← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

ولا بالرسول مطلقا، وصل الكتاب وبلغ الرسول أو لا؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب بخلاف البر، وقوله: "ولم ينو في الكتاب" لخ، قالوا: والفرق بينه وبين الكتاب أنه كلفظه. إذ القلم أحد اللسانين، ولمالك في الموازية: لا ينوى في الكتاب والرسول. وبالإشارة له؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فإنه يحنث بالإشارة له، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، والإشارة هنا ما يدل على القول غير كتابة ولا قول، والحنث بالإشارة حاصل سواء قصده بها لذاته مع اعتقاد كونه المحلوف عليه أنه لا يكلمه أو غيره، فظهر أنه هو عملا بما تبين فيحنث الشير في الصورتين، فهم المشار إليه الإشارة أم لا، ومفهوم قوله: "له"، أنه إن أشار لغيره فقط فلا حنث، ولو اعتقد المحلوف عليه أنها له، وشمل المص الإشارة له سميعا أو أصم، والإشارة له مع غيره إلا أن يحاشيه، ولا حنث بالإشارة لأعمى حلف لا أكلمه، ولو حلف لا أسأله حاجة فأطال جلوسه عنده لأجلها بحيث فهم المحلوف عليه حاجته لم يحنث على ما صدر به ابن عرفة لعدم عد ذلك كلاما عرفا، وقال أصبغ: يحنث، والذي في الحطاب أن الراجح عدم الحنث بالإشارة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والقول بالحنث لمالك وابن القاسم وابن حبيب وغيرهم، ومن حلف أن لا يكلم رجلا فنفخ في وجهه فليس بكلام إجماعا، وينبغي أن تكون النية في الإشارة كالنية في الكتاب فتقبل في غير الطلاق والعتق المعين، وقال الشيخ الخرشي: القول بعدم الحنث بالإشارة وإن رجحه غير واحد لا يقوى قوة القول بالحنث بها، فقول الحطاب: فانظر هذا القول الذي تركه المؤلف أي وهو القول بعدم الحنث مع قوته. انتهى. فيه بحث انتهى وقيل إنما يحنث بالإشارة التي يفهم بها عنه، فتلك أقوال ثلاثة. وبكلامه ولو لم يسمعه؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا، فإنه يحنث بكلامه إياه وإن لم يسمع المحلوف عليه كلام الحالف، ابن المواز: ولو كلمه وهو نائم مستثقل حنث، وكذا لو كان أصم، وكذلك إن كلمه وهو مشغول بكلام غيره ولم يسمعه، وقال أصبغ: إن أيقن باستثقاله ولم ينتبه لكلامه، وأيقن أنه لم يسمعه لم يحنث، كمن كلم ميتا وقد جعله الله أحد الميتين بقوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وهذا الخلاف مقيد بما إذا كان يمكن سماع كلامه عادة لولا المانع إلى ذي لأجله امتنع السماع كالنوم والصمم، وأما لو كان بينهما مكان بعيد لا يمكن سماعه منه فلا

стр. 3257

يحنث قولا واحدا، وقوله: "وبكلامه"، الذي يظهر أنه إنما أتى به ليرتب عليه ما بعده. والله سبحانه أعلم. لا قراءته بقلبه؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم فلانا وكتب إليه كتابا، فإنه لا يحنث الحالف بمجرد وصول الكتاب، بل ولا بقراءته بقلبه وإنما يحنث إذا قرأ المحلوف عليه الكتاب بلسانه. هذا هو المطابق لسياقه وهو قول أشهب، ويكون ماشيا على ما نقل ابن رشد عن المذهب، لكن حمله على هذا يخالف قوله السابق، "وبكتاب إن وصل" فإن ظاهره الحنث بمجرد الوصول وهو ظاهر المدونة، وقال اللخمي: إنه المذهب وهو الراجح كما في ابن غازي، وفي الشارح أنه المشهور، وذكر ابن غازي والحطاب أن في بعض النسخ فيما مر: وبكتاب إن وصل وقرأ: وهو يوافق ظاهر المص هنا، لكن يكون جاريا على خلاف الراجح، ولذا حمل الشيخ عبد الباقي المص هنا على غير ظاهره، فحمله على أن صورة المسألة حلف لا قرأ كتابا أو هذا الكتاب فإنه لا يحنث بقراءته بقلبه، قال: وليس لهذه تعلق بمسألة من حلف لا أكلمه؛ إذ الحنث فيها بمجرد وصول الكتاب. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "لا قراءته بقلبه": أي إذا حلف لا يقرأ أو لا يقرأ جهرا أو لا يقرأ هذا الكتاب. أو في هذا الكتاب، فمر عليه بقلبه فلا حنث، وإن كان لا يحنث بها فمن باب أولى أنه لا يبر بها. انتهى. المراد منه. أو قراءة أحد عليه بلا إذن؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا وكتب إليه كتابا فأوصله شخص غير الحالف إلى المحلوف عليه بغير إذن الحالف وقرأه عليه، فإنه لا يحنث بقراءة ذلك الغير عليه، بل لا يحنث ولو قرأه المحلوف عليه لوصوله بلا إذن، ونقل الشيخ محمد بن الحسن عن ابن عرفة ما نصه: الشيخ عن أبي زيد عن ابن القاسم: لو أمر عبده فقرأه عليه حنث، ولو قرأه عليه غيره بغير إذنه لم يحنث. أنتهى. ولم يقف ابن غازي على هذا. انتهى. وقوله: "بلا إذن"، متعلق بمقدر صفة لكتاب؛ أي إذا وصل للمحلوف عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وقال الشيخ الخرشي: ومفاد النقل أنه حيث لم يأمر آخذه بتقطيعه ولا رده ولم يكن أعرض عنه، فإنه يحنث، وعلى هذا فإذا وصل إليه من غير علم من الحالف فإنه يحنث على ما يفيده النقل لا على ما يفيده ظاهر المص. انتهى. والله سبحانه أعلم.

стр. 3258

ولا بسلامه عليه بصلاة؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم فلانا فسلم على المحلوف عليه وهو في صلاة؛ بأن أم قوما فيهم المحلوف على ترك كلامه فسلم من الصلاة عليهم لكونهم مقتدين به، أو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فرد ﵇ حين سلم من صلاته، فإن الحالف لا يحنث بذلك؛ لأن مثل هذا ليس كلاما، وكذا لو سلم عليه لكونه عن يساره. أبو الحسن: إن كان إنما سلم عليهم تسليمة واحدة فلا يحنث إماما كان أو مأموما، وأما إن سلم اثنتين، فإن كان مأموما فقال في المدونة: لا يحنث، وقال في كتاب محمد: يحنث، وإن كان الحالف الإمام فسلم تسليمتين حنث، وقال ابن ميسر: لا يحنث. اللخمي: وهذا كله إذا كان المأموم على يسار الإمام وأسمعه؛ لأن ثانية الإمام يشير بها إلى اليسار فلم يحنثه بالأولى؛ لأن القصد بها الخروج من الصلاة، وحنثه بالثانية على القول بمراعاة الألفاظ، ولم يحنثه على القول بمراعاة المقاصد. انتهى. وقوله: "ولا بسلامه عليه في صلاة"، ظاهره يشمل السلام عليه في أثنائها معتقدا إتمامها. قالة علي الأجهوري. أي لا إن قصد خطابه حاضرا فيعا تبطل به الصلاة. قاله الشيخ عبد الباقي. وبما قررت علم أن محل قولة: "ولا بسلامه عليه بصلاة"، حيث طلب الحالف بالسلام عليه ككونه عن يساره ونحو ذلك وإلا حنث، ويدخل حينئذ تحت قولة الآتي: "وسلامه عليه". ولا بكتاجة المحلوف عليه؛ يعني أنه إذا حلف لا كلمت فلانا، وكتب المحلوف عليه كتابا إلى الحالف فوصل إليه، فإن الحالف لا يحنث بذلك، والمراد بالكتابة: المكتوب. ولو قرأ؛ يعني أن الحالف لا أكلم فلانا لا يحنث بوصول كتاب المحلوف عليه له، ولو قرأ الحالف كتاب المحلوف عليه وهو أحد قولي ابن القاسم، وقال أيضا يحنث وما هو بالبين. على الأصوب؛ سني أن ابن المواز قال: الصواب أن لا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف على ترك كلامه، وقد أنكر القول بالحنث غير واحد من أصحاب ابن القاسم. والمختار؛ يعني أن اللخمي بعد أن حكى القولين قال: والأحسن عدم الحنث؛ لأن الكلام من المحلوف عليه لا يحنث به الحالف. ولذلك لو اجتمع معه فكلمه ولم يجاوبه لم يحنث، ومقابل الأصوب والمختار هو ثاني قولي ابن القاسم الذي تقدم التنبيه عليه.

стр. 3259

وبسلامه عليه معتقدا أنه غيره؛ يعني أنه إذا حلف على ترك كلام زيد -مثلا- فإنه يحنث بسلامه أي الحالف عليه؛ أي على المحلوف على ترك كلامه وهو يعتقد أنه غير زيد، فتبين أنه زيدت وأولى لو سلم عليه وهو يظنه أو يشكه أو يتوهمه غيره، كما أنه لو مر به في جوف الليل وهو لا يعرفه فسلم عليه، فإنه يحنث، ولو كلم رجلا يظنه إياه قاصدا بذلك الحنث فإذا هو غيره لم يحنث؛ لأن العزم على الضد إنما يوجب الحنث في صيغة الحنث فقط، ومن حلف أن لا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث. وبما قررت علم أن المراد بالاعتقاد هنا الجزم، وقوله: "وبسلامه عليه"، إنما حنث في هذا لأنه مقصود بالتحية. واعلم أن الحنث وعدمه مناطان بما تبين في نفس الأمر لا بالاعتقاد، فمن قال امرأته طالق ماله مال وقد ورث قبل يمينه مالا لم يعلم به حنث، إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا حنث. ابن ناجي: قال بعض شيوخنا: يؤخذ من هذا أن من قال عبد فلان حر وانكشف الأمر أنه قد ورثه قبل قوله هذا، فإنه يعتق عليه، ولم أره منصوصا بخلاف الهبة؛ إذ شرطها القبول، فإنه إن لم يقبل فظاهر، وإن قبل فقبوله متأخر عن إنشاء العتق فلم يصادف العتق محلا، ومما مر يعلم أنه إذا حلف ليكلمنه فسلم عليه في جماعة معتقدا أنه ليس فيهم فتبين أنه فيهم فإنه يبر ويخالف ذلك قوله الآتي: "وبهبة"، حيث جعلوا العبرة بلفظه ولعله للاحتياط للحنث، وقوله: "وبسلامه عليه" لخ، وأحرى كلامه معتقدا أنه غيره، ومن قال لنائم: أيها النائم الصلاة خير من النوم، فرفع رأسه فإذا هو المحلوف عليه فإنه يحنث. أو في جماعة؛ يعني أن الحالف على ترك كلام زيد -مثلا- يحنث بسلامه على جماعة وهو فيهم علم به أم لا. قاله في المدونة. إلا أن يحاشيه؛ يعني أن محل الحنث بالسلام على المحلوف على ترك كلامه وهو في جماعة إنما هو حيث لم يحاشه الحالف، فإن حاشاه أي أخرجه منهم بلسانه وكذا بقلبه قبل السلام أو في أثنائه لم يحنث لا بعده، فلابد من النطق بالاستثناء بشروطه المتقدمة، ويقوم من هذه أي مسألة المحاشاة هنا جواز السلام على جماعة فيهم نصراني إذا حاشاه.

стр. 3260

وقوله: "إلا أن يحاشيه" اعلم أنه لو أدخله أولا بقلبه لم ينفعه إخراجه بلفظ، وقوله: "أو في جماعة"، معطوف على مقدر؛ أي وبسلامه عليه حالة كونه وحده أو في جماعة. ومع عليه؛ يعني أن الحالف لا كلمت فلانا يحنث إذا فتح على المحلوف عليه في القراءة حين وقف ولم يجد مسلكا؛ أي أرشده إلى الصواب ولقنه ما غلط فيه؛ لأن فتحه بمنزلة قوله: قل، وظاهر المص الحنث، ولو وجب عليه الفتح لكون إمامه وقف في الفاتحة، بخلاف سلام الصلاة كما مر، وبخلاف ما إذا قرأ معه، وبخلاف ما لو تعايا الحالف فلقنه المحلوف عليه فلا حنث على الحالف. وبلا علم إذنه في لا تخرجي إلا بإذني؛ يعني أن الحالف لزوجته -مثلا- لا تخرجي إلا بإذني يحنث إذا خرجت بعد أن أذن لها في الخروج، ولم تعلم هي بإذن الزوج لها في الخروج؛ لأن معنى كلامه لا تخرجي إلا بسبب إذني فالباء للسببية في بإذني، وهي قد خرجت بغير سبب إذنه، وحذف النون من لا تخرجي بغير جازم، وهو لغة شاذة؛ إذ يتعين كونه خبرا؛ لأنه جواب قسم، قال الشاعر: أبيت أسري وتبيتي تدلكي … وجهك بالعنبر والمسك الذكي وأما لو حلف لا خرجت أو لا تخرجي إلا أن آذن فخرجت بعد إذنه وقبل علمها به، فإنه لا يحنث لوجود إذنه، ولم يعلقه على علمها، ولو أذن لها ثم رجع فخرجت، فمذهب ابن القاسم: يحنث، ومذهب أشهب: لا حنث، وخرجا على شرطه لامرأته أن لا يخرجها من بلدها إلا برضاها فرضيت، وأخرجها ثم طلبت الرجوع، فإنه لا يلزمه، خلاف قول ابن القاسم: إنه يلزمه، ولو حلف لا خرجت امرأته من هذه الدار إلى رأس الحول فأخرجها ما لابد منه كرب الدار أو سيل أو هدم أو خوف لا حنث عليه، ويمينه حيث انتقل باقية. ابن رشد: اتفاقا. وبعدم علمه في لأعلمنه؛ يعني أنه إذا حلف لرجل أنه إن علم بكذا ليعلمنه به فعلم به الحالف ولم يعلم المحلوف له، فإن الحالف يحنث بعدم إعلامه له؛ أي لا يبر إذا كانت يمينه مطلقة، وأما لو كانت مؤجلة وانقضى ولم يعلمه فإنه يحنث حقيقة.

стр. 3261

وبما قررت علم أن قوله: "علمه"، بمعنى إعلامه، وإن برسول، مبالغة في المفهوم؛ أي فإن أعلمه الحالف بالكلام أو بالكتابة بر، بل وإن أعلمه برسول يرسله إليه ليعلمة بذلك الأمر، وقد علمت أن الكتاب أولى، وبالغ على الرسول لأنه قد يزيد أو ينقص، وأجرى المص مصدر المجرد مجرى المزيد فيه. وهل إلا أن يعلم أنه علم؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا في قول المدونة: ومن حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فعلماه جميعا لم يبر حتى يعلمه أو يخبرد، وإن كتب به إليه أو أرسل إليه رسولا بر. انتهى. حعل معناه يحنث ما لم يعلم بعلمه؟ أما إن علم الحالف أن المحلوف له علم ذلك من غيره فإنه لا يحنث بعدم إعلامه تنزيلا لعلمه بإعلام غيره منزلة إعلامه هو، أو هو باق على ظاهره فيحنث إذا لم يعلمه مطلقا، علم أنه علم أم لا. في ذلك تأويلان، الأول للخمي، والثاني لأبي عمران وغيره، وفي التوضيح: إذا حلف ليكلمنه فلا يبر بالكتاب والرسول، بخلاف ليعلمنه وليخبرنه. انتهى. نقله الإمام الحطاب. أو علم وال ثان في حلفه الأول، هذا معطوف على علمه في المسألة السابقة؟ يعني أن من حلف للأمير طوعا لئن رأى كذا ليعلمنه به، فعزل ذلك الأمير أو مات وَوُلِّي مكانه آخر، ورأى الحالف ذلك الأمر فلم يرفعه إلى هذا الوالي الثاني، فإن الحالف يحنث بعدم إعلامه للوالي الثاني بذلك. في نظر؛ يعني أن محل الحنث حيث لم يُعلِم الوالي الثاني بذلك الأمر، إنما هو إذا كان ذلك الأمر نظرا أي مصلحة للمسلمين، فلو كانت الصلحة للوالي نفسه لم يحنث بعدم إعلام الثاني، وإنما يحنث بعدم إعلام الأول في عزله، وأما إن مات فلا شيء عليه، وليس عليه رفع ذلك لوصيه أو وارثه. قاله أشهب. وقوله: "في نظر"، مقتضى كلام غير واحد أنه متعلق بكون محذوف؛ أي إذا كان حلفه في نظر ثم إنه يجري هنا، وهل إلا أن يعلم أنه علم تأويلان، وأن إعلامه بالرسول والكتاب كاف. قاله غير واحد. وبمرهون في لا ثوب لي؛ يعني أن من طلب منه إعارة ثوب -مثلا- فحلف لا ثوب له وله ثوب قد رهنه في دين عليه، فإنه يحنث إن لم تكن له نية، كان في الثوب فضل عن وفاء الدين أم لا، وهذا نقل أبي سعيد في التهذيب، وقيل: لا يحنث مطلقا وهي رواية الدباغ في المدونة، وقيل:

стр. 3262

إن كان في الثوب فضل عن وفاء الدين حنث، وإلا فلا وهو أضعف الأقوال، وهذا إن لم تكن له نية، وإن ادعى أنه نوى ما عدا المرهون فلا حنث عليه مطلقا، وإن ادعى أنه لا ثوب لي أقدر عليه للعارية -مثلا- فإن لم يكن في الثوب فضل أو كان ولا يقدر على فكاك الرهن لعسره أو الدينُ مما لا يعجل قبلت نيته، وإن كان فيه فضل وهو يقدر على فكاك الرهن فقولان، والمعتمد عدم الحنث، فمحل التفصيل في هذه الأخيرة، وأما إن ادعى أنه نوى ما عدا المرهون فإنه لا حنث عليه مطلقا كما علمت، هذا هو تحقيق هذه المسألة. انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله: "وبمرهون"، وكذا بمال غائب لم يعلم به في حلفه لا مال له إلا أن ينوي في يمينه أعلمه فلا يحنث. ابن المواز: فإن كانت له عمرى ترجع يوما فهو حانث؛ لأنها ماله، فلو تصدق عليه بصدقة وهو لا يعلم فلم يقبلها فلا شيء عليه، وإن قبلها حنث، وقيل لا يحنث لأنها بالقبول صارت ماله أي الآن. قاله الخرشي. وبالهبة؛ يعني أن من حلف لا أعار هذا الشيء فإنه يحنث إذا وهبه، ولا إشكال في حنثه بإعارته. والصدقة؛ يعني أنه إذا حلف لا أعار هذا الشيء فإنه يحنث إذا تصدق به، وقوله: وبالهبة والصدقة أي بكل منهما، والمراد بالهبة الهبة لغير ثواب، ومثل الهبة والصدقة كل ما ينفع كعمرى أو إسكان أو تحبيس. وبما قررت علم أن قوله: في لا أعاره، راجع للهبة والصدقة، وبالعكس؛ يعني أنه إذا حلف لا يهب هذا الشيء فإنه يحنث بإعارته، ولا إشكال في حنثه بهبته، وكذا إذا حلف لا يتصدق بهذا الشيء وأعاره فإنه يحنث بذلك، ولا إشكال في حنثه بالصدقة، ويحنث في الهبة بالصدقة وبالهبة في الصدقة بالأوْلى. ونوي، راجع لقوله: "وبمرهون في لا ثوب لي". ولا بعده من المسألتين أيضا، لكن في الأولى منهما؛ أي المسألتين الأخيرتين ينوى إلا لمرافعة في طلاق وعتق معين فلا ينوى. إلا في صدقة عن هبة؛ يعني أنه إذا حلف لا يهب عبده -مثلا- وتصدق به، فإنه يحنث ولا ينوى أنه أراد خصوص الهبة أي في المرافعة في العتق المعين والطلاق، وينوى في غير ذلك، وكذا إذا حلف أنه لا يتصدق به فوهبه فإنه لا ينوى أنه أراد خصوص الصدقة، وهذا في هبة ليس للحالف اعتصارها، وأما إن كان له اعتصارها فإنه ينوَّى، وقال الشيخ الخرشي عن

стр. 3263

الأجهوري بعد أن ذكر ما قدمته وغيره مما فيه بعض مخالفة له ما نصه: لو قال المؤلف: وبالهبة والصدقة في لا أعاره ونوي إلا لمرافعة مع بينة أو إقرار في طلاق وعتق معين كلا وهبه فتصدق به لا بالعارية في لا وهبه أو لا تصدق به ولا بالهبة في لا تصدق به فينوى مطلقا وإنما تقبل نيته في لا وهبه فتصدق به وعكسه فيما فيه الاعتصار، لطابق النقل مع اشتماله على ما أهمله من القيود مع إفادة المراد على وجه سهل. انتهى. قوله: لا وهبه فتصدق به، فيه شيء؛ لأن الصدقة لا تعتصر. وببقاء ولو ليلا في لا سكنت؛ يعني أن من حلف لا سكنت هذه الدار أو الحانوت أو نحوهما، يحنث ببقائه فيها بعد يمينه زمنا زائدا على إمكان الانتقال، فيخرج ولو في جوف الليل وإلا حنث؛ لأن بقاءه يعد سكنى عرفا وهذا مذهب المدونة، ومقابله لأشهب: لا يحنث حتى يكمل يوما وليلة، وقال أصبغ: لا يحنث حتى يزيد عليهما. انتهى. فإن لم يمكنه الانتقال لعدم من ينقل متاعه مثلا، أو أقام يومين أو ثلاثة ينقل لكثرة متاعه وعدم تأتي نقله في يوم واحد عادة لم يحنث؛ لأنه كالمقصود باليمين، وليس غلو الكراء ووجود بيت لا يناسبه عذرا، فينتقل ولو لبيت شر ولا يحنث ببقائه لخوف ظالم أو سارق، وإذا خرج لا يرجع لأن يمينه على العموم، بخلاف قوله: لينتقلن. قاله التونسي. قاله الحطاب. ابن عبد السلام: ولا فرق بين أن يقول: لا ساكنتك أو لا سكنت معك أو لا جاورتك، وظاهر المجموعة أن لفظ المجاورة أشد في طلب التباعد على ما فهمت وهو أبين. انتهى. وأما لو حلف لأسكنن فإنه يبر بطول مقام يرى أنه قصده رعيا للقصد حيث لا نية له بقدر معين، ولا يبر إلا أن يسكنها بنفسه ومتاعه وعياله. اللخمي: وأرى أن يبر وإن لم يسمكن بمتاعه. قاله الحطاب. وقوله: "ولو ليلا"، قال الشبراخيتي: وما مشى عليه المص مبني على مراعاة اللفظ، ومن يراعي العرف أمهله إلى الصبح فينتقل إلى ما ينتقل إليه مثله. قاله اللخمي. انتهى. وقال: وأما لو حلف ليسكننها فعلى قول أشهب: يبر بيوم وليلة، وعلى قول أصبغ بأكثر، وعلى رعي القصد لا يبر إلا بطول مقام يرى أنه قصده. انتهى. ونحوه للحطاب.

стр. 3264

لا في لأنتقلن؛ يعني أن الحالف لينتقلن لا يحنث بالبقاء إلا أن يقيد بزمن فيحنث بمضيه وهو على بر إليه، ويؤمر من أطلق بالانتقال وهو على حنث فلا يطأ امرأته حتى ينتقل، وما ذكره المص من عدم الحنث بالتراخي في لأنتقلن هو المشهور، قال ابن رشد في حمل يمينه لأفعلن على الفور فيحنث بالتراخي أو على التراخي فلا يحنث به: والقول بأنه على التراخي هو المشهور من المذهب، ومثله في نقل المواق. قاله الشيخ بناني. ولا بقيت مثل لأنتقلن لا مثل سكنت؛ فلا يحنث إذا رجع ولا يحنث بالبقاء، وهو الذي أفتى به الشيخ القصار، وهو الذي اختاره أبو الحسن الياصلوتي، واختار أبو إسحاق وإبراهيم اللقاني أنه يرد إلى قوله: لا سكنت، فيحنث متى ما رجع، ومقتضى كلام الشيخ بناني أن الأول هو الراجح أو المعول عليه. ولا بخزن؛ يعني أن من حلف لا سكنت هذه الدار وخرج منها ثم خزن فيها، فإنه لا يحنث، وأما لو كان في الدار شيء مخزون وأبقاه فيها فإنه يحنث ببقائه كما في نقل المواق. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وفيه بعد كلام جلبه إثر قوله: "ولا بخزن": ثم ظاهر ما تقدم أنه أبقى فيها شيئا مخزونا. انتهى. ومن جملة ما قدم عند قوله: "ولا بخزن" ما نصه: إذ لا يعد سكنى إذا انفرد، وإنما يعد ابن القاسم بقاء متاع البيت سكنى إذا كان تبعا لسكنى الأهل، وإذا انفرد لم يعد سكنى. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وليس الخزن بعد الخروج سكنى، بل إبقاء ماله بال. انتهى. قال في الشرح: وهذا في الحقيقة محترز قوله: بعد الخروج. انتهى. ولو كان في إلى دار مطامير وقد أكرى الدار فهل ينقل ما في المطامير؟ قال التونسي: ينبغي إن كانت لا تدخل في الكرات إلا بشرط وتكرى وحدها لخزن الطعام أن لا تدخل في اليمين، وأن له تركها إذا كان قد اكترى المطامير منفردة قبل سكناه أو بعدها، إلا أن لا يليق بالمطامير أن لا تبقى إلا بمكان سكناه، فينبغي نقلها مع قشه. انتهى. وقوله: وقد أكرى الدار، الظاهر أن أكرى فيه بمعنى اكترى. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي لهذا الكلام مزيد تمام عند قوله: "ولو بإبقاء رحله". وانتقل في لا ساكنه عما كانا عليه؛ يعني أن الحالف لا ساكنته أو لا سكنت معه وهما حين اليمين بدار أو حارة أو حارتين بقرية صغيرة، إنما يخرج من اليمين إذا انتقل هو أو المحلوف عليه عن الحالة التي كانا عليها قبل اليمين انتقالا يزول معه اسم المساكنة عرفا حيث لا نية ولا بساط،

стр. 3265

وسواء كانت الدار في القسم الأول بساحة هما بها أو بها بيت هما به أو ذات بيوت كل ببيت، وانتقل في القسم الثاني لحارة أخرى إن كانت يمينه لا ساكنه بهذه الحارة، وأما لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة أي وهما بحارة فينتقل لأخرى على فرسخ أو أكثر كالقسم الثالث إن صغرت، فإن كبرت كالمدينة المنورة فلا شيء عليه إلا أن يساكنه، وهذا إذا كانت يمينه لا ساكنته بدار أو حارة أو حارتين، فإن كانت لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة فالظاهر انتقاله لأخرى على فرسخ. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: هذا التفصيل نحوه للخمي كما ذكره ابن عرفة، ونصه: اللخمي: إن كانا حين حلفه بمحلة انتقل لأخرى، ومحلتين في مدينة فلا شيء عليه إلا أن يساكنه، وإن كانا في قرية انتقل لأخرى؛ لأن القرية كمحلة، والذي في الحطاب عن ابن عبد السلام أنه إن كانا في حال اليمين في قرية واحدة انتقل عنه إلى قرية أخرى، فلم يفصل بين صغيرة وكبيرة. انتهى. كلام الشيخ بناني. وأما إن حلف لا ساكنه وكل بقرية صغيرة، فمعنى انتقاله حيث لا نية ولا بساط أن لا يجتمع معه في مسقى أو محطب أو مسرح، بل يتباعد عنه، فإن كبرت البلدتان وحلف لا ساكنه فلا يقرب منه عرفا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: إذا حلف لا ساكنه وهما بدار لم يحنث إذا ساكنه ببلد: وهذا إذا لم تكن له نية ولا بساط، وإلا عمل على ذلك. انتهى. قوله: "وانتقل"، الانتقال هنا يصدق بانتقالهما معا وانتقال أحدهما، ولهذا قال: عما كانا عليه، وأما انتقال أحدهما إلى موضع الآخر فيبقى معه الحنث، وهذا عام حتى في القريتين والحارتين وغير ذلك. انظر الحطاب. ابن عرفة: وسمع ابن القاسم: لا يحنث في لا أساكنه بسفره معه وينوى. ابن القاسم: إن لم تكن له نية فلا شيء عليه، ومثله لمحمد عن أشهب. ابن رشد: إلا أن ينوي التنحي عنه. انتهى. قاله الحطاب. ابن المواز: من ءاذاه جاره فحلف لا ساكنتك، أو قال: لا جاورتك في هذه الدار فلا بأس أن يساكنه في غيرها، ولا يحنث إن لم تكن له نية، وأما إن كره مجاورته أبدا فيحنث، وكذا إن قال لا ساكنتك بمصر فساكنه بغيرها فهما سواء. وقوله: وانتقل في لا ساكنه لخ، قال الإمام

стр. 3266

الحطاب قال ابن عبد السلام: لا فرق بين أن يقول لا ساكنتك أو لا سكنت معك أو لا جاورتك، وظاهر المجموعة أن لفظ المجاورة أشد في طلب التباعد على ما فهمت وهو أبين. انتهى. وقال ابن عبد السلام أيضا: وإن كانا حين اليمين في حارة واحدة أو ربض واحد انتقل أحدهما من تلك الحارة إلى حارة أخرى أو إلى ربض آخر حيث لا يجتمعان للصلاة في مسجد واحد، وإن كانا حين اليمين في قرية واحدة انتقل عنها إلى قرية أخرى، فإن لم يكن معه في قرية بعد عنه إلى حيث لا يجتمع معه في مسقى ولا محطب ولا مسرح، وإن كانا من أهل العمود فحلف أن لا يجاوره أو لينتقلن عنه فلينتقل حيث ينقطع ما بينهما من خلطة العيال والصبيان حتى لا ينال بعضهم بعضا في العارية والاجتماع إلا بالكلفة والتعب. انتهى. وقال ابن عبد السلام أيضا: فإن انتقل أحدهما إلى العلو وبقى الآخر في السفل أجزأه، نص عليه ابن القاسم في المدونة، ورأى بعض الشيوخ أن هذا إنما يكفي إذا كان سبب اليمين ما يقع بينهما من أجل الماعون، وأما إذا كان ذلك من أجل عداوة حصلت بينهما فلا يكفي، ومثل انتقال أحدهما إلى العلو انتقالهما إلى دار فيها مقاصير وحجر سكن كل منهما مقصورة، وإن كانا حين اليمين على أحد هذين الحالين -أعني أن يكون أحدهما في علو والآخر في سفل، أو كان في دار ذات مقاصير كل واحد منهما في مقصورة- فلابد أن ينتقلا فيسكن كل واحد منهما في منزل يختص به. انتهى. والله أعلم. انتهى. كلام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه. يتحصل مما مر من كلام الشيخ عبد الباقي أنه إذا كانت القرية صغيرة وهما بدار أو حارة أو حارتين، فإنه ينتقل مخافة الحنث لدار أخرى في القسم الأول، ولحارة أخرى في القسم الثاني، ولقرية أخرى على فرسخ في القسم الثالث، هذا إذا كانت يمينه لا ساكنته بهذه الدار أو بهذه الحارة أو بهاتين الحارتين، أو قال: لا ساكنت، وأطلق ولا أنية ولا بساط وإلا عمل على ذلك، وأما إن حلف لا ساكنه بهذه البلدة أو بلدة فإنه ينتقل لأخرى، وأنه إن حلف لا ساكنه وكل بقرية صغيرة فلا يجتمع معه في مسقى أو محطب أو مسرح بل يتباعد عنه. هذا حكم القرية الصغيرة. وأما القرية الكبيرة كالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فإن كانت يمينه لا ساكنته بدار أو حارة أو حارتين فلا شيء عليه إلا أن

стр. 3267

يساكنه، وإن كانت لا ساكنته بهذه البلدة أو ببلدة فالظاهر انتقاله لأخرى على فرسخ، وأنه إن حلف لا ساكنه وكان كل بقرية كبيرة فلا يقرب منه عرفا، ومن كلام غيره أنه لا فرق بين القرية الصغيرة والكبيرة، بل ينظر فإن كانا في دار واحدة انتقلا عما كانا عليه بأن يسكن أحدهما بغير محل الآخر، وإن كانا في حارة واحدة انتقل أحدهما إلى حارة أخرى، وإن كانا في ربض انتقل أحدهما إلى ربض آخر: وإن كانا حين اليمين في قرية واحدة انتقل عنها إلى قرية أخرى، فإن لم يكن معه في قرية بعد عنه إلى حيث لا يجتمع معه في مسرح أو مسقى أو محطب. والله سبحانه أعلم. ولما شمل كلامه من كان في قرية أو مدينة أو بادية أو دار حيث ذكر أن الانتقال يخرج عن الحنث في ذلك كله: وكان له في الخروج عن الحنث في الدار وجه آخر غير الانتقال، أشار له عاطفا على انتقل بقوله: أو ضربا جدارا؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه وهما بدار واحدة يكفيه في الخروج من اليمين أن يضربا بينهما جدارا؛ أي يشرع في ضربه بإثر اليمين، ولو لم يخرج أحدهما حتى ضرب فقد يكون ضربه أسرع من الانتقال. ولو جريدا؛ يعني أنه لا يشترط في الجدار أن يكون وثيقا بالطوب والحجر، بل يكفي في الخروج من اليمين إذا كان جريدا، ورد بلو على ابن الماجشون القائل بأن الجريد لغو. بهذه الدار؛ جعله الشارح متعلقا بقوله: "لا ساكنه"؛ أي وانتقل في حلفه لا ساكنه بهذه الدار، وقال ابن غازي: أشار بلو لخلافين، أحدهما الخلاف في الحاجز إذا لم يكن بناء وثيقا بالحجر ونحوه، بل كان من جريد النخل وشبهه، والثاني الخلاف في إجزاء الحاجز إذا عين الدار، فيكون ما قبل المبالغة في الأخير حيث حلف لا ساكنه ولم يزد، بل ولو قال: لا ساكنته بهذه الدار، وهو خلاف قول ابن رشد في سماع أصبغ، ولو عين الدار لم يبر بالجدار اتفاقا. وقال ابن عرفة: والمص ظاهر المدونة سماها أم لا إجزاء الحاجز في العينة، وقد سبقهما إلى هذا أبو الحسن الصغير، وزاد أن المساكنة التي هي مفاعلة يزيلها الجدار بخلاف السكنى. انتهى. وإنما يكفي ضرب الجدار مطلقا طوبا أو زربا أو جريدا حيث كان لكل مرفق ومدخل على حدة، ولو قسم

стр. 3268

منافع لا قسم رقبة، ومحله أيضا إن كان الحلف لأجل ما يحصل بين العيال، فإن كان لكراهة جوار فلا يكفي ضرب الجدار، بل لابد من الانتقال، وإن لم تكن له نية فقولان. قال الشيخ عبد الباقي: واعلم أن جميع ما مر في غير أهل العمود، وأما هم فلابد أن ينتقل عنه نقلة بينة حتى ينقطع ما بينهما من خلطة العيال والصبيان، ولا ينال بعضهم بعضا في العارية والاجتماع إلا بكلفة، ولا يحنث في لا ساكنه بسفره معه إلا أن ينوي التنحي، وإذا كانا بمحل واحد وفوقه محل خال، فإن انتقل أحدهما إلى العلو وبقى الآخر في السفل أجزأه. نص عليه ابن القاسم في المدونة. ويعتبر أن يكون كل مسكن مستغنيا بمرافقه، وذكر بعض الشيوخ أن هذا إذا كان سبب اليمين ما يقع بينهما من أجل الماعون، وأما لعداوة فلا يكفي. انتهى. لأنه لا يزول معه اسم المساكنة عرفا فلا يبر بذلك. انتهى. وبالزيارة له؛ يعني أن الحالف لا ساكنه يحنث بزيارته المحلوف على ترك مساكنته أي بالزيارة من أحدهما، ومحل ذلك إن قصد الحالف التنحي؛ أي البعد عنه لذات المحلوف عليه؛ لأنه لا بعد مع الزيارة؛ إذ هي مواصلة وقرب. لا لدخول عيال؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه فإنا، لا يحنث بالزيارة إن لم يقصد الحالف التنحي، بل حلف لأجل ما يدخل من المشارة بين العيال من نساء وصبيان، وكذا لا يحنث بالزيارة أيضا إذا لم تكن له نية. إن لم يكثرها نهارا أو يبت بلا مرض، قال الشيخ أحمد بابا: الثابت في خط المص: يعني في المتن أنه عطف قوله: "أو يبت"، بأو لا بالواو، وهو الصواب الموافق لقول ابن رشد: يعني أن الحالف لا ساكنت فلانا إذا كانت يمينه لأجل ما يدخل بين العيال محل كونه لا يحنث بالزيارة، إنما هو إذا انتفت كثرتها بالنهار مع انتفاء البيات بلا مرض، فعدم الحنث منوط بانتفاء الأمرين معا، وهذه هي صورة المنطوق، ومفهومه أنه لو أكثرها نهارا من غير مبيت أو مع مبيت لمرض أو لم يكثرها وبات بلا مرض لحنث. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال: إن "أو"، هنا لكونها واقعة بعد النفي تفيد النفي عن الأمرين معا. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: صورة المنطوق التي لا حنث فيها تصدق بأمرين لم يكثرها نهارا ولم يبت، لم يكثرها نهارا وبات بمرض. وقوله: "مرض"؛ يعني مرض المحلوف عليه كما نص عليه

стр. 3269

غير واحد، والمفهوم أربع صور أن يكثرها نهارا من غير مبيت، أو مع مبيت لمرض، أو مع مبيت لغير مرض، أو لم يكثرها وبات بلا مرض، والكثرة ما يعده العرف كثرة ولو في أيام، وهذا إذا كان لا يأتي من بلد أخرى، وإلا فله أن يقيم اليوم واليومين، ومقتضى جعل اليمين في مسألة "لا لدخول عيال" ما يدخل بين العيال من المشارة عدم الحنث بزيارته ولو طالت إقامته وبات بلا مرض: فما وجه ما ذكره المص؟ قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي: قلت لعله أن مجينه على الوجه المذكور ربما كان ذريعة لمجيء أولاده، فتحصل خلطة العيال. انتهى. ومن حلف لا يأوي إلى فلان، فألجأه مطر أو خوف وجنه الليل فأوى إليه ليلة أو بعض ليلة فقد حنث، إلا أن يكون نوى السكنى. انتهى. من ابن عبد السلام. قاله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: ومعنى هذا أنه يمكنه أن يأوي إلى غيره، أو يمكنه أن لا يأوي إليه بالكلية، وإلا فقد مر أن من حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار معه، أو أخرجها أهل الدار وهي بكراء، فلا شيء عليه في خروجها، واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها. وسافر القصر في لأسافرن؛ يعني أن الشخص إذا حلف ليسافرن، فإنه لا يخرجه من يمينه إلا أن يسافر مسافة القصر أي مسافة أربعة برد، وإن لم يقصر الصلاة فيه لعدم قصدها دفعة أو لعصيانه به أو نحو ذلك حملا له على القصد الشرعي دون اللغوي، وإلا لأجزا ما يسمى سفرا لغة ودون العرفي، وإلا لأجزأ ما يسمى سفرا عرفا، وعبارة الشيخ الأمير: عولوا هنا على الشرعي كأنه اشتهر. ومكث نصف شهر، مكث كنصر وكرم؛ يعني أنه لابد في بر الحالف المذكور بسفر القصر من أن يمكث نصف شهر في انتهاء سفره؛ أي لا يرجع لمكان دون مسافة القصر من موضع حلفه، وليس المراد حقيقة المكث الذي هو الإقامة؛ إذ لو استمر سائرا بعد مسافة القصر نصف شهر لبر يمينه. قاله غير واحد. وندب كماله؛ يعني أنه لو رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث، لكن يستحب له أن يمكث شهرا لقول ابن القاسم: لو رجع بعد خمسة عشر يوما لم يحنث والشهر أحب إلي. كأنتقلن؛

стр. 3270

يعني أن من حلف لينتقلن من هذه البلدة أو من بلدة كذا أو نوى ذلك فإنه لابد في بر يمينه من أن يسافر مسافة القصر، وأن يمكث نصف شهر، وندب كماله، فالتشبيه تام، وأما إن حاف لأنتقلن من هذه الدار أو الحارة، أو نوى ذلك أو قامت عليه قرينة فلا يشترط السفر، بل يكفي الانتقال لأخرى، ويمكث نصف شهر ويندب كماله، وهذا إذا قصد إرهاب جاره ونحو ذلك، وأما إن كره مجاورته فلا يساكنه أبدا، وكذلك ينبغي في مسألة [المنة (١)] أنه إن رجع إليه حنث، وما مشى عليه المص في لأنتقلن هو قول مالك، وقيل: يكفيه ثلاثة أميال فصاعدا وهو المقدار الذي إذا بلغة تسقط عنه الجمعة من الكان المحلوف عليه وهو استحسان ابن المواز، قال: ويقيم ما قل أو كثر ثم يرجع إن شاء، وإن حلف لينتقلن ولم يقيد بشيء مما تقدم فالقياس أنه لا يبر إلا بفعل من قيد ببلد والحالف لأنتقلن إن لم يضرب أجلا فهو على حنث ولا يحنث، وإن أخر الانتقال. قاله ابن عبد السلام. قال البساطي: ويحال بينه وبين زوجته إن كانت يمينه بطلاق وإن ضرب أجلا، قال ابن عبد السلام: فهو فيه على بر. انتهى. وفي كتاب محمد فيمن سكن منزلا لامرأته فمنت به عليه فحلف بالطلاق لينتقلن ولم يؤجل، فأقام ثلاثة أيام يطلب منزلا فلم يجده فأرجو أن لا شيء عليه، قيل: إن أقام شهرا؟ قال: إن توانى في الطلب خفت أن يحنث. انتهى. أي لما في هذا من بساط المنة؛ لأنه إذا توانى شهرا قويت منتها عليه ولا يحنث بثلاثة أيام يطلب فيها منزلا؛ لأن هذا المقدار لا يحصل منه منة البتة. انتهى. والله أعلم. وفي الحطاب: وإذا حلف ليخرجن فلانا من داره فأخرجه فله رده بعد شهر. انتهى. وقوله: "كأنتقلن"، يريد به السابقة في قوله: "لأنتقلن". وقوله: ولو بإبقاء رحله، مبالغة في قوله: "وببقاء ولو ليلا في لا سكنت"، وفي قوله: "كأنتقلن"؛ يعني أنه إذا حلف لا ساكنه يحنث ببقاء شيء من متاضه في الدار التي حلف لا ساكنه بها، ولو كان ذلك الشيء المبقى رحلا، والمراد بالرحل ماله بال، وقيل: لا يحنث، وروي عن مالك. اللخمي: أراد ذهب في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، فغفى عنها السكنى

стр. 3271

إذ لم يكن إلا المتاع، وكذا لو حلف لأنتقلن فإنه لابد في بره من نقل جميع متاعه وأهله وولده، فلو أبقى من متاعه شيئا له بال لم يبر فالبالغة راجعة للمسألتين، كما حرره بناني رادا على الرماصي، والحنث في الأولى مقيد بثلاثة قيود: أن لا يكون في نقله فساد كثمر شجر بدار قبل استحقاق جذه فلا يحنث بإبقائه فيما يظهر، وأن يكون حلفه لقطع المنة ونحوها فإن كان لما يدخل بينه وبين جيرانه من المشارة ونحوها فلا يحنث، وأن يبقيه بمحل يدخل في عقد الإجارة من غير شرط: وأما ما لا يدخل إلا بشرط كالمطامير فلا يحنث بإبقاء ما خزن به. قال الحطاب: ومثل المطامير الصهاريج عندنا بالحجاز، فإذا أبقى رحله بالمطامير أو الصهاريج لم يحنث إن أكراها منفردة عن محل سكناه وكانت مأمونة حال انتقاله عنها، ولم تدخل في الكراء الأصلي إلا بشرط كما هو موضوعه، فإن اختل واحد من هذه حنث بإبقائه شيئا من متاعه بها. لا بكمسمار؛ يعني أنه لا يحنث بإبقاء مالا بال له من متاعه كالمسمار والوتد، وظاهره تركه إهمالا أو نسيانا، وقال ابن وهب: لا يحنث إذا كان يريد عدم العود إليه. وهل إن نوى عدم عوده له؟ يعني أن الأشياخ تنازعوا هل يقيد قول ابن القاسم بقول ابن وهب فيكون ابن القاسم موافقا لابن وهب على الحنث إن نوى عوده له؟ أو يبقى قول ابن القاسم على إطلاقه؟ في ذلك تردد للمتأخرين في فهم كلام ابن القاسم طريقة التفصيل لابن رنتد، ومقابلها طريقة ابن يونس لا يحنث بترك السقط عند ابن القاسم مطلقا، قال الشيخ عبد الباقي: وأورد على الشق الأول أنه يقتضي حنثه إذا لم تكن له نية كما إذا نسى المسمار ونحوه. مع أن مذهب ابن القاسم فيها عدم الحنث وهو المذهب خلافا لابن وهب، فلو قال: وهل إلا أن ينوي عوده له تردد كان أولى، فمحل التردد إن نوى العود، فإن نوى عدمه لم يحنث اتفاقا، وكذا إن لم ينو شيئا عند ابن القاسم، فالأقسام ثلاثة محل التردد إن نوى العود، وإن لم ينو شيئا ففيها قولان وليست من محل التردد، فابن القاسم لا حنث عنده وهو المذهب، ويحنث عند ابن وهب، وإن نوى عدم العود فلا حنث اتفاق. هذا هو الذي يتحصل من كلام غير واحد. ونص في الموازية على أنه إن تصدق بمتاعه على رب المنزل أو غيره فتركه المتصدق عليه لم يحنث، ولو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل يده أو رأسه فيها لم يحنث، وإن أدخل رجلا واحدة، فقال مالك: يحنث، وقال

стр. 3272

ابن القاسم: إن وضعها من وراء الباب أو في موضع من العتية يمنع الغلق حنث، وقال ابن الماجشون: إن نقل الخارجة ليدخل فتذكر فأخرجها حنث، وإن وقف عليها لم يحنث، ولو أدخل رأسه وصدره قائما لم يحنث ومضطجعا حنث. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وباستحقاق بعضه؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا فقضاه إياه فاستحق كله أو بعضه من يده، ولم يطلع على ذلك الاستحقاق إلا بعد مضي الأجل، فإن الحالف يحنث إن قام رب الدين بحقه، ولو أجاز المستحق بعد قيام رب الدين بحقه، وقوله: "وباستحقاق بعضه"؛ يعني ولو كان البعض الباقي يفي بالدين، فإن لم يقم رب الدين بحقه لم يحنث الحالف بالاستحقاق المذكور. أو عيبه؛ يعني أنه كما يحنث بالاستحقاق يحنث أيضا بتبين عيب فيه بعد الأجل قديم يوجب الرد، بشرط أن يقوم رب الدين بحقه في العيب فيحنث وإن لم يعلم الحالف بالعيب عند الدفع، وأما إن لم يقم رب الدين بحقه في العيب فلا حنث كالاستحقاق، وما قدامته من الحنث وإن لم يعلم الحالف بالعيب عند الدفع هو ظاهر المدونة، قال ابن الحاجب: وهو. إن لم يعلم مشكل. التوضيح: لأن القصد أن لا يماطل وقد فعل. اللخمي: والحنث على مراعاة الألفاظ ولا يحنث على القول الآخر؛ لأن القصد أن لا يلد. انتهى. وقوله: بعد الأجل متعلق باستحقاق أو يتنازعه هو والمضاف المقدر قبل عيبه؛ أي تبين عيب، ومفهوم قوله: "بعد الأجل" أنه إن علم قبله وأجاز فلا حنث، وكذا إن لم يجز، واستوفى حقه قبل مضي الأجل وإلا حنث، ولا حنث إذا كان العيب لا يوجب الرد كما أنه لا حنث إذا لم يحصل من المستحق تكلم أصلا. تنبيه: من حلف لا باع شيئا عينه فباعه وبه عيب يوجب الرد حنث، سواء قبله المشتري رجد علمه بالعيب أو رده، وإن حلف ليبيعنه لم يبر إن رد بالعيب، وقوله: "وباستحقاق بعضا، أو عيبه بعد الأجل"؛ أي قامت بينة على عين الدراهم والدنانير المقضي بها أنها لغير الحالف على أن الدراهم والدنانير تتعين، وأما على القول بأنها لا تتعين أو لم تقم بينة فلا حنث مطلقا، ومن حلف ليقضين فلانا حقه في الأجل الفلاني فأعطاه رهنا لم يبر عند ابن القاسم وهو المشهور، وقال أشهب: يبر بذلك.

стр. 3273

وقوله: "وباستحقاق بعضه أو عيبه بعد الأجل"، في الخرشي ما نصه أن محل الحنث إذا قام المستحق بأخذ شيئه وقام واجد العيب به ولو حصل منهما إجازة بعد ذلك، وأما إن لم يقم واحد منهما بما ذكر فلا حنث إلا أن يكون العيب نقص العدد أي أو الوزن فيما التعامل به وزنا. انتهى. والضمير في "عيبه"، عائد على البعض، وأولى لو استحق كله أو تعيب كله. ويبيع فاسد فسد قبله؛ يعني أن المدين إذا حلف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا، ثم إن الدين الحالف باع لرب الدين سلعة بيعا متفقا على فساده، وقاصَّ الدين رب الدين بثمن المبيع فاسدا وفات المبيع فاسدا الذي هو السلعة بيد رب الدين قبل الأجل المحلوف إليه، فإن الحالف يحنث. إن لم تف قيمة السلعة بالدين، فإن وفت به لم يحنث؛ لأن المبتاع الذي هو رب الدين ملك السلعة بالفوات ولزمه قيمتها وهي مساوية لدينه، فهي قضاء، وإن لم تكن مساوية له حنث لكونه لم يقضه، والمراد بالحنث عدم البر؛ لأن الأجل لم يفت، ولذا إن وفى الحالف بتمام الدين قبل مضي الأجل بر وإلا حنث، وأما لو كان البيع مختلفا في فساده فلا يحنث به مطلقا؛ لأنه يمضي بالثمن، وكلام المص فيما يمضي بالقيمة، وقوله: "إن لم تف" بالفوقية، وفي نسخة بالتحتية وهي أحسن؛ لأن الفوقية تفهم أن قيمته إذا كانت لا تفي بالدين يحنث ولو وفاه وليس كذلك. قاله الشيخ الخرشي. كأن لم يفسد هذا مفهوم قوله: "فات"؛ يعني أنه لو لم يفت المبيع أو فات بعد الأجل لكان الحكم كذلك؛ أي فإن كانت قيمة المبيع تفي بالدين بر وإن لم تف به حنث، والحنث بعد مضي الأجل حيث لم يفت ظاهر، وأما قبل الأجل فمعناه عدم البر. على المختار؛ يعني أن هذا التفصيل المذكور هو اختيار اللخمي، وقال سحنون: بالحنث مطلقا، وأصبغ بعدمه مطلقا، وحينئذ فالمناسب لاصطلاحه التعبير بالفعل، والجواب عن المص أن التفصيل لما لم يخرج عن القولين كان مختارا من الخلاف، وما شرحت به كلام المص من شموله لما إذا لم يفت أصلا هو للإمام الحطاب وابن عاشر ومحمد بن الحسن بناني، رادا على عبد الباقي القائل: إنه إذا لم يفت المبيع قبل الأجل ولا بعده حنث اتفاقا، وكلام اللخمي نقله المواق، ولفظه: فإن باعه به عرضا بيعا فاسدا والأجل قائم، فإن فات وقيمته كالدين بر مطلقا، وأقل بر إن قضاه تمامه قبل

стр. 3274

الأجل وإلا حنث، وإن مضى وهو قائم، فقال سحنون: يحنث، وأشهب: لا يحنث، وأرى بره إن كان فيه وفاء، ولو علم الفساد إن قصد المبيع، وإن أراد ليقوم به بعد ذلك لم يبر. انتهى. وقوله: إن قصد المبيع لخ، ضعيف، والمذهب الإطلاق؛ أعني قصد المبيع، أو أراد القيام أم لا. قاله الشيخ إبراهيم. تنبيه: قال الرهوني: ترك المص من كلام اللخمي قيدا لابد منه، وهو أن يكون غير عالم بالفساد أو عالما به وقصد المبيع. انتهى. وهو الذي نقلته عن اللخمي. وبهبته له؛ يعني أن المدين إذا حلف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا، ثم إن رب الدين وهب الدين للمدين وقبله، فإن المدين الحالف يحنث بمجرد قبوله لعزمه على ضد ما حلف عليه؛ لأنه حلف ليقضين، فيحنث وإن لم يحل الأجل، وإليه ذهب أصبغ وابن حبيب، ظاهر قول مالك وأشهب أنه لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه الدين، فلو قضاه بعد القبول وقبل حلول الأجل على هذا الأخير لم يحنث، وعلى هذا حمله الش، وفي التتائي عن ابن ناجي أنه المشهور، فالصواب حمل المص عليه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحمله عليه هو الموافق لقوله: إلا بدفعه على ما هو الظاهر من رجوعه لهذه أيضا. قاله الشيخ بناني. وقوله: "وبهبته له"، قد علمت أنه إنما يحنث بالقبول لا بمجرد الهبة، وإنما لم يحنث بمجرد الهبة دون القبول لأن الهبة للمعين يشترط فيها القبول، فإن لم يقبل فإن وفاه في الأجل بر لأنه على بر إليه، وإلا فلا، وقوله: "وبهبته له"، قال الحطاب: اللخمي: هذا على مراعاة الألفاظ، وعلى مراعاة المقاصد لا يحنث؛ لأن القصد أن لا يكون منه لدد، وعلى الحنث فهل يحنث بنفس قبول الهبة وإن لم يحل الأجل؟ وإليه ذهب أصبغ وابن حبيب، أو لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه الدين؟ ولو قضاه إياه بعد القبول وقبل حلول الأجل لم يحنث، وهو ظاهر قول مالك وأشهب. انتهى. كلام الحطاب. وبما قررت علم أن الضمير في "هبته" لرب الدين، وأن الضمير في "له" للمدين، وقوله: "وبهبته له"؛ يعني أو تصدق به عليه ونحو ذلك.

стр. 3275

أو دفع قريبه عنه؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا، ثم إنه دفع الدين عن الحالف بغير أمره قريب له أي للحالف، فإن الحالف يحنث سواء كان الذي قضى به الدين من مال الحالف أو غيره، وإلى ذلك أشار بقوله: وإن كان المقضي به من مال؛ أي الحالف، وأما إن كان الدافع عند وكيله، فإن كان وكيله في القضاء أو كان مفوضا بر: وإن كان وكيله في المبيع والشراء والتقاضي فكذلك إن أمره به الحالف، وإلا فلا يبر. قاله المواق. وينبغي أن يكون علم الحالف بذلك ورضاه كأمره به، وإطلاق التتائي الوكيل غير ظاهر. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وأما وكيل الضيعة فلا يبر بقضائه، وما هنا وكيل الحالف، وما يأتي للمص وكيل المحلوف له، انتهى. وبما قررت علم أن القريب في كلام المص هنا محمول على قريب غير وكيل، أو وكيل تقاض أو ضيعة كما نص عليه غير واحد. أو بينه بالقضاء؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه، ثم إنه شهدت للمدين الحالف بينة بأنه قضى رب الدين أو تذكر الطالب أنه كان قبضه، أو أنه كان أبرأه، فإن الحالف في ذلك كله يحنث أي لا يبر. وقوله إلا بدفعه، راجع للثلاث؛ أي لمسألة الهبة، ودفع القريب، وشهادة بينة بالقضاء. والدفع يكون حقيقيا كما في مسألة الهبة وشهادة بينة بالقضاء؛ ريكون حكما كما في مسألة القريب كما إذا بلغة الخبر وأجاز؛ يعني أن الحالف المذكور لا يبر بهبة رب الدين له الدين الذي عليه، ولا يبر بدفع قريب عنه ولا يبر إذا شهدت له بينة بأنه قضى رب الدين إلا أن يدفع الدين لربه دفعا حقيقيا كما في مسألة الهبة ومسألة البينة، أو حكميا كما في مسألة القريب حيث يبلغه الخبر غائبا ويجيز. واعلم أن الشيخ ﵀ عبر في هذه المسائل بالحنث عن عدم البر؛ لأنه مع بقاء الأجل يمكنه الوفاء قبل ذهابه، فلا يتصف بالحنث، وأما إذا ذهب الأجل فالحنث واضح، وقوله: "إلا بدفعه"، قال ابن عاشر: أي إن قبل المحلوف عليه قبض المال وإلا فلا يلزم به، ويقع الحنث. انتهى. قال بناني: قلت له أن يبر بدفعه إلى الحاكم، ويشهد لذلك ما في الحطاب عن ابن رشد، ونصه عند قوله: وبر إن غاب، وأما إن كان المحلوف له حاضرا فالسلطان يحضره ويجبره على

стр. 3276

قبض حقه، إلا أن يكون الحق مما لا يجبر على قبضه، كعارية غاب عليها فتلفت عنده وما أشبه ذلك، فيبرأ من يمينه على دفع ذلك بدفعه للسلطان. وقوله: ثم أخذه، استئناف لبيان حكم المسألة وليس من تتمتها، فعلى هذا يقرأ فعلا. قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن الدين الحالف ليقضين رب الدين حقه إلى أجل كذا لا يبر في مسألتي الهبة والشهادة بالقضاء إلا بدفع الدين كما عرفت، فإذا دفعه بر، وله أن يأخذ ما دفع إن لم يكن رد الهبة، فقوله: "ثم أخذه"، إنما هو لبيان الحكم المذكور، لا أنه لا يخرج من اليمين إلا به، ومثل مسألة المص ما إذا كان الحق المحلوف على وفائه عوض عبد فاستحق، أو ظهر به عيب ورده فإنه لا يبر حتى يوفيه ثم يرده. وفي الخرشي ما نصه: فلو أبى المحلوف له في هذه المسائل من القبول، وقال: أنا لا حق لي آخذه فيدفع الحالف الحق للحاكم لأجل البر ثم يأخذه ولا يجبر الغريم. انتهى. وقد مر قريبا كلام بناني فراجعه إن شئت. وفي الخرشي مانصه: ثم إن كلام المؤلف هذا مبني على مراعاة الألفاظ وترك مراعاة البساط والمقاصد وهو خلاف ما تقدم. انتهى. أي؛ لأن قصده أن لا يلد وسمع عيسى ابن القاسم: من أحلف مبتاعي سلعة لأجَلٍ أن يقضياه إليه لم يبر أحدهما بقضاء الآخر عنه دون إذنه، ولو ابتاعاها شركة بينهما إلا أن يتحاملا بثمنها. ابن رشد: إن تحاملا بر أحدهما بقضاء حقه فقط أو بقضاء الآخر عنه، ولو شرط البائع أخذ من نتاء بحقه لم يبر أحدهما بقضاء كل الحق، كمتفاوضين ابتاعا سلعة لأجل وحلفا كذلك قاله الخرشي. لا إن جن ودفع الحاكم؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى أجل كذا، ثم إن الحالف جن ودفع الحاكم الحق عن الحالف لرب الدين قبل مضي الأجل من مال الحالف فلا حنث عليه، وكذا لو دفعه الحاكم من ماله أي الحاكم فإنه يبر، وهذا حيث لا ولي لمن جن وإلا لم يبر بدفع الحاكم، والظاهر أن مثل الحاكم جماعة المسلمين، وقوله: "لا إن جن" وكذا لو أغمي عليه أوأسر أو حبس ولم يمكنه أن يدفع أو سكر كذا يظهر في الجميع. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ثم إن البراءة بدفع الحاكم مقيدة بما إذا لم يكن للمجنون ولي، ويجري مثله في

стр. 3277

المغمى عليه والسكران كذا ينبغي، وظاهر كلامه أنه يبر وإن كان المدفوع من مال الحاكم والولي مثله. انتهى. وإن لم يدفع فقولان؛ يعني أنه ما لم يدفع الحاكم قبل الأجل بأن لم يقض عن الحالف الذي جن حتى مضى الأجل، فإنه اختلف في حنثه، فقال أصبغ: يحنث، وقال ابن حبيب: لا يحنث. مالك: لو مات المحلوف له والحالف وارثه استحسن أن يأتي الإمام فيقضيه ثم يرده له، وعنه: الوراثة كالقضاء. وفي الخرشي أن قوله: "ودفع الحاكم" جملة حالية؛ أي فيبر بدفع الحاكم ولو كان للمجنون ولي أو وكيل؛ لأنه انعزل بجنونه، وينبغي أن محل بره حيث لم يفق قبل الأجل، وإلا فلابد من دفعه ثم أخذه. وبعدم قضاء في غد في لأقضينك غدا يوم الجمعة وليس هو؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك غدا يوم الجمعة أو لأقضينك يوم الجمعة غدا الحكم سواء، فإنه يحنث إذا لم يقضه غدا والحال أن الغد ليس يوم الجمعة بل يوم الخميس مثلا لتعلق الحنث بغد لا بتسميته جمعة، وهو يقع بأدنى سبب، وظاهره ولو نوى يوم الجمعة لمنافاة نيته، لقوله: "غدا"، وفي سماع يحيى: وسئل عن الرجل يحلف بطلاق امرأته ليقضين رجلا حقه يوم الفطر وهو من بعض أهل المياه، فأفطروا يوم السبت وقضاه ذلك اليوم، ثم جاء الثبت من أهل الحاضرة أن الفطر كان يوم الجمعة، قال: سمعت مالكا يقول: هو حانث، قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصل المذهب في أن من حلف لا يفعل فعلا ففعله مخطئا أو جاهلا أو ناسيا يحنث، كمن حلف ليقضين رجلا حقه يوم كذا فيمر ذلك اليوم وهو يظن أنه لم يأت بعد أي فيحنث. وقوله: "وليس هو"، قال الشيخ إبراهيم: إلا أن يريد اليوم الذي سمى فينوى إن كان مستفتيا. نقله المشدالي. ولو قال: لأقضينك حقك غدوة أو بكرة ففيما بينه وبين نصف النهار، وقيل يعجل في بكرة وفي العشي من وقت الظهر للغروب. ابن رشد: من وسط وقت الظهر، لقوله عن بعض من مضى: ما أدركت الناس يصلون الظهر إلا بالعشي، ولا شك أنهم لم يكونوا يؤخرون إلى آخر الوقت، ولو قال عند صلاة الظهر فلآخر المقامة، وفي حنثه إلى صلاة الظهر بميل الفيء أو بانقضاء صلاة الجماعة، وإن

стр. 3278

لم تكن جماعة فبانقضاء المقامة قولا محمد وابن الماجشون، ولابن القاسم: مدة أن تصلى الجماعة والقامة. العتبي عن أصبغ: الحنث في لأقضينك إلى الحصاد بانقضائه ويقضى عليه في معظمه، ونظر فيه ابن رشد، ولو قال: لأقضينك قبل أن أصلي فبانصراف الناس من الصلاة، وإن لم يصل هو وإن لم يكن للمسجد جماعة فلآخر الوقت، فلو اختلفا بعد مضي الأجل المحلوف عليه، فقال رب الحق: لم تقض، وقال الحالف: بل قضيتك، فالقول قول رب الحق يحلف ويستمر الحق باقيا، ويحلف الآخر ولا يحنث ولكن يدفع الحق لربه على أحد أقوال، وقوله: "وبعدم قضاء"، عدلف على قوله: "بفوت ما حلف عليه"، والضمير المنفصل تأكيد للمستتر الراجع إلى الغد، والخبر محذوف أي يوم الجمعة. انظر الخرشي. لا إن قضى قبله؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه غدا فعجله له قبل مجيء غد لا حنث عليه؛ لأن الحال اقتضت أنه لا يتأخر القضاء عن غد، ولذا لو قصد التأخير لغد لمطل فإنه يحنث بالقضاء قبله. بخلاف لآكلنه؛ يعني أن الحالف على طعام ليأكلنه غدا يحنث بأكله قبل غد؛ لأن الطعام قد يقصد به اليوم، والقصد في القضاء عدم المطل، ولذا لو كان الحالف مريضا لم يحنث بأكله قبل غد لدلالة البساط على أنه لا يؤخر أكله عن غد، فتقديمه عنه سرور لأهله. وفي الخرشي: والدواء كالطعام للمريض لا حنث فيه. ولا إن باعه به عرضا؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه، وكان حقه دراهم أو دنانير، فإنه لا يحنث إذا أعطاه قضاء عن حقه عرضا يساوي ما عليه أن لو يبع، هذا إذا كان قصد الحالف مطلق الوفاء، فإن لم يساو العرض ما عليه لم يبر ولو باعه بقدر الدين؛ لأنه يحتاط لجانب البر، والحنث يقع بأدنى سبب، ولو كانت صيغة يمينه: لأقضينك دراهمك، فإنه يحنث إذا أعطاه عنها عرضا إلا أن يكون نوى قضاء الحق. واعلم أن الصور ست؛ لأن يمينه إما لأقضينه حقه أو دراهمه في الدراهم أو دنانيره في الدنانير، وفي كل إما أن يقصد مطلق الوفاء أو عين الدراهم والدنانير، أو لا قصد له، فمتى كانت يمينه بلفظ الدراهم أو الدنانير أو بلفظ الحق وقصد مطلق الوفاء بر بالعرض الذي يفي بقيمة الحق

стр. 3279

فيهما، فإن نوى عين دراهمه أو عين دنانير لم يبر فيهما، فإن لم تكن له نية بر بالعرض المساوي في لفظ الحق لا في لفظ الدراهم أو الدنانير. والله سبحانه أعلم. وبما قررت علم أن معنى قوله "باعه به عرضا"، أعطاه في عينه التي عليه عرضا قضاء، وقوله: "ولا إن باعه به عرضا"، يفهم من قوله: "وببيع فاسد" ضمْنا. قاله الخرشي. وبر إن غاب بقضاء وكيل تقاض؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه عند أجل كذا فغاب رب الدين أو تغيب واجتهد في طلبه فلم يجده، فخشي الحالف أن يمضي الأجل قبل القضاء، فدفع الحق لوكيل الغائب الذي وكله على تقاضي دينه، فإنه يبر بدفعه ذلك، وفي الحطاب ما نصه: وأما إن كان المحلوف له حاضرا فالسلطان يحضره ويجبره على قبض حقه، إلا أن يكون الحق مما لا يجبر على قبضه كعارية غاب عليها فتلفت عنده وما أشبه ذلك، فيبرأ من يمينه على دفع ذلك إليه بدفعه إلى السلطان. وبالله التوفيق. انتهى. وظاهر النص أنه لا يبر بدفعه لوكيل التقاضي أو التفويض مع حضوره. قاله الأمير. أو مفوض؛ يعني أنه كما يبر بالدفع لوكيل التقاضي يبر بالدفع لوكيل الطالب المفوض إليه، وقوله: "مفوض"، بواو مشددة مفتوحة مصدر ميمي، وليس اسم مفعول لإضافة الوكيل إليه. والله سبحانه أعلم. وقد مر أنه لو مات المحلوف له يبر بقضاء وارثه، قال الشيخ إبراهيم: وأقيم منها أن من ظلم ومات قبل خلاصه كان الثواب في الآخرة لورثته، وهو أحد قولين حكاهما ابن العربي، وبه أفتى الشبيبي قائلا لو دفعه الظالم لورثة المظلوم لبرئ اتفاقا. ابن ناجي: ناظرني فيها ابن عمي الفقيه القاضي العدل أبو سعيد خليفة ابن أحمد ابن ناجي وألزمني التسلسل لآخر وارث فالتزمته. انتهى. انتهى. كلام الخرشي. وقوله: "وبر إن غاب بقضاء وكيل تقاض أو مفوض"، ويبرأ أيضا من الدين فيهما. وهل ثم وكيل ضيعة؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا وقول المدونة: وإن قضى وكيلا له في ضيعته ولم يوكله رب الحق يتقاضى ديونه أجزأه، فظاهره سواء كان بالبلد سلطان أو لم يكن، وعلى هذا الظاهر اختصرها بعضهم، واختصرها آخرون على أنه لا يبر بدفعه لوكيل الضيعة إلا عند عدم

стр. 3280

السلطان أو الوصول إليه، واختلاف الشيوخ إنما هو عند فقد وكيل التقاضي ووكيل التفويض كما أفاد ذلك بقوله: ثُمَّ وإلى هذا الثاني أشار بقوله: أو إن عدم الحاكم. واعلم أن كلام المص يقتضي أن التأويل الأول قائل بتقديم وكيل الضيعة على الحاكم، والنقل أنهما سواء في بر الحالف بدفعه لأحدهما، فالتأويلان هل الحاكم ووكيل الضيعة سواء؟ أو الحاكم مقدم عليه؟ وهذا الثاني هو الراجح. انتهى. وعليه الأكثر؛ يعني أن القول بأنه لا يبر بدفعه لوكيل الضيعة إلا عند عدم السلطان أو الوصول إليه هو الذي عليه الأكثر من الفقهاء، وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، وألحق أبو عمران الصديق الملاطف بوكيل الضيعة، والضيعة العقار كما في القاموس، وعن ابن مرزوق أن وكيل الضيعة هو الذي يتولى شراء النفقة للدارمن لحم وصابون وغيرهما. قال الشيخ عبد الباقي: ولما كان [البر (١)] من اليمين حاصلا بقضاء الأشخاص الأربعة، والبراءة من الدين حاصلة بالأولين دون الثالث وفيها في الرابع تفصيل، أشار إليه بقوله: وبرئ في الحاكم؛ يعني أن الحالف كما يبر بالدفع للحاكم في يمينه، يبرأ من الدين بالدفع للحاكم عند فقد الأولين، والمراد بالحاكم السلطان أو القاضي أو الوالي، ومحل براءة الحالف من الدين بالدفع للحاكم. إن لم يحقق، الحالف جوره أي الحاكم؛ بأن علم عدله أو جهله، وظاهره وإن كان جائرا في نفس الأمر أو عند الناس، وهذا على أن "يحقق" فعل مضارع مبني للفاعل. وانظر هل يقبل قوله أنه كان لا يحقق جوره أو ينظر لشهرته؟ وإلا بأن حقق الحالف جور الحاكم بر بالدفع إليه في يمينه، ولا يبرأ من الدين إلا بالدفع لوكيل التقاضي أو وكيل التفويض لا بالدفع لوكيل الضيعة. وشبه في البر دون البراءة قوله: كجماعة المسلمين يشهدهم؛ يعني أنه إذا لم يكن وكيل ولا سلطان أو كان سلطان وهو جائر، أو لا يقدر على الوصول إليه، فإنه يبر في يمينه بأن يأتي لجماعة المسلمين بالحق ويشهدهم على وزنه إن كان التعامل وزنا وعدده، ويرجع به بعد ذلك إلى داره. وفي الحطاب أنه لو دفع الحق إلى رجل من المسلمين فأوقفه على يديه، فإنه يبر إذا لم، يكن

стр. 3281

له وكيل ولا سلطان، وإن أشهد على إحضار الحق في الأجل ثم جاء الطالب بعد الأجل فمطله لم يحنث. قاله سحنون. وينبغي تقديم جماعة المسلمين على وكيل الضيعة حتى على القول بأنه يبر بالدفع له لقيامهم مقام الحاكم في مسائل، وظاهر ما تقدم أنه يبر بشهادة جماعة المسلمين على الوجه المذكور ولو لم يضق الوقت عن القضاء، وفي ابن بشير ما يفيد اشتراطه، وأراد بالجماعة اثنين عدلين، فإن لم توجد عدالة فالجمع على حقيقته، وأشعر قوله: "جماعة"، و "يشهدهم" بأنه لا يبر بجعله عند عدل من غير إشهاد عدلين، خلافا لما تقدم عن الحطاب، فإن في الشارح أنه مقابل. قاله الشيخ عبد الباقي. (وله يوم وليلة في رأس الشهر) يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه في رأس الشهر كان له يوم وليلة موسع فيهما عليه من الشهر الثاني. قاله الخرشي. أي الثاني عن الذي تعلق به الحلف. والله سبحانه أعلم. فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث، قال الشيخ إبراهيم: ولو قال وله ليلة ويوم في رأس الشهر لخ؛ لأن ليلة كل يوم قبله، ومثل قوله: "في رأس الشهر"، مجيء الشهر، وفي استهلاله وفي رؤيته. أو على رأسه؛ يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه عند رأس الشهر يكون له أول ليلة من الشهر الثاني مع يومها، فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث. (أو عند رأسه) يعني أن من حلف ليقضين فلانا حقه إذا استهل شهر رمضان مثلا، فإنه يوسع له في أول ليلة من الشهر الثاني مع يومها، فإذا غربت الشمس من اليوم الأول ولم يقضه حنث، وكذا في رأس العام أو عند رأسه أو إذا استهل، ومثل ما قال المص ما إذا قال لأقضينك حقك عند انسلاخ رمضان، أو إذا انسلخ فله يوم وليلة من شوال لجري العرف بذلك، وإن كان الانسلاخ لغة الفراغ كما في القاموس، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، ومثل قوله: "رأس الشهر" لخ، ما لو قال: في حلول الشهر، أو إذا حل أو حين يحل أو لمجيئه أو حين يستهل، أو إذا انقضى الهلال أو عند انقضائه أو إذا جاء آخر الهلال أو دخل الهلال، أو عند دخوله أو في استهلاله. نقله الشيخ الخرشي.

стр. 3282

وانظر قوله: إذا انقضى أو عند انقضائه، فلعله إنما يأتي على ما رواه ابن وهب عن مالك، وهو مقابل أن الانسلاخ والاستهلال وإلى رؤيته وإلى رمضان ذلك كله واحد وله يوم وليلة. والله سبحانه أعلم. وإلى رمضان؛ يعني أنه إذا حلف ليقضين فلانا حقه إلى رمضان فله شعبان يبر إن قضاه فيه، ويحنث بانقضائه أي بغروب الشمس من آخر يوم من شعبان، ولم يقضه لأن صيغته تحتمل أن المعنى إلى فراغ رمضان وإلى ابتدائه، فحمل على الثاني احتياطا لجانب البر، ومثله ما إذا قال: إلى استهلال رمضان. أو لاستهلاله؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك لاستهلال رمضان، فإنه يحنث بانقضاء شعبان بغروب الشمس من آخر يوم منه، وما ذكره المص من قوله: "أو لاستهلاله" ضعيف، والمعتمد أنه يكون له يوم وليلة من رمضان، فليست اللام كإلى على هذا الأخير، وإن قال لأقضينك حقك في العيد. سحنون: إن كان في الفطر فاليوم الأول، وإن كان في الأضحى فالثلاثة الأيام، وإذا قال يوم العيد فالأضحى والفطر سواء له اليوم الأول، وإن قال في أيام التشريق فأربعة أيام، وإنما كان له اليوم الأول فقط فيهما في قوله: يوم العيد؛ لأنه لما لم يضف له إلا لفظ يوم كان واحدا، ولا يرد أن المفرد المضاف يعم، فقياسه أن يعم في الأضحى الثلاثة الأيام؛ لأنه روعي مدلول اللفظ هنا عرفا لا لغة. قاله الشيخ عبد الباقي. ولو قال: إلى انسلاخ رمضان أو لانسلاخ رمضان لم يحنث إلا بانقضاء رمضان، ولو قال لأقضينك حقك إلى العيد لحنث بانقضاء رمضان، كما أفاده المص بقوله: "وإلى رمضان"، وهو قول سحنون، وصدر به اللخمي، وخالف في ذلك أصبغ. وقوله شعبان، الظاهر أنه مبتدأ حذف خبره أي وله شعبان في حلفه لأقضينك حقك إلى رمضان أو لاستهلال رمضان، فهو راجع للمسألتين الأخيرتين فقط، ولذا أتى بالواو ولم يعطفه بأو. والله سبحانه أعلم. وبجعل ثوب قباء؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب فجعله قباء بالمد والقصر، فإنه يحنث بلبس ذلك القباء، والقباء: ثوب مفرج. أو عمامة؛ يعني أنه لو حلف لا يلبس هذا الثوب وجعله عمامة، فإنه يحنث بلبس تلك العمامة، وكذا لو جعله سراويل فإنه

стр. 3283

يحنث بلبس ما ذكر على هذه الحالة التي صار إليها، ومثل جعل الثوب ما ذكر ما لو حلف لا يلبسه فأداره عليه أو اتزر به أو لف به رأسه أو جعله على منكبيه أو جلس عليه. وعلم مما قررت أن عليه مراد المص أنه يحنث بالجعل وإن لم يلبس، وعلم مما قررت أن قوله: في لا ألبسه راجع للأمرين. والله سبحانه أعلم. لا إن كرهه لضيقه؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب وقطعه قباء أو قميصا أو سراويل أو جبة أو قلنسوة ولبسه على تلك الحالة، فإنه يحنث كما علمت حيث لم يكرهه لضيقه أو لسوء صنعته، وأما إن كانت يمينه لكونه كرهه لضيقه أو لسوء صنعته فإنه لا يحنث إذا لبسه إذا حول إلى غير تلك الصفة التي حلف عليها، وقوله: "لا إن كرهه لضيقه"، هذا إذا كان الثوب حين حلفه يلبس على وجهٍ مَّا، وأما إن كان لا يلبس على وجه كالشقق فإنه يحنث إذا حوله إلى حال من الأحوال المتقدمة ثم لبسه، ولا ينوى أنه أراد ضيقه لأنها لا تلبس على حالها، كمن حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزها. ولا وضَعَه على فرجه؛ يعني أنه إذا حلف لا يلبس هذا الثوب فإنه لا يحنث إذا وضعه على فرجه بليل أو نهار علم أم لا إن لم يدره عليه، وإلا حنث كما مر، وقوله: "وضعه" جعله الشيخ عبد الباقي فعلا ماضيا، فإنه قال: ولا يحنث إن وضعه على فرجه، قال: وجعله مصدرا عطفا على توهم الباء في كرهه يمنعه وجود إن في المعطوف عليه إلا أن تفتح همزة أن. انتهى. وجعله الشيخ إبراهيم مصدرا، فإنه قال: ولا يحنث في وضعه على فرجه. انتهى. ثم جوز فيه الأمرين، وقال: إن الأولى كونه فعلا. ابن رشد: وهذا على ثلاثة أوجه، وجه لا يحنث فيه باتفاق وهو إذا جعله على ناصيته، ووجه لا اختلاف أنه يحنث وهو إذا لبس الثوب على هيئة لبسه، مثل ما إذا أخذ عمامة فأدارها على رأسه، ووجه اختلف فيه وهو إذا لبس الثوب على غير هيئته كالقميص يتزر به وما أشبه ذلك، ولو حلف لا يلبس هذا الثوب فحمل فيه زرعا على أكتاقه أو حملت المرأة فيه ولدها لم يحنث وقيل يحنث، ومن حلف في فراش أن لا يضطجع عليه ففتقه والتحف به مع امرأته حنث. ابن يونس: إن كان محشوا فكره سوء حشوه وأنه آذاه في ذلك في الرقاد ففتقه وأزال حشوه وجعله إزارا لم يحنث في الالتحاف به، وإن حلف أن لا يلبس ثوبا

стр. 3284

فجلس عليه، قيل يحنث لأن ذلك يسمى لباسا لما في الحديث: قد اسود هذا الحصير من طول ما لبس. وبدخوله من باب غير في لا أدخله؛ يعني أنه إذا حلف لا أدخل هذه الدار أو لا أدخلها من هذا الباب وغير الباب عن حاله حين اليمين فدخلها من ذلك الباب الذي غير، فإنه يحنث، وكذا يحنث إذا سد وفتح غيره ودخلها من الذي فتح. إن لم يكره ضيقه؛ يعني أن محل حنثه بالدخول من الباب الذي غير إنما هو إذا لم تكن يمينه لأجل ضيقه أو نحو ذلك، وأما إن كانت يمينه لأجل ضيقه أو لاطلاعه على ما لا يحب الاطلاع عليه أو لمروره على من لا يحب، فإنه لا يحنث بدخوله من باب غير. وبما قررت علم أن معنى قوله: "لا أدخله"، لا أدخل هذه الدار من هذا الباب، أو لا أدخل هذه الدار، وليس المراد لا أدخل من هذا الباب لأنه لا يحنث على هذا إذا دخل الدار من سوى هذا الباب، أشار إليه الشيخ إبراهيم، وقوله: "إن لم يكره ضيقه"، هو من التخصيص بالبساط. وبقيام على ظهره؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل بيتا يحنث بقيامه على ظهر البيت، فلا يشترط الدخول، وقوله: "ظهره"؛ أي ظهر البيت المحلوف على عدم دخوله. وبمكترى في لا أدخل لفلان بيتا؛ يعني أنه إذا حلف لا دخلت لفلان بيتا أو حلف لا يدخل بيت فلان أو حلف لا دخل دار فلان، فإنه يحنث بدخول بيت أو دار سكنها المحلوف على ترك الدخول لبيته أو داره بكراء، وكذا يحنث بقيام على ظهر ما ذكر؛ لأن البيوت تنسب لسكانها، ولهذا لو حلف لا دخل منزل فلان فدخل على رجل سكنه بكراء فلا شيء عليه، وإنما منزل الرجل حيث هو نازل ومثل المكترى المعار، وقوله: "وبمكترى" لخ، هذا إذا لم يقيد بملكه وأما لو قال لا أدخل لفلان بيتا يملكه فلا يحنث بدخول بيت مكترى له. قاله الشيخ إبراهيم. ولو حلف ليدخلن هذه الدار فقام على ظهر بيت منها لم يبر كما في الحطاب. وبأكل من ودفع له محلوف عليه؛ يعني أن من حلف لا يأكل طعام زيد -مثلا- ثم إن ولد الحالف دفع له زيد المحلوف على ترك أكل طعامه طعاما أو دفعه له غير المحلوف عليه فأكل الحالف مما دفع

стр. 3285

لولده فإنه يحنث، فقوله: "دفع"، مبني للمفعول، "ومحلوف عليه"، نائب عن الفاعل صفة لموصوف محذوف تقديره: طعام. وإن لم يعلم؛ يعني أن الحنث المذكور لا يتقيد بعلم الحالف بأن الطعام الذي دفع للولد من طعام المحلوف عليه، بل لا فرق بين أن يعلم بذلك وأن لا يعلم. إن كانت نفقه عليه؛ يعني أن الحنث المذكور يشترط فيه أن يكون الولد الذي أكل الحالف مما دفع له تجب نفقته على أبيه الحالف لا آكل طعام فلان، ولابد أيضا من كون المدفوع للولد يسيرا، وإلا لم يحنث الحالف إذ ليس للأب رد الكثير بخلاف اليسير فكأنه باق على ملك المحلوف عليه واليسير ما لا ينتفع الابن به إلا بأكله في الوقت كالكسرة وعبده كولده، إلا أنه يحنث بأكله مما دفع له وإن كثر؛ لأن له رده إلا أن يكون على العبد دين فليس له رد ما وهب له حينئذ كما في أحمد والتتائي. قاله عبد الباقي. وقوله: لأن له رده إلا أن يكون لخ، مثله في المواق لكن انظره مع قول المص الآتي: "ولغير من أذن له القبول بلا إذن". انتهى. وقوله: إنه يحنث بما دفع للعبد، ظاهره ولو مكاتبا" شيخنا يعتبر ما يؤول إليه. قاله الشيخ الأمير. ومفهوم قوله: إن كانت نفقته عليه أن الولد الذي لا تجب نفقته على أبيه الحالف لا يحنث بالأكل منه، سواء كان ما دفع له يسيرا أو كثيرا، وكذا لا يحنث بالأكل من ولد الولد لعدم وجوب نفقته عليه، وأما لو حلف لا انتفع منه بشيء، فإن كان الولد قد خرج من ولاية أبيه فلا حنث على الأب الحالف بما أخذ من قليل أو كثير، وأما الصغار فإن كان ما أخذوه يسيرا لا ينتفع به الأب في عون ولده فلا حنث عليه أيضا، وإن أخذ من المحلوف عليه شيئا ينتفع به الأب في عون ولده، مثل الثوب يكسوه إياه أو يطعمه طعاما يغنيه ذلك عن مؤنته فقد حنث، وأقره ابن رشد والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وبالكلام أبدأ في لا أكلمه الأيام؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم زيدا الأيام، فإنه إن كلمه أبد الدهر حنث، ومعنى ذلك أنه إن كلمه بعد يمينه في وقت أي وقت، فإنه يحنث بتكليمه مرة واحدة ولو بعد سنين كثيرة، ولا تتعدد عليه الكفارة بعدد تكليمه له، وإنما عليه كفارة واحدة إلا لموجب تعدد كما مر، وقوله: "لا أكلمه الأيام"، وكذا الحكم لو قال: لا أكلمه ولم يزد على ذلك، فإنه

стр. 3286

يحنث بتكليمه ولو بعد سنين كثيرة، وفي بعض النسخ بأو، وهي أفيد وأحسن. قاله الشيخ إبراهيم. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "أبدا" في جميع ما يستقبل من الزمان؛ لأن أبدا ظرف لاستغراق ما يستقبل من الزمان، وإنما حنث بالكلام أبدا في حلفه لا أكلمه الأيام حملا للألف واللام على الاستغراق. واعلم أنه لا خصوصية للكلام بهذا الحكم، بل يجري مثله في غيره كلا ألبسه أو لا أركبه. قاله الشيخ الخرشي. والله سبحانه أعلم. أو الشهور؛ يعني أن من حلف لا كلم زيدا الشهور يحنث بتكليمه له في جميع ما يستقبل من الزمن ولو بعد من اليمين جدا، حملا للألف واللام على الاستغراق، ومثل الشهور الأشهر، فلا فرق بين جمع القلة والكثرة، ولو اقتصر على الأيام لفهم منه الشهور من باب أولى، لكن أتى به. -والله سبحانه أعلم- للرد على القول بلزوم سنة فقط في مسألة الشهور ولا يحنث بتكليمه بعدها، قال: لقوله تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، وذلك مردود بأن المقصود من الآية نفي الزيادة التي كانت تعتقدها الجاهلية من النسي والأيمان مبنية على العرف. انظر الخرشي. وقوله: "وبالكلام أبدا في لا أكلمه الأيام"، مثل ذلك ما لو حلف لا يكلمه السنين فإنه يحنث بتكليمه له أبدا. واعلم أن حنثه في المسائل الثلاث؛ أي مسألة الأيام ومسألة الشهور ومسألة السنين بالكلام أبدا محله حيث لا نية كما هو واضح. وثلاثة في كأيام؛ يعني أنه لو حلف لا أكلم زيدا أياما بالتنكير فإنه يترك كلامه في ثلاثة أيام من وقت الحلف، ولا يحسب يوم الحلف منها إن سبق بالفجر، لكن إن كلمه فيه حنث، كما أنه إن كلمه في وقت من الأيام الثلاثة بعده ليلا أو نهارا فإنه يحنث، فإن حلف بما ذكر قبل الفجر أو معه حسب، فيحنث إن كلمه ما بقي يوم من الأيام الثلاثة. وإلغاؤه إن سبق بالفجر قول ابن القاسم، وقيل يحسب من وقت الحلف للغروب ويكمل من اليوم الذي يلي اليومين بعده كما هو ظاهر صدر نظم التتائي في السفر حيث قال: يلفق بعض اليوم لليوم قبله … وقد صح لا تلفيق فاحفظه ترفع

стр. 3287

وأدخلت الكاف سنين وشهورا منكرين، ولا يحسب يوم الحلف إن سبق بالفجر فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وأدخل بالكاف شهورا وسنين ولا يعد يوم الحلف لكنه لا يكلمه فيه، فإن كلمه فيه حنث، وكذا بقية الأيمان التي يلزم فيها الأبد أو مدة معينة، وقوله: "وثلاثة في كأيام"؛ أي ولا يحنث فيما زاد على ثلاثة مما ذكر على المنصوص عند ابن الحاجب والمشهور عند ابن عبد السلام، ومقابله يحنث بكلامه أبدا. قاله الشيخ إبراهيم. وهل كذلك في لأهجرنه؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا فيما إذا حلف حالف لأهجرن فلانا ولم يذكر مدة، فقيل إنه كذلك أي كمسألة من حلف لا أكلمه أياما فيلزمه ثلاثة أيام لا أكثر حملا للفظه على الهجران الشرعي أي الجائز شرعا، وهو للعتبية والواضحة، وقيل يلزمد شهر رعيا للعرف وهو قول ابن القاسم في الموازية، وإليه أشار بقوله: أو يلزمه شهر؛ والأول هو الراجح كما نص عليه الشيخ المحقق الأمير. ويبر في لأطيلن هجرانه بشهر على القول الأول وهو لابن الماجشون، وعلى القول الثاني لا يبر إلا بسنة وهو لمحمد. اللخمي: قول محمد احتياط لا أنه لا يجزئ دونها: فإن كانت بينهما مصادقة فالشهر طول وإلا فالشهر قليل، وأما لو قال لأهجرنه وعين مدة كحلفه ليهجرنه أياما أو شهورا أو سنين منكرة فيلزمه أقل الجمع من ذلك، ومن حلف لا أهجره أو لا هجره فسلم عليه ووقف عن كلامه كان على الخلاف، فمن راعى الألفاظ لم يحنثه، ومن راعى المقاصد حنثه وهما قولان، وأما من حلف لأهجرنه ونوى وصلة الهجران بيمينه فسلم عليه، فإنه يحنث؛ لأن السلام يُخرِج من الهجران كما في الرسالة بضم التحتانية. وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك. وسنة في حين؛ يعني أن من حلف لا أفعل كذا حينا أو حلف لأفعلن كذا حينا، فإنه يخرج من اليمين بسنة، وكذا إن عرف الحين، وفي التنزيل: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾؛ أي كل سنة. وزمان؛ يعني أنه لو حلف لا أفعل كذا أو حلف لأفعلن كذا زمانا، كمن قال لا أكلم زيدا مثلا زمانا أو لأهجرنه زمانا فإنه يلزمه سنة. وعصر؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم زيدا -مثلا- عصرا، فإنه يلزمه ترك كلامه سنة، فإن كلمه

стр. 3288

قبل مضي سنة من يوم الحلف حنث فإن كلمه بعدها لم يحنث. ودهر؛ يعني أنه إذا حلف لا أكلم زيدا -مثلا- دهرا فإنه يحنث إن كلمه قبل مضي سنة من يوم الحلف، فإن كلمه بعد مضيها لم يحنث، فإن عَرَّف هذه الثلاثة لزمه الأبد، قال الشيخ محمد بن الحسن عند قول المص "وسنة في حين وزمان وعصر ودهر": لعل هذا إذا اشتهر استعمال هذه الألفاظ عرفا في السنة، وإلا فيلزمه أقل ما تصدق عليه لغة، وأما إن قال أحيانا أو أزمانا أو أعصرا أو دهورا فتلزمه ثلاث سنين، وإن جمع بين هذه الألفاظ بالواو في يمين واحدة فالظاهر التوكيد. قاله الشيخ عبد الباقي. وبما يفسخ؛ يعني أنه إذا حلف ليتزوجن فإنه لا يبر بنكاح يفسخ قبل الدخول ولم يدخل حتى فسخ، فإن دخل ومضى بر في يمينه، ولا يبر بما يفسخ أبدا دخل أو لم يدخل، فقوله: "وبما يفسخ"؛ أي وحنث فإن عزم على الضد أو قيد بأجل فمضى ولم يفعل، فالحنث ظاهر صحيح، وإن أطلق أو قيد بأجل ولم يفت كلأتزوجن في هذا الشهر، فالمراد بالحنث عدم البر في اليمين ولا يبر بما يفسخ قبل وبعد إن لم يطل حيث فسخ ولم يثبت، فلا يبر إلا بعقد صحيح ابتداء وانتهاء، ولا يكفي مجرد العقد بل لابد من وطء مباح، ولو حلف شخص لإحدى زوجتيه إن لم أتزوج عليك فضرتك طالق، وحلف للأخرى إن تزوجت عليك فضرتك طالق، فتزوج أخته من الرضاع فإنه يحنث ممن حلف لها إن تزوجت عليك؛ لأنه تزوج، ويحنث من الأخرى أيضا لأنه لم يبر بذلك. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: فتزوج أخته من الرضاع؛ يعني حيث لم يعلم بالرضاع كما هو واضح. والله سبحانه أعلم. وبغير نسانه؛ يعني أنه لو حلف ليتزوجن فإنه لا يبر بتزوجه لامرأة غير مشبهة للنساء التي يليق به التزوج بهن لدناءتها عنهن عرفا، ككتابية ودنية وما أشبههما، فلا يبر إلا بعقد صحيح ووطء مباح في مشبهة نسائه لا في كحيض، ولذا لو قال: لأتزوجن في هذا الشهر أو في هذا اليوم فعقد على امرأة فيه، وبنى بها بعده لحنث، واشترط المغيرة أن تشبهه وتشبه زوجته في حلفه ليتزوجن عليها، ومعنى تشبهها أي في القدر والرفعة؛ لأنها أغيظ لها، وهل يشترط في بره كون نكاحه نكاح رغبة؟ وينسب لابن القاسم، أو ولو قصد به إبرار يمينه. اللخمي: وهو القياس،

стр. 3289

والمرأة كالرجل فيما مر إلا أنها ينبغي أن يتفق على أنها لا تشترط فيها رغبة منها له أو منه لها. وبما قررت علم أن قوله: في ليتزوجن؛ أي في حلفه ليتزوجن، راجع لقوله: "وبما يفسخ"، ولقوله: "وبغير نسائه"، وقوله: "ليتزوجن"، وأما ليتسرين فاشترى سرية فإنه يبر بوطئها مرة على الراجح، وقيل بقيد اتخاذها للوطء وقيل بحملها، وظاهر هذا كانت تشبه أن يتسرى بها أم لا، ولكن يراعى العرف في لفظ سرية، وعرف مصر أنها البيضاء. وإن كانت دنية الجنس. قاله الشيخ عبد الباقي. وبضمان الوجه في لا أتكفل؛ يعني أنه إذا حلف لا يتكفل بمال فتكفل بنفس رجل فإنه يحنث؛ لأن الكفالة بالنفس كفالة بالمال لأنه يغرم عند تعذر الغريم، والحنث يقع بأدنى سبب، ويدل على التقييد بالمال قوله: إن لم يشترط عدم لغرم؛ يعني أن الحالف لا يتكفل بمال إنما يحنث بضمان النفس إذا لم يشترط عدم الغرم عند تعذر الدين، وأما إن اشترط أنه لا يغرم عند تعذر الدين فلا حنث؛ لأنه يصير ضمان طلب وهو لا يحنث به إذا قيد حلفه بضمان المال أو بضمان الوجه: فإن أطلق بأن قال: والله لا أتكفل حنث بأنواع الضمان الثلاثة، اشترط عدم الغرم أم لا، وإن قيد بالوجه حنث بالمال؛ لأنه أشد من ما سمى. وبه لوكيله في لا أضمن؛ يعني أنه إذا حلف لا يضمن لزيد حقا على أحد فضمن لوكيله حقا على أحد فإنه يحنث وهذا التقرير لعلي الأجهوري والتاودي وهو تقرير البناني الآتي وقرره عبد الباقي بأن معناه إذا حلف لا يضمن زيدا أي لا يتكفل له بكفالة أي لا يتحمل بما في ذمته، فإنه يحنث بالضمان لوكيل زيد فيما اشتراه الوكيل لزيد أو اقترضه له. إن كان من ناحيته؛ يعني أن هذا الحالف إنما يحنث بضمان الوكيل إذا كان الوكيل المضمون له في ما على زيد من ناحية الموكل في نفس الأمر، كقريبه وصديقه الملاطف، وأما إن لم يكن من ناحيته فلا حنث. وهل إن علم؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم المدونة، فمنهم من حملها على أن محل الحنث بالضمان للوكيل الذي هو من ناحية الموكل، إنما هو إذا علم الحالف أن الوكيل من ناحية الموكل وأما إن لم يعلم أنه ناحيته فلا حنث ومنهم من قال ظاهر الكتاب أنه متى كان الوكيل من سبب الموكل

стр. 3290

لم يراع علم الحالف بأن الوكيل من ناحية الموكل بل الحنث منوط بكون الوكيل من ناحية الموكل علم الحالف بذلك أم لا، وعلى اعتبار العلم يقبل قوله إنه لم يعلم إن كانت يمينه بما لا يقضى عليه به أو بما يقضى عليه به، كيمين الطلاق أو العتق المعين، لكن إذا اشتهر أنه وكيل المحلوف عليه لم يقبل في الطلاق والعتق المعين مع المرافعة، وإنما اشترط في الحنث كون الوكيل من ناحية الموكل؛ لأنه إذا كان من ناحيته فكأن الضمان للموكل، فلا يقال الوكيل لم يقصده الحالف ولم يشمله لفظه. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، ومحلهما حيث لم يعلم الحالف أن المضمون وكيل للمحلوف عليه، فإن علم حنث باتفاق التأويلين علم أنه من ناحيته أم لا. وتحصل مما مر أن صورة المسألة أنه حلف لا يضمن زيدا أي حلف لا يتحمل بما في ذمته، فاشترى الوكيل لزيد سلعة بثمن في الذمة فضمن الحالف لبائع السلعة ثمنها لكي يسلم بائع السلعة لوكيل زيد، وهذا الذي قررت به المص نحوه لعبد الباقي وهو خلاف ما قرره به البناني، فإنه قال ما نصه: أشار به لقول المدونة: ومن حلف أن لا يتكفل لفلان بكفالة فتكفل لوكيل له ولم يعلم، فإن لم يكن الوكيل من سبب فلان وناحيته لم يحنث الحالف. انتهى. وعليه فاللام في قوله: "لوكيل"، وفي قوله: "له" للتعدية لا زائدة كما يؤخذ من تقرير الزرقاني حيث جعل الوكيل مضمونا لا مضمونا له، وكذا موكله فإنه خلاف ظاهر المص: وخلاف صورة المدونة انتهى ونسخة عبد الباقي ليس فيها له، ولا مانع من شمول المص للمسألتين فإنهما سواء فلا فرق بينهما. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى. أعلم. وقال الشيخ المحقق الأمير: وبضمانه لوكيله في لا أضمن له إن علم الوكالة أو كان كصديقه وقريبه، وهل يشترط علم الحالف بالصداقة ونحوها؟ قولان. انتهى. وهو صريح في أنه يحنث بالضمان للوكيل حيث علم الحالف بالوكالة، وإن لم يكن الوكيل من ناحية الموكل. والله سبحانه أعلم. وبقوله ما ظننته قاله لغيري لمخبر في ليسرنه؛ يعني أن عمرا -مثلا- إذا حلف ليكتمن خبرا أعلمه به زيد مثلا، ثم إن زيدا أعلم به بكرا مثلا، فقال بكر لعمرو الحالف: زيد أعلمني بكذا

стр. 3291

أي الخبر الذي حلف ليكتمنه، فقال عمرو: ما ظننته قاله لغيري، فإن عمرا الحالف يحنث بقوله ما ظننته قاله لغيري، فالضمير في قاله للخبر المحلوف على كتمانه، ومعنى ليسرنه بضم الياء: ليكتمنه ولا يظهره ولا يحدث به أحدا، فقوله لخبر لا مفهوم له، بل لو قاله لغيره لحنث. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. وقوله: "في ليسرنه"، متعلق "بحنث"، وإنما حنث عمرو بقوله ذلك؛ لأن هذا اللفظ يدل على أنه أسره إليه، وحينئذ فكأنه لم يكتمه، والحنث يقع بأدنى سبب، وأما لو قال ما ظننته يقول مثل هذا لغيري ونحوه فإنه لا يحنث. واعلم أن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع مفعولان أحدهما مسرح والآخر مقيد وجب تقديم المسرح على المقيد، والمص فعل ذلك فقدم المسرح وهو قوله: "ما ظننته"، على المقيد وهو قوله: "لمخبر". قاله الشيخ إبراهيم عن شيخه الأجهوري. وقوله: وجب، فيه نظر إذ ذاك هو الأصل، لكن لا يجب ارتكابه إلا لموجب كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم. وباذهبي الآن إثر لا كلمتك حتى تفعلي؛ يعني أن الشخص إذا حلف مخاطبا لزوجته -مثلا- لا كلمتك أو لا أكلمك حتى تفعلي كذا، ثم قال لها إثر يمينه اذهبي الآن ونحوه، فإنه يحنث بذلك القول وهذا قول ابن القاسم، وقال ابن كنانة وأصبغ: لا يحنث، قال ابن القاسم: وقضى لي فيها مالك على ابن كنانة، قال الشيخ محمد بن الحسن: يتعين تعلق الظرف باذهبي؛ لأن ابن القاسم فسر قوله: اذهبي بأنه كالقائل إن شئت فافعلي وإن شئت فدعي: وقال الشيخ عبد الباقي: إنه يحنث بمجرد قوله اذهبي؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب، وأن الظرف يحتمل أن يكون متعلقا بالحنث أي وحنث الآن، ولا ينتظر وقوع الفعل. واتفق ابن القاسم وابن كنانة على أنه لو حلف أحد أخوين لا يكلم الآخر حتى يبدأه، فحلف الآخر كذلك لا يكون يمين الثاني تبدئة ينحل بها اليمين عن الأول. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الخرشي: ولا مفهوم لقوله اذهبي، بل النهي كلا تذهبي والإشارة كذلك، وقوله: "إثر"، ومن باب أولى في الحنث لو لم يكن قوله ذلك بالأثر. انتهى وفيه أن الحنث يحصل باذهبي فقط.

стр. 3292

وليس قوله لا أبالي بدءا لقول آخر في لا كلمتك حتى تبدأني؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم زيدا مثلا حتى يبدأه بالكلام، فقال له زيد: لا أبالي أو نحو ذلك، فإنه يحنث إذا كلم زيدا قبل أن يبدأه زيد بالكلام، ولا يكون قول زيد له: لا أبالي ابتداء بالكلام فيمنعه من الحنث للاحتياط في جانب البر، بل لو قال له: والله إذا لا أبالي فإن ذلك لا يكون ابتداء بالكلام، كما لو كرر قوله لا أبالي. وبالإقالة في لا ترك من حقه شيئا؛ يعني أن من له حق في ذمة شخص وحلف لا ترك من حقه شيئا، ثم إن رب الحق أقال المشتري من السلعة التي ترتب الحق بسببها، فإنه يحنث. إن لم تف؛ يعني أن محل حنثه إن لم تف قيمة السلعة بالحق الذي ترتب في ذمة مشتري السلعة، وفي نسخة: يف بالياء التحتية؛ أي إنما يحنث إن لم يف المشتري بالحق حيث لم تف قيمة السلعة بالحق، فإن حصل وفاء بالحق من المشتري، أو حصل وفاؤه بقيمة السلعة حين الإقالة وفاء محققا بر كعرض أخذ عن ثمن، فإن شك في الوفاء حنث، وما مر من أنه لا يحنث إذا وفى بالقيمة حيث لم تف بها السلعة إنما هو إذا لم يكن ذلك على وجه الهبة وإلا حنث. لا إن أخر الثمن؛ يعني أن الحالف لا ترك من حقه شيئا لا يحنث بتأخير الحق؛ لأن الأجل إنما تكون له حصة من الثمن إذا وقع ابتداء، وأما بعد تقرر مال فلا زيد ولا نقص. اللخمي: وقيل يحنث والأول أبين؛ لأن التأخير يخف عليه ويراه حسن معاملة ولا يعده وضيعة ويخف عليه ترك اليسير، وإلى ما قاله اللخمي أشار بقوله: على المختار. ابن رشد: ولو حلف أن لا ينظره فوضع عنه لم يحنث بلا خلاف. ولا إن دفن مالا فلم يجده ثم وجده مكانه في أخذتيه؛ يعني أن الشخص إذا دفن مالا في مكان ثم فتش عنه فلم يجده، فحلف على زوجته -مثلا- لقد أخذتيه ثم وجده في المكان الذي دفنه فيه، فإنه لا يحنث وهذا هو الأصح، وقال ابن عبد السلام: هو المشهور، وحكى ابن حبيب عن مالك الحنث، ووجه المشهور أن معناه: إن كان ذهب فما أخذه إلا أنت ولم يذهب، وكذا لا يحنث إذا وجده في غير مكانه فتذكر أنه كان رفعه منه، وطريقة ابن بشير التفرقة بين المسألتين بحصول التفريط في الثانية دون الأولى، وإن وجده عند غيرها ففي غير اليمين بالله يحنث، وأما اليمين بالله فإما لغو وإما غموس، وكذا لا يحنث إن لم يجده أصلا حيث جزم عند يمينه بأخذها لا إن

стр. 3293

لم يجزم، فتطلق كما يفيده قوله في الطلاق: "فلو حلف اثنان على النقيض" لخ، وقوله: أخذته يوجد في بعض النسخ بإشباع كسرة الضمير وهي لغة جاء بها بعض الأحاديث. وبتركها عالما في لا خرجت إلا بإذني؛ يعني أن من حلف لزوجته لا خرجت إلا بإذني، فخرجت بغير إذنه وتركها عالما بخروجها فإنه يحنث؛ لأن علمه بخروجها لا يعد إذنا منه لها في الخروج وأحرى في الحنث إن لم يعلم، قال الشيخ أحمد: ويؤخذ من هذه المسألة ما أفتى به بعض شيوخنا فيمن حلَّف غريمَه أنه لا يسافر من هذا البلد إلا بإذنه، فسافر مصاحبا له من غير إذنه أنه يحنث؛ لأنه خرج بغير إذنه. وفي الحطاب عن ابن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا حلف على امرأته أن لا تخرج، فليس لها أن تخرج إلى موضع من المواضع وإن أذن لها، وإذا حلف أن لا يأذن لامرأته أن تخرج فلها أن تخرج حيث شاءت إذا لم يأذن لها، وإذا حلف أن لا تخرج إلا بإذنه ولم يقل إلى موضع ولا إلى موضع من المواضع، فيجزئه أن يقول لها اخرجي حيث شئت، فيكون لها أن تخرج حيث شاءت وكلما شاءت ولا يحنث، فإن أذن لها إلى موضع يعينه فذهبت إلى غيره حنث، فإن ذهبت إليه ثم ذهبت منه إلى غيره فقيل: لا يحنث، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، وقيل: يحنث وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وهو قول أصبغ في نوازله. وفي الواضحة: فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت من الطريق لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول فقيل يحنث وقيل لا يحنث، اختلف في ذلك قول ابن القاسم، وأما إذا حلف أن لا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه، أو قال إلى موضع ولم يقل من المواضع فأذن لها إلى موضع فخرجت إلى غيره أو إليه، وإلى غيره حنث، وإن رجعت من الطريق غير تاركة للإذن ثم خرجت عليه ثانية فعلى ما تقدم من الخلاف، وإن قال لها اخرجي حيث شئت فقيل لا يجزئها الإذن وليس لها أن تخرج حتى تستأذنه في كل مرة وتعلمه بالموضع الذي تخرج إليه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا، وقول مطرف وأصبغ، وقيل يجزئها ذلك الإذن، ولها أن تخرج بغير إذنه إلى حيث شاءت لأنه قد عم في الإذن لها، وهو قول ابن

стр. 3294

الماجشون وأشهب، فإن رجع عن الإذن بعدما أذن لها فقال لها لا تخرجي فخرجت على الإذن الأول حنث، وقد قيل إنه لا يحنث. انتهى. لا إن أذن لأمر فزادت بلا علم؛ يعني أنه إذا حلف أن لا يأذن لزوجته إلا في عيادة مريض -مثلا- فزادت على الأمر الذي عينه لها بأن ذهبت لغيره قبله أو بعده أو اقتصرت على غير المعين بلا علم من الحالف، فإنه لا يحنث، فإن فعلت غير المأذون فيه مع علمه بفعلها حنث؛ لأن علمه كإذنه وهو قد حلف لا يأذن لها إلا في عيادة مريض مثلا، وأما علمه بعد فعلها للزيادة فلا يوجب حنثا، فليست هذه من تتمة ما قبلها، وأما لو حلف لا تخرجي إلا بإذني أو إلى موضع من المواضع إلا بإذني، وأذن لها في موضع معين فزادت عليه أو اقتصرت على ما لم يأذن لها فيه، فإنه يحنث سواء علم أم لا، فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول، فلابن القاسم في سماع أبي زيد أنه لا يحنث وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن نافع، ولابن القاسم في الواضحة أنه يحنث، وإذا قال اخرجي حيث شئت انحلت يمينه في لا تخرجي إلا بإذني لا في لا تخرجي إلى موضع أو زاد من المواضع إلا بإذني؛ لأنه لا قيد بإلى موضع أو إلى موضع من المواضع دل على أن مراده لابد من إذنه لها في الخروج إذنا خاصا. وحنث بعوده أي الحالف أي دخوله لها أي الدار بعت خروجها عن ملكه، وتملك آخر لها في حلفه لا سكنت هذه الدار؛ يعني أن الشخص إذا حلف لا سكنت هذه الدار وهي في ملكه، ثم إنها خرجت عن ملكه وتملكها شخص آخر فسكنها الحالف بعد خروجها عن ملكه وتملك ذلك الآخر لها، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى، فالمراد بالعود هنا مطلق الدخول. وبما قررت علم أن قوله: "تملك"، بالإضافة لا بالتنوين، كما نص عليه الشيخ إبراهيم. أو دار فلان هذه؛ يعني أنه إذا حلف لا يسكن دار فلان هذه فخرجت الدار عن ملك فلان المذكور لشخص آخر، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى. والله سبحانه أعلم. إن لم ينو ما دامت له؛ يعني أن محل الحنث في الصيغتين إنما هو حيث لم يرد لا يسكنها

стр. 3295

ما دامت لمالكها الأول، وأما إن نوى ذلك فإنه لا يحنث بسكناها بعد خروجها عن ملكه ودخولها في ملك شخص آخر. لا دار فلان؛ يعني أن من حلف لا سكنت دار فلان، ولم يقل: هذه، لا يحنث بسكناها في غير ملك فلان إن لم ينو عينها. ولا إن خربت وصارت طريقا؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار ودخلها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وكذا لو حلف لا يسكن هذه الدار فسكنها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وانظر كيفية السكنى في الطريق. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: يتصور بأن يجعل فيها خباء أو بيت شعر، وقد مر أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار لا يحنث بمروره بها بعد أن خربت وصارت طريقا، ومحل ذلك على ما في الموازية إن كانت يمينه من أجل صاحب الدار، وأما إن كانت كراهية في الدار خاصة فلا يمر فيها، وظاهر المدونة كانت يمينه من أجل صاحبها أم لا، قال الشيخ أبو محمد: يحتمل أن يكون قول محمد تفسيرا، ومن حلف لا دخل هذا البيت فحول مسجدا لم يحنث بدخوله، ومن حلف لا دخل هذه الدار ثم هدمت أو خربت وصارت طريقا لا يحنث كما علمت، فإذا بنيت بعد خرابها وصيرورتها طريقا حنث بدخولها كما في المدونة. إن لم يأمر به؛ أي بالتخريب؛ يعني أن محل عدم حنثه بالمرور بمكان الدار بعد أن خربت وصارت طريقا إنما هو حيث لم يأمر بالتخريب، وأما إن أمر بتخريبها فإنه يحنث بالمرور المذكور هذا ظاهره، قال الشيخ ابن غازي: ولم نر ما يوافقه، وقال الشيخ عبد الباقي: الصواب أن معناه ويحنث إن بنيت ودخلها بعد البناء طائعا، ولا يحنث إن دخلها بعد البناء مكرها إن لم يأمر بالإكراه، وأما إن أمر بالإكراه فيحنث، كأن يقول احملوني ففعلوا به ذلك، فإنه يحنث. انتهى. قوله: الصواب أن معناه إن لم يأمر بالإكرإه لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، وإن كان حمل المص عليه يفتقر إلى تقدير يحتاج إلى وحي يسفر عنه لكن يشفع في ذلد قصد موافقة المدونة، ومن حلف لا يدخل على فلان بيتا فأدخل على المحلوف عليه مكرها لم يحنث إلا أن يتراخى، فلو قدر أن يخرج فلم يخرج مكانه حنث، وقوله: إن لم يأمر به، نص المدونة: وإن حلف أن لا يدخل هذه الدار فهدمت أو خربت وصارت طريقا لم يحنث، فإن بنيت بعد ذلد
следующие страницы →