أو أنه أراد ما نوى؛ لأن العادة شاهدة بأنه يقول لها ذلك تطييبا لخاطرها ما دامت في عصمته، فالعرف يرجح النية المذكورة، واللغة ترجح ظاهر اللفظ ولو غفل عن حال خروجها من عصمته لم تكن منافية فلا تفيد، ومثال المقيدة: والله لأكلمن رجلا، وقال نويت فلانا فتقبل نيته. والله سبحانه أعلم.
وغيرها، عطف على قوله: في الله؛ يعني أن النية كما تخصص وتقيد في اليمين بالله على ما مر، تخصص وتقيد في غير اليمين بالله من طلاق وعتق وغيرهما، ومثل لغير اليمين بالله بقوله: كطلاق، ومثل للنية المخصصة المساوية لظاهر اللفظ بقوله: ككونها معه في لا أتزوج حياتها؛ يعني أنه لو قال لزوجته: والله لا أتزوج حياتك، أو قال لها إن تزوجت حياتك فالتي أتزوجها طالق، ثم إنه فارقها وتزوج غيرها، وقال: كنت أردت بمدة حياتها مدة كونها تحتي لا إن فارقت عصمتي، فهذا لا يحنث وتقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته نافت وساوت، بخلاف ما لو لم تناف كما إذا نوى في المثال المذكور مدة بقائها معه وغفل عن حال خروجها من عصمته، فهذا يحنث إذا تزوج غيرها؛ إذ هو بمنزلة من أطلق اللفظ العام ولم ينو شيئا، وأما زوجة الغير إذا حلف لا تزوج حياتها ونوى عند الحلف ما دامت في عصمة زوجها فطلقها زوجها بائنا، فتزوج الحالف فلا تقبل نيته في القضاء إلا أن يخاف على نفسه العنت وتعذر التسري ويحلف على ما نوى.
كأن خالفت ظاهر لفظه؛ يعني أن النية إذا خالفت ظاهر اللفظ ووافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي، فإنها تقبل مخصصة أو مقيدة في كل يمين غير الطلاق والعتق المعين مع المرافعة كما يأتي.
وبما قررت علم أن قوله: "كإن خالفت ظاهر لفظه" في المخصصة والمقيدة كما صرح بذلك ابن عاشر، فمثال المقيدة: من له زوجة وأمة كل منهما تسمى فاطمة، فيقول فاطمة طالق وينوي بذلك عتق الأمة فتقبل نيته إلا لمرافعة لخ، ومثال المخصصة أشار له بقوله: كسمن ضأن في لا آكل سمنا؛ يعني أنه إذا حلف لا يأكل سمنا، ونوى سمن الضأن وأخرج غيره، فإن نيته تقبل في كل يمين إلا لمرافعة لخ، فهو مثال للمخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب
стр. 3222
من المساوي. أو لا أكلمه؛ هذا أيضا مثال للنية المخصصة المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي؛ يعني أنه لو حلف لا يكلم فلانا وقال نويت شهرا وأخرجت ما عداه، فإن هذه النية تقبل إلا لمرافعة إلى آخر ما يأتي، ويمينه هنا تفيد التأبيد وادعى ما يقطعه.
وكتوكيله في لا يبيعه ولا يضربه، هذا مثال ثالث للنية التي تقبل إلا لمرافعة؛ يعني أنه لو حدف لا يبيع عبده المعين مثلا أو لا يشتري شيئا عينه وأمر غيره ببيعه أو شرائه، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ، وكذلك لو حلف لا يضرب عبده ميسرة مثلا، فوكل من يضربه وقال نويت بنفسي، فإنه تقبل نيته إلا لمرافعة لخ. ولو حلف ليضربنه ووكل في ضربه بر إلا أن يقول نويت بنفسي، فإنه يصدق إلا لمرافعة لخ. إلا لمرافعة؛ راجع لما بعد الكاف من قوله: "كإن خالفت ظاهر لفظه" لخ؛ يعني أن النية المخالفة لظاهر اللفظ الموافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي تقبل إلا لمرافعة؛ أي رفع لأن الرفع من جانب غيره، لا إن ذهب للقاضي من غير رفع، فإنه يصدق لأن ذلك من قبيل الفتوى.
وبينة، الواو بمعنى مع؛ يعني أنه إذا روفع وقامت عليه البينة لا تفيده النية ومثل البيانة الإقرار كما أشار إلى ذلك بقوله: أو إقرار؛ يعني أنه إذا ادعت عليه زوجته أنه طلقها ورافعته وأنكر ذلك، فأقامت عليه المرأة البينة بالحلف أو أقر به وادعى النية المذكورة، فإنه لا تقبل نيته، ومثل الطلاق العتق المعين كما أشار إلى ذلك بقوله: في طلاق وعتق فقط؛ أي أن النية المخالفة لظاهر اللفظ القريبة من التساوي إنما تفيد إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتق المعين أو بهما وجاء مستفتيا، وأما إن حصلت مرافعة مع بينة أو إقرار فلا تفيد في الطلاق والعتق المعين، وصورة ذلك أن يدعي العبد أو المرءة العتق أو الطلاق، فينكر السيد أو الزوج، فتقوم عليه بينة بالحلف، أو يقر به ويدعي النية المذكورة فلا تنفعه مع المرافعة كما مرت الإشارة إليه. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قال الشيخ بناني: غير يمين الطلاق ويمين العتق المعين لا يحكم به ولا تقع فيه مرافعة، كما في الحطاب عن البيان، وكما في ابن الحاجب إذ ذكر أن ما يقضى به هو الطلاق والعتق دون
стр. 3223
ما سواهما. انتهى. ودخل بالكاف ما لو حلف بالله لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم على سبيل التخصيص. أو أردت بعبيدي دوابي، أو أردت بالعتق البيع. والعلاقة بين العبيد والدواب الملك وبين البيع والعتق بطلان الملك، وكذا لو حلف بالله لأعتقن من عبيدي ثلاثة: وقال: نويت بيع ثلاث من دوابي، أو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، وقال: أردت أنها طلقت ثلاث مرات في الولادة، أو قال: نسائي طوالق، وقال: لم أرد الرابعة فينوَّى في جميع ذلك مستفتيا لا في مرافعة، ولو قال: جميع نسائي طوالق لم ينو مستفتيا إلا أن يعزل واحدة منهن من أول الأمر، ولو قال: هي طالق البتة إن راجعتها ثم أراد نكاحها بعد العدة، وقال: نويت ما دامت في العدة صدق مستفتيا. أو استحلف مطلقا في وثيقة حق؛ يعني أن الحالف لا تنفعه نيته إذا كان مستحلفا في حق، سواء كان الحق مكتوبا في وثيقة أم لا، كانت اليمين بالله أو بغيره، مستفتيا أو مرافعا، مثال المستحلف في حق من عنده وديعة وأنكرها وحلف ما له عندي وديعة ونوى حاضرة معه، وكما لو عقد النكاح على أنه إن تسرى على زوجته فعليه التصدق بثلث ماله ثم تسرى عليها حبشية، وقال: نويت من غير الحبش، فاليمين في هذا وما أشبهه على نية المحلف بالكسر كانت بطلاق أو بغيره، كان الطلاق معلقا أو منجزا بعد الملك أو قبله واحدة أو أكثر، وكذا العتق سواء كان كاملا أو مبعضا أو آئلا إليه كالتدبير إذا كان في رقبة معينة ولا يقضى عليه في غيرها، ولو حذف السين والتاء ولفظ وثيقة وقال: أو حلف مطلقا في حق لوافق الراجح من أنه لا فرق بين طلب الحلف وطلب الحق فيحلف له، ومر أنه لا فرق بين كونه بوثيقة أم لا، ويجاب عن هذا بأنه أراد توثق حق وإن لم يكن بصحيفة، أو الإضافة بيانية أي وثيقة هي حق أي حق متوثق فيه، والمراد بالتوثق على الجواب الأول قطع النزاع، فكأنه اعتاض عن حقه هذه اليمين. انظر الخرشي. ومقابل الراجح أنه إن طاع بالحلف في حق نفعته نيته، وقال في التوضيح وحكى صاحب المقدمات وابن زرقون الإجماع على أن النية لا تنفع إذا اقتطع بها حقا لغيره للحديث الصحيح (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله، قال: وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك (١)).
стр. 3224
قالها ثلاث مرات. وما حكاه عن ابن زرقون من الإجماع خلاف ما حكاه الشيخ بهرام في الوسط عنه، فإنه حكى عنه قولين، ومفهوم قوله: "في وثيقة حق"، أنها لو لم تكن في وثيقة حق لنفعته نيته وهو كذلك في اليمين بالله اتفاقا، وفي غيرها على خلاف فيه، وقيل: إن اليمين على نية المحلوف له، وقيل إن استحلف فعلى نية المحلوف له، وإن كان متطوعا فعلى نية الحالف، والمشهور الأول. وقوله: "أو استحلف"، قال بعض: عطف على المستثنى في قوله: "إلا لمرافعة"، وقال بعض الشراح: لا يصح ذلك؛ لأن هذا لا يختص بالنية المخالفة؛ لأنه في المخالفة والمساوية، ولا يصح من جهة العربية أيضا؛ لأن الفعل لا يصح عطفة على اسم لا يشبه الفعل، فيجعل راجعا لقوله: "وخصصت وقيدت"؛ أي وخصصت وقيدت إلا لمرافعة، وخصصت وقيدت إلا في استحلاف في وثيقة حق، فهو من باب العطف على المعنى. انتهى. انظر الخرشي.
لا إرادة ميتة؛ يعني أنه لو حلف بطلاق زوجته أو عتق أمته؛ بأن قال: زوجتي طالق أو أمتي -مثلا- حرة إن فعلت كذا أو لأفعلنه وحنث، فقال: أردت زوجتي التي ماتت أو أمتي التي ماتت، فإن نيته لم تنفعه لا في الفتوى ولا في القضاء؛ لأن النية المخالفة هنا وافقت الاحتمال المرجوح البعيد من التساوي، فلم تقبل حينئذ؛ لأنه إن أراد الإنشاء، فإنه يستدعي وجود محل يلزم فيه الطلاق والحرية، والتي ماتت لا يصلح أن تكون محلا للحرية ولا للطلاق، وإن أراد الإخبار فإنه إخبار بما لا يفيد، فوجب صرفه لمن هي تحته الآن أو لمن هي في ملكه الآن.
أو كذب؛ يعني أنه إذا قال لزوجته أنت حرام، وقال: نويت الكذب فإنه لا يصدق، ومعنى ذلك أنه قال: أردت بقولي حرام الإخبار ولم أرد به الإنشاء، وأردت أني كاذب في إخباري فلا يصدق في إرادته الإخبار، لبعد نيته. أشار له الحطاب، وغيره، والله سبحانه أعلم. وقوله: في طالق وحرة، راجع للميتة كما علم من التقرير، وقوله: وحرام، راجع للكذب، فهو لف ونشر مرتب، ومعناه: في قوله: هي طالق أو هي حرة، أو هي حرام. وإن بفتوى؛ أي لا تنفعه هذه النية البعيدة، وهي إرادة الميتة في قوله: هي طالق أو هي حرة، وإرادة الكذب في قوله: هي حرام لا في القضاء ولا في الفتوى حيث لا قرينة، وإلا عمل بنيته كما يعمل بنيته إذا كانت حية
стр. 3225
حين اليمين فماتت فادعى أن يمينه فيها، ومن الشراح من جعل الثلاث راجعة للميتة والكذب معا، وهو ظاهر لأنه في الثلاث محمول على الإنشاء، واحتماله للخبر بعيد انظر التتائي.
وحاصل ما أشار إليه المص أن النية التي خالفت مدلول اللفظ بنقص، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ بموافقة العرف فتقبل في الفتوى والقضاء، أو مخالفة له لكنها وافقت الاحتمال المرجوح القريب من التساوي فتقبل، إلا لمرافعة وبينة أو إقرار أو مخالفة لظاهر اللفظ بعيدة من التساوي فلا تقبل مطلقا، لا في اليمين بالله ولا في غيرها، هذا في النية المخصصة، وأما المقيدة فتجري فيها الأقسام الثلاثة أيضا، وقد مر ذلك مستوفى.
وتحصل منه أن المستحلف في وثيقة حق لا تفيده نيته أيضا، واعلم أن ما قدمته من تقرير المص هو لابن عاشر والحطاب وغيرهما، وأصله للقرافي ومن تبعه جعل النية بمنزلة اللفظ، وذلك أن في الأصول قاعدتين، إحداهما ذكر الخاص بعد العام بحكم ينافي حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة. الثانية ذكره بعده بحكم يوافق حكم العام، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. واجتمع الأصوليون على أن الأولى من التخصيص، واختلفوا في الثانية والجمهور على أنها ليست من التخصيص، وعليه فيقتل الجميع أبو جهل وغيره، وعلى مقابله فلا يقتل إلا أبو جهل، فالقرافي رحمه الله تعالى جعل النية بمنزلة اللفظ في هاتين القاعدتين، فالنية التي هي بمنزلة إلا أهل الذمة مخصصة، والتي بمنزلة إلا أبا جهل لا تخصص، مثال الأولى أن يقول: لا آكل سمنا ويقول نويت إلا سمن الضأن، ومثال الثانية أن يقول نويت بالسمن الذي لا آكله سمن الضأن، فسمن الضأن في الأولى مأكول وفي الثانية غير مأكول، فلذا قسم النية إلى قسمين مخصصة وهي القسم الأول، ومؤكدة وهي القسم الثاني. هذا تحرير طريقة القرافي. وطريقة المتقدمين قبله كابن المواز وابن يونس والقاضي وغيرهم أن النية في القسم الثاني أيضا نافعة، بمعنى أنه لا يمنع إلا من أكل سمن الضأن دون غيره، والقرافي يمنعه من أكل كل سمن؛ لأن نيته مؤكدة لا تنافي حكم العام، فهي بمنزلة ذكر الخاص بعد العام بحكمه، وهو ليس بتخصيص على المنصور.
قال العلامة سيدي أحمد بن مبارك اللمطي: وطريق المتقدمين هي الصواب، وما ذكره القرافي فيه نظر؛ لأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن المخصص اللفظي لم يقارن مخصصه في الزمان لتأخره عنه
стр. 3226
لبطلان النطق بهما معا، والفرض أنه لم يتقدم فبقي العام على عمومه، بخلاف النية فإنها مقارنة إذ لو تأخرت لم تفد، وإذا قارنت أو تقدمت لم يتأت معها إبقاء العام على عمومه حتى يخصص، بل لم يرد به إلا المنوي، فهو عام أريد به المخصوص فيبطل قوله: إن النية هنا مؤكدة. انتهى.
قال الشيخ بناني: وهذه الطريق أي طريق المتقدمين هي الحق. انتهى. قال: وردوا على القرافي أيضا بأن النية هي أول معتبر في الأيمان ثم السبب والبسَاط، وإذا اقتضى السبب والبساط تقييد اللفظ أو تخصيصه لكونهما يدلان على التخصيص أو التقييد، فلأن يعتبر التخصيص أو التقييد المنويان من باب أولى، وقال الشيخ أبو زيد الفاسي: والصحيح في النظر أن النية تكون مخصصة وإن لم تكن منافية من جهة أن القواعد الشرعية تقتضي أنه لا تترتب الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات إلا على النية والمقصود، وما ليس بمنوي ولا مقصود فغير معتد به ولا مؤاخذ بسببه، وهذا أمر لا يكاد يجهله أحد من الشرع، قال ابن الشاط رحعه الله: ولم يحمل شهاب الدين فيما قاله على ذلك إلا توهمه أن حكم النية كحكم الألفاظ الدالة على المدلولات، والأمر ليس كما توهم. والله أعلم. انتهى.
وقال البقوري والسبتي (١) في اختصار الفروق: ويرد على القرافي أن قول القائل والله لا لبست ثوبا ونوى الكتان وغفل عن غيره، هو بمنزلة ما لو صرح بذلك، فقال: والله لا لبست ثوب كتان وهو غافل عن غير الكتان، فإنه لا يحنث بغير الكتان إجماعا، فكذلك ما نحن فيه. انتهى. وقال ابن مرزوق: قد رد على القرافي جماعة منهم العلامة المحقق أبو موسى بن الإمام (٢) بما يطول جلبه، وتأمل كثرة ما وقع من مسائل المذهب أنه لا يحنث بغير ما نوى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال بعد جلب كلام: فتبين مما تقدم ضعف طريقة القرافي، وأنه لا ينبغي حمل كلام المص عليها كما فعله الحطاب، وتبعه الزرقاني، وإنما ينبغي أن يحمل على الطريقة الأخرى ويكون
стр. 3227
معنى "نافت": خالفت، فالقيد ليس للاحتراز بل لكشف صورة التخصيص؛ إذ من ضروريتها (١) ذلك، وهذا الحمل هو الذي ارتضاه الشيخ أبو زيد والشيخ أحمد بابا والرماصي وغيرهم. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، فطريقة المتقدمين هي الصواب. والله سبحانه أعلم. وإنما قررت المص بطريقة القرافي، وإن كان غيرها هو الصواب؛ لأن حمله على غير طريقة القرافي فيه تكلف. والله سبحانه أعلم. وكما تخصص النية العام تعمم الخاص كما يأتي في قول المص: "وبما أنبتت الحنطة"، وقد صرحوا بأنها تعمم المطلق، كأن تقول: لأكرمن أخاك وتنوي جميع إخوتك: فلا يبر إلا بإكرام جميع إخوته.
واعلم أن من سئل شيئا فقال: علي فيه يمين وهو كاذب، وإنما اعتذر فلا شيء عليه إلا في الطلاق والعتق إن قامت عليه بينة، إلا أن يكون أشهد قبل أن يقول ما قال إني إنما أقول ذلك معتذرا، ومن وجد امرأته قد خرجت، فقال: لم خرجت وقد كنت حلفت بطلاقك إن خرجت؟ ثم قال: ما حلفت وما قلت ما قلت إلا تغليظا عليها، فلا شيء عليه في الفتيا، وأما في الحكم فيلزمه الطلاق. ثم بساط يمينه؛ يعني أنه إذا فقدت النية أو لم يضبطها الحالف فإنه يعتبر في التخصيص والتقييد بساط يمينه، والبساط هو السبب الحامل على الحلف؛ يعني إذا كانت اليمين مما ينوى فيه.
واعلم أن اعتبار البساط ليس بانتقال عن النية في الحقيقة، وإنما هو مظنة النية، فعدل إليه تحويما على النية، فإذا قيل لحم البقر داء كما ورد، فلا تأكل منه يؤذيك، فحلف لا آكل لحما ولم يقصد تعميما ولا تخصيصا، فالسبب الحامل له على اليمين اللحم المؤذي، فلا يحنث إلا بلحم البقر لا بغيره، وكمن قيل له إنما تزكي الناس بشيء تأخذه منهم فحلف بالطلاق لا يزكي، وليس له نية فلا يحنث بإخراج الزكاة، وإنما يحنث بتزكية الناس، وكمن سمع أن الصالحين لا يشقى جليسهم، فحلف لأجالسن رجلا فلا يبر إلا بمجالسة رجل صالح، ويعتبر البساط في الفتوف والقضاء، ولابد أن تشهد البينة عند المرافعة بالبساط، وأما إن شهدت البينة باليمين وادعى هو البساط فلا يعمل عليه في المرافعة، ولو مَنَّ شخص على آخر بهبة شاة، فحلف لا
стр. 3228
يأكل لبنها ولا لحمها حنث بما اشتري من ثمنها أكلا أو لباسا، بخلاف غير ثمنها إلا أن يكون نوى أن لا ينتفع منه بشيء.
ثم عرف قولي؛ يعني أنه إذا فقدت النية والبساط فإنه يتوصل إلى مراد الحالف بالعرف القولي؛ بأن يحمل لفظه على المتعارف عند الناس في مثل هذا اللفظ الذي صدر منه في حال حلفه؛ لأنه غالب قصد الحالف، ولأن كل متكلم بلغة يجب حمل كلامه عليها فتخصص يمينه بذلك المتعارف وتقيد به، كمن حلف لا أركب دابة وعرف أهل بلده في الدابة الحمار فإنه لا يحنث إلا بالحمار دون غيره، وكمن حلف لأركبن دابة وعرف أهل بلده في الدابة البغل فلا يبر إلا بركوب بغلة، واحترز بالقولي عن الفعلي، كمن حلف لا يأكل خبزا وعادته أكل خبر البر فإنه يحنث بخبز الشعير والذرة وإن لم يأكله، وقيل باعتبار العرف الفعلي. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع المص القرافي وغيره في عدم اعتبار العرف الفعلي هنا، وفي التوضيح: ونقل فيه عن ابن عبد السلام أن ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف وإن كان فعليا، ونقل الوانوغي عن الباجي أنه صرح بأن العرف الفعلي يعتبر مخصصا ومقيدا، قال: وبه يرد ما زعمه القرافي، وقد صرح اللخمي أيضا باعتباره، وفي القلشاني: لا فرق بين القولي والفعلي في ظاهر مسائل الفقهاء، وقيل: لا يعتبر إلا القولي. انتهى. وهذا يفيد اعتماد هذا القول. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن العرف القولي يكون في المفردات كما مثلت، ويكون في المركبات كقول القائل لغريمه: والله لأقضينك حقك في رأس الشهر، فإن هذا اللفظ مستعمل في قصد عدم التأخير عن هذه الغاية دون التأخير إليها الذي هو مدلول هذا اللفظ لغة، والعرف القولي هو غلبة استعمال اللفظ في غير المسمى اللغوي، فهو ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ، فمن قال: والله لأرينه النجوم بالنهار فلا خلاف أنه يحمل على ما علم من ذلك من المبالغة دون الحقيقة. قاله الشيخ إبراهيم. وقد استفيد بتأخير قوله: "ثم عرف قولي"، عن النية والبساط أمران، أحدهما أن الحنث في قول المص: "وبسويق أو لبن" لخ، وبقوله: "وبكعك وخشكنان" لخ، حيث لا نية ولا بساط، ثانيهما أن الحنث فيما ذكر إنما هو حيث يطلق المحلوف عليه عرفا على ما ذكر أنه يحنث به. انتهى.
стр. 3229
ثم مقصد لغوي؛ يعني أنه إذا فقدت النية من الحالف والبساط والعرف القولي، فإن لفظه يحمل على مقتضاه لغة، والقصد بفتح الصاد وكسرها كحلفه لا أركب دابة، فإنه يحنث بكل ما يدب؛ لأن ذلك مدلوله لغة ولو كان المركوب كتمساح، وكحلفه لا يصلي فيحنث بالدعاء، وكحلفه ليركبن دابة فيبر بكل ما يدب، فإن احتمل اللفظ لغة وجهين أو أكثر فعلى أظهر محتملاته، فإن لم يكن أحدهما أظهر [واستويا (١)] بلا مزية جرى على الخلاف في المجتهد تتعارض عنده الأدلة ولا ترجيح، فقيل يأخذ بالأثقل وقيل بالأخف وقيل بما شاء.
وفي الحطاب عند قوله: "ثم مقصد لغوي"، وهذا في المظنون، وأما المعلوم مثل: قوله والله لأرينه النجوم في النهار، فلا خلاف أنه يحمل على ما علم من ذلك من المبالغة دون الحقيقة. والله أعلم. انتهى.
ثم شرعي؛ يعني أنه إذا فقدت الأمور الأربعة، فإن لفظ الحالف يحمل على مقتضاه شرعا، قال ابن فرحون: وهذا إنما يصح إذا كان المتكلم صاحب الشرع، فلو حلف لا يصلي أو ليصلين، فإن المعتبر في بره وحنثه الصلاة الشرعية، وكحلفه لا أكلم رجال بني فلان فيحنث بكلام صبيانهم. واعلم أن المذهب خلاف ما مشى عليه المص، فإن المذهب تقديم الشرعي على اللغوي، وعلى ما للمص هنا استشكل وجود مدلول شرعي بدون لغوي؛ لأن الشرعي إما بعض اللغوي وهو أغلب أحواله، وإما مساو له كالظلم، فإنه تجاوز الحد لغة وشرعا.
وأجيب بأن المعرب وهو لفظ غير علم -استعمله العرب فيما وضع له في غير لغتهم على القول بوقوعه في القرآن- له مدلول شرعي وليس له مدلول لغوي؛ لأن المراد بالشرعي ما وضعه الشارع لا ما وضعه أهل الشرع فيه، فإذا حلف لا وزن بالقسطاس يحنث بوزن الميزان؛ إذ هو معنى الميزان في غير لغة العرب، وليس له معنى عند العرب وهذا بعيد. قاله الشيخ علي الأجهوري. وفي حاشية الشيخ بناني عند قول الشيخ عبد الباقي: والمذهب تقديمه على اللغوي بل يقدم الشرعي أيضا على العرفي كما يفيده سماع سحنون عن ابن القاسم الذي في المواق وجزم به الشيخ ميارة، وقوله: "ثم مقصد لغوي ثم شرعي"، الذي يظهر أن قوله: "مقصد"، نائب فاعل فعل
стр. 3230
محذوف تقديره ثم يعتبر مقصد لخ؛ إذ ليس من التخصيص والتقييد، فلو فرعنا على القول بتقديم الشرعي على اللغوي لكان الشرعي مخصصا ومقيدا لا بعده. والله سبحانه أعلم.
ولما فرغ من مقتضيات البر والحنث من النية وما بعدها، أخذ يذكر فروعا تنبني على تلك الأصول، وهي في نفسها أصول أيضا، فقال: وحنث إن لم تكن له نية ولا بساط بفوت ما حلف عليه؛ يعني أن الحالف إذا كانت يمينه على حنث سواء كانت مطلقة أو مقيدة بأجل، فإنه يحنث إذا لم يفعل المحلوف عليه، وتعذر فعله له لفواته سواء فات بغير مفوت، كما إذا حلف لأدخلن الدار في هذا اليوم ففات اليوم ولم يدخل الدار فيه، بل ولو كان فوته لأجل مانع شرعي؛ يعني أنه لا فرق في حنثه بفوت ما حلف عليه بين كونه بغير مفوت كما مثلت، وبين فوته بسبب مانع شرعي، كمن حلف ليطأن زوجته الليلة فوجدها حائضا، ومعنى ذلك كما أشرت إليه أنه وقت؛ بأن قال: لأطأنها في هذه الليلة فوجدها حائضا، وكمن حلف ليبيعن أمته فوجدها حاملا منه، ورد المص بلو قول سحنون في مسألة البيع، فإنه قال: لا يحنث، ورد بها أيضا تفرقة ابن القاسم وابن دينار في مسألة الوطء، قالا: إن فرط قدر ما يمكنه الوطء حنث وإلا فلا.
أو سرقة؛ يعني أن الحالف في صيغة الحنث إذا فات ما حلف عليه بسبب مانع عادي فإنه يحنث، وهذا إذا تأخر المانع وقت أو لم يوقت، بادر أو لم يبادر، وأما إن تقدم المانع على الحلف فلا حنث. وقوله: "أو سرقة"، مثاله لو حلف ليذبحن الحمامة فسرقت أو غصبت أو استحقت، فإنه يحنث حيث تأخر المانع كما عرفت، وكسقوط دينار حلف ليشترين به لزوجته ثوبا إن أراد الشراء بالدينار بعينه لا إن أراد الشراء به أو بغيره، وما ذكره المص مذهب المدونة. وقال أشهب: لا يحنث، وعليه رد المص بلو المقدرة في المعطوف.
لا بكموت حمام في ليذبحنه؛ يعني أن المحلوف عليه إذا فات لأجل مانع عقلي، كما لو حلف ليذبحن هذه الحمامة بمعنى يزهق روحها فماتت، فإنه لا حنث على الحالف، ومحل عدم الحنث بالعقلي حيث وقت أو لم يؤقت وبادر، وأما إن فرط فيحنث، قال الشيخ عبد الباقي: ودخل بالكاف حلفه ليلبسن هذا الثوب في هذا اليوم وأمسكه من ساعته ليلبسه فخلعه منه آخر
стр. 3231
وحرقه في حينه وصار رمادا. انتهى. قوله: وأمسكه من ساعته لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: الصواب إسقاطه لأنه ليس قيدا في عدم الحنث لأن اليمين موقتة ولا حنث فيها بالمانع العقلي بادر أولا. انتهى. وهذا كله إن تأخر المانع، وأما إن تقدم، فإن كان شرعيا حنث لا إن كان عاديا كما مر أو كان عقليا.
والحاصل أن الفوت بالمانع على ثلاثة أقسام: قسم يحنث فيه مطلقا وهو الشرعي تقدم أو تأخر وقت أم لا فرط أم لا، وقسم لا يحنث فيه مطلقا وهو العقلي والعادي المتقدمان على اليمين وقت أم لا. فرط أم لا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: انظر كيف يتصور التفريط في المانع المتقدم. وقد يقال تفريطه بإمكان الكشف عنه قريبا فتركه وحلف. انتهى. وقسم يفصل فيه وهو العادي والعقلي المتأخران عن اليمين، فالعادي يحنث به مطلقا، والعقلي يحنث به إذا لم يوقت وفرط لا إن بادر أو وقت.
ونظم ذلك الشيخ علي الأجهوري، فقال:
إذا فات محلوف عليه بمانع … فإن كان شرعيا فحنث وأطلقا
كعقلي اوْ عادي اِن يتأخرا … وفرط حتى فات دام لك البقا
وإن وقتَ أو قد كان منه تبادر … فحنثه بالعادي لا غير مطلقا
وإن كان كل قد تقدم منهما … فلا حنث في حال فخذه محققا
وإنما حنث في المانع الشرعي، وإن تقدم بخلاف غيره إذا تقدم لإمكان الفعل معه ما لا يمكن مع غيره ويحصل البر به على أحد القولين الآتيين، فكان وجود المانع كعدمه، وما مر من الحنث بالعادي المتأخر مطلقا يعارضه أي هذا الإطلاق ما في المواق عن ابن القاسم، فيمن حلف لربيبه لئن أتاه بخبز ليطرحنه بالخربة، فدخل عليه ومعه خبز فضجت أمه فخرج بالخبز، فقال: إن
стр. 3232
كان يقدر أن يأخذ الخبز فتوانى فأراه حانثا، وإن هرب ولم يقدر عليه فلا حنث عليه. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم لا خلاف فيها، فانظر قوله: لا خلاف فيها، مع أن المانع عادي، ثم رأيت ابن عرفة تعقبه، فقال عقبه: قلت إن فهمه على حصول وجدانه فهروبه به كسرقته لا كموت.
تنبيه: من حلف بعتق عبده فباعه عليه السلطان في دين، فمتى عاد إليه عادت عليه اليمين إلا أن يعود إليه بميراث، قاله الحطاب.
واعلم أن قاعدة المص في هذا الباب أنه إذا قال: وبكذا، يشير به إلى ما يقع قيه الحنث، وإذا قال: لا كذا، يشير به إلى ما لا حنث فيه. انظر الشارح. ومن حلف ليفعلن فعلا فهو على حنث حتى يفعل كما علمت، فإذا لم يفعل حتى مات وقع عليه الحنث بعد الموت بالطلاق أو بالعتق، فوجب أن ترثه المرأة لأن الطلاق بعد الموت لا يصح، وأن يعتق الغلام في الثلث على حكم العتق بعد الموت، ومن حلف ليشترين دار زيد فليشترها بثمن مثلها في الوقت، فإن طلبوا منه ثمنا فاحشا فإنه لا يلزمه يمين، وإن حلف ليبيعن داره إن وجد من يشتريها فلا يحنث، ولا يحال بينه وبين امرأته حتى تبلغ القيمة فيحنث إذا.
وسئل السيوري عمن حلف لا دخل الدار ولا أكل الطعام في هذا العيد، فما قدر العيد؟ فأجاب: العيد على قدر ما يعرفه الناس بينهم، ومن حلف أن لا يعيد مع أهله فليخرج من بلده إلى بلد آخر ولو قربت مسافته، ولا يرجع إلا في اليوم الثاني إن كان عيد الفطر، وإن كان عيد الأضحى فلا يرجع إلا بعد ثلاثة أيام.
واعلم أنه بحث في المص بأنه لم يبق للمص صورة يصدق عليها ما قبل المبالغة، وأجيب بأن ما قبلها الفوات بغير مفوت، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر؛ إذ لا يتصور الفوت بغير مانع، وقد يجاب بتصوره فيما إذا حلف ليطأن الليلة فتركه حتى فاتت الليلة. انتهى. وهذا الجواب قررته في أول الحل.
وبعزمه على ضده؛ يعني أن الحالف يحنث إذا عزم على ضد ما حلف عليه، كمن حلف ليدخلن الدار فعزم على أنه لا يدخلها، ومحل كلام المص إذا كانت اليمين يمين حنث كما
стр. 3233
مثلت، وأما إن كانت يمينه يمين بر فلا يحنث بالعزم على الضد، خلافا لتعميم الشارح، قال الشيخ محمد بن الحسن: والمذهب عدم الحنث بالعزم على الضد، لا نقله المواق هنا عن ابن رشد، ونصه: انظر لو كان حلف بالطلاق والمشي والصدقة ليتزوجن عليها، قال ابن رشد: إن أراد إذا حلف بجميع ذلك أن يحنث نفسه في الطلاق وحده فيطلق امرأته واحدة، كما لو حلف ليرتجع ويطأ كان ذلك له، فإن بر في التزويج قبل الموت سقط عنه الشي والصدقة، وإن لم يبر حتى مات كانت الصدقة في ثلث ماله؛ لأن الحنث إنما وجب عليه بعد الموت. انتهى.
وفي آخر مسألة من سماع أبي زيد من كتاب الظهار فيمن قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي: ثم أراد أن يكفر عن اليمين فابتدأ الكفارة، فلما صام أياما أراد أن يبر بالتزويج عليها، قال: إذا تزوج عليها سقطت عنه الكفارة، هذا كلام السماع، ومثله في كلام ابن رشد. نقله الحطاب. عند قول المص: "وتعددت الكفارة إن عاد" لخ، وهو صريح في أنه لا يحنث بالعزم على الضد؛ إز لو حنث به ما سقطت عنه الكفارة بالتزويج. فتأمله. انتهى. وفي الحطاب: إذا حلف لا يأكل مخبوزا لزوجته فأكل ما خبزته قبل اليمين: فإن كانت نيته فيما يستقبل فلا شيء عليد وإلا حنث، ومثله ما يقع إذا حلف أن لا يلبس ما غزلت زوجته، فأراد أن يلبس ما كانت غزلته قبل ذلك أو نسجته. انتهى. ومن حلف أن لا يكلم فلانا في الوسم حنث إن كلمه في الحج إلا أن يكون نوى سوقا من الأسواق وأتى مستفتيا؛ لأن الموسم يعرف في الحج. نقله الحطاب. وبالنسيان إن أطلق؛ يعني أن الحالف يحنث بفعل ما حلف على تركه ولو ناسيا، كما لو حلف لا يدخل الدار ودخلها ناسيا ليمينه فيحنث، ومحل الحنث بالنسيان إن أطلق في يمينه أي لم يقيدها بالذكر، ومثل النسيان الخطأ والجهل، مثال الخطإ حلفه لا دخل دار فلان فدخلها معتقدا أنها غيرها، هذا في الفعل، ومثاله في القول حلفه لا أزكر فلانا فذكره ظانا أنه غير الاسم المحلوف عليه، ومثال الجهل أن يعتقد من حلف ليدخلن الدار في وقت كذا أنه لا يلزمه الدخول في ذلك الوقت. انظر شرح الشيخ عبد الباقي، وحاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: إنه يحنث إذا حلف لا أذكر فلانا فأراد ذكر غيره، فجرى على لسانه ذكر المحلوف عليه غلطا. انتهى. واستبعده الشيخ بناني، فقال: هذا في الحنث بعيد. انتهى.
стр. 3234
وفي الحطاب عن ابن عرفة: وأصل المذهب أن الجهل والخطأ في مُوجَبِ الحنث كالعلم والعمد، سمع يحيى ابن القاسم: من حلف ليقضين الحق ربه يوم الفطر، فكان في موضعه يوم السبت فقضاه فيه، ثم جاء الثبت من الحاضرة أنه الجمعة حنث. الشيخ عن الموازية: من حلف لا وطئ امرأته حنث بوطئه إياها نائما لا يشعر كالناسي، ومن حلف لا يأخذ من فلان درهما فأخذ منه ثوبا فيه درهم فرده (١) حين علم، قال أصبغ: لا يحنث. ابن رشد: لابن القاسم في المبسوط يحنث إلا أن ينوي، كقوله: فيها، فيمن حلف لا مال له وله مال ورثه لم يعلمه، ولابن كنانة كأصبغ فيما لا يسترفع فيه الدرهم، وعلى قول سرقتها الفرق بين ما يسترفع فيه الدرهم وما لا، فالأقوال ثلاثة عدم الحنث لرعي القصد، والحنث لرعي اللفظ دونه، والثالث استحسان. انتهى. وفي التوضيح: اليمين إن قيدت كما لو قال: والله لا أدخل الدار عمدا أو لا أدخلها إلا أن أنسى، فالاتفاق على أنه لا يحنث في النسيان. انتهى. وقوله: "وبالنسيان إن أطلق"، هو المعروف من المذهب، وذهب السيوري وابن العربي في جمع من المتأخرين إلى عدم الحنث. قاله الحطاب. ولو قال: لا أفعله عمدا ولا نسيانا حنث بالنسيان اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. ومن حلف بالطلاق ليصومن غدا فأصبح صائما وأكل ناسيا فلا حنث عليه لعدم فطره بالنسيان؛ إذ الأكل في التطوع نسيانا لا يبطله، وهذا تطوع بحسب الأصل، فلما لم يبطل صومه لم يحنث. قاله غير واحد.
وفي الحطاب عن ابن رشد أنه: قد ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا قضاء على من أكل في رمضان ناسيا انتهى. ومن مر به رجل وهو يتوضأ. فقال: قم معي، فقال: امرأته طالق البتة إن قمت معك حتى أفرغ من وضوئي، فتوضأ ثم ذهب معه، فذكر أنه نسي المضمضة أو مسح الأذنين أو الرأس حنث؛ لأنه إنما أراد الوضوء الذي يتوضأ الناس، ولم يرد الفروض من المسنون، ولو خص شيئا بنية قبلت إن جاء مستفتيا، ومن من عليه أبوه بما يشتريه، فحلف بالحلال عليه حرام إن أكل شيئا مما يشتريه أبوه ثم تبدل خبزه بخبز أبيه في الفرن، فأكل خبز أبيه لا حنث عليه. البرزلي: لأنه أكله على معنى العوض فلا منة عليه، ولم يكن قصده عين الطعام، كما قال في
стр. 3235
المدونة: لو اشترى منه شيئا كما يشتري من الناس ولها نظائر في خلط الرؤوس عند الشراء وخلط المقارض طعامه مع غيره وخلط الأزواد. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وبالبعض؛ يعني أن من حلف لا يفعل كذا ففعل بعضه يحنث بفعل ذلك البعض، كقوله: والله لا آكل هذا الطعام فإنه يحنث ببعضه ولو لقمة، وكمن قال لامرأته: أنت طالق إن صليت ركعتين فصلى ركعة أو أحرم ثم قطع، وكمن حلف لا صام فبيت الصوم حتى طلع الفجر فأفطر فإنه يحنث، وكذا الحالف لا لبس لامرأته ثوبا فلما أدخل طوقه في عنقه عرفه فنزعه، وكذا من حلف لا ركب دابة فلان فأدخل رجله في الركاب واستقل عن الأرض وهم أن يقعد على السرج ثم ذكر فنزل، ولو ذكر حين استقل من الأرض ولم يستو عليها فلا شيء عليه: ومن حلف ليقرأن القرآن اليوم أو سورة فقرأ ذلك ثم ذكر أنه أسقط حرفا، فإن علم أنه يسقط مثل ذلك الذي حلف عليه فله ما نوى، ومن جاء بما لا يعرف من الخطإ الكثير أو ترك سورة فهو حانث. قاله الإمام الحطاب.
وقوله: "وبالبعض"؛ هو المشهور، وقال ابن كنانة: لا يحنث إلا بفعل الكل، وقوله: "وبالبعض"؛ يعني ولو أكد بالكل على المشهور كحلفه لا آكل هذا القرص كله، ووجه المشهور أي المقابل لقول ابن كنانة بأن الحالف على عدم الفعل كأكل الرغيف قصده التجنب عن كل جزء من أجزائه فكان كل جزء محلوفا عليه، فلذا حنث بالبعض لأنه خالف ما حلف عليه، ومن هذه المسألة ما لو قال لامرأته: إن وضعت ما في بطنك فأنت طالق: فوضعت واحدا وبقى في بطنها آخر فيحنث على المشهور، وإن علق على الوطء حنث بمغيب الحشفة وقيل بالإنزال، ومن حلف لا يتزوج حنث بالعقد. وقد مر أنه يحنث بالبعض ولو قيد بالكل وهو الصحيح، واستدل له ابن عرفة بشهرة استعمال كل بمعنى الكلية، والحكم فيها على الأفراد فيتعلق بالأجزاء لا الكل الذي الحكم فيه على المجموع؛ لأنه إذا أكد بكل احتمل الكلية والكل فجعل من باب الكلية احتياطا. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وهو خلاف ما هو مقرر في التلخيص وغيره من أن شرط إفادة كل الكلية في غير النفي وإلا لم تستغرق غالبا، كقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه … تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
стр. 3236
وما هنا من هذا القبيل، ومن غير الغالب ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. فتأمله. إلا أن يقال روعي في المشهور الوجه القليل حيث لا نية ولا بساط؛ لأن الحنث يقع بأدنى الوجوه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ومقابل الصحيح هو طريقة ابن راشد، قائلا: إنه إذا قيدت بالكل يرتفع الخلاف أي فلا يحنث بالبعض وإنما يحنث بالكل، وقد علمت أن الحنث بالبعض هو الصحيح، ومن حلف ليتزوجن على امرأته امرأة يمسكها سنة، فتزوج امرأة أمسكها أحد عشر شهرا ثم ماتت، فقال مالك: يتزوج غيرها ويبتدئ السنة، وقال سحنون: يجزئه أن يمسكها بقية السنة. قاله الحطاب.
عكس البر؛ يعني أن البر في يمين الحنث لا يقع إلا بالكل، فمن حلف ليأكلن هذا الرغيف فإنه لا يبر إلا بأكل جميعه عكس الحنث؛ لأن الحنث يقع بأدنى الوجوه والبر يحتاط له. وقوله: "وبالبعض"؛ أي والصيغة صيغة بر، وقوله: "عكس البر"؛ أي والصيغة صيغة حنث كما قدمت، ولا يبر في صيغة الحنث إلا بالكل ولو لم يؤكد بكل، وفي المدونة: إذا قال لأمته إن دخلت هاتين الدارين فأنت حرة فدخلت إحداهما عتقت، وفيها: إذا قال لأمتيه أو زوجتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان أو طالقان، فدخلت إحداهما لم تعتق واحدة منهما؛ أي ولم تطلق واحدة منهما وحكى عيسى عن ابن القاسم أنهما يعتقان معا، وهو قول مالك. ابن زرقون عن مالك: تعتق الداخلة وحدها، وقاله أشهب. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.
وبسويق أو لبن؛ يعني أن من حلف لا يأكل يحنث بشرب السويق ويحنث بشرب اللبن؛ لأنه أكل شرعا ولغة، وقوله: في لا آكل؛ أي في حلفه لا آكل؛ أي أن من حلف لا يأكل يحنث بشرب اللبن وبشرب السويق، وإنما حنث بالشرب المذكور لأن القصد العرفي التضييق على نفسه حتى لا يدخل بطنه طعام، ولو قصد الأكل دون الشرب لم يحنث، ومن حلف ليشربن ماء صرفا فشرب ماء متغيرا من الحمأة أو الطحلب أو ما أشبه ذلك، أو شرب ماء آبار الصحاري المتغير من العشب الذي يطوى به فإنه يبر في يمينه، ولو حلف أن لا يشرب ماء صرفا أو ليشربنه فشرب ماء الورد أو ماء مشوبا بعسل أو برب أو بشراب من الأشربة فلا حنث عليه في الأولى ولا
стр. 3237
يبر في الثانية، ومن حلف ليقومن أو لا يقوم فقام متوكئا بر في الأول وحنث في الثاني، ومن حلف لا يأكل من عمل امرأته شيئا لقولها يأكل من غزلي، ثم دخل يوما فدعا بشربة جذيذة من ماله ودعا بعسل كان له في التابوت، فأخطأت المرأة فجاءت بزيت كان لها من عمل يدها أو دهن اشترته لرأسها فصبته فيه فشربه، إن كان زيتا حنث وإن كان دهنا فلا شيء عليه.
ابن رشد: لأن الدهن ليس مما يتخذ للأكل رعيا للمقصد، فحملت يمينه على ما يتخذ للأكل رضيا للمقصد الظنون، ولو حمل على ما يقتضيه اللفظ لحنث. قاله الحطاب.
والجذيذة بجيمين وذالين معجمتين بينهما ياء ساكنة: أي شربة من سويق أو نحو ذلك، سميت بذلك لأنها تجذ أي تدق وتطحن. قاله الحطاب.
لا ماء؛ يعني أن من حلف لا آكل لا يحنث بشرب ماء أيّ ماء ولو ماء زمزم؛ لأنه ليس أكلا عرفا وإن كان طعاما شرعا؛ لأن العرف يقدم عليه، وفي الشبراخيتي أن معنى قوله ﷺ : (طعام (١))، أنه يقوم مقام الطعام في الغذاء والقوى. ولا تسحر في لا أتعشى؛ يعني أن من حلف لا يتعشى لا يحنث بالسحور وهو الأكل وقت السحر أي آخر الليل، وكما أنه لا يحنث بالتسحر في لا أتعشى لا يحنث بالماء ولا بالنبيذ في لا أتعشى، وإنما لم يحنث بالسحور؛ لأن السحور ليس بعشاء وإنما هو بدل من الغداء، وقد سماه رسول الله ﷺ غداء، فروي عنه ﷺ أنه قال للمقدام: (عليك بهذا السحور فإنما هو الغداء المبارك (٢))، فوجب أن لا يحنث من حلف أن لا يتعشى إذا تسحر كما لا يحنث إذا تغدى، وهذا إذا لم تكن له نية ولا بساط، فإن نوى أن لا يأكل طعاما في تلك الليلة حنث بالسحور. وذواق لم يصل جوفة؛ يعني أن من حلف لا يأكل كذا أو لا يشربه فذاقه ولم يصل جوفه لا يحنث بذلك، وقوله: "وذواق" بمعنى: مذوق. قاله الشيخ إبراهيم.
وبوجود أكثر في ليس معي غيره لمتسلف؛ يعني أنه إذا حلف شخص لمن طلبه أن يسلفه دراهم مثلا، أو حلف لسائل أو مقتض حقه ونحو ذلك أنه ليس معي إلا عشرة فوجد معه أكثر من
стр. 3238
عشرة فإنه يحنث إذا كانت يمينه بطلاق أو عتق، ونحوهما مما لا لغو فيه، وأما اليمين بالله تعلى فلغو كما في الحطاب. قال ابن فرحون في ألغازه: من حلف أنه ليس عنده مال ثم ظهر أن عنده مالا لم يكن علم به، فإن كان حلف بالله فقد بر في يمينه وكان ذلك من لغو اليمين، وإن كان حلف بطلاق أو عتق أو صدقة أو غير ذلك من الأيمان فقد حنث. انتهى. قال الإمام الحطاب: وهو ظاهر. والله أعلم. لا أقل؛ يعني أنه لو حلف أنه ليس معه إلا عشرة فوجد معه أقل منها كثمانية -مثلا- فإنه لا حنث عليه ولو كانت يمينه بطلاق؛ لأن المراد ليس معي أكثر كما دلت عليه القرينة العادية، وقوله: "وبوجود أكثر"؛ أي أكثر وزنا أو عددا، وقوله: "لا أقل"؛ أي وزنا أو عددا. وبدوام ركوبه أو لبسه في لا أركب ولا ألبس؛ معني أن من حلف، لا يركب دابة وهو راكب عليها لزمه النزول في أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وكذا لو حلف أن لا يلبس ثوبا وهو عليه لزمه نزعه عنه في أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وكذا من حلف لا يسكن دارا وهو ساكنها لزمه النزوع أول أوقات الإمكان، فإن تراخى مع الإمكان حنث، وقيل لا يحنث في هذه الأمثلة، ومبنى ذلك هل الدوام كالابتداء أم لا؟ وكما يحنث بالدوام يبر به، كحلفه لأركبن هذه الدابة أو لألبسن هذا الثوب، ويبر بالدوام ولو لحظة إن أطلق، وأما إن قيد كحلفه لألبسن هذا الثوب شهرا أو لأركبن هذه الدابة جمعة أو جميع هذا السفر، فإنه لا يشترط الدوام في كل الأزمنة، بل بحسب العرف فلا يحنث بالنزول ليلا ولا في أوقات الضرورة ولا بنزع الثوب ليلا. قاله غير واحد.
لا في كدخول؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار أو هذا المكان وهو داخل فيها أو فيه، فإنه لا يحنث بإقامته فيها أو فيه على المشهور. وقال أشهب بالحنث، ومحل كلامه حيث لم يحلف بعد الشروع في الدخول ثم تمادى، وأما لو حلف بعد الشروع في الدخول وتمادى عليه فإنه يحنث، والفرق بين هذا وما قبله أنه يعد راكبا ولابسا بالدوام على ذلك، ولا يعد داخلا بالجلوس في الدار بل حتى يخرج منها ويدخلها بعد ذلك، ودخل بالكاف إن حضت أو طهرت أو حملت أو نمت مما لا يمكن تركه وهي متصفة به فلا يحنث باستمرارها على ذلك، بل بأمر مستقبل إلا في يمين الطلاق في غير الحامل، وأما إن قال لحامل: إن حملت فأنت طالق لم تطلق
стр. 3239
عليه بذلك الحمل بل بحمل مستقبل، والسفينة كالدابة فيما إذا حلف لا يركبها، وكالدار فيما إذا حلف لا يدخلها. قاله غير واحد.
وفي الشبراخيتي ما نصه: ومن قال لحائض إن حضت فأنت طالق فإنه ينجز عليه الطلاق، لكن لا من حيث تلبسها بالحيض بل من حيث إنه علق الطلاق على أمر غالب وقوعه، ولذا ينجز عليه الطلاق إذا قاله لغير المتلبسة بالحيض، ويجري مثله في إن قمت فأنت طالق، فإنه ينجز عليه الطلاق، سواء قال لها ذلك وهي متلبسة بالقيام أم لا، كما يفيده قوله الآتي: "أو بما الا صبر عنه كإن قمت" لخ. ومثله إن نمت. انتهى. وفي الحطاب مانصه: التونسي: اختلف في كون تمادي الحيض والحمل والنوم كالركوب. انتهى. وسئل ابن الحاج عمن حلف بطلاق زوجته إن قضى الله حاجته أو وصل إلى موضع نواه ليتصدقن على مساكين ذلك الموضع بشيء سماه، فوصل إلى ذلك الموضع الذي نواد وبقي مع زوجته مدة طويلة بعد وصوله ولم يتصدق بشيء، ثم طلق زوجته بعد تلك المدة وتصدق بعد طلاقه، فهل كان مع زوجته في تلك المدة على بر أو حنث؟ جوابها: إن كانت نيته أن يتصدق حين وصوله عاجلا فلم يفعل فقد حنث في يمينه بالطلاق، وإن قصد التأخير فلا يحنث، غير أنه إن راجعها فهو معها على حنث، فإن تصدق سقطت عنه اليمين وإلا دخل عليه الإيلاء من يوم ترفعه للقاضي، وكذا الحكم إن لم تكن له نية في تعجيل الصدقة ولا تأخيرها. انتهى.
ووقعت مسألة: وهي أن رجلا حلف بالطلاق الثلاث لزوجاته إن بقيتن لي بزوجات، فآل الأمر إلى أنه يطلقهن واحدة على فداء ويبر في يمينه. واعلم أن قوله لزوجته: إن حملت فأنت طالق، له ثلاث حالات، إحداها أن يقوله لمحققة الحمل فإنه لا يحنث إلا بحمل مستقبل عند الأكثر، وقيل ينجز عليه الطلاق ولا ينتظر حمل مستقبل، الثانية أن يقوله لمن لا حمل بها حقيقة فإنه لا ينجز عليه الطلاق إلا بحصول حمل في المستقبل تحقيقا أو شكا، كأن يطأها بعد قوله ذلك وطئا أنزل فيه وإن مرة؛ لأن العصمة لا تبقى مع الشك، وقيل إنما يحنث إذا ظهر بها حمل، الثالثة أن يقول ذلك لمن شك في حملها كمن وطئها وطئا أنزل فيه ولم يعزل وإن مرة قبل قوله ذلك، فإنه ينجز عليه أيضا للعلة المذكورة. انظر الشبراخيتي.
стр. 3240
وبدابة عبده في دابته؛ يعني أنه إذا حلف لا يركب دابة نفسه فإنه يحنث بركوب دابة عبده، وكذا لو حلف لا ركب زيد دابتي فإنه يحنث بركوب زيد لدابة عبد الحالف، وكذا يحنث من حلف لا ركب دابة زيد بركوب دابة عبد زيد، فالضمير في عبده يحتمل رجوعه للحالف، وله حينئذ صورتان وهما الأوليان، ويحتمل رجوعه للمحلوف عليه أي على ركوب دابته وهي الصورة الثالثة. وقال أشهب: لا يحنث بدابة العبد.
وقوله: "وبدابة عبده" اعلم أنه يحنث بركوب دابة العبد ولو مكاتبا، ومفهوم عبده أن دابة ولده لا يحنث الحالف بركوبها، ولو كان للوالد اعتصارها كما يفيده الأجهوري، وقال الشيخ سالم: تخصيصه عدم الحنث بأشهب يدل على أن المذهب أنه يحنث بدابة الولد إن كانت موهوبة من والده، وله اعتصارها لا ما لا اعتصار له فيه، وقوله: "وبدابة عبده"، العلة في الحنث هي أن للسيد انتزاع مال عبده. قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني في الصورتين الأوليين، وأما في الثالثة فقال الشيخ الخرشي ما نصه: قال فيها: ومن حلف أن لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث إلا أن يكون له نية؛ لأن ما في يد العبد لسيده، ألا ترى أن العبد لو اشترى من يعتق على سيده لعتق عليه؟ وقال أشهب: لا يحنث. ابن المواز: وكذا لو ركب دابة ولده مما للأب اعتصاره لا يحنث، زاد السنهوري في شرحه: قلت تخصيص عدم الحنث بأشهب يدل على ضعفه، وأن المذهب يحنث في دابة الولد. انتهى.
وبجمع الأسواط في لأضربنه كذا، كناية عن العدد؛ يعني أنه لو حلف ليضربنه مائة سوط -مثلا- وجمع مائة سوط وضربه بها ضربة واحدة، فإنه لا يبر بذلك ولا تحسب له واحدة إذا لم يحصل بذلك إيلام كإيلام المنفردة، فيستأنف المائة وأما إن حصل بها إيلام الواحدة فتحسب له ضربة واحدة، ولو ضربه بسوط له رأسان خمسين اجتزأ بخمسين واستأنف خمسين، وقال التتائي: ومثل جمعها في عدم الاحتساب بشيء منها ما إذا ضربه العشرين مثلا [بخفه (١)] اهـ. وقال الشيخ عبد الباقي: وينبغي تقييد مسألة المص بما إذا لم يكن كل واحد منفردا عن الآخر
стр. 3241
فيما عدا محل مسكه، ويحصل بكل إيلام كإيلام المنفرد أو قريب منه، فإنه يحتسب بذلك. انتهى.
وقوله: "وبجمع الأسواط" اعلم أن المراد بالحنث فيه عدم البر، ففي تعبيره بالحنث تجوز إلا إذا قيد بأجل ومضى الأجل المحلوف على ضربه فيه، فإنه يحنث حقيقة الحنث.
وقوله: "وبجمع الأسواط"، قد علمت أنه لا يحتسب بواحدة إذا لم يحصل بذلك إيلام كإيلام الواحدة بخلاف من رمى بسبع حصيات فإنه يحتسب بحصاة، والفرق أن المقصود في الحصيات الرمي، وقد حصل بخلاف جمع الأسواط فإن المقصود من الضربة الإيلام ولم يحصل.
واعلم أنه لا حجة للمخالف في قصة أيوب صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه في قوله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لما تقدم من تقديم العرفي على الشرعي، ومعنى الآية ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾، وهي حزمة من حشيش أو قضبان، فاضرب به زوجتك، وكان قد حلف ليضربنها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما، ولا تحنث بترك ضربها. فأخذ مائة عود من الإذخر أو غيره فضربها بها مرة واحدة. وقد علمت أن الخطاب لسيدنا أيوب النبي الكريم. انظر الخرشي.
تنبيهات الأول: لو حلف ليكسرن على رأس أمته عودا فكسره ثم ضربها به حتى انفلق حنث. قاله الخرشي.
الثاني: لو حلف ليضربن الرأس فضرب الوجه حنث، وإن حلف لاضرب رأسه حنث بضرب وجهه، إلا أن يريد فوق رأسه. قاله الخرشي.
الثالث: لو حلف لاضربه حنث بلكزه أو فتل أذنه أو قرصه إلا أن ينوي بالسوط أو غيره. قاله الخرشي.
الرابع: سمع القرينان: لا يبر في ليضربن أمته بضرب قدميها نقله الشيخ الخرشي.
الخامس: لو ضرب امرأته بعصا فشكت وقالت: ضربني، فحلف بالبتة ما ضربها بيده فهو حانث إلا أن ينوي بيده لطمة أو مثل ما يضرب به الناس، ولا ينوى مع البينة. قاله الشيخ الخرشي.
стр. 3242
وبلحم الحوت؛ يعني أن من حلف لا يأكل لحما وأطلق في يمينه يحنث بلحم الحوت، لقوله تعلى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وكذا يحنث من حلف لا يأكل الرءوس برءوس الحوت، وكذا يحنث بلحم الطير لقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾، إلا أن تكون له نية فينوى أي فلا يحنث بلحم الحوت ولا بلحم الطير لإخراجه لهما. ابن الماجشون: ويحنث بما يأكل من الشاة من كرش أو أمعاء أو دماغ أو نحوه.
وبيضه؛ يعني أن من حلف لا يأكل بيضا وأطلق في يمينه أي لم يقيد ببيض نعام ولا غيره يحنث بأكل بيض الحوت كان بيض تمساح أو غيره، هذا هو الذي ارتضاه العلامة محمد بن الحسن بناني، فإنه قال: الصواب الحنث ببيض السمك كما في المواق عن المدونة، خلاف ما للزرقاني. انتهى؛ يعني قول عبد الباقي: إنه لا يحنث بما في جوف الحوت من بطارخ فإنه لحم، وخص -أي عبد الباقي- قوله: "وبيضه"، بما يبيض منه كالترس والتمساح، وهل يدخل لحم الآدمي حيث حلف لا يأكل لحما أولا؛ لأن العرف لا يعده لحما، وقد علمت أن العرف القولي مقدم على المقصد اللغوي. وفي الخرشي أن من حلف لا يأكل لحم الحوت لا يحنث بأكل بطارخه، قال: لتقرر العرف بزمننا أن لحم الحوت لا يطلق على البطارخ، ويبقى النظر إذا قال: لا آكل من هذا اللحم مشيرا للحم الحوت، فهل يحنث بأكل بطارخه لأنه متولد من لحمه فهو حينئذ فرعه وهو الظاهر أم لا؟ انتهى.
وعسل الرطب؛ يعني أن من حلف لا يأكل عسلا وأطلق في يمينه يحنث بعسل الرطب، وكذا يحنث بعسل النخل بخاء معجمة، وكذا يحنث بأكل ما طبخ بالعسل أو دخل فيه، وكما يحنث بعسل الرطب يحنث بعسل الخروب والزبيب ونحو ذلك، والضمير في قوله: في مطلقها، يرجع للحم والبيض والعسل؛ يعني أن محل الحنث بما ذكر إنما هو إذا أطلق في يمينه، بأن قال: لا آكل لحما ولم يقيد بضأن ولا معز ولا بغيرهما لا لفظا ولا نية ولا بساط ثم، أو قال لا آكل بيضا كذلك، أو قال لا أطعم عسلا كذلك، وقوله: "في مطلقها"، قد علمت أن محل الحنث حيث لا نية، وهل هذه النية مخالفة لظاهر اللفظ مخالفة قريبة فيفصل في ذلك كما تقدم، أو هي موافقة له بالنظر للعادة، وهذا الثاني هو الظاهر. انتهى. وقوله: "في مطلقها"، متعلق "بحنث"
стр. 3243
(وبكعك) يعني أن من حلف لا آكل خبزا يحنث بأكل الكعك وهو خبز مدور، وفي المثل: كل
كعك مدور، وليس كل مدور كعكا. (وحشكنان) يعني أن من حلف لا يأكل خبزا يحنث بأكل الخشكنان بفتح الخاء وكسر الكاف اسم أعجمي باق على عجميته وهو كعك محشو بسكر. (وهريسة) يعني أن من حلف لا آكل خبزا يحنث بأكل الهريسة، وهي عند أهل الحجاز أن يطبخوا اللحم مع القمح طبخا ناعما حتى يعزل العظم عن اللحم ويتريع القمح، ثم يأتوا بعصا في رأسها غلظ ويعركون بها ذلك حتى يصير كالعصيدة ويأكلونه بالسمن وفيه قوة، حتى إن الرجل إذا شبع منه يبقى يوما وليلة لا يشتهي طعاما. قاله الشيخ أبو سالم العياشي في رحلته. قاله الشيخ بناني.
(وإطرية) يعني أن من حلف لا يأكل خبزا يحنث بأكل الإطرية بكسر الهمزة وتخفيف الياء وهي طعام كالخيوط من الدقيق، قال الشيخ إبراهيم: وما ذكره المص لا يجري على عرف زماننا، والجاري عليه عدم الحنث بما ذكر كالذي قبله. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: (في خبز) راجع للأمور الأربعة؛ أعني قوله: "وبكعك وخشكنان وهريسة وإطرية"، وهو متعلق: "بحنث"، ومعنى كلامه أنه إذا حلف لا يأكل خبزا، فإنه يحنث بواحد مما ذكر كما قدمته، فقوله: "في خبز"؛ أي في حلفه على ترك أكل الخبز، وقال الشيخ عبد الباقي: وما ذكره المص من الحنث لا يجري على عرف زماننا، والجاري عليه عدم الحنث، وقوله: لا عكسه، معناه أن من حلف على ترك أكل شيء من هذه الأشياء الخاصة؛ بأن حلف لا يأكل كعكا أو حلف لا يأكل خشكنانا أو حلف لا يأكل هريسة أو حلف لا يأكل إطرية، لا يحنث بأكل الخبز.
العتبي عن أصبغ: من حلف لا آكل كل يوم إلا خمس قرص فعملتها امرأته أكبر مما كانت، إن أكل أكثر من قدرها أولا حنث. ابن رشد: لأنه المراد لا أكثر من عددها، ولو قال: إنما نويت عددها نوي إن كان مستفتيا، ولو قيل لا ينوى مطلقا لبعد نيته كان قولا. ابن سحنون عن أبيه: يحنث في لا آكل مما تنبته الأرض بما تنبته الجبال لا العكس.
стр. 3244
وبضأن؛ يعني ان من حلف لا آكل غنما يحنث بأكل الضأن ابن عرفة: محمد وابن حبيب: يحنث في لا آكل كباشا بالنعاج والصغار مطلقا لا بالصغار في لا آكل كبشا. الصقلي: وكذا عندنا في لا آكل كباشا لا يحنث بالصغار ولا إناث الكبار. ابن حبيب: لا يحنث في لا آكل نعجة أو نعاجا بصغير مطلقا ولا بكبار الذكور. محمد: لا يحنث في لا آكل خروفا بالكبير. الشيخ عنه: ويحنث بالعتود ووقف عنها محمد. أصبغ: أمرهما واحد. ابن حبيب: لا يحنث في العتود بالخروف ويحنث في العكس، وفي تيس أو تيوس بالعتود وصغير ذكور المعز، ولا يحنث في عتود أو عتدان. ابن حبيب: أو جديان بالتيوس ولا بكبار الإناث ويحنث بصغارها. ابن حبيب: يحنث في التيوس بالجدي. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وفي القاموس: العتود: الحولي من أولاد المعز.
ومعز؛ يعني أن من حلف لا يأكل غنما يحنث بأكل العز، وإنما حنث في حلفه على الغنم بأكل المعز والضأن؛ لأن الاسم يشملهما، قال الشيخ عبد الباقي: وعرف زماننا اختصاص الغنم بالضأن. وفي النوادر الحالف على اللحم يحنث بأكل الرأس والحالف على الرأس لا يحنث بأكل اللحم وقال ابن الماجشون فيمن حلف لا يأكل اللحم: يحنث بكل ما يخرج من الشاة من كرش، أو أمعاء ودماغ وغير ذلك، ومن حلف لا يأكل لحما فأكل قديدا فهو حانث، إلا أن تكون له نية، وإن حلف على القديد لم يحنث بأكل اللحم ولا أسأله عن نيته.
وديكة؛ يعني أن من حلف لا يأكل الدجاج يحنث بأكل الديكة كقردة جمع ديك وهو الذكر من الدجاج، ويجمع أيضا على أدياك وديوك، والأنثى دجاجة. ودجاجة؛ يعني أن من حلف لا يأكل دجاجا يحنث بأكل الدجاجة وهي الأنثى من الدجاج، فقوله: في غنم، راجع لقوله: "وبضأن ومعز"؛ أي يحنث بأكل الضأن أو المعز في حلفه على ترك أكل لحم الغنم، وقوله: "ودجاج"، راجع لقوله: "وديكة ودجاجة".
قال الشارح: الحاصل أن الحالف على الأعم يحنث بالأخص دون العكس، ألا ترى أن الغنم اسم جامع للضأن والمعز، والدجاج اسم جامع للديك والدجاجة، ولذلك حنث بأحد أنواعه، وأن من حلف على نوع منها لا يحنث بأكل النوع الآخر للاسم الأخص بذلك. انتهى. ولهذا قال: لا
стр. 3245
بأحدهما في الآخر؛ يعني أن من حلف لا يأكل ضأنا لا يحنث بأكل المعز وكذا العكس، وكذا من حلف لا يأكل ديكة لا يحنث بأكل الدجاجة كالعكس، فقوله: "في الآخر"، معناه لا يحنث بأحدهما أي النوعين في الحلف على ترك أكل النوع الآخر، ومن حلف لا يركب فرسا حنث بركوب البرذون لا العكس، وهذا الذي تقدم واضح؛ لأن يمين الحالف إذا عريت من نية أو بساط أو مقصد تخالف لفظه حملت على ما يقتضيه اللفظ.
وبسمن استهلك في سويق؛ حلف لا يأكل سمنا يحنث بسمن لت بالسويق حتى لم تبق له عين قائمة، وجد طعمه أو ريحه أم لا؛ لأنه يمكن استخراجه بالماء الحار من السويق إلا أن ينويه خالصا، وقيل لا يحنث إن لم يجد طعمه، قوله: "وبسمن استهلد في سويق"، وأما إن استهلك في طعام فإنه لا يحنث بأكله. قاله التتائي. نقله الشيخ علي الأجهوري، قال: والظاهر أن المراد باستهلاكه بالطبخ أن يصير بحيث لا يمكن استخلاصه من الطعام، وقوله: "استهلك"، وأولى إن لم يستهلك. وبزعفران في طعام؛ يعني أن من حلف لا يأكل زعفرانا فأكله مستهلكا في طعام يحنث؛ لأنه لا يؤكل إلا كذلك ولا ينوى. قاله الشيخ الخرشي. لا بكخل طبخ؛ يعني أن من حلف لا يأكل خلا ثم إنه أكله مستهلكا في طعام لا يحنث لانتفاء العلتين المتقدمتين؛ أي في قوله: "وبسمن استهلك في سويق"، وفي قوله: "وبزعفران في طعام"، قوله: "لا بكخل طبخ"؛ أي إلا أن يحلف على معين، وأدخلت الكاف ماء الورد والزهر وماء الليمون والنارنج، وأما ذاتهما فيحنث بها، ولو طبخت لبقاء عينها فهي أحرى من السمن والزعفران.
وباسترخاء لها في لا قبلتك؛ يعني أنه إذا حلف لا قبلتك يحنث بتقبيلها له على فيه مسترخيا لها لا في غير الفم فلا يحنث، وأما إن قبلها هو فيحنث قبلها في الفم أو غيره وهذه أربع صور. أو قبلتني؛ أنه إذا حلف لا قبلتني فانه يحنث لتقميلها له، وظاهره أنه انما يحنث إذا استرخى لها وليس كذلك، فإنه يحنث بتقبيلها له مطلقا استرخى لها أم لا، قبلته على فيه أو غيره. قال في المدونة: ومن قال لامرأته أنت طالق إن ضاجعتك أو قبلتك فقبلته من ورائه أو ضاجعته وهو نائم لم يحنث إلا أن يكون مند استرخاء، وإن كانت يمينه: إن قبلتني أو ضاجعتني حنث بكل حال. انتهى. ومفهوم قوله: "باسترخاء"، أنه لو لم يسترخ لها لم يحنث
стр. 3246
بتقبيلها له على فيه أو غيره في لا قبلتك، وأما في لا قبلتني فقد علمت أنه يحنث بتقبيلها له مطلقا، استرخى لها أم لا، على فيه أو غيره. ولو قال المص: وبتقبيلها مطلقا في لا قبلتني كلا قبلتك وقبلها كإن قبلته إن استرخى لها وقبلته في فيه، لو فى بالمسألة. قاله الشيخ الخرشي. وقول المدونة: إن قبلتني، قال اللخمي: يحنث، سواء قبلته على الفم أو غيره إلا أن ينوي الفم. انتهى.
وبفرار غريمه في لا فارقتك أو فارقتني إلا بحقي؛ يعني أن رب الدين إذا حلف لا يفارق غريمه أي مدينه إلا بحقه؛ أي بقبض حقه، أو حلف لا فارقتك إلا بقبض حقي أو استيفائه منه، ففر المدين قبل أن يستوفي منه رب الدين، فإن رب الدين الحالف يحنث، وكذا لو حلف لا فارتتني إلا بحقي أو قبضه أو استيفائي له منك، ففر الدين قبل أن يقضي لرب الدين دينه، فإن الحالف يحنث. ولو لم يفرط؛ يعني أنه إذا حلف لا فارقتك إلا بحقي يحنث بفرار غريمه قبل قبض حقه، حيث فرط فيه حتى هرب قبل قبض حقه اتفاقا، وكذا لو لم يفرط بأن انفلت منه كرها أو استغفالا على المشهور، ومقابله لمحمد: لا يحنث، ويحلف ما أراد ذلك.
وإن أحاله؛ يعني أن الحالف أن لا يفارق غريمه إلا بحقه يحنث إذا أحاله على غريم له وقبل الحوالة؛ أي يحنث بمجرد عقد الحوالة تفرقا أم لا؛ لأنه بالحوالة فارقه حكما، ولا يرتفع الحنث إن نقضا الحوالة وقضاه قبل أن يفارقه، وكذا يحنث إذا قضاه حقه ثم وجد فيه نحاسا أو رصاصا أو ناقصا نقصا بينا، أو استحق من يده بعد أن فارقه فهو حانث، وأما لو قال: لا فارقتك أو فارقتني ولي عليك حق أو بيني وبينك معاملة، فإنه يبرأ بالحوالة، وظاهره ولو لم يقبض بحضرته ولا يبر بالرهن. قال الشيخ إبراهيم ما نصه: وقوله: "ولو لم يفرط"، الظاهر رجوعه للأول فقط لأنه محل الخلاف، فقيل يحنث مطلقا على المشهور، وقيل يحنث إن فرط، وأما الثانية فيحنث فيها قولا واحدا ولو لم يفرط. كما قاله ابن الحاجب وابن عرفة. ويمكن رجوعه لهما "معا" ولو ليست للخلاف في الثانية، بل للمبالغة. انتهى. وقوله: "وبفرار غريمه"، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا يقال الفرار إكراه وهذه صيغة بر؛ لأنا نقول لا نسلم أن الفرار
стр. 3247
إكراه، ولئن سلمنا فلا نسلم أن الصيغة صيغة بر بل صيغة حنث؛ لأن المعنى: لألزمنك. انظر نص التوضيح. انتهى.
وبالشحم في اللحم؛ يعني أن من حلف على ترك أكل اللحم يحنث بأكل الشحم؛ لأنه جزء من اللحم وكالفرع له، ولدخول تحريم شحم الخنزير في لحمه. لا العكس؛ يعني أنه إذا حلف لا آكل شحما لا يحنث بأكل اللحم؛ لأن اللحم ليس جزءا من الشحم، ولأن الله تعالى حرم على بني إسراءيل الشحم، فلم يدخل فيه اللحم، قال في المدونة: وإن حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث، وإن حلف أن لا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث؛ لأن الشحم متولد من اللحم لا العكس، ولأن الله تعالى حرم لحم الخنزير فدخل فيه الشحم. وحرم على اليهود الشحم فلم يدخل فيه اللحم. انتهى.
وبفرع في لا آكل من كهذا الطلع؛ يعني أن من حلف لا يأكل من هذا الطلع، والطلع هو نور النخل يحنث بالأكل من فروعه المتأخرة عن اليمين لا المتقدمة عنها، وأولى بالحنث نفس المحلوف عليه، فيحنث بالطلع والإغريض والبلح والزهو والبسر والرطب والتمر إن لم تكن له نية حيث أتى بمن واسم الإشارة، وأدخلت الكاف القمح واللبن وغيرهما من كل أصل، فيحنث بالدقيق والسويق والخبز والكعد والزبد والسمن ومخيض اللبن، والإشارة تناولت الجميع، والحنث في هذا كله إنما هو بالفرع المتأخر لا بالمتقدم كما مر. وأما من طلع هذه النخلة أو من لبن هذه الشاة فيحنث بالفرع المتقدم كالمتأخر، ومن حلف لا يأكل تمرأ حنث بالرطب، ومن حلف لا يأكل فاكهة يحنث بالعنب والرمان والتفاح وغير ذلك حتى بالفول الأخضر، قال الإمام الحطاب: وإن حلف على اللبن الحليب فله أكل المضروب، وإن حلف على المضروب فله أكل الحليب، والحالف على الجبن لا يحنث بأكل الحالوم، والحالف على الحالوم لا يحنث بأكل الجبن إلا أن تكون له نية أو سبب يدل على أنه كره ما يخرج من اللبان. قاله في النوادر. وقوله: "وبفرع"، وأما المتولد هو منه فلا يحنث به، فلو قال لا آكل من هذا البسر فلا يحنث بالطلع، أو هذا الطلع؛ يعني أنه إذا حلف لا يأكل هذا الطلع ولم يأت بمن فإنه يحنث بالفرع المتأخر، كما لو أتى بمن من غير فرق، وتبع المص ابن الحاجب القائل: يحنث في إسقاط من، كما لو أتى
стр. 3248
بها على المشهور، ومذهب ابن القاسم أنه لا يحنث بالفرع إلا في الصيغة الأولى وما عداها لا يحنث بالفرع عرف أو نكر، وذلك في أربع صور: الأولى هذا الطلع، الثانية لا آكل من الطلع، الثالثة أشار إليها بقوله: لا الطلع؛ يعني أنه لا يحنث الحالف بالفرع في حلفه لا آكل الطلع بإسقاط من واسم الإشارة معرفا، وأشار للرابعة بقوله: وطلعا؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل طلعا لم يحنث بالفرع كالتي قبلها، وأدخل بالكاف المقدرة في هذه والتي قبلها القمح واللبن وغيرهما من كل أصل، ومن حلف لا يأكل من هذه النخلة أو من النخلة حنث بطلعها والفروع والجمار، وإذا حلف لا آكل من هذه الشاة فلا يحنث بلبنها؛ لأنه ليس من جزئها الحقيقي حيث لا نية، وفي حنثه بنسلها قولان، واستظهر الشيخ علي الأجهوري أنه يحنث بجنينها الذي ذكاتها ذكاته، وأما إذا حلف لا آكل من الشاة فلا يحنث بلبنها ولا بنسلها اتفاقا، وفي حنثه بجنينها الذي ذكاته ذكاتها نظر، ولو حلف لا أتزوج من هذه المرأة، فانظر هل يشمل بنتها وبناتها أو لا يشمل إلا بنت المحلوف عليها فقط؟ وانظر هل يحنث بتزوج المرأة نفسها أم لا؟ وقوله: "وبفرع"، وأما حنثه في الخمس بنفس المحلوف عليه فظاهر، ولو حلف لا آكل من هذه الدجاجة ففي حنثه بأكل بيضها قولان، قياسا على القولين في أكله من نسل الشاة. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "لا الطلع وطلعا"، قال التتائي: وظاهره ولو قرب الفرع من الأصل جدا كالسمن من الزبد وهو كذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي.
ثم استثنى خمس مسائل من الكاف القدرة فيما عطف بلا، يحنث فيها بالفرع لقربه من الأصل فيها، فأشار إلى الأولى منها بقوله: إلا بنبيذ زبيب؛ يعني أن من حلف لا يأكل الزبيب أو زبيبا يحنث بشرب نبيذ الزبيب لقربه من أصله، وكذا لو حلف على ترك أكل عنب أو تمر عرف أو نكر فإنه يحنث بنبيذ كل، ومن حلف لا آكل عنبا حنث بأكل الزبيب. قاله الشيخ إبراهيم.
وأشار إلى الثانية من المسائل الخمس بقوله: ومرقة لحم؛ يعني أن من حلف لا يأكل اللحم أو لحما يحنث بمرقة اللحم أي بما طبخ به اللحم.
стр. 3249
وأشار إلى الثالثة بقوله: وشحمه؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل اللحم أو لا يأكل لحما يحنث بأكل الشحم، وهذه تقدمت في قوله: "وبالشحم في اللحم"، وأخادها جمعا للنظائر، وتقاس مرقة الشحم على مرقة اللحم.
وأشار إلى الرابعة بقوله: وخبز قمح؛ يعني أن من حلف لا يأكل القمح أو قمحا يحنث بخبز القمح، وكذا لو حلف لا يأكل من القمح، ولو قال: وخبز كحنطة لكان أظهر لشموله الشعير والدقيق. انظر الشبراخيتي.
وعصير عنب، هذه هي المسألة الخامسة؛ يعني أن من حلف لا يأكل العنب أو عنبا يحنث بشرب عصير العنب، وأما لو حلف لا آكل الزبيب فلا يحنث بأكل العنب، وانظر لو حلف لا آكل العنب هل يحنث بشرب عصير الزبيب أم لا؟ وكذا لو حلف على أكل الزبيب، فهل يحنث بشرب عصير العنب أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: وانظر لو حلف لا آكل العنب لخ، صوابه من هذا العنب بمن، واسم الإشارة وإلا لم يحنث بالزبيب فضلا عن عصيره. قاله الشيخ بناني.
وبما أنبتت الحنطة؛ يعني أن الحالف على ترك أكل حنطة عينها يحنث بأكل ما أنبتت تلك الحنطة إذا كانت يمينه لأجل قطع المن، كما قال: إن نوى المن؛ أي نوى قطع المن وهو قوله: لولا أنا أطعمك ما عشت، ولولا أنك وجدت ما تأكله لضعت، فيحنث بالحنطة وبما أنبتت وبما اشتُرِيَ من ثمنها، كما لو وهب له شاة ثم منَّ بها عليه فحلف أن لا يشرب من لبنها ولا يأكل من لحمها، فإن أكل مما اشتُرِيَ بثمنها أو اكتسى منه حنث، ويجوز أن يعطيه من غير ثمنها ما شاء إلا أن يكون نوى أن لا ينتفع بشيء منه أبدا. قاله في المدونة.
قال أبو إسحاق: والأشبه أن لا ينتفع منه بشيء لأنه كَرِهَ مَنَّه، ولا فرق بين مَنِّه في هذه الشاة وغيرها، ولم يذكر في المدونة ما يفعل بالشاة إن لم يقبلها منه الواهب، وقد تقدم منه قبول الهبة ولا يقدر أن ينتفع منها بغلة ولا ثمن، فهل يتصدق بها عن نفسه وتحمل يمينه على أنه أراد أن لا يتأثل مالا، أو يكون ذلك داخلا في الانتفاع فيتصدق بها عن ربها؛ إذ هذا أكثر المقدور عليه؟ والله تعالى أعلم. وقوله: "وبما أنبتت الحنطة" لخ، سواء أتى بمن واسم الإشارة أم لا. لا لرداءة؛
стр. 3250
يعني أن محل الحنث بما ذكر إنما هو إن نوى قطع المن، وأما إن حلف لا لقطع المن بل حلف على ترك أكلها لرداءة في الحنطة فإنه لا يحنث بما أنبتت ولا بما اشتري من ثمنها، ولا بما أعطيه من غيرها.
أو لسوء صنعة طعام؛ يعني أنه لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة وكانت يمينه لأجل سوء صنعة فيها، فإنه لا يحنث بما أنبتت ولا بما اشتري من ثمنها ولا بغيرها، وقال الشيخ عبد الباقي: أو لسوء صنعة طعام فجود له فلا حنث. انتهى. وأما إن نوى أن لا ينتفع منه بشي أو نوى قطع منته مطلقا لا بذلك المعين فقط فيحنث بكل ما جاء منه، ولو كانت يمينه لا للمن ولا لرداءة أصلها فلا يحنث بما أنبتت، ولو أتى بمن واسم الإشارة؛ لأن النابت غير المحلوف عليه لذهابه في الأرض، ويدل له: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾، ففرق بين هذه وبين قوله: "وبفرع" لخ. وبالحمام في البيت؛ يعني أن من حلف لا دخل بيتا أو حلف لا دخل على فلان بيتا يحنث بدخول الحمام، وفي الحديث: (اتقوا بيتا يقال له الحمام (١))، والظاهر أن مثله بيت القهوة والدكانة والحانوت والفرن، والكل مقيد بما إذا لم يكن عرف وإلا اتبع لتقديم العرف على المدلول اللغوي.
أو دار جاره، الضمير في جاره للحالف؛ يعني أنه لو حلف لا دخل على فلان بيتا فدخل الحالف على جار له بيته، فإذا فلان المحلوف عليه في بيت جاره فإنه يحنث كما في المدونة، وكذا يحنث باجتماعه معه تحت ظل جدار أو شجرة إذا كانت يمينه بغضا أو لسوء عشرة. قاله ابن القاسم. ابن حبيب: وبوقوفه معه في صحراء إذا كانت تلك نيته أو لم تكن له نية، قال الإمام الحطاب: ولا ينبغي عد كلام ابن حبيب خلافا إذا كانت تلك نيته، ومن قرر المص هنا بأن صيغة اليمين لا دخل على فلان بيته فدخل الحالف عليه بيت جار المحلوف عليه فإنه يحنث؛ لأن للجار من الحقوق ما ليس لغيره، فأشبهت داره دار جاره فالحنث في ذلك بعيد، وقد قال الشيخ أحمد: إنه حسن لو ساعده النقل، وإذا حلف لا دخلت بيت فلان فدخل داره
стр. 3251
دون البيت. فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن ومن سرق منها قطع حنث، فأما دار جامعة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا يحنث، وقيل يحنث إلا أن يكون نوى الدار أو يقول: منزلة. أو بيت عمر؛ يعني أن من حلف لا دخل بيتا، أو حلف لا دخل على فلان بيته، أو حلف لا يسكن بيتا ولا نية له يحنث بدخول أو سكنى بيت من الشعر، إلا أن يكون ليمينه وجه؛ كأن يسمع بقوم انهدم عليهم مسكن فحلف عند ذلك فلا يحنث ببيت الشعر. ولقد أحسن المعري كل الإحسان إذ يقول:
حسنت نظم كلام توصفين به … ومنزلا منك معمورا من الخفر
فالشيء يظهر في شيئين رونقه … بيت من الشعر أو بيت من الشعر
كحبس أكره عليه بحق؛ يعني أنه إذا حلف لا أدخل على فلان بيتا فحبس عنده كرها فإنه يحنث، وكذا لو حلف لا دخل بيتا فأكره بحق على دخول الحبس؛ لأن إكراه الشرع طوع فأولى إن دخل طائعا، ومفهوم قوله: "بحق" أنه لو سجن ظلما فلا حنث. لا بمسجد؛ يعني أنه لو حلف أن لا يدخل على فلان بيتا فدخل عليه المسجد فإنه لا يحنث؛ لأنه لما كان مطلوبا بدخوله شرعا صار كأنه غير مراد للحالف وهذا في المسجد العام، وأما المحجور فيحنث بدخوله عليه فيه، ومن حلف لا دخلت دار فلان أو دار فلان هذه ثم جعلت مسجدا لم يحنث بدخوله. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو حلف أن لا يجتمع مع فلان تحت سقف فصلى معه في المسجد تحت سقفه فلا شيء عليه كالحالف على الدخول. قاله الشيخ إبراهيم. ويشمل المص ذلك. والله سبحانه أعلم.
وبدخوله عليه ميتا في بيت يملكه؛ يعني أنه لو حلف لا أدخل على فلان بيتا يملكه، فدخل عليه ميتا قبل الدفن في بيت يملك ذاته أو منفعته يحنث؛ لأن له فيه حق التجهيز، وكذا يحنث بدخوله عليه ميتا قبل الدفن إذا حلف لا أدخل على فلان بيتا وأطلق؛ أي لم يقيد ببيت يملكه، فإن دفن لم يحنث بدخوله بعد دفنه في المسألتين، وقوله: "وبدخوله عليه ميتا في بيت
стр. 3252
يملكه"، مثله حلفه لا أدخل عليه بيت فلان ما عاش فدخل عليه قبل دفنه، ومثل قوله: "في بيت يملكه" أيضا حلفه لا أدخل عليه حياته أو ما عاش أو أبدا، فإن نوى حياته الحقيقية: عمل بنيته في ذلك.
لا بدخول محلوف عليه؛ يعني أنه لو حلف لا دخل على فلان فإنه لا يحنث بدخول المحلوف على ترك الدخول عليه ولو استمر الحالف جالسا معه، لما تقدم من أن ذلك لا يعد دخولا، ومحل عدم الحنث بدخول المحلوف عليه إن لم ينو المجامعة؛ يعني أن محل عدم الحنث بدخول المحلوف عليه إنما هو حيث لم ينو الحالف المجامعة أي الاجتماع أي ترك الاجتماع مع المحلوف عليه، وأما إذا نوى أنه لا يجامعه أي لا يجتمع معه في بيت، فإنه يحنث بدخول المحلوف عليه وإن لم يحصل جلوس. وقوله: "لا بدخول محلوف عليه" لخ، هو قول ابن القاسم. ابن المواز: وقيل لا شيء عليه إلا أن يقيم معه بعد دخوله عليه. وبتكفينه في لا أنفعه حياته؛ يعني أنه لو حلف لا أنفع فلانا حياته أو ما عاش أو أبدا فإنه يحنث بتكفينه أي إدراجه في الكفن، وأولى شراؤه له، ومثل تكفينه تغسيله، قال عبد الباقي: ولا يحنث ببقية مؤن تجهيزه غير ما ذكر، ولا بالصلاة عليه كما هو ظاهر كلامهم، وإن كان من نفعه؛ لأنها ليست من توابع الحياة. انتهى. قوله: "ولا يحنث ببقية" لخ فيه نظر، قال المسناوي: بل الظاهر أنه يحنث بها، وأن الجميع من توابع الحياة، وقول الزرقاني كما: ظاهر كلامهم؛ يعني حيث مثلوا بالتغسيل والتكفين وسكتوا عما عداهما، ومثل هذا لا يتمسك به؛ لأن العلة تقتضي التعميم. قاله بناني. ولو نهى عنه شاتمه لم يحنث، ويحنث بتخليصه ممن وجده متشبثا به. قاله ابن عرفة. نقله الشيخ محمدبن الحسن.
ويحنث أيضا بثنائه عليه في نكاح لا إن قصد إيقاعه فيه لضرر فحصل له به. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن حلف أن لا ينفع فلانا بشيء وهو وصي لرجل مات، وأوصى أن يقسم على المساكين أوسقا لفلان وفلان والمحلوف عليه منهم، فإنه يحنث بما دفعه إليه من الوصية إلا أن تكون له نية في أنه أراد أن لا ينفعه بماله فيصدق إلا أن تكون يمينه بطلاق أو عتق، فلا ينوى إذا قامت
стр. 3253
علية البينة إلا أن تكون قد كانت إليه أي المحلوف له منه أي الحالف صنائعُ من المعروف، فينوى فيما ادعاه مع يمينه.
وبأكل من تركته قبل قسمها في لا أكلت طعامه؛ يعني أن من حلف لا أكلت طعام فلان ثم مات فلان المحلوف على ترك أكل طعامه، فإن الحالف يحنث بالأكل من تركة المحلوف عليه قبل قسمها بين مستحقيها، وإنما يحنث بأحد أمرين أشار لأولهما بقوله: إن أوصى؛ يعني أنه يشترط في الحنث المذكور أن يكون الميت أوصى بوصية قيدها ابن الكاتب بأن تكون بمعلوم غير معين يحتاج فيه لبيع من مال الميت، وأما لو كانت بمعين أو بجزء شائع كربع ونحوه مما لا يحتاج فيه لبيع وأكل قبل قسمها وبعد وفاء الدين، فإنه لا يحنث. أو كان مدينا؛ يعني أنه يشترط في الحنث بالأكل من التركة أحد أمرين، إما أن يكون الميت قد أوصى أو يكون مدينا ولو غير محيط، فأما إن لم يكن مدينا ولم يوص فإن الحالف لا يحنث بالأكل من التركة قبل القسم باتفاق، ولو كانت يمين الحالف كراهية للمال لخبث أصله فهو حانث بكل حال، كان على الميت دين أو وصية أو لم يكن، وإن كان كراهية لمنه فلا حنث عليه على كل حال، كان على الميت دين أو وصية أو لم يكن كذا في الحطاب. وفي شرح عبد الباقي أن ما نشأ عن معاملات فاسدة يحل بالإرث فيزول عن المال الخبث فلا يحنث بأكله منه حينئذ. انتهى. وفي الحطاب عن البرزلي: من حلف أن لا يأكل لغيره طعاما فأكله ولم يعلم إذا أعطاه ثمنه قرب الأمر أو بعد فلا حنث عليه فتأمله. والله أعلم. انتهى. قال بناني: وهو مخالف لما تقدم عند قوله: "وبالنسيان إن أطلق": من أن الجهل والخطأ مثل النسيان في الحنث. انتهى.
ابن عرفة: سمع عيسى ابن القاسم في لا آكل طعام فلان فاشتريا طعاما فأكلاه معا لا يحنث إن أكل قدر نصيبه فأقل، ثم قال: ولو قدما طعامهما فأكلاه كذلك خفت حنثه. أصبغ: لا يحنث. ابن رشد: إن كان للمن لا لخبث كسبه، وقوله: "أو كان مدينا"، وقيل: إنه لا حنث وإن أحاط الدين بتركته. وقاله أشهب. وهو الأظهر؛ لأن الميت إذا مات فقد ارتفع ملكه عن ماله، ووجب لمن يجب له أخذه من ورثته وأهل وصاياه وغرمائه إن كان عليه دين، وهذا الاختلاف إنما هو
стр. 3254
إذا لم يكن للحالف نية ولا ليمينه بساط يستدل به على إرادته، ككراهية المن وكراهية المال لخبث أصله كما مر قريبا. انظر الحطاب.
وفي الشبراخيتي ما نصه: وكلام المص يقتضي الحنث فيما إذا أكل منها بعد وفاء الدين وقبل قسمها وليس كذلك، فلو قال عقب قوله: "أو كان مدينا": قبل براءته، لسلم من هذا، وهذا ما لم يكن حلفه لقطع المن فلا يحنث، وإن كان لخبث المال حنث مطلقا إذا كان خبثه لا يحله الميراث كالمال المغصوب، وأما إن كان يحله الميراث كفساد البيوع وربى الطعام والمذهب بالذهب كما في معين الحكام فيجري فيه ما قاله المص.
وبكتاب؛ يعني أن الشخص إذا حلف لا أكلم فلانا، فكتب إليه كتابا بنفسه أو أملاه أو أمر به فإنه يحنث بمجرد وصول الكتاب للمحلوف عليه، سواء كتب بعربية أو غيرها حيث يفمهه المكتوب له؛ أي شأنه ذلك، وإلى حنثه بمجرد الوصول أشار بقوله: إن وصل؛ يعني أن محل الحنث بالكتاب إنما هو حيث وصل الكتاب إلى المحلوف على ترك كلامه بإذن الحالف الو حكما، كعلمه بذهابه للمحلوف عليه وسكت.
واعلم أن علمه بذهابه ليس هو بمجرده وصولا، بل لابد من الوصول بالفعل إلى المحلوف عليه اتفاقا، ومفهوم قوله: "إن وصل"، أنه إن لم يصل إليه لا يحنث وهو كذلك بلا خلاف، رلو كتبه عازما، ولا يحنث أيضا إذا وصل الكتاب بغير إذنه.
واعلم أن الحنث بمجرد الوصول هو ظاهر المدونة، وجعله اللخمي المذهب، وقال الشارح: وهو المشهور، وقيل لا يحنث بالكتاب وهو لأشهب.
أو رسول؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم فلانا وأرسل إليه رسولا بكلام فإنه يحنث حيث، بلغ الرسول الكلام للمرسل إليه، وأما إن لم يبلغ الكلام للمرسل إليه فلا يحنث إلا أن يسمع المحلوف عليه كلام الحالف حين أرسل به الرسول والفرق بين الرسول، لا حنث بمجرد وصوله للمحلوف عليه بل بتبليغه الكلام له والكتاب يحنث بمجرد وصوله أن الخط كاللفظ؛ إذ القلم أحد اللسانين. وقد مر أنه لا يحنث إن لم يصل الكتاب ولو كتبه عازما، بخلاف الطلاق فيقع بمجرد الكتابة عازما ولو لم يصل كما يأتي؛ لأن الطلاق يستقل الزوج به بخلاف المكالمة لا تكون
стр. 3255
إلا بين اثنين. ابن حبيب: ولو قال الحالف للرسول اقطع كتابي أو رده علي فعصاه وأعطاه للمحلوف عليه فقرأه لم يحنث، كما لو رماه راجعا عنه بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه. انتهى. وقد مر هذا. والله سبحانه أعلم.
وقد مر أنه يحنث بمجرد وصول الكتاب فيحنث ولو لم يفتحه المحلوف عليه أو فتحه ولم يقرأه. ونقله اللخمي عن المذهب. ونقل ابن رشد عن المذهب أنه لابد من قراءته، وعليه فهل يشترط كونها باللفظ أو لا؟ قولان، ولا فرق على ما للمص بين علم المحلوف عليه أنه من الحالف أم لا، ولو نقل شخص جميع ما في الكتاب بإذن الحالف وأوصله بإذنه للمحلوف عليه دون الكتاب الأصلي، حنث الحالف أيضا فيما يظهر؛ لأنه بمنزلة أمره بكتبه ابتداء لا بغير إذنه فلا حنث بالأولى مما إذا وصل كتابه بغير إذنه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: وفي بعض النسخ: إن وصل وقرأ، وهذه توافق لا قراءته بقلبه، ويكون ماشيا على ما قال ابن رشد: إنه المذهب من أنه لا يحنث بمجرد وصوله، ولا يحنث إلا بالقراءة كما نقله عنه ابن عرفة. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: في لا أكلمه؛ راجع للكتاب والرسول، أي يحنث بالكتاب في حلفه لا أكلمه، كما يحنث بالرسول أيضا في ذلك والحنث بهما هو المشهور، وقال أشهب: لا يحنث بهما، وقال ابن الماجشون: يحنث بالكتاب لا بالرسول، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك، ووجه المشهور قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية، ووجه قول ابن الماجشون أن الرسول يزيد وينقص بخلاف الكتاب.
ولم ينو في الكتاب؛ يعني أن من حلف لا أكلم فلانا يحنث بالكتاب إن وصل والرسول إن بلغ كما عرفت، فإذا ادعى أنه نوى المشافهة فإنه لا ينوى في الكتاب. في العتق والطلاق؛ يعني أن محل عدم قبول أنه نوى المشافهة في الكتاب إنما هو حيث كانت يمينه بعتق معين أو طلاق مع المرافعة فيهما، وأما في الفتوى فتقبل نيته فيهما، وينوَّى أيضا في غيرهما أي العتق المعين والطلاق، وأما الرسول فإنه يُنوَّى فيه حتى في الطلاق والعتق المعين مع المرافعة، ويحلف في الرسول لحق الزوجة والعبد، فإن نكل حبس وإن طال دين، ولو حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب
стр. 3256
ولا بالرسول مطلقا، وصل الكتاب وبلغ الرسول أو لا؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب بخلاف البر، وقوله: "ولم ينو في الكتاب" لخ، قالوا: والفرق بينه وبين الكتاب أنه كلفظه. إذ القلم أحد اللسانين، ولمالك في الموازية: لا ينوى في الكتاب والرسول.
وبالإشارة له؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فإنه يحنث بالإشارة له، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، والإشارة هنا ما يدل على القول غير كتابة ولا قول، والحنث بالإشارة حاصل سواء قصده بها لذاته مع اعتقاد كونه المحلوف عليه أنه لا يكلمه أو غيره، فظهر أنه هو عملا بما تبين فيحنث الشير في الصورتين، فهم المشار إليه الإشارة أم لا، ومفهوم قوله: "له"، أنه إن أشار لغيره فقط فلا حنث، ولو اعتقد المحلوف عليه أنها له، وشمل المص الإشارة له سميعا أو أصم، والإشارة له مع غيره إلا أن يحاشيه، ولا حنث بالإشارة لأعمى حلف لا أكلمه، ولو حلف لا أسأله حاجة فأطال جلوسه عنده لأجلها بحيث فهم المحلوف عليه حاجته لم يحنث على ما صدر به ابن عرفة لعدم عد ذلك كلاما عرفا، وقال أصبغ: يحنث، والذي في الحطاب أن الراجح عدم الحنث بالإشارة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والقول بالحنث لمالك وابن القاسم وابن حبيب وغيرهم، ومن حلف أن لا يكلم رجلا فنفخ في وجهه فليس بكلام إجماعا، وينبغي أن تكون النية في الإشارة كالنية في الكتاب فتقبل في غير الطلاق والعتق المعين، وقال الشيخ الخرشي: القول بعدم الحنث بالإشارة وإن رجحه غير واحد لا يقوى قوة القول بالحنث بها، فقول الحطاب: فانظر هذا القول الذي تركه المؤلف أي وهو القول بعدم الحنث مع قوته. انتهى. فيه بحث انتهى وقيل إنما يحنث بالإشارة التي يفهم بها عنه، فتلك أقوال ثلاثة.
وبكلامه ولو لم يسمعه؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا، فإنه يحنث بكلامه إياه وإن لم يسمع المحلوف عليه كلام الحالف، ابن المواز: ولو كلمه وهو نائم مستثقل حنث، وكذا لو كان أصم، وكذلك إن كلمه وهو مشغول بكلام غيره ولم يسمعه، وقال أصبغ: إن أيقن باستثقاله ولم ينتبه لكلامه، وأيقن أنه لم يسمعه لم يحنث، كمن كلم ميتا وقد جعله الله أحد الميتين بقوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وهذا الخلاف مقيد بما إذا كان يمكن سماع كلامه عادة لولا المانع إلى ذي لأجله امتنع السماع كالنوم والصمم، وأما لو كان بينهما مكان بعيد لا يمكن سماعه منه فلا
стр. 3257
يحنث قولا واحدا، وقوله: "وبكلامه"، الذي يظهر أنه إنما أتى به ليرتب عليه ما بعده. والله سبحانه أعلم.
لا قراءته بقلبه؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم فلانا وكتب إليه كتابا، فإنه لا يحنث الحالف بمجرد وصول الكتاب، بل ولا بقراءته بقلبه وإنما يحنث إذا قرأ المحلوف عليه الكتاب بلسانه. هذا هو المطابق لسياقه وهو قول أشهب، ويكون ماشيا على ما نقل ابن رشد عن المذهب، لكن حمله على هذا يخالف قوله السابق، "وبكتاب إن وصل" فإن ظاهره الحنث بمجرد الوصول وهو ظاهر المدونة، وقال اللخمي: إنه المذهب وهو الراجح كما في ابن غازي، وفي الشارح أنه المشهور، وذكر ابن غازي والحطاب أن في بعض النسخ فيما مر: وبكتاب إن وصل وقرأ: وهو يوافق ظاهر المص هنا، لكن يكون جاريا على خلاف الراجح، ولذا حمل الشيخ عبد الباقي المص هنا على غير ظاهره، فحمله على أن صورة المسألة حلف لا قرأ كتابا أو هذا الكتاب فإنه لا يحنث بقراءته بقلبه، قال: وليس لهذه تعلق بمسألة من حلف لا أكلمه؛ إذ الحنث فيها بمجرد وصول الكتاب. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "لا قراءته بقلبه": أي إذا حلف لا يقرأ أو لا يقرأ جهرا أو لا يقرأ هذا الكتاب. أو في هذا الكتاب، فمر عليه بقلبه فلا حنث، وإن كان لا يحنث بها فمن باب أولى أنه لا يبر بها. انتهى. المراد منه.
أو قراءة أحد عليه بلا إذن؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا وكتب إليه كتابا فأوصله شخص غير الحالف إلى المحلوف عليه بغير إذن الحالف وقرأه عليه، فإنه لا يحنث بقراءة ذلك الغير عليه، بل لا يحنث ولو قرأه المحلوف عليه لوصوله بلا إذن، ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن ابن عرفة ما نصه: الشيخ عن أبي زيد عن ابن القاسم: لو أمر عبده فقرأه عليه حنث، ولو قرأه عليه غيره بغير إذنه لم يحنث. أنتهى. ولم يقف ابن غازي على هذا. انتهى. وقوله: "بلا إذن"، متعلق بمقدر صفة لكتاب؛ أي إذا وصل للمحلوف عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وقال الشيخ الخرشي: ومفاد النقل أنه حيث لم يأمر آخذه بتقطيعه ولا رده ولم يكن أعرض عنه، فإنه يحنث، وعلى هذا فإذا وصل إليه من غير علم من الحالف فإنه يحنث على ما يفيده النقل لا على ما يفيده ظاهر المص. انتهى. والله سبحانه أعلم.
стр. 3258
ولا بسلامه عليه بصلاة؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فسلم على المحلوف عليه وهو في صلاة؛ بأن أم قوما فيهم المحلوف على ترك كلامه فسلم من الصلاة عليهم لكونهم مقتدين به، أو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فرد ﵇ حين سلم من صلاته، فإن الحالف لا يحنث بذلك؛ لأن مثل هذا ليس كلاما، وكذا لو سلم عليه لكونه عن يساره. أبو الحسن: إن كان إنما سلم عليهم تسليمة واحدة فلا يحنث إماما كان أو مأموما، وأما إن سلم اثنتين، فإن كان مأموما فقال في المدونة: لا يحنث، وقال في كتاب محمد: يحنث، وإن كان الحالف الإمام فسلم تسليمتين حنث، وقال ابن ميسر: لا يحنث. اللخمي: وهذا كله إذا كان المأموم على يسار الإمام وأسمعه؛ لأن ثانية الإمام يشير بها إلى اليسار فلم يحنثه بالأولى؛ لأن القصد بها الخروج من الصلاة، وحنثه بالثانية على القول بمراعاة الألفاظ، ولم يحنثه على القول بمراعاة المقاصد. انتهى. وقوله: "ولا بسلامه عليه في صلاة"، ظاهره يشمل السلام عليه في أثنائها معتقدا إتمامها. قالة علي الأجهوري. أي لا إن قصد خطابه حاضرا فيعا تبطل به الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي.
وبما قررت علم أن محل قولة: "ولا بسلامه عليه بصلاة"، حيث طلب الحالف بالسلام عليه ككونه عن يساره ونحو ذلك وإلا حنث، ويدخل حينئذ تحت قولة الآتي: "وسلامه عليه". ولا بكتاجة المحلوف عليه؛ يعني أنه إذا حلف لا كلمت فلانا، وكتب المحلوف عليه كتابا إلى الحالف فوصل إليه، فإن الحالف لا يحنث بذلك، والمراد بالكتابة: المكتوب. ولو قرأ؛ يعني أن الحالف لا أكلم فلانا لا يحنث بوصول كتاب المحلوف عليه له، ولو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه وهو أحد قولي ابن القاسم، وقال أيضا يحنث وما هو بالبين.
على الأصوب؛ سني أن ابن المواز قال: الصواب أن لا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف على ترك كلامه، وقد أنكر القول بالحنث غير واحد من أصحاب ابن القاسم. والمختار؛ يعني أن اللخمي بعد أن حكى القولين قال: والأحسن عدم الحنث؛ لأن الكلام من المحلوف عليه لا يحنث به الحالف. ولذلك لو اجتمع معه فكلمه ولم يجاوبه لم يحنث، ومقابل الأصوب والمختار هو ثاني قولي ابن القاسم الذي تقدم التنبيه عليه.
стр. 3259
وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره؛ يعني أنه إذا حلف على ترك كلام زيد -مثلا- فإنه يحنث بسلامه أي الحالف عليه؛ أي على المحلوف على ترك كلامه وهو يعتقد أنه غير زيد، فتبين أنه زيدت وأولى لو سلم عليه وهو يظنه أو يشكه أو يتوهمه غيره، كما أنه لو مر به في جوف الليل وهو لا يعرفه فسلم عليه، فإنه يحنث، ولو كلم رجلا يظنه إياه قاصدا بذلك الحنث فإذا هو غيره لم يحنث؛ لأن العزم على الضد إنما يوجب الحنث في صيغة الحنث فقط، ومن حلف أن لا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث.
وبما قررت علم أن المراد بالاعتقاد هنا الجزم، وقوله: "وبسلامه عليه"، إنما حنث في هذا لأنه مقصود بالتحية. واعلم أن الحنث وعدمه مناطان بما تبين في نفس الأمر لا بالاعتقاد، فمن قال امرأته طالق ماله مال وقد ورث قبل يمينه مالا لم يعلم به حنث، إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا حنث.
ابن ناجي: قال بعض شيوخنا: يؤخذ من هذا أن من قال عبد فلان حر وانكشف الأمر أنه قد ورثه قبل قوله هذا، فإنه يعتق عليه، ولم أره منصوصا بخلاف الهبة؛ إذ شرطها القبول، فإنه إن لم يقبل فظاهر، وإن قبل فقبوله متأخر عن إنشاء العتق فلم يصادف العتق محلا، ومما مر يعلم أنه إذا حلف ليكلمنه فسلم عليه في جماعة معتقدا أنه ليس فيهم فتبين أنه فيهم فإنه يبر ويخالف ذلك قوله الآتي: "وبهبة"، حيث جعلوا العبرة بلفظه ولعله للاحتياط للحنث، وقوله: "وبسلامه عليه" لخ، وأحرى كلامه معتقدا أنه غيره، ومن قال لنائم: أيها النائم الصلاة خير من النوم، فرفع رأسه فإذا هو المحلوف عليه فإنه يحنث.
أو في جماعة؛ يعني أن الحالف على ترك كلام زيد -مثلا- يحنث بسلامه على جماعة وهو فيهم علم به أم لا. قاله في المدونة. إلا أن يحاشيه؛ يعني أن محل الحنث بالسلام على المحلوف على ترك كلامه وهو في جماعة إنما هو حيث لم يحاشه الحالف، فإن حاشاه أي أخرجه منهم بلسانه وكذا بقلبه قبل السلام أو في أثنائه لم يحنث لا بعده، فلابد من النطق بالاستثناء بشروطه المتقدمة، ويقوم من هذه أي مسألة المحاشاة هنا جواز السلام على جماعة فيهم نصراني إذا حاشاه.
стр. 3260
وقوله: "إلا أن يحاشيه" اعلم أنه لو أدخله أولا بقلبه لم ينفعه إخراجه بلفظ، وقوله: "أو في جماعة"، معطوف على مقدر؛ أي وبسلامه عليه حالة كونه وحده أو في جماعة. ومع عليه؛ يعني أن الحالف لا كلمت فلانا يحنث إذا فتح على المحلوف عليه في القراءة حين وقف ولم يجد مسلكا؛ أي أرشده إلى الصواب ولقنه ما غلط فيه؛ لأن فتحه بمنزلة قوله: قل، وظاهر المص الحنث، ولو وجب عليه الفتح لكون إمامه وقف في الفاتحة، بخلاف سلام الصلاة كما مر، وبخلاف ما إذا قرأ معه، وبخلاف ما لو تعايا الحالف فلقنه المحلوف عليه فلا حنث على الحالف.
وبلا علم إذنه في لا تخرجي إلا بإذني؛ يعني أن الحالف لزوجته -مثلا- لا تخرجي إلا بإذني يحنث إذا خرجت بعد أن أذن لها في الخروج، ولم تعلم هي بإذن الزوج لها في الخروج؛ لأن معنى كلامه لا تخرجي إلا بسبب إذني فالباء للسببية في بإذني، وهي قد خرجت بغير سبب إذنه، وحذف النون من لا تخرجي بغير جازم، وهو لغة شاذة؛ إذ يتعين كونه خبرا؛ لأنه جواب قسم، قال الشاعر:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي … وجهك بالعنبر والمسك الذكي
وأما لو حلف لا خرجت أو لا تخرجي إلا أن آذن فخرجت بعد إذنه وقبل علمها به، فإنه لا يحنث لوجود إذنه، ولم يعلقه على علمها، ولو أذن لها ثم رجع فخرجت، فمذهب ابن القاسم: يحنث، ومذهب أشهب: لا حنث، وخرجا على شرطه لامرأته أن لا يخرجها من بلدها إلا برضاها فرضيت، وأخرجها ثم طلبت الرجوع، فإنه لا يلزمه، خلاف قول ابن القاسم: إنه يلزمه، ولو حلف لا خرجت امرأته من هذه الدار إلى رأس الحول فأخرجها ما لابد منه كرب الدار أو سيل أو هدم أو خوف لا حنث عليه، ويمينه حيث انتقل باقية. ابن رشد: اتفاقا.
وبعدم علمه في لأعلمنه؛ يعني أنه إذا حلف لرجل أنه إن علم بكذا ليعلمنه به فعلم به الحالف ولم يعلم المحلوف له، فإن الحالف يحنث بعدم إعلامه له؛ أي لا يبر إذا كانت يمينه مطلقة، وأما لو كانت مؤجلة وانقضى ولم يعلمه فإنه يحنث حقيقة.