والواجب أن يجزئه ما كان يجزئ أولا. قاله سند فيما إذا عطب الهدي الواجب قبل محله والبابان واحد. قاله الحطاب. وقال: وإذا قلد هديا ثم وجده معيبا فتعدى وذبحه فإنه يضمنه بهدي لا عيب فيه. انتهى.
وَسُنَّ إشْعَارُ سُنُمها؛ أي الإبل يعني أنه يسن إشعار سنم الإبل؛ التي جعلت هدايا، والسنم بضم السين والنون جمع سنام، فإذا كان للهدي سنام فإنه يسن أن يشعر سنامه، وإشعار السنام هو شقه، واقتضى كلام المصنف أنه إذا لم يكن للهدي من الإبل سنام فإنه لا يشعر، ورواه محمد وشهر لأنه تعذيب قوي، وفي المدونة خلاف ذلك، وأنه يشعر ما لا سنام له من الإبل إذا كان هديا، وظاهر كلامهم أن ماله سنامان يشعر في سنام واحد، وقد مر أن الضمير في سنمها للإبل، والدليل على ذلك ذكره البقر والغنم بعدُ ابن عرفة. الإشعار شق يسيل دما، والمراد بالسنة هنا ما قابل الواجب والمندوب.
من الأيسر؛ يعني أن الإشعار؛ وهو شق يسيل دما كما مر عن ابن عرفة يكون في الجانب الأيسر من السنام، ولفظ المناسك أن يشق من سنامها الأيسر، وقيل: الأيمن من نحو الرقبة إلى المؤخر، وقيل: طولا قدر أنملتين ونحو ذلك، وقال ابن عرفة: وفي أولوية الإشعار في الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها أنه سنة في الأيسر، ورابعها: هما سواء. انتهى. وعلم من أول الحل أن من في قوله: "من الأيسر"، بمعنى في واللام في قوله: للرقبة، بمعنى: من؛ يعني أن الإشعار يبدأ به من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر لا من الموخر إلى جهة الرقبة، ولا من المقدم إلى جهة ركبتي البعير، وقد مر أن "من" في قوله: "من الأيسر"، بمعنى في، وأن اللام في قوله: "للرقبة"، بمعنى: من، فالأول كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي في الأرض، والثاني كقول الشاعر:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي منكم، قال عبد الباقي: ولا بد في الندب من أن يسيل الدم. وفي الحطاب: أن الإشعار أن يقطع في أعلى السنام قطعا يشق الجلد، ويدمى من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب قدر أنملتين في الطول. انتهى. وهو بحسب ظاهره يعطي أن هذه الكيفية هي السنة. والله سبحانه أعلم. وما مر من أن الإشعار من الرقبة للمؤخر هو المشهور، وقال ابن حبيب: يشعر طولا مسميا؛ يعني أنه
стр. 2942
يستحب للمشعر أن يسمى الله تعالى حالة الإشعار، لما في الموطأ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (بسم الله والله أكبر (١)). الأبهري وابن رشد وغيرهما: والسنة أن يستقبل هو والهدي حال الإشعار القبلة، ويشعر بيمينه وخطام الهدي في يساره، فإذا فعل ذلك وقع الإشعار في الجانب الأيسر. نقله الشارح. وقال ابن جماعة: وتشعر قياما مستقبلة القبلة في جانبها الأيسر في أعلى الأسنمة قطعا (٢) يشق الجلد، ويدمي من ناحية الرقبة إلى ناحية الذنب في الأسنمة خاصة. انتهى. نقله الحطاب. قال: وما ذكره من أنها تشعر قياما غريب؛ لأن ذلك غير ممكن والله أعلم. انتهى. وقوله: "وسن إشعار"، ويشعر من يصح نحره، فإن أشعر من لم يصح نحره لم تحصل تلك السنة في هذا الهدي، وهل يسن لربها فيه إعادته أم لا لزيادة التعذيب؟ قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه يسن لربها إشعارها؛ لأن الأمر به ثابت، فكيف يسقط بما هو كالعدم؟ والله سبحانه أعلم.
وتقليد؛ يعني أنه يسن تقليد الهدي وهو تعليق شيء في العنق، وكان الأولى تقديم هذه في الذكر؛ لأن السنة تقديمه في الفعل على الإشعار خوفا من نفورها لو أشعرت أولا، وكأنه اعتمد على قوله فيما مر: "وتقليد هدي ثم إشعاره"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أهدى من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو متوجه للقبلة، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر، وكان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره، قال: بسم الله والله أكبر.
واعلم أن الهدي منه ما يقلد ويشعر، ومنه ما يقلد فقط، ومنه ما لا يقلد ولا يشعر، فلهذا التفصيل ذكر هنا ما أجمله فيما مر، وزمن التقليد والهدي عند الإحرام؛ لأنه سبب الهدي إلا أن يكون الهدي لا يجب إلا بعد الإحرام فلا يقلد ولا يشعر إلا بعده أي يكره قبله على المعتمد. ابن عرفة: يستحب لسائقه فعلهما من ميقاته ولباعثه من حيث بعثه، وفي كراهة فعلهما بذي الحليفة مؤخرا إحرامه للجحفة نقلا الباجي سماع ابن القاسم مع رواية محمد، ورواية داود بن سعيد: لا
стр. 2943
بأس به، وفعلهما بمكان واحد أحب إلي. وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (فتلت قلائد هدي النبي ﷺ ثم أشعرها وقلدها (١)). نقله الشارح.
وندب نعلان؛ يعني أنه يستحب لمن قلد هديه أن يقلده بنعلين، والنعل الواحد مجزئ، بنبات الأرض، مندوب ثان. قاله غير واحد؛ يعني أنه يستحب أن يعلق النعلين أو النعل بحبل من نبات الأرض، فلا يجعل من الأوتار ولا من الشعر وما أشبه ذلك مخافة أن يحبس في غصن شجرة عند رعيها، فيؤدي ذلك إلى اختناقها، والحبل من نبات الأرض يمكنها قطعه ولذلك ينبغي أن يكون غير قوي، وفائدة التقليد أن يعلم بذلك المساكين فيجتمعون له، وقيل: ليلا تضيع فيعلم أنها من الهدايا فترد، ولم يكتف بالتقليد لأنه بصدد الزوال. وفي العتبية: لا يقلد ولا يشر إلا من ينحر، فلا تقلد امراة تجد رجلا يقلد ويشر لها، والظاهر أن العلة أي علة كراهة إشعار المرأة الأنوثة، وكونه بنبات الأرض هو المشهور. وقال ابن حبيب: لا فرق بين نبات الأرض وغيره، واختاره اللخمي لما في بعض الأحاديث (أن قلائد هدي رسول الله ﷺ كانت من عهن (٢))، وحكى ابنِ شأس قولا بكراهة التقليد بالنعال والأوتار، ونحوه لابن بشير. قاله الشارح.
وتجليلها، عطف على المندوب، والتجليل هو أن يجعل عليها شيئا من الثياب بقدر وسعه، فالتجليل إلباسها الجلال، جمع جل بضم الجيم، وجمع الجلال أجلة؛ يعني أن تجليل البدن فقط مندوب، ففي التوضيح: إنما تجلل البدن دون البقر والغنم، وقد جاء أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يجلل بُدنه بالقباطي والأنماط والجلل، ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها، وما ذكره المصنف من ندب تجليل البدن نحوه في البيان. وفي المدونة: ويجلل إن شاء، ونحوه لابن الحاجب، وفي الخرشي: ويستحب أن تجلل الهدايا لأن ذلك أبهى لها ويكون ذلك كله للمساكين.
وشقها؛ يعني أنه يستحب أن يشق الجلال عن الأسنمة مخافة السقوط، ومحل ذلك إن لم ترتفع الجلال؛ يعني أن محل ندب شق الجلال عن الأسنمة إنما هو حيث لم ترتفع أثمان الجلال بأن
стр. 2944
قل ثمنها مثل الدرهمين، وأما إن ارتفعت أثمانها بأن زادت على درهمين فإنه لا يشقها ليلا يفسدها على المساكين؛ ولأن فيه إضاعته لما لهم، ويندب تأخير تجليلها إلى وقت الغدو من منى إلى عرفة، وفي المدونة: وأما من أراد الإحرام ومعه هدي فليقلده ثم يشعره ثم يجلله إن شاء، وكل ذلك واسع. وفي الموطإ: والبياض أحب إلي. نقله الخرشي.
وقلدت البقر؛ يعني أن البقر تقلد أي يسن تقليدها فيما يظهر. قاله عبد الباقي. وقوله: فقط، معناه أن البقر لا تشعر مع التقليد، وإنما يفعل لها التقليد دون الإشعار إلا بأسنمة؛ يعني أن البقر إذا كان له أسنمة فإنه يشعر ويقلد، فيفعل به الأمران معا، وهل يجلل أم لا؟ قولان، الأول نقله الأبي عن المازري، والثاني نقله الباجي عن المبسوط. فقول عبد الباقي عن الشيخ سالم: وانظر هل تجلل حينئذ أم لا؟ قصورٌ. قاله البناني. والله سبحانه أعلم. وعزا ابن عرفة للمدونة أن البقر لا تشعر مطلقا كانت ذات أسنمة أم لا، وتعقبه الرماصي بقولها: وتقلد البقر ولا تشعر إلا أن تكون لها أسنمة فتشعر. انتهى.
لا الغنم؛ يعني أن الغنم لا تشعر ولا تقلد، فالأول حرام لأنه تعذيب فأصله المنع في غير ما ورد فيه النص، والثاني يكره كما في الخرشي، قال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: ولا تقلد الغنم ولا تشعر ولا تساق في الهدي إلا من عرفة؛ لأنها تضعف عن قطع المسافة الطويلة. نقله الإمام الحطاب.
والحاصل أن الإبل تقلد وتشعر وتجلل فوقت التقليد والإشعار عند الإحرام إلا أن يكون الهدي لا يجب إلا بعد الإحرام فلا يقلد ولا يشعر إلا بعده؛ أي يكره قبله على المعتمد، ويفعل التقليد قبل الإشعار، ويندب تأخير التجليل إلى وقت الغدو من منى إلى عرفة، وهل تشعر الإبل مطلقا كان لها سنام أم لا تشعر إلا إذا كان لها سنام؟ الأول للمدونة، والثاني رواه محمد وشهر، وأن البقر يقلد فقط إن لم يكن له سنام، فإن كان له سنام قلد وأشعر وهل يجلل أم لا قولان؟ وأما الغنم فلا تقلد ولا تشعر بل تساق للهدي ولكن لا تساق في الهدي إلا من عرفة لأنها تضعف عن قطع المسافة الطويلة. والله أعلم.
стр. 2945
وفي الشارح: ولا خلاف أن الغنم لا تشعر، وهل تقلد أم لا؟ المشهور أنها لا تقلد خلافا لابن حبيب لما في مسلم عن عائشة (أنه ﵊ أهدى إلى البيت غنما فقلدها (١))، وقد سبق أن الإبل إذا كان لها أسنمة تشعر وتقلد بلا خلاف، وكذا إن لم يكن لها أسنمة خلافا لما رواه محمد عن مالك. انتهى.
ولما كان منع الأكل من الهدي ونحوه على أربعة أقسام، أشار إلى الأول منها بقوله: ولم يؤكل من نذر مساكين عين مطلقا؛ يعني أن الهدي ونحوه في الأكل منه وعدمه على أربعة أقسام: قسم لا يؤكل منه مطلقا قبل المحل وبعده، وقسم يؤكل منه مطلقا، وقسم يؤكل منه قبل لا بعد، وقسم عكسه. فالأول وهو الذي لا يؤكل منه مطلقا عطب قبل المحل أو بعده هو أن ينذر للمساكين هديا يعينه لهم باللفظ أو بالنية سواء كان المساكين معينين أو لا، ويحرم على المتقرب به ورسوله وما مورهما ممن ليس مستحقا الأكل منه مطلقا، سواء بلغ محله وهو منى بشروطها، وإلا فمكة حيث سلم، أو لم يبلغ محله بأن عطب قبل وصوله للمحل، أما عدم الأكل منه قبل وصوله للمحل فلأنه غير مضمون، وأما بعد المحل فلأنه قد عين آكله وهم المساكين.
قال عبد الباقي: ومثله هدي التطوع إذا جعل للمساكين بالنية أو باللفظ عين أم لا والفدية إن لم تجعل هديا، فهذه الثلاثة يحرم على مهديها الأكل منها مطلقا. انتهى. قال محمد بن الحسن في قوله: ومثله هدي التطوع الخ، الصواب إسقاط هذا والذي بعده، أما هدي التطوع فلأنه لم أر فيه التفصيل الذي ذكره بل كل من ذكره إنما يجعله من القسم الرابع كالمصنف، على أن ما فصله فيه غير صحيح، وذلك أنه إن سماه للمساكين باللفظ، كهذا هدي للمساكين صار نذرا لا تطوعا؛ لأنه سيأتي أن النذر لا يختص بصيغة: لله علي، وقد قالوا في نحو: أنا محرم ومالي في سبيل الله، إنه نذر، وإن سماه لهم بالنية جرى على الخلاف الآتي في انعقاد اليمين بالنية، ثم إن كان نذرا جرى على حكمه وإلا فهو على حكم التطوع، وأما الفدية إذا لم تجعل هديا فلأنها لما كانت لا تختص بمكان بل حيثما ذبحت فذلك محلها لا يتصور فيها ذبح إلا بعد المحل، فهي داخلة في قول المصنف: "والفدية والجزاء بعد المحل"، ولذلك أطلق فيها.
стр. 2946
وأشار إلى القسم الثاني وهو الذي يؤكل منه مطلقا عطب قبل المحل أو بعده بقوله: عكس الجميع؛ يعني أن جميع الهدايا مما ليس معينا للمساكين، على العكس من المنذور المعين للمساكين فيجوز الأكل منها مطلقا عطب قبل المحل أو بعده، كان جميع هذه الهدايا متطوعا بها أو واجبة، وسواء منها ما تقدم ذكره كواجب لنقص لحج أو عمرة أو فوات، وتعدي ميقات وترك نزرل بعرفة نهارا وبمزدلفة ليلا، ومبيت بمنى ورمي جمار وطواف قدوم وتأخير حلاق، وكهدي فساد على المشهور. وما لم يتقدم ذكره كنذر غير معين فله الأكل منها مطلقا، بلغت محلها أم لا ويتزود كما في التتائي الصغير، ونحوه لأحمد ولا بد أيضا أن لا يجعل غير المعين للمساكين؛ لأنه إذا جعل لهم فهو قوله الآتي: "إلا نذرا لم يعين"، فالنذر المضمون إذا لم يسمه للمساكين ولا نواه لهم يأكل منه قبل المحل إذا عطب لوجوب بدله عليه، وبعد المحل إذا سلم لأن آكله غير معين فهو على سنة الهدايا، وقد قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، والقانع هو السائل كذا فسره ابن عباس، ويقع في اللغة مرادا به من يقنع باليسير، وليس مرادا هنا لعطفه المعتر عليه وهو من يتعرض للسؤال ولا يسأل، فالأول من القنوع بمعنى السؤال، والثاني من القناعة، قال الشاعر:
لمال المرء يصلحه فيغني … مفاقره أعف من القنوع
فله إطعام الغني والقريب؛ يعني أنه بسبب هذه الإباحة المطلقة أي التي ليست مقيدة بما إذا عطب قبل المحل، ولا بما إذا سلم حتى بلغ المحل، يجوز له أن يطعم الغني والقريب وإن لزمته نفقته، وله أكل الكل والتصدق بالكل وبالبعض بلا حد على ظاهر المذهب، إلا أنه لا يدع الأكل والصدقة لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.
وكره لذمي؛ يعني أنه يكره أن يطعم ذمي منها أو يتصدق عليه بشيء منها؛ لأنه ليس من أهل القرب، واستثنى مما يؤكل منه مطلقا ما يؤكل في حال دون آخر، وتحته نوعان أشار للأول منهما وهو ثالث الأقسام أي الذي يؤكل منه قبل لا بعد بقوله: إلا نذرا لم يعين؛ يعني أنه إذا نذر نذرا للمساكين ولم يعينه بل كان مضمونا في الذمة، كلله عليه هدي للمساكين، أو لله علي هدي أو بدنة ونواه لهم فإنه لا يأكل منه بعد بلوغ محله. والفدية، عطف على المستثنى أعني
стр. 2947
"إلا نذرا"؛ أي وإلا الفدية للأذى؛ يعني أن الفدية للأذى إذا جعلت هديا كما قدمه بقوله: "إلا أن ينوي بالذبح الهدي" الخ، فإنه لا يؤكل منها بعد بلوغ محلها، فإن لم ينو بها الهدي امتنع الأكل منها بكل حال؛ لأنها حيثما ذبحت فذلك محلها لأنها لا تختص بمكان. وجزاء الصيد؛ يعني أن جزاء الصيد لا يؤكل منه بعد بلوغه للمحل.
وعلم مما قررت أن قوله: بعد المحل راجع للأمور الثلاثة المستثناة؛ أعني نذر المساكين الذي لم يعين، والفدية، وجزاء الصيد. وقوله: "بعد المحل"، المحل منى أو مكة أو ما يذبح المحصور فيه من الموضع الذي حصر فيه، وهذه الأمور الثلاثة هي أنواع القسم الثالث، وامتنع في المضمون؛ أعني المستثنى الأول لوصوله للمساكين، وفي الفدية لأنها بدل عن الترفه، فالجمع بين الأكل منها والترفه كالجمع بين العوض والمعوض، وفي الجزاء؛ لأنه قيمة متلف، وقوله: "بعد المحل"، ظرف منصب بفعل مقدر؛ أي فلا يؤكل منه في الثلاث بعد بلوغ المحل، وأما قبل المحل فيؤكل منه في الثلاث إذا عطب لوجوب بدله عليه وبعثه للمحل فلم يأكل مما وجب عليه.
وعلم من المصنف أن النذر معين ومضمون، وفي كل إما أن يسمى للمساكين لفظا أو نية، وإما لا، فالمعين إن سميَ لهم ولو نية امتنع الأكل منه مطلقا كما قدمه بقوله: "ولم يؤكل من نذر مساكين" الخ، وإن لم يسم لهم ولا نويَ امتنع قبل لا بعد، وهذا بقي على المصنف، وذكره في التوضيح عن اللخمي، ونص عليه سند، فلو قال المصنف بعد قوله: "وهدي تطوع" ونذرا عين عطبا قبل المحل، لوفى بذلك. قاله الحطاب. هذا حكم النذر المعين. وأما النذر المضمون فإن سماه للمساكين امتنع بعد لا قبل كما قال: "إلا نذرا لم يعين"، وإن لم يسم لهم ولم ينو لهم أكل منه مطلقا كما قال عكس الجميع.
وأشار للنوع الثاني من النوعين وهو القسم الرابع بقوله: وهدي تطوع إن عطب قبل محله، قوله: "وهدي"، عطف على المستثنى كما قدمته؛ أي وإلا هدي تطوع؛ يعني أن هدي التطوع إذا عطب قبل محله فإنه لا يؤكل منه لأنه غير ضامن له لو تلف، إلا أن يمكنه ذبحه فيتركه حتى يموت فيضمنه؛ لأنه مأمور بذبحه مؤتمن عليه. قاله سند. فمنع من الأكل قبله لاتهامه على عطبه،
стр. 2948
وقيل: المنع تعبد، وأما إن بلغ محله سليما فله الأكل منه، وهدي التطوع هو ما لم يجب بشيء، ولم يجعله للمساكين بلفظ ولا نية.
وتلقى قلادته بدمه؛ يعني أن هدي التطوع إذا عطب قبل محله، فإن صاحبه ينحره ويلقي قلادته بدمه لتكون قلادته الملقاة بدمه علامة لكونه هديا ولإباحة أكله. ويخلى للناس؛ يعني أنه إذا نحر هدي التطوع وألقى قلادته بدمه، فإنه يخلي بينه وبين الناس؛ أي يتركه للناس مسلمهم وكافرهم غنيهم وفقيرهم، وكلامه مفيد لأمرين إجزاؤه مع عطبه قبل المحل، وعدم أكله هو منه، وعد هذا قسما رابعا إنما هو باعتبار مفهوم الشرط، وهو أنه يأكل منه بعد حيث لم يعطب، وما ذكرته من أن هدي التطوع لا يختص بالفقير هو ظاهر المدونة، وصرح به ابن عبد السلام والتوضيح خلاف ما ذكره سند من أن هدي التطوع مختص بالفقير، ونقله الحطاب. وفي المدونة: وإن عطب هدي التطوع ألقى قلائدها في دمها إذا نحرها، ورمى عندها جلالها وخطامها، وخلى بينها وبين الناس، ولا يأمر من يأكل منها فقيرا ولا غنيا. انتهى.
قال الصرصري: قال الشيخ عن شيخه عن أبي محمد صالح: إن قولها: ألقى قلائدها في دمها، هو مقصود وذلك علامة لكونها هديا ولإباحة أكلها وليلا تباع. أبو محمد صالح: إنما قال لا يأمر من يأكل منها سدا للذريعة وحسما للباب، وذلك مخافة أن يخص بها أصحابه. انتهى. نقله العلامة الخرشي.
كرسوله، تشبيه فيما قبله من عدم الأكل وإلقاء القلادة بالدم والتخلية بينها وبين الناس؛ يعني أن رسول صاحب هدي التطوع إذا عطب الهدي المبعوث معه قبل محله، ينحره أو يذبحه، ويلقي قلادته في دمه، ويخلي بين الناس وبينه، ولا يأكل منه ولو كان فقيرا على مذهب المدونة كما حققه الرماصي والبناني. وقال سند: إن الرسول يأكل من هدي التطوع إذا عطب قبل محله إن كان فقيرا، ونصه: وكل هدي لا يأكل منه صاحبه لا يأكل منه نائبه، إلا إن كان بصفة من يستحقه، وما قررت به كلام المصنف من أنه تشبيه في ما قبله بلصقه هو المتبادر منه، ويحتمل أنه تشبيه في جميع ما تقدم من الأحكام والأفعال وهو الأظهر، قال فيها: والمبعوث معه الهدي يأكل منه إلا من الجزاء والفدية والنذر للمساكين، إلا أن يكون الرسول مسكينا فجائز أن يأكل
стр. 2949
منه. نقله عبد الباقي وغيره. قال محمد بن الحسن: هذا الذي نقله عن المدونة هو في غير ما عطب من هدي التطوع قبل محله، وفي شرح عبد الباقي عند قوله: "كرسوله": واعلم أنه يجوز الأكل فيما بينه وبين الله تعالى، وأما في الظاهر فحكمه كربه في الأكل وعدمه، إلا فيما إذا عطب الواجب قبل محله فلا يأكل منه لتهمة أن يكون عطبه بسببه، فلو قامت بينة على ذلك أو علم أن ربه لا يتهمه أو وطن نفسه على الغرم إن اتهمه جاز له الأكل. انتهى. قوله: إلا فيما إذا عطب الواجب لخ، يشمل نذرا لم يعين، والفدية منويا بها الهدي وجزاء الصيد.
وفي الطراز: فإن بلغ الهدي محله كان حكم الرسول حكم المرسل، فكل هدي يأكل منه صاحبه إذا بلغ محله فنائبه يأكل منه، وكل هدي لا يأكل منه صاحبه فنائبه لا يأكل منه إلا أن يكون بصفة مستحقه، فإن أكل السائق من الهدي إذا عطب قبل محله، فإن كان واجبا لم يجز ربه ونظرت في تضمينه فلا يقبل فيه مجرد قوله لما أكل، ولو لم يأكل قبل، فإن شهد له أحد من رفقته نظرت، فإن أكل من الهدي لم تقبل شهادته للتهمة ولأنه يثبت لنفسه أنه ما أكل إلا مباحا؛ إذ هو ممنوع أن يأكل منه إذا نحر بغير خوف، إلا أنه لا يضمن لأن الرسول يزعم أنه ما أكل إلا بوجه جائز، فيضمن السائق والحالة هذه. ولا يرجع على أحد ممن أطعمه، ويضمن قيمة الهدي وقت نحره لا هديا مكانه، وإنما يضمن الهديَ يهَدْيِ رَبُّه فقط، وإن كان تطوعا فليس على ربه إلا هدي بقيمة ما رجع به، وإن كان واجبا فعليه هدي بأصل ما وجب عليه. نقله الحطاب.
وقوله: "كرسوله"، قال في الموطإ: إن الذي بعث معه رسول الله ﷺ هديه، قال يا رسول الله: كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال رسول الله ﷺ : (كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق قلائدها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها (١))، قالوا: وهو هدى تطوع. انتهى. نقله الشارح.
وضمن في غير الرسول بأمره بأخذ شيء؛ يعني أن صاحب الهدي التطوع إذا عطب قبل محله مأمور بأن يخلي بينه وبين الناس ولا يأمر أحدا بأخذ شيء منه كما مر، فإن أمر أحدا بأخذ شيء فإنه يضمن بدل الهدي، كما يضمن إذا أكل منه، وهذا الضمان إنما هو في رب الهدي، وأما الرسول فإنه
стр. 2950
وإن كان مساويا لصاحب هدي التطوع في كونه لا يأكل منه ولا يأمر أحدا لا ضمان عليه إن فعل ذلك. قال في التوضيح: لأنه أجنبي، ولا ضمان على صاحب الهدي أيضا إذا لم يكن أمر الرسول بذلك.
(كأكله من مصنوع) يعني أن رب الهدي إذا أكل من هدي يمنع له أن يأكل منه، فإنه يضمن بدل الهدي؛ لأن أكله منه أبطل إراقة الدم فيه، فوجب أصل الهدي، وكذا لو أطعم منه (١) غنيا أو ذميا مما لا يجوز له الأكل منه، فإن عليه البدل كما في المدونة، وكذا إذا أطعم منه من تلزمه نفقته. قاله في الطراز.
وعلم مما قررت أن قوله: بدله. مفعول "ضمن"، وهذا الذي قررت به قول المصنف: "وضمن في غير الرسول بأمره بأخذ شيء"، من تخصيصه بهدي التطوع هو الذي قرره به الحطاب، فإنه قال: ولا يصح أن يريد أنه يضمن إذا أمر بأخذ شيء من الهدي الممنوع من الأكل منه كما قال البساطي: فإن الفدية والجزاء ونذر المساكين إذا بلغت المحل لا يأكل منه، وله تفرقتها على المساكين، ويأمرهم بالأخذ منها. انتهى. وصوب هذا التخصيص محمد بن الحسن بناني، قال: ويدل على التخصيص بهدي التطوع قوله: "كأكله من ممنوع"؛ إذ لو كان عاما لقال: كأكله منه. انتهى. وشرح المصنف على التعميم غير واحد كعبد الباقي، فإنه قال: وضمن رب الهدي في غير مسألة الرسول بأمر بأخذ شيء من ممنوع كأكله أي ربه من ممنوع بدله مفعول ضمن؛ أي هديا كاملا لا قدر أكله فقط ولا قدر أخذ مأموره فقط، سواء أمر مستحقا أو غيره إن كان الهدي تطوعا كغيره إن أمر غير مستحق وإلا فلا شيء عليه، وأما الرسول فلا ضمان على المهدي إن لم يكن أمره ربه به لأنه أجنبي تعدى، ولا على الرسول إن أكل أو أمر من يأكل أو يأخذ حيث كان مستحقا أو مأموره مستحقا وإلا ضمن قدر أكله وقدر أخذ مأموره. انتهى.
قال بناني: قوله: وإلا ضمن قدر أكله الخ، صحيح ولا يخالفه قول المدونة كابن الحاجب: فإن أكل الرسول لم يضمن. انتهى. لقول أبي الحسن -يريد-: لم يضمن البدل، وأما ما أكل منه فيضمنه لأنه متعد. انتهى. وصرح في الطراز كما في الحطاب بأنه يضمن أيضا ما أطعمه لغير المساكين. انتهى. قال عبد الباقي: وبجعلنا ضمير"ضمن" لرب الهدي مع تقدير في غير مسألة
стр. 2951
الرسول، كما قال التتائي، يندفع قول البساطي كغيره: الظاهر أن "في" زائدة، وأن المعنى: وضمن غير الرسول، وذلك الغير هو رب الهدي، وقوله: "من ممنوع"، على هذا راجع لما بعد الكاف، وقوله: "بدله"؛ أي ويصير حكم البدل حكم المبدل من المنع، فإن أكل أيضا من ذلك البدل فإنه يضمن بدلا كاملا أيضا لتنزله منزلة المبدل منه لا قدر أكله فقط.
وعلم مما مر أن الرسول لا يضمن، سواء أكل من هدي التطوع أو غيره كما لو أمر حيث كان مستحقا أو مأموره مستحقا وإلا ضمن قدر أكله فقط وقد أخذ مأموره فقط لا هديا كاملا. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: وإذا قال للناس صاحب الهدي كلوا، وقال أبحتها للناس، فلم أر في ذلك نصا، وظاهر قول المدونة: فإن أكل أوأمره بأكلها أو بأخذ شيء منها فعليه البدل أنه يضمن في قوله: كلوا أو خذوها واقتسموها ونحو ذلك، ولا يضمن في قوله: أبحتها للناس؛ لأنه لم يأمر أحدا بأخذ شيء، ولو قال: من شاء فليأخذ، فالظاهر لا يضمن. انتهى. ولو كان عليه هدي واجب فضل، فأبدله بغيره فعطب قبل محله فأكل منه لأن عليه بدله ثم وجد الأول، فإنه ينحره، قال في الطراز: قال في الموازية: ولا بد له من بدل الثاني؛ لأنه صار تطوعا أكل منه قبل محله. انتهى. نقله الحطاب.
وقد مر أن أكل من تلزمه نفقته من ممنوع كأكله هو فيوجب البدل، ومحل ذلك إذا أطعمهم، فإن أكل منه بغير إذنه من تلزمه نفقته فإنما عليه قدر ذلك، ولو لم يكن الوالد والولد في عياله لم يلزمه شيء، ولزم ذلك الأب إن كان مليا وكذا الولد، فإن كان الولد البالغ فقيرا فذلك له جائز لأنه ليس في عيال أحد وهو من جملة المساكين، بخلاف الأب الفقير فإن نفقته على الولد، ولو أكل منها الغني أو الذمي بغير إذنه فعلى الآكل قدر ما أكل، وكذا لو دفعها ربها لمن يفرقها فأعطى الفرق منها غنيا أو ذميا فعلى المفرق بدل ذلك. والله أعلم. ولو أعطى الفدية أو الجزاء أو نذر المساكين فأطعمه المساكين من ذلك، فلم أر فيه نصا، والظاهر أنه لا شيء عليه، وإنما هو مكروه من باب أكل الرجل من صدقته الواجبة. والله أعلم. قاله الحطاب.
وإذا نسك في الفدية أو جعلها هديا ثم أكل منها، وقلنا يلزمه البدل، فهل يلزمه بدل الذي أكل منه؟ ولا يجوز أن يبدله بدونه كما لو جعل الفدية بدنة ثم أكل منها، وأراد أن يبدل ذلك بشاة
стр. 2952
أو بقرة، أو أراد أن يطعم أو يصوم، والظاهر أنه يلزمه بدل ذلك الذي أكل منه، ولم يذكر المصنف حكم بيع شيء من الهدي ولا الاستئجار به، وقد صرح في المدونة وغيرها بأنه لا يعطى الجازر شيئا من لحمها ولا جلدها ولا خطامها ولا جلالها وهو واضح، فإن باع شيئا من اللحم أو استأجر به؛ فظاهر كلام غير واحد أن حكمه حكم الأضحية، وصرح بذلك شارح الرسالة المسمى: بكرامة الجزولي، ونصه: فإن وقع شيء من بيع الأضحية والهدي والنسك فسخ ما لم يفت، فإن فات فقيل: يصرف الثمن فيما ينتفع به من طعام وماعونه كالرحا والغربال، وقيل: يتصدق به، وقيل: يصنع به ما شاء، والمشهور في الأضحية أنه يتصدق به، فكذلك هنا إلا أنه ينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يبلغ ذلك ثمن هدي، فإن بلغ اشترى به هديا، وإذا أكل رب الهدي أكلا ممنوعا، فإنه يلزمه البدل -أي هدي كامل- ولا يلزمه قدر ما أكل فقط، واختلف الشيوخ هل ذلك عام في كل ممنوع؟ وشهره صاحب الكافي، أو هو عام إلا أن يكون ذلك الذي منع الأكل منه نذر؟ أي منذورًا لمساكين عُيِّنَ لهم، كلله علي نذر هذه البدنة، وجعلها باللفظ أو بالنية للمساكين، عينوا أم لا، فإنما يلزمه حينئذ قدر أكله لحما إن عرف وزنه، وقيمته إن لم يعرف، وشهره ابن الحاجب، في ذلك خلاف في التشهير كما علمت، وهذا الثاني هو المعتمد؛ لأنه قول ابن القاسم في المدونة كما في الشارح، قال: وهو الذي ينبغي أن يكون هو المشهور، وأشعر قوله: "قدر أكله"، أن الخلاف غير جار فيما أمر بأخذه من نذر المساكين العين، فلا يضمن كاملا باتفاق. قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله عبد الباقي.
قال محمد بن الحسن: الذي يظهر من كلام المصنف أنه يضمن هديا كاملا؛ لأنه داخل فيما قبل الاستثناء تأمله، وإن كان ما ذكره الزرقاني ظاهرا من جهة الفقه. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وما قاله محمد بن الحسن هو الذي يعطيه كلام المصنف، والحاصل أن كل ما منع ربه من أكله قبل محله وبعده، أو قبله فقط أو بعده فقط إذا أكل شيئا منه، فإنه يضمن بدله أي هديا كاملا إلا في المنذور المعين للمساكين، فهل هو كذلك؟ أو إنما يضمن قدر أكله فقط؟ وهو المعتمد، في ذلك خلاف، وأما إذا أمر ربُّه غيره بأخذ شيء مما منع منه أو بأكله مند فأخذ أو أكل وكان المأمور غير مستحق، فإن ربه يضمن هديا كاملا إلا في المنذور
стр. 2953
المعين للمساكين، وينبغي أن يتفق على ضمان قدر أكله فقط على ما للأجهوري، وهو خلاف ظاهر المصنف من أنه يضمن هديا كاملا، وأما إذا كان المأمور بالأكل والأخذ مستحقا؛ بأن كان مسلما فقيرا لا تلزمه نفقته، فإن كان ذلك من غير هدي التطوع فلا شيء عليه، وإن كان من هدي التطوع فهل هو كذلك وهو ما عليه اللخمي وسند ومن وافقهما؟ أو يلزمه بدله هدي كامل وهو ما يفيده كلام المدونة مع شرحها وهو المرتضى عندهم وهو المتبادر من كلام المصنف؟
والخطام والجلال كاللحم؛ يعني أن حكم خطام الهدايا وجلالها حكم لحمها في المنع والإباحة، فالهدي الذي لا يجوز لصاحبه أن يأكل منه لا يجوز له أن يأخذ شيئا من خطامه ولا من جلاله، فإن أخذ شيئا من ذلك وأتلفه كلا أو بعضا لزمه قيمة ما أخذ فقط، وإن لم يتلفه رده، والهدي الذي يجوز لصاحبه أن يأكل منه يجوز له أخذ خطامه وجلاله، والخطام بالكسر هو الزمام، سمي بذلك لأنه يقع على خطم الهدي أي أنفه، والجلال بكسر الجيم ما يجعل عليها من الثياب، جمع جل بضم الجيم وجمع الجلال أجلة.
وعلم مما قررت أن التشبيه في قوله: "كاللحم"، غير تام؛ لأنه إن أخذ قطعة من هذين، أو أمر بأخذها وإن حرم عليه إنما يضمن قيمة ذلك، ولا يلزمه البدل إن أتلف، فإن لم يتلف ذلك رده. وفي التوضيح: والمطلوب أن لا يعطي الهدي إلا بعد نحره، فإن دفعه للمساكين قبل نحره ونحروه أجزأه، وإن استحيوه فعليه بدله واجبا كان أو تطوعا، أما الواجب فظاهر لأن الذمة لم تبرأ، وأما التطوع فهو كمن أفسده بعد الدخول فيه، فيجب قضاؤه. انتهى. نقله عبد الباقي.
قال ابن الحاجب: وخطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها، وفي هدي الفساد قولان. ابن عبد السلام: يريد حيث يكون مقصورا على المساكين يكون الخطام كذلك، قال أشهب: إن أعطى جلال بدنته الواجبة لبعض ولده فلا شيء عليه. انتهى. والخلاف في جلال الهدي في الفساد مبني على الخلاف في اللحم، والمشهور جواز الأكل من لحمه. والله سبحانه أعلم. انظر الحطاب. وإن سرق بعد ذبحه أجزأ؛ يعني أنه إذا سرق الهدي الواجب من صاحبه بعد أن ذبح، كجزاء الصيد وفدية الأذى ونذر مضمون لمساكين وما وجب لقران، فإنه يجزئه ولا بدل عليه. سند: لأنه بلغ محله ووقع التعدي في خالص حق المساكين، وله المطالبة بقيمته وصرفها للمساكين فيما ليس
стр. 2954
له الأكل منه كالثلاثة المذكورة، وأما ماله الأكل منه فله المطالبة بقيمته، ويفعل بها ما شاء كما ذكره الحطاب عن سند، خلاف ما يقتضي كلام عبد الباقي من تعين صرفه لهم مطلقا.
لم قبله؛ يعني أنه إذا سرق الهدي الواجب قبل الذبح فإنه لا يجزئ صاحبه وعليه بدله، فكلام المصنف في الواجب كما علمت، وأما المتطوع به ومثله المنذور المعين فإنه لا بدل عليه فيما إذا سرق ذلك قبل الذبح، ومثل ما سرق ما ضل أو مات قبل نحره كما في المدونة، فإن كان واجبا غير منذور معين لم يجز، وإن كان متطوعا به أو منذورا معينا أجزأ، والفرق بين هذا وبين ما مر أنه إذا تعيب بعد التقليد فإنه يجزئ أن ذات العيب باقية للفقراء تحقيقا بخلاف المسروق، ففي المدونة: من سرق هديه الواجب بعد ما ذبحه أجزأه. سند: هذا بين؛ لأنه إنما عليه هدي بالغ الكعبة وقد بلغ الهدي محله، فإن كان جزاء صيد أو فدية أذى أو نذر مساكين فقد أجزأه، ووقع التعدي في خالص حق المساكين، وله المطالبة بقيمته وصرف ذلك للمساكين؛ لأنه كان تحت يده وكانت له قسمته إن شاء، وإن كان غير ذلك فله المطالبة بالقيمة، ويفعل بها ما شاء كما يفعل في قيمة أضحيته إذا سرقت، واستحب له ابن القاسم أن يدع المطالبة بالقيمة لما فيه من مضارعة البيع. انتهى.
وفي المدونة: وكل هدي واجب ضل من صاحبه بعد تقليده أو مات قبل أن ينحره بمنى أو في الحرم أو قبل أن يدخل الحرم فلا يجزئه وعليه بدله، وكل هدي تطوع هلك أو سرق أو ضل فلا بدل على حاحبه فيه.
وحمل الولد على غير؛ يعني أن الإنسان إذا أهدى بدنة وقلدها وأشعرها ثم ولدت، فإنه يلزمه أن يحمل الولد إلى المحل، وندب له أن يحمله على غير الأم المذكورة ولو بأجرة إن لم يمكن سوقه، كما يحمل رحله أفضل من حمله عليها، ولا يخالف قوله: وندب عدم ركوبها بلا عذر، وأما المولود قبل التقليد فيستحب فقط ذبحه ولا يجب، وعبارة الإمام في الموازية. تقتضي استحباب حمله معها.
ثم عليها؛ يعني أنه إذا لم يجد غير الأم يحمله عليه، فإنه يحمله على أمه إن كان فيها قوة، وإن نحره دون البيت وهو قادر على تبليغه بوجه فعليه هدي بدله؛ أي هدي كبير تام. وإلا؛ أي
стр. 2955
وإلا يمكن حمله عليها لضعفها أو خوف هلاكها، ولا أمكن حمله بأجرة من مال صاحبه، فإنه يجعله عند من يحفظه حتى يشتد، ثم يرسل إلى محله، فإن لم يمكن تركه -عند ثقة، لكونه بفلاة من الأرض، أو لعدم وجود ثقة يقوم عليه- ليشتد، متعلق "بترك"، واللام للغاية؛ أي إلى أن يشتد أي يقوى.
فكالتطوع؛ أي فحكم هذا الولد الذي لم يمكن تركه إلى أن يشتد كحكم هدي تطوع يعطب قبل محله، فلينحره ويخل بينه وبين الناس ولا يأكل، فإن أكل فعليه بدله، وكذا إن أقر بأخذ شيء منه، ولا تجزئه بقرة في نتاج البدنة، وقوله: "فكالتطوع"، جواب الشرط الثاني، وقوله: "فإن لم يمكن" الخ جواب الشرط الأول مقدر فعله بعد إن ولا النافية، وتقديره: وإن لم يمكن وإن الشرطية في كلا الموضعين داخلة على نفي.
وعلم مما مر أن حمل الولد من حيث هو واجب، وحمله على غير الأم أفضل من حمله على الأم، وقوله: "تركه"، بصيغة المصدر فاعل "يمكن"، ولو وجد الأم معيبة لم يكن له أن يتصرف في ولدها وكان تبعا لها في حكم الهدي، وفي الحطاب ما معناه: فإن لم يكن له محمل حمله على أمه كما يحمل عليها زاده عند الحاجة والضرورة، فإن لم يكن فيها ما يحمله قال ابن القاسم: يتكلف حمله، يريد: لأن عليه بلوغه بكل حيلة يقدر عليها، قال أشهب: له أن ينفق عليه حتى يجد له محملا، ولا محل له دون البيت.
ولا يشرب من اللبن؛ يعني أنه إذا قلد الهدي أو أشعره، فإنه خرج من ملكه، فلذا لا يشرب من لبنه، وإن فضل عن ري فصيلها، وهذا في الهدي الذي لا يجوز له الأكل منه، وقوله: "ولا يشرب"؛ أي يكره ذلك حيث لم يضر شربه الأم أو الولد؛ لأنه نوع من الرجوع في الصدقة، وليتصدق به فإن لم يفضل أو أضر منع، وأما غير الممنوع من أكله فيجوز شربه. كذا يفيد أحمد. وحمله بعضهم على الإطلاق، فيكره شرب لبن كل منهما حيث لم يضر وإلا منع. قاله عبد الباقي. وقال محمد بن الحسن: ما حمله عليه البعض هو الموافق لإطلاق أهل المذهب المدونة وغيرها، وتعليلهم النهي بخروج الهدي عن ملكه بالتقليد والإشعار، وبخروجه خرجت المنافع،
стр. 2956
فشربه نوع من العود في الصدقة، وبأن ذلك يضعفها ويضعف ولدها يدل على العموم. قاله مصطفى. انتهى. ونحوه للخرشي.
قال مقيده عفا الله عنه: وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
وقال ابن عرفة: ابن حارث: اتفقوا على منع ما يروي فصيلها، فإن لم يكن أو فضل عنه، فقال مالك: لا يشرب. فإن فعل فلا شيء عليه. أشهب: لا بأس به وإن لم يضطر ويسقيه من شاء ولو غنيا. انتهى. وهذا إذا لم يكن في تركه ضرر، وإلا فيحلب ما تزول به الضرورة، وصرح ابن عبد السلام بأن شرب لبنها مكروه على المذهب، وحكى بعض الشيوخ قولا بالإباحة، وأجاز إمامنا مالك شربه لضرورة.
واعلم أن فضل، إن كان بمعنى: زاد، فهو من باب قتل، وإن كان بمعنى بقي فمضارعه مثلث وماضيه بالكسر والفتح، والمصنف يحتمل المعنيين، قاله الخرشي.
وغرم إن أضر بشربه الأم أو الولد موجَب فعله، "الأم" مفعول "أضر"، وقوله: "أو الولد"، معطوف على "الأم"، "وموجب"، بفتح الجيم مفعول "غرم"؛ يعني أنه إذا حلب لبن الهدي وشربه ولو في الحالة التي يمنع فيها ذلك أو يكره ولم يحصل بذلك ضرر للأم ولا للولد، فإنه لا شيء عليه؛ لأن بعض العلماء أرخص فيه، وأما إن أضر ذلك بالأم أو بالولد فإنه يلزمه أن يغرم ما أوجبه فعله؛ أي يغرم الأرش مع النقص والقيمة مع التلف، كانت الأم مما يمتنع أكله أم لا، وقوله: "بشربه"، وكذا إن أضر بها أو بولدها الحلب، وإن لم يشرب اللبن فيغرم موجب فعله من قيمة فيهما، أو أرش فيهما وكذا يغرم موجب تركه إن أضر ترك اللبن في ضرعها الأم أو الولد. كما في شرح عبد الباقي وغيره.
وندب عدم ركوبها؛ يعني أن الهدي يندب لصاحبه عدم ركوبه ويكره له ركوبه، على المشهور، وقيل: يجوز ما لم يكن ركوبه فادحا، قاله الحطاب. بلا عذر؛ يعني أن محل ندب عدم ركوب الهدي إنما هو حيث لم تدع للركوب ضرورة، وأما ركوب الهدي لأجل ضرورة فإنه جائز، وعبارة عبد الباقي: فإن ركبها لعذر؛ أي اضطرار بأن لم يجد دابة أو ما يكريها به لم يكره. انتهى. والباء في قوله: "بلا عذر"، للمصاحبة وإذا ركبها حيث يجوز له ذلك بأن ركبها لعذر،
стр. 2957
فإنه لا يلزم النزول عنها بعد الراحة؛ أي لا يلزمه النزول إذا زاد تعبه واستراح، وإنما يندب فقط، وإذا نزل بعد الراحة فلا يركبها ثانيا إلا إذا اضطر كالأولى. وإذا ركبها لغير عذر فتلفت ضمنها، فإن ركبها لعذر وتلفت، فقال عبد الباقي: لم يضمنها إلا إذا تعدى في هيئة ركوبه عليها. انظر التتائي. انتهى.
قال بناني في قوله لم يضمنها: فيه نظر، لقول الحطاب: قال سند: وهذا مقيد بشرط سلامتها، فإن تلفت بركوبه ضمنها. انتهى. ونص الحطاب الذي أشار إليه هو عقب قوله: "فلا يلزم النزول بعد الراحة" (١))، قال سند: وهو مقيد بشرط سلامتها: وإن تلفت بركوبه ضمنها، قال: ولا يركبها بمحمل ولا يحمل عليها متاعا، وإنما يفعل من ذلك ما دعت الحاجة إليه. انتهى. وقال الحطاب أيضا عن سند على قول مالك: ولا يركبها إلا من ضرورة: ينبغي إن استغنى عن ركوبها أن يريحها. انتهى. وقال في الإرشاد: ولا يركب عليها ولا يحمل عليها إلا من ضرورة، فإذا زالت بادر للنزول والحط، قال الشيخ زروق: لأن ما أبيح للضرورة قيد بقدرها، والمشهور ليس عليه النزول بعد راحته ولا له الرجوع إلا لعذر. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمصنف: يعني فإذا ركبها لعذر فلا يلزمه النزول إذا زال تعبه واستراح. اللخمي: ولا يركبها بمحمل، ولا يحمل عليها زادا ولا شيئا يتعبها به وذكر ابن الجلاب: أنه يحمل عليها زاده للضرورة، وفي شرح عبد الباقي: وندب عدم ركوبها والحمل عليها بلا عذر. انتهى. وقال الشارح عند قول المصنف: "فلا يلزم النزول بعد الراحة": هكذا قال في المدونة، ونصها: وليس عليه أن ينزل بعد راحته؛ لأن النبي ﷺ قال: (اركبها ويحك) (٢) في الثانية أو الثالثة. انتهى.
ونحرها قائمة؛ يعني أنه يندب نحر الهدي إذا كان من الإبل قائما؛ أي قائمة على قوائمها الأربع مقيدة بلا عقل كما نص عليه غير واحد، أو معقولة؛ يعني أنه يندب أحد أمرين في نحر الهدي إذا كان من الإبل، إما أن ينحر قائما على قوائمه الأربع مقيدا، أو قائما على ثلاث قوائم معقولة يده اليسرى.
стр. 2958
وعلم مما قررت أن قوله: "معقولة"، عطف على مقدر؛ أي قائمة مقيدة أو معقولة، وليس معطوفا على قوله: "قائمة"، لاقتضائه المغايرة مع أنها في كلا الوجهين تكون قائمة. والله أعلم. واعترض ابن عرفة ذلك بأن النص أنها إنما تنحر قائمة مقيدة إلا أن يخاف ضعفه عنها وامتناعها من الصبر فيعقلها، وعليه "فأو" في كلام المصنف للتنويع لا للتخيير، ويقيد الفرع الثاني بأن يعقلها لعذر، فلو قال: ونحرها قائمة وتعقل لعذر، لسلم من اعتراض ابنِ عرفة: ونقل التتائي عن سند أن البقر إذا نحرت فقائمة أيضا، ولم يذكر هل تقيد وهو الظاهر، وتعقل لعذر فيما يظهر إن أمكن عقلها. قاله عبد الباقي. وإذا خاف أن لا يقدر على نحر الإبل قائمة فلينحرها باركة، والأصل في الصفتين القرآن، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. ابن حبيب: هو أن تصف يداها بالقيود وقت نحرها، وقرئ صوافن وهي المعقولة في يد واحدة. قاله الخرشي.
والحديث: قال الشارح: وإنما استحب ذلك لما روي أنه ﵇ وأصحابه ﵃ أجمعين كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، ولما أخرجه مسلم (أن ابن عمر مر على رجل وهو ينحر بدنة باركة، فقال: ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم ﷺ (١))، ولأنها إذا نحرت قائمة -يعني غير مقيدة ولا معقولة- ربما شردت منه. مالك: ولا يعرقبها إلا أن يخاف أن يغلب ويضعف عنها، قال: وأحب إلي أن ينحرها باركة من أن يعرقبها، قال. وليربطها بحبل ويمسكها رجلان رجل من كل ناحية وهي قائمة مصفوفة أحب إلي من أن ينحرها باركة، واستحب إذا كثرت أن تصف صفا، وكذلك إن كانت واحدة أن تصف يداها. انتهى. كلام الشارح.
وأجزأ إن ذبح غيره عنه مقلدا؛ يعني أن الهدي المقلد أو المشعر إذا نحره شخص عن صاحبه ولو بغير إذنه، فإنه يجزئ عن صاحبه حيث كان الذي نحره مسلما لا كافرا؛ لأنه ليس من أهل القرب، وإذا نحره كافر فعلى صاحبه بدله، وتقدم أن الاستنابة في نحر الهدي مكروهة، ويأتي
стр. 2959
مثله في الضحايا، قال أبو إسحاق: إذا وجد بدنة ضالة في أيام منى لم ينحرها إن لم يعرف صاحبها إلا في اليوم الثالث من أيام النحر لعل ربها أن يأتي، فإذا خيف خروج أيام منى نحرها عن ربها وأجزأته؛ لأنها بالتقليد والإشعار وجبت.
ولو نوى عن نفسه إن غلط؛ يعني أن الغير إذا نوى الهدي المقلد عن نفسه فإنما يجزئ عن صاحبه إذا كان ذلك غلطا، وأما إن نوى عن نفسه تعديا فإنه لا يجزئ عن صاحبه ولا عن الذابح، ولربه أخذ القيمة منه كما قاله بناني، قال في التوضيح: ولا يجزئ سواء وكله صاحبه على ذبحه أو لم يوكله، وقاله ابن عرفة أيضا، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، قاله في الرفقاء يغلطون فيذبح هذا هدي هذا ويذبح الآخر هدي الآخر أنه يجزئ. قاله الحطاب. وإذا لم يجز صاحبه في مسألة التعدي فالمشهور أنه لا يجزئ الذابح، وروى أبو قرة عن مالك أنه يجزئ الذابح وعليه قيمته. انتهى. وفي ابن الحاجب: وإذا نحر الهدي غير صاحبه عن صاحبه أجزأه، وإن كان بغير إذنه، ونحوه في المدونة. وفي شرح عبد الباقي مبينا لمفهوم قوله: "إن غلط": فإن تعمد لم يجز عن الأصل أنابه أم لا، ولا عن المتعمد أيضا، بخلاف الأضحية فتجزئ عن ربها، ولو ذبحها النائب عن نفسه عمدا، ولابد من إنابة ربها له دون الهدي، فهي تخالف الهدي في هذين الأمرين؛ أي أنه إذا لم يستنبه لم تجز الضحية على أي وجه ذبحت إلا في عادة كقريب، بخلاف الهدي فيجزئ إن ذبحه بعد التقليد ولو بغير إذن المهدي كما عرفت، ثاني الأمرين أن الضحية تجزئ فيما إذا استنابه المالك على التضحية، وإن ذبحها النائب عن نفسه عمدا بخلاف الهدي فلا يجزئ حيث ذبح الغير عن نفسه عمدا أنيب أم لا، والفرق في الأمر الأول أن الضحية لما كان لربها أكلها دون وجوب تصدق وإنما المدار على إظهار شعيرة الإسلام طلب فيها الاستنابة حيث لم يذبح ولم تجز مع عدمها، والهدي لما منع مهديه من أكله إما مطلقا أو في بعض الحالات كما مر كان كل أحد كأنه مخاطب بذكاته لإيصاله للفقراء، فلذا أجزأ فعل غيره بغير إذنه، وأما في الثاني فالفرق بينهما أن الضحية لما افتقرت إلى إنابة أجزأت عن ربها مع نية النائب عمدا عن نفسه، لإلغاء نيته لأنها خلاف نية المنيب، والهدي لما لم يفتقر لإنابة لم يجز
стр. 2960
عن ربه إن تعمد الغير ذبحه عن نفسه لإخراجه الهدي عن موضوعه الشرعي. انظر حسن نتائج الفكر. وفيه فرق آخر عن الشيخ سالم فيه نظر كما لبناني. والله سبحانه أعلم.
ولا يشترك في هدي؛ يعني أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي أي لا في ذاته ولا في أجره ولو كان تطوعا والأقارب والأجانب في ذلك سواء، ومثل الهدي في ذلك الفدية والجزاء، فلو قال: في دم، لكان أشمل، ويأتي في الضحية "بلا شرك إلا في الأجر". وفي المدونة: ولا يشترك في هدي تطوع ولا واجب ولا نذر ولا جزاء صيد ولا فدية، وأهل البيت والأجانب سواء. انتهى. وذلك لما رواه مالك عن ابن عباس ﵄ أنه لا يرى دما عن أكثر من واحد. وروي عن مالك جواز الاشتراك في هدي التطوع دون غيره، لما في الموطإ ومسلم عن جابر: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبع والبقرة عن سبع (١))، وإذا قلنا بجواز الاشتراك فلا فرق بين أن يكون الهدي قد وهب لهم أو ابتاعوه، اتفقت أنصباؤهم أو اختلفت، لكن الظاهر أنه لا يشاركهم ذمي ولا من لا يريد التقرب، كمن يريد بيع نصيبه ونحوه؛ لأن العبادة هي النحر والعبادة لا يكون بعضها غير عبادة، وهل تجوز القسمة أم لا بناء على أنها تمييز حق أو بيع؟ وقوله: "ولا يشترك في هدي"؛ أي تحريما كما مر التنبيه عليه في أول الحل، وإذا اشترك في هدي لم يجز عن واحد من المشتركين، والفرق بين الضحية تجوز الشركة فيها في الأجر دون الهدي أن الهدي خرج عن ملك ربه ولم يبق له فيه تصرف حتى بالاشتراك، بخلاف الضحية. والله سبحانه أعلم.
وإن وجد بعد نحر بدله نحر إن قلد؛ يعني أن الهدي الواجب أو جزاء الصيد إذا ضل أو سرق بعد أن قلد فأبدله صاحبه ونحر البدل ثم وجد الهدي الأصلي، فإنه يجب عليه أن ينحره؛ لأنه تعين بالتقليد ولا يرده في ماله، ولو اختلط واجب بتطوع فضل أحدهما لزم بدله، ومنع من الأكل منهما كما لو لم يضل. ذكره ابن عرفة. وقوله: "نحر"؛ يعني إن قلد، ويصير تطوعا لأن البدل ناب عن الواجب. قاله الخرشي.
стр. 2961
وقبله نحرا إن قلدا؛ يعني أن الهدي الواجب أو جزاء الصيد إذا ضل أو سرق فأبدله صاحبه ثم وجد الهدي الأصلي قبل نحر البدل، فإنهما -أي الهدي الأصلي والبدل- ينحران معا إن كانا قد قلدا لتعينهما بالتقليد، وإلا بأن وجد الضال قبل نحر بدله وهما غير مقلدين، أو الضال مقلد دون البدل، أو البدل مقلد دون الضال بيع واحد منهما؛ أي من غير المقلدين في الصورة الأولى إما الضال أو بدله، ونحر الآخر أو ذبح، وبيع غير الضال في الصورة الثانية، ونحر الضال وبيع الضال في الثالثة ونحر البدل أو ذبح، ويستحب أن ينحر أفضلهما، ومثل التقليد الإشعار. والمراد بقوله: "بيع واحد"، أنه يفعل به ما شاء؛ لأنه لم يتعين للهدي لا خصوصية البيع فقط، وخص البيع لأنه أقوى في الدلالة على التصرف، والمراد ببيع أحدهما بيع واحد منهما لا بعينه في الصورة الأولى، وواحد معين في الأخيرتين.
الخرشي: والمراد بالتقليد هنا الخاص لا سوقه على سنة الهدي الذي هو أعم. انتهى.
ولما أنهى الكلام على ما أراد من مسائل الحج والعمرة شرع في الكلام على موانعهما، وعدها في توضيحه خمسة، وزاد عليه بعض، فقال: العدو والفتن والمرض والحبس والزوجية والرق والسفه والدين والأبوة، قال في توضيحه: زاده ابن شأس، وكأن المؤلف أسقطه إما لأنه مختلف فيه، وإما لأنه لا يمنع من إتمام النسك، وإن منع منه ابتداء بخلاف المرض والعدو وحبس السلطان ومنع السيد، فإنها تمنع ابتداء ودواما، واختلف في الزوجية هل تمنع الدوام أم لا؟ انتهى فقال: فصل في ذكر موانع الحج والعمرة بعد الإحرام، ويقال للممنوع: محصر، ولما كان الحصر مطلقا على ثلاثة أقسام كما في توضيحه عن البيت وعرفة معا، وعن البيت فقط، وعن عرفة فقط، بدأ بالأول منها مصدرا بواو الاستئناف، فقال: وإن منعه عدو؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج أو عمرة فحصر عن مواضع النسك الذي أحرم به بسبب عدو من الكفار تغلب على البلاد -نعوذ بالله من ذلك- فإن له أن يتحلل بالنية مما هو فيه، أو فتنة؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج أو عمرة فحصر عن مواضع النسك الذي أحرم به بسبب فتنة وقعت بين المسلمين، كالفتنة الواقعة بين ابن الزبير والحجاج، فإن له أن يتحلل بالنية مما هو محرم به حيث كان بالحرم أو غيره أو حبسٌ؛ يعني أن الشخص إذا أحرم بحج أو عمرة فمنعه عن الوصول لمواضع النسك
стр. 2962
الذي أحرم به كونه حُيسَ ظلما وعدوانا، فإن له أن يتحلل بالنية مما هو محرم به حيث كان، فمعنى قوله: لا بحق أنه حبس ظلما وعدوانا من غير حق مترتب عليه، وذلك صادق بما إذا حبس في غير حق أصلا، وبما إذا حبس بحق ثابت مع ثبوت عسره، وخرج منعه بحق ثابت مع عدم ثبوت عسره فهو كالمنع بالمرض، فلا يتحلل إلا بفعل عمرة لا بالنية فقط، وظاهر كلام ابن رشد أن المعتبر في الحبس بحق ظاهر الحال، وإن لم يكن حقا في نفس الأمر حتى أنه إن حبس بتهمة ظاهرة فهو كالمرض، وإن كان يعلم من نفسه أنه بريء وهذا هو ظاهر المدونة والعتبية كما نقله الحطاب، قال ابن عبد السلام: وفيه عندي نظر، وكان ينبغي أن يحال المرء على ما يعلم من نفسه؛ لأن الإحلال والإحرام من الأحكام التي بين العبد وربه وقبله في التوضيح، وظاهر الطراز يوافقه. انظر الحطاب. وقوله: "أو حبس لا بحق"، ذكره في البيان عن مالك، وفي الموازية عن مالك. أن حبس السلطان كالمرض. ولم يفصل، وساق ابن رشد الأول على أنه تفسير لهذا وهو اختيار ابن يونس، فلذا اعتمده المصنف، ونقل ابن بشير أنه -أي الحبس- كالعدو.
بحج أو عمرة؛ يعني أن له أن يتحلل بالنية في المأمور الثلاثة، سواء كان محرما بحج أو عمرة، قال فيها: والمحصر بعدو غالب أو فتنة في حج أو عمرة يتربص ما رُجِيَ كشف ذلك، فإذا أيس من أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد بالحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فلينحره هنالك، ويحلق أو يقصر ويرجع إلى بلده. انتهى. وقوله: "وإن منعه عدو"؛ يعني من الكفار، وقوله: "أو فتنة"؛ يعني الفتنة الواقعة بين المسلمين فلا تكرار، وقوله: "أو حبس"، مصدر عطف على فاعل "منعه"، وقوله: "بحج أو عمرة"، الباء للملابسة؛ أي حال كونه أي المحرم متلبسا بحج أو عمرة. قاله الخرشي. وهو صريح في أن قوله: "بحج أو عمرة". ظرف مستقر.
وعلم مما قررت أن قوله: فله التحلل، جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن منعه"، فهو راجع إلى الأمور الثلاثة، ومعنى قوله: "فله التحلل"، أن له أن يخرج من إحرامه بالنية وهو أفضل في حقه من البقاء على إحرامه، قارب مكة أو دخلها، دخلت أشهر الحج أم لا كما هو ظاهر إطلاقهم.
стр. 2963
واعلم أنه إنما يكون له التحلل بشرطين أحدهما أشار إليه بقوله: إن لم يعلم؛ يعني أنه إنما يكون له التحلل بشرط أن يكون حين إحرامه لم يعلم بالعدو أو الفتنة أو الحبس لا بحق، فإن علم بذلك فليس له التحلل إلا أن يكون حين إحرامه ظن أن العدو لا يمنعه فمنعه فله التحلل، (كما وقع له ﷺ أنه أحرم عالما بالعدو ظانا أنه لا يمنعه، فلما منعه تحلل (١))، فبان من هذا أن مفهوم "إن لم يعلم"، فيه تفصيل.
وعلم مما قررت أن الضمير في قوله: به، يرجع لما ذكر من عدو أو فتنة أو حبس، قال عبد الباقي: وهذا أولى من رجوع ضمير "به" للمنع لشموله للشك؛ إذ معناه لم يعلم بالمنع بأن طرأ العدو أو سبق، ولم يعلم به أو علمه وظن عدم منعه أو شك في منعه، والنقل أنه ليس له التحلل عند الشك اتفاقا، نعم له فيه ترك الإحرام ابتداء كما في كلام يحيى الحطاب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ليس له التحلل عند الشك اتفاقا الخ، قال محمد بن الحسن عنده: الذي في التوضيح قال اللخمي: وإن شك في منعهم له لم يتحلل إلا بشرط الإحلال، ثم قال خليل: وظاهر المذهب أن شرط الإحلال لا يفيد. انتهى. وبهذا جزم المصنف، فقال فيما يأتي: "ولا يفيد لمرض أو غيره نية التحلل بحصوله"، ونقله في التوضيح عن المازري وعياض. انتهى.
وحاصل ما للحطاب أن الظن ملحق بالعلم، وأن الشك والوهم لا يتحلل معهما، وجلب الحطاب كلام التوضيح.
واعلم أن قوله: فله التحلل فيما إذا أحرم بحج أو عمرة كما مر، لكن إذا أحرم بالحج فالمنع حينئذ المراد به المنع من البيت وعرفة معا، وأما العمرة فالحصر فيها عن البيت؛ إذ ليس لها وقوف بعرفة، فإذا حصر عنهما معا فله التحلل بالنية، وإن حصر عن أحدهما في الحج، فإن كان بمكان قريب بأن حصر عن عرفة لم يحل إلا بعمرة، وعن البيت فلا يحل إلا بالإفاضة وبمكان بعيد، حكمه حكم من حصر عنهما معا إن حصر عن الوقوف بعرفة، وأما إن حصر عن الإفاضة فلا يحل إلا بالإفاضة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، والحصر في العمرة هو الأصل لا رواه مالك في الموطإ (أنه بلغة أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية
стр. 2964
فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت (١))، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقوله: "فله التحلل"، هذا إذا كان العذر قائما، أما لو تراخى حتى زال فلا يحلله إلا البيت. وفي الطراز: أن له أن يحل ويحلق مثل ما لو كان العذر قائما إذا فاته إدراك الحج وهو على بعد من مكة.
ثاني الشرطين أشار له بقوله: وأيس من زواله قبل فواته؛ يعني أنه كما يشترط في كونه له التحلل أن لا يعلم بالعدو ومن في حكمه حين الإحرام، يشترط أيضا أن ييأس من زوال المانع قبل فوات الحج؛ بأن يعلم أو يظن أن المنع لا يزول إلا بعد فوات الحج، وأشعر كلام المصنف بأنه أحرم في وقت يدرك فيه الحج لولا الحصر، وأما إن حصر بعد ما أحرم، وكان لا يمكنه الحج وإن لم يكن حصر لم يتحلل وبقي على إحرامه إلى قابل حتى يحج؛ لأن العدو ليس هو الذي منعه من الحج، فقد دخل على البقاء على إحرامه، كمن أحرم وهو يشك في المنع مع سعة زمن الإدراك.
وقررت المصنف على أن قوله: "قبل فواته"، متعلق "بزواله"؛ لأن ذلك هو ظاهره، وعليه فظاهره أنه يحل إذا أيس من زوال العدو قبل فوات الحج، ولو بقي من الوقت ما لو زال العدو لأدرك فيه الحج، وهو ظاهر أول كلام المدونة والذي اختاره ابن يونس وسند ما في آخر كلامها، وهو أنه لا يحل حتى يكون في زمن يخشى فيه فوات الحج، وقالا: إن كلامها الثاني يفسر الأول، قال الحطاب: إذا علم أن هذا هو الراجح فينبغي أن يحمل كلام المصنف عليه، فيكون معنى قوله: "وأيس من زواله" الخ، أنه لم يبق بينه وبين ليلة النحر زمن يمكن فيه السير ولو زال العدو. والله تعالى أعلم.
واعلم أن قوله: "وأيس من زواله"؛ خاص بالحج، وأما العمرة فقال في التوضيح: قال ابن القاسم: وليس للعمرة حد فيحل، وإن كان لا يخشى فيها فوت، وقال ابن الماجشون: يقيم إن رجا إدراكها بفوره بما لا ضرر فيه على الصبر عليه، فإن لم يرجه إلا في طول فليحل، وقال محمد بن الحسن: إن قوله: "قبل فواته"، يحتمل أن يتعلق بقوله: "فله التحلل". وقاله غيره. وعليه فيكون ردا لقول أشهب: إنه لا يكون إلا يوم النحر. انتهى. المراد منه.
стр. 2965
ولا دم؛ يعني أنه لا دم عليه لما فاته من الحج بحصر العدو ونحوه على المشهور، وأوجبه أشهب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وتأوله ابن القاسم على الحصر بمرض، ورده اللخمي بأن الآية نزلت بالحديبية وكان حصره بعدو، ولقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، والأمن إنما يكون من عدو، وأجيب عن دليل أشهب بجوابين: أحدهما للتونسي وابن يونس: أن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصر إنما ساقه بعضهم تطوعا، فلا دليل فيها على الوجوب كما يقوله أشهب، الثاني: أن الإحصار في الآية بالمرض لا بالعدو وهذا لابن القاسم كما مر، وعزاه ابن عطية لعلقمة وعروة بن الزبير وغيرهما، وقال: المشهور في اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو. انتهى. وقال: في قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: قال علقمة وغيره: المعنى: فإذا برئتم من مرضكم، وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو. انتهى. وكون الآية نزلت بالحديبية لا يرد هذا التأويل، بل يقوي تأويل ابن القاسم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. نقله بناني.
واعلم أن المحصور بعدو يحلق أين كان، ولا قضاء حيث تحلل قبل الفوات، وأما لو أحصر ولم يتحلل حتى فاته الحج لوجب عليه الهدي للفوات فقط عند ابن القاسم لا هدي للحصر، خلافا للشافعي في إيجاب هديين، ووجب القضاء اتفاقا، ويكون الحصر بعد الفوات لا تأثير له، فإن أراد التحلل فمنع من مكة كان كالمحصر في العمرة، فيتحلل من غير طواف ويقضي الحج لا العمرة. قاله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ سالم. وقوله: "فله التحلل"؛ أي فإن قدر على التقرب إلى مكة لم يلزمة ذلك ويحل بموضعه. قاله في الطراز. قاله الحطاب.
تنبيه: قال في سماع أبي زيد من كتاب القذف من البيان فيمن زنى وكان بكرا وأخذ بمكة وهو محرم: فإنه يقام عليه الحد وينفى ولو كان بمكة ولا ينتظر به أن يفرغ من الحج. ابن رشد: لأن التغريب من تمام الحد، فتعجيله واجب لا يصح أن يؤخر لأجل إحرامه، ولعله إنما أحرم فرارا من السجن، وقد كان مالك إذا سئل عن شيء من الحدود أسرع الجواب وأظهر السرور، وقال:
стр. 2966
بلغني أن يقال: (لحد يقام بأرض خير من مطر أربعين صباحا (١))، وإذا سجن كان حكمه حكم المحصر بمرض. انتهى.
بنحر هدي؛ متعلق بقوله: "فله التحلل"؛ يعني أن تحلله يكون بنحر هدي، إن كان معه ساقه عن شيء مضى أو تطوع فينحره حيث كان إن لم يتيسر إرساله لمكة، فإن كان غير مضمون فلا ضمان عليه، وحكمه في الأكل حكم ما بلغ محله، وإن كان الهدي مضمونا جرى على حكم الحج المضمون، فإن قلنا يسقط عنه الفرض أجزأ، وإلا فلا يسقط الهدي أيضا.
وحلقه؛ يعني أن تحلل المحصور ومن في حكمه يكون بنحر الهدي إن كان معه مع حلق رأسه، ولابد من نية التحلل،
وما قررت به المصنف تقرير له بحسب ظاهره؛ إذ ظاهر كلامه أن التحلل إنما يحصل بنحر الهدي والحلاق، وليس كذلك، فإن نية التحلل كافية، ففي الشامل: وكفت نية التحلل على المشهور، ولو نحر وحلق ولم ينو التحلل لم يتحلل كما صرح به في الطراز، وأجيب عن المصنف بأن "الباء" في قوله. "بنحر هديه" الخ للمصاحبة فيفيد أن النية كافية. قاله محمد بن الحسن.
ولا دم إن أخره، الضمير البارز يرجع للتحلل أو للحلق؛ يعني أن المحصر الذي يجوز له التحلل إذا أخر الحلق أو التحلل إلى بلده لا دم عليه لأجل ذلك التأخير؛ لأن الحلق لما وقع في غير زمانه ومكانه لم يكن نسكا بل تحللا فقط، وفي الخرشي: فإن قلت هل يصح الإحرام بالحج مرتين في عام واحد؟ قلت: نعم، هذا يصح في رجل أحرم ثم أحصر فتحلل بعمر لما غلب على ظنه أن الإحصار لا يزول ثم زال والوقت باق فأحرم بالحج ثانيا، وقوله: "ولا دم إن أخره"، قال في المدونة: وإن أخر حلاقه حتى رجع إلى بلده حلق ولا دم عليه. انتهى. نقله الشارح.
ولا يلزمه طريق مخوف؛ يعني أن العدو إذا حصر الحاج ومنعه من إتمام نسكه، فإنه لا يلزمه أن يسلك طريقا مخوفا توصله إلى إتمام مناسكه حيث كانت مخوفة على النفس أو على المال الكثير كاليسير مع عدو ينكث، والحال أنه لو سلك الخوف لم يفته الحج، وأما المأمونة فيلزمه سلوكها
стр. 2967
وإن بعدت إن اتسع الوقت لإدراك الحج ولم تعظم مشقتها وإلا لم تلزمه، وقوله: "ولا يلزمه"؛ أي لا يجب عليه، وينبغي الحرمة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وفي بعض النسخ: مخيف بضم الميم، وإسناد الإخافة إلى الطريق مجاز؛ لأن الخيف قاطعها لا هي. والله سبحانه أعلم.
وفي الحطاب: قال في التوضيح: إذا كانت [الطريق غير مخوفة] (١)، ولو كانت أبعد، فليس بمحصور إن بقي من المدة ما يدرك فيه الحج. انتهى. فمفهومه أنه لو بقي من المدة ما لا يدرك فيه الحج أنه محصور، وقال في الطراز: إن كانت له طريق أخرى يقدر على الوصول منها لا يخاف فليس بمحصور، وليسلك تلك الطريق طويلة كانت أو قصيرة، يخاف فيها الفوات أو لم يخف، وهو كمن أحرم بالحج من أول ذي الحجة من مصر أو بأقصى المغرب، فإنه وإن أيس من إدراك الحج لا يحله إلا البيت لأنه يجد طريقا إلى البيت. انتهى. فتأمله مع كلام التوضيح. فإن مفهوم كلامه في التوضيح مخالف له. والله أعلم. انتهى كلام الحطاب.
وكره إبقاء إحرامه، ليس هذا من فروع المحصر للعدو ومن في حكمه، وإنما هو في حق من فاته بأحد الوجوه الآتية؛ إذ من تقدم يكره له البقاء على إحرامه إلى قابل بعد أو قرب؛ يعني أن من فاته الحج بأحد الوجود الآتية يندب له التحلل بعمرة، ويكره له البقاء على إحرامه في الحج لقابل من غير أن يتحلل بفعل عمرة.
ومحل الكراهة إن قارب مكة أو دخلها؛ لأنه لا يأمن على نفسه من مقاربة صيد أو نساء، فإحلاله أولى وأسلم؛ إذ الغالب عدم الوفاء بحق الإحرام مع طول المقام، وإنما ذكر المصنف "أو دخلها"، وإن كان أحرى ليلا يتوهم تحريم إبقاء إحرامه إن دخل، وأنه يجب عليه التحلل بفعل عمرة وليس كذلك، فإن بعد عن مكة لم يكره له البقاء على إحرامه إلى قابل، ووجه التفصيل الذي ذكره المصنف أنه لما كان لا يتحلل إلا بعمرة، خير في البعد لتعارض مشقة البقاء على الإحرام ومشقة الوصول إلى البيت، وكره البقاء مع القرب لتمكنه من البيت، وإذا بقي على إحرامه أجزأه على المشهور خلافا لابن وهب، قال: لا يجزئه عن حجة الإسلام ولا هدي عليه،
стр. 2968
خلافا للعتبية ووجه مالها بأنه كتأخير أفعال الحج عن وقتها، ولأن الغالب عدم الوفاء بحق الإحرام مع طول المقام، ولهذا قال بعضهم: إن الهدي لا يؤكل منه لاحتمال أن يكون أماط أذى. انظر الحطاب.
ولا يتحلل إن دخل وقته. هذا أيضا فيمن يتحلل بعمرة كالذي قبله؛ يعني أن من بقي على إحرامه ممن تحلله بعمرة يكره له البقاء على إحرامه إن قارب مكة أو دخلها كما قدمه، فإذا ارتكب المكروه بأن بقي على إحرامه حتى دخل وقت الإحرام من العام الثاني، فإنه لا يتحلل من إحرامه الذي بقي عليه بفعل عمرة؛ أي يكره له ذلك فيما يظهر. قاله عبد الباقي. وكذا لو بعد من مكة وبقي على إحرامه حتى دخل وقت الإحرام من العام الثاني فإنه لا يتحلل من إحرامه ذلك بفعل عمرة، فكلام المصنف شامل للأقسام الثلاثة كما حققه الرماصي. انظر حاشية الشيخ بناني. وأما من تحلله بالنية؛ وهو الممنوع بعدو أو فتنة أو حبس لا بحق، فظاهر ما مر أن له التحلل في أي وقت، وإلا؛ أي وإن لم يمض على إحرامه الأول الذي أمر بعدم التحلل منه بفعل عمرة بل خالف وتحلل بفعلها بعد دخول وقت الحج ثم أحرم بالحج، ففي ذلك ثلاثة أقوال لابن القاسم في المدونة:
أحدها: يمضي تحلله أي يصح وبيس ما صنع بناء على أن الدوام ليس كالابتداء، ولا يكون متمتعا وهو الأقرب؛ لأن المتمتع من تمتع بالعمرة إلى الحج وهذا تمتع من حج إلى حج لأن عمرته كلا عمرة إذ شرطها الإحرام وهو مفقود هنا، وهذه التي تحلل بها إنما تحلل بفعلها لا بها بتمامها.
ثانيها: لا يمضي وهو باق على إحرامه، بناء على أن الدوام كالإنشاء؛ أي أن بقاءه على إحرامه الأول مثل إنشائه إحراما الآن وأردف عليه عمرة فتبطل كما مر. والله سبحانه أعلم. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
ثالثها؛ أي ثالث الأقوال: يمضي تحلله، وإذا مضى فهو حينئذ متمتع؛ ولم يختلف قول ابن القاسم في المدونة في مسألة ثلاث مرات إلا هنا، واختلف قول مالك فيها كثيرا.
стр. 2969
ولا يسقط عنه الفرض؛ يعني أن الشخص إذا حصر عن نسكه بعد الإحرام بعدو ومن في حكمه فلم يات به، وتحلل منه بنحر هديه وحلقه أو بفعل عمرة، فإن كان في تطوع لم يلزمه قضاء ذلك عند الجمهور، وإن كان في واجب نظرت، فإن كان معينا كالنذر المعين فلا شيء فيه أيضا كالتطوع يتعين بعد الشروع فيه، وإن كان في واجب مضمون كالنذر في الذمة أو فريضة الإسلام في الحج، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل: يبقى الوجوب في ذمته، وقال ابن الماجشون: يجزئه، ومثله لأبي مصعب وابن سحنون، قالوا: لأنه فَعَلَ مقدورَه وبذل وسعه، وإنما يستحب له مالك القضاء، وأما العمرة فإن لم ينذرها أو نذرها نذرا معينا فهي كالحج التطوع، وإن كان نذرا مضمونا فهي في ذمته، وإنما سميت عمرته ﵊ عمرة القضاء للمقاضاة عليها مع قريش، لا أنها قضاء عن عمرة الحصر الماضية، خلافا للحنفية، قال بعض: ولو قلنا به لا يلزمنا محظور؛ لأنا نقول: دل فعله ﷺ على جواز القضاء لا على وجوبه؛ لأن الذين صدوا معه ﷺ كانوا ألفا وأربعمائة ولم يعتمر معه إلا نفر يسير، ولم ينقل أنه أمر الباقين بالقضاء، ولو وجب لبينه لهم وأمرهم به. قاله سند. نقله عبد الباقي وغيره.
ولم يفسد بوطء إن لم ينو البقاء؛ يعني أنه إذا أحصر وقلنا يجوز له التحلل، فتارة ينوي البقاء على إحرامه إلى العام القابل، وتارة لم ينو ذلك، فإن لم ينو البقاء على إحرامه إلى العام القابل بأن نوى التحلل من إحرامه ثم أصاب النساء، فإنه لا يفسد حجه، وفائدة ذلك أنه لا يلزمه إتمام المفسد ولا قضاؤه فورا، وأما إن لم ينو التحلل ولا البقاء، فكما إذا نوى البقاء على إحرامه إلى قابل، والحكم فيه أنه إذا أصاب النساء فقد أفسد حجه ويلزمه إتمامه كما مر عند قوله: "ووجب إتمام المفسد" ويلزمه أيضا قضاؤه على الفور كما مر عند قوله: "وفورية القضاء"، وحملت قوله: "إن لم ينو البقاء"، على ما إذا نوى عدم البقاء، بأن نوى التحلل مع أنه صادق بما إذا لم ينو شيئا؛ لأنه إذا لم ينو شيئا فالأصل بقاء ما كان على ما كان، فلو قال المصنف: إن نوى عدم البقاء، لكان أظهر.
ولما أنهى الكلام على من أحصر عن جميع أماكن النسك من البيت وعرفة، شرع في القسم الثاني وهو الحصر عن البيت فقط، فقال: وإن وقف وحصر عن البيت فحجه تم؛ يعني أن الحاج إذا
стр. 2970
وقف بعرفة وتمكن منها؛ بأن وقف بها ليلة النحر، ثم أحصر عن البيت لمرض أو عدو كما في النص أو حبس بحق أو فتنة، فإن حجه قد تم أي أدركه؛ لأن (الحج عرفة (١))، وليس المراد حقيقة التمام بقرينة قوله: ولا يحل إلا بالإفاضة؛ يعني أن حجه قد تم بمعنى أنه أدركه ولم يفته، لكنه يتوقف كمال حله على طواف الإفاضة، فيبقى محرما ولو أقام سنين، قال أحمد: فإن مات قبلها لكان قد أدى ما عليه من فرض الحج. انتهى. وهو خلاف ظاهر كلامهم. قاله إبراهيم اللقاني. وفي نقل المواق ما هو كالصريح فيما لأحمد. قاله عبد الباقي. ودعم بناني ما لأحمد أيضا، ثم إن تيسر لهذا المحصور طواف الإفاضة قبل تمام ذي الحجة فلا دم عليه، وإن أخره للمحرم فعليه دم كما مر. والله سبحانه أعلم.
وعليه للرمي ومبيت منى ومزدلفة هدي، مبتدأ وخبره: "عليه"؛ يعني أن المحصر بعدو أو نحوه أو بمرض ونحوه عن البيت، فإنه لا يحل إلا بطواف الإفاضة كما مر، فإن أحصر عن البيت فقط فالأمر واضح، فإن أحصر عنه وعن ما قبله مما بعد الوقوف كالرمي للجمار ومبيت منى ونزول مزدلفة فإنه يجب عليه لجميع ذلك هدي واحد، ولا يقال إن مذهب ابن القاسم سقوط الهدي عن من أحصر بعدو؛ لأن ذلك في حق من لم يقف بعرفة، وقوله: "مزدلفة"، عطف على قوله: "ومبيت"، على حذف مضاف؛ أي ونزول مزدلفة، ولا يخفى أن الهدي في المزدلفة إنما يكون بترك نزوله بها قدر ما تحط الرحال لا بترك المبيت بها كما مر.
كنسيان الجميع؛ يعني أنه يلزمه للثلاثة هدي واحد حيث وقف بعرفة وحصر عن البيت، فهو كما إذا نسي الجميع من الرمي والبيت بمنى ومزدلفة، وإن لم يكن محصورا فإنه يلزمه لذلك هدي واحد، وكذا لو تعمد ترك ذلك فإنه يكفيه لذلك هدي واحد مع الإثم عند ابن القاسم، وقال أشهب: يتعدد عليه الهدي وهو المفهوم من كلام المصنف في مناسكه وتوضيحه، وعليه فاللازم له ثلاث هدايا: هدي لترك المزدلفة وهدي لترك الرمي، وهدي لترك المبيت بمنى.
وعلم مما قررت أن "كنسيان الجميع" أصل لما قبله: فهو مشبه عليه كما يفيده الشارح. والله سبحانه أعلم.
стр. 2971
وفي الحطاب بعد جلب نقول: والحاصل أن في التعدد مع العمد قولين لابن القاسم وأشهب، فعند ابن القاسم: لا يتعدد، وعند أشهب: يتعدد، وهو الذي يفهم من كلام المصنف هنا وفي مناسكه، وصرح به في توضيحه. والله أعلم. وفي عبارة المصنف تورك؛ لأن قوله: "وحصر عن البيت"، يقتضي أنه لم يحصر عن غير البيت، وقوله: "وعليه الرمي" الخ، يدل على أنه أحصر عن ذلك، والجواب أن قوله: "حصر عن البيت"، سواء حصر عن ما قبله مما بعد الوقوف أو لا، وقوله: "وعليه للرمي"؛ الخ حيث منع من ذلك.
وإن حصر بما سبق من الأمور الثلاثة عن الإفاضة؛ أي عرفة، وسماها إفاضة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾. قاله عبد الباقي. وفي كلام غيره ما يقتضي أن المراد بالإفاضة إفاضة عرفة؛ أي الدفع منها أي الذهاب منها إلى المزدلفة، لكن على تقدير مضاف أي حصر عن سبب الإفاضة من عرفة، وهو الوقوف بعرفة، وإيضاح معنى كلام المصنف أن من تمكن من البيت ثم حصر عن الوقوف بعرفة لم يحل إلا بفعل عمرة، وقوله: "حصر"؛ أي حبس عن الحضور بعرفة بسبب أحد الثلاثة المتقدمة أي: العدو والفتنة والحبس ظلما.
أو فاته الوقوف بغير؛ يعني أن المحرم بحج إذا فاته الوقوف بعرفة بغير الأمور الثلاثة المتقدمة فإنه لا يحل بالنية، وإنما يحل بفعل عمرة، ومثل للغير بقوله: كما إذا فاته لمرض أو خطأ عدد، ولو لجميع أهل الموسم، بعاشر أو خفاء هلال، أو حبس بحق.
وعلم مما قررت أن قوله: لم يحل إلا بفعل عمرة، جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن حصر"، فهو راجع لمسألتي الحصر والفوات.
بلا إحرام صفة لعمرة، فهو ظرف مستقر، والباء للملابسة؛ يعني أن تحلله المذكور بفعل عمرة لا يكون بتجديد إحرام للعمرة، بل ينوي أنه متحلل من إحرامه السابق للحج بفعل هذه العمرة المتحلل بها. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما هنا وما مر أن من أحصر عن البيت وعرفة معا بمرض ونحوه أنه كمن فاته الوقوف بعرفة فقط، في أنه إنما يتحلل بعمرة لا بنية فقط أو مع هدي وحلق، وقد مر التصريح بذلك. والله سبحانه أعلم.
стр. 2972
ولا يكفي قدومه؛ يعني أن هذا الذي لا يحل إلا بفعل عمرة؛ إذا طاف للقدوم فإنه لا يجتزئ بطوافه ذلك للقدوم عن طواف العمرة وسعيها [التي طلب بها] (١)، للإحلال.
تنبيهات: الأول: قيد قوله: "أو حبس"؛ بقوله: "بحق"؛ لأنه من أمثلة قوله: "بغير"، ومفهومه دخل في قوله: "وإن حصر عن الإفاضة"، فقول الخرشي وعبد الباقي: إنه إن حبس ظلما حل بالنية في أي موضع كان غير صواب؛ لأن الفرض أنه متمكن من البيت، فلا يحل بالنية إلا إن كان بعيدا من مكة كما مر، فالعجب من قولهما هذا مع أنهما قالا أولا: وإن حصر عن الإفاضة بما سبق من الأمور الثلاثة ومنها الحبس ظلما. انظر حاشية الشيخ بناني.
الثاني: قال الإمام الحطاب: هذا القسم -أعني المحصر عن الوقوف- وإن كان حكمه حكم من فاته الوقوف لكمرض من أن كلا منهما لا يحل إلا بفعل عمرة، فإنه يخالفه في حكم آخر، وهو أن المحصر بعدو لا قضاء عليه كما صرح به المصنف في مناسكه، وصرح به غيره، بخلاف من فاته الحج فإن عليه قضاء ما فاته ولو تطوعا.
الثالث: قول المصنف: "أو أخطأ الجم بعاشر"، هو في بيان المجزئ وعدمه، وما هنا في بيان كيفية التحلل إذا لم يجزه.
الرابع: قال الإمام الحطاب: إذا أفسد المحرم حجه ثم حصر، فهل له أن يتحلل؟ وهل يلزمه القضاء؟ لم أر فيه نصا، وقال ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير: إن له أن يتحلل ويلزمه القضاء ودم الفساد ودم الحصر، كذا قال الشافعية والحنفية والحنابلة، قال: وهو مقتضى المالكية إلا أنه لا هدي عندهم على المحصر، وما قاله ظاهر. والله أعلم انتهى.
وحبس هديه معه إن لم يخف عليه؛ يعني أن المريض ونحوه إذا كان معه هدي، فإنه يحبسه معه إن لم يخف عليه من العطب، كطول مرضه مثلا رجاء أن يتخلص من المانع، فينحر هديه إذا بلغ محله، قال في المدونة: وإذا كان مع المحصر بالمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه، إلا أن يصيبه من ذلك مرض يتطاول به ويخاف على الهدي، فليبعث به وينحر بمكة،
стр. 2973
ويقيم هو على إحرامه. نقله الشارح. وجعلت فاعل "حبس": المريض ومن في حكمه تبعا لغير واحد.
قال عبد الباقي: وهذا يعني قوله: "وحبس هديه" الخ في المريض ومن في حكمه، كمن حبس بحق، وأما المحصر بعدو فإن أمكن إرساله أرسله وإلا ذبحه بأي مكان شاء، وجعل التتائي كلام المصنف على ظاهره شاملا للمريض والمحصر بالعدو وهدي التطوع، ولكن نقله كالشارح والمواق يفيد ما قدمناه؛ وأيضا صدر بتقرير الشارح: وحبس هدي المريض ومن في حكمه معه على سبيل الندب كما قال سند، ولو أمكنه إرساله سواء كان الهدي واجبا أو تطوعا، ومفهوم الشرط أنه لو خيف عليه أرسله إن أمكن وإلا ذكاه بموضعه، وحمل بعضهم الحبس على الوجوب في الهدي الواجب، وعلى الندب في التطوَّع به، وحمل أحمد الحبس على الوجوب وأطلق. انتهى.
وفي الخرشي بعد جلب نقول: فالذي يتحصل على هذا أنه إما أن يمكن إرساله أم لا، وفي كل إما أن يخاف عليه أم لا، فإن خيف عليه وأمكن إرساله أرسله مطلقا، أحصر بمرض أو غيره، وإن خيف عليه ولم يمكن إرساله فإنه ينحر أو يذبح بأي محل، وإن لم يخف عليه فهدي المريض يحبسه معه ولو أمكن إرساله، وهدي المحصر بغير مرض يذبح أو ينحر بمحله إن لم يمكن إرساله، وكل من الحبس والإرسال حيث قيل به فهو في هدي التطوع مندوب، كما يدل عليه ما ذكره الحطاب عن سند، وأما في الهدي الواجب فواجب. وقد جعل الزرقاني الحبس واجبا وأطلق، فيحمل على الهدي الواجب فلا يخالف ما لسند. انتهى.
وفي الحطاب: قال سند: من ساق هدي تطوع يستحب له أن ينحره بنفسه وأن يكون بصحبته، فإذا خاف عليه العطب كان بلوغه مع غيره أولى من عطبه قبل بلوضه، ولو أرسله من غير خوف أو حبسه مع الخوف إلا أنه لم يصنع فيه [شيئا] (١) حتى هلك لم يكن عليه شيء، وإنما الكلام فيما هو الأحسن.
ولم يجزه عن فوات؛ يعني أن المحصر إذا كان عنده هدي تطوع قلده أو أشعره قبل الفوات، فإنه لا يجزئه عن دم الفوات، سواء بعث به إلى مكة أم لا؛ لأنه ترتب عليه قبل الفوات فلا
стр. 2974
يجزئه عما رجب عليه بسبب الفوات؛ فيلزمه هدي للفوات مع حجة القضاء، وهذا صريح في لزوم الهدي مع الفوات، وهو ظاهر في الحصر بمرض، وأما المحصور بعدو ونحوه فقد مر أن ابن القاسم يقول: لا دم عليه وهو الذي درج عليه المصنف فيما مر، حيث قال: ولا دم، خلافا لأشهب القائل: عليه هدي للفوات، وقد مر ذلك، فإن قلت: قد مر: "وإن أردف لخوف فوات أو لحيض أجزأ التطوع لقرانه"، وظاهره: ولو قلده وأشعره قبل الإرداف، وهو ظاهر كلام الشارح هناك وهو مخالف لا هنا، وكذا قوله: "كإن ساقه فيها ثم حج من عامة" الخ؛ فإنه يفيد أن ما ساقه في العمرة يجزئ عن التمتع على ما صدر به هناك، وظاهره: ولو قلده وأشعر قبل الإحرام بالحج، فالجواب أن إحرام الحج والعمرة لما كانا مندرجين تحت مطلق الإحرام لم يكن بينهما من المخالفة ما بين الحج وفواته، فلذا أجزأ ما سيق في العمرة عن التمتع والقران، ولم يجز ما سيق في الحج عن فواته، وبأن ما سيق في الحج حيث فات بمنزلة ما لم يسق في نسك، بخلاف ما سيق في عمرة فإنه سيق في نسك قطعا.
وخرج للحل إن أحرم بحرم؛ يعني أن المحصر الذي لا يحل إلا بفعل عمرة يجب عليه أن يخرج إلى الحل من غير إنشاء إحرام كما مر، ومحل لزوم خروجه للحل إن كان قد أحرم من حجه الذي منع منه بحرم؛ لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم. أو أردف؛ يعني أن المحصر الذي لا يحل إلا بفعل عمرة يجب عليه أن يخرج إلى الحل من غير إنشاء إحرام كما مر، ومحل لزوم خرجه للحل إن كان قبل منعه قد أحرم بالحج بالحرم، أو كان قد أردف الحج على العمرة في الحرم؛ إذ كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، ثم يحج هذا الذي تحلل بعمرة في العام القابل ويهدي.
وأخر دم الفوات للقضاء؛ يعني أنه يجب عليه أن يؤخر الهدي الذي ترتب عليه من أجل الفوات إلى عام القضاء ليجتمع الجابر النسكي والمالي، ولا يقدمه عام الفوات، وإن خاف الموت فلو قدم الهدي في عام الفوات فإنه يجزئه، وإلى ذلك أشار بقوله: وأجزأ إن قدم؛ يعني أنه إذا خالف الواجب فقدم الهدي عام الفوات مع العمرة التي اعتمرها للتحلل، فإنه يجزئه، قال فيها: لا يقدم هدي الفوات وإن خاف الموت، فإن فعل أجزأ؛ لأنه لو هلك قبل أن يحج أهْدِيَ
стр. 2975
عنه، ولو كان لا يجزئه إلا بعد القضاء ما أهْدِيَ عنه بعد الموت، وقال أشهب: لا يجزئ، قال بعض: وهو يخالف ابن القاسم في مسألة الموت أيضا فلا تقوم عليه بها حجة، وقد مر قول المؤلف: "ونحر هدي في القضاء وأجزأ إن عجل"، لكن ذلك في المفسد، وهذا في الفائت.
تنبيهان: الأول: قال الإمام الحطاب: انظر إذا أحرم بالحج من مكة ثم خرج إلى عرفة فوقف في اليوم الثامن ولم يعلم بذلك حتى فاته الوقوف، ثم علم بذلك بعد رجوعه إلى مكة، فهل يؤمر بالخروج إلى الحل أم لا؟ لم أر فيه نصا، والظاهر أنه يجزئه ولا يؤمر بالخروج ثانيا، قال في سماع عيسى في رسم استأذن من كتاب الحج: وسئل ابن القاسم عن الذي يأتي عرفة وقد طلع الفجر؟ قال: يرجع على إحرامه إلى مكة، وينوي به عمرة فيطوف ويسعى ويقصر ويحل ويرجع إلى بلاده ويحج قابلا ويهدي، قال ابن رشد: وهذا كما قال، وهذا مما لا اختلاف فيه. انتهى. وأما لو أحرم من مكة ثم خرج إلى الحل لحاجة ثم فاته الحج وهو بمكة، فالظاهر أن خروجه ذلك لا يكفيه؛ لأن المقصود أن يخرج إلى الحل لأجل الحج. فتأمله. والله أعلم. انتهى.
الثاني: قال إمامنا مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه: من فاته الحج بخطإ العدد أو مرض أو خفاء هلال أو شغل أو بأي وجه غير العدو، فلا يحله إلا البيت ويحج قابلا ويهدي متطوعا كان أو مفترضا، ومن دخل في حج أو عمرة وجب عليه الإتمام، قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وسواء غلب على ذلك أو لم يغلب؛ لأن من فاته الحج مغلوب، ومن أغمي عليه مغلوب، ومن مرض مغلوب فجعل على من فاته الحج لغلبةٍ القضاء كان تطوعا أو واجبا، خلافا لنوافل الصلاة والصوم التي إذا غلب عليها لم يلزمه قضاء، وجاءت السنة في حصر العدو؛ بأنه لا قضاء عليه في النوافل، فخرج حصر العدو عما سواه. قاله الحطاب. قال: وإنما نبهت على هذا وإن كان ظاهرا؛ لأن بعض الناس توقف في وجوب قضاء التطوع حيث لم يره في ابن الحاجب وابن عرفة وغيرهما من المتون والشروح المتداولة؛ وقد صرح به غير واحد. والله أعلم.
وإن أفسد ثم فات؛ يعني أنه إذا اجتمع الفساد مع الفوات فإنه يغلب الفوات بأن يتحلل بعمر سواء كان الفساد سابقا؛ بأن أحرم بحج ثم جامع ففسد حجه لأجل ذلك، وفاته الحج قبل أن يتم المفسد، فإنه يجب عليه أن يتحلل من إحرامه الفاسد بفعل عمرة، ولا يجوز له تغليب
стр. 2976
الفاسد بأن يبقى على إحرامه لقابل؛ لأن فيه تماديا على الفاسد، أو كان الفساد لاحقا كما أشار إليه بقوله: أو بالعكس. بأن أحرم بحج وفاته ثم أفسده بوطء قبل أن يتحلل منه بفعل عمرة أي قبل الشروع فيها، فإنه يجب عليه أن يتحلل بفعل عمرة، ولا يجوز له البقاء على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفاسد اتفاقا في المسألتين، ويخرج إلى الحل إن أحرم بحرم أو أردف فيه على ما تقدم، ويقضي الحج من قابل دون العمرة الفاسدة في الصورة الثانية؛ لأنها ليست عمرة في الحقيقة، وإنما تحلل بطواف وسعي. قاله الخرشي. وقوله: "أو بالعكس"، الظاهر أنه متعلق بمحذوف تقديره: أو كان الأمر بالعكس، بأن يحرم بحج ويفوته ثم يفسده بوطء قبل أن يتحلل منه بفعل عمرة. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه.
وإن بعمرة التحلل، المبالغة راجعة للصورة الثانية؛ أي وإن حصل الفساد في عمرة التحلل أي وقع في أثنائها، ومعنى كلامه أنه يتحلل بفعل عمرة، سواء وقع الفساد قبل الشروع في عمرة التحلل أو وقع في أثنائها أي عمرة التحلل، فيكتفي بها.
وعلم مما قررت أن قوله: تحلل. جواب الشرط، فهو راجع لمسألتي أفسد ثم فات أو بالعكس، ومعنى تحلل بقي على تحلله بالعمرة الصحيحة فيما إذا حصل موجب الفساد قبل فعلها، وبالعمرة الفاسدة حيث حصل موجب الفساد في أثنائها، فليس عليه إذا فسدت أن يفعل عمرة غيرها بل يتمها فقط، وقد أشار الشارح وغيره إلى ما يفيد ذلك، وعبارة عبد الباقي عند قوله: "تحلل": وجوبات ولا يجوز له البقاء على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، والمراد: بقي على تحلله في الصحيحة والفاسدة التي وقع الوطء فيها، فلا يطلب بإعادتها صحيحة، بل يتم سعيها وتكفي في التحلل. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وقضاه دونها؛ يعني أنه يلزمه أن يقضي الحج دون العمرة التي حصل الوطء فيها في الصورة الثانية فلا يقضيها لأنها في الحقيقة تحلل لا عمرة، قال في التوضيح: إذا اجتمع في الحج فوات وإفساد سواء كان الإفساد أولا أو ثانيا فلا يجوز له البقاء هنا على إحرامه؛ لأن فيه تماديا على الفساد، ويتحلل بفعل عمرة من الحل إن كان أحرم بحج من مكة أو أردف فيه: وإن كان إحرامه من الحل لم يخرج إليه. انتهى. قال ابن عبد السلام: لم يجز له البقاء على إحرامه إلى
стр. 2977
قابل اتفاقا. انتهى. نقله الحطاب. وقال عقبه: فعلم منه أن قول المصنف: "تحلل"، على جهة الوجوب. انتهى. وظاهر قوله: "تحلل"، أنه لو أخر إحرامه حتى دخلت أشهر الحج، أو وطئ في أشهر الحج أنه يؤمر بالتحلل هنا وجوبا، وهو الظاهر، فيتحلل ليخلص من الفساد ويقضيه في تلك السنة. والله أعلم. قاله الحطاب.
واعلم أن هذا الذي اجتمع عليه الفساد والفوات عليه هديان، هدي للفوات، وهدي للفساد إن قضى مفردا، سواء كان أحرم مفردا أو متمتعا وأما لو كان أحرم قبل ذلك متمتعا، وقضى متمتعا أو كان أحرم قارنا وقضى قارنا، أو كان أحرم مفردا وقضى متمتعا فعلية ثلاث هدايا، في كل واحدة من هذه الصور الثلاث هدي للفساد، وآخر للفوات، وآخر للقران أو للتمتع، ولا شيء في القران أو التمتع الفائت، كما أشار إلى ذلك بقوله: لا دم قران ومتعة للفائت، الواو في قوله: "ومتعة"، بمعنى: أو: يعني أنه لا شيء عليه في القران أو التمتع الفائت؛ لأنه آل أمره إلى عمرة ولم يتم القران. قاله اللخمي. ويقال مثله في التمتع، وقوله: "للفائت"، سواء حصل مع الفوات فساد كما في هذا الذي نحن فيه، أو انفرد الفوات عنه. قاله عبد الباقي. وقوله: "لا قران أو متعة للفائت"، وإذا لم يكن هدي للفائت من قران أو متعة فيكون عليه ثلاث هدايا: هدي للفساد، وهدي للفوات، وهدي للقران أو التمتع الثاني، وهذا هو مذهب ابن القاسم، وله أيضا وجوب أربعة بزيادة دم للفائت، وهو الذي رد المصنف، وفي هذا نوع تكرار مع قوله فيما مر: "وثلاثة إن أفسد قارنا"، وإيضاح ما قدمته من قولي: وإذا لم يكن هدي للفائت من قران الخ، أن تقول: فإذا أحرم قارنا أو متمتعا ثم فاته الحج ثم حصل منه مفسد أو تقدم الفساد على الفوات ثم قضى متمتعا أو قارنا، فإنه يجب عليه هدي للفساد وهدي للفوات وهدي للثاني من قران أو تمتع، وليس للفائت من قران أو تمتع هدي، وقيل: يكون له وعليه فتكون الهدايا أربعة.
وعلم مما قررت أن قوله: "وعليه هديان"، محله إن قضى مفردا سواء أحرم مفردا أو متمتعا، وأما لو أحرم متمتعا وقضى متمتعا، أو أحرم قارنا وقضى قارنا، أو أحرم مفردا وقضى متمتعا فعليه ثلاث هدايا كما عرفت، ولهذا قال الخرشي: ولو قال عقب قوله "هديان" ما نصه: إن
стр. 2978
قضى مفردا وإلا فثلاثة ولا دم، لوفى بالمراد بلا كلفة، وكذا لو قال عقب "تحلل": وقضاه دونها وعليه ثلاثة إن قضى قارنا أو متمتعا وإلا فهديان ولا دم لقران أو تمتع فات. انتهى.
(ولا يفيد لمرض أو غيره: نية التحلل بحصوله) يعني أنه إذا نوى عند إحرامه أنه متى حصل له مرض أو حبس أو حصر من عدو أو غير ذلك مما يمنع من تمام نسكه يكون متحللا من إحرامه من غير فعل عمرة، فإن تلك النية السابقة على وجود العذر لا تفيده عند حصول المانع، ولا بد في التحلل من نية يحدثها له؛ لأن هذا شرط مخالف لسنة الإحرام، ومثل اشتراطه بالنية اشتراط ذلك باللفظ قبل وجود العذر، فإنه لا يفيد في التحلل؛ وقوله: "بحصوله"، متعلق "بالتحلل"، والباء سببية. قاله الخرشي. وقوله: "لمرض"، أصالة بأن يكون صحيحا وينوي أنه إذا مرض تحلل، أو زيادة بأن يكون مريضا وينوي أنه إذا زاد عليه مرضه أو أقعده تحلل قاله الخرشي. وقوله: "لمرض"، اللام للتعليل، وهو متعلق "بتفيد"؛ أي ولا تفيد نية التحلل بسبب حصول المرض لأجل مرض يحصل على تقدير حصوله. والله سبحانه أعلم.
(ولا يجوز دفع مال لحاصر إن كفر) يعني أن الحاصر عن الحج إذا كان كافرا فإنه لا يجوز دفع مال إليه قليلا أو كثيرا، لأجل أن يمكن الحاج من الوصول إلى مكة أو غيرها، لما فيه من الذل للمسلمين وتقوية ما هو فيه وهذا هو المشهور، وقال ابن عرفة: قلت: الأظهر جوازه وَوَهَنُ الرجوع بصده أشد من إعطائه. انتهى. قال الإمام الحطاب: وقد لا يسلم له ذلك. انتهى. قال الأجهوري: الظاهر ما لابن عرفة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ومفهومُ الشرط -يعني قوله إن كفر- جواز دفع ما قل من المال لمسلم كدفع لظالم لا ينكث كما قدم المصنف، بل يجب. انتهى. قال محمد بن الحسن: قوله ومفهوم الشرط الخ، بل يجوز الدفع للمسلم مطلقا قل أو كثر كما في الحطاب عن سند، لكن القليل يجب دفعه بشرطه بخلاف الكثير، وقوله: "ولا يجوز دفع" الخ، قد مر أنه المشهور، وهو طريقة ابن شأس وابن الحاجب، وتبعهم المصنف، وصرح سند بأنه يجوز مع الكراهة، فإنه قال: إن بذل المشركون الطريق للمسلمين على مال يدفعونه لهم كره لهم دفع ذلك لما فيه من الذلة وكان التحلل أولى، ويجوز دفعه لهم. قاله الحطاب.
стр. 2979
فتحصل أن في ذلك ثلاثة أقوال: المنع لابن شأس وتابعيه، والكراهة لسند، والجواز لابن عرفة. قاله الحطاب. ابن عبد السلام: وأما إعطاء المال فقد مال جماعة من أهل المذهب وغيرهم إلى جواز ذلك في غير مكة إذا دعت الضرورة إليه، ولا يوجد عنها محيص، وينبغي أن يجوز ذلك هنا بطريق الأولى؛ لأن الضرورة في تخليص مكة أو تحصيل المناسك آكد.
وفي جواز القتال مطلقا تردد؛ يعني أنه اختلف المتأخرون في النقل عن المذهب في جواز قتال الحاصر عن الحج بالحرم أو بمكة مطلقا، كان الحاصر كافرا أو مسلما، فذكر ابن شأس وابن الحاجب أن ذلك لا يجوز، وذكر سند وابن عبد البر أن قتال الحاصر جائز، قال في التوضيح: قال ابن هارون: والصواب جواز قتال الحاصر، ومحل الخلاف إذا لم يبدأ الحاصر بالقتال، فإن بدأ به جاز بلا خلاف، قال ابن عرفة: قتال الحاصر البادئ به جهاد وإن كان مسلما، وفي قتال غير بادئ به نقلا سند وابن الحاجب مع ابن شأس عن المذهب، والأول الصواب إن كان الحاصر بغير الحرم؛ يعني بالحرم غير مكة، وأما في غير الحرم فلا يختلف في جوازه، قال ابن عرفة: وإن كان بها أي بمكة فالأظهر نقل ابن شأس، لحديث: (إنما أحلت لي ساعة من نهار). انتهى المراد منه. واعترض على ابن هارون، واعتراضه عليه غير ظاهر؛ لأنه قد نقل عن سند جوازه، ونقل المصنف في التوضيح جوازه عن صاحب الكافي، وكلام ابن العربي كاف في ذلك أيضا، وأما حديث: (إنما أحلت لي ساعة من نهار (١))، وما في معناه من الأحاديث الدالة على المنع، فإن ذلك محمول كما قاله النووي عن الشافعي على القتال بما يعم كالمنجنيق إذا أمكن صلاح الحال بدونه وإلا جاز، وجاز حمل السلاح حينئذ بمكة وخبر: (لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة) (٢) محمول عند أهل العلم على حمله لغير ضرورة، ولا حاجة وإلا جاز، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما: ويجوز دخولها بعده ﷺ لحرب في قتال جائز، وقول القاضي: لا يحل دخولها بعده لحرب أو بغي، يحمل على غير القتال الجائز، وأما هو فيجوز دخولها له ولو بغير إحرام، وقول الخبر: (وإنما أحلت لي ساعة من نهار (٣))؛ أي أحل
стр. 2980
لي إراقة الدم فيها دون الصيد، وهي ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر كما في ابن حجر. قاله عبد الباقي.
وقوله: "وفي جواز القتال" الخ؛ يعني ولو أهل مكة، قال ابن فرحون: أما حكم قتال أهل مكة إذا بغوا على أهل العدل، فذهب بعض الفقهاء إلى منع قتالهم مع بغيهم، وأن يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي، ورأوا أن أهل مكة لا يدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾، والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة حق لله تعالى، فحفظ حقه في حرمه أولى من أن يكون مضاعا فيه.
وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أن الأرجح قتال البغاة إذا كانوا بمكة، وأنه لا يحل حمل السلاح بها لغير ضرورة، وأن حمله لضرورة جائز، وأنه يجوز دخولها من غير إحرام لقتال جائز. انتهى.
ولولي منع سفيه؛ يعني أن السفيه محجور عليه، فلوليه أن يمنعه من السفر إلى الحج، فإن أذن له في السفر إلى الحج وكان نظرا ومصلحة في حق السفيه فإن ذلك جائز، وإن أحرم حينئذ فليس له تحليله، وقوله: "سفيه"؛ أي شخص سفيه، فيشمل السفيه ولو زوجة؛ وقوله: "وللولي منع سفيه"، لم يذكر هذا الفرع ابن الحاجب، وذكره في التوضيح ناقلا له عن سند، ونصه: قال مالك: ولا يحج السفيه إلا بإذن وليه فينظر له؛ فإن رأى ذلك نظرا أذن له وإلا فلا. ابن عاشر: وهو مشكل إذ لم يذكروا من شروط وجوبه الرشد، وكيف يصح منع الولي إذا توفرت الشروط والأسباب وانتفت الموانع، قال الحطاب ناقلا عن ابن جماعة الشافعي: اتفق الأئمة الأربعة على أن المحجور عليه لسفه كغيره في وجوب الحج عليه، لكنه لا يدفع المال إليه انظره. انتهى. نقله بناني.
كزوج في تطوع؛ يعني أن المرأة لزوجها أن يمنعها من الإحرام بالحج التطوع، فإن أذن لها فيه فليس له أن يحللها، وأما حجة الإسلام فليس لزوجها أن يمنعها من الخروج إليها إن قلنا إن الحج على الفور، وكذا على القول بالتراخي، فإن تركت له المهر على أن يأذن لها في حج الفرض، فقال مالك وابن القاسم: لها أن ترجع عليه به لأنه يلزمه أن يدعها، ولابن القاسم في رواية أبي جعفر أن العطية لازمة إن كانت عالمة أن لها أن تحج وإن كره زوجها، وإن كانت