وبما قررت علم أن هذا الشرط راجع لأحد شقي التشبيه وهو الإفادة في اليمين بالله، مع أنه مستغنى عنه بقوله: ونوى الاستثناء وقصد، وأما رجوعه للمنطوق فغير ظاهر؛ لأن الاستثناء بإن شاء الله لا يفيد في غير اليمين بالله مطلقا قصد أم لا، وشبه في الحكمين قوله: كإلا أن يشاء الله؛ يعني أنه لا فرق في الاستثناء بالمشيئة بين الماضي كإن شاء الله، والمضارع كإلا أن يشاء الله، فكل منهما لا يفيد في غير اليمين بالله ويفيد في اليمين بالله بلا خلاف، وذكره ليلا يتوهم أنه من باب تعقيب الرافع.
تنبيه: إدخال حرف القسم على غير اليمين بالله لا يفيد، فلو قال: والطلاق والمشي مثلا لأفعلن لا يكون يمينا. قاله الخرشي. وهو ظاهر.
أو يريد؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يريد الله كالاستثناء بإن نشاء الله، فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: وهو القياس والنظر الصحيح. أو يقضي؛ يعني أن الاستثناء بإلا أن يقضي الله كالاستثناء بإن شاء الله فلا يفيد في غير اليمين بالله، ويفيد في اليمين بالله. قاله عيسى. ابن رشد: قول عيسى في إلا أن يريد أو يقضي هو القياس والنظر الصحيح؛ لأن قضاء الله أو مشيئته إرادته، وإلى ذلك أشار بقوله: على الأظهر، ومقابله لابن القاسم: أن الاستثناء بإلا أن يريد الله أو إلا أن يقضي الله ليس بثنيا لعدم ورود السنة به، وهل الاستثناء رافع للكفارة؟ وهو قول ابن القاسم، أو حل لليمين من أصلها وهو قول ابن الماجشون والقاضي وفقهاء الأمصار؟ وتظهر فائدة الخلاف فيمن حلف واستثنى ثم حلف ما حلف، أو حلف ليحلف فحلف واستثنى فيحنث على الأول دون الثاني.
وأفاد بكإلا في الجميع، لما ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله فقط، ذكر الاستثناء المفيد في اليمين بالله وغيره؛ يعني أن الاستثناء بإلا وما في معناها من أدوات الاستثناء كخلا وعدا وحاشا ولا يكون وليس وغيرها من بقية الأدوات وما في معناها من شرط أو صفة أو غاية أو بدل بعض، يفيد أي ينفع في الجميع أي جميع الأيمان من يمين بالله وطلاق وعتق وغيرها، ومنهم من فسر قوله: "في الجميع"، بقوله: أي جميع الأيمان الماضية والمستقبلة بالله أو بعتق أو طلاق، كانت اليمين منعقدة أو غموسا فيرتفع الإثم نحو: والله لا أكلم أو ما كلمت زيدا إلا يوم كذا، أو إن ضربني أو
стр. 3187
ابن عمر أو إلى وقت كذا أو لا أكلم أو ما كلمت الرجل ابن عمرو، ونحو والله لا تظهر الشمس غدا إلا أن تكون مصحية أو قتلت فلانا الميت إلا أن يشاء الله فلا إثم عليه.
إن اتصل؛ يعني أن الاستثناء يشترط في إفادته أي نفعه أن يتصل باليمين، سواء كان بكإلا أو بإن شاء الله وما في حكمها، والمعتبر اتصاله بالمقسم عليه حيث تعلق الاستثناء به، وأما إن تعلق بالمقسم به أي بعدده كما في الطلاق ولا يكون إلا بكإلا، فهل لا بد من اتصاله بالمقسم به نحوأنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إن دخلت الدار، أو يكفي اتصاله بالمقسم عليه نحو أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار إلا اثنتين قولان، ومفهوم قوله: "إن اتصل" أنه لو انفصل لم يفد مشيئة أو غيرها، واستثنى من مفهوم إن اتصل قوله: إلا لعارض؛ يعني أن محل عدم إفادة الاستثناء حيث انفصل النطق بالاستثناء عن النطق باليمين إنما هو إذا لم يكن الانفصال لعارض لا يمكن رفعه، كسعال وعطاس وانقطاع نفس أو تثاؤب، وأما الانفصال لذلك فينفع معه الاستثناء، وظاهر المص إفادته مع الانفصال المذكور، ولو اجتمعت هذه الأمور أو تكررت لا رد سلام وحمد عاطس ونحو ذلك فيضر.
واعلم أن من أهل العلم من أجاز الاستثناء في القلب بمشيئة الله ، وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس من إجازة الاستثناء بعد عام أنه أظهر بعد عام ما كان اعتقده حين اليمين منه؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أن الاستثناء لا بد أن يكون موصولا باليمين، بل قد قال ابن المواز: إنه لا بد أن ينطق به قبل آخر حرف من حروف اليمين -يريد من الكلام الذي تمت به اليمين-. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
ونوى الاستثناء؛ يعني أن الاستثناء كما يشترط في إفادته الاتصال باليمين، يشترط فيه أيضا أن ينوي النطق بالاستثناء لا إن جرى على لسانه من غير قصد بل سهوا، فلا يفيد مشيئة أو غيرها. وقصد؛ يعني أنه لا بد في إفادة الاستثناء أيضا من أن يقصد بالاستثناء الذي نوى النطق به حل اليمين، وإذا قصد بالاستثناء حل اليمين كفاه ذلك القصد، ولو لم يقع إلا بعد النطق باليمين من غير فصل، كمن حلف وبعد فراغه قيل له قل إن شاء الله مثلا فقالها عقب تمام اليمين فينفعه
стр. 3188
ذلك، فنية حل اليمين تكون من أول النطق باليمين أو في أثنائه أو بعد فراغه من غير فصل، وأما لو لم يقصد حل اليمين بل قصد التبرك بالنطق بالمشيئة فإنه لا يفيده ذلك في رفع الكفارة.
وبما قررت علم أن قوله: "وقصد"، غير مكرر مع قوله: "ونوى الاستثناء"، لكن يغني قوله: "قصد"، عن قوله: "ونوى الاستثناء"، كما هو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وبقي على المص من شروط الاستثناء أن لا ينوي أولا إدخال ما أخرجه آخرا بالاستثناء ثم أخرجه فإنه لا ينفعه استثناؤه كما ذكره عبد الحق، ونصه: ولو قصد أولا إدخال الزوجة مع غيرها لم ينفعه استثناؤه إياها بحال، انتهى. نقله الحطاب. قاله الشيخ محمد بن الحسن. عند قوله: "وقصد".
ونطق به؛ يعني أن الاستثناء مشيئة أو غيرها إنما ينفع إذا نطق به فلا تكفي النية، وقوله: "ونطق به"، قال الشيخ الخرشي: ويكفي النطق بإلا، ولو حذف المستثنى كقوله: لا أكلم زيدا إلا، وينوي غدا مثلا. انظر ابن عرفة. انتهى.
وإن سرا؛ يعني أنه إذا نطق بالاستثناء فإنه ينفعه، ولا فرق في ذلك بين الجهر والسر، لكن يشترط في إسراره به أن يكون بحركة لسان، فلا يشترط إسماع نفسه، ومفهومه أنه لو لم يحرك بالاستثناء لسانه بل أجراه على قلبه فإن ذلك لا يكفي، وهذا هو المشهور، وروى أشهب أن النية كافية إذا كان الاستثناء بإلا أو بإحدى أخواتها، وما ذكره المص من أن حركة اللسان تكفي ظاهر في المتبرع باليمين، وأما من حلف على حق واجب فهل يفيده ذلك أي ينفعه في إسقاط الكفارة وهو آثم بمنعه حق الغير؟ وهو مذهب ابن القاسم في العتبية، أو لا يفيده وهو قول سحنون؟ لأن اليمين على نية المستحلف، ونحوه لأصبغ وغيره وهو المشهور كما قال الشيخ إبراهيم، وفي الحطاب عن ابن جزي أنه يجري مجرى الاستثناء بمشيئة الله مشيئة غيره، كقوله: إن شاء فلان أو إلا إن بدا لي وشبه ذلك. انتهى؛ يعني -والله أعلم- أنه يشترط فيه الشروط المذكورة في الاستثناء بالمشيئة. والله سبحانه أعلم.
إلا أن يعزل في يمينه؛ يعني أن المخصص لليمين إن كان استثناء فإنه يشترط فيه النطق كما قدمه، وإن كان محاشاة كفت النية، ولا بد أن تكون قبل النطق باليمين كما قال: أولا، لا في الأثناء ولا بعد تمام اليمين، فلا يكفي إلا النطق بالاستثناء الواقع بالشروط المتقدمة، والمحاشاة
стр. 3189
هي أن يعزل؛ أي يخرج بنيته ما يريد إخراجه في يمينه، فالعزل المذكور هو المحاشاة، وقوله: "إلا أن يعزل؛ في يمينه مستثنى من قوله: "ونطق به"، وهو استثناء منقطع، ومثل لمسألة العزل بقوله: كالزوجة في الحلال علي حرام؛ يعني أنه إذا قال: الحلال علي حرام إن فعلت كذا أو لا فعلته وعزل زوجته من يمينه في نيته قبل النطق باليمين فإن ذلك ينفعه، فتقبل نيته في الفتوى والقضاء إلا في وثيقة حق فلا ينفعه العزل على الأصح.
قوله: "كالزوجة في الحلال علي حرام"، وقد علمت أنه تقبل نيته في الفتوى والقضاء، واختلف هل يحلف أم لا؟ وقوله: "كالزوجة"؛ أي كنية عزل الزوجة في حلفه بهذا اللفظ.
واعلم أن المشهور ما قال المص من اشتراط حصول النية قبل النطق باليمين، خلاف ما قال ابن عبد السلام أن المشهور أنه إنما يشترط حصولها قبل تمام اليمين بأن وقعت أو لا أو في الأثناء، والمص تبع ابن محرز، وما مشى عليه المص من أن النية تكفي هنا هو المشهور، وقيل لا بد من النية واللفظ وهو لأشهب. وفي المدونة: من قال كل حل عليه حرام حرمت عليه امرأته فقط إلا أن يحاشيها بقلبه. انتهى. وقال الشيخ مصطفى: كلام ابن محرز ومن تبعه يقتضي أن المحاشاة قاعدة مطردة، وأن مسألة الحلال عليه حرام فرد من أفرادها وليس كذلك، بل ظاهر كلامهم أنها خاصة بمسألة الحلال عليه حرام، واستدل على ذلك بأمرين: أحدهما إطلاقهم في النية المخصصة أنها لا تقبل مع المرافعة، وقالوا في الحلال عليه حرام: تقبل المحاشاة ولو قامت البينة.
الثاني أن الباجي فرق بين قبول المحاشاة مطلقا وبين التفصيل في النية المخصصة بأن ما يحلف به لا يقتضي الاستيعاب، ولذا لو قال الحالف الطلاق علي لجاز أن يقول أردت واحدة والمحلوف عليه يقتضي الاستيعاب؛ لأنه إذا حلف لاكلمت رجلا حمل على العموم، وأيضا الباجي أجرى إخراج الطلاق والعتق المعين من الأيمان اللازمة على الخلاف في محاشاة الزوجة من الحلال عليه حرام، فلو كانت قاعدة مطردة ما احتاج إلى هذا الإجراء. انتهى.
ورد عليه الشيخ بناني، ثم قال الحاصل أن ما أفاده ابن محرز ومن تبعه من أن المحاشاة قاعدة مطردة في المحلوف به والمحلوف عليه ليس بظاهر، كما قال لإطلاقهم قبول المحاشاة وتفصيلهم في النية المخصصة كما يأتي، وأن ما ادعاه مصطفى من تخصيصها بلفظ الحلال عليه
стр. 3190
حرام لم يقم عليه دليل، فإن ادعى اطرادها في المحلوف به فقط كما يفيده الباجي لم يبعد. والله تعالى أعلم.
وقال الرهوني بعد جلب نقول: حاصل ما سبق أن المحاشاة ليست قاصرة على الحلال عليه حرام، بل هي عامة فيما فيه عموم من محلوف به أو عليه وهي التخصيص بالنية، وأن شرطها أن تنعقد عليها اليمين أوَّلا خلافا لمصطفى وأنها تنفع الحالف فيما بينه وبين الله تعالى إن لم يستحلف، وإن روفع صاحبها جرى على ما سيأتي من قوله: "وخصصت نية الحالف" لخ انتهى.
ابن رشد: القياس أن لا يصدق القائل الحلال عليه حرام إن ادعى محاشاة زوجته مع قيام البينة لادعائه خلاف ظاهر لفظه، كحالف لا كلم زيدا، وقال نويت شهرا، وتصديقه في الزوجة استحسان لمراعاة الخلاف في أصل اليمين. والله أعلم. انتهى. وعبارة الأمير: وإن نوى في يمينه إخراج شيء خرج في كل يمين كالمحاشاة. انتهى.
وقال الشيخ الخرشي: واعلم أن مسألة المحاشاة من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، بخلاف الاستثناء فإنه إخراج لما دخل في اليمين أولا فهو عام مخصوص، ويتضح ذلك ببيانهما، قال ابن السبكي: العام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما لقرينة التخصيص، فالقوم من قولنا: قام القوم إلا زيدا متناول لكل فرد من أفراده حتى زيد، والحكم بالقيام متعلق بما عدا زيدا، والعام الذي يراد به الخصوص هو أن يطلق اللفظ ويراد به بعض ما يتناوله، فلم يرد عمومه لا تناولا ولا حكما، بل هو كلي استعمل في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا، فصورة المحاشاة من ذلك، فإن الحلال من قوله: "الحلال علي حرام"، استعمل فيه الحلال في بعض أفراده، ولهذا كان مجازا قطعا ولا تندرج فيه الزوجة، وقوله: "الحلال" بالرفع على الحكاية. وهي المحاشاة، يعني أن هذه المسألة الشار إليها بقوله: "كالزوجة في الحلال علي حرام"، هي المسألة المعروفة عند الفقهاء بالمحاشاة، والمحاشاة هي الإخراج لما يريد إخراجه.
وفي النذر المبهم؛ يعني أنه لو قال شخص: لله علي نذر أو علي نذر أو حلف بذلك وحنث فعليه كفارة يمين بالله، وهي قوله ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ لخ، وإنما كان عليه في النذر المبهم كفارة يمين،
стр. 3191
لقوله ﷺ : (من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين (١)) ولما في مسلم: (كفارة النذر كفارة يمين (٢))، ولا يمكن حمله على نذر معين؛ لأنه لو كان نذر طاعة لزمه أن يأتي بالطاعة التي نذر، لقوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه (٣))، فتعين حمله على ما لا مخرج له، وقوله: وفي النذر المبهم معناه الذي لم يسم له مخرجا أي لم يعين الناذر شيئا لا لفظا ولا نية، فلو نوى شيئا لزمه كما لو عينه باللفظ، ومن المبهم ما لو قال: علي نذر لا كفارة له إلا الوفاء به، وكذا لو قال: علي النذر وكذا علي نذر لا كفارة له، وكذا علي نذر لا يكفره صدقة ولا صيام، وأما لو قال: علي نذر أن أفعل أو أن لا أفعل كذا فلا كفارة عليه، وليف بالطاعة ويكف عن المعصية.
واعلم أن قوله: "لله علي"، صيغة نذر مطلقا علق أم لا، وعلي كذا صيغة نذر إن لم يعلق وإلا فيمين. قاله الشيخ عبد الباقي.
واليمين؛ يعني أن من قال: لله علي يمين أو علي يمين إن فعلت كذا وحنث فعليه كفارة يمين إن لم تكن له نية، كقوله: علي نذر أو عهد ولو قال إن فعلت كذا فعلي أربع أيمان ففعله فعليه أربع كفارات. قاله في العتبية. نقله الخرشي. وقوله: "واليمين"؛ أي في نذر اليمين المبهمة أو الحلف بها، وهو مقيد بأن لا يكون عرف اليمين الطلاق فإن كان لزم، وبه جرت الفتيا ببلدنا فاس. قاله ابن عاشر. قال بناني: والطلاق اللازم منه رجعي كما أفتى به الوانشريسي والشيخ القصار وسيدي عبد القادر وغيرهم. والكفارة؛ يعني أنه لو قال: علي كفارة أو علي كفارة إن فعلت كذا وحنث، فإنه تلزمه كفارة يمين، قوله: "والكفارة"؛ أي في نذر الكفارة المبهمة أو الحلف بها، ولو قال: إن فعلت كذا فعلي خمس كفارات أو أقل أو أكثر، فإنه يلزمه ذلك. قاله الخرشي. وفي المنعقدة؛ يعني أن اليمين بالله أو بصفة من صفاته إذا كانت منعقدة وحنث صاحبها فإنها تجب فيها الكفارة التي سيذكرها قريبا، واحترز بالمنعقدة من غير المنعقدة كاللغو والغموس فإنه لا كفارة فيهما. على بر؛ يعني أن اليمين المنعقدة تجب فيها الكفارة بالحنث،
стр. 3192
سواء كانت على بر بأن يكون الحالف بها على بر حتى يفعل ما حلف على تركه، والبر هو أن يكون الحالف بإثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية، ومعنى ذلك أنه لا يطلب في بر يعينه بفعل يفعله، ولها صيغتان أشار لهما بقوله: بإن فعلت أو لا فعلت؛ يعني أن يمين البر لها صيغتان، إحداهما أن يقول: والله إن دخلت الدار مثلا، وإن هذه للنفي إن لم يكن لها جواب، وإلا فشرطية، الثانية أن يقول: والله لا دخلت الدار -مثلا- فهما صيغتا بر، ولو ردتا إلى الحنث بواسطة تقدير الترك، كوالله إن كلمت زيدا أو لا كلمت زيدا فإنهما يردان إلى الحنث بتقدير الترك؟ إذ المعنى لأتركن كلامه، وأما ما يرد إلى الحنث بتقدير غير الترك فصيغة حنث كوالله إن عفوت عن زيد أو إن أقمت في هذا البلد أو البيت؛ إذ معناه في الأول لأطالبنه أو لأشكونه، وفي الثاني لأنتقلن أو إن لم أنتقل، فإن قلت يمكن تقدير الترك فيهما؛ أي لأتركن العفو عنه في الأول ولأتركن البقاء في الثاني، فالجواب أن المعتبر إنما هو إمكان الرد بغير الترك، فحيث وجد كانت الصيغة حنثا لا بالترك لعمومه في كل صيغة. والله أعلم.
ونقل الحطاب عن ابن عرفة ما نصه: ويوجبها يعني الكفارة الحنث، وينقسم إلى الأحكام الخمسة لثبوته بنقيض المحلوف عليه ولا يخلو عنها، وقاله ابن بشير، وقصره اللخمي على الأربعة غير المحرم لوضوحه. انتهى. ونقل أيضا عن القرافي أن الحلف مباح والحنث مباح. انتهى. وفي الجواهر: ولا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى أن لا يحنث إلا أن يكون الخير في الحنث. انتهى. ونحوه في اللباب. قاله الإمام الحطاب. وقال القرطبي في تفسيره: اختلفوا في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا؟ بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن، وهو عندهم أولى. اهـ. قاله الحطاب. وسيأتي للمص: "وأجزأت قبل حنثه ووجبت به" لخ.
أو حنث؛ يعني أن اليمين المنعقدة إما أن تكون على بر وقد تقدم الكلام عليها، وإما أن تكون على حنث وهي أي المنعقدة بقسميها تجب فيها الكفارة عند الحنث، وقوله: "أو حنث"، الحنث هو أن يكون الحالف بحلفه مخالفا لما كان عليه من البراءة الأصلية، ومعنى ذلك أنه يطلب في بر يمينه بما حلف عليه، ولها أيضا صيغتان أشار لهما بقوله: بلأفعلن أو إن لم أفعل؛ يعني أن يمين الحنث لها صيغتان أيضا، إحداهما والله لأفعلن كذا، الثانية إن لم أفعل، وإن
стр. 3193
نافية في صيغتي البر والحنث إن لم يكن لها جواب، كوالله إن كلمت زيدا ووالله إن لم أكلم زيدا، ومعناها في الحنث حينئذ لأفعلن؛ لأنها نافية ولم نافية ونفي النفي إثبات، وإن ذكر لها جواب كوالله إن كلمت فلانا لا أقيم في هذا البلد، ووالله إن لم أتزوج لا أقيم في هذا البلد فشرطية، ونحو: والله إن كلمت زيدا لأضربنك ووالله إن جئتني أعطيك كذا ووالله إن دخلت الدار لا كلمتك.
واعلم أنه إذا اجتمع شرط وقسم كما هنا يحذف جواب التأخر منهما ويؤتى بجواب الأول، قال ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم … جواب ما أخرت فهو ملتزم
انظر الشبراخيتي. وقد مر أن صيغة البر إذا ردت إلى الحنث بتقدير غير الترك تكون حنثا، قال ابن المواز: من قال لرجل بينه وبينه شر: امرأته طالق إن عفوت عنك منع من الوطء، وليس هذا من باب إن فعلت، وإنما هو من باب إن لم أفعل، وهي في العتبية من سماع أشهب، وقال: إنما معناه لأطالبنك. ومن قال: أنت طالق إن أقمت في هذا البلد أو البيت، فهو كمن قال: إن لم أفعل فلا يطأ، إلا أنه إن قدر على النقلة ولم ينتقل حنث مكانه في قوله: إن أقمت، وليس مثل قوله إن لم ينتقل. قاله الشيخ إبراهيم.
إن لم يؤجل؛ يعني أن محل كون لأفعلن أو إن لم أفعل صيغتي حنث إذا أطلق الحالف يمينه ولم يقيدها بأجل، نحو: والله لأكلمن زيدا أو إن لم أكلم زيدا، وأما إن أجل فإنه يكون على بر إلى ذلك الأجل، نحو: والله لأكلمن زيدا في هذا الشهر أو في اليوم ونحو ذلك، ومثل في التوضيح للتأجيل بلأضربنه بعد شهر، ونازعه السنهوري في تمثيله به، والصواب لأضربنه في هذا الشهر أو قبل شهر كذا وهو نزاع حسن. نقله الشيخ محمد بن الحسن عن الرماصي.
إطعام عشرة مساكين مبتدأ: وخبره قوله: "في النذر المبهم" لخ، وهو شروع منه في بيان أنواع الكفارة؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من قوله: "وفي النذر المبهم واليمين والكفارة والمنعقدة"، يلزم الحانث فيها أو الناذر في الثلاث الأول منها أن يفعل أحد أمور ثلاثة يخير في فعل أيها
стр. 3194
شاء، وبعدها رابع محله عند العجز عن جميعها: أحدها أن يطعم عشرة مساكين أو فقراء أحرارا مسلمين لا تلزمه نفقة واحد منهم، فتدفع المرأة لزوجها وولدها الفقيرين، والمعتبر مساكين الحنث وإن لم يكن محل اليمين ولا بلد الحالف، وهل يجوز نقل أكثرها لأعدم؟
وبدأ المص بالإطعام لموافقة الكتاب العزيز، قال القرطبي: ذكر الله سبحانه الخلال الثلاث فخير فيها وعقب عند عدمها بالصوم، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير، والمراد بالإطعام: الإعطاء، وقال ابن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل؛ لأنك إذا أعتقت لم ترفع حاجة وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم. انتهى. ولا تجزئ القيمة عن الإطعام والكسوة. قاله الإمام الحطاب.
تنبيهات الأول: قال الشيخ الخرشي: أخذ الشيوخ من المدونة أن النذر يلزم بالنية مع اللفظ ولو كان اللفظ بعيدا من الدلالة، وأما لو نوى أن يتصدق بشيء من غير لفظ فلا يلزمه. انتهى.
الثاني: اعلم أن النذر المبهم كاليمين بالله في الاستثناء واللغو والكفارة والغموس، ويخالفها في أنه إذا كرر لفظ النذر تكررت عليه الكفارة إلا أن ينوي الاتحاد بخلاف اليمين بالله، وجرى خلاف في لفظ اليمين إذا تكررت في الحالة التي تجب فيها في المرة الواحدة كفارة واحدة، هل هي كلفظ النذر -قاله مالك- أو كلفظ القسم؟ قاله محمد. وانظر لفظ الكفارة. ابن عرفة: وتتعدد في تكرير النذر المبهم عطفا وغيره ولو معلقا ولو قبل ذكره، كعلي نذر، ونذر إن كلمت زيدا ما لم ينو الاتحاد، وسمع ابن القاسم: في الحلف بعشرين نذرا عشرون كفارة، وفي كون لفظ اليمين كذلك أو كصيغة القسم قولا مالك ومحمد. انتهى. قاله الشيخ الخرشي.
الثالث: اعلم أن الكفارة مأخوذة من الكفر بفتح الكاف وهو الستر، وبالضم ستر الحق، والبحر كافر لستره لا فيه، وأكثر موارد الكفارة رفع الإثم وستره كما في الظهار، وسميت كفارة غيره بذلك تشبيها وإن لم يكن بها إثم كما في اليمين بالله؛ إذ قد لا يكون الحنث حراما بل واجبا أو مندوبا.
стр. 3195
ولما كان الإطعام -وهو النوع الأول من الأنواع الثلاثة التي هي على التخيير- ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أشار إلى الأول منها بقوله: لكل مد؛ يعني أنه لا بد له في الإطعام من أحد أمور ثلاثة: إما أن يعطي لكل واحد من العشرة المذكورين مدا، فلا يشرك اثنين ولا أكثر في مد، ولا يعطي لواحد أكثر من مد. قال الشيخ عبد الباقي: والأمداد العشرة التي تعطى للمساكين العشرة، كل واحد منها بمده ﷺ مما يخرج في زكاة الفطر من بر وغيره بلا غربلة إلا الغلث. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل المد إنما يعتبر من البر، قال أبو الحسن: وأما إذا أخرج الشعير أو التمر أو غير ذلك فليخرج وسط الشبع منه، ونقل ابن عرفة عن اللخمي أن هذا هو المذهب خلاف ظاهر المص. انتهى. وما للمص هو الموافق لما نقله الحطاب عن التونسي، فإنه نقل عن البرزلي أنه قال: وسئل التونسي عمن قوتهم التمر وربما كان قوتهم الرطب. فهل يجزئ إخراجه عن الفطرة والكفارة؟
فأجاب: الذي عندي إنما يجزئ من التمر الذي قد استحكم نشافه وأمكن ادخاره، لا من الرطب وإن اقتيت في بعض الأوقات؛ لأن الغالب اقتيات التمر، ولأن الرطب ينقص إذا جف، فلو أخرج منه أربعة أمداد نقصت إذا جفت عن أربعة التمر، فيكون مخالفا لحديث أبي سعيد ونهى ﵇ عن التمر بالرطب متماثلا للمزابنة، ولو أخرج أكثر من صاع من الرطب لخالف الحديث؛ لأنه محدود، ولو أخرج عدل الشبع من الرطب في الأيمان أرجوا أن يجزئه؛ إذ ليس فيه توقيت، وإذا كان يأكل أنواع التمر في السنة فلينظر معظم أكله وأكثره وأقربه من وقت الإخراج، ولو أكل أكثر العام نوعا فلما كان زمن الفطرة أو الكفارة أكل نوعا آخر وجب إخراجه من الأكثر، إلا أن يطول زمن انتقاله فيخرج منه، وهذا مذهب من اعتبر قوت المكفر، ومن اعتبر قوت الناس نظر إلى الغالب من قوتهم ذلك الوقت فيخرج منه، قلت: ما أفتوا به من الوسط هو جار على قول مالك لا على قول ابن القاسم، وقول ابن القاسم: حيث ما أخرج مدا بمده ﵇ أجزأه. انتهى. ومن البرزلي أيضا: وسئل التونسي عما إذا أخرج عشرة أمداد من التمر في بلد عيشهم ذلك، فأجاب: إنما يخرج وسط الشبع منه؛ لأن الوسط إنما هو من القمح وغيره لا بد أن يزيد ولا يخفى الوسط، وكذا أجاب ابن محرز، وزاد: لا يجزئ إلا غداء وعشاء الوسط.
стр. 3196
انتهى. وقال البرزلي: وسئل ابن أبي زيد عن المحجور إذا حنث في اليمين بالله تعالى، هل يكفر بأحد الأصناف الثلاثة إن كان له مال أو لحاجره منعه من الصوم؟ فأجاب: من لم يبلغ فلا يمين عليه، ومن بلغ من السفهاء فالكفارة عليه في ماله، ومن لا مال له صام إلا أن يكفر عنه وليه. وقال البرزلي: من التزم الكفارة عن غيره إذا حنث فحنث لزم الملتزم الوفاء بها، وعهدتها عليه، ولا شيء على الحالف. انتهى. نقله الحطاب. وقوله: من الصوم، من تعليلية أي منعه من أن يكفر بأحد الأصناف من أجل الصوم. قاله مقيده. والله أعلم.
القرطبي: من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف، كانت الكفارة باقية عليه، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء أو ليشتري به رقبة فتلف لم يكن عليه غيره، لامتثال الأمر. انتهى. قاله الحطاب.
وعلم مما مر أن الكفارة لا تدفع لكافر ولا لغني ولا لعبد؛ لأنه غني بسيده ولو كان ذا شائبة؛ لأنه وإن لم يمكنه بيعه مأمور بالنفقة عليهم أو بتنجيز عتقهم، فيصيرون من أهلها. قاله الخرشي. وقال: ثم إن التخيير بين الثلاثة بالنسبة للحر، وأما العبد فقال في المدونة: وإذا حنث العبد في اليمين بالله فكسا أو أطعم بإذن سيده رجوت أن يجزئه وليس بالبين، والصوم أحب إلي، وأما العتق فلا يجزئه وإن أذن له السيد؛ إذ لا ولاء له وإنما ولاؤه لسيده.
أبو الحسن: ولو أذن السيد لعبده في الإطعام ثم بدا له قبل أن يطعم كان له ذلك؛ أي لأنه باق في ملكه حتى يخرجه؛ لأنه لو ضاع ماله كانت الكفارة باقية عليه، فلما كان ذلك باقيا في ملكه جاز للسيد انتزاعه ومنعه من التصرف فيه، وسواء كان العبد حنث أم لا، وقال بعض الشيوخ من فقهاء القرويين: إذا كان العبد قد حنث لم يكن له منعه بعد الإذن ويصير ذلك كالنذر ينذره فيأذن له السيد أن يفعل. انتهى. وفي المدونة: ويعطى من له خادم ودار لا فضل في ثمنهما عن سواهما، كما يعطى من الزكاة، وإن أعطى غنيا أو كافرا لم تجزه إن كان عالما، واختلف إن كان غير عالم، ثم إن كانت قائمة انتزعت منهما وصرفت لمن يجوز صرفها له، وإن ضاعت منهما لم يضمناها إلا أن يعلما أنها كفارة ويغرا من أنفسهما، وإن لم يعلماها وأكلاها وصونا بها أموالهما،
стр. 3197
فاختلف هل يغرمانها أم لا؟ قال اللخمي: وأن يغرماها أحسن، لقوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار (١))، فإذا غرما ما صونا به أموالهما لم يضرا بشيء.
وندب بغير المدينة زيادة ثلثه؛ يعني أنه يندب لمن أراد أن يكفر بالأمداد أن يزيد على كل مد ثلث مد. قاله أشهب. أو نصفه؛ يعني أنه يندب عند ابن وهب أن تكون الزيادة نصف مد خلاف قول أشهب، فأو للخلاف لا للتخيير وكلام الش والمواق ومن وافقهما يفيد أن الخلاف حقيقي، ويفيد التتائي أنه خلاف في حال، فزيادة الثلث إذا كان يكفي وزيادة النصف إذا كان الثلث لا يكفي، وعند مالك: الزيادة بالاجتهاد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ البناني: كون أو للخلاف، قال الشيخ مصطفى -يعني الرماصي-: يرد عليه ما أورده ابن عبد السلام على ابن الحاجب من أن أشهب وابن وهب لا يعتبران الزيادة المذكورة في سائر الأمصار، وإنما يريانها في مصر وما قاربها في سعة القوت، والظاهر أن المؤلف تبع قول الرسالة: وأحب إلينا أن لو زاد على المد ثلث مد أو نصف مد، وذلك بقدر ما يكون وسط عيشهم. انتهى. فأو للتنويع لا للخلاف. والله أعلم. قاله الشيخ البناني.
وقوله: "وندب بغير المدينة" لخ، ما ذكره من الاستحباب تبع فيه مذهب الرسالة، وظاهر المدونة الوجوب لقولها: وأما سائر الأمصار فإن لهم عيشا غير عيشنا فليخرجوا وسطا من عيشهم. انتهى. وأبقاها أبو الحسن على ظاهرها، وجعل قول ابن القاسم حيثما أخرج المد أجزأه خلاف قول مالك، ولعل المؤلف فهم أن ما في الرسالة توفيق بين قولي مالك وابن القاسم، وتفسير الزيادة في كلام الإمام خلاف ما فهم أبو الحسن، فلذا اعتمده فيكون موفقا للجميع ويسقط الاعتراض. والله أعلم. انظر حاشية الشيخ البناني. وقوله: "وندب بغير المدينة"، مفهومه أنه لا تطلب الزيادة على المد بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وهو كذلك لقلة الأقوات بها وقناعة أهلها باليسير، وظاهر قوله: "وندب بغير المدينة"، أن مكة شرفها الله تعالى لا تشارك المدينة في ذلك. قاله الخرشي. وقال: وظاهر كلام المؤلف أن غير البر مثله وهو المذهب. قاله اللخمي. وعند محمد: يخرج من غير البر قدر مبلغ شبع البر. اللخمي: يجزئ عن الحب دقيق بريعه. الباجي
стр. 3198
والصقلي عن ابن حبيب: والخبز كذلك ولا يجزئ عرض ولا قيمة، وفيها: ولا يجزئ سويق أو دقيق في كفارة كما لا تجزئ في الفطر.
أو رطلان خبزا هذا هو القسم الثاني من أقسام الإطعام الثلاثة؛ يعني أن المكفر بالإطعام بالخيار، إما أن يعطي لكل مسكين من العشرة مدا وقد مر الكلام عليه، وإما أن يعطي كل مسكين منهم رطلين من الخبز بالرطل البغدادي وهو مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا. والرطل البغدادي مد وثلث بمده ﷺ . قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن الرطلين مقيسان على المد فإنه الوارد ويكون ذلك من وسط عيشهم، لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، ويجزئ أن يكون الرطلان بلا إدام، ولكن يندب كونهما بإدام يكفي الرطلين، والإدام يكون مما يؤتدم به عادة وقد علمت أن حكم الإدام الندب وأن القفار وهو الذي لا إدام فيه مجزئ، ويقال طعام قفار وحت وسحتيت وعفير وعفار إذا كان لا إدام فيه، وقوله: "بإدام"، الباء بمعنى مع، وقول المص: "بإدام"، ظاهره أي إدام كان فشمل اللحم واللبن والزيت والبقل والقطنية، وقول ابن عباس: أعلاه اللحم ووسطه اللبن وأدناه الزيت مذهب صحابي مذكور هنا كالمقابل لما قبله الشامل للبقل والقطنية كما يفيده الش. وقول أبي الحسن: والمراد باللبن الحليب لا المضروب أي ولا السويق، لعل النفي مبني على ما للصحابي خاصة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
الأقفهسي: والتمر إدام انتهى وظاهر كلامهم أنه لا يلزمه طبخ اللحم أو القطنية ولا ما يطبخان به، وأن الملح ليس بإدام وكذا الماء للعادة، وإن ورد: (ائتدموا ولو بالماء (١))، وما قدمته من أن الإدام مستحب هو مذهب المدونة وهو المشهور، وكذلك فهمه ابن هارون وصوبه وصححه ابن الحاجب، خلافا لابن حبيب من أنه واجب. واختاره اللخمي.
كشبعهم؛ هذا هو القسم الثالث من أقسام الإطعام؛ يعني أن المكفر بالإطعام يخير بين أن يعطيَ الأمداد المذكورة وبين أن يعطي الرطلين المذكورين وقد مر الكلام على ذلك، وبين أن يشبع المساكين العشرة مرتين بإدام ندبا ولا يشترط تساويهم في الأكل، واشترط التونسي تقاربهم في
стр. 3199
الأكل، وقولهم: إن شبع العشرة مرتين مجزئ أي سواء فصل بين المرتين بطول أم لا، كانوا مجتمعين أم لا والمعتبر الشبع الوسط ولا بد منه، ولو فرض أنهم يأكلون العشرة الأمداد مرة واحدة ويكفي شبعهم مرتين ولو دون الأمداد، والظاهر أنه يشترط أن يكون عندهم جوع كما قد يشعر به، قولهم: يغديهم ويعشيهم، فإن أطعم مرتين على شبع لم يكتف بذلك وكذا المرض، وقوله: مساكين، اشتراط المسكنة يخرج الغني والعبد ومن فيه شائبة رق، وقال الحطاب عند قوله: "كشبعهم": يريد أنه يجزئه أن يشبعهم في الغداء والعشاء، قال في المدونة: وإن غدى وعشى في كفارة اليمين بالله أجزاه، ولا يجزئ غداء دون عشاء ولا عشاء دون غداء، ويطعم الخبز مأدوما بزيت ونحوه. انتهى.
وفي الشامل: ويجزئ الغداء والعشاء على المشهور إن أشبعهم ولو دون الأمداد. انتهى. قاله الحطاب. وظاهر كلام المص أن شبعهم يكفي ولو مرة واحدة وليس كذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال في مختصر الوقار: وإن شاء أن يجمعهم على طعام عنده يغدي العشرة حتى يشبعهم ويعشيهم خبزا وإداما عدسا أو زيتا، ثم قال: ومن وجبت عليه كفارة يمين بالله أو بعهد الله أو بميثاقه أو بكفالته أو في نذر لم يسم له مخرجا، فغدى لذلك عشرة مساكين وعشى عشرة مساكين غيرهم، فلا يجزئه ذلك عن يمينه حتى يعشي العشرة الذين غدى أو يغدي العشرة الذين عشى. انتهى. قال جميعه الحطاب.
وفي الخرشي: والظاهر أنه لا يشترط التوالي فلو عشاهم مرة ثم أخرى بعد يومين مثلا أجزأه، وكذا لو غداهم في يومين فقط أو عشاهم كذلك فإنه يجزئه.
وأشار إلى النوع الثاني من أنواع الكفارة الثلاثة التي على التخيير بقوله: أو كسوتهم؛ يعني أن المكفر كما مر بالخيار بين الإطعام وقد مر الكلام عليه، وبين الكسوة فيكسو عشرة مساكين يعطي لكل واحد منهم ثوبا جديدا أو لبيسا ولم تذهب قوته فيما يظهر كما هو مذهب الشافعي كذا في شرح الشيخ عبد الباقي، وفيه أيضا وفي بعض الطرر: ولا يشترط أن يكون مَخيطا، وقد ينافيه قوله: للرجل ثوب؛ يعني أن المكفر إذا أراد أن يكفر بالكسوة فإنه يكسو كل رجل من العشرة ثوبا يجزئ في الصلاة على وجه الكمال، فلا تجزئ عمامة وحدها ولا إزار لا يبلغ أن يلتحف به
стр. 3200
مشتملا، فإن بلغ ذلك أجزأ ولا يجزئ سراويل كما في الخرشي. والمرأة درع وخمار؛ يعني أن كسوة المرأة إذا كانت من العشرة درع وخمار فالخمار يستر رأسها وعنقها كما في الحطاب، والدرع يستر ما عداهما مما يطلب ستره منها في الصلاة، والدرع: القميص، والظاهر أنه لا يشترط بل الثوب الساتر كاف سواء كان مخيطا أم لا. كما قاله ابن حبيب في ثوب الرجل. قاله الشيخ عبد الباقي.
واعلم أن من النساء الطويلة والقصيرة فيجزئ بعضهن لقصرها ما لا يجزئ غيرها لطولها، وعبارة الشيخ الأمير: والإخراج من غالب قوت البلد على الراجح، وقيل: الحالف، ويشهد له ظاهر الآية وقيل الأعلى منهما احتياطا، وكسوتهم لكل ثوب يستر جميع البدن، ولو لم يكن على هيئة القميص وزيد للمرأة خمار ولو قصيرين فلا يلزمه لهما كسوة طويل أو غير وسط أهله، فالدار على مطلق ساتر. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن عن اللخمي: فيكسى الرجل ما يستر جميع جسده والمرأة ثوب وخمار، وليس عليه أن يجعل الكسوة مثل كسوة المكفر وأهله ولا مثل كسوة أهل البلد بخلاف الإطعام. انتهى. وبه تعلم أن ما نقله ابن بشير عن اللخمي من لزوم مراعاة كسوة أهله غير ظاهر. انتهى.
وفي الشبراخيتي والخرشي: والعبرة في الكسوة بعادة الفقير، فمن كانت عادته لبس الثياب يدفع له ثوب، ومن كانت عادته الالتحاف برداء مثلا يدفع له رداء، فلا مفهوم لقوله: ثوب ودرع وخمار. انتهى. والخمار بكسر الخاء، سمي بذلك لأنه يخمر الرأس أي يغطيه. قاله الحطاب.
ولما ذكر الله في الإطعام أوسط ما يطعم به أهله، فكان شرطا فيه ولم يذكره في الكسوة فلم يكن شرطا فيها وإلا لبينته الآية، أشار إلى ذلك بقوله: ولو غير وسط أهله؛ يعني أنه لا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة الأهل؛ لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام، فلا بد أن يكون وسطا فأعلى، ولو كان ذلك مشترطا في الكسوة لبينه، وقوله: "أهله"؛ أي أهل المكفر وأهل بلده، ورد المص بلو ما حكاه ابن بشير عن اللخمي من مراعاة وسط كسوة الأهل كالإطعام، قال الشارح: ولعله نقله عنه مشافهة، وإلا فاللخمي قال في تبصرته: وليس عليه كسوة نفسه أوأهل البلد لأنها أطلقت في الآية بخلاف الإطعام. انتهى.
стр. 3201
والرضيِع كالكبير فيهما؛ يعني أنه إذا أراد أن يكفر بالكسوة فإنه يجزئه أن يكسو الصغير ولو رضيعا، وكذلك الإطعام.
والحاصل أن الصغير إما أن يبلغ إلى حد يستغني معه بالطعام أم لا، والثاني إما أن يأكل الطعام أم لا، فالأول وهو ما إذا بلغ إلى حد يستغني معه بالطعام يجوز إعطاؤه، ويطعم إطعام الكبير فيعطى الأمداد والأرطال، ولا يكفي شبعه على جوع مرتين إلا إذا ساوى أكله أكل كبير، والثالث وهو ما إذا لم يأكل لا يجوز إعطاؤه الطعام، وفي الثاني وهو ما إذا أكل ولم يستغن قولان، مذهب المدونة جواز الإعطاء، وحكى ابن بشير خلافه، وعلى الإعطاء فإنه يدفع له ما يدفع للكبير.
واعلم أنه حكى بعض المتأخرين أن الصغير يعطى مقدار كفايته خاصة، ورده ابن عرفة، وقال ابن حبيب: ولا يجزئ أن يغدي الصغار ويعشيهم. قاله الشيخ بناني. ويكسى الصغير كسوة كبير، فالذكر الصغير يكسى كسوة الذكر الكبير، وتكسى الصغيرة كسوة المرأة الكبيرة. هذا قول مالك وابن القاسم ومحمد. وقال أشهب: يعطى كل من الصغير والصغيرة ثوبا قدره، والظاهر اعتبار وسط في الطول في الكسوة له، وقال ابن عرفة: وفي كراهة كسوة الصغير، ثالثها الرضيع، ورابعها ما لم يؤمر بالصلاة للباجي عن ابن القاسم وسماع عيسى والصقلي عن محمد وابن حبيب. انتهى. قاله الحطاب.
وأشار للثالث من الأنواع التي هي على التخيير بقوله: أو عتق رقبة؛ يعني أن المكفر لما مر بالخيار بين أن يكفر بشيء مما مر وبين أن يعتق رقبة كالظهار؛ يريد أنه يشترط في الرقبة التي تعتق في كفارة اليمين وما في حكمها ما يشترط في الرقبة التي تعتق في الظهار، فلا يعتق جنينا عن كفارة يمينه، وإذا فعل عتق بعد وضعه، ويشترط أن تكون مؤمنة، وفي الأعجمي تأويلان، سليمة من قطع إصبع ونحوه وعمى وجنون وبكم ومرض مشرف وقطع أذن وصمم وهرم. إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله في باب الظهار.
والحاصل أنه يتجنب هنا ما يتجنب هناك ويستحب هنا من الصفات ما يستحب هناك كما في الخرشي. ثم صوم ثلاثة، هذا هو النوع الرابع الذي لا يكفر به إلا بعد العجز عن الثلاثة
стр. 3202
المتقدمة، ومعنى كلامه أن المكفر عن اليمين بالله تعالى وما في حكمها لا ينتقل عن الأمور الثلاثة المتقدمة إلى التكفير بالصوم إلا بعد العجز عن جميعها، بحيث لا يقدر أن يفعل واحدا منها، فحينئذ ينتقل إلى الصوم فيصوم ثلاثة أيام، وتندب متابعتهن ويجزئه صومهن متفرقة، والمعتبر في العجز حاله حين التكفير لا يوم اليمين ولا يوم الحنث، والأقرب في معنى العجز أن لا يكون عنده ما يباع على المفلس. قاله ابن عرفة. ومن له مال غائب فليتسلف، قال في المدونة: وإن كفر بالصيام معسر ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه، وفي الشبراخيتي: أن العجز أن لا يفضل عن قوت يومه ما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاثة. انتهى. وإنما لم ينتقل للصوم إلا بعد العجز لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وقال الخرشي: ابن حارث: تجزئ بغير الصوم عن الميت بغير إذنه، وفي الحي، ثالثها بإذنه لمحمد عن أشهب، ونقله: ومحمد: وتعين لذي رق، وإن أذن له سيد أن يطعم أجزأه. مالك: وفي قلبي منه شيء، وإنما استحب أن يوالي بين صوم الأيام الثلاثة؛ لأن المبادرة إلى الطاعة وبراءة الذمة مطلوبة، قوله: "ثم صوم"، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ابن المواز: بأن لا يجد إلا قوته مثلا أو كسوته في بلد لا يعطف عليه فيه ويخاف الجوع، وحكاه ابن مزين عن ابن القاسم. اللخمي: وهذا حرج، ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا. الباجي: المعتبر ما يفضل عن قوت يومه مما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاث. ابن ناجي: عن بعض شيوخه: الأقرب عجزه عما يباع في فلسه. وفي المدونة: ولا يجزئ الصوم وله مال غائب وليتسلف، وإن كان له مال وعليه دين مثله أجزأه الصوم، ولا يجزئه الصوم إن كان يملك دارا أو خادما كالظهار. انتهى.
ولا تجزئ ملفقة؛ يعني أن الكفارة الواحدة لا تجزئ إذا كانت ملفقة من الأنواع المذكورة، وهذا متفق عليه بالنسبة للعتق كإطعام خمسة مع عتق نصف عبد، أو كسوة خمسة مع عتق نصف عبد، وأما بالنسبة لغيره فكذلك على المشهور كإطعام مع كسوة، وأما التلفيق من جنس الطعام فتجزئ فيه، كما لو دفع لبعضهم أمدادا ولبعضهم أرطالا، أو دفع لكل نصف مد ورطلا أو نصفه وغداء أو عشاء فيكفيه ذلك، ولو كان عليه -مثلا- ثلاث كفارات فأعتق رقبة وأطعم عشرة مساكين وكسا عشرة وقصد كل نوع منها عن كفارة واحدة، فإن ذلك يجزئ عن الكفارات
стр. 3203
الثلاث، وكذا تجزئ إن لم ينو شيئا، وإن شرك بأن نوى العتق عن الثلاث وكذلك الإطعام والكسوة فلا خلاف في عدم إجزاء العتق لعدم تبعيضه، وأما الإطعام والكسوة فعلى التلفيق يبني على ثمانية عشر لأنه قد ناب كل كفارة ثلاثة وثلث من الطعام، ومثلها من الكسوة والأثلاث لا تجزئ فتبطل، وعلى نفي التلفيق وهو المشهور، فقال ابن المواز: على ستة، ثلاث من الطعام وثلاث من الكسوة، ثم يكسو سبعة ويطعم سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة بما شاء. وقال اللخمي: يبني على تسعة؛ أي إما من الطعام وإما من الكسوة ووجهه ظاهر؛ لأن كل واحدة نابها ثلاثة وثلث من الطعام والكسوة، فيبني على تسعة ويلغي التبعيض. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله تعالى أعلم. وعلى قول اللخمي جميع الشيوخ. قاله في التوضيح.
قال: وكان شيخنا يوجه قول ابن المواز بما معناه أن من قاعدة ابن المواز أن لا يبتدئ كفارة من نوع الأولى، قبل أن تكمل الأولى فيلزم أن يبني على ثلاثة من الإطعام وثلاثة من الكسوة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي التوضيح: أنه لو قصد التشريك في كل مسكين لم يصح له شيء اتفاقا. انتهى. نقله الشيخ بناني. وقوله: "ملفقة"، بالنصب حال؛ أي لا تجزئ كفارة واحدة حال كونها ملفقة، ويجوز رفعه فاعلا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: قال في التوضيح: لو قصد التشريك في كل مسكين لم يصح له شيء اتفاقا، إلا أن يعلم أعيان المساكين فيزيد كل واحد ثلثي مد. انتهى. وأما الجمع بين الخصال الأربع في الكفارة الواحدة فيستحب، قال القرافي في التنقيح: الأشياء المأمور بها على الترتيب أو على البدل قد يحرم الجمع بينها، وذكر أمثلة ذلك ثم قال: وقد يستحب كخصال الكفارة في الظهار المرتبات، وخصال كفارة الحنث مما شرع على البدل. انتهى. قال في شرح التنقيح إثر هذا الكلام: وكفارة الظهار مرتبة، وكفارة حنث اليمين مخير فيها على البدل، والكل يستحب الجمع بين خصالها من العتق والكسوة والإطعام والصيام؛ لأنها مصالح وقربات تكثر وتجتمع. انتهى.
ومكرر لمسكين؛ عطف على "ملفقة" على أنها فاعل، وعلى أنها حال يكون عطف على الضمير المستتر في تجزئ وفيه تكلف؛ يعني أنه لو أطعم خمسة يعطي لكل واحد منهم مدين أو كساهم لكل واحد كسوتان، فإنه لا يجزئ. قاله الأئمة الثلاثة. لوجوب العدد الذي صرحت به الآية،
стр. 3204
ولتوقع ولي فيهم تستجاب دعوته. وقال أبو حنيفة: لو أعطى الكفارة لمسكين واحد جاز. قاله غير واحد. وقوله: "ومكرر لمسكين"، سواء تعدد المسكين أو اتحد كمسكين يعطيه عشرة أمداد أو كسوة العشرة. وناقص؛ يعني أنه لو دفع للمسكين أقل من المد وهو معنى قوله: "ناقص"، فإن ذلك لا يجزئ، كما أنه لو دفع له أكثر من المد لا يعتد بالزائد، وهي قوله: "ومكرر لمسكين".
ومثل للقدر الناقص عن المد بقوله: كعشرين لكل نصف؛ يعني أنه لا بد من إكمال المد للمسكين، فلوأعطى الأمداد العشرة لعشرين مسكينا لكل واحد منهم نصف مد، فإن ذلك لا يجزئه، واستثنى من عدم الإجزاء في المسائل الثلاث قوله: إلا أن يكمل؛ يعني أن محل عدم الإجزاء في المسائل الثلاث الملفقة والمكرر والناقص عن المد إنما هو حيث لم يكمل، وأما إن كمل بأن أعطى خمسة أمداد لخمسة غير الأولى في المكرر، وكمل لإحدى العشرتين القدر بأن أعطى لكل واحد منهم نصف مد، وكمل في الملفقة فيما إذا أطعم خمسة وكسا خمسة؛ بأن كسا أو أطعم غير الذين كسا أو أطعم أولا فإن ذلك يجزئه، ورجوع الاستثناء للأولى أي الملفقة ظاهر في غير العتق لا فيه، كعتق نصف رقبة ثم أعتق نصفها الآخر بعد ذلك، أو أعتق نصف رقبة أخرى فلا يجزئ التكميل.
وهل إن بقي؛ يعني أنه اختلف هل يشترط في الإجزاء في تكميل الناقص أن يكون ما دفعه إليهم أولا باقيا بأيديهم حين التكميل وهو لأحمد بن خالد، زاعما أنه ظاهر المدونة وليس كذلك، أو لا يشترط في إجزاء التكميل في الناقص بقاء ما دفع لهم أولا وهو لعياض مع الأكثر. وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان على المدونة، وقال الإمام الحطاب عند قوله: "تأويلان": هما قولان، قال ابن عرفة: وفي شرط البناء عليه بقيامه قولان لأحمد بن خالد زاعما أنه ظاهرها، وعياض مع الأكثر رادا قول أحمد بن خالد بظاهرها. انتهى. وعلى القول بأنه يشترط في الإجزاء بقاء ما دفع لهم أولا إلى حين التكميل، فلا تجزئ تفرقة المد في أوقات، وعلى أنه لا يشترط ذلك تجزئ تفرقته في أوقات. قاله الخرشي.
وعلم مما قررت أن قوله: "وهل إن بقي تأويلان"، خاص بقوله: "وناقص كعشرين"، وأما الملفقة والمكرر فلا يشترط البقاء فيهما كما صرح به الشيخ إبراهيم.
стр. 3205
وله نزعه؛ يعني أنه إذا كمل في المسائل الثلاث فإن ذلك يجزئ كما مر، وله أن ينزع في المسألة الأولى الكسوة والطعام من المساكين الذين لا يكمل لهم، وله أن ينزع في الناقص من عشرة مساكين ويكمل لعشرة: وله أن ينزع في المكرر خمسة أمداد، وإنما له نزعه في المسائل الثلاث. إن بَيَّن؛ أي أن محل نزعه في المسائل الثلاث كما في الخرشي إن بقي ما بيد المسكين، كما يشعر به لفظ نزع، وبَيَّن الدافع أن هذا الذي دفع كفارة يمين فلو لم يبين لم يكن له نزع ما بقي والقول للآخذ أن الدافع لم يبين له أنه كفارة؛ لأن الأصل عدم البيان كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ إبراهيم. ولو لم يبق لم يكن له رجوع على المسكين.
بالقرعة؛ يعني أنه إذا دفع الأمداد العشرة لعشرين مسكينا لكل نصف مد، فإنه يجزئه بشرط أن يكمل لإحدى العشرتين الأمداد؛ بأن يعطي كل واحد منهم نصف مد ويأخذ الأنصاف من العشرة الذين لم يكمل لهم، وإنما يأخذ ممن أخذ منهم بالقرعة إن بقيَ وبَيَّن كما هو الموضوع، ويحصل الإجزاء بالتكميل سواء كمل بالأنصاف التي أخذ بالقرعة من إحدى العشرتين أم بغير ذلك، وكما أخذ بالقرعة في الناقص يأخذ بالقرعة في الملفقة بالنسبة لأخذ ما بقي من نوع ما يبني عليه في مسألة التشريك، وقد تقدم أن الراجح أنه يبني على تسعة، فإن بنى على تسعة في الطعام فإنه ينزع المد العاشر من أحد العشرة بالقرعة، وإن أراد أن يبني عليها من الكسوة نزع الكسوة العاشر من أحدهم، وأما نزعه الكسوة ليبني على الطعام أو العكس فهذا موكول إلى خياره ولا يحتاج لقرعة، ولو غابت العشرون استأنف الكفارة، وإن غاب بعضهم وأدرك خمسة منهم كمل لهم واستأنف خمسة يعطي لكل واحد منهم مدا، ومحل التكميل في الناقص ما لم يعلم العشرة الأولى، وإلا تعين الأخذ من غير قرعة قياسا على ما بحثه ابن عرفة في كفارة الظهار. كما قاله غير واحد. ولما ذكر عدم إجزاء المكرر في كفارة واحدة، بين إجزاءه في كفارتين فأكثر، فقال: وجاز لثانية؛ يعمي أنه يجوز تكرير المد للمساكين لأجل يمين ثانية، بأن يعطي الكفارة الثانية لمساكين الأولى، وذكر هذا خشية توهم عدم جوازه لما تقدم من أن الكفارة الواحدة لا يجزئه المكرر منها، ففاعل "جاز"، ضمير يعود على مكرر أو مصدره، وقوله: "لثانية"، اللام للتعليل أي
стр. 3206
لأجل يمين ثانية. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الخرشي والشبراخيتي: إنها بمعنى: من، كسمعت له صراخا أي منه.
إن أخرج؛ يعني أن محل جواز التكرير من غير كراهة إنما هو إذا أخرج الكفارة الأولى قبل الحنث في اليمين الثانية، فيجوز حينئذ أن يعطي الكفارة في اليمين الثانية للمساكين الذين أعطاهم الكفارة الأولى، وهذا معنى التكرير هنا وهو متفق عليه، وفي الخرشي أن الإخراج في حالة الحنث كالإخراج فيما قبل الحنث أي يجوز. وإلا يخرج الكفارة في اليمين الأولى إلا بعد أن حنث في اليمين الثانية، أو لم يخرجها أصلا كره التكرير أي إعطاء كفارة اليمين الثانية لساكين الكفارة الأولى خوف اختلاط النية في الكفارتين، ولهذا إن ميز كل كفارة على حدتها بنية فإنه يجوز، وصوبه أبو عمران، وحكى ابن بشير فيما إذا وجبت الثانية قبل إعطاء الأولى قولين بالإجزاء وعدمه الشيخ، ولم أر القول بعدم الإجزاء في غير كتابه وهو بعيد. انتهى. قاله الشارح. وإن كيمين وظهار؛ يعني أن الحكم الكراهة في التكرير حيث أخرج الأولى بعد وجوب الثانية أو لم يخرجها، سواء اتفق موجب الكفارتين كيمين بالله مع يمين بالله، أو اختلف موجبهما كيمين بالله وظهار، وبالغ على هذا لما يتوهم فيه من الجواز. وأجزأت قبل حنثه؛ يعني أن الكفارة تجزئ قبل حنث الحالف في يمين بالله أو بعتق معين أو بطلاق بالغ الغاية أو صدقة بمعين، سواء كانت اليمين في هذه المذكورات على بر أو حنث، إلا في اليمين بالله فإنها إذا كانت على حنث وهي مقيدة بأجل لم تجز الكفارة إلا بعد الأجل كما في المدونة، ففيها: من قال والله لأفعلن كذا، فإن ضرب أجلا فلا يكفر إلا بعد الأجل، وأما إن كانت اليمين بمشي أو بصيام أو صدقة بغير معين أو بعتق غير معين أو بطلاق قاصر عن الغاية فكذلك؛ أي يجزئ التكفير قبل الحنث إن كانت الصيغة صيغة حنث غير مقيدة بأجل، لا إن كانت صيغة بر أو حنث مقيدة بأجل فلا يجزئ التكفير حينئذ قبل الحنث، والمراد بالحنث الذي يجزئ الإخراج قبله في صيغة الحنث هو فوت المحلوف عليه، وأما العزم على الضد فلا بد منه قبل الإخراج. ابن حارث: اتفقوا في ذات الحنث على جوازها قبله إن عزم على عدم البر. قاله الشيخ بناني. وفي الجواهر: لا يحرم الحنث باليمين، لكن الأولى له أن لا يحنث إلا أن يكون الخير في الحنث.
стр. 3207
وعلم مما مر أن من قال لامرأته: أنت طالق واحدة إن لم أتزوج عليك، فأراد أن لا يتزوج عليها، فإنه يطلقها طلقة ثم يرتجعها، فتزول يمينه كما في المدونة. وعلم مما مر أنه لو عين زمن الصوم أو المشي في أيام ومضت قبل الحنث، كعلي صوم العشر الأخير من رجب أو علي المشي لمكة فيه إن كلمت زيدا فكلمه في شعبان فلا شيء عليه، وإن كلمه قبل مجيئها لزمه صومها فإن فاتته بمرض ونحوه، قال الشيخ عبد الباقي: فانظر هل لا يقضيها وهو ظاهر ما تقدم في الصوم أو يقضيها. وصورة الطلاق البالغ الغاية أن يقول: إن دخلت الدار فامرأتي طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أو متممها ثم عادت إليه بعد زوج شرعي قبل دخول الدار، ثم دخلها وهي في عصمته فلا شيء عليه، وإطلاق التكفير عليها مجاز بمعنى أنه لا تعود عليه اليمين في العصمة الجديدة، بخلاف ما إذا طلقها دون الغاية ثم عادت له ولو بعد زوج فإنه تعود عليه اليمين فلا يدخل الدار، فإن دخلها حنث كما سيذكره المص في الطلاق، ويستثنى من كلام المص يمين الظهار فإنها يحين تكفر، وإن كفرها قبل الحنث أعاد أبدا، وإن كفرها بعد الحنث فإنه لا يعيد إن كفر بعد العود وإلا لم تجز، فلا بد من إعادتها كما يفيده قول المص: وتجب بالعود ولا تجزئ قبله. انتهى. وقوله: "وأجزأت قبل حنثه"، يريد وبعد اليمين؛ لأن اليمين سبب في لزوم الكفارة والحنث شرط فيها، فيجزئ تقديم الكفارة بعد السبب وقبل الشرط، ولا تجزئ قبل السبب وهو الحلف اتفاقا، حكاه في الإكمال كتقديم العفو على الجرح، وتقديم إسقاط الشفعة على البيع وإجازة الوارث قبل الإيصاء، ونظير الأول صحة العفو عن القصاص قبل زهوق الروح، لتقدم السبب الذي هو الجرح، وتقديم الزكاة قبل الحول لتقدم ملك النصاب. وفي الجواهر: واختلف هل الحنث شرط أو ركن على قولين؟ قال في المدونة: واستحب مالك الكفارة بعد الحنث، فان كفر قبله أجزأه. انتهى. وهذا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء، وتأوله بعض الأشياخ على الاستحباب، ومنهم من يحكي هذا الخلاف في الجواز وعدمه، ويزيد ثالثا الفرق بين أن يكون على حنث فيجوز تقديمها أو على بر فلا يجوز تقديمها، وينسب هذا القول لابن القاسم في الموازية، وفي الكافي قول رابع بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره، ومنشأ الخلاف في الجواز وعدمه فهم الآية، فمن أجاز تمسك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ
стр. 3208
فَكَفَّارَتُهُ﴾، ومعناه كفارة العقد وظاهره أن ذلك العقد سبب تمام الكفارة، ومن منع التقديم تمسك بالضمر أي: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾؛ أي فحنثتم فلا بد في سببية الكفارة من اجتماع أمرين: الحلف والحنث، فإخراجها عليه قبل حصولهما معا إخراج قبل سببها، فلا تجزئ كما لو أخرجها قبل الحلف، وأجيب بأن حصول المجموع يعتبر في جانب الوجوب والنزاع إنما هو في جواز التقديم وتنازع الفريقان أيضا، في قوله ﷺ : (من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا وليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير (١)). رواه مالك. ورواه غيره: (ثم ليأت الذي هو خير (٢)) فمن أجاز نظر إلى أن الفاء تقتضي التعقيب والواو لا تقتضيه على الصحيح، فملاحظتها لا تقتضي تأخير الكفارة عن الحنث ومن منع نظر إلى أنها تقتضي الترتيب وهو مذهب الكوفيين وبعض الفقهاء، وأجيب على تقدير تسليمة أن الفاء تقتضي التعقيب لرؤية ما هو خير من المحلوف عليه، فلا يتقدم عليه الحنث ويؤيد ذلك ما في الرواية الأخرى من قوله: ثم ليأت الذي هو خير. ابن عبد البر في الاستذكار: وأكثر الأحاديث من حديث عائشة وأبي الدرداء وعدي بن حاتم وابن عمر وأنس وأبي موسى وعبد الرحمن وسمرة: فليأت الذي مو خير ثم يكفر عن يمينه، بتقديم الحنث قبل الكفارة، وهو حجة من منع تقديم الكفارة. قاله الش.
ووجبت به؛ يعني أن الكفارة تجب بالحنث، ويندب أن تكون بعد الحنث، وإنما تجب بالحنث. إن لم يكره ببر؛ يعني أن وجوب الكفارة بالحنث مشروط بالحنث طوعا حيث كانت اليمين يمين بر، وأما إن أكره على الحنث فيها فلا يحنث، وأما يمين الحنث فيحنث فيها مطلقا طائعا كان أو مكرها، فالصور أربع، ثلاث منها هي المنطوق فالحنث فيها حاصل، وهي عدم موافقته لما حلف عليه في يمين الحنث مطلقا طائعا كان أو مكرها، وفي يمين البر بشرط الطوع، ومفهومه صورة واحدة وهي عدم الموافقة مكرها في يمين البر ولو من غير عاقل، كدابة جمحت براكبها حتى أدخلته الموضع المحلوف على عدم دخوله غير قادر على ردها ولا على النزول عنها، ومحل عدم الحنث أن لا يعلم أنه يكره على الفعل، وأن لا يامر غيره بإكراهه له،
стр. 3209
وأن لا يكون الإكراه شرعيا، وأن لا يكون يمينه لا أفعله طائعا ولا مكرها، وأن لا يفعله بعد زوال الإكراه، وأن لا يكون الحالف على شخص هو المكره له، وإلا حنث في الجميع.
تنبيه: من أكره على فعل ما حلف ليفعلنه لم يبر إلا أن ينوي أنه يوجد منه ذلك الفعل ولو مكرها فيصدق في الفتوى فقط، وكذا لو حلف ليقومن زيد فأكرهه الحالف على القيام لم يبر إلا أن ينوي أنه يوجد منه القيام طائعا أو مكرها، فيصدق في الفتوى فقط أيضا، وله أن يكرهه إذا كان ملكا له وإلا فلا ولو زوجة، لكنه يبر ويصدق في الفتوى.
واعلم أنه لا يأثم في إكراهه للزوجة على حق له عليها، ومن الإكراه بالبر الذي لا يحنث به ما قاله ابن القاسم عن مالك فيمن حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار، فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار لها معه أو أخرجها أهل الدار وهي بكراء [قد انقضى (١)] فلا شيء عليه في خروجها، واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها. انتهى. ومن هذا ما لو حلف بالطلاق على زوجته لا خرجت إلا بإذني وسافر ونودي على فتح قدر وهي حامل أو مرضع، فخرجت لخوفها على ما في بطنها أو رضيعها فلا حنث عليه؛ لأنه أمر لا قرار لها معه، وما في شرح الشيخ عبد الباقي من أنه يحتمل الحنث غير صحيح. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني.
ولما أنهى الكلام على اليمين الشرعية وما يتعلق بها، شرع في ذكر شيء من الالتزامات، فقال: وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد؛ يعني أنه يلزم في قول القائل علي أشد ما أخذ أحد على أحد لا دخلت هذه الدار مثلا ودخلها جميع هذه الأمور الخمسة المذكورة في كلام المص، وقيل: تلزمه كفارة يمين، ومنشأ الخلاف النظر إلى المحلوف به أو إلى ما يترتب على المحلوف به، ووجه لزوم جميعها أن الأشدية تختلف باختلاف أحوال الناس، فرب رجل قادر على المشي ولا عبيد له ولا مال وله زوجة يشق عليه فراقها، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه العتق لكونه لا زوجة له ولا مال سوى عبيدة، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه المشي لكونه لا عبيد له ولا مال ويشق عليه المشي، ورب رجل يكون أشد ما يتوثق به منه الصدقة لكونه لا زوجة له ولا عبيد وهو قادر على المشي، فلما كان كل واحد من هذه الأشياء قد يكون أشد ما يتوثق به من
стр. 3210
الرجل وإن لم تكن له نية في أحدها وجب أن تجب عليه كلها، كمن حلف ولم يدر ما حلف به أكان بعتق عبيدة أو بطلاق نسائه، أو بالمشي إلى بيت الله ، أو بصدقة ثلث ماله. قاله الشارح.
وقوله: بت من يملكه، مبتدأ وخبره قوله: "في علي"، وهو أحد الأمور الخمسة الواجبة في قول القائل: "علي أشد ما أخذ" لخ؛ يعني أن من حلف بعلي أشد ما أخذ أحد على أحد لا دخلت هذه الدار مثلا ودخلها يلزمه طلاق البت أي الثلاث، أو ما يتمها في كل امرأة يملك عصمتها حين اليمين، فلا شيء عليه في التي يتزوجها بعد اليمين. وعتقه، هذا ثاني الأمور الخمسة؛ يعني أنه كما يلزمه بت من يملكه يلزمه أيضا عتق من يملكه من الرقيق، فإن لم يكن في ملكه رقيق، فقال الباجي: يلزمه عتق رقبة، قال ابن زرقون: هذا غير معروف، وقبل ابن عرفة كلام ابن زرقون، وقال في التوضيح: فيه نظر، لقوله في الجواهر عن الطرطوشي: إن المتأخرين أجمعوا على أنه إن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة، ومن حلف بالعتق يلزمني وليس عنده حين اليمين من يملك رقبته ثم يملك قبل الحنث فلا شيء عليه، كما في المدونة ما يدل عليه. قاله أحمد. وظاهره: ولو كان يملك حين اليمين ثمن رقبة أو أكثر.
وصدقة بثلثه؛ هذا ثالث الأمور الخمسة؛ يعني أن الحالف بما ذكر وحنث يلزمه مع الأمرين المتقدمين أن يتصدق بثلث ماله إلا أن ينقص فثلث ما بقي، وانظر لو شك في ربح تجارته الغائبة هل حصل قبل اليمين فتتعلق بثلثه أو بعده فلا.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أنه لا يلزمه ذلك لقولهم: الذمم لا تلزم بمشكوك. والله سبحانه أعلم.
ومشي بحج، هذا هو الرابع من الأمور الخمسة؛ يعني أن الحالف بما ذكر إذا حنث يلزمه مع ما مر أن يمشي إلى بيت الله الحرام ويحرم بحج لا بعمرة، ونقل في البيان عمن أدرك من الشيوخ المشي في حج أو عمرة وكفارة يمين، هذا هو الأمر الخامس؛ يعني أنه يلزمه مع ما مر كفارة يمين بالله تعالى، ومحل لزوم جميع ما ذكر ما لم يخرج الطلاق والعتق، فإن عزلهما فليكفر ثلاث كفارات، قال الباجي: يريد الصدقة والمشي وكفارة اليمين، ويصدق في إخراجهما ولو في القضاء،
стр. 3211
ولا يخالف هذا ما يأتي في قوله: "إلا لمرافعة" إذ ذاك في متعلق اليمين، وهذا في المحلوف به فافترقا. وقوله: "وفي علي أشد ما أخذ أحد على أحد" لخ، أشعر اقتصار المص على ما ذكر فيه أنه لا يلزمه كفارة ظهار ولا صوم سنة وهو كذلك، وحكى عليه ابن عبد السلام الاتفاق. انظر التتائي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الخرشي: ثم إنه إنما يلزمه أشد ما يحلف به حيث جرى العرف بالحلف به، وما لم يجر العرف بالحلف به كالعتق في بعض بلاد المغرب وريف مصر فإنه لا يلزم الحالف، وكذا ما جرى العرف بالحلف به ولم يكن أشد، كما إذا جرى العرف بالحلف بالمشي في عمرة وبالحلف بما يلزم فيه طلقة واحدة. انتهى. ونحوه للشيخ إبراهيم، قال: والمراد بالعرف عرف أهل البلد أو عرف الحالف على ما يأتي في قوله: "إن اعتيد حلف به".
وزيد في الأيمان تلزمني صوم سنة؛ يعني أن الحالف بالأيمان تلزمني والأيمان اللازمة أو أيمان المسلمين تلزمني وحنث، يلزمه ما مر في علي أشد ما أخذ أحد على أحد، ويزاد على ذلك صوم سنة إن اعتيد حلف به؛ يعني أن لزوم صوم سنة للحالف بالأيمان تلزمني مع ما مر، إنما هو حيث كان الحلف بصوم السنة معتادا، وينبغي في غير الصوم أيضا أنه لا يلزم إلا بالعادة، وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن هذا شرط فيما يلزم في هذه اليمين بتمامها لا في صوم سنة فقط، فإن لم [يجر عرف (١) بحلف] بعتق لم يلزم، وكذا المشي والصدقة، وبنى "اعتيد" للمجهول، ليشمل ما إذا اعتاده الحالف وأهل بلده أوهم دونه، سواء اعتاد خلافهم أو لم يعتد شيئا، أو اعتاد هو الحلف به ولا عادة لهم بشيء أصلا، فيلزمه في هذه الصور الأربع، ومفهوم الشرط أنه لو لم تكن له عادة ولا لأهل بلده فلا يلزمه شيء، وكل هذا إن لم تكن له نية بشيء، وإلا عمل عليها ولو في القضاء، ومن حلف بأيمان المسلمين وهو يعلم أن منها ما اعتيد الحلف به، ومنها ما لم يعتد الحلف به فإنه يلزمه إذا حنث ما اعتيد الحلف به لا غيره، إلا أن ينويه. انتهى.
وعلم مما مر أنه لو قال: أردت بهذه اليمين، -يعني الأيمان تلزمني- اليمين بالله وبالمشي ولم أرد طلاقا ولا عتقا، فإنه يقبل قوله: "ولو عند المرافعة"، قال الشيخ عبد الباقي: ولا يخالف هذا ما يأتي للمص من أنها لا تقبل عند المرافعة؛ لأن الآتي تلفظ فيه بالطلاق فلم يقبل قوله عندها
стр. 3212
إنه لم يرد طلاقا، وما هنا لم يلفظ به، وإنما لفظ بما يشمله شرعا فقبل قوله إنه أخرجه من ذلك العام كالمحاشاة. انتهى.
وفي لزوم شهري ظهار تردد؛ يعني أنه اختلف في الحالف بالأيمان تلزمني، هل يلزمه زيادة على ما مر صوم شهري ظهار، وهو رأي الباجي قائلا: هذه المسألة لم أر للمتقدمين فيها نصا مخلصا، وأجمع العلماء أنها أيمان لازمة يجب بها الطلاق والعتق والمشي إلى مكة والصدقة بثلث المال وصيام شهرين، أو لا يلزمه شهرا ظهار وهو رأي ابن زرقون وابن عات وابن راشد، قال ابن زرقون: إيجاب صوم شهرين غير معروف من قول من تكلم على هذا المحل، وقال ابن راشد: إنما لزما في الظهار لأنه أتى بمنكر من القول وزور، وهو هنا لم ينطق بذلك ويلزم إذا أن يعتزل الزوجة وأن لا يكفر حتى يعزم. قاله الشيخ عبد الباقي. ومحل التردد حيث كان معتادا وإلا لم يلزم بالأولى مما قبله. قاله بناني. ومن قال: المشي إلى مكة لا فعلت ولا يريد به اليمين لا شيء عليه إن لم تقرر عادة أو نوى عدم اليمين، وأما إن تقررت فإنه يلزمه إلا أن ينوي غير ذلك.
واعلم أن وجه لزوم الحالف ما ذكر دون الاعتكاف والمشي إلى المدينة وبيت المقدس والرباط في الثغور ونحو ذلك، مع أنها مما يحلف به أنهم لاحظوا ما غلب الحلف به عرفا مما يجعل يمينا في العادة، فألزموه إياه لأنه المسمى العرفي فيقدم على المسمى اللغوي، وتخصيص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها المشهورة، ولفظ الحلف والأيمان إنما يستعمل فيها دون غيرها، وليس المدرك أن عادتهم يفعلون مسمياتها وأنهم يصومون شهرين متتابعين ويحجون وغير ذلك، بل الأغلبية استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها، ولذلك صرحوا وقالوا: من جرت عادته بالحلف بصوم سنة لزمه فجعلوا المدرك العرف اللفظي دون العرف الفعلي، فهذا مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق، وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر اعتيادهم نذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجوعان وكسوة الريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها، لكان اللازم هذا الحالف إذا حنث الاعتكاف، وما ذكر معه دون الحقائق الأول؛ لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها حيث ما دارت. انتهى. المراد منه. وأقره ابن فرحون في تبصرته وغير واحد، واختار ابن عبد السلام أنه يعتبر العرف الفعلي كالقولي، والقولي متفق عليه عند الثلاثة؛
стр. 3213
فإنه قال بعد ذكر ما يلزم في هذه المسألة: فينبغي للمفتي في هذا الزمان إذا أفتى في هذه المسألة وما أشبهها مما هو مبني على العرف القولي أو على العرف الفعلي كأبواب بياعات الآجال عند المالكية أن ينظر إلى عرف زمانه وبلده من ذلك، ولا يكتفي في ذلك بما هو منقول في الكتب مما له نحو ست مائة سنة. انتهى. نقله الخرشي عن القرافي. ولابن عاصم ﵀:
ومن تكن يمينه باللازمه … له ثلاث في الأصح لازمه
وقيل بل واحدة رجعيه … لجهله وفقده للنية
وقيل بل بائنة وقيل بل … جميع الايمان وما به العمل
وقوله: وما به العمل، انظره مع ما للمص هنا، وقال الأبهري: إنما يلزمه الاستغفار فقط، وقال الطرطوشي وابن العربي: إنما يلزمه ثلاث كفارات، وقال ابن عبد البر: إنما تلزمه كفارة يعين فقط. قاله الش. وقال: إن محل هذا الخلاف حيث لم تكن له نية، وقال عن الطرطوشي: ولا يدخل في كلامه طلاق ولا عتاق حتى ينوي به ذلك أو يكون العرف جاريا به، وقال الشيخ أحمد بن عبد العزيز الهلالي رحمه الله تعالى: وليحذر المفتي من أمور جرى بها العمل في بعض البلدان ولم يظهر لها مستند الآن، منها الفتوى بأن طلاق العوام كله بائن ولو في مدخول بها دون عوض، ولا لفظ خلع ولا حكم حاكم، وقصد بعض الطلبة بهذه الفتوى إباحة المطلقة ثلاثا، فمن طلق طلقة رجعية ثم أردف الثلاث في العدة يفتونه بعدم لزوم الثلاث وفتواهم باطلة، ومنها الفتوى بثلاث كفارات اليمين بالله في الحلف بالأيمان اللازمة أو جميع الأيمان اعتمادا على من أفتى به من الأئمة المتقدمين وهذا لا يصح؛ لأن السلف لم يكن متعارفا عندهم قصد معنى الطلاق بلفظ اليمين، واليمين المتعارفة عندهم هي الشرعية وهي اليمين بالله، فلذا حملوا لفظ الأيمان اللازمة عليها وإن تبدل العرف حملت على المتعارف. انتهى.
стр. 3214
قال جامعه عفا الله عنه: ومما تقدم عن القرافي وغيره وبكلام الهلالي رحمهم الله تعالى تعلم أن الحق الذي تجب به الفتوى ولا يحل العدول عنه في الأيمان اللازمة أو جميع الأيمان ونحو ذلك إنما هو البتات أو مع غيره، وأما الفتوى بما عدا ذلك فإنما هي العدول عن الصراط المستقيم. والله سبحانه أعلم.
وتحريم الحلال؛ يعني أن من حرم على نفسه شيئا مما أباحه الله له، كقوله: الحلال علي حرام، أو الشيء الفلاني كلبن مثلا علي حرام إن فعلت كذا وفعله، تحريمه له على نفسه لغو أي باطل، فلا يحرم عليه ما كان حلالا له، وهذا في غير الزوجة والأمة؛ لأن الله تعالى لم يجعل له في غيرهما تصرفا بالتحريم، وأما الزوجة والأمة فتحريمهما غير لغو؛ لأن الله جعل له فيهما التصرف بالتحريم، فيكون التحريم في الزوجة ثلاثا في المدخول بها كغيرها، إلا أن ينوي أقل ما لم يحاشها على ما مر في المحاشاة، وكذا الأمة لا يكون تحريمها لغوا بل تعتق عليه إن قصد عتقها بذلك التحريم، وإلا فلا شيء عليه، قال زيد بن أسلم: إنما كفر النبي ﷺ في تحريمه أم ولده إبراهيم؛ لأنه حلف بالله لا يقربها.
وما قررت به كلام المص من أن قوله: "والأمة"، عطف على "الزوجة"، لكن بشرط أن ينوي بالتحريم العتق كما علمت، وكلام المص يوهم حرمتها ولو لم تكن له نية قرره به غير واحد، ويصح عطفها على غير المضافة إلى الزوجة أي تحريم الأمة لغو، ويقيد حينئذ بما إذا لم يقصد عتقها بالتحريم، وإلا لم يكن لغوا.
وبما قررت علم أن قوله: لغو، خبر عن قوله: "تحريم"، فهو مرفوع بالابتداء، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وقوله: "والأمة"، رد به على من يقول: تلزمه كفارة يمين ولا يطأ حتى ليكفر، وعلى من يقول: تعتق، وهذا على أنها عطف على "غير". والله سبحانه أعلم. انظر الشبراخيتي.
ولما كان الأصل أن حنث اليمين يسقطها فلا تكرر الكفارة بتكرر ما يوجب الحنث إلا بلفظ أو نية أو عرف كما قال ابن عرفة، ذكر ما تكرر فيه الكفارة، فقال: وتكررت إن قصد تكرر الحنث؛ يعني أن من حلف أن لا يفعل فعلا كوالله لا دخلت الدار ففعله، فإنه يحنث بفعله مرة واحدة
стр. 3215
ثم لا كفارة عليه فيما إذا فعله بعد ذلك، إلا أن يكون قصد تكرر الحنث كلما فعله فتعدد الكفارة بتعدد الفعل، وكأنت طالق إن خرجت إلا بإذني، ونوى أنها كلما خرجت بغير إذنه فهي طالق، فخرجت مرة بغير إذنه فطلقت عليه واحدة ثم رجعها، وخرجت ثانيا بغير إذنه لزمه الطلاق إلى تمام العصمة، فإن لم ينو التكرار لم يلزمه غير الأولى: وكوالله لا كلمت فلانا عشرة أيام ونوى كلما كلمه حنث فتتعدد بتعدد تكليمه. وقال الشيخ عبد الباقي عن شيخه الأجهوري: إنه لو قال والله لا كلمت زيدا، ونوى أنه إذا كلمه مرة واحدة لزمه ثلاث كفارات أو أربع، فإنه يلزمه ما نوى ويشملها كلام المص، وهذه اليمين لا يحتمل مدخولها التعدد. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تعدد الكفارة في هذه غير ظاهر؛ لأنه رتب عليها ما لم يرتبه الله، وذلك لا يلزم بمجرد النية، وقال: إن كلام المص لا يشمل هذه ولا يصح إدخالها فيه؛ لأن موضوعه قصد تكرر الحنث، وهذه ليس فيها تكرار الحنث. أو كان العرف؛ يعني أن الكفارة تتعدد أيضا فيما إذا كان تكرر الحنث هو العرف، بأن تكون دلالة يمينه على تعدد الكفارة مستفادة من العرف لا من اللفظ ولا من النية؛ أي أن العرف في مثل هذه اليمين عدم قصر الحنث على مرة، ومثل لذلك بقوله: كعدم ترك الوتر؛ يعني أنه لو قال والله لا تركت الوتر أو لا شربت الخمر بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، أو بمكة شرفها الله، فإنه كلما ترك الوتر أو شرب الخمر تتعدد عليه الكفارة بتعدد ترك الوتر وشرب الخمر؛ لأن قصده اجتناب ذلك في كل وقت لشرف المدينة المنورة ومكة أعزهما الله تعالى؛ لأن العرف في مثله لا يقصر الحنث على مرة واحدة، والعرف كالشرط والعرف جرى بأن هذا بمنزلة قوله: كلما تركت الوتر فعلي كفارة.
أو نوى كفارات؛ يعني أن الحالف إذا كرر اليمين ونوى أنه يكرر الكفارة بعدد ما كرر من الأيمان، فإنه تتعدد عليه الكفارة بعدد الأيمان بلا خلاف، كوالله لا أدخل الدار والله لا أدخل الدار والله لا أدخل الدار، وكوالله لا أركب كذلك أو لا ألبس كذلك. قال مقيده: فإذا دخل أو ركب لزمته كفارات بعدد الأيمان، ولا ينتظر ركوب أو دخول آخر بقرينة ما يأتي عند قوله: "ولا أكلمه غدا" لخ، والله سبحانه أعلم. وإن قصد التأكيد اتحدت الكفارة بلا خلاف، وإن قصد الإنشاء دون تعدد الكفارة فالمشهور اتحادها، ورواه ابن القاسم عن مالك، وقال به ابن المواز كان
стр. 3216
في مجلس أو أكثر كان المحلوف به اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته، وظاهر قول ابن بشير وغيره من الأشياخ أنها لا تتكرر في الأسماء وتتكرر في الصفات، قال في التنبيه: وإذا قصد الحالف بتكرار يمينه تعدد الكفارة تعددت أو اتحادها اتحدت وإن لم يقصد والمعنى واحدٌ واللفظ واحد أو متعددٌ اتحدت كالحلف بأسماء الله تعالى، وإن تعدد المعنى تعددت، لكن حكى صاحب الاستذكار عن مالك أن من قال: والله والرحمن فعليه كفارتان، وإن قال: والسميع والعليم والحكيم فثلاث، وقوله: "أو نوى كفارات" الحلف فيها متعدد بخلاف قوله وتكررت إن قصد تكرر الحنث، فإنه قصده بيمين واحدة،
أو قال لا ولا؛ يعني أن من حلف لا باع من فلان كذا، فقال له آخر: وأنا؟ فقال: والله ولا أنت فباعها منهما أو من أحدهما فردها عليه فباعها من الآخر، فإنه تلزمه كفارتان. واعلم أنه لا عبرة بتوسط السؤال، وإنما المدار على تكرار القسم واختلاف القسم عليه، ففيها: من قال والله لا أكلم فلانا ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلانا، ففعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة، فكأنه قال: والله لا أقرب شيئا من هذه الأشياء، ولو قال: والله لا أكلم فلانا والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلانا فعليه لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه الأيمان بالله على أشياء مختلفة، فكان ينبغي للمص أن يقول: لا والله ولا. انتهى. وهذا التحرير للشيخ محمد بن الحسن.
أو حلف أن لا يحنث؛ يعني أن من حلف لأفعلن أولا أفعل، فقال له قائل: أخاف أن تحنث، فقال: والله لا أحنث فحنث تلزمه كفارتان، وقيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأن الكلام في ذلك في معنى واحد، ووجه الأول أن الثانية لما كانت على غير لفظ الأولى حملت على أنه أراد يمينا أخرى يوجبه على نفسه كالنذر إن حنث، كأنه قال: علي كفارة أخرى إن حنثت.
أو بالقرآن والمصحف والكتاب؛ يعني أنه لو حلف بالقرآن والمصحف والكتاب لا أفعل كذا ثم حنث فعليه ثلاث كفارات عدد المقسم به، هكذا قال في البيان ونسبه لابن القاسم، قال: لاختلاف المسميات، وإن كان المعنى واحدا وهو الكلام القديم وهذا ضعيف، والراجح أن عليه كفارة واحدة لأن المدلول واحد، كما أن مدلول جميع أسماء الله تعالى واحد، فإن جمعها فعليه
стр. 3217
كفارة واحدة، قصد التأكيد أو التأسيس حيث لم يقصد تكرر الحنث ولم ينو كفارات، وقوله: "أو بالقرآن"، معمول لحلف مقدرا معطوف على قصد.
أو دل لفظه بجمع؛ يعني أن الحالف إذا حنث تتكرر عليه الكفارة حيث كان لفظه يدل على تعدد الكفارة بصيغة الجمع، نحو: إن فعلت كذا فعلي أيمان فتلزمه ثلاث كفارات إذا حنث، ولا يعتبر أنه نوى بذلك كفارة واحدة؛ لأن الجمع نص في معناه فلا يقبل التخصيص، وانظر لو نوى يمينين هل تعتبر نيته بناء على أن أقل الجمع اثنان أم لا بناء على أن أقله ثلاثة؟ أو بكلما؛ يعني أن الحالف إذا دل لفظه على تكرر الكفارة بسبب أداة موضوعة للتكرار، فإنه تتعدد عليه الكفارة بتعدد الفعل، ككلما فعلت كذا فعلي يمين أو كفارة.
فتحصل من هذا أنه في صيغة الجمع تتعدد عليه الكفارة بالحنث مرة واحدة، وأنه في الأداة إنما تتعدد عليه بتعدد الفعل المحلوف على تركه. أو مهما؛ يعني أنه لا فرق بين كلما ومهما في الدلالة على تعدد الكفارة بتعدد الفعل، فإذا قال: مهما كلمت فلانا فعلي يمين أو كفارة، فإنه كلما كلمه لزمه كفارة، ولا تتعدد عليه الكفارة بالفعلة الواحدة. لا متى ما؛ يعني أنه إذا قال: متى ما فعلت كذا فعلي كفارة أو يمين، فإنه تنحل عنه اليمين بالفعل الأول، فلا تتكرر الكفارة بتكرر الفعل إلا أن يقصد بها معنى كلما، فتكرر عليه الكفارة بتكرر الفعل أتى بما أم لا وإن لم يستحضر نية التكرار لقربها منها، بخلاف إن وإذا، فإنما تتعدد عليه الكفارة فيهما إذا نوى التكرار، لا إن قصد بهما كلما. والله سبحانه أعلم. وقوله: "لا متى ما"، قال الشيخ إبراهيم: هذا هو المذهب، خلافا لما مشى عليه في باب الطلاق.
ووالله ثم والله؛ يعني أن الحالف بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته إذا كرر اليمين على ذلك الشيء بعينه، فإنما عليه كفارة واحدة كأن يقول والله لا أدخل الدار ثم يقول بعد ذلك والله لا أدخل الدار، فإنه إذا دخلها تلزمه كفارة واحدة لا أكثر ولو في مجالس، وتكرير المقسم به دون المقسم عليه وتكريرهما معا سواء، وتتعدد في تكرير النذر المبهم معلقا وغيره كما مر، كعلي نذر ونذر إن كلمت زيدا ما لم ينو الاتحاد، قال ابن عرفة، وفي تعددها بتكرير الصفة المختلفة اللفظ، ثالثها إن تغايرت، وتتعدد في ذكر الصفة مع الذات كوالله وعزته، وفي اليمين مع النذر كوالله لا
стр. 3218
فعلت كذا وعلي نذر كفارة، (١) وقال ابن عبد السلام: أما إذا كان اللفظ الأول من الأسماء والثاني من الصفات فالحكم أنه تتعدد عليه الكفارة.
وإن قصده؛ يعني أن الحالف بالله أو بشيء من صفاته أوأسمائه إذا كرر ما حلف به أو لا، فإنما تلزمه كفارة واحدة عند الحنث، وإن قصد تكرير اليمين وإنشاءها دون نية تعدد الكفارة، لأن قصد إنشائها لا يستلزم قصد تعدد الكفارة إذ قد يقصد به تأكيد الأولى؛ لأن اليمين بالله مبنية على التأكيد حتى ينوى التأسيس، والطلاق مبني على التأسيس حتى ينوى التأكيد، ومثل اليمين بالله الظهار، والفرق أن المحلوف به في الله والظهار أولا هو المحلوف به آخرا وفي الطلاق -وإن كان اللفظ واحدا- معناه متعدد؛ لأن الأول يضيق العصمة والثاني يزيدها ضيقا والثالث يبينها. وقوله: "وإن قصده". هذا هو المشهور.
والقرآن والتورية والإنجيل؛ يعني أن الشخص إذا حلف بالقرآن والتورية والإنجيل لا فعلت كذا أو لأفعلنه وحنث فعليه كفارة واحدة عند سحنون، وهو جار على المشهور لأن المدلول واحد وبه تعلم ضعف ما سبق. ولا أكلمه غدا وبعده ثم غدا؛ يعني أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا غدا وبعد غد، ثم قال بعد ذلك: والله لا كلمت زيدا غدا ثم كلمه غدا فإنما تلزمه كفارة واحدة، سواء كلمه في اليومين معا أو في الثاني دون الأول، وكذا لو كلمه في الأول دون الثاني؛ لأن ذكر الشيء بالخصوص بعد ذكره بالعموم لا يفيد إلا التأكيد، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. ومحل اتحاد الكفارة فيما قال المص حيث لم يقصد الحالف تعدد الكفارة بتعدد الحلف، وإلا تعددت، ومفهوم كلام المص أنه لو حلف لا أكلمه غدا، ثم حلف لا أكلمه غدا وبعد غد فكلمه غدا فإنه تلزمه كفارتان، والفرق بينه وبين منطوق المص أن الغد في المفهوم وقع ثانيا مع غيره، فكأنه غير الأول بخلاف المنطوق فكان تأكيدا.
وتحصل من كلام المص أن حنث اليمين يسقطها فلا تكرر الكفارة بتكرر موجب الحنث إلا بلفظ أو نية أو عرف.
стр. 3219
ولما أنهى الكلام على حد اليمين وصيغتها والموجبة للكفارة منها وأنواع الكفارة وتكرارها واتحادها. أتبع ذلك بالكلام على ما يخصصها ويقيدها، فقال: وخصصت نية الحالف؛ يعني أن نية الحالف تخصص لفظه أي تقصره على بعض أفراده زمانا أو مكانا أو صفة، كلا أكلمه وينوي في الليل أو في المسجد، أو لا أكلم رجلا ويريد جاهلا فالتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ أي يتناول جميع ما يصلح له دفعة، وبهذا يخرج المطلق ومن غير حصر مخرج لأسماء العدد، فإنها نص في معناها، وقوله: يستغرق مخرج لأسماء الله ؛ لأنه لا استغراق فيها، ويمنع شرعا أن تستعمل في غير معناها، فإذا حلف بالله وقال أردت بزيد من باب إطلاق الفاعل على أثره لم تقبل نيته.
واعلم أن الألفاظ قسمان نصوص وظواهر، فالنصوص لا تقبل المجاز ولا التخصيص: والظواهر هي التي تقبلها. والنصوص قسمان: الأول أسماء العدد كالعشرة مثلا فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن يطلقها ويريد التسعة ولا غيرها من الأعداد وهذا هو المجاز، وأما التخصيص فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن تقول رأيت عشرة ثم تبين أنك أردت خمسة مثلا؛ أي لا تقبل التخصيص بالنية، وأما باللفظ كالاستثناء فإنها تقبله. الثاني من المنصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى، نحو لفظ الجلالة ولفظ الرحمن، فإنه لا يجوز استعمالهما في غير الله إجماعا.
واعلم أن التخصيص مجاز أيضا لكن المجاز أعم؛ لأنه قد لا يبقى معه من السمى شيء كما تقول: رأيت إخوتك وتريد مساكنهم. انظر حانتية الشيخ بناني.
(وقيدت) يعني أن نية الحالف تقيد لفظه المطلق أي تحمله على فرد خاص، والمطلق هو اللفظ الدال على شائع في جنسه، فيخرج كل عام ولو نكرة في سياق الإثبات، نحو كل رجل، والمقيد هو الذي أضيف إلى مسماه قيد زائد عليه، فإذا قال: والله لأكلمن رجلا، وقال: نويت فلانا أو صالحا، فإنه لا يبر إلا بتكليم من نواه، والمطلق هنا يشمل شيئين، الأول النكرة نحو رجل في المثال المذكور، الثاني المشترك اللفظي سواء وقع في المعلم كمن له زوجتان كل منهما تسمى زينب، أو وقع في غيره نكرة كمن حلف لينظرن عينا، وقال: نويت الباصرة أو نويت النقد، أو معرفة كمن قال: والله لأكرمن أخاك وقال نويت فلانا.
стр. 3220
وتحصل مما مر أن النية إنما تخصص وتقيد في المحل الذي يصلح أن تخصص أو تقيد فيه. إن نافت؛ راجع لقوله: "وخصصت"؛ يعني أنه يشترط في النية المخصصة أن تكون منافية للفظ الذي وقعت فيه بأن يكون ظاهر اللفظ ينفيها وهي تنفيه، فقوله: "تافت" فاعلت من النفي، أصله نافيت قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين كما في ساوت.
والمنافاة المذكورة هي أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم عن تلك الصور، واحترز بقوله: "تافت"، عما إذا لم تكن النية منافية فإنها لا تعتبر، فمن حلف لا يأكل بيضا ونوى بيض الدجاج، فإن نوى إخراج غيره من البيض لم يحنث إلا ببيض الدجاج؛ لأن هذه النية منافية، وإن لم ينو إخراج بيض غير الدجاج من اليمين حنث بالجميع؛ لأن نيته حينئذ مؤكدة لا منافية، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله.
وساوت، راجع لقوله: "وخصصت"، كما في الخرشي، والواو للحال من الضمير في نافت، ورجعه غير واحد لقوله: "وقيدت"، وعلى كل فهو في المعنى راجع لهما، ومنهم من قدر وافقت فيرجعها للتخصيص، ويرجع ساوت للتقييد. والله سبحانه أعلم؛ يعني أنه يشترك في النية المخصصة مع المنافاة أحد أمرين، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ أو مخالِفة له مخالَفَةً قريب، ومعنى كونها مساوية لظاهر اللفظ أن يشتمل الكلام على قرينة تشهد بصحة النية المدعاة، ومعنى المساواة في المطلق أنه يمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، ويمكن أن لا يقصد على حد سواء فتقبل نيته في الفتوى والقضاء عند المساواة، فمثال النية المساوية في المطلق من له زوجتان كل منهما تسمى زينب ويقول: زينب طالق إن دخلت الدار، ويقول: أردت زينب بنت فلان، ومثال النية المساوية في العام سيذكره قريبا في الله يتنازعه "خصصت" "وقيدت"؛ يعني أن النية تخصص وتقيد على ما مر في اليمين بالله، مثال المخصصة: والله لا تزوجت حياة عمرة وهي تحته، ثم إنه فارقها وتزوج امرأة غيرها وعمرة في قيد الحياة، فقيل له: حنثت حيث تزوجت غير عمرة وهي حية، فقال: أردت أن لا أتزوج ما دامت تحتي، وأخرجت من يميني ما إذا لم تكن في عصمتي، فهذا تقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته منافية بإخراجه ما إذا لم تكن في عصمته مساوية؛ إذ يمكن على حد السواء أن هذا الحالف أراد ظاهر اللفظ أي مقتضاه،
стр. 3221
أو أنه أراد ما نوى؛ لأن العادة شاهدة بأنه يقول لها ذلك تطييبا لخاطرها ما دامت في عصمته، فالعرف يرجح النية المذكورة، واللغة ترجح ظاهر اللفظ ولو غفل عن حال خروجها من عصمته لم تكن منافية فلا تفيد، ومثال المقيدة: والله لأكلمن رجلا، وقال نويت فلانا فتقبل نيته. والله سبحانه أعلم.
وغيرها، عطف على قوله: في الله؛ يعني أن النية كما تخصص وتقيد في اليمين بالله على ما مر، تخصص وتقيد في غير اليمين بالله من طلاق وعتق وغيرهما، ومثل لغير اليمين بالله بقوله: كطلاق، ومثل للنية المخصصة المساوية لظاهر اللفظ بقوله: ككونها معه في لا أتزوج حياتها؛ يعني أنه لو قال لزوجته: والله لا أتزوج حياتك، أو قال لها إن تزوجت حياتك فالتي أتزوجها طالق، ثم إنه فارقها وتزوج غيرها، وقال: كنت أردت بمدة حياتها مدة كونها تحتي لا إن فارقت عصمتي، فهذا لا يحنث وتقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته نافت وساوت، بخلاف ما لو لم تناف كما إذا نوى في المثال المذكور مدة بقائها معه وغفل عن حال خروجها من عصمته، فهذا يحنث إذا تزوج غيرها؛ إذ هو بمنزلة من أطلق اللفظ العام ولم ينو شيئا، وأما زوجة الغير إذا حلف لا تزوج حياتها ونوى عند الحلف ما دامت في عصمة زوجها فطلقها زوجها بائنا، فتزوج الحالف فلا تقبل نيته في القضاء إلا أن يخاف على نفسه العنت وتعذر التسري ويحلف على ما نوى.
كأن خالفت ظاهر لفظه؛ يعني أن النية إذا خالفت ظاهر اللفظ ووافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي، فإنها تقبل مخصصة أو مقيدة في كل يمين غير الطلاق والعتق المعين مع المرافعة كما يأتي.
وبما قررت علم أن قوله: "كإن خالفت ظاهر لفظه" في المخصصة والمقيدة كما صرح بذلك ابن عاشر، فمثال المقيدة: من له زوجة وأمة كل منهما تسمى فاطمة، فيقول فاطمة طالق وينوي بذلك عتق الأمة فتقبل نيته إلا لمرافعة لخ، ومثال المخصصة أشار له بقوله: كسمن ضأن في لا آكل سمنا؛ يعني أنه إذا حلف لا يأكل سمنا، ونوى سمن الضأن وأخرج غيره، فإن نيته تقبل في كل يمين إلا لمرافعة لخ، فهو مثال للمخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب
стр. 3222
من المساوي. أو لا أكلمه؛ هذا أيضا مثال للنية المخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي؛ يعني أنه لو حلف لا يكلم فلانا وقال نويت شهرا وأخرجت ما عداه، فإن هذه النية تقبل إلا لمرافعة إلى آخر ما يأتي، ويمينه هنا تفيد التأبيد وادعى ما يقطعه.
وكتوكيله في لا يبيعه ولا يضربه، هذا مثال ثالث للنية التي تقبل إلا لمرافعة؛ يعني أنه لو حدف لا يبيع عبده المعين مثلا أو لا يشتري شيئا عينه وأمر غيره ببيعه أو شرائه، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ، وكذلك لو حلف لا يضرب عبده ميسرة مثلا، فوكل من يضربه وقال نويت بنفسي، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ. ولو حلف ليضربنه ووكل في ضربه بر إلا أن يقول نويت بنفسي، فإنه يصدق إلا لمرافعة لخ. إلا لمرافعة؛ راجع لما بعد الكاف من قوله: "كإن خالفت ظاهر لفظه" لخ؛ يعني أن النية المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي تقبل إلا لمرافعة؛ أي رفع لأن الرفع من جانب غيره، لا إن ذهب للقاضي من غير رفع، فإنه يصدق لأن ذلك من قبيل الفتوى.
وبينة، الواو بمعنى مع؛ يعني أنه إذا روفع وقامت عليه البينة لا تفيده النية ومثل البيانة الإقرار كما أشار إلى ذلك بقوله: أو إقرار؛ يعني أنه إذا ادعت عليه زوجته أنه طلقها ورافعته وأنكر ذلك، فأقامت عليه المرأة البينة بالحلف أو أقر به وادعى النية المذكورة، فإنه لا تقبل نيته، ومثل الطلاق العتق المعين كما أشار إلى ذلك بقوله: في طلاق وعتق فقط؛ أي أن النية المخالفة لظاهر اللفظ القريبة من التساوي إنما تفيد إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتق المعين أو بهما وجاء مستفتيا، وأما إن حصلت مرافعة مع بينة أو إقرار فلا تفيد في الطلاق والعتق المعين، وصورة ذلك أن يدعي العبد أو المرءة العتق أو الطلاق، فينكر السيد أو الزوج، فتقوم عليه بينة بالحلف، أو يقر به ويدعي النية المذكورة فلا تنفعه مع المرافعة كما مرت الإشارة إليه. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال الشيخ بناني: غير يمين الطلاق ويمين العتق المعين لا يحكم به ولا تقع فيه مرافعة، كما في الحطاب عن البيان، وكما في ابن الحاجب إذ ذكر أن ما يقضى به هو الطلاق والعتق دون
стр. 3223
ما سواهما. انتهى. ودخل بالكاف ما لو حلف بالله لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم على سبيل التخصيص. أو أردت بعبيدي دوابي، أو أردت بالعتق البيع. والعلاقة بين العبيد والدواب الملك وبين البيع والعتق بطلان الملك، وكذا لو حلف بالله لأعتقن من عبيدي ثلاثة: وقال: نويت بيع ثلاث من دوابي، أو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، وقال: أردت أنها طلقت ثلاث مرات في الولادة، أو قال: نسائي طوالق، وقال: لم أرد الرابعة فينوَّى في جميع ذلك مستفتيا لا في مرافعة، ولو قال: جميع نسائي طوالق لم ينو مستفتيا إلا أن يعزل واحدة منهن من أول الأمر، ولو قال: هي طالق البتة إن راجعتها ثم أراد نكاحها بعد العدة، وقال: نويت ما دامت في العدة صدق مستفتيا. أو استحلف مطلقا في وثيقة حق؛ يعني أن الحالف لا تنفعه نيته إذا كان مستحلفا في حق، سواء كان الحق مكتوبا في وثيقة أم لا، كانت اليمين بالله أو بغيره، مستفتيا أو مرافعا، مثال المستحلف في حق من عنده وديعة وأنكرها وحلف ما له عندي وديعة ونوى حاضرة معه، وكما لو عقد النكاح على أنه إن تسرى على زوجته فعليه التصدق بثلث ماله ثم تسرى عليها حبشية، وقال: نويت من غير الحبش، فاليمين في هذا وما أشبهه على نية المحلف بالكسر كانت بطلاق أو بغيره، كان الطلاق معلقا أو منجزا بعد الملك أو قبله واحدة أو أكثر، وكذا العتق سواء كان كاملا أو مبعضا أو آئلا إليه كالتدبير إذا كان في رقبة معينة ولا يقضى عليه في غيرها، ولو حذف السين والتاء ولفظ وثيقة وقال: أو حلف مطلقا في حق لوافق الراجح من أنه لا فرق بين طلب الحلف وطلب الحق فيحلف له، ومر أنه لا فرق بين كونه بوثيقة أم لا، ويجاب عن هذا بأنه أراد توثق حق وإن لم يكن بصحيفة، أو الإضافة بيانية أي وثيقة هي حق أي حق متوثق فيه، والمراد بالتوثق على الجواب الأول قطع النزاع، فكأنه اعتاض عن حقه هذه اليمين. انظر الخرشي. ومقابل الراجح أنه إن طاع بالحلف في حق نفعته نيته، وقال في التوضيح وحكى صاحب المقدمات وابن زرقون الإجماع على أن النية لا تنفع إذا اقتطع بها حقا لغيره للحديث الصحيح (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله، قال: وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك (١)).
стр. 3224
قالها ثلاث مرات. وما حكاه عن ابن زرقون من الإجماع خلاف ما حكاه الشيخ بهرام في الوسط عنه، فإنه حكى عنه قولين، ومفهوم قوله: "في وثيقة حق"، أنها لو لم تكن في وثيقة حق لنفعته نيته وهو كذلك في اليمين بالله اتفاقا، وفي غيرها على خلاف فيه، وقيل: إن اليمين على نية المحلوف له، وقيل إن استحلف فعلى نية المحلوف له، وإن كان متطوعا فعلى نية الحالف، والمشهور الأول. وقوله: "أو استحلف"، قال بعض: عطف على المستثنى في قوله: "إلا لمرافعة"، وقال بعض الشراح: لا يصح ذلك؛ لأن هذا لا يختص بالنية المخالفة؛ لأنه في المخالفة والمساوية، ولا يصح من جهة العربية أيضا؛ لأن الفعل لا يصح عطفة على اسم لا يشبه الفعل، فيجعل راجعا لقوله: "وخصصت وقيدت"؛ أي وخصصت وقيدت إلا لمرافعة، وخصصت وقيدت إلا في استحلاف في وثيقة حق، فهو من باب العطف على المعنى. انتهى. انظر الخرشي.
لا إرادة ميتة؛ يعني أنه لو حلف بطلاق زوجته أو عتق أمته؛ بأن قال: زوجتي طالق أو أمتي -مثلا- حرة إن فعلت كذا أو لأفعلنه وحنث، فقال: أردت زوجتي التي ماتت أو أمتي التي ماتت، فإن نيته لم تنفعه لا في الفتوى ولا في القضاء؛ لأن النية المخالفة هنا وافقت الاحتمال المرجوح البعيد من التساوي، فلم تقبل حينئذ؛ لأنه إن أراد الإنشاء، فإنه يستدعي وجود محل يلزم فيه الطلاق والحرية، والتي ماتت لا يصلح أن تكون محلا للحرية ولا للطلاق، وإن أراد الإخبار فإنه إخبار بما لا يفيد، فوجب صرفه لمن هي تحته الآن أو لمن هي في ملكه الآن.
أو كذب؛ يعني أنه إذا قال لزوجته أنت حرام، وقال: نويت الكذب فإنه لا يصدق، ومعنى ذلك أنه قال: أردت بقولي حرام الإخبار ولم أرد به الإنشاء، وأردت أني كاذب في إخباري فلا يصدق في إرادته الإخبار، لبعد نيته. أشار له الحطاب، وغيره، والله سبحانه أعلم. وقوله: في طالق وحرة، راجع للميتة كما علم من التقرير، وقوله: وحرام، راجع للكذب، فهو لف ونشر مرتب، ومعناه: في قوله: هي طالق أو هي حرة، أو هي حرام. وإن بفتوى؛ أي لا تنفعه هذه النية البعيدة، وهي إرادة الميتة في قوله: هي طالق أو هي حرة، وإرادة الكذب في قوله: هي حرام لا في القضاء ولا في الفتوى حيث لا قرينة، وإلا عمل بنيته كما يعمل بنيته إذا كانت حية
стр. 3225
حين اليمين فماتت فادعى أن يمينه فيها، ومن الشراح من جعل الثلاث راجعة للميتة والكذب معا، وهو ظاهر لأنه في الثلاث محمول على الإنشاء، واحتماله للخبر بعيد انظر التتائي.
وحاصل ما أشار إليه المص أن النية التي خالفت مدلول اللفظ بنقص، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ بموافقة العرف فتقبل في الفتوى والقضاء، أو مخالفة له لكنها وافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي فتقبل، إلا لمرافعة وبينة أو إقرار أو مخالفة لظاهر اللفظ بعيدة من التساوي فلا تقبل مطلقا، لا في اليمين بالله ولا في غيرها، هذا في النية المخصصة، وأما المقيدة فتجري فيها الأقسام الثلاثة أيضا، وقد مر ذلك مستوفى.
وتحصل منه أن المستحلف في وثيقة حق لا تفيده نيته أيضا، واعلم أن ما قدمته من تقرير المص هو لابن عاشر والحطاب وغيرهما، وأصله للقرافي ومن تبعه جعل النية بمنزلة اللفظ، وذلك أن في الأصول قاعدتين، إحداهما ذكر الخاص بعد العام بحكم ينافي حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة. الثانية ذكره بعده بحكم يوافق حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. واجتمع الأصوليون على أن الأولى من التخصيص، واختلفوا في الثانية والجمهور على أنها ليست من التخصيص، وعليه فيقتل الجميع أبو جهل وغيره، وعلى مقابله فلا يقتل إلا أبو جهل، فالقرافي رحمه الله تعالى جعل النية بمنزلة اللفظ في هاتين القاعدتين، فالنية التي هي بمنزلة إلا أهل الذمة مخصصة، والتي بمنزلة إلا أبا جهل لا تخصص، مثال الأولى أن يقول: لا آكل سمنا ويقول نويت إلا سمن الضأن، ومثال الثانية أن يقول نويت بالسمن الذي لا آكله سمن الضأن، فسمن الضأن في الأولى مأكول وفي الثانية غير مأكول، فلذا قسم النية إلى قسمين مخصصة وهي القسم الأول، ومؤكدة وهي القسم الثاني. هذا تحرير طريقة القرافي. وطريقة المتقدمين قبله كابن المواز وابن يونس والقاضي وغيرهم أن النية في القسم الثاني أيضا نافعة، بمعنى أنه لا يمنع إلا من أكل سمن الضأن دون غيره، والقرافي يمنعه من أكل كل سمن؛ لأن نيته مؤكدة لا تنافي حكم العام، فهي بمنزلة ذكر الخاص بعد العام بحكمه، وهو ليس بتخصيص على المنصور.
قال العلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: وطريق المتقدمين هي الصواب، وما ذكره القرافي فيه نظر؛ لأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن المخصص اللفظي لم يقارن مخصصه في الزمان لتأخره عنه