ولما أطلق المؤلف اليوم القدر في قوله: "سابع الولادة"، على مجموع الليل والنهار احتاج إلى قوله: نهارا؛ يعني أنه يشترط في العقيقة أن تذكى نهارا أي من طلوع الفجر للغروب، وكونه بعد الشمس مستحب، وذكر في الشامل أنها إذا ذبحت قبل الشمس لا تجزئ على المشهور لكنه متعقب. قاله الشيخ علي الأجهوري. ونحو ما للشامل للفيشي على العزية، والظاهر أن المستحب يحصل بمجرد طلوع الشمس، وإن لم تحل النافلة. قاله الشيخ عبد الباقي. وذكر في المقدمات أن ذبحها على ثلاثة أقسام: مستحب وهو من ضحوة إلى الزوال، ومكروه وهو ما بعد الزوال للغروب وما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مع الإجزاء فيهما، وممنوع فلا تجزئ وهو أن تذبح بالليل.
وألغي يومها إن سبق بالفجر؛ يعني أن يوم الولادة يلغى أي لا يحسب من الأيام السبعة إن سبق المولود بالفجر بأن ولدته أمه بعد طلوع الفجر فتحسب سبعة أيام غيره، وإنما يحسب يوم الولادة من الأيام السبعة إن ولدته أمه بالليل بأن ولدته قبل طلوع الفجر أو مع الفجر بأن تقارنا.
والتصدق بزنة شعره؛ يعني أنه يندب في سابع الولادة حلق رأس المولود والتصدق بزنة شعر رأسه الذي حلق ذهبا أو فضة عق عنه أم لا، ويفعل ذلك في سابع الولادة قبل العقيقة فيمن يعق عنه، وانظر لو أرادوا أن يتحروا وزن شعر رأسه من غير حلق، هل يندب لهم التصدق به أم لا؟ وهو ظاهر ما لهم هنا، وندب أن يسبق إلى جوف المولود حلاوة كما فعل ﵊ بعبد الله بن أبي طلحة، فإنه حنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه، والذكر والأنثى في حلق شعره والتصدق بزنته سواء، وفي الحديث (أنه ﷺ لما عق عن الحسن بشاة، قال: يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة (١))، قال علي ﵁: فوزناه فكان درهما أو بعض درهم.
وجاز كسر عظامها؛ يعني أنه يجوز كسر عظام العقيقة وليس بمسنون ولا مستحب، وقيل: يندب لأن فيه مخالفة للجاهلية، فقد كانوا لا يكسرون لها عظما مخافة ما يصيب الولد بزعمهم، فجاء الإسلام بنقيض ذلك. الفاكهاني: ويجب ترك شعار الجاهلية إذ لا فائدة فيه إلا اتباع
стр. 3152
الباطل، ولا يلتفت لقول من قال: فائدته التفاؤل بسلامة الصبي؛ إذ لا أصل لذلك من كتاب ولا سنة ولا عمل. انتهى. قال عبد الباقي: قوله: ويجب؛ أي فيما يحرم علينا، فلا ينافي قول المص: "وجاز كسر عظامها".
وكره عملها وليمة؛ يعني أنه يكره أن تجعل العقيقة وليمة يدعى الناس إليها، بل يأكل منها أهل البيت والجيران والغني والفقير ويطعم الناس في مواضعهم، وتمنع المعاوضة في العقيقة، ومنع غير واحد إعطاء القابلة منها لأنها إجارة، وأشعر قوله: "عملها"، أن عمل طعام غيرها وليمة غير مكروه، واستحسن ابن حبيب أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام لما روي عن مالك: عققت عن ولدي فذبحت بالليل ما أريد أن أدعو إليه إخواني ثم ذبحت شاة العقيقة فأهديت منها لجيراني فأكلوا وأكلنا، فمن وجد سعة فليفعل مثل ذلك، وسئل مالك: أيدخر لحم العقيقة؟ فقال: شأن الناس أكلها وما بذلك بأس، ولا حد فيما يأكل من العقيقة، بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، وهو أفضل من الدعوة، وإن أكلوا العقيقة ولم يطعموا منها أحدا أجزأهم وقد فاتهم الأفضل. وقوله: "وكوه عملها وليمة"؛ أي لخوف الفخر فتفسد النية فيما هو طاعة لله تعلى. ونقل عن ابن حبيب إباحة عملها وليمة لأنه طعام سرور فأشبهت الولائم.
قال ابن عرفة: وفي سماع القرينين: من وافق يوم عقيقة ولده يوم الأضحى ولا يملك إلا شاة عق بها. ابن رشد: إن رجا الأضحية في تالييه وإلا فالأضحية لأنها آكد انتهى. وإذا ذبح للأضحية والعقيقة لا يجزئه. نقله الحطاب. واعلم أن حكم لحم العقيقة وجلدها كالأضحية، وسئل مالك عنها وعن الأضحية: أيطعم منهما كافر؟ فقال: أحب إلي أن لا يطعم أحدا منهم.
ولطخه بدمها؛ يعني أنه يكره أن يلطخ المولود بدم العقيقة، لما في البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى (١))، وقد فسر بعضهم إماطة الأذى عنه بترك ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تلطيخ رأسه بدمها، وبعض بالحلق والتصدق بزنته، وروي عن يزيد بن عبد الله عن أبيه أنه قال: كنا في الجاهلية إذا ولدنا الغلام
стр. 3153
ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا ولدناه ذبحنا عنه ولطخنا رأسه بالزعفران، وإلى هذا أشار صاحب الرسالة بقوله: وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت الجاهلية تفعله فلا بأس بذلك.
وختانه يومها؛ يعني أنه يكره أن يختن المولود يوم العقيقة وهو سابع الولادة كما مر وأحرى يوم الولادة، والختان: قطع الجلدة التي فيها الحشفة. ابن يونس: كره مالك ذلك يوم الولادة ويوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود ولم يكن من عمل الناس، وكان لا يرى بأسا بأن يفعل لعلة يخاف على الصبي منها، قال مالك: وحد الختان من حين الأمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر، وقال في جامع الكافي: لا حد في وقته إلا أنه قبل الاحتلام، وإذا أثغر فحسن أن ينظر له في ذلك، ولا ينبغي أن يجاوز به عشر سنين إلا وهو مختون. انتهى. وروى اللخمي: يختن يوم يطيقه.
الباجي: اختار مالك وقت الإثغار، وقيل عنه من سبع إلى عشر، وكل ما عجل بعد الإثغار فهو أحب إلي. انتهى. قاله الحطاب. واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه، هل يختتن أم لا؟ واختلف إذا ولد مختونا، هل يمر عليه الموسى أم لا؟ وفي الأجهوري ما يفيد ترجيح أنه لا يمر عليه الموسى، وكذا في الشبراخيتي. والله أعلم.
واعلم أن ختان الذكور سنة لما في الصحيحين أنه ﷺ ، قال: (الفطرة خمسة (١): الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط (٢)). ابن حبيب: لا تجوز إمامة تاركه اختيارا ولا شهادته، الباجي: لأن المروءة تبطل بتركه، وأما خفاض الأنثى فمستحب وهو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا تنهك لخبر أم عطية: (اخفضي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج (٣))، قوله: أسرى للوجه أي أشرق للون الوجه، وقوله:
стр. 3154
أحظى لخ؛ أي ألذ عند الجماع لأن الجلدة تشتد مع الذكر مع كمالها فتقوى الشهوة لذلك، وإذا لم تكن كذلك فالأمر بالعكس.
وفي الشادلي أن هذا في نساء المشرق لا في نساء المغرب. انتهى. ومن ابتاع أمة فليخفضها إن أراد حبسها، فإن كانت لبيع فليس عليه ذلك. مالك: النساء يخفضن الجواري. قاله الإمام الحطاب. وهل يختتن الخنثى المشكل أم لا؟ وإذا قلنا يختتن، ففي أي الجهتين أو فيهما؟ الفاكهاني: لم أر لأصحابنا فيه نصا، واختلف فيه أصحاب الشافعي، فقيل: يجب اختتانه في فرجيه بعد البلوغ، والأظهر عندهم الوقف حتى يتبين.
ابن ناجي: لا يختتن لا علم من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي بعد نقله ما لابن ناجي: ولعل وجه الحظر أن الذكر يختنه الرجال والأنثى يخفضها النساء، والخنثى إن اطلع عليه رجل لزم رؤيته لفروج النساء، وإن اطلعت عليه أنثى لزم رؤيتها لذكر الرجل. انتهى. قوله عن ابن ناجي: لا يختتن لما علم لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل لا حظر فيه لجواز نظر كل إليه رضيعا. انتهى.
واعلم أن في الحديث أنه إذا التقى الختانان يجب الغسل، والختانان واحدهما ختان، وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه في حال الختان، وأما ختان المرأة فاعلم أن مدخل الذكر هو مخرج الحيض والولد والمني، وفوق مدخل الذكر ثقب مثل إحليل الرجل هو مخرج البول وبين هذا الثقب ومدخل الذكر جلدة رقيقة، وفوق مخرج البول جلدة رقيقة مثل ورقة بين الشفرين والشفران محيطان بالجميع، وهذه الجلدة العليا التي هي مثل الورقة هي موضع ختان المرأة، فالتقاء الختانين أن تغيب الحشفة في الفرج، فإذا غابت فقد حاذى ختانه ختانها، فالمحاذاة هي التقاء الختانين، وليس المراد به التصاقهما وضم أحدهما إلى الآخر، فإنه لو وضع موضع ختانه على موضع ختانها ولم يدخله في مدخل الذكر لم يجب غسل بذلك بإجماع الأمة. انظر كبير الخرشي.
стр. 3155
واعلم أن مقتضى القواعد وجوب التسمية كما في الحطاب، وهي حق للأب، ويندب تأخيرها ليوم سابعه إن أراد أن يعق عنه وإلا سمى في أي وقت أراد، ويجوز أن يختار له اسما قبل السابع، ثم يضعه عليه فيه قبل ذبح العقيقة أو بعدها أو معها، وقد ورد في الحديث الأمر بتسمية المولود يوم سابعه (١)، وفيه سعة لحديث: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم (٢))، وللحديث الذي فيه: (أتِيَ ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة فحنكه صبيحة ولد ودعا له وسماه (٣))، ويحتمل حمل الأول على منع تأخير التسمية عن سابعه فتتفق الأخبار، وتكره تسمية السقط كما مر، وذكر ابن عرفة في تسميته -وفي كون من مات قبل السابع يسمى لأنه ولد ترجى شفاعته أم لا- قولان.
قال الشيخ العدوي في حاشيته على كفاية الطالب: الراجح القول بالتسمية كما يفيده الأجهوري، ومن أفضل الأسماء ذو العبودية، لخبر (أحب أسمائكم إلي عبد الله وعبد الرحمن (٤))، وقد سمى ﵊ بحسن وحسين، ويمنع بما قبح كحرب وحزن، وبما فيه تزكية كبرة، ومنعها مالك بالمهدي فقيل له: والهادي؟ فقال: هذا أقرب لأن الهادي هادي الطريق، وتحرم بمالك الأملاك، لحديث: (هو أخنع الأسماء عند الله (٥)) بخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة أي: أذل الأسماء؛ أي إذا وضع على مخلوق لأنه لا مالك الأملاك إلا الله، وغير ﷺ عزيزا وحكيما للتشبيه بأسماء الله تعالى، قال علي الأجهوري: وانظر هل يحرم أو يكره؟ ويدل له أنهم منعوا إطلاق بعض أسماء الله تعالى على غيره، كلفظ الله والرحمن ولم يمنعوا غير ذلك، وقد وقعت التسمية بعلي ولم ينكره أحد، وفي سماع أشهب: لا ينبغي تسمية بيسين. ابن رشد: للخلاف في كونه اسما لله أو للقرآن، أو هو بمعنى إنسان. ابن عرفة: ومقتضى هذا التحريم: وروى العتبي أن أهل مكة يتحدثون: ما من بيت فيه اسم محمد إلا رأوا خيرا أو رزقوا. وفي
стр. 3156
التنبيه: إن الله تعالى خلق ملائكة سياحين مدى الأبد لزيارة كل دار فيها اسم أحمد أو محمد، وفيه أيضا أنه لا يدخل النار من الأنام من تسمى باسمه عليه أفضل الصلاة والسلام.
واعلم أن فقهاء الأمصار على جواز التسمية والتكنية بأبي القاسم والنهي عنه منسوخ، ومذهب الإمام مالك جواز التكني بأبي القاسم، سواء كان الاسم محمدا أو أحمد أو غيرهما، وقال المناوي في حديث: (إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن (١))، تفضيل التسمية بهذين محمول على من أراد التسمي بالعبودية: فتقديره أحب أسمائكم إلى الله إذا تسميتم بالعبودية عبد الله وعبد الرحمن؛ لأنهم كانوا يسمون عبد شمس وعبد الدار، فلا ينافي أن اسم محمد وأحمد أحب إلى الله تعالى من جميع الأسماء فإنه لم يختر لنفسه إلا ما هو الأحب إلى الله، هذا هو الصواب، ولا يجوز حمله على الإطلاق.
وقال الدميري: والتسمية بعبد النبي قيل تجوز إذا قصد بها النسبة لرسول الله ﷺ ، ومال الأكثر إلى المنع خشية التشريك، كما لا تجوز التسمية بعبد الدار وقياسه تحريم عبد الكعبة، وفي الحديث الصحيح: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي (٢))، وهو نص في جواز التسمية باسمه ﷺ كما قال الأبي؛ لأن صيغة الأمر للإباحة، وفيه الرد على قوم منعوا التسمية باسمه جملة كني بأبي القاسم أم لا، ورووا في ذلك حديثا: (تسمون أولادكم بمحمد ثم تلعنونهم (٣))، وكتب عمر إلى الكوفة لا تسموا باسم النبي ﷺ ، وأمر جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدا، حتى ذكر له جماعة أن النبي ﷺ سماهم بذلك فتركهم، والأشبه في فعل عمر ذلك أنه إعظام لاسمه ﷺ كما جاء في الحديث تسمونهم وتلعنونهم. وقيل: سببه أنه سمع رجلا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك كذا يا محمد وصنع، فدعاه فقال: لا أرى رسول الله ﷺ يسب بك والله لا تدعى به أبدا، وسماه عبد الرحمن وبعبد الرحمن، كان يعرف.
стр. 3157
القرطبي: ولا حجة في شيء من ذلك، أما الحديث فهو غير معروف وعلى تسليمه فالنهي عن لعن من اسمه محمد لا عن التسمية بمحمد، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على الترغيب في التسمية بمحمد، كقوله: (ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان (١))، وكقوله: ما اجتمع قوم على مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها، وأما ما روي عن عمر ﵁ فسببه ما ذكر من قضية ابن أخيه، وكما تجوز التسمية باسمه ﷺ تجوز بأسماء الأنبياء والصالحين، وكره الحارث بن مسكين التسمية بأسماء الملائكة، والنهي عن التكني بكنية النبي ﷺ منسوخ عند الأكثرة وقيل عام، وقيل خاص بمن اسمه محمد انتهى ملخصا من ابن زكري ومن الحطاب: ومن شرح الشيخ عبد الباقي:
وفي المدخل قال القرطبي: قد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، ثم قال: قال علماؤنا: ويجري هذا المجرى ما كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العجم والعراق من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء، كزين الدين ومجد الدين وعلم الدين، ولو كانت هذه الأسماء تجوز لما كان أحد أولى بها من أصحاب رسول الله ﷺ .
والكنى الشرعية أن يكنى الرجل بولده أو بولد غيره وكذا المرأة، لقوله ﷺ لعائشة حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تكنى به: (تكني بابن أختك (٢))؛ يعني عبد الله بن الزبير ﵄، وكذلك يجوز الكنى بالحالة التي كان الشخص متصفا بها، كأبي تراب وأبي هريرة وما أشبههما. وفي الحطاب: قيل لأبي الرقيس الأعرابي: لم تسمون أبناءكم شر الأسماء نحو كلب وذيب وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد أن الأبناء عدة الأعداء وسهام في نحورهم. والله سبحانه أعلم.
стр. 3158
وقد قيل إن الحجاج لم يرضع حين ولد، فأتى شيخ فقال: اذبحوا جديا وأطعموه من دمه ويرجع إلى الرضاع، ففعلوا به ذلك فرضع فخرج سفاكا للدماء، وقيل إن الشيخ الذي كلمهم في قضية الحجاج هو إبليس. انتهى.
وكره مالك التسمية بجبريل، وقد مر أن الحارث بن مسكين كره التسمية بأسماء الملائكة. انتهى. ونودي بين يديه رجل باسمه إسرافيل، فقال له الحارث: لم سميت بهذا الاسم وقد قال ﷺ : (لا تسموا بأسماء الملائكة (١))؟ فقال: ولم سمى مالك بن أنس بمالك، وقد قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ ولقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك عليهم؛ يعني الحارث اسمه، فإنه يقال إنه اسم إبليس.
ابن عرفة: يرحم الله الحارث في سكوته، والصواب معه لأن محل النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، وأما مالك وحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة أعلاما من اسم فاعل، فمالك وحارث كقاسم. انتهى. ابن غازي: والعمدة في الفرق الاتباع، فقد سمي كثير من الصحابة بمالك وحارث ولم ينكره ﷺ . انتهى. نقله الشيخ علي الأجهوري. وله ﵀:
في سابع المولود ندبا يفعل … عقيقة وحلق رأس أول
تصدق بوزنه نقدا كذا … تسمية وإن به مات خذا
ولا يسمى من يمت قبل على … الذ به قال إمام النبلا
إن عنه قد عق وإلا سمي … في أي وقت شاءه المسمي
ولا يعق عنه إن في السابع … مات على ظاهرها يا سامع
ووقت الأمر بالصلاة يختن … وقبله يكره ذا يا فطن
والختن في الذكور سنة وفي … إناثهم مقال ندب اصطفي
стр. 3159
وقوله: وحلق رأس أول؛ يعني أنه يفعل قبل العقيقة فيمن يعق عنه كما مر عند قوله: "والتصدق بزنة شعره". والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي أن التسمية تكره بما فيه صعوبة. انتهى. وفيه: وكره مالك أن يؤذن في أذن الصبي الولود والإقامة مثله، واستحب بعض أهل العلم أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في الأخرى، لخبر الترمذي عن أبي رافع: (رأيت النبي ﵊ أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة (١))، قال الترمذي: حديث صحيح. ابن العربي: فصارت تلك السنة، ولخبر ابن السني عن الحسين بن علي ﵄: (من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان (٢))، وقد جرى عمل الناس بذلك فلا بأس بالعمل به. انتهى. وفي الرياض عن الحسن أنه قال: ما في جهنم واد ولا مغارة ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا واسم صاحبها عليها مكتوب.
ولما أنهى الكلام على القرب التي تنقسم إلى واجب ومندوب، من صلاة وصوم واعتكاف وحج وعمرة وما يتعلق به من هدي وشبهه من أضحية وعقيقة، وكانت اليمين تنقسم إلى قسم والتزام قربة ذيل أبواب القرب بباب اليمين والنذر لتعلقهما بالقرب، فقال:
стр. 3160
باب: يذكر فيه اليمين وما يتعلق بها
وهو باب ينبغي الاعتناء به لكثرة وقوعه وتشعب فروعه، واليمين في اللغة مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، فسمي الحلف يمينا، وقيل اليمين: القوة، وسمي العضو يمينا لوفور قوته على اليسار، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي بالقوة، ولما كان الحلف يقوي الخبر سمي يمينا والقسم بالتحريك: اليمين: وأقسمت أي حلفت، قال بعضهم: أصله من القسامة وهي الأيمان تقسم على الأولياء، والحلف بكسر اللام وسكونها بمعناه، وقوله تعالى: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال ابن عباس: أي من قبل الدين فتزينون لنا ضلالتنا كأنه أراد: تأتوننا عن المأتى السهل.
الأصمعي: فلان عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة، واليمين بمعنى القسم، فجمع على أيمان وأيمن، ولفظ اليمين مؤنث، ففي الحديث: (من اقتطع مال مسلم بيمين كاذبة فقد تبوأ مقعده من النار (١))، وفيه أيضا: (اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع (٢))، واليمين شرعا عرفها ابن عرفة بقوله: اليمين قسم أو التزام مندوب غير مقصود به القربة أو ما يجب بإنشاء لا يفتقر لقبول معلق بأمر مقصود عدمه. انتهى. فخرج بقوله: غير مقصود به القربة، النذر كلله علي دينار صدقة فإن المقصود به القربة، بخلاف اليمين نحو: إن دخلت الدار فعبدي حر، فإنه إنما قصد الامتناع من دخول الدار، وقوله: غير بالرفع صفة التزام، وقوله: معلق بالرفع صفة لما من قوله: أو ما يجب بإنشاء لأنها نكرة موصوفة ووصف الأمر بأن المقصود عدمه؛ لأنه كذلك في الحنث والبر، ففي قوله: أنت طالق إن دخلت الدار، الأمر المعلق عليه دخول الدار، والمقصود عدم دخولها، وفي قولك: إن لم تدخلي الدار، الأمر المعلق عليه عدم دخول الدار، والمقصود عدم ذلك العدم وهو دخولها، وإنما وصف الأمر بما ذكر ليخرج عنه إذا قال: أنت حر إن برئ؛ أي من مرضه، أو إن برأ أبي من مرضه فعبدي حر، فهذا نذر لا يمين؛ لأن البرء ليس بمقصود عدمه بل وجوده. انتهى. قاله الخرشي في كبيره.
стр. 3161
وقد علم من تعريف ابن عرفة أن اليمين ثلاثة أنواع: القسم، والتزام مندوب غير مقصود به القربة، وما يجب بإنشاء على الوجه الذي ذكره. والإنشاء هو ما يقع به مدلول، وأخرج بقوله: لا يفتقر لقبول، الهبة والصدقة ونحوهما.
واعلم أن حكم اليمين الجواز إذا كانت باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته، قاله في اللباب. قاله الحطاب. وقال ابن حجر في شرح البخاري في كتاب الإيمان في باب أحب الدين إلى الله أدومه: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفير من محذور. انتهى. قاله الحطاب.
وفي المدخل: وتكثير الحلف لغير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف ﵃، بل كان بعضهم [يتوقى (١)] أن يذكر اسم الله إلا على سبيل الذكر حتى إذا اضطروا في الدعاء إلى من أحسن إليهم بالمكافأة له يقولون: جزيت خيرا، خوفا على اسم الله. انتهى. قاله الحطاب.
وقال الشبراخيتي: واختلف هل الحلف من حيث هو مباح وإليه ذهب الأكثر. ابن عبد السلام: وهو الصحيح نقلا ونظرا أو راجح الترك، وإليه ذهب بعضهم قولان، سمع أشهب وابن نافع: كان عيسى ﵇ يقول لبني إسراءيل: كان موسى ينهاكم أن تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله صادقين أو كاذبين. ابن رشد: قول عيسى خلاف شرعنا؛ لأنه صدر منه ﷺ كثيرا، وأمره الله به تعالى كما في سورة يونس: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، فلا وجه لكراهته؛ لأنه تعظيم لله، ويحتمل أن تكون كراهة عيسى ﵊ خوف الكثرة فيؤول إلى حلف كذب أو تقصير في الكفارة.
الشيخ عن ابن حبيب: أقول كقول عمر: اليمين مأثمة ومذمة، وما يكاد من حلف يسلم من الحنث. انتهى.
وحكمة مشروعيتها الحث على الوفاء بالعقد مع ما فيه من المبالغة في التعظيم. انتهى. قاله الحطاب عن اللباب. وقد مر تعريف ابن عرفة لليمين الشرعية، وعرفها القرافي بقوله: هو جملة خبرية وضعا، إنشائية معنى، متعلقة بمعنى معظم عند المتكلم، مؤكدة لجملة أخرى من غير
стр. 3162
جنسها. فقولنا: خبرية؛ لأن ذلك صيغتها، وقولنا (١): إنشائية؛ لأنها لا تحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا: من غير جنسها احترازا من تكرار القسم، فإنه لا يسمى حالفا إلا إذا ذكر المحلوف عليه. وقد خصص الشرع هذا المعنى ببعض أفراده، وهو أن يكون المعظم ذات الله أو صفاته العلى كما صنع في الصلاة والصوم وغيرهما. قاله الحطاب.
وعرف المص اليمين بقوله: اليمين تحقيق ما لم يجب؛ يعني أن اليمين الموجبة للكفارة هي أن يحقق الحالف؛ أي يثبت شيئا لم يجب أي لم يكن معلوم الثبوت حالا كان أو مستقبلا، منفيا كان أو مثبتا، ممكنا كان أو ممتنعا، وأما الماضي فلا كفارة فيه؛ لأنه إما صادق أو لغو أو غموس كما في الأمير، وكما قاله غير واحد، فشمل كلامه الممكن عادة وعقلا، والممتنع عادة أو عقلا، ومفهومه أن الثابت عادة كوالله لا أحمل الجبل، أو عقلا كوالله لا أقتل فلانا الميت، فإنه ليس بيمين؛ لأن الواجب متحقق في نفسه، فلا معنى لتحقيقه؛ ولأنه لا يتصور فيه الحنث لما فيه من تحصيل الحاصل بخلاف الممكن والممتنع، ودخل في المكن عادة الممتنع شرعا، وما أوجبه الشرع كوالله لأصلين الظهر في وقتها أو ليزنين في هذه الليلة، فتجب الكفارة إن لم يصل الظهر في وقتها في الأول، وفي الثاني إن لم يزن في تلك الليلة والحكم أنه لا يجوز له الزنى، وليكفر عن يمينه، والفرق بين ما لا يتصور فيه الحنث فرجح فيه عدم الانعقاد، وما لا يتصور فيه البر فرجح فيه الانعقاد، أن امتناع الحنث لا يخل بتعظيم اسم الله تعالى، وامتناع البر يخل ويهتك الحرمة فيخرج إلى التكفير.
واعلم أن ما أخبر الشرع بوقوعه كوالله ليدخلن الجنة من مات على الإيمان لا فرق بينه وبين الواجب العقلي والعادي في الحكم قاله الشيخ بناني. وقول المص: "اليمين تحقيق ما لم يجب"، مراد المص باليمين هنا اليمين الموجبة للكفارة كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.
وعلق بتحقيق قوله: بذكر اسم الله؛ يعني أن اليمين الموجبة للكفارة هي أن تحقق أي تثبت ما لم يتحقق ثبوته بذكر اسم الله والباء للسببية. قاله الشيخ إبراهيم. أي بذكره حقيقة بأن تنطق بالاسم أو بالصفة، أو حكما لتدخل الألفاظ الصريحة إذا نوى بها القسم ولو لم يذكر اسم الله كما
стр. 3163
يأتي في قوله: "وكأحلف وأقسم وأشهد إن نوى بالله"، واحترز بقوله: "بذكر اسم الله"، عن نية اسمه، فإن النية لا ينعقد بها اليمين على الراجح، والذي يظهر من كلامهم أن المراد بالنية هنا هو إنشاء كلام النفس، ففي الحطاب عن القرافي: هل تنعقد بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ؟ ثم نقل عن القوري أن من قال: لا يلزمه فما ذلك إلا لأنه لا إنشاء في النفس، وإنما يكون الإنشاء في الكلام اللساني. ابن عرفة: ويلزم أي الحلف باللفظ والنية، وفي مجردها روايتا الطلاق بها، وفي لزوم عكسه وكونه لغوا لا كفارة فيه قولان لها مع الشهور، وإسماعيل مع الأبهري واللخمي. الشيخ: رد بعض البغداديين قول عائشة: اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله، لقول مالك لأنها لا تعني تعمد الكذب بل الظن، وإلى مذهب المدونة والمشهور أشار المص بقوله بعد هذا: "لا بسبق لسانه"، وقال: -أي ابن عرفة- وفي لزوم اليمين بالله مرادة بلفظ مباين لها كالطلاق بذلك نظر، وأخذه ابن رشد من نقله عنها من قال: لا مرحبا، يريد به الإيلاء مول، قال: وقيل معناه والله لا مرحبا بك؛ إذ لا يعبر عن اسم الله بغير اسمه والأظهر كاليمين بالنية. انتهى. وهو ظاهر. وقد سئلت عمن حلف، وقال: والله، ولم يذكر الهاء؟ فأجبت بأنه يتخرج على هذا. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: وتحصل مما مر أن معنى حلفت بالله أو والله لأفعلن كذا أو تالله أثبت وحققت هذا الذي أخبر به يعني إثباتا وتحقيقا مؤكدين بذكر اسم الله أو صفته، فإنه لا يذكر اسمه أو صفته على ما هو باطل تنزيها لاسمه أن يعبث عند ذكره أو يكذب، فإذا كنت تستحيي من العبث وحالة غير مرضية بحضرة من هو ذو هيئة جليلة، فما ظنك باسمه إذا ذكر؟ والله سبحانه أعلم.
أو صفته؛ يعني أن اليمين كما تنعقد بذكر اسم الله، تنعقد بذكر صفته، أما المعاني فلا إشكال في انعقاد اليمين بها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وأما المعنوية فقال الأبي في شرح مسلم: كان شيخنا يقول: في الحلف بالمعنوية نظر، ولا نظر فيه، بل الحلف بها ألزم؛ لأنه لم يختلف في كفر من نفى قادرية الله أي كونه قادرا، واختلف في كفر من نفى صفة المعاني، وأما السلبية فلا تنعقد بها اليمين كما في ابن عاشر عن ابن عرفة، ومن قال: إن القدم
стр. 3164
والبقاء تنعقد بهما اليمين فكأنه ذهب إلى القول بأنهما وجوديتان، والسلبية هي القدم والبقاء والغنى المطلق والوحدانية ومخالفته تعالى للحوادث، والمعنوية هي كونه تعلى قادرا ومريدا وعالما وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما فهي ملازمة للمعاني، وأما الصفة النفسية فتنعقد بها اليمين وكذا الاسم الدال عليها كالموجود إن نوى به اليمين، لقول ابن شاس: لو قال بالشيء أو بالموجود وأراد به الله سبحانه كان يمينا، ولا يصح التمثيل للصفة بالخالق والرازق لأنهما اسمان يدلان على الذات مع الصفة كالرحمن الرحيم، وكذا المخالف بلفظ اسم الفاعل فإنه من الأسماء لا من الصفات. قاله الشيخ بناني.
وقال الشيخ الأمير: واستظهر شيخنا الانعقاد؛ يعني بصفات السلب.
واعلم أن من حلف بأسماء كثيرة وحنث فعليه كفارة واحدة؛ لأن الاسم هو المسمى، بخلاف من حلف بصفات كثيرة وحنث فعليه لكل صفة كفارة. قاله المواق. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وأشعر قوله: "بذكر اسم الله" أو صفته" أنها لا تنعقد بالكلام النفسي، وذكر فيه ابن عرفة الخلاف الآتي في الطلاق، وأشعر أيضا بأنها لا تنعقد بلفظ مباين لاسم الله مرادا به اليمين؛ كأن يقول: والحجر، قال ابن عرفة في لزوم اليمين بالله: مرادة بلفظ مباين للفظها كالطلاق بذلك نظر، ثم قال: والأظهر كاليمين بالنية. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. أي فلا تنعقد، أو يجري فيها الخلاف المذكور، والظاهر عدم جواز إقدامه على ذلك.
وقال الشبراخيتي: إن القول بأن اليمين تنعقد بلفظ مباين لها والقول بأنها لا تنعقد به منقولان، ولا بد من اللفظ العربي، وإلا لم تجب كفارة على ما لأبي عمران وظاهره: ولو من غير قادر على العربية، قال: وتندب له الكفارة، وفي مختصر الوقار: من حلف بالله بشيء من اللغات وحنث كفر، ومن حلف بوجه الله وحنث كفر، ومن حلف بعرش الله وحنث فلا كفارة عليه.
وذكر القرافي عن صاحب الخصال أن بسم الله يمين؛ أي إن نوى به القسم أو جرى العرف باستعماله فيه، وإلا ففيه قولان، وهذا يجري في، واسم الله، وأما الاسم الأعظم فإن لم يقصد به الله فغير يمين، وإن قصد به اسم الله فانظر هل كاليمين بالنية أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: إنما ينعقد اليمين باسم الله، ومنه قول عامة مصر: والاسم الأعظم واسم الله
стр. 3165
إلا أن ينوي بالأول غيره، وأما قولهم: الله ورسوله، فليس يمينا؛ لأنهم يقصدون به شبه الشفاعة، ولا بد من الهاء والمد قبلها طبيعيا، وفي اشتراط العربية خلاف. انتهى.
ومثل لاسم الله تعالى بقوله: كبالله؛ يعني أنه لا إشكال في أن الحلف بهذا الاسم موجب للكفارة عند الحنث؛ لأن هذا من الألفاظ الصريحة، ومثل الباء الواو والتاء، كوالله وتالله وكذا الاسم المجرد عن حرف القسم، كالله لأفعلن. وقال الشيخ الأمير: إنما ينعقد اليمين باسم الله أو صفته غير الفعلية، ولو حذف الجار فإنه معهود عربية نصبا وجرا، بل كذلك لو رفع وهو ينوي خبرا يفيد الحلف كالله محلوف به. انتهى. وقد مر أن مثل بالله والله وتالله، والأصل الباء ثم الواو ثم التاء الفوقية لإبدالها من الواو والواو من الباء.
وها الله؛ يعني أن اليمين كما تنعقد بما ذكر تنعقد بهذه الصيغة وهي هالله بحذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه كما نص عليه النحاة، وفي الشارح عن صاحب الخصال أن اليمين تنعقد بقوله: لله ولعمر الله وكبرياء الله وميثاق الله. وايم الله؛ يعني أن هذا اللفظ وهو أيم الله تنعقد به اليمين فتجب الكفارة على من حلف به وحنث، ومعنى أيم الله: بركته، وهذا إن أراد المعنى القديم أو لا نية له كما نص عليه الشيخ الأمير، ويفيده كلام البرزلي.
قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن المراد بالمعنى القديم إرادة إيصال الخير إلى من أوصل إليه، وهو في الرهوني: ولكن في الخرشي ما نصه قال سيبويه: هو من اليمن والبركة، ولذلك قال الشافعي: هو كناية لتردده بين المحدث من تنمية الأرزاق والأخلاق، وبين القديم الذي هو جلال الله وعظمته، ومنه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، عظم شأنه وكبر علاه، فإن أراد المعنى الحادث نحو: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، فإن اليمين لا تنعقد به، وقوله: "وايم الله"، بفتح الهمزة وكسرها، وكذا ام الله بحذف الياء، وكذا أصلهما وهو أيمن فهذه ست لغات، وكذا م الله بتثليث الميم، ووجه الكسر أنهم شبهوها بالباء، وكذا من الله بضم الميم والنون وبفتحهما وبكسرهما، فهذه اثنتا عشرة لغة كل واحدة منها يمين كما نص عليه الشيخ الأمير وغيره. وهمزة أيم الله يجوز فيها القطع والوصل مع الواو، وأما مع عدمها فهمزة
стр. 3166
قطع. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. وقوله: "وأيم الله"، يجوز فيها إثبات الواو وعدمه، فتكون مقدرة وكذا حق الله وما أشبهه فلا فرق. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وحق الله؛ يعني أن هذا اللفظ وهو حق الله تنعقد به اليمين أي فتجب الكفارة على من حلف به وحنث، وهذا إن أراد الحالف به عظمة الله أو حكمه أو تكليفه، فقد فسر بكل منها أو لم يرد شيئا، فإن أراد به الحق الذي له على العباد من العبادات التي أمر بها سبحانه فلا كفارة فيه، وقد علمت أنه تنعقد به اليمين قرنه بالواو أم لا، قال حذيفة: ما استخف قوم بحق الله سبحانه إلا بعث الله عليهم من يستخف بهم ويحقرهم. انتهى. نقله في الرياض.
والعزيز، هذا من أمثلة قوله: "بذكر اسم الله"، فإنه شامل لجميع أسمائه، كما أن قوله: "أو صفته"، شامل للمعاني والمعنوية وللصفات الجامعة، وقد مر الكلام على السلبية، ومعنى كلامه أن لفظ العزيز من أسمائه تعالى، والحلف به ملزم للكفارة مع الحنث، فلا يصح أن يراد به المخلوق في الحلف. وفي كلام الشيخ عبد الباقي نظر، وهو من عز يعز بفتح العين في المضارع وهو الذي لا يغلبه شيء، وقال ابن عباس: الذي لا يوجد مثله، أو من عز يعز بالكسر في المضارع إذا قل حتى لا يكاد يوجد مثله، وهذا القول للفراء واللام فيه للكمال أي الكامل العزة.
واعلم أن الألفاظ بالنسبة لإطلاقها على الله تعالى على أربعة أقسام: الأول ما ورد به السمع ولا يوهم نقصا كالعليم فيجوز إطلاقه على الله سبحانه إجماعا، الثاني ما لم يرد به السمع وهو يوهم فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه إجماعا نحو متواضع، الثالث ما ورد به الشرع وهو موهم فيقتصر على محله نحو ماكر، الرابع ما لم يرد به السمع وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عليه عند الشيخ أبي الحسن. ويجوز عند القاضي نحو السيد، وقيل بالوقف، قال أبو الطاهر: فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وإلا فلا فتتنزل الأقسام المتقدمة على هذه الفتيا. قاله الإمام الحطاب. ومن قال: يعلم الله لا فعلت استحب له الكفارة، وفي الذخيرة عن الخصال: في الألفاظ التي تلزم فيها الكفارة: منها يعلم الله، وفي البيان: إذا قال علم الله أي بالماضي استحب له الكفارة احتياطا، تنزيلا له منزلة علم الله مصدرا، ولو قال: الذمام لا أتزوج وأراد ذمة الله كفَّر، وإن أراد ذمة الناس الجارية على ألسنتهم فليس بيمين.
стр. 3167
وعظمته؛ يعني أن لفظ العظمة من الألفاظ التي تنعقد بها اليمين، فمن حلف بها وحنث وجبت عليه الكفارة، والعظمة من الصفات الجامعة فهي الكبرياء واستحقاق صفات المدح. وجلاله؛ يعني أن من حلف بجلال الله كما لو قال: وجلال الله لا دخلت الدار مثلا وحنث وجبت عليه الكفارة، والجلال صفة جامعة كالعظمة، ومحل كون الجلال والعظمة مما تنعقد به اليمين إن أراد المعنى القديم، وكذا إن لم يرد شيئا على ما يظهر من كلامهم، فإن أراد بهما الجلال والعظمة الذين جعلهما الله في خلقه لم تنعقد بهما اليمين. وإرادته؛ يعني أن الإرادة من الصفات التي تنعقد بها اليمين لأنها من صفات المعاني، وكذا لطف الله وغضبه ورضاه ورحمته وميثاقه عند الأكثر كما في ابن عرفة، إلا أن يريد الحادث في الخلق فإنها لا تنعقد. وكفالته؛ يعني أن من حلف بكفالة الله تعالى وحنث تجب عليه الكفارة، والكفالة هي الالتزام، والتزامه تعالى يرجع إلى خبره: وخبره كلامه وهو صفة من صفاته.
وكلامه؛ يعني أنه إذا حلف بهذه الصيغة، بأن قال: وكلام الله مثلا لا فعلت كذا وحنث، فإنه تجب عليه الكفارة. والقرآن؛ يعني أنه إذا حلف بالقرآن وحنث فإنه تجب عليه الكفارة، ومثل الحلف بالقرآن الحلف بكلمة منه أو آية أو سورة، ومحل كون الحلف بالقرآن يمينا إن نوى المعنى القديم أو لا نية له، لا إن نوى الحروف والأصوات المنزلة على محمد ﷺ أو الجلد وما احتوى عليه فلا كفارة. قاله الشيخ بناني.
والمصحف؛ يعني أن من حلف بالمصحف وحنث تجب عليه الكفارة إلا أن يريد الجلد وما احتوى عليه، والدليل على أن لفظ القرآن يطلق على الجلد وما احتوى عليه نهيه ﷺ عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١)، وأمره ﷺ لعمر وبن حزم (أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٢))، قال ابن رشد: يريد المصحف بإجماع. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومثل الحلف بالقرآن والمصحف الحلف بالكتاب وبما أنزل الله. وأول من جمع القرآن أبو بكر، وهو أول من سمى المصحف مصحفا.
стр. 3168
وما مشى عليه المص في القرآن والمصحف هو المشهور، وروى ابن زياد عن مالك أنه لا كفارة فيهما نقله اللخمي.
ابن عبد السلام: والأظهر رواية ابن زياد؛ لأن المتبادر إلى الذهن من هذه اليمين إنما هو الحروف والأصوات، فهو الذي يخطر ببال الحالف حال اليمين، ولا سيما إن كان الحالف عاميا. قاله الش. وقال: إن محل الخلاف فيمن لا نية له أو له نية ونسيها، وأما من قصد القديم فإنه يحنث، أو الحادث فإنه لا يحنث بلا خلاف. انتهى. والواو في قوله: "والمصحف"، بمعنى: أو، وفي الخرشي ما نصه، قال سحنون: ومن حلف بالتورية والإنجيل في كلمة واحدة فعليه كفارة واحدة، وكذلك يلزمه اليمين إذا حلف بالكتاب أو بما أنزل الله، أو بسر الكتاب أو بسر المصحف أو القرآن، أو قال: وحق المصحف أو القرآن أو الكتاب، وأراد القديم.
وفي الحديث: (أن جميع ما أنزل الله من الكتب مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شئث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى سيدنا إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى عشر صحائف قبل التورية (١)). انتهى.
فائدة: أول من جمع القرآن أبو بكر الصديق، وهو أول من سمى المصحف مصحفا، وأول من جمع الناس في القرآن على حرف واحد عثمان ﵁، وأول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وقيل الحسن البصري ويحيى بن يعمر، وقيل نصر بن عاصم الليثي، وأول من قال القرآن مخلوق جهم في زمن بني أمية فقتل. والله سبحانه أعلم.
وإن قال أردت وثقت بالله ثم ابتدأت لأفعلن دين، قال الشيخ الخرشي: صورتها أنه قال بالله لأفعلن كذا في هذا اليوم -مثلا- ثم مضى ذلك اليوم ولم يفعل المحلوف عليه، فقيل له: حنثت، فقال: إنما أردت بقولي بالله وثقت به أو اعتصمت به ولم أرد تعليقه بأحلف ولا بحلفت ولا بأقسم ولا بأقسمت، فإنه يوكل لدينه ونصدقه في مقالته بلا يمين في الفتوى والقضاء. انتهى. وهذا الحكم خاص بالباء فلا يدين في الواو ولا في التاء، ولا فيما إذا قال: هالله، والظاهر أن مثل دخول الموحدة على الله دخولها على سائر الصفات فيما ذكر. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 3169
وقوله: "لأفعلن"، يتعين كونه جوابا لقسم، وحينئذ فيحمل على أنه جواب لقسم مقدر، فليس بيمين. لا بسبق لسانه، مخرج من قوله: "دين"؛ يعني أن الحالف إذا ادعى أنه سبقه لسانه فإنه تلزمه اليمين ولو تحقق سبق لسانه؛ لأن اليمين لا تحتاج لنية، قال الشيخ عبد الباقي وغيره: إن المراد بسبق اللسان هنا غلبته وجريانه، قال الشبراخيتي: بأن يسبق اللسان للفظ من غير عقد، كقوله: والله ما أكلت والله ما شربت والله ما دخلت الدار، فلا يدين ويؤاخذ باليمين. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: تأمل قول الشبراخيتي: والله ما أكلت والله لخ مع قولهم: إن اليمين إذا تعلقت بماض لا تكفر؛ لأنه إما صادق وإما لغو وإما غموس، قال الشيخ عبد الباقي: إنه يدين في انتقاله من لفظ لآخر، فليس المراد بسبق اللسان الانتقال من لفظ لآخر فإنه يدين فيه؛ أي فلا تلزمه يمين. وقال الشيخ بناني: إنه غير صحيح؛ أي فلا يدين في الغلبة ولا في الانتقال، بل تلزمه اليمين فيهما؛ لأن اليمين لا تحتاج للنية، وقال الشيخ الأمير عاطفا على ما تلزم فيه اليمين: أو اعتاد لسانه الحلف، قال في الشرح خلافا للشافعي مفسرا به اللغو: وتعبيري أوضح من تعبيره؛ يعني المص بسبق اللسان فإنه يوهم الغلط المعذور به قطعا. انتهى. واختار اللخمي أن الانتقال من لفظ لآخر لا تنعقد به اليمين.
وكعزة الله؛ يعني أن من حلف بعزة الله وحنث تجب عليه الكفارة، وإذا فسرت العزة بالعظمة كانت من الصفات الجامعة، وإذا فسرت بالقوة كانت بمعنى القدرة وهي من صفات المعنى، وعلى هذا فهي من عز يعز بفتح العين في المضارع، وهي مأخوذة على هذا من العزة التي هي الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة عزاز. والله سبحانه أعلم. وتعزز المرض: اشتد. وأمانته؛ يعني أن من حلف بأمانة الله وحنث تجب عليه الكفارة، ومعنى الأمانة التكليف لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وتكليفه كلامه القديم. قاله في الذخيرة. وقال في الحاشية: أمانته حفظه، وحفظه علمه قاله الشيخ إبراهيم.
وعهده يعني أن من حلف بعهد الله وحنث تجب عليه الكفارة: وعهد الله إلزامه، وإلزامُه يرجع إلى خبره، وخبره كلامه، وفي القاموس: العهد الوصية، والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق
стр. 3170
واليمين وقد عاهده ورعاية الحرمة والأمان والذمة والالتقاء والمعرفة، ومنه عهدي به بموضع كذا. انتهى. ومنه أيضا قول الشاعر:
وحبب أوطان الرجال إليهم … مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم … عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وكذا تنعقد اليمين بقوله: وذمة الله لا فعلت كذا مثلا، وذمته التزامه فترجع إلى خبره، وخبره كلامه، وقد مر أنها تنعقد بميثاق الله، والميثاق هو العهد المؤكد بالحلف، فيرجع لكلامه تعالى، ومحل كون كل من أمانته وعهده يمينا حيث أتى بالاسم الظاهر، فكان الأولى للمص أن يأتي به لأنه بصدد الصيغ التي تنعقد بها اليمين. قاله الشيخ عبد الباقي.
وعلي عهد الله؛ يعني أنه إذا قال علي عهد الله لا أفعل كذا وحنث فإنه تجب عليه الكفارة، والذي يظهر مما تقدم أن معنى عليَّ عهد الله: التزمت الحلف بعهد الله وتحملته في ذمتي أي بكلامه . والله سبحانه أعلم. وقوله: إلا أن يريد المخلوق، مستثنى مما بعد الكاف؛ أعني قوله: "وكعزة الله" لخ، سوى الأخير للاتفاق على الحنث به مطلقا، أراد المخلوق أولا لأن الأخير نص في اليمين؛ لأنه قال: علي، ومعنى كلام المصنف أن محل انعقاد اليمين في العزة والأمانة والعهد من دون علَيَّ ما لم يرد المخلوق بأن أراد المعنى القديم أو لا نية له، وأما إن أراد المخلوق فلا حنث عليه، وهي في العزة العزة التي جعلها الله في عباده كعزة الأمير، ومنه قوله جل وعز: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وفي الأمانة الأمانة الودعة فيهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾، وفي العهد الحقوق المترتبة عليهم كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. وقد مر أن الاستثناء راجع لما بعد الكاف ما عدا الأخير، وينبغي أيضا رجوعه لما قبلها من قوله: وحق الله لخ، قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر تقييدها بذلك.
стр. 3171
تنبيه. لو قال شخص: يميني كيمين فلان أو علي يمين فلان، لزمه ما حلف به فلان فلو تبين أن فلانا لم يحلف لم تلزمه يمين، فإن تبين أن فلانا حلف بطلاق ولم ينو الحالف شيئا لزمه، فإن قال إنما أردت بقولي كيمين فلان إن كان حلف بالله فإنه يدين ولا شيء عليه لا يمين بطلاق ولا يمين بالله، وكذا ينبغي أن يدين ويلزمه يمين بالله إن لم يعلم ما حلف به فلان لغيبته أو موته. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقال الخرشي عن ابن الحاجب: وكره اليمين بعمر الله وأمانة الله إذ لم يَرِد إطلاقها، وفيه الكفارة إن قصد الصفة: قال في توضيحه: أي كره مالك في الموازية الحلف بعمر الله، وظاهر المدونة جواز الحلف بها، ولعل المراد بالكراهة على ما في الموازية المنع؛ لأن أسماء الله توقيفية، بل أشار ابن عبد السلام إلى أن هذا ليس محلا للخلاف؛ لأن العمر حقيقة في الحادث وكذا الأمانة فهما محتملان، وإنما محل الخلاف ما كان صريحا أو ظاهرا في معناه وكان معناه صحيحا. انتهى.
وكأحلف؛ يعني أن من قال أحلف لا فعلت كذا أو لأفعلن كذا فإنه تلزمه اليمين بذلك، فتجب عليه الكفارة إن حنث بشرط أن ينوي بالله أو بقدرة الله أو بعظمته، ونحو ذلك مما تنعقد به اليمين، فيكون المجرور المنوي متعلقا بأحلف الملفوظ به. وأقسم؛ يعني أنه إذا قال: أقسم لا فعلت كذا مثلا، ونوى بالله أو بقدرة الله أو بجلاله مثلا فإن ذلك يمين، فتلزمه الكفارة إن حنث. وأشهد؛ يعني أن من قال أشهد لا فعلت كذا ونوى بالله أو بعظمة الله ونحوهما مما تنعقد به اليمين كاللتين قبلها تلزمه الكفارة إن حنث، فهو مما تنعقد به اليمين، وقوله: ونوى بالله، وأحرى لو نطق بذلك وماضي الثلاثة كمضارعها، وإن لم ينو ذلك ولا نطق به فلا شيء عليه، بأن قصد غيره أو لا قصد له، فلو كان قصده مجرد الإخبار كاذبا في صيغة الماضي؛ بأن حلف لا يعير كتابا مثلا، أو قصد بالتلفظ بالمضارع أنه إن لم يسكت مخاطبه يحلف، ولو نطق بالله لا يفعل أو ليفعلن كذا فلا يمين عليه. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الأمير: ولا تنعقد اليمين بعلم الله، وإن كان كاذبا لزمه إثم الكذب، وقول العامة: من شهَّد الله باطلا كفر، لا صحة له إلا أن يقصد أنه يخفى عليه الواقع.
стр. 3172
وبما قررت علم أن قوله: إن نوى بالله، شرط في لزوم اليمين في كل من الثلاثة كما مر.
وحاصله أن هذه الأفعال الثلاثة لصراحتها لا يشترط معها التصريح باسم الله أو صفته؛ إذ هي لصراحتها في حكم ذكر اسم الله أو صفته مع النية، فلو صرح باسم الله أو صفته فهو أحرى في اللزوم، وخرج عن ذلك ما إذا لم ينو ما ذكر فلا كفارة فيه كما علمت. وأعزم إن قال بالله؛ يعني أنه إذا قال: أعزم بالله لا أفعل كذا أو لأفعلن كذا، فإن ذلك يكون يمينا فتلزمه الكفارة إن حنث، وعلم من قوله: "إن قال بالله، أنه لا يكون يمينا إلا إذا قال بالله ولا تكفي نيته، نص عليه ابن يونس تبعا للأم، وجعله البرادعي كالثلاثة قبله قاله الشيخ الخرشي. قال: وعورضت بمسألة الإيلاء، ولو قال: أعزم ونوى بالله فهو مول، وفرق بتعلق حق الغير وهو الزوجة، فحمل على الحلف بخلافه هنا. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم، ومثل أعزم عزمت بصيغة الماضي، والفرق بين أعزم والثلاثة قبله أن أعزم بمعنى أسأل إلا أنها تستدعي التأكيد، فلذا احتيج إلى التصريح بالجلالة، بخلاف الثلاثة فإنه لا يمكن فيها السؤال، فكانت نية الجلالة وما يقوم مقامها بمنزلة التصريح بها. والله سبحانه أعلم.
وفي أعاهد الله قولان؛ يعني أنه اختلف إذا قال أعاهد الله لا فعلت كذا أو لأفعلنه، فقال ابن حبيب: عليه الكفارة، ولعل وجهه أن تعليقه بما قصد عدمه يدل على الحلف به. قاله غير واحد. ويظهر أيضا أن ذلك يجري على القول بلزوم اليمين بلفظ مباين لها. والله سبحانه أعلم. وقال ابن شعبان: لا كفارة عليه؛ لأن العهد منه لله تعالى وليس بصفة، ولأنه لم يحلف بالعهد حتى يكون قد حلف بصفة من صفاته ، وهو الراجح كما نص عليه الشيخ الأمير، واستحسنه اللخمي. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وخرج أبايع الله على أعاهد الله.
لا بلك علي عهد؛ هذا معطوف على قوله: "بذكر اسم الله"؛ يعني أنه إذا قال شخص لآخر: لك علي عهد أن أنصحك مثلا، فإنه لا يكون عليه كفارة إذا لم يفعل ذلك، وكذا لو قال: لك علي عهد الله؛ لأن هذا أعظم من أن تكون فيه كفارة فتلزم فيه التوبة والاستغفار، ويتقرب إلى الله بما استطاع من الخير. قاله الحطاب. أو أعطيك عهدا؛ يعني أنه إذا قال شخص لآخر أعطيك عهدا أن لا أفعل كذا، فإنه لا كفارة عليه إن خالف ما قال، ومثله أعطيك عهد الله.
стр. 3173
وتحصل مما مر أن الحلف بالعهد على خمسة أقسام: الأوَّلُ: وعهدِ الله يمين إلا أن يريد المخلوق، الثَّاني علي عهد الله يمين ولا يصح أن يراد به المخلوق، الثَّالِثُ أعاهد الله فيه قولان، الرَّابع، لك علي عهد لا كفارة فيه أضيف العهد إلى الله تعالى أم لا إلا أنه إن أضيف إلى الله يكون أعظم من أن تكون فيه كفارة فتلزم فيه التوبة والاستغفار، الخامس أعطيك عهدا لا كفارة فيه أيضا أضيف العهد إلى الله أم لا.
مسألة: إذا قال علي كذا وكذا إذا لم ينو بها اليمين وادعى أنه أراد شيئا آخر صدق. انتهى. من البرزلي. قاله الحطاب.
وعزمت عليك بالله؛ يعني أن من قال لأحد عزمت عليك بالله أوأعزم عليك بالله إلا ما فعلت كذا فخالف فإنه لا كفارة عليه، سواء كسر همزة إلا أو فتحها، فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذات فأبى فلا شيء على واحد منهما، وأما أقسمت عليك بالله فيمين؛ لأنه فعل صريح في القسم، بخلاف أعزم أو عزمت فإنه غير موضوع للقسم ولا منقول إليه، غير أن العزيمة تستدعي التأكيد وهو يكون بالقسم ففيها شائبته، فإن ترك منها عليك كانت يمينا وإلا فلا. وفي الخبر (أنه ﷺ أمر بإبرار القسم أو المقسم (١))، وفيه معنيان، أحدهما أن الحالف إذا حلف على شيء مأمور أن يبر في يمينه وهذا لا خلاف في وجوبه أو ما يقوم مقام الوفاء بذلك وهو الكفارة، الثاني أن يكون المراد أن تبر يمين من حلف عليك وهذا على قسمين، تارة يشوبه معنى السؤال كقوله: بالله إلا ما فعلت كذا، وتارة لا يشوبه كأن يقول: والله لتفعلن ونحو ذلك، وسواء في هذا الإثبات والنفي ويندب إبراره في الوجهين، ويتأكد في الثاني لوجوب الكفارة عليه دون الأول وذلك إضرار به، وهذا كله مع عدم المعارض الشرعي وإلا عمل به، لما ثبت (أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرته ﷺ ، قال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: لا تقسم ولم يخبره (٢)). انتهى. قاله الحطاب.
стр. 3174
وقال النووي في الأذكار: يكره منع من سأل بالله وتشفع، روينا في سنن أبي داوود والنسائي بأسانيد الصحيحين عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه (١)). ويكره أيضا أن يسأل بوجه الله سبحانه غير الجنة، روينا في سنن أبي داوود عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة (٢)). انتهى. وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا (٣))، رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وهو ثقة، وفيه كلام. وهجرا بضم الهاء وسكون الجيم؛ أي ما لم يسئل أمرا قبيحا لا يليق، ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. نقله الإمام الحطاب.
وفي المدونة: وإن قال لرجل: أعزم عليك بالله إلا فعلت كذا فيأبى، فهو كقوله أسألك بالله لتفعلن كذا وكذا، فامتنع فلا شيء على واحد منهما. انتهى. قال في النوادر عن ابن حبيب: وينبغي أن يجيبه ما لم يكن معصية وهو قولُ الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وكذلك إن سئل بالرحم فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما. انتهى. قاله الحطاب.
وروى الترمذي في جامعه عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : (ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلف رجل بأعقابهم فأعطاه سرا لا يعلم عطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رءوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلوا آياتي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا وأقبل بصدره حتى يقتل
стр. 3175
أو يفتح له. والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني المظلوم (١)) قال أبو عبسى: هذا حديث حسن صحيح. نقله في الرياض.
وعلم مما مر أن من قال: أقسمت عليك بالله لتفعلن كذا، يحنث إذا لم يجبه الآخر، فإن لم يقل فيهما بالله ولا نواه فلا شيء عليه. انظر الحطاب.
وعلم منه أنه يحنث فيما إذا نوى بالله فيهما ولم يجبه، وهو واضح من قول المص "وكأحلف وأقسم وأشهد إن نوى بالله"، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: إذا قال أقسمت عليك بالله فلا يخلوأمره إما أن يقصد اليمين فتجب، أو لم يقصده فلا تجب إلا على القول بتعلقها باللفظ وهو خلاف المشهور، وإن لم يقصد شيئا فهل يحمل على اليمين أولا؟ قولان.
وحاشى الله؛ يعني أن حاشى الله ليس بيمين، فمن قال: حاشى الله ما يقوم زيد غدا فوقع خلافه لا كفارة عليه، ومعنى حاشى الله تنزيه الله وبراءة منا له، وظاهر قوله: "وحاشى الله"، أنه غير يمين، ولو أتى معها بواو القسم، وكذا يقال فيما بعده. ومعاذ الله؛ يعني أن من قال: معاذ الله أن أفعل كذا، لا كفارة عليه حيث خالف؛ إذ معناه أعوذ بالله من نسبة ذلك الشيء إلي، أو أعتصم به. كذلك قال الشيخ بناني. الأقرب أن المراد معاذ بالمعجمة وفاقا للآية؛ يعني: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾، وهو منصوب على المصدر، وقال الشيخ عبد الباقي: معاد بالدال المهملة، قال: ومحل كون حاشى الله ومعاد الله يعني بالدال المهملة ليستا بيمين حيث لم يرد بهما شيئا أو أراد الحادث، وأما إن أراد بحاشى الله كلامه القديم وبمعاد الله وجوده، فيمين. انتهى.
وفي كلام بعض الشراح أنه اسم مكان، وتكون الإضافة حينئذ في معاد الله بيانية أي الذات التي يعود إليها الأمر، والأمر لا يعود إلا إليه .
والله راع؛ يعني أنه لو قال: الله راع. لا أفعل كذا أو لأفعلنه، فإنه ليس بيمين فلا كفارة عليه إن لم يفعل أو فعل؛ لأنه إخبار لا إنشاء، إلا أن يريد به اليمين، ويفيده التونسي، وما تقدم من لزوم اليمين بلفظ مباين لها. قاله غير واحد ومعنى راع: حافظ.
стр. 3176
أو كفيل؛ يعني أنه لو قال الله كفيل لا أفعل كذا، أو لأفعلنه برفع الله فإنه لا كفارة عليه إن خالف؛ لإنه إخبار لا إنشاء إلا أن يريد به اليمين، وإن جر لفظ الجلالة في المسألتين لحنا وما بعده خبر فغير يمين أيضا عند عدم قصد اليمين، فإن قصد جره بحرف قسم مقدر فيمين ولو لم يقصد القسم، ولا يمين في: الله وكيل ولا في ربنا يعلم. وما في التلخيص وتبعه السعد من جعل ربنا يعلم يمينا يحمل على ما إذا قصد بها اليمين.
والنبي؛ يعني أن الحالف بالنبي والمصطفى والمختار والكعبة والمقام والبيت والعرش والكرسي والصلاة والصوم والزكاة وخاتم الصوم الذي على أفواه العباد ونحو ذلك من كل مخلوق معظم شرعا لا كفارة عليه إذا حنث، لقول رسول الله ﷺ : (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (١))، فنهى عن اليمين بغير اسم الله وقيست الصفات على الأسماء، وهل يمنع الحلف بما ذكر وهو قول الأكثر وشهره في الشامل؟ وفي التوضيح أنه الأظهر أو يكره، وشهره الفاكهاني واقتصر التتائي وأحمد على كراهة الأخير عن ابن حبيب، وجعل مثله رغم أنفي لله، ومحل القولين إن حلف صادقا وإلا حرم اتفاقا، بل ربما كان بالنبي كفرا لأنه استهزاء به أي يفيد الاستهزاء، لا أنه قصده، وأما الحلف بما ليس بمعظم شرعا كالدماء ورءوس السلاطين والأشراف ونعمة السلطان وحياة أبي ورأس أبي وتربة أبي فلا شك في تحريمه ولا ينبغي أن يتلف فيه، وفي الموطإ والصحيحين عن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم (٢))، وإنما نهي عن الحلف بغير الله لأن فيه تعظيم غير الله بمثل ما يعظم به الله، وإنما ذكر الآباء لأنه سمع عمر يحلف بأبيه، ويشهد لهذا قوله ﷺ : (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٣)).
واعلم أن توحيد الله بالتعظيم على ثلاثة أقسام: واجب إجماعا كتوحيده بالعبادة والرزق والخلق فيجب على كل أحد أن لا يشرك معه تعالى غيره في ذلك، وما ليس بواجب
стр. 3177
إجماعا كتوحيده بالعلم والوجود ونحوهما فيجوز أن يتصف بذلك غيره إجماعا، ومختلف فيه كالحلف به تعالى فإنه تعظيم له واختلف العلماء هل يجوز أن يشرك معه غيره فيه أم لا؟ وذهب بعضهم إلى أن محل النهي إنما هو في حق من قصد حقيقة الحلف لا إن جرى على لسانه من غير قصد، وإذا قلنا بالمنع فهل يمتنع أن يقسم على الله ببعض مخلوقاته نحو: بحق محمد ﷺ اغفر لنا أم لا يمتنع؟ انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: منعه عز الدين إلا بنبينا محمد ﷺ ، وخالفه ابن عرفة واستدل بتوسل عمر ﵁ بالعباس ولا دليل فيه، وكان عمر ﵁ إذا قحط الناس يستسقي بالعباس ﵁، فيقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا محمد ﷺ فاسقنا فيسقون، وفعل سيدنا عمر ﵁ لذلك إنما كان بمحضر الصحابة ولم ينكره أحد فدل على جوازه. والله أعلم.
وفي ذلك يقول القائل:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله … عشية يستسقي بشيبته عمر
توسل بالعباس في الجدب راغبا … فماكر حتى جاء بالديمة المطر
وهذا توسل وهو غير القسم، والقسم أن يقول: أقسمت عليك بنبيك محمد ﷺ وأما التوسل فالظاهر أنه جائز ولا يشكل على القول بالمنع قسمة تعالى ببعض مخلوقاته، كقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ إلى غير ذلك؛ لأن من العلماء من قال: تقديره أقسم برب الزيتون، وقيل: أقسم بها لينبه عباده على عظمتها عنده فيعظمونها، ولا يلزم من الحجر علينا الحجر عليه بل هو الملك المالك على الإطلاق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.
стр. 3178
وفي حديث الأعرابي السائل عما يجب عليه أنه ﷺ ، قال فيه: (أفلح وأبيه إن صدق (١))، وأجيب عنه بأنه منسوخ بالحديث المتقدم؛ يعني (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت (٢))، وبأنه منع الصحة في هذه اللفظة فإنها ليست في الموطإ، وجاء في بعض الأحاديث أنه ﷺ علم الناس الدعاء فقال: (اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة (٣)) قال عز الدين: فإن صح هذا فينبغي أن يكون مقصورا عليه ﷺ ؛ لأنه سيد ولد آدم ولا يقسم على الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، ويكون من خصائصه تنبيها على علو درجته وارتفاع رتبته). انتهى. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي أن الحلف بالطلاق والعتاق حرام لأنه يؤدب في الحلف بهما ولا تأديب في المكروه.
وكالخلق والإماتة؛ يعني أن الصفات الفعلية لا ينعقد بها اليمين، فلا كفارة على من حلف بها وحنث كالخلق أي تكوين المكونات والرزق والإحياء والإماتة بمثناتين فوقيتين، ولا يجوز الحلف بصفات الأفعال، قال في الجواهر: ولا يجوز اليمين بصفات الفعل ولا تجب فيها الكفارة، كقوله: وخلق الله ورزق الله. انتهى. قاله الحطاب. ونقل عن القرطبي أنه يجوز الحلف بجميع أسماء الله تعالى اتفاقا، وكذا يجوز الحلف بالصفة المتمحّضة نحو: وعزة الله وقدرته، ولا ينبغي أن يختلف في هذا القسم أنه كالأول، وأما ما يضاف إلى الله وليس بصفة كقوله: وخلق الله ونعمته ورزقه فهذه ليست بأيمان جائزة لأنها حلف بغير الله، وبين هذين القسمين قسم آخر متردد بينهما مختلف فيه لتردده كعهد الله وأمانته، فعندنا أيمان ملحقة بالقسم الأول، وعند الشافعي ليست بأيمان. انتهى.
وقد تقدم في هذا القسم الأخير أنه تنعقد به اليمين في صورتين، إن نوى المعنى القديم أو لا نية له، وقد مر في حاشى الله ونحوه أنها لا تكون يمينا إلا عند إرادة المعنى القديم، والفرق أن الأمانة ونحوها ظاهرة في إرادة المعنى القديم، فلا تنصرف عنه إلا بنية، وحاشى الله معناه
стр. 3179
حقيقة تنزيه لله منا عما لا يليق به، فلا ينصرف إلى المجاز الذي هو تنزيه الله لنفسه إلا بنية أو قرينة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وكالخلق"، معطوف على قوله: "لا بلك علي عهد".
أو هو يهودي؛ يعني أنه لا تنعقد اليمين بقول شخص هو يهودي إن فعل كذا أو إن لم يفعله، أو نصراني أو عابد وثن أو مجوسي أو مرتد أو على غير ملة الإسلام وما أشبه ذلك، أو سارق أو زان أو شارب خمر أو يأكل الميتة أو نحو ذلك، أو عليه غضب الله أو دعا على نفسه بالكفر أو غيره إن فعل فلا كفارة في شيء من ذلك وليستغفر الله ولا يرتد ولو كان كاذبا فيما علق عليه لأن قصده إنشاء اليمين لا إخباره بذلك عن نفسه، ولذلك إذا لم يكن في يمين فإنه يرتد ولو كان جاهلا أو هازلا، ولا يرتد أيضا إذا قال: هو يهودي لقصده بذلك غرور يهودية ليتزوجها، والظاهر أن من قال هو باغض لرسول الله ﷺ إن فعل كذا ثم فعله مثل من قال هو على غير ملة الإسلام إن فعل كذا.
قوله: "أو هو يهودي"، هو ونحوه متفق على حرمة الحلف به، وأتى المص بضمير الغائب مكان ضمير الحاضر دفعا للبشاعة وللنفور من هذه المقالة التي تستك منها المسامع والعياذ بالله تعالى، فإن قلت قوله: "أو هو يهودي"، يرد عليه قوله ﷺ : (من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال (١))، فالجواب أن هذا الحديث ليس على ظاهره كما قال ابن عبد البر، وقد اختلف في معنى الحديث، فقال الباجي: معنى قوله فهو كما قال: يعني إذا كان معتقدا لذلك، ولهذا أمر من حلف باللات والعزى أن يعاود التهليل لنفي الكفر. انتهى. قال الش: وعليه فيطالب بالشهادة مع الاستغفار، وقال صاحب الاستذكار: ليس هو على ظاهره، وكأنه ﷺ أراد النهي عن مواقعة هذا اللفظ، وقد قال ﷺ : (من حلف منكم باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله (٢)) تكفيرا لتلك الخطيئة وتذكيرا من الغفلة.
ولا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام وعلى الحلف بها وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الألفاظ تجري على ألسنتهم من غير قصد الحلف، فأمر ﷺ من نطق بذلك أن
стр. 3180
يقول: لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وخص اللات لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم كحكمها.
ولما ذم رسول الله ﷺ المقامرة وبالغ في الزجر عنها وعن ذكرها، أمر من طلبها أن يتصدق بصدقة (١)، والظاهر وجوبها عليه لأنها كفارة مأمور بها، وكذا قول لا إله إلا الله على من قال واللات والعزى، ثم هذه الصدقة غير محدودة ولا مقدرة فيتصدق بما تيسر. قاله الإمام الحطاب. نقله ابن زكري. وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وقال الشيخ الأمير: وحرم حلف بغير الله إلا أن يعظم شرعا فيكره. انتهى. وقال في الشرح عند قوله: "وحرم حلف بغير الله" ما نصه: فإن توقف عليه الحق فتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. انتهى. وقال أيضا: وقوله إن فعل كذا يكون يهوديا أو واقعا في حق فلان النبي ليس ردة ولو فعله وليتب، وكذا إن غر به يهودية ليتزوجها. وقصْدُ الإخبارِ بذلك ردة ولو هزلا، وأما قوله: إن فعل كذا يكون داخلا على أهله زانيا، فمن كنايات الطلاق، واستظهر الثلاث. انتهى. وقوله: "أو هو يهودي"، يشهد له قوله في المدونة: وإن قال إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام، فليست (٢) هذه أيمانا وليستغفر الله مما قال، وقوله: لعمري أو هو زان أو سارق: أو قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج، أو قال: هو يأكل لحم الخنزير والميتة أو يشرب الدم أو الخمر أو يترك الصلاة أو عليه لعنة الله وغضبه أو حرمه الله الجنة أو أدخله النار، وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيء من هذا يمينا، وكذا قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، وهذا من كلام النساء وضعفاء الرجال، وأكره اليمين بهذا أو بغير الله أو رغم أنفي لله، ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. انتهى. قوله: وليستغفر الله، قال في الذخيرة: لأنه التزم هتك حرمة الله تعالى على تقدير ممكن، واللائق بالعبد الامتناع من ذلك مطلقا، ووافقنا ابن حنبل في الإثم وأوجب الكفارة، وقال الحنفية: ليس بئاثم وتجب الكفارة. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
стр. 3181
وقال الخرشي: ولو قال المؤلف: أو كهو يهودي، لشمل ما تقدم. انتهى.
وغموس؛ يعني أنه لا كفارة في اليمين الغموس، سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم وقيل في النار، وتعقب بأن فاعل الذنب عند أهل السنة تحت المشيئة ولا تتحتم عليه النار، وأجيب بأن معنى تغمسه في النار يستحقها بسببه، ولا يلزم من استحقاقها دخولها، وفسر المص الغموس بقوله: بأن شك أو ظن وحلف بلا تبين صدق؛ يعني أن اليعين الغموس هي أن يحلف على شيء لا يعلمه؛ بأن يتعمد الحالف الحلف على الكذب، وهذا فهم من كلامه بالأحروية أو يحلف على غير يقين بأن يشك حين حلفه فيما حلف عليه، هل هو كما حلف أولا، أو يظن أنه كما حلف أو يتوهم أنه كما حلف؟ ولم يتبين له في هذه الأقسام الأربعة أن الأمر كما حلف عليه، فهذه اليمين لا تكفر لأنها أعظم من أن تكفرها الكفارة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الآية، ولقوله ﵊: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار (١))، وقولي في هذه الأقسام الأربعة واضح بجعل العلم بمعنى الاعتقاد. والله سبحانه أعلم. وقال عمر بن الخطاب ﵁: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع أي خالية، قال ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة وهي من الكبائر، وليتب إلى الله تعالى الحالف بها، ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصيام. عبد الوهاب: وإنما قلنا إنها لا كفارة فيها خلافا للشافعي، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وهذه يمين غير منعقدة، ومفهوم قوله: "بلا تبين صدق"، أنه لو تبين صدق ما حلف عليه لم تكن غموسا فلا إثم عليه وهو المتبادر من المدونة وعليه حملها ابنُ الحاجب وعليه حمل ابن عتاب لفظ العتبية، وحمل غير واحد المدونة على أنه وافق البر في الظاهر، لا أن إثم الجرأة سقط عنه؛ لأن ذلك لا يسقطه إلا التوبة وهو ظاهر في الفقه، إلا أنه بعيد من لفظ المدونة. وقوله: "أو ظن"، محل كونها غموسا في حالة الظن إن لم يقو الظن كما يأتي في الشهادات، ولم يقل: في ظني، وإلا لم تكن غموسا، وقوله: "بأن شك أو ظن"، هذا إذا تعلقت بالماضي، فإن تعلقت بالحال أو بالاستقبال كفرت، فقوله: "بأن شك"، مقيد بقيد وهو تعلقها بماض، وقوله: "أو ظن"، مقيد بثلاثة. قاله
стр. 3182
الشيخ عبد الباقي. وسيأتي ما يفيد أن الشك مقيد بقيدين، وقال الشيخ الأمير: والغموس حلف بلا قوة ظن، ومنها الحلف على مستحيل عقلا أو عادة، فإن تعلقت بالماضي فكفارتها -إن لم يغفر الله- جهنمُ فهي غموس في الإثم، وبغير الماضي من حال أو استقبال كفرت إن لم يتبين صدق. انتهى.
قوله: وليستغفر الله، راجع للفرعين قبله؛ يعني أن الحالف بقوله: "هو يهودي"، يلزمه الاستغفار، وكذا يلزمه فيما لحق به ويلزمه أيضا في اليمين الغموس، ويحتمل رجوعه لما لا تنعقد به اليمين. قاله الخرشي. وقوله: "وليستغفر الله"؛ أي لأنه التزم هتك حرمة الله تعالى على تقدير ممكن، واللائق بالعبد الامتناع من ذلك مطلقا، ووافقنا ابن حنبل في الإثم وأوجب الكفارة، وقال الحنفية: ليس بآثم وتجب الكفارة، قاله القرافي معللا قول المدونة: وليستغفر الله: يعني من قال هو يهودي ومن في حكمه وقد مر هذا.
وقوله: "وليستغفر الله"، قال جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵃: إذا ألهم اللهُ عبده الاستغفار فإنه لا يعذبه، وما علمكم الله الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم. انتهى. نقله في الرياض. وقوله: "وليستغفر الله": أي يطلبه المغفرة بأن يتوب إلى الله سبحانه، وما قدمته من أن متعلق الغموس الماضي هو المشهور كما نقله الحطاب عن البرزلي، وقال ابن الحاجب: إنها تتعلق بالمستقبل، وقال في التوضيح: ولا كفارة في الغموس سواء تعلقت بالماضي أو بالمستقبل، فالماضي واضح، والمستقبل كما لو كانت يمينه على ما لا يصح وجوده، أو قد علم أنه لا يوجد كقوله: والله لأقتلن فلانا غدا وقد علم أنه ميت، أو لأطلعن السماء اليوم، أو لا تطلع الشمس غدا، ولم يجزم التونسي بحصولها في المستقبل، قال: والأشبه أنه غموس ومَثَّله بما ذكرناه.
ابن عبد السلام: وأكثر كلام الشيوخ: يقتضي انحصار اللاغية في الماضي والحال وأنها لا تتناول المستقبل، وذكر بعض الشيوخ حصر اليمين الغموس في الماضي. انتهى.
تنبيه: قال ابن عرفة: الشيخ روى ابن حبيب: الإلغاز في اليمين لمكر أو قطع حق يصيرها غموسا، وما كان لعذر أو لخوف سخط أخيك فلا بأس به. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال في
стр. 3183
التوضيح بعد ذكر الكلام في الحلف على الشك والظن: وهذا كله إذا أطلق اليمين، وأما إن قيدها فقال في ظني أو ما أشبه ذلك فلا شيء عليه. قاله الحطاب. والغموس تكون في الطلاق بمعنى أنه يأثم في الحلف بها ويلزمه الطلاق، قال في المقدمات في كتاب الأيمان بالطلاق: ويأثم إذا حلف على الغيب أو على الكذب أو على الشك: كما يأثم في اليمين بالله إذا حلف على شيء من ذلك. وقال في التوضيح: وقال في المسائل الملقوطة: يلزم التعزير في مسائل منها اليمين الغموس. قاله الحطاب.
وإن قصد بكالعزى التعظيم فكفر يعني أن الحالف إذا قصد بحلفه باللات والعزى وما أشبههما من كل ما عبد من دون الله التعظيم، من حيث إن ما ذكر متصف بصفة الربوبية فإن ذلك يكون كفرا والعياذ بالله تعالى، وشمل ذلك ما إذا حلف به من كونه ينسب له فعل كالأزلام، فإذا قال: والأزلام لأفعلن كذا -مثلا- وقصد بالحلف بها التعظيم من كونها ينسب إليها التأثير، والعياذ بالله تعالى. فكفر والأزلام واحدها زلم كجمل وصرد، وهي الأقداح كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوبا على أولها: أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى الثالث غفل، فإن خرج الأول مضى، وإن خرج الثاني ترك، وإن خرج الثالث أعاد الضرب. نقله الشيخ بناني. وقصد تعظيم من عبد من دون الله من الأنبياء في الحلف به فليس بكفر إلا أن يقصد تعظيمه على أنه إله، وقد علمت مما مر أن الحلف بغير الله حرام اتفاقا في غير المعظم شرعا، وعلى الراجح في المعظم شرعا ومقابله الكراهة، وأن محلها إن حلف صادقا وإلا حرم اتفاقا.
ولا لغو؛ يعني أنه لا كفارة في اليمين اللاغية وهذا إن تعلقت بماض أو بحال، وأما إن تعلقت بالمستقبل فتكفر.
فتحصل أن الغموس واللغو لا كفارة فيهما إن تعلقتا بماض اتفاقا فإن تعلقتا بحال كفرت الغموس دون اللغو وأنهما إن تعلقتا بمستقبل كفرتا وللشيخ علي الأجهوري:
كفر غموسا بلا ماض تكون كذا … لغو بمستقبل لا غير فامتثلا
стр. 3184
قال الشيخ محمد بن الحسن: قول علي الأجهوري كفر غموسا الخ، هذا مقتضى ما ذكره ابن عبد السلام عن مقتضى أكثر كلام الشيوخ في اللغو، وعن بعضهم في الغموس، وقال ابن عرفة: لا لغو ولا غموس في المستقبل، وقال البرزلي: المشهور أن متعلق الغموس واللغو هو الماضي. انتهى. لكن اختار التونسي أن تكون الغموس في المستقبل الممتنع عقلا أو عادة. انظر الحطاب. انتهى. يشير إلى ما مر عن الحطاب وفسر المص اللغو بقوله: على ما يعتقده فظهر نفيه؛ يعني أن اليمين اللاغية هي أن يحلف الشخص على ما يعتقده أي على ما هو جازم به، وبعد ذلك يتبين له أن ما في نفس الأمر على خلاف ما حلف عليه، فاللغو المذكور في الآية أعني قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هو عندنا الحلف على ما يعتقده الحالف فيظهر نفيه، وهذا هو المشهور من المذهب وقاله أبو هريرة، وأخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة، كما ذكره الجلال السيوطي في الدر المنثور. قاله الشيخ إبراهيم. وروى مالك في الموطإ عن عائشة: أن اللغو ما سبق إليه اللسان من والله ولا والله، وهو قول إسماعيل القاضي والشيخ أبي بكر الأبهري، واختاره اللخمي وابن عبد السلام وابن أبي جمرة، وإليه كان يميل أبو إسحاق العبدوسي، وقيل: اللغو هو يمين الحرج والغضب، وقيل هو الحلف على المعصية، وقيل هو الحلف على تحريم الحلال وتحليل الحرام. نقله الشيخ إبراهيم. ونحوه للشارح، قال: وليس في المذهب فيما أعلم غير الأولين. وقوله: "ولا لغو"، معطوف على "غموس"، أو على مدخول الباء من قوله: "لا بلك علي عهد". وقوله: "على ما يعتقده"، بدل من "لغو". قاله الشيخ إبراهيم.
ولم يفد في غير الله؛ يعني أن كلا من اللغو والغموس لا يفيد في غير اليمين بالله كالطلاق والعتق وغيرهما، وإنما يفيد في اليمين بالله، فمن حلف بطلاق مثلا على ما يعتقد فظهر خلاف لزمه، كما لو ظن أو شك وحلف بلا تبين صدق مع الإثم كما مر.
ومثل اليمين بالله النذر المبهم كما لو رأى شخصا مقبلا اعتقد أنه زيد، فقال: علي نذر إن لم يكن زيدا فتبين أنه عمرو فلا شيء عليه، وأفاد في اليمين بالله دون غيرها من الأيمان؛ لأن اليمين بالله هي اليمين الشرعية، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، فعدم إفادته في غير اليمين بالله ظاهر من الآية، وفي المدونة: ولا ثنيا ولا لغو في طلاق ولا مشي ولا
стр. 3185
صدقة ولا غير ذلك إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له. انتهى. قال ابن رشد: وكذلك من حلف بالمشي أو بالصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة، على قول من يقول إن فيه كفارة يمين. انتهى. نقله الإمام الحطاب عن الشيخ أبي الحسن. قال: ونصه -يعني ابن رشد-: لا اختلاف أعلمه في المذهب أن اللغو لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه أو في نذر لا يسمى له مخرج؛ لأن الله لم يذكره إلا في اليمين التي أوجب فيها الكفارة، فقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، ويجيء على من أوجب كفارة اليمين بالله في الحلف بالمشي والصدقة وما أشبه ذلك مما فيه قربة وطاعة أن يكون اللغو في ذلك. والله أعلم. وكذلك الأيمان اللازمة لا يدخلها اللغو والاستثناء، وذكر البرزلي في مسائل الأيمان تخريجا في ذلك، فانظره. انتهى.
تنبيه. قال البرزلي: سألت شيخنا عمن حلف بالطلاق لا يموت إلا على الإسلام اتكالا على كرم الله تعالى، هل عليه شيء أم لا؟ فأجاب: إذا كان مراده بذلك أنه لا يكفر بعد إيمانه ولا ينتقل بعد إسلامه ويبقى عليه إلى أن يموت فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أراد ثبوته على الإسلام، ثم قال: وسكت شيخنا عما إذا كان مراده حسن الخاتمة أو دخول الجنة، وعندي أنها تجري على مسألة من حلف أنه من أهل الجنة والمشهور الحنث. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم.
كالاستثناء بإن شاء الله؛ يعني أن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله كالطلاق والعتق ونحوهما، وإنما يفيد في اليمين بالله ، فالتشبيه في عدم الإفادة بالنسبة لغير اليمين بالله، وفي الإفادة بالنسبة لليمين بالله فهو تشبيه في المنطوق والمفهوم، فإذا قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله ثم فعله فلا شيء عليه بالشروط الآتية، ومثل اليمين بالله النذر المبهم، فاللغو لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه، أو في نذر لم يسم له مخرجا.
إن قصده؛ يعني أن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله، وإنما يفيد فيه إن قصده أي الاستثناء أي حل اليمين، وأما مع عدم القصد بأن قصد التبرك أو لا قصد له، فإنه لا يفيد.
стр. 3186
وبما قررت علم أن هذا الشرط راجع لأحد شقي التشبيه وهو الإفادة في اليمين بالله، مع أنه مستغنى عنه بقوله: ونوى الاستثناء وقصد، وأما رجوعه للمنطوق فغير ظاهر؛ لأن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله مطلقا قصد أم لا، وشبه في الحكمين قوله: كإلا أن يشاء الله؛ يعني أنه لا فرق في الاستثناء بالمشيئة بين الماضي كإن شاء الله، والمضارع كإلا أن يشاء الله، فكل منهما لا يفيد في غير اليمين بالله ويفيد في اليمين بالله بلا خلاف، وذكره ليلا يتوهم أنه من باب تعقيب الرافع.
تنبيه: إدخال حرف القسم على غير اليمين بالله لا يفيد، فلو قال: والطلاق والمشي مثلا لأفعلن لا يكون يمينا. قاله الخرشي. وهو ظاهر.
أو يريد؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يريد الله كالاستثناء بإن نشاء الله، فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: وهو القياس والنظر الصحيح. أو يقضي؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يقضي الله كالاستثناء بإن شاء الله فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: قول عيسى في إلا أن يريد أو يقضي هو القياس والنظر الصحيح؛ لأن قضاء الله أو مشيئته إرادته، وإلى ذلك أشار بقوله: على الأظهر، ومقابله لابن القاسم: أن الاستثناء بإلا أن يريد الله أو إلا أن يقضي الله ليس بثنيا لعدم ورود السنة به، وهل الاستثناء رافع للكفارة؟ وهو قول ابن القاسم، أو حل لليمين من أصلها وهو قول ابن الماجشون والقاضي وفقهاء الأمصار؟ وتظهر فائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى ثم حلف ما حلف، أو حلف ليحلف فحلف واستثنى فيحنث على الأول دون الثاني.
وأفاد بكإلا في الجميع، لما ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله فقط، ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله وغيره؛ يعني أن الاستثناء بإلا وما في معناها من أدوات الاستثناء كخلا وعدا وحاشا ولا يكون وليس وغيرها من بقية الأدوات وما في معناها من شرط أو صفة أو غاية أو بدل بعض، يفيد أي ينفع في الجميع أي جميع الأيمان من يمين بالله وطلاق وعتق وغيرها، ومنهم من فسر قوله: "في الجميع"، بقوله: أي جميع الأيمان الماضية والمستقبلة بالله أو بعتق أو طلاق، كانت اليمين منعقدة أو غموسا فيرتفع الإثم نحو: والله لا أكلم أو ما كلمت زيدا إلا يوم كذا، أو إن ضربني أو
стр. 3187
ابن عمر أو إلى وقت كذا أو لا أكلم أو ما كلمت الرجل ابن عمرو، ونحو والله لا تظهر الشمس غدا إلا أن تكون مصحية أو قتلت فلانا الميت إلا أن يشاء الله فلا إثم عليه.
إن اتصل؛ يعني أن الاستثناء يشترط في إفادته أي نفعه أن يتصل باليمين، سواء كان بكإلا أو بإن شاء الله وما في حكمها، والمعتبر اتصاله بالمقسم عليه حيث تعلق الاستثناء به، وأما إن تعلق بالمقسم به أي بعدده كما في الطلاق ولا يكون إلا بكإلا، فهل لا بد من اتصاله بالمقسم به نحوأنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إن دخلت الدار، أو يكفي اتصاله بالمقسم عليه نحو أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار إلا اثنتين قولان، ومفهوم قوله: "إن اتصل" أنه لو انفصل لم يفد مشيئة أو غيرها، واستثنى من مفهوم إن اتصل قوله: إلا لعارض؛ يعني أن محل عدم إفادة الاستثناء حيث انفصل النطق بالاستثناء عن النطق باليمين إنما هو إذا لم يكن الانفصال لعارض لا يمكن رفعه، كسعال وعطاس وانقطاع نفس أو تثاؤب، وأما الانفصال لذلك فينفع معه الاستثناء، وظاهر المص إفادته مع الانفصال المذكور، ولو اجتمعت هذه الأمور أو تكررت لا رد سلام وحمد عاطس ونحو ذلك فيضر.
واعلم أن من أهل العلم من أجاز الاستثناء في القلب بمشيئة الله ، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس من إجازة الاستثناء بعد عام أنه أظهر بعد عام ما كان اعتقده حين اليمين منه؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أن الاستثناء لا بد أن يكون موصولا باليمين، بل قد قال ابن المواز: إنه لا بد أن ينطق به قبل آخر حرف من حروف اليمين -يريد من الكلام الذي تمت به اليمين-. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
ونوى الاستثناء؛ يعني أن الاستثناء كما يشترط في إفادته الاتصال باليمين، يشترط فيه أيضا أن ينوي النطق بالاستثناء لا إن جرى على لسانه من غير قصد بل سهوا، فلا يفيد مشيئة أو غيرها. وقصد؛ يعني أنه لا بد في إفادة الاستثناء أيضا من أن يقصد بالاستثناء الذي نوى النطق به حل اليمين، وإذا قصد بالاستثناء حل اليمين كفاه ذلك القصد، ولو لم يقع إلا بعد النطق باليمين من غير فصل، كمن حلف وبعد فراغه قيل له قل إن شاء الله مثلا فقالها عقب تمام اليمين فينفعه
стр. 3188
ذلك، فنية حل اليمين تكون من أول النطق باليمين أو في أثنائه أو بعد فراغه من غير فصل، وأما لو لم يقصد حل اليمين بل قصد التبرك بالنطق بالمشيئة فإنه لا يفيده ذلك في رفع الكفارة.
وبما قررت علم أن قوله: "وقصد"، غير مكرر مع قوله: "ونوى الاستثناء"، لكن يغني قوله: "قصد"، عن قوله: "ونوى الاستثناء"، كما هو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وبقي على المص من شروط الاستثناء أن لا ينوي أولا إدخال ما أخرجه آخرا بالاستثناء ثم أخرجه فإنه لا ينفعه استثناؤه كما ذكره عبد الحق، ونصه: ولو قصد أولا إدخال الزوجة مع غيرها لم ينفعه استثناؤه إياها بحال، انتهى. نقله الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. عند قوله: "وقصد".
ونطق به؛ يعني أن الاستثناء مشيئة أو غيرها إنما ينفع إذا نطق به فلا تكفي النية، وقوله: "ونطق به"، قال الشيخ الخرشي: ويكفي النطق بإلا، ولو حذف المستثنى كقوله: لا أكلم زيدا إلا، وينوي غدا مثلا. انظر ابن عرفة. انتهى.
وإن سرا؛ يعني أنه إذا نطق بالاستثناء فإنه ينفعه، ولا فرق في ذلك بين الجهر والسر، لكن يشترط في إسراره به أن يكون بحركة لسان، فلا يشترط إسماع نفسه، ومفهومه أنه لو لم يحرك بالاستثناء لسانه بل أجراه على قلبه فإن ذلك لا يكفي، وهذا هو المشهور، وروى أشهب أن النية كافية إذا كان الاستثناء بإلا أو بإحدى أخواتها، وما ذكره المص من أن حركة اللسان تكفي ظاهر في المتبرع باليمين، وأما من حلف على حق واجب فهل يفيده ذلك أي ينفعه في إسقاط الكفارة وهو آثم بمنعه حق الغير؟ وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، أو لا يفيده وهو قول سحنون؟ لأن اليمين على نية المستحلف، ونحوه لأصبغ وغيره وهو المشهور كما قال الشيخ إبراهيم، وفي الحطاب عن ابن جزي أنه يجري مجرى الاستثناء بمشيئة الله مشيئة غيره، كقوله: إن شاء فلان أو إلا إن بدا لي وشبه ذلك. انتهى؛ يعني -والله أعلم- أنه يشترط فيه الشروط المذكورة في الاستثناء بالمشيئة. والله سبحانه أعلم.
إلا أن يعزل في يمينه؛ يعني أن المخصص لليمين إن كان استثناء فإنه يشترط فيه النطق كما قدمه، وإن كان محاشاة كفت النية، ولا بد أن تكون قبل النطق باليمين كما قال: أولا، لا في الأثناء ولا بعد تمام اليمين، فلا يكفي إلا النطق بالاستثناء الواقع بالشروط المتقدمة، والمحاشاة
стр. 3189
هي أن يعزل؛ أي يخرج بنيته ما يريد إخراجه في يمينه، فالعزل المذكور هو المحاشاة، وقوله: "إلا أن يعزل؛ في يمينه مستثنى من قوله: "ونطق به"، وهو استثناء منقطع، ومثل لمسألة العزل بقوله: كالزوجة في الحلال علي حرام؛ يعني أنه إذا قال: الحلال علي حرام إن فعلت كذا أو لا فعلته وعزل زوجته من يمينه في نيته قبل النطق باليمين فإن ذلك ينفعه، فتقبل نيته في الفتوى والقضاء إلا في وثيقة حق فلا ينفعه العزل على الأصح.
قوله: "كالزوجة في الحلال علي حرام"، وقد علمت أنه تقبل نيته في الفتوى والقضاء، واختلف هل يحلف أم لا؟ وقوله: "كالزوجة"؛ أي كنية عزل الزوجة في حلفه بهذا اللفظ.
واعلم أن المشهور ما قال المص من اشتراط حصول النية قبل النطق باليمين، خلاف ما قال ابن عبد السلام أن المشهور أنه إنما يشترط حصولها قبل تمام اليمين بأن وقعت أو لا أو في الأثناء، والمص تبع ابن محرز، وما مشى عليه المص من أن النية تكفي هنا هو المشهور، وقيل لا بد من النية واللفظ وهو لأشهب. وفي المدونة: من قال كل حل عليه حرام حرمت عليه امرأته فقط إلا أن يحاشيها بقلبه. انتهى. وقال الشيخ مصطفى: كلام ابن محرز ومن تبعه يقتضي أن المحاشاة قاعدة مطردة، وأن مسألة الحلال عليه حرام فرد من أفرادها وليس كذلك، بل ظاهر كلامهم أنها خاصة بمسألة الحلال عليه حرام، واستدل على ذلك بأمرين: أحدهما إطلاقهم في النية المخصصة أنها لا تقبل مع المرافعة، وقالوا في الحلال عليه حرام: تقبل المحاشاة ولو قامت البينة.
الثاني أن الباجي فرق بين قبول المحاشاة مطلقا وبين التفصيل في النية المخصصة بأن ما يحلف به لا يقتضي الاستيعاب، ولذا لو قال الحالف الطلاق علي لجاز أن يقول أردت واحدة والمحلوف عليه يقتضي الاستيعاب؛ لأنه إذا حلف لاكلمت رجلا حمل على العموم، وأيضا الباجي أجرى إخراج الطلاق والعتق المعين من الأيمان اللازمة على الخلاف في محاشاة الزوجة من الحلال عليه حرام، فلو كانت قاعدة مطردة ما احتاج إلى هذا الإجراء. انتهى.
ورد عليه الشيخ بناني، ثم قال الحاصل أن ما أفاده ابن محرز ومن تبعه من أن المحاشاة قاعدة مطردة في المحلوف به والمحلوف عليه ليس بظاهر، كما قال لإطلاقهم قبول المحاشاة وتفصيلهم في النية المخصصة كما يأتي، وأن ما ادعاه مصطفى من تخصيصها بلفظ الحلال عليه
стр. 3190
حرام لم يقم عليه دليل، فإن ادعى اطرادها في المحلوف به فقط كما يفيده الباجي لم يبعد. والله تعالى أعلم.
وقال الرهوني بعد جلب نقول: حاصل ما سبق أن المحاشاة ليست قاصرة على الحلال عليه حرام، بل هي عامة فيما فيه عموم من محلوف به أو عليه وهي التخصيص بالنية، وأن شرطها أن تنعقد عليها اليمين أوَّلا خلافا لمصطفى وأنها تنفع الحالف فيما بينه وبين الله تعالى إن لم يستحلف، وإن روفع صاحبها جرى على ما سيأتي من قوله: "وخصصت نية الحالف" لخ انتهى.
ابن رشد: القياس أن لا يصدق القائل الحلال عليه حرام إن ادعى محاشاة زوجته مع قيام البينة لادعائه خلاف ظاهر لفظه، كحالف لا كلم زيدا، وقال نويت شهرا، وتصديقه في الزوجة استحسان لمراعاة الخلاف في أصل اليمين. والله أعلم. انتهى. وعبارة الأمير: وإن نوى في يمينه إخراج شيء خرج في كل يمين كالمحاشاة. انتهى.
وقال الشيخ الخرشي: واعلم أن مسألة المحاشاة من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما دخل في اليمين أولا فهو عام مخصوص، ويتضح ذلك ببيانهما، قال ابن السبكي: العام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما لقرينة التخصيص، فالقوم من قولنا: قام القوم إلا زيدا متناول لكل فرد من أفراده حتى زيد، والحكم بالقيام متعلق بما عدا زيدا، والعام الذي يراد به الخصوص هو أن يطلق اللفظ ويراد به بعض ما يتناوله، فلم يرد عمومه لا تناولا ولا حكما، بل هو كلي استعمل في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا، فصورة المحاشاة من ذلك، فإن الحلال من قوله: "الحلال علي حرام"، استعمل فيه الحلال في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا ولا تندرج فيه الزوجة، وقوله: "الحلال" بالرفع على الحكاية. وهي المحاشاة، يعني أن هذه المسألة الشار إليها بقوله: "كالزوجة في الحلال علي حرام"، هي المسألة المعروفة عند الفقهاء بالمحاشاة، والمحاشاة هي الإخراج لما يريد إخراجه.
وفي النذر المبهم؛ يعني أنه لو قال شخص: لله علي نذر أو علي نذر أو حلف بذلك وحنث فعليه كفارة يمين بالله، وهي قوله ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ لخ، وإنما كان عليه في النذر المبهم كفارة يمين،