزئه، وقال أشهب: يجزئه إذا كان ذميا. سند: وموضع المنع أن يلي الذمي الذبح، فأما السلخ وتقطيع اللحم فلا بأس به عند الجميع. انتهى. وعلم مما مر أن قوله: "غيره"، المراد به المسلم، فليس على عمومه. وإن مات متمتع فالهدي من رأس ماله؛ يعني أن المتمتع إذا مات من غير هدي أو مات عن هدي غير مقلد، فإن هدي التمتع يجب على الورثة أن يخرجوه من رأس المال وإن لم يوص، كزكاة الحرث والماشية إذا مات بعد الوجوب فإنها تخرج من رأس المال وإن لم يوص، بخلاف العين؛ لأنه يمكن إخراجها سرا والهدي يشعر ويقلد ويساق من الحل إلى الحرم، فإنه لا يخفى لكنه يؤخر عن دين الآدمي. قاله عبد الباقي والخرشي. وفي الحطاب: أن الهدي بعد التقليد والإشعار لم يكن للغرماء عليه سبيل حيث فلس. انتهى. إن رمى العقبة؛ يعني أن محل كون هدي التمتع يخرج من رأس مال المتمتع إذا مات، إنما هو حيث مات بعد أن رمى جمرة العقبة أو فات وقت رميها الأدائيُّ بفوات يوم النحر؛ بأن مات بعد يوم النحر بتمامه والحال أنه لم يرمها، وكذا لو طاف للإفاضة قبل رميها، فالهدي من رأس المال في هاتين الصورتين لتعليلهم وجوبه من رأس المال بأنه حصل له معظم الأركان مع حصول أحد التحليلين، فكان كمن أشرف على فراغ العبادة، وإن مات قبل ذلك لم يجب على الورثة شيء، فإن قلد الهدي تعين ذبحه ولو مات صاحبه قبل الوقوف.

стр. 2936

والحاصل أنه إذا مات بعد رمي العقبة أو بعد فوات وقت رميها أو بعد الإفاضة، فالهدي من رأس المال، فإن مات قبل الثلاثة -أي مات والحال أنه لم يرم، ولم يطف للإفاضة، ولم يفت وقت الرمي بغروب يوم النحر- فلا شيء عليه لا من رأس مال ولا من ثلث ولا يعارض ما هنا قوله: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج"؛ لأن معنى قوله: "يجب": يجب وجوبا موسعا فيه، وإنما يتحتم برمي العقبة وما هو مثلها، ونظير هذا ما يأتي من أن كفارة الظهار تجب بالعود وتتحتم بالوطء، ومفهوم قوله: "متمتع"، أنه إن مات القارن فالهدي من رأس ماله حيث أردف الحج على العمرة إردافا صحيحا ثم مات. قاله عبد الباقي. والخرشي. وسن الجميع وعيبه كالأضحية، قوله: "سن" بكسر السين مبتدأ، وقوله: "كالأضحية" خبر عنه وعن المعطوف عليه؛ يعني أن سن جميع دماء الحج من هدي وجزاء ونسك وعيبه كسن الأضحية وعيبها، فما لا يجزئ في الأضحية من السن لا يجزئ هنا، وما لا يجزئ من جهة العيب فيها لا يجزئ هنا، والسن هي المشار إليها بقول المصنف في باب الضحية "بجذع ضأن وثني معز وبقر وإبل ذي سنة وثلاث وخمس"، والعيب هو المشار إليه بقوله: "كبين مرض وجرب وبشم" الخ، وبقوله: "لا إن أدمى"، وتخالف الأضحية في أن الذكر والأنثى هنا سواء، وإنما الأفضل عند مالك الأعظم بدنا ذكرا أو أنثى، ومن العلماء من يرى أن الأنثى أفضل. والمعتبر حين وجوبه وتقليده؛ يعني أن المعتبر في مساواة الهدايا ونحوها للضحايا في السن والعيب المذكورين إنما هو من حين وجوب الهدي، وتقليده لا يوم نحره وهذا هو المشهور، وليس المراد بالوجوب أحد الأحكام الخمسة، وإنما المراد تعيينه وتمييزه ليكون هديا، والمراد بالتقليد هنا أعم منه فيما يأتي؛ لأن المراد به هنا إنما هو تهيئته للهدي، وإخراجه سائرا إلى مكة كالغنم فإنها لا تقلد، فالمراد بالتقليد والوجوب هنا متقارب. قاله الحطاب. سند: الهدي يتعين بالتقليد أو بالإشعار أو بسوقه أو نذره وإن تأخر ذبحه، قال الحطاب: وَيُبَيِّنُ ذلك -يعني ما قدمته عنه من تقارب التقليد والوجوب- ما في بعض نسخ ابن الحاجب: ويعتبر حين الوجوب وهو حين التقليد. انتهى. وفي الخرشي: وقوله: "وتقليده"، عطف تفسير، وإذا

стр. 2937

قلد لا يباع في الديون اللاحقة، ويباع في الديون السابقة ما لم يذبح. انتهى. وعلم مما مر أن التقليد بالمعنى المتقدم يعم الغنم وغيرها. فلا يجزئ مقلد بعيب؛ يعني أنه بسبب كون الوقت المعتبر في سن الهدي وسلامته من العيب هو وقت وجوبه وتقليده؛ أي تعيينه للهدي وتمييزه عن غيره، لا يجزئ هدي قلد أي عين للهدي معيبا أو غير بالغ السن المجزئة، ولو زال عيبه أو بلغ السن قبل الذبح، وإنما لم يجز لأنه وقت الوجوب وهو التقليد أي التعيين للهدي بصفة ما لا يجزئ، وإلى هذا أشار بقوله: ولو سلم؛ أي لا يجزئ إذا كان حين التعين للهدي معيبا، ولو طرأت له السلامة من العيب بعد ذلك قبل الذبح أو النحر بأن زال عيبه قبل التزكية، كما لو سمن بعد أن كان هزيلا، وقوله: "مقلدا"، بفتح اللام والباءُ في قوله: "بعيب" للمصاحبة؛ أي قلد الهدي مصاحبا للعيب، وقوله: "فلا يجزئ" الخ، خاص بالواجب والنذر المضمون، وقد علمت أن ما ذكره المصنف من أن المعتبر وقت الوجوب هو المشهور، وعلى مقابله يجزئ الهدي إذا قلد وهو معيب، أو لم يبلغ السن المجزئة وزال عنه العيب قبل التذكية، أو بلغ السن المجزئة قبلها. اللخمي: وإذا سيق الهدي عن واجب لم تبرأ الذمة إلا ببلوغه محله، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فإن ضل أو سرق أو هلك أو عطب قبل بلوغه لم يجزه، وإن قلد وأشعر عن واجب وهو هزيل أو معيب مضى هديا ولم يجزه، وكذلك إذا سمن أو ذهب العيب لأنه قد وجب بالتقليد والإشعار، وعلى القول بأن الهدي لا يجب بذلك يكون له رده وبيعه إذا لم يزل العيب، وإن زال العيب أجزأه. انتهى. قاله الشارح. وقال الحطاب عند قوله "فلا يجزئ مقلد بعيب ولو سلم": أي فبسبب أن المعتبر حين وجوبه وتقليده لا يجزئ المقلد بالعيب ولو سلم بعد التقليد وقبل نحره؛ لأنه أوجبها معيبة ناقصة عن الإجزاء، ويجب عليه بدله إن كان مضمونا، بخلاف ما لو قلده سالما ثم طرأ له العيب، فإنه يجزئه لأنه أوجبها سالمة مجزئة، وهذا معنى قولها: ومن قلد هديا وأشره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه، وعليه بدله إن كان مضمونا، ولو قلده سالما ثم حدث له ذلك قبل محله أجزأه. انتهى.

стр. 2938

ابن حبيب: ولو قلد هديا سمينا فوجده أعجف، فإن كان العجف يحدث في مثل مسافته أجزأه، وإن كان لا يعجف في مثلها لم يجزه في الواجب، ولو أشعره أعجف ونحره سمينا، فإن كان لا يسمن في مثل مسافته أجزأه، وإن كان يسمن في مثلها فأحب إلينا أن يبدله لما يخشى أن يكون حدث سمنه. قاله ابن الماجشون. نقله الشارح. وقال عبد الباقي: فلا يجزئ هدي واجب أو منذور مضمون مقلد بعيب، ولا ما لم يبلغ السن، ولو سلم أو بلغ السن المجزئ قبل الذبح، بخلاف عيب لا يمنع الإجزاء فيجزئ كعيب يمنعه في متطوع به أو منذور معين، ثم يجب إنفاذ ما قلد معيبا هديا لوجوبه بالتقليد، سواء كان واجبا أو غيره، وسواء كان عيبه يمنع الإجزاء أم لا. بخلاف عكسه؛ يعني أنه إذا قلد الهدي سليما ثم تعيب بعد ذلك فإنه يجزئه، ولا فرق في ذلك بين المتطوع به والواجب على المشهور وهو مذهب المدونة، ولهذا كان قوله: إن تطوع به؛ أي بالهدي خلاف المعتمد، فإن مقتضاه بحسب ظاهره أن محل إجزاء الهدي إذا قلد سليما وطرأ له العيب، إنما هو في ما إذا كان الهدي متطوعا به، وأما الواجب فلا يجزئ، وليس كذلك إذ المعتمد أنه يجزئ في الواجب أيضا، وقول المصنف: "بخلاف عكسه"، مقيد بما إذا تعيب من غير تعديه ولا تفريطه، فإن كان بتعد منه أو تفريط ضمن كما في الحطاب عن الطراز، ومقيد أيضا بما إذا لم يمنع التعيب بلوغ المحل، ولو منعه كعطب أو سرقة لم يجزه الهدي الواجب والنذر المضمون كما يأتي. قاله البناني. وأرشه؛ أي هدي التطوع؛ يعني أنه إذا اشترى هديا وقلده ثم اطلع على عيب فيه قديم يمنع الإجزاء أم لا، فإنه يتعين هديا، ولا يجوز له رده على بائعه ولا بيعه ثم ينظر، فإن كان تطوعا وكذا لو كان منذورا معينا، فإنه يرجع بأرش العيب، فإن بلغ ثمن هدي اشترى به هديا، وقوله: "وأرشه"، مبتدأ وخبره المجرور الآتي أعني قوله: "في هدي". وثمنه؛ أي هدي التطوع؛ يعني أنه إذا اشترى هديا وقلده ثم استحق من يده فإنه يرجع بالثمن على بائعه، فإن بلغ ثمن هدي اشترى به هديا، وقوله: "ثمنه"، عطف على قوله: "وأرشه".

стр. 2939

في هدي؛ أي يجعل الأرش في هدي يشترى به، وكذا الثمن كما مر. وهذا إن بلغ؛ يعني أن محل شراء الهدي بالأرش والثمن حيث بلغ ما يشترى به هدي، وإلا يبلغ كل من الأرش والثمن ثمن هدي تصدق به؛ أي بما ذكر من ثمن الهدي المستحق وأرش العيب. تنبيه: قد مر الاعتراض على قول المصنف: "إن تطوع به"، وقد شرحت كلامه على ظاهره، قال عبد الباقي: وأجيب عن المصنف بثلاثة أجوبة، أحدها للمواق: أن هنا واوًا نقصت من الكاتب، وعلى هذا فقوله: "وأرشه" صوابه بالفاء، فيكون جواب الشرط، وهو من تتمة قوله: "فلا يجزئ مقلد بعيب"، والمعنى على هذا أنه إذا اشترى هديا وقلده ثم اطلع على عيب فيه قديم -وقلنا إنه لا يجزئه- فإنه يتعين هديا، ولا يجوز رده ولا بيعه على المشهور، ثم ينظر فإن كان تطوعا أو منذورا معينا فإنه يرجع بأرش العيب، فإن بلغ ثمن هدي اشترى به هديا، وقوله: "وثمنه"، معناه أنه إذا اشترى هديا وقلده ثم استحق من يده، فإنه يرجع بالثمن على بائعه إن كان قد أخذ، فيشتري به هديا إن بلغ ثمن هدي، فإن لم يبلغ ما ذكر من الأرش والثمن ثمن هدي تصدق به هذا هو معنى المصنف على الجواب الأول. ثانيها: أن قوله: "إن تطوع به"، مقدم عن محله، والأصل: وأرشه وثمنه في هدي إن بلغ وإلا تصدق به إن تطوع به وفي الفرض الخ، وعلى هذا فهو مرتب أيضا على قوله: "فلا يجزئه مقلد بعيب"، كما في الوجه الأول، فمؤدى الوجهين واحد. ثالثها: لجد علي الأجهوري، وهو إبقاءُ قول المصنف على ظاهره، ويحمل قوله: "بخلاف عكسه"، على من قلد هديا يظنه سليما فتبين أنه معيب، فإنه يجزئ في التطوع دون الواجب. انتهى. قال محمد بن الحسن بناني: هذا الجواب -يعني جواب الأجهوري- لا يصح؛ لأن حمل كلام المؤلف على هذه الصورة يقتضي أن قوله: "فلا يجزئ مقلد" الخ، عام في التطوع وغيره، وليس كذلك لما تقدم أنه خاص بالواجب والنذر المضمون. فتأمله. وقد اقتصر الحطاب على الجوابين الأولين واستقرب الثاني منهما. انتهى. وفي الفرض يستعين بهما في غير، هذا مفهوم قوله: "إن تطوع به"؛ يعني أن ما تقدم هو حكم الهدي المتطوع به أو المنذور المعين، وأما المأخوذ من أرش أو ثمن في استحقاق أو تعييب الهدي

стр. 2940

الفرض الأصلي أو المنذور المضمون فإنه عليه بدله، ويستعين بالأرش وبثمن المستحق في البدل. قاله في التوضيح. قاله الحطاب. وقال بعد أن شرح قوله: "وأرشه وثمنه في هدي إن بلغ وإلا تصدق به وفي الفرض يستعين به في غير" انتهى. هذا إذا كان العيب يمنع الإجزاء، وإن كان العيب لا يمنع الإجزاء فيستحب له أن يجعل ما يأخذه عن العيب في هدي، وفي شرح عبد الباقي عند قوله: "يستعين به في غير"، وهذا في عيب يمنع الإجزاء، فإن لم يمنعه فكالتطوع يجعل في هدي إن بلغ وإلا تصدق به. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله: فإن لم يمنعه فكالتطوع الخ، يشمل العيب الخفيف مطلقا والعيب الطارئ بعد التقليد؛ لأنه بطروه لا يمنع الإجزاء. ويتحصل من كلامهم هنا أربع صور؛ لأن الهدي إما تطوع ومثله النذر المعين، وإما واجب ومثله النذر المضمون، وكل منهما إما أن يمنع العيب الإجزاء أم لا، ومحل التفصيل إذا كان الهدي واجبا، والعيب يمنع الإجزاء لكونه شديدا متقدما على التقليد. انتهى. وأما ما لا يمنع الإجزاء فلا فرق فيه بين هدي التطوع والواجب. انتهى. وحاصل هذا الحاصل أن هدي التطوع أو المنذور المعين يشترى بما يؤخذ فيه من أرش عيب أو ثمن مستحق هديٌ إن بلغ كل ثمن هدي، وإلا تصدق به سواء كان العيب يمنع الإجزاء أم لا، وأما الهدي الواجب الأصلي والمنذور غير المعين فإنه عليه بدل كل، ويستعين بالأرش وثمن المستحق في البدل، هذا إذا كان العيب يمنع الإجزاء، فإن لم يمنعه فكالتطوع يجعل في هدي إن بلغ وإلا تصدق به. تنبيه: قال في التوضيح: وحكم أرش الجناية كحكم أرش العيب. التونسي: ولو جنى على الهدي جناية لم تتلف نفسه وتنقصه كثيرا ويمكن معها وصوله حتى ينحر في محله فما أغرمه إلا ما نقص، ولو كانت تؤدي لعدم وصوله لكان كأنه قتله فعليه جميع قيمته، وإذا غرم الجاني قيمته فالظاهر أن له بيع لحمه كما يظهر ذلك من كلام صاحب الطراز؛ لأنه يقول: لست أنا الذي تقربت به، وإذا عين هديا من الإبل ثم اطلع على أن فيه قبل التقليد عيبا. وقلنا: يجب عليه بدله، فهل يجزئه أن يبدله بأدنى أو بمثل ما عين؟ فالأحسن أن يبدله بمثل ما عين،

стр. 2941

والواجب أن يجزئه ما كان يجزئ أولا. قاله سند فيما إذا عطب الهدي الواجب قبل محله والبابان واحد. قاله الحطاب. وقال: وإذا قلد هديا ثم وجده معيبا فتعدى وذبحه فإنه يضمنه بهدي لا عيب فيه. انتهى. وَسُنَّ إشْعَارُ سُنُمها؛ أي الإبل يعني أنه يسن إشعار سنم الإبل؛ التي جعلت هدايا، والسنم بضم السين والنون جمع سنام، فإذا كان للهدي سنام فإنه يسن أن يشعر سنامه، وإشعار السنام هو شقه، واقتضى كلام المصنف أنه إذا لم يكن للهدي من الإبل سنام فإنه لا يشعر، ورواه محمد وشهر لأنه تعذيب قوي، وفي المدونة خلاف ذلك، وأنه يشعر ما لا سنام له من الإبل إذا كان هديا، وظاهر كلامهم أن ماله سنامان يشعر في سنام واحد، وقد مر أن الضمير في سنمها للإبل، والدليل على ذلك ذكره البقر والغنم بعدُ ابن عرفة. الإشعار شق يسيل دما، والمراد بالسنة هنا ما قابل الواجب والمندوب. من الأيسر؛ يعني أن الإشعار؛ وهو شق يسيل دما كما مر عن ابن عرفة يكون في الجانب الأيسر من السنام، ولفظ المناسك أن يشق من سنامها الأيسر، وقيل: الأيمن من نحو الرقبة إلى المؤخر، وقيل: طولا قدر أنملتين ونحو ذلك، وقال ابن عرفة: وفي أولوية الإشعار في الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها أنه سنة في الأيسر، ورابعها: هما سواء. انتهى. وعلم من أول الحل أن من في قوله: "من الأيسر"، بمعنى في واللام في قوله: للرقبة، بمعنى: من؛ يعني أن الإشعار يبدأ به من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر لا من الموخر إلى جهة الرقبة، ولا من المقدم إلى جهة ركبتي البعير، وقد مر أن "من" في قوله: "من الأيسر"، بمعنى في، وأن اللام في قوله: "للرقبة"، بمعنى: من، فالأول كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي في الأرض، والثاني كقول الشاعر: لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل أي منكم، قال عبد الباقي: ولا بد في الندب من أن يسيل الدم. وفي الحطاب: أن الإشعار أن يقطع في أعلى السنام قطعا يشق الجلد، ويدمى من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب قدر أنملتين في الطول. انتهى. وهو بحسب ظاهره يعطي أن هذه الكيفية هي السنة. والله سبحانه أعلم. وما مر من أن الإشعار من الرقبة للمؤخر هو المشهور، وقال ابن حبيب: يشعر طولا مسميا؛ يعني أنه

стр. 2942

يستحب للمشعر أن يسمى الله تعالى حالة الإشعار، لما في الموطأ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (بسم الله والله أكبر (١)). الأبهري وابن رشد وغيرهما: والسنة أن يستقبل هو والهدي حال الإشعار القبلة، ويشعر بيمينه وخطام الهدي في يساره، فإذا فعل ذلك وقع الإشعار في الجانب الأيسر. نقله الشارح. وقال ابن جماعة: وتشعر قياما مستقبلة القبلة في جانبها الأيسر في أعلى الأسنمة قطعا (٢) يشق الجلد، ويدمي من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب في الأسنمة خاصة. انتهى. نقله الحطاب. قال: وما ذكره من أنها تشعر قياما غريب؛ لأن ذلك غير ممكن والله أعلم. انتهى. وقوله: "وسن إشعار"، ويشعر من يصح نحره، فإن أشعر من لم يصح نحره لم تحصل تلك السنة في هذا الهدي، وهل يسن لربها فيه إعادته أم لا لزيادة التعذيب؟ قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه يسن لربها إشعارها؛ لأن الأمر به ثابت، فكيف يسقط بما هو كالعدم؟ والله سبحانه أعلم. وتقليد؛ يعني أنه يسن تقليد الهدي وهو تعليق شيء في العنق، وكان الأولى تقديم هذه في الذكر؛ لأن السنة تقديمه في الفعل على الإشعار خوفا من نفورها لو أشعرت أولا، وكأنه اعتمد على قوله فيما مر: "وتقليد هدي ثم إشعاره"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو متوجه للقبلة، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر، وكان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره، قال: بسم الله والله أكبر. واعلم أن الهدي منه ما يقلد ويشعر، ومنه ما يقلد فقط، ومنه ما لا يقلد ولا يشعر، فلهذا التفصيل ذكر هنا ما أجمله فيما مر، وزمن التقليد والهدي عند الإحرام؛ لأنه سبب الهدي إلا أن يكون الهدي لا يجب إلا بعد الإحرام فلا يقلد ولا يشعر إلا بعده أي يكره قبله على المعتمد. ابن عرفة: يستحب لسائقه فعلهما من ميقاته ولباعثه من حيث بعثه، وفي كراهة فعلهما بذي الحليفة مؤخرا إحرامه للجحفة نقلا الباجي سماع ابن القاسم مع رواية محمد، ورواية داود بن سعيد: لا

стр. 2943

بأس به، وفعلهما بمكان واحد أحب إلي. وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ثم أشعرها وقلدها (١)). نقله الشارح. وندب نعلان؛ يعني أنه يستحب لمن قلد هديه أن يقلده بنعلين، والنعل الواحد مجزئ، بنبات الأرض، مندوب ثان. قاله غير واحد؛ يعني أنه يستحب أن يعلق النعلين أو النعل بحبل من نبات الأرض، فلا يجعل من الأوتار ولا من الشعر وما أشبه ذلك مخافة أن يحبس في غصن شجرة عند رعيها، فيؤدي ذلك إلى اختناقها، والحبل من نبات الأرض يمكنها قطعه ولذلك ينبغي أن يكون غير قوي، وفائدة التقليد أن يعلم بذلك المساكين فيجتمعون له، وقيل: ليلا تضيع فيعلم أنها من الهدايا فترد، ولم يكتف بالتقليد لأنه بصدد الزوال. وفي العتبية: لا يقلد ولا يشر إلا من ينحر، فلا تقلد امراة تجد رجلا يقلد ويشر لها، والظاهر أن العلة أي علة كراهة إشعار المرأة الأنوثة، وكونه بنبات الأرض هو المشهور. وقال ابن حبيب: لا فرق بين نبات الأرض وغيره، واختاره اللخمي لما في بعض الأحاديث (أن قلائد هدي رسول الله ﷺ كانت من عهن (٢))، وحكى ابنِ شأس قولا بكراهة التقليد بالنعال والأوتار، ونحوه لابن بشير. قاله الشارح. وتجليلها، عطف على المندوب، والتجليل هو أن يجعل عليها شيئا من الثياب بقدر وسعه، فالتجليل إلباسها الجلال، جمع جل بضم الجيم، وجمع الجلال أجلة؛ يعني أن تجليل البدن فقط مندوب، ففي التوضيح: إنما تجلل البدن دون البقر والغنم، وقد جاء أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يجلل بُدنه بالقباطي والأنماط والجلل، ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها، وما ذكره المصنف من ندب تجليل البدن نحوه في البيان. وفي المدونة: ويجلل إن شاء، ونحوه لابن الحاجب، وفي الخرشي: ويستحب أن تجلل الهدايا لأن ذلك أبهى لها ويكون ذلك كله للمساكين. وشقها؛ يعني أنه يستحب أن يشق الجلال عن الأسنمة مخافة السقوط، ومحل ذلك إن لم ترتفع الجلال؛ يعني أن محل ندب شق الجلال عن الأسنمة إنما هو حيث لم ترتفع أثمان الجلال بأن

стр. 2944

قل ثمنها مثل الدرهمين، وأما إن ارتفعت أثمانها بأن زادت على درهمين فإنه لا يشقها ليلا يفسدها على المساكين؛ ولأن فيه إضاعته لما لهم، ويندب تأخير تجليلها إلى وقت الغدو من منى إلى عرفة، وفي المدونة: وأما من أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده ثم يشعره ثم يجلله إن شاء، وكل ذلك واسع. وفي الموطإ: والبياض أحب إلي. نقله الخرشي. وقلدت البقر؛ يعني أن البقر تقلد أي يسن تقليدها فيما يظهر. قاله عبد الباقي. وقوله: فقط، معناه أن البقر لا تشعر مع التقليد، وإنما يفعل لها التقليد دون الإشعار إلا بأسنمة؛ يعني أن البقر إذا كان له أسنمة فإنه يشعر ويقلد، فيفعل به الأمران معا، وهل يجلل أم لا؟ قولان، الأول نقله الأبي عن المازري، والثاني نقله الباجي عن المبسوط. فقول عبد الباقي عن الشيخ سالم: وانظر هل تجلل حينئذ أم لا؟ قصورٌ. قاله البناني. والله سبحانه أعلم. وعزا ابن عرفة للمدونة أن البقر لا تشعر مطلقا كانت ذات أسنمة أم لا، وتعقبه الرماصي بقولها: وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن تكون لها أسنمة فتشعر. انتهى. لا الغنم؛ يعني أن الغنم لا تشعر ولا تقلد، فالأول حرام لأنه تعذيب فأصله المنع في غير ما ورد فيه النص، والثاني يكره كما في الخرشي، قال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: ولا تقلد الغنم ولا تشعر ولا تساق في الهدي إلا من عرفة؛ لأنها تضعف عن قطع المسافة الطويلة. نقله الإمام الحطاب. والحاصل أن الإبل تقلد وتشعر وتجلل فوقت التقليد والإشعار عند الإحرام إلا أن يكون الهدي لا يجب إلا بعد الإحرام فلا يقلد ولا يشعر إلا بعده؛ أي يكره قبله على المعتمد، ويفعل التقليد قبل الإشعار، ويندب تأخير التجليل إلى وقت الغدو من منى إلى عرفة، وهل تشعر الإبل مطلقا كان لها سنام أم لا تشعر إلا إذا كان لها سنام؟ الأول للمدونة، والثاني رواه محمد وشهر، وأن البقر يقلد فقط إن لم يكن له سنام، فإن كان له سنام قلد وأشعر وهل يجلل أم لا قولان؟ وأما الغنم فلا تقلد ولا تشعر بل تساق للهدي ولكن لا تساق في الهدي إلا من عرفة لأنها تضعف عن قطع المسافة الطويلة. والله أعلم.

стр. 2945

وفي الشارح: ولا خلاف أن الغنم لا تشعر، وهل تقلد أم لا؟ المشهور أنها لا تقلد خلافا لابن حبيب لما في مسلم عن عائشة (أنه ﵊ أهدى إلى البيت غنما فقلدها (١))، وقد سبق أن الإبل إذا كان لها أسنمة تشعر وتقلد بلا خلاف، وكذا إن لم يكن لها أسنمة خلافا لما رواه محمد عن مالك. انتهى. ولما كان منع الأكل من الهدي ونحوه على أربعة أقسام، أشار إلى الأول منها بقوله: ولم يؤكل من نذر مساكين عين مطلقا؛ يعني أن الهدي ونحوه في الأكل منه وعدمه على أربعة أقسام: قسم لا يؤكل منه مطلقا قبل المحل وبعده، وقسم يؤكل منه مطلقا، وقسم يؤكل منه قبل لا بعد، وقسم عكسه. فالأول وهو الذي لا يؤكل منه مطلقا عطب قبل المحل أو بعده هو أن ينذر للمساكين هديا يعينه لهم باللفظ أو بالنية سواء كان المساكين معينين أو لا، ويحرم على المتقرب به ورسوله وما مورهما ممن ليس مستحقا الأكل منه مطلقا، سواء بلغ محله وهو منى بشروطها، وإلا فمكة حيث سلم، أو لم يبلغ محله بأن عطب قبل وصوله للمحل، أما عدم الأكل منه قبل وصوله للمحل فلأنه غير مضمون، وأما بعد المحل فلأنه قد عين آكله وهم المساكين. قال عبد الباقي: ومثله هدي التطوع إذا جعل للمساكين بالنية أو باللفظ عين أم لا والفدية إن لم تجعل هديا، فهذه الثلاثة يحرم على مهديها الأكل منها مطلقا. انتهى. قال محمد بن الحسن في قوله: ومثله هدي التطوع الخ، الصواب إسقاط هذا والذي بعده، أما هدي التطوع فلأنه لم أر فيه التفصيل الذي ذكره بل كل من ذكره إنما يجعله من القسم الرابع كالمصنف، على أن ما فصله فيه غير صحيح، وذلك أنه إن سماه للمساكين باللفظ، كهذا هدي للمساكين صار نذرا لا تطوعا؛ لأنه سيأتي أن النذر لا يختص بصيغة: لله علي، وقد قالوا في نحو: أنا محرم ومالي في سبيل الله، إنه نذر، وإن سماه لهم بالنية جرى على الخلاف الآتي في انعقاد اليمين بالنية، ثم إن كان نذرا جرى على حكمه وإلا فهو على حكم التطوع، وأما الفدية إذا لم تجعل هديا فلأنها لما كانت لا تختص بمكان بل حيثما ذبحت فذلك محلها لا يتصور فيها ذبح إلا بعد المحل، فهي داخلة في قول المصنف: "والفدية والجزاء بعد المحل"، ولذلك أطلق فيها.
следующие страницы →