← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

أي الخبر الذي حلف ليكتمنه، فقال عمرو: ما ظننته قاله لغيري، فإن عمرا الحالف يحنث بقوله ما ظننته قاله لغيري، فالضمير في قاله للخبر المحلوف على كتمانه، ومعنى ليسرنه بضم الياء: ليكتمنه ولا يظهره ولا يحدث به أحدا، فقوله لخبر لا مفهوم له، بل لو قاله لغيره لحنث. كما نص عليه الشيخ إبراهيم. وقوله: "في ليسرنه"، متعلق "بحنث"، وإنما حنث عمرو بقوله ذلك؛ لأن هذا اللفظ يدل على أنه أسره إليه، وحينئذ فكأنه لم يكتمه، والحنث يقع بأدنى سبب، وأما لو قال ما ظننته يقول مثل هذا لغيري ونحوه فإنه لا يحنث. واعلم أن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع مفعولان أحدهما مسرح والآخر مقيد وجب تقديم المسرح على المقيد، والمص فعل ذلك فقدم المسرح وهو قوله: "ما ظننته"، على المقيد وهو قوله: "لمخبر". قاله الشيخ إبراهيم عن شيخه الأجهوري. وقوله: وجب، فيه نظر إذ ذاك هو الأصل، لكن لا يجب ارتكابه إلا لموجب كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم. وباذهبي الآن إثر لا كلمتك حتى تفعلي؛ يعني أن الشخص إذا حلف مخاطبا لزوجته -مثلا- لا كلمتك أو لا أكلمك حتى تفعلي كذا، ثم قال لها إثر يمينه اذهبي الآن ونحوه، فإنه يحنث بذلك القول وهذا قول ابن القاسم، وقال ابن كنانة وأصبغ: لا يحنث، قال ابن القاسم: وقضى لي فيها مالك على ابن كنانة، قال الشيخ محمد بن الحسن: يتعين تعلق الظرف باذهبي؛ لأن ابن القاسم فسر قوله: اذهبي بأنه كالقائل إن شئت فافعلي وإن شئت فدعي: وقال الشيخ عبد الباقي: إنه يحنث بمجرد قوله اذهبي؛ لأن الحنث يقع بأدنى سبب، وأن الظرف يحتمل أن يكون متعلقا بالحنث أي وحنث الآن، ولا ينتظر وقوع الفعل. واتفق ابن القاسم وابن كنانة على أنه لو حلف أحد أخوين لا يكلم الآخر حتى يبدأه، فحلف الآخر كذلك لا يكون يمين الثاني تبدئة ينحل بها اليمين عن الأول. قاله الشيخ إبراهيم. وفي الخرشي: ولا مفهوم لقوله اذهبي، بل النهي كلا تذهبي والإشارة كذلك، وقوله: "إثر"، ومن باب أولى في الحنث لو لم يكن قوله ذلك بالأثر. انتهى وفيه أن الحنث يحصل باذهبي فقط.

стр. 3292

وليس قوله لا أبالي بدءا لقول آخر في لا كلمتك حتى تبدأني؛ يعني أنه إذا حلف لا يكلم زيدا مثلا حتى يبدأه بالكلام، فقال له زيد: لا أبالي أو نحو ذلك، فإنه يحنث إذا كلم زيدا قبل أن يبدأه زيد بالكلام، ولا يكون قول زيد له: لا أبالي ابتداء بالكلام فيمنعه من الحنث للاحتياط في جانب البر، بل لو قال له: والله إذا لا أبالي فإن ذلك لا يكون ابتداء بالكلام، كما لو كرر قوله لا أبالي. وبالإقالة في لا ترك من حقه شيئا؛ يعني أن من له حق في ذمة شخص وحلف لا ترك من حقه شيئا، ثم إن رب الحق أقال المشتري من السلعة التي ترتب الحق بسببها، فإنه يحنث. إن لم تف؛ يعني أن محل حنثه إن لم تف قيمة السلعة بالحق الذي ترتب في ذمة مشتري السلعة، وفي نسخة: يف بالياء التحتية؛ أي إنما يحنث إن لم يف المشتري بالحق حيث لم تف قيمة السلعة بالحق، فإن حصل وفاء بالحق من المشتري، أو حصل وفاؤه بقيمة السلعة حين الإقالة وفاء محققا بر كعرض أخذ عن ثمن، فإن شك في الوفاء حنث، وما مر من أنه لا يحنث إذا وفى بالقيمة حيث لم تف بها السلعة إنما هو إذا لم يكن ذلك على وجه الهبة وإلا حنث. لا إن أخر الثمن؛ يعني أن الحالف لا ترك من حقه شيئا لا يحنث بتأخير الحق؛ لأن الأجل إنما تكون له حصة من الثمن إذا وقع ابتداء، وأما بعد تقرر مال فلا زيد ولا نقص. اللخمي: وقيل يحنث والأول أبين؛ لأن التأخير يخف عليه ويراه حسن معاملة ولا يعده وضيعة ويخف عليه ترك اليسير، وإلى ما قاله اللخمي أشار بقوله: على المختار. ابن رشد: ولو حلف أن لا ينظره فوضع عنه لم يحنث بلا خلاف. ولا إن دفن مالا فلم يجده ثم وجده مكانه في أخذتيه؛ يعني أن الشخص إذا دفن مالا في مكان ثم فتش عنه فلم يجده، فحلف على زوجته -مثلا- لقد أخذتيه ثم وجده في المكان الذي دفنه فيه، فإنه لا يحنث وهذا هو الأصح، وقال ابن عبد السلام: هو المشهور، وحكى ابن حبيب عن مالك الحنث، ووجه المشهور أن معناه: إن كان ذهب فما أخذه إلا أنت ولم يذهب، وكذا لا يحنث إذا وجده في غير مكانه فتذكر أنه كان رفعه منه، وطريقة ابن بشير التفرقة بين المسألتين بحصول التفريط في الثانية دون الأولى، وإن وجده عند غيرها ففي غير اليمين بالله يحنث، وأما اليمين بالله فإما لغو وإما غموس، وكذا لا يحنث إن لم يجده أصلا حيث جزم عند يمينه بأخذها لا إن

стр. 3293

لم يجزم، فتطلق كما يفيده قوله في الطلاق: "فلو حلف اثنان على النقيض" لخ، وقوله: أخذته يوجد في بعض النسخ بإشباع كسرة الضمير وهي لغة جاء بها بعض الأحاديث. وبتركها عالما في لا خرجت إلا بإذني؛ يعني أن من حلف لزوجته لا خرجت إلا بإذني، فخرجت بغير إذنه وتركها عالما بخروجها فإنه يحنث؛ لأن علمه بخروجها لا يعد إذنا منه لها في الخروج وأحرى في الحنث إن لم يعلم، قال الشيخ أحمد: ويؤخذ من هذه المسألة ما أفتى به بعض شيوخنا فيمن حلَّف غريمَه أنه لا يسافر من هذا البلد إلا بإذنه، فسافر مصاحبا له من غير إذنه أنه يحنث؛ لأنه خرج بغير إذنه. وفي الحطاب عن ابن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا حلف على امرأته أن لا تخرج، فليس لها أن تخرج إلى موضع من المواضع وإن أذن لها، وإذا حلف أن لا يأذن لامرأته أن تخرج فلها أن تخرج حيث شاءت إذا لم يأذن لها، وإذا حلف أن لا تخرج إلا بإذنه ولم يقل إلى موضع ولا إلى موضع من المواضع، فيجزئه أن يقول لها اخرجي حيث شئت، فيكون لها أن تخرج حيث شاءت وكلما شاءت ولا يحنث، فإن أذن لها إلى موضع يعينه فذهبت إلى غيره حنث، فإن ذهبت إليه ثم ذهبت منه إلى غيره فقيل: لا يحنث، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، وقيل: يحنث وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وهو قول أصبغ في نوازله. وفي الواضحة: فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت من الطريق لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول فقيل يحنث وقيل لا يحنث، اختلف في ذلك قول ابن القاسم، وأما إذا حلف أن لا تخرج إلى موضع من المواضع إلا بإذنه، أو قال إلى موضع ولم يقل من المواضع فأذن لها إلى موضع فخرجت إلى غيره أو إليه، وإلى غيره حنث، وإن رجعت من الطريق غير تاركة للإذن ثم خرجت عليه ثانية فعلى ما تقدم من الخلاف، وإن قال لها اخرجي حيث شئت فقيل لا يجزئها الإذن وليس لها أن تخرج حتى تستأذنه في كل مرة وتعلمه بالموضع الذي تخرج إليه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك هاهنا، وقول مطرف وأصبغ، وقيل يجزئها ذلك الإذن، ولها أن تخرج بغير إذنه إلى حيث شاءت لأنه قد عم في الإذن لها، وهو قول ابن

стр. 3294

الماجشون وأشهب، فإن رجع عن الإذن بعدما أذن لها فقال لها لا تخرجي فخرجت على الإذن الأول حنث، وقد قيل إنه لا يحنث. انتهى. لا إن أذن لأمر فزادت بلا علم؛ يعني أنه إذا حلف أن لا يأذن لزوجته إلا في عيادة مريض -مثلا- فزادت على الأمر الذي عينه لها بأن ذهبت لغيره قبله أو بعده أو اقتصرت على غير المعين بلا علم من الحالف، فإنه لا يحنث، فإن فعلت غير المأذون فيه مع علمه بفعلها حنث؛ لأن علمه كإذنه وهو قد حلف لا يأذن لها إلا في عيادة مريض مثلا، وأما علمه بعد فعلها للزيادة فلا يوجب حنثا، فليست هذه من تتمة ما قبلها، وأما لو حلف لا تخرجي إلا بإذني أو إلى موضع من المواضع إلا بإذني، وأذن لها في موضع معين فزادت عليه أو اقتصرت على ما لم يأذن لها فيه، فإنه يحنث سواء علم أم لا، فإن رجعت تاركة للخروج ثم خرجت ثانية من غير إذنه حنث، وإن رجعت لشيء نسيته وما أشبه ذلك من ثوب تتجمل به ونحوه ثم خرجت ثانية على الإذن الأول، فلابن القاسم في سماع أبي زيد أنه لا يحنث وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن نافع، ولابن القاسم في الواضحة أنه يحنث، وإذا قال اخرجي حيث شئت انحلت يمينه في لا تخرجي إلا بإذني لا في لا تخرجي إلى موضع أو زاد من المواضع إلا بإذني؛ لأنه لا قيد بإلى موضع أو إلى موضع من المواضع دل على أن مراده لابد من إذنه لها في الخروج إذنا خاصا. وحنث بعوده أي الحالف أي دخوله لها أي الدار بعت خروجها عن ملكه، وتملك آخر لها في حلفه لا سكنت هذه الدار؛ يعني أن الشخص إذا حلف لا سكنت هذه الدار وهي في ملكه، ثم إنها خرجت عن ملكه وتملكها شخص آخر فسكنها الحالف بعد خروجها عن ملكه وتملك ذلك الآخر لها، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى، فالمراد بالعود هنا مطلق الدخول. وبما قررت علم أن قوله: "تملك"، بالإضافة لا بالتنوين، كما نص عليه الشيخ إبراهيم. أو دار فلان هذه؛ يعني أنه إذا حلف لا يسكن دار فلان هذه فخرجت الدار عن ملك فلان المذكور لشخص آخر، فإن الحالف يحنث بدخوله لها على وجه السكنى. والله سبحانه أعلم. إن لم ينو ما دامت له؛ يعني أن محل الحنث في الصيغتين إنما هو حيث لم يرد لا يسكنها

стр. 3295

ما دامت لمالكها الأول، وأما إن نوى ذلك فإنه لا يحنث بسكناها بعد خروجها عن ملكه ودخولها في ملك شخص آخر. لا دار فلان؛ يعني أن من حلف لا سكنت دار فلان، ولم يقل: هذه، لا يحنث بسكناها في غير ملك فلان إن لم ينو عينها. ولا إن خربت وصارت طريقا؛ يعني أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار ودخلها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وكذا لو حلف لا يسكن هذه الدار فسكنها بعد أن هدمت أو خربت وصارت طريقا فإنه لا يحنث، وانظر كيفية السكنى في الطريق. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: يتصور بأن يجعل فيها خباء أو بيت شعر، وقد مر أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار لا يحنث بمروره بها بعد أن خربت وصارت طريقا، ومحل ذلك على ما في الموازية إن كانت يمينه من أجل صاحب الدار، وأما إن كانت كراهية في الدار خاصة فلا يمر فيها، وظاهر المدونة كانت يمينه من أجل صاحبها أم لا، قال الشيخ أبو محمد: يحتمل أن يكون قول محمد تفسيرا، ومن حلف لا دخل هذا البيت فحول مسجدا لم يحنث بدخوله، ومن حلف لا دخل هذه الدار ثم هدمت أو خربت وصارت طريقا لا يحنث كما علمت، فإذا بنيت بعد خرابها وصيرورتها طريقا حنث بدخولها كما في المدونة. إن لم يأمر به؛ أي بالتخريب؛ يعني أن محل عدم حنثه بالمرور بمكان الدار بعد أن خربت وصارت طريقا إنما هو حيث لم يأمر بالتخريب، وأما إن أمر بتخريبها فإنه يحنث بالمرور المذكور هذا ظاهره، قال الشيخ ابن غازي: ولم نر ما يوافقه، وقال الشيخ عبد الباقي: الصواب أن معناه ويحنث إن بنيت ودخلها بعد البناء طائعا، ولا يحنث إن دخلها بعد البناء مكرها إن لم يأمر بالإكراه، وأما إن أمر بالإكراه فيحنث، كأن يقول احملوني ففعلوا به ذلك، فإنه يحنث. انتهى. قوله: الصواب أن معناه إن لم يأمر بالإكرإه لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، وإن كان حمل المص عليه يفتقر إلى تقدير يحتاج إلى وحي يسفر عنه لكن يشفع في ذلد قصد موافقة المدونة، ومن حلف لا يدخل على فلان بيتا فأدخل على المحلوف عليه مكرها لم يحنث إلا أن يتراخى، فلو قدر أن يخرج فلم يخرج مكانه حنث، وقوله: إن لم يأمر به، نص المدونة: وإن حلف أن لا يدخل هذه الدار فهدمت أو خربت وصارت طريقا لم يحنث، فإن بنيت بعد ذلد

стр. 3296

فلا يدخلها، وإن دخلها مكرها لم يحنث إلا أن يأمرهم بذلك فيقول احملوني ففعلوا به ذلك فإنه يحنث. انتهى. قال الإمام الحطاب: فيحتمل أن المص فهم أن الاستثناء في كلامها راجع لأول الكلام؛ أي إلا أن يأمرهم بالهدم والتخريب، قال الشيخ محمد بن الحسن: لا يصح أن يفهم المص ذلك، ولا يظن به مع قولها كما تقدم، فيقول احملوني ففعل به فإنه صريح لا يقبل التأويل بحال، ولعله سقط من نسخة ابن غازي. انتهى. والله سبحانه أعلم. وأخذ مما مر أن من ترك ربعه للناس يمشون فيه أنه لا يكون حبسا ولو طال، وأفتى بعض الشيوخ بأنه يكون حبسا، وأخذ منه أيضا أن المسجد إذا خرب وصار طريقا ودخله رجل فإنه لا يطلب فيه بتحية المسجد. انتهى. نقله الإمام الحطاب. ولا باع مند أو له بالوكيل؛ يعني أنه إذا حلف لا باع من زيد سلعة فإنه يحنث ببيعه سلعة من وكيل زيد، بأن يدفع السلعة لوكيل زيد ويأخذ من الوكيل عوضها دراهم ملكا لزيد المحلوف على ترك المبيع منه، وكذا لو حلف لا باع لزيد أي لا يتولى له بيعا بسمسرة، فإنه يحنث إذا باع لوكيل زيد سلعة وكله زيد على بيعها. إن كان من ناحيته؛ يعني أن محل حنث الحالف المذكور بالوكيل إنما هو إذا كان الوكيل من ناحية الموكل كقريبه وصديقه الملاطف، فإن لم يكن من ناحيته فلا حنث إلا أن يعلم هذا الحالف أن هذا الذي باع منه أو له وكيل لزيد المحلوف على ترك المبيع منه أو له فإن الحالف يحنث، سواء كان الوكيل من ناحية الموكل أم لا. قال الحطاب: وظاهر المص كالمدونة أن الحالف يحنث بالوكيل، علم أنه من ناحية الموكل أم لا، وفي الموازية: إنما يحنث إذا علم أنه من ناحيته، وهل وفاق أو خلاف؟ تأويلان. ابن يونس: وانظر لو اشترى لنفسه ثم ولى المحلوف عليه بحضرة المبيع في الموضع الذي يكون عهدة المولى على البائع، هل يحنث البائع لأن المحلوف عليه هو الذي يطلبه بعهدة الاستحقاق، أم لا يحنث لأن الحالف لا يطلب بثمنه إلا الموَلّي؟ انتهى. نقله الإمام الحطاب. قال جامعه عفا الله عنه: والذي يظهر أن البائع لا حنث عليه لأنه لم يبع له ولا منه حقيقة. والله سبحانه أعلم.

стр. 3297

وإن قال حين البيع أن حلفت فقال هو لي ثم صح أنه ابتاع له؛ هذا مبالغة في الحنث بالوكيل؛ يعني أن الحالف المذكور يحنث بالوكيل وإن كان الحالف قال للوكيل حين البيع أنا حلفت أن لا أبيع لفلان وأخاف أن تشتري له بالوكالة، فقال هو أي الشراء لي لا لفلان ثم ثبت بعد ذلك ببينة لا بقول الوكيل أنه أي الوكيل إنما اشترى أو باع لفلان المحلوف على ترك البيع له. ولزم البيع؛ يعني أن الحالف لا ينفعه في الحنث ولزوم المبيع قوله ذلك للوكيل، بل يلزمه المبيع والحنث، ومحلهما ما لم يقل الحالف إن كنت تشتري لفلان فلا بيع بيني وبينك، فإن قال ذلك وثبت أنه اشترف لفلان لم يحنث الحالف ولم ينعقد البيع على المعتمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو قول اللخمي والتونسي، وعارض قولهما ابن ناجي بقول المدونة في البيوع الفاسدة إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا، وإلا فلا بيع أن المبيع ماض والشرط باطل. وأجزأ تأخير الوارث في إلا أن تؤخرني؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني، ثم إنه مات المحلوف له وهو رب الحق قبل الأجل، فإنه يبر بتأخير الوارث الكبير له قبل الأجل لأنه حق يورث، ونقل ابن حارث عن المجموعة: لو حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا فمات ربه قبل الأجل فقضى ورثته بعد الأجل لم يحنث. انتهى. نقله الإمام الحطاب. لا في دخول دار؛ يعني أنه لو حلف لا أدخل هذه الدار إلا بإذن زيد وهو غير ربها، فمات زيد فإنه لا يكفي إذن وارثه في الدخول؛ لأن الإذن ليس بحق يورث، فإن دخل مستندا لإذن الوارث حنث، فإن أذن له وهو حي فدخل فلا يدخل إلا بإذن ثان، وإن مات فقد انقطع الإذن وصار كمن حلف لا يدخل هذه الدار إلا أن يقول له قد أذنت لك أن تدخل كلما شئت، فيكون ذلك له، فإن أذن له ولم يدخل حتى نهاه، فقال أشهب: فقد قيل لا يدخل، فإن دخل حنث، وأما لو كان الحالف علق على إذن مالك الدار ومات فإنه يجزئ إذن وارث المالك. وفي المدونة: وإن حلف بطلاق أو غيره أن لا يدخل دار زيد أو لا قضيته حقه إلا بإذن محمد لم يجزه إذن ورثته؛ إذ ليدر بحق يورث، وإن زوجت امرأة مملوكتها لعبد امرأة فعلمت سيدته ففرقت بينهما، فحلفت سيدة الجارية لا زوجتها ثانية إلا برضى سيدته وماتت فورثته ورثتها، فلها أن تزوجها للعبد بإذن ورثتها الذين ملكوه؛ لأن هذا حق ورثوه فهم كميتهم. انتهى. كلام ابن المواز. نقله

стр. 3298

الإمام الحطاب. وبما تقدم علم أنه لا خصوصية للدخول عن غيره، فلو قال: لا في كدخول، لكان أشمل. وتأخير وصي؛ يعني أنه لو حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني فمات المحلوف له وهو رب الدين، فإن الحالف يجزئه تأخير الوصي لرب الحق في الوارث الصغير، فقوله: "وأجزأ تأخير الوارث "، في الوارث الكبير، وقوله: "وتأخير وصي" في الوارث الصغير. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وأجزأ تأخير وصي إذا كان الوارث غير رشيد. انتهى. بالنظر؛ يعني أن تأخير الوصي يجزئ حال كونه متلبسا بالنظر للمحجور أي المصلحة له، ككون التأخير يسيرا أو خوف جحود الحق أو الخصام، فإن جهل الحال حمل التأخير على النظر، فإن كان التأخير غير نظر بر الحالف أيضا ولا يجوز ذلك للوصي، وينبغي أن يؤخذ الدين حالا، واتضح لك من هذا أن التقييد بالنظر إنما هو لجواز الإقدام على التأخير فلذا لو حذفه لوافق النقل. وقوله: ولا دين، قيد في الفرعين قبله؛ يعني أن تأخير الوارث أو الوصي إنما يجزئ حيث لا دين يحيط بمال الميت، فالمراد إنما هو نفي الدين المحيط، فإن كان غير محيط فالكلام للوارث أو الوصي، وقوله: "بالنظر". ابن المواز: يجوز تأخيره لأحد أربعة أشياء، إما لخوف لدد وجحد، أو المخاصمة، أو ليسارة زمنه، أو للشك، هل هو على وجه النظر أم لا؟ انتهى. وتأخير غريم؛ يعني أنه إذا حلف لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني فمات رب الحق وعليه دين فإنه يجزئ الحالف تأخير الغرماء. إن أحاط؛ يعني أن إجزاء تأخير غرماء الميت محله إذا كان الدين محيطا بمال الميت، وحينئذ فلا يجزئ إلا تأخير الغريم، ولا عبرة بتأخير الوارث والوصي، وأما إن كان عليه دين غير محيط فالعبرة بتأخير الوارث أو الوصي، ولا عبرة بتأخير الغريم، ولو أبرأ ذمة الميت إلا أن يجعل للغريم ما كان له من التأخير. قاله الشيخ بناني. وأبرأ؟ يعني أن تأخير الغريم كما يشترط في إجزائه للحالف أن يكون الدين محيطا بمال الميت، يشترط فيه أيضا أن يبرئ الغريم ذمة الميت المحلوف له من القدر الذي أخر به الحالف، وقيده أبو عمران بكون الحق من جنس دين الغرماء حتى يكون حوالة فيقضى بها، وإلا جاء فسخ الدين في الدين. أبو الحسن: وانظر إذا لم يتجانس الدينان، هل يكون مثل تأخير الوصي أو مثل

стр. 3299

القضاء المفاسد، وقوله: حتى يكون حوالة لخ، هكذا النص في الحطاب، وهو مشكل إذ ليست لنا حوالة يقضى بها، وكان الظاهر لو قال: حتى تكون حوالة تجوز. والله أعلم، ومن حلف ليقضين فلانا حقه رأس الشهر إلا أن يؤخره فأخره شهرا ثم قال. المطلوب بعد حلول الشهر الآخر: ما علي يمين، فقال مالك: عليه اليمين، فإن لم يقضه حنث. انتهى. وإن أنظر الطالب الحالف من قبل نفسه ولم يعلم الحالف لم يحنث. اللخمي: هذا على مراعاة الألفاظ، وأما على مراعاة المقاصد وهو أحسن فإنه يحنث؛ لأن قصده أن لا يلد، فإذا لم يعلم بالتأخير فقد ألد، ومفهوم قوله: وأبرأ أنه إن لم يبرئ ذمة الميت لا يجزئ تأخيره. وفي بره في لأطأنها فوطئها حائضا؛ يعني أنه لو حلف ليطأن هذه المرأة أو ليطأنها الليلة فوطئها وطئا لا يجوز كما إذا وطئها وهي حائض أو صائمة أو نحو ذلك مما لا يجوز شرعا: فإن في بره بذلك الوطء قولين لابن القاسم: أحدهما أنه يبر حملا للفظ على مدلوله لغة. نقله محمد عن ابن القاسم، الثاني أنه لا يبر حملا للفظ على مدلوله شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وهو ما في سماع عيسى عن ابن القاسم، وأما لو حلف لاوطئها فوطئها حائضا فنص ابن دينار على أنه يحنث، الشيخ: يعني المص وينبغي أن لا يختلف فيه، وقوله: "وفي بره في لأطأنها"، فإذا وطئها وهي حائض واستمر بها الحيض حتى فات الوقت، كما إذا حلف لأطأنها الليلة ولم يرتفع عنها الحيض إلا بعد تلك الليلة أو ارتفع قبل ذلك ولم يطأها أو وطئها بعد مضيه فيحنث على الثاني لا على الأول، ولو قال لأطأنها الليلة فلم يطأها حتى فاتت الليلة لحنث قطعا، كما أفاده بقوله: "وحنث إن لم تكن له نية ولا بساط بفوت ما حلف عليه"، ولو حلف ليطأنها فوطئها حائضا ثم وطئها قبل الأجل حيث أجل وهي طاهر، أو لم يؤجل ووطئها وهي طاهر فعدم حنثه ظاهر على كلا القولين. والله سبحانه أعلم. وفي لتأكلنها فخطفتها جوفها وأكلت؛ يعني انه جرى قولان فيما إذا حلف لزوجته -مثلا- على بضعة لتأكلنها فخطفتها هرة عند مناولته إياها وابتلعتها، فنتق جوفها عاجلا وأخرجت قبل أن يتحلل في جوفها منها شيء، وأكلتها المرأة فابن الماجشون يقول بالبر، وابن القاسم يقول بالحنث، وهو الأرجح، ومحلهما مع التواني أي فإن لم يتوان لم يحنث اتفاقا،

стр. 3300

والمراد بالتواني أن يكون بين يمينه وأخذ الهرة البضعة قدر ما تتناولها المرأة وتحوزها دونها، فإن كان بينهما أقل من ذلك فهو عدم التواني. هذا الذي في سماع أبي زيد كما في نقل الحطاب. وغيره. وقوله: "فخطفتها"، خطف الشيء كفهم على اللغة الفصحي ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾، وخطف كضرب، لغة ردية. أو بعد فسادها؛ يعني أنه جرى قولان أيضا فيما إذا حلف ليأكلن هذا الشيء أو حلف على غيره ليأكلنه، فأكله هوأو غيره ممن حلف عليه ليأكلنه بعد فساده، أحدهما لابن القاسم وقد وافق مالكا على الحنث، والثاني له أيضا ووافقه سحنون على عدم الحنث، وقوله: "بعد"، متعلق بمحذوف معطوف على مقدر أي أو لم تخطفها وأكلت بعد فسادها، وبما قررت علم أن قوله: قولان، في كل من المسائل الثلاث، إلا أن تتوانى، هذا مستثنى من قوله: "قولان"، في المسألة الثانية؛ يعني أن ابن الماجشون الذي يقول بالبر في مسألة فخطفتها هرة فشق جوفها لخ، إنما هو فيما إذا لم تتوان البضعة في جوف الهرة حتى يتحلل بعضها، وأما إذا توانت في جوفها حتى تحلل بعضها فإنه يحنث عنده، كما يحنث عند ابن القاسم، وعدم التواني الذي يتفقان فيه على البر أن يكون بين اليمين وأخذ الهرة أقل من القدر الذي تتناولها المرأة فيه وتحوزها دونها. فتحصل من هذا أنهما يتفقان على البر في المسألة الثانية في بعض الأحوال وعلى الحنث في بعضها، ويختلفان في بعضها، وأما كون قوله: "إلا أن تتوانى"، مستثنى من القولين في الأخيرة فار يصح؛ لأن القولين فيها مع التواني كما في التوضيح، ولفظه: وحكى اللخمي وغيره فيمن حلف ليأكلن هذا الطعام فتركه حتى فسد قولان. انتهى. فحكى القولين مع التواني لا مع عدمه، وهذا الذي قررت به المص هو للشيخ بناني. وفيها الحنث بأحدهما في لا كسوتها ونيته الجمع؛ يعني أنه قال في المدونة: ومن قال لامرأته أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين، ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعا فكساها أحدهما فهو في ذلك حانث. واستشكل؛ يعني أنه استشكل الحنث بكسوتها أحدهما بأنه يخالف نيته، وقوله فيما مر: "وبالبعض"، محله ما لم ينو عدم أكل جميعه وإلا لم يحنث بالبعض، وأجاب المص

стр. 3301

بحمل ذلك على ما إذا كانت يمينه بطلاق أو عتق معين وروفع، وأما إن جاء مستفتيا فينبغي أن يتفق على قبول ما ادعاه وهذا الجواب حسن؛ لأن النية هنا مخالفة لظاهر اللفظ، ومن حلف ليشترين لزوجته بهذا الدينار ثوبا فخرج به لذلك فسقط منه، فإن كان أراد الشراء بالدينار بعينه فقد حنث، وإن أراد الشراء به وبغيره فليشتر بغيره ولا يحنث. قاله أشهب وابن دينار في المجموعة. نقله الإمام الحطاب. قال صاحب القبس: حلف شخص لا لعبت معد شطرنجا إلا هذ الدست، فجاء رجل فخلط عليهم ذلك الدست، فاختلف فيه فتاوي الفقهاء، فأفتى بعض الشافعية بعدم حنثه، وأفتى غيرهم بحنثه، واجتمعت بعد ذلك بالطرطوشي فأفتى بعدم الحنث. والله سبحانه أعلم. تنبيه من حلف لا آكل خبزا وزيتا أو لا آكل خبزا وجبنا فأكل أحدهما حنث، وقال أشهب: لا يحنث. اللخمي: وهو أبين؛ لأن الزيت والجبن مؤتدم، والمراد أن لا يأكل الخبز مؤتدما بأحد هذين، ولو حلف لا آكل خبزا وكعكا أولا آكل زيتا وجبنا فاكل أحدهما حنث. ولما أنهى الكلام على الأيمان -وكانت النذور تشاركها في كثير من الأحكام- جعل النذر فصلا تاليا لها: فقال:

стр. 3302

فصل: في بيان النذر وأحكامه وبيان ما يلزم منه وما لا يلزم والنذر بذال معجمة ساكنة لغة: الوعد بخير أو شر، يقال: نذرت لله تعلى نذرا بالفتح، معناه وعدت، ونذر بالكسر نذارة علم بالشيء. قاله الشيخ إبراهيم، وغيره. وقال الشيخ الخرشي: قال في التنبيه: النذور جمع نذر وربما جمع على نُذُر بضم النون والذال، يقال: نذرت أنذر بفتح الذال في الماضي وبكسرها وضمها في المستقبل ومعناه الالتزام. انتهى. واصطلاحا اسمان أعم وأخص، فالأعم إيجاب أمري على نفسه لله تعالى أمرا، لحديث من نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وأطلق الفقهاء على المحرم نذرا، والأخص التزام طاعة بنية قربة لا لامتناع من أمر، هذا يمين حسبما مر. قاله ابن عرفة. قوله: لا لامتناع من أمر، تصريح بمفهوم قوله: بنية قربة، فهو كالمؤكد له. وعرفه المؤلف بما هو قريب من الأعم، فقال: النذر التزام مسلم كلف؛ يعني أن النذر هو أن يلتزم مسلم مكلف أمرا من الأمور هذا ظاهره، ومقتضاه أن التزام الطاعة نذر، وإن كان لامتناع من أمر. قاله الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: وأراد المص بالتزام إيجابة على نفسه قربة، بدليل قوله: وإنما يلزم بة ما ندب، وقوله: "مسلم"، احترز به من الكافر فلا يلزمه ما نذره، وندب له الوفاء بة إن أسلم، واحترز بقوله: "كلف"، من الصبي فلا يلزمه ما نذره ميز أم لا، وندب له الوفاء بة إذا بلغ كما هو المنصوص، والبحث الذي ذكره الشيخ عبد الباقي ساقط، وكذا لا يلزم المجنون، وشمل قوله: "مسلم" العبد. واعلم أن الرقيق إذا نذر ما يتعلق بجسده كصوم وصلاة، فإن لم يضر بالسيد لم يمنعه تعجيله، وإن أضر فله منعه ويبقى في ذمته. أبو عمر: وهذا في غير المؤقت، وأما المؤقت ففي سقوطه بخروج وقته ولزوم قضائة قولان، وإذا نذر مالا فلسيده منعه من الوفاء بة في حال الرق، فإذا أعتق وجب عليه الوفاء بما نذر، فإن رد سيده نذره بطل ولم يلزمه الوفاء بة إن أعتق، وإلى ذلك أشار ابن غازي بقوله: أبطل صنيع العبد والسفيه … برد مولاه ومن يليه وقيل يلزمه الوفاء بة بعد العتق وإن رده السيد، وهذا الخلاف جار في تبرع العبد والسفيه مطلقا هبة أو صدقة أو غيرهما.

стр. 3303

فتحصل من هذا أنه إذا رد نذره بطل النذر ولم يلزمه الوفاء به إن عتق، وقيل يلزمه وأنه إذا لم يرده بل منعه الوفاء به فقط لزمه الوفاء به بعد عتقه، وشمل المص السفيه فيلزمه نذر غير المال لا المال فلا يلزمه على المعتمد، فعلى وليه رده ولا يلزمه إنفاذه بعد الرشد، وشمل المص أيضا المريض والزوجة الرشيدة، ولو نذرا زائدا على الثلث لكن إن أجازه الزوج والوارث نفذ وإلا نفذ الثلث في المريض، وللزوج رد الجميع كما يأتي للمص في قوله: "وله رد الجميع إن تبرعت بزائد"، وقد مر أن مقتضى المص أن التزام الطاعة نذر وان كان لامتناع من أمر وهو خلاف تفصيل ابن عرفة، فلعله عند المؤلف غير يمين وهو التحقيق عند ابن الحاجب. الحفيد: اختلف إذا لم يلفظ بالنذر هل يلزمه أم لا؟ ابن الفرس: اختلف فيه على قولين، والمشهور أنه يلزمه: وقيل إنه لا يلزمه إلا إذا لفظ بالنذر. انتهى. قال الإمام الحطاب: والظاهر المتبادر أن حكمه حكم اليمين، ويؤخذ ذلك من قول المص في باب الاعتكاف لا النهار فقط، فباللفظ. فتأمله. والله سبحانه أعلم. انتهى. وتقدم شمول المص للمريض والزوجة وأنه ينفذ الثلث في المريض، وأن للزوج رد الجميع في نذر زائد على الثلث، والفرق بينهما أن الزوجة يمكنها الاستدراك بعد ذلك بإنشاء التبرع بالثلث على ما يأتي من قوله: وليس لها بعد الثلث تبرع إلا أن يبعد، بخلاف المريض؛ لأنا لو أبطلنا له الجميع لم يمكنه استدراك لموته، أشار له الشيخ بناني، وشمل المص أيضا نذر من سكر بحرام حال سكره وأولى قبله، ويلزمهما الوفاء به إذا أفاقا لا بحلال فكالمجنون، وانظر هل يندب لهما وفاؤهما به إذا أفاقا أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. ومن سئل أمرا، فقال: علي فيه مشي أو صدقة كاذبا إنما يريد أن يمنعه لا شيء عليه، إنما يلزمه في العتق والطلاق إن كانت عليه بينة. قاله الحطاب. وهو يفيد قبوله في الفتوى. قاله المحقق الأمير. فبان من هذا أنه لا عبرة في النذر بالإخبار الكذب، كما قال الشيخ الأمير. لا مجرد أخبار كذب. والله سبحانه أعلم. وبالغ على لزوم النذر بقوله: ولو عضبان؛ يعني أن المسلم المكلف يلزمه ما نذره من الطاعة ولو كان الناذر غضبان، خلافا لمن قال عليه كفارة يمين، ومثل نذر الغضبان في اللزوم نذر اللجاج، وهو أن يقصد منع نفسه من فعل شيء ومعاقبتها بإلزامها النذر، كلله علي نذر إن كلمت فلانا،

стр. 3304

وكذا نذر كثير من صلاة أو صوم أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والشقة مع القدرة عليه وهو مكروه، بخلاف ما لا يطيقه فإنه نذر معصية. وقوله: "ولو غضبان"، رد المص بلو قول الليث الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد حين حلف بالمشي إلى مكة وحنث فأفتاه بكفارة يمين، فقال: إني أفتيك بقول الليث، فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك. ابن العربي: خاف ابن القاسم أنه إذا كلف ابنه المشي لا يفعل فيستهين بمسألة من الدين، فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها، وهذا حسن من الفتوى عظيم. قاله الشيخ إبراهيم. وإن قال إلا أن يبدو لي؛ يعني أن الناذر يلزمه ما نذره وإن أعقب نذره بقوله: "إلا أن يبدو لي" أن لا أفعل أو إلا أن يشاء الله، فالمشيئة بالله لا تفيد في النذر غير المبهم على المشهور؛ لأنه نص المدونة، خلافا لما في الجلاب لمن قوله: تنفعه المشيئة، وأما لو قال: لله علي نذر كذا إن شئت أنا، فظاهر كلام التتائي أنه لا ينفعه أيضا. قاله الشيخ عبد الباقي. أو أرى خيرا منه؛ يعني أن المسلم المكلف يلزمه ما نذره من الطاعة، وإن عقبه بقوله: إلا أن أرى خيرا منه أي من المنذور، كقوله: لله علي عتق رقبة إلا أن أرى خيرا منه أفعله أو أتركه، وقوله: "وإن قال إلا أن يبدو لي أو أرى خيرا منه"، قال الإمام الحطاب: في بعض النسخ، ولو قال وفي بعضها وإن وهي الأحسن؛ لأن هذا الفرع في ظني أنه عار من الخلاف. والله أعلم. انتهى. وقوله: وإن قال إلا أن يبدو لي، هذا في المطلق، وكذا في المعلق حيث جعل الاستثناء راجعا لصيغة النذر، فإن أرجعه للمعلق عليه فقط نفعه ذلك، كقوله: لله علي كذا إن دخلت الدار إلا أن يبدو لي في دخول الدار أن لا أجعله سببا لذلك كما سيذكره. بخلاف إن شاء فلان فبمشيئته؛ يعني أن الناذر لو علق النذر بمشيئة فلان، كقوله: لله علي صدقة بكذا إن شاء زيد -مثلا- فإن نذره يتقيد بمشيئة زيد، فإن شاء عقده فيلزمه، وإن شاء حله فلا يلزمه، فإن مات قبل أن يختار ولم تعلم مشيئته برد أو إمضاء فلا شيء على الناذر. وقوله: "فلان"؛ أي الحي، فإن كان ميتا حال نذره لزمه نذره إن علم بموته حين نذره لتلاعبه، وإلا فلا شيء عليه، وإن شاء هذا الحجر لزمه لهزله، وكذا مشيئة صبي لا يعقل. قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 3305

وقال الشيخ بناني: حاصل ما لهم في الطلاق أن التقييد بمشيئة الله تعالى لا ينفع في الطلاق شرطا كان، نحو إن شاء الله تعالى، أو استثناء نحو إلا أن يشاء الله، وأن التقييد فيه بمشيئة الغير نافع فيه، شرطا كان نحو إن شاء فلان، أو استثناء نحو إلا أن يشاء فلان، وأن التقييد فيه بمنتشة نفسه غير نافع فيه إن كان استثناء نحو إلا أن يبدو لي، وينفعه إن كان شرطا نحو إن شئت على المنصوص، ولم أر نصا مصرحا بذلك في النذر، والظاهر أن جميع التفصيل المذكور في الطلاق يجري هنا في النذر خلاف ما يظهر من كلام الزرقاني. انتهى. قال: فالمسألة في كل منهما على طرفين وواسطة. انتهى. واعلم أنه ينظر في النذر كاليمين إلى النية ثم البساط ثم العرف. ولما كانت أركان النذر ثلاثة: الشخص الملتزم، والشيء الملتزم بالفتح، والصيغة. وقدم الكلام على الركن الأول أتبعه بالكلام على الركن الثاني وهو الشيء اللتزم، فقال: وإنما يلزم به ما ندب؛ يعني أن النذر بالمعنى المصدري إنما يلزم به ما كان مندوبا، فالضمير في به يرجع للنذر ويشمل المندوب السنة والرغيبة، وقوله: "ما ندب"؛ أي ما لا يصح أن يقع إلا قربة، وأما ما يصح وقوعه تارة قربة وتارة غيرها فلا يلزم بالنذر، وإن كان مندوبا كالنكاح والهبة ذكر ذلك الشريف التلمساني، ولو قال: إن فعلت كذا فلله علي طلاق فلا نة أو عتق عبدي فلان فلا يلزم الطارق ويلزم العتق، ولا يجبر عليه وإن كان معينا. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وإنما يلزم به ما ندب"؛ أي يلزمه حينئذ مطلقا، سواء أطلقه أو علقه على واجب أو حرام أو مندوب أو مباح أو مكروه، كقوله: إن لم أصل الظهر -مثلا- أو إن لم أشرب الخمر أو إن لم أصل ركعتين قبل العصر -مثلا- أو إن لم أمش إلى كذا -مثلا- أو إن لم أصل ركعتين بعد العصر -مثلا- فعلي صدقة دينار مثلا، فإنه يلزمه إذا لم يوجد المعلق عليه، وأما إن وجد فلا يلزمه شيء، ومفهوم قوله: "ما ندب"، أن نذر غير المندوب من المحرم والمكروه والمباح لا يلزم. ابن عرفة: نذر المحرم محرم. وفي كون المكروه والمباح كذلك أو مثلهما قولا الأكثر مع ظاهر الموطإ والمقدمات. انتهى. وأما الواجب فهو لازم بنفسه، وانظر ما حكم الإقدام على نذره، وإذا نذر المحرم فهو

стр. 3306

كما قال اللخمي على ثلاثة أقسام، فإن علم بالتحريم استحب إتيانه بطاعة من جنس المحرم، كنذر صوم يوم النحر، وإن ظن فضله سقط قضاؤه، وإن ظن جوازة ففي قضائه قولان. فائدة: الطاعة امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، والقربة ما تقرب به بشرط معرفة المتقرب إليه، والعبادة ما تعبد به بشرط النية ومعرفة المعبود، فالطاعة توجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله المعبود بالحق، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ما ندب" اعلم أن من المندوب زيارة صالح حي، وكذا ميت، وإن أعملت فيه المطي وحديث: (لا تعمل المطي (١)) مخصوص بالصلاة، ولا عبرة بتوقف بعض الناس في زيارد القبور وآثار الصالحين؛ لأنه من العبادات. قاله حلولو في مختصر البرزلي. وكذا خبر: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢)) لا دليل فيه لمنع الزيارة؛ إذ المستثنى منه المحذوف تقديره لمسجد من المساجد الخ، بدليل أن المستثنى مساجد والأصل في الاستثناء الاتصال، ويرد على قول المص ندب صوم رابع النحر والإحرام بالحج قبل زمانه أو مكانه؛ إذ كلٌّ مَّكروهٌ مع أنه يلزم بنذره، ويجاب بأن الصوم والإحرام مطلوبان مع قطع النظر عن الزمن، وغير مطلوبين عند ملاحظته، فالنذر يتعلق بهما نظرا للحالة الأولى. ويمكن أن يجاب أيضا بأن في صوم هذا اليوم جهتين، إحداهما أنه ليس يوم عيد ولا يوم نحر عند مالك، ولا يرمي التعجل فيه الجمار، وهذه الجهة تضعف أن يكون من أيام التشريق التي ورد النهي عن صيامها، والثانية يوم ذبح عند بعضهم: ويطلق عليه اسم أيام التشريق ويرمي فيه من يتعجل، وهو من هذه الجهة يشمله عموم النهي عن صيام أيام التشريق، فغلبنا الجهة الأولى لما اقتضى النذر وجوب صيامه؛ لأن الوجوب مرجح على شائبة الكراهة. ولما لم يعارض الكراهة ما هو أقوى منها قلنا لا يصام تطوعا، وانظر في صلاة بعد فجر وفرض عصر. قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 3307

قال جامعه عفا الله تعالى عنه: الظاهر عدم لزوم ذلك لقولهم إن النذر إنما يلزم به ما ندب، وخرج عن ذلك ما نصوا على لزومه منه. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب أن غالب مسائل النذر أو جميعها لا تخرج عن قسمين: الوجوب والتحريم، قال: لأن نذر الطاعة لازم ونذر ما عداها لا يلزم ولا يلزم الوفاء به، كنذر المشي في السوق أو لبس ثوب وشبهه. انتهى. وقوله: "وإنما يلزم به ما ندب هو صريح في أن من نذر محرما لا يلزمه شيء، وهو مخالف لحديث: (لا نذر في معصية (١))، ولمن كفارته كفارة يمين، لكن يوافقه خبر: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملكه ابن آدم (٢)). والله سبحانه أعلم. وأشار للركن الثالث وهو الصيغة، بقوله: كلله علي أو علي ضحية؛ يعني أن النذر لا يشترط في لزومه أن يأتي بلفظ النذر، بل يلزم بكل لفظ فيه معنى الالتزام، مثل أن يقول: لله علي ضحية، أو يقول علي ضحية، قال ابن الفرس في أحكام القرآن في سورة المائدة: واختلف في المذهب إذا قال لله علي أن أفعل كذا وكذا، أو أن لا أفعل كذا لقربة من القرب، ولم يأت بلفظ النذر، هل يلزم أم لا؟ فعندنا فيه قولان، والصحيح لزومه لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وفي الحفيد أن حذف لفظ النذر من القول غير معتبر إذا كان المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر، وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر، وهذا مذهب الجمهور، ومقابله لسعيد بن المسيب أنه لابد من لفظ النذر. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ بناني عند قوله "كلله علي أو علي ضحية": أتى بكاف التمثيل إشارة إلى عدم انحصار الصيغة في لله علي، أو علي كذا وهو كذلك، بل يلزم بكل لفظ فيه التزام، وقد قال في المدونة: وإن قال داري أو عبدي أو شيء من مالي مما لا يهدى فهو هدي، أو حلف بذلك فحنث فليبعه ويبعث بثمنه، وقد قال الباجي: مثل أن يقول إن شفى الله تعالى مريضي أو قدم غائبي أو نجاني من أمر كذا فإني أصوم يومين أو أصلي أو أتصدق بكذا. انتهى. وتأمل قول المؤلف: "وعجل الإحرام في أن محرم"، وقوله: بمالي في كسبيل الله، وقوله في آخر الهبة:

стр. 3308

"وإن قال داري صدقة" الخ، إلى غير ذلك. قاله مصطفى. قال: وإنما نبهت على ذلك لأن بعض القاصرين توهم أن النذر لا يكون إلا بقوله لله علي أو علي كذا. انتهى. يريد أن النذر في ذلك يلزم الوفاء به إن وقع المعلق عليه. واعلم أن النية فقط لا يلزم بها نذر على خلاف في ذلك، والمراد بالنية هنا الكلام النفسي، قال الشيخ الأمير: وكلام النفس هنا وفي اليمين لغو. انتهى. قال في الشرح: وهو مرادهم بالنية المختلف فيها وإلغاء القصد متفق عليه. انتهى. واعلم أن التحقيق أن الضحية تجب بالنذر في المعينة وغيرها، لكن معنى وجوبها في المعينة منع البدل والبيع فيها بعده لا باعتبار العيب الطارئ بعد النذر، فإنه يمنع الإجزاء فيها. وقد مر ذلك. وندب المطلق؛ يعني أن النذر المطلق مندوب، والمطلق هو ما ليس بمكرر ولا معلق وهو ما أوجبه المرء على نفسه شكرا لله تعالى على ما كان ومضى، كمن شفي مريضه فنذر أن يصوم أو يتصدق، وأما ما ليس شكرا على شيء حصل فيباح الإقدام عليه. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: فيباح الإقدام عليه، قال الشيخ محمد بن الحسن: مثله في الحطاب، والذي في المواق: عن ابن رشد أنه مستحب مثل ما قبله سواء. انتهى. وكره المكرر؛ يعني أن النذر المكرر يكره الإقدام عليه مع أنه يجب الوفاء به، كنذر صوم كل خميس لثقله عند فعله فيكون إلى عدم الطاعة أقرب، ولخوف تفريطه في وفائه به. وقوله: "وكره المكرر"، قد علمت أنه لازم، وإن كره، قال الشيخ إبراهيم: ولا يشكل لزومه مع قوله: "وإنما يلزم به ما ندب"؛ لأن المراد ما ندب في الجملة مع قطع النظر عن العوارض، وهذا مندوب في الجملة والكراهة عارضة له؛ لأنه لتكرره قد يأتي به على كسل، فيكون إلى عدم الطاعة أقرب، وأيضا التكرر مظنة الترك. انتهى. وفي كره المعلق تردد؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا في النذر المعلق على محبوب آت ليس من فعل الناذر؛ كإن شفى الله تعالى مريضي أو رزقني كذا أو نجاني من كذا فعلي صدقة بدينار، فذهب الباجي وابن شاس إلى الكراهة، وذهب ابن رشد إلى الإباحة، وأما ما هو من فعله كعلي كذا إن

стр. 3309

فعلت كذا فإنه يوافق ابن رشد على الكراهة لأنه حينئذ يعين وهي بغير الله تعالى، أو صفته مكروهة ما لم يكن نذرا مبهما فلا كراهة فيه؛ لأنه واليمين بالله تعالى سواء. وقوله: "وفي كره العلق تردد"، وجه القول بالكراهة بأنه يأتي به على سبيل المعاوضة لا القربة المحضة، ولأن الجاهل قد يتوهم أنه يمنع من عدم حصول المقدور، ويؤيده ما في مسلم وغيره أنه ﷺ نهى عن النذر أي المعلق فقط، وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل (١))، وفي مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ ، قال: (إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن قدره الله ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج (٢))، وينبغي أن لحل التردد في حق من لم يعتقد نفع النذر وإلا حرم قطعا. واعلم أن النذر لازم إن وقع المعلق عليه، كما أن المكرر لازم وهو مكروه كما علمت، ولو علق على محرم كإن لم أزن فعلي صدقة بدينار لزم الوفاء به، قال الإمام الحطاب بعد أن ذكر الحديث ناقلا عن القرطبي: هل النهي محمول على التحريم أو الكراهة؟: المعروف من مذاهب العلماء الكراهة، قلت والذي يظهر لي التحريم فيمن يخاف عليه ذلك الاعتقاد المفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرما، والكراهة فيمن لم يعتقد ذلك، ومما يلتحق بهذا في الكراهة النذر على وجه التبرم والتحرج، فالأول كمن يستثقل عبدا لقلة منفعته وكثرة مؤنته فينذر عتقه تخلصا منه وإبعادا له، وإنما كره ذلك لعدم تمحض نية القربة، والثاني أن يقصد التضييق على نفسه والحمل عليها بأن ينذر كثيرا من الصلاة أو الصوم أو غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه، وأما لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان محرما، وأما النذر الخارج عما تقدم، فما كان منه غير معلق على شيء وكان طاعة جاز الإقدام عليه ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على وجه الشكر فهو مندوب، كمن شفي مريضه فنذر أن يصوم أو يتصدق. انتهى كلام الحطاب. وقد تقدم ما قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. ووجوب أداء النذر العلق على أمر بحضوره واضح وبحضور بعضه ظاهر الروايات عدمه بخلاف اليمين. قاله الإمام الحطاب عن الإمام ابن عرفة.

стр. 3310

وسمع أبو زيد: من نذر إن رزقه الله تعالى ثلاثة دنانير صام ثلاثة أيام فصامها بعد أن رزق دينارين ثم رزق الثالث لم يجزه صومه، ولو نذر إن قضى الله تعالى عنه دينه مائة دينار صام ثلاثة أشهر فصامها بعد أن قضى الله تعالى المائة إلا دينارا ونصفا أرجو أن يجزئه وأفتى به، وضعفه ابن رشد، والقياس عدم إجزائه، ووجه رجائه اعتبار كون التعليق على زوال الدين، ويقوم من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقة أنه يلزمه أن يصوم بقدر ما أدى عنه: فالأقوال ثلاثة. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: وكيفما [صدقت (١)] أحواله لا يقضى به؛ لأنه لا وفاء به له إلا مع النية، فإذا قضى عليه بغير اختياره لم يكن وفاء. قاله الشارح. أي حتى في المعلق على محبوب لمعين. انتهى. قال الشيخ بناني: وفيه نظر، بل يجب أن يستثنى من ذلك -كما في الحطاب- عتق المعين أو الصدقة بعتق في غير اليمين لمعين، فإنه يقضى بهما، ويأتي للمص في العتق: "ووجب بالنذر ولم يقض إلا ببت معين"، ويأتي في الهبة: "وإن قال داري صدقة بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين لم يقض عليه بخلاف المعين". انتهى. وفي حاشية الشيخ بناني ما نصه: لما لم يخرجها -يعني اليمين- المص من تعريف النذر كما فعل ابن عرفة دل على أنها عنده نذر. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم التردد في المعلق على غير المحرم ظاهر، وأما عليه ففي التلقين أنه لازم إن وجد، كإن زنيت أو إن لم أزن فلله علي صدقة بدينار، ولا يشكل مع قول المص وإنما يلزم به ما ندب لأنه نظر لندب التصدق بدينار لا لما علق عليه على طريقة ما مر في رابع النحر. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعلى كل من الأحوال الثلاثة فهو لازم. انتهى يعني حال الإطلاق وحال التكرير وحال التعليق. ولزم البدنة بنذرها؛ يعني أن من نذر هدي بدنة لزمه إخراجها لله تعالى، سواء كان نذره معلقا أم لا، والبدنة هي الواحدة من الإبل ذكرا كان أو أنثى، ويجوز في لزم إثبات التاء كما في بعض النسخ وحذفها كما في بعضها أيضا؛ لأن البدنة تطلق على الذكر والأنثى، فليس بمؤنث حقيقي والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "ولزم البدنة"، علم من قوله: "وإنما يلزم به ما ندب"،

стр. 3311

فذكره ليرتب عليه ما بعده انظر الشبراخيتي. وقوله: "ولزم البدنة"، قال الشيخ محمد بن الحسن: كلام المؤلف فيمن نذر بلفظ البدنة كما هو واضح، وأما لو نذر بلفظ الهدي فإن كان نوى نوعا لزمه وإلا فالأفضل البدنة كما يأتي. انتهى. فإن عجز فبقرة؛ يعني أن من نذر بدنة يهدي بها يلزمه عند العجز عن البدنة أن يهدي بقرة، ومعنى العجز عن البدنة أنه لم تكن عنده بدنة ولا مقدار ثمنها، قال الخليل: البقر من البدن أي لأن أصل البدنة عظيمة البدن فشمل الإبل والبقر. قاله الشيخ إبراهيم وقوله: "فإن عجز" الخ، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل: لا تجزئه البقرة ولا يجزئه إلا ما نذر. اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الناس لا يعرفون البدنة إلا من الإبل. ثم سبع شياه؛ يعني أن من نذر هدي بدنة يلزمه أن يهدي بدنة كما علمت، وعند العجز عنها يلزمه أن يهدي بقرة، فإذا عجز عن ذلك فإنه يلزمه أن يهدي سبع شياه، ومعنى العجز عن ذلك أنه لم تكن عنده بدنة ولا بقرة ولا ما يشتري به إحداهما، وقوله: "تم سبع شياه"؛ أي لحديث جابر: (نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبع (١)) فأجزأت البقرة عن البدنة لكون إحداهما تسد مسد الأخرى، وأجزأت السبع عن البقرة لأن البقرة لا كانت تجزئ عن سبعة على قول بعض العلماء عادلت سبعا من الغنم، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقال في كتاب محمد: إذا عجز عن البقرة فعشر من الغنم، وقد علمت أن كلام المؤلف فيمن نذر بلفظ البدنة، وأما لو نذر بلفظ الهدي فإن كان نوى نوعا لزمه وإلا فالأفضل البدنة، وقال الشيخ علي الأجهوري ما نصه: يعتبر في كل من البدنة والبقرة والسبع الشياه أن يكون مما يجزئ ضحية، وهذا إذا لم يعينها، فإن عينها لزمت ولو معيبة أو صغيرة كما يدل عليه قوله: "كهدي ولو معيبا". انتهى. وقال أيضا: انظر من نذر بقرة وعجز عنها هل يلزمه سبع شياه كما هنا أو يجزئه دون ذلك لا؟ لأن البقرة التي يقوم مقامها الشياه السبع هي التى وقعت عوضا عن البدنة، بخلاف ما إذا وقع النذر على البقرة. انتهى. وقضية كلامه أنه لو أخرج عنها السبع لأجزأ وهو

стр. 3312

ظاهر، والنظر فيه إنما هو إجزاء ما دون السبع. والله سبحانه أعلم. واستظهر الشيخ إبراهيم أنه يلزمه إخراج السبع إن نذر بقرة وعجز عنها. لا غير؛ يعني أن من نذر البدنة وعجز عما ذكر لا يلزمه غير ما ذكر من صيام وإطعام وغير ذلك، بل يصبر حتى يجد الأصل أو البدل أو بدل البدل، وفي المدونة: فإن لم يجد الغنم فلا أعرف في هذا صوما إلا أن يحب الصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر كان عليه ما نذر، ولذا قال المواق: لو زاد المص وصام إن أحب لتنزل على ما في المدونة. انتهى. وإن قدر على بعض الشياه أخرجه ثم كمل متى أيسر؛ إذ لا يلزمه إخراج السبع دفعة ولا يقتصر على ذلك البعض. قال الشيخ عبد الباقي: ورأيت بخط علي الأجهوري ما نصه: سئلت عن شخص نذر هديا مطلقا ثم عينه في بدنة ثم عطبت، هل يلزمه مثل ما في ذمته أو مثل ما عينه؟ فأجبت: إن عطبت بتفريطه لزمه مثل ما عين، وإن عطبت بغير تفريطه لزمه مثل ما في ذمته. انتهى. وقال الشيخ علي الأجهوري: إذا وجد بعض الشياه وقلنا بإخراجه وأخرجه ثم قدر على الباقي وتعذر وجوده ووجد البقرة أو بعيرا وقدر على ما وجده، فهل يلزمه إخراجه أولا ويصبر إلى أن يجد من الشياه ما يكمل به السبع وهو الظاهر؟ وإذا قدر على باقي الشياه والبدنة والبقرة ووجد كل فهل يكمل من الشياه وهو الظاهر أو يرجع للأصل وهو البدنة أو البقرة؟ انتهى. وصيام بثغر، بالثاء المثلثة واحد الثغور والمفرد بالفتح في الأول وسكون الغين المعجمة، وهو الموضع القريب من بلاد الكفار يخاف أهله من هجومهم عليهم، وهو الحد الفاصل بين بلاد الكفار والمسلمين. نقله الشيخ الخرشي؛ يعني أن من نذر أن يصوم بثغر كعسقلان ودمياط وإسكندرية وكل ما يلي دار الحرب وموضع المخافة من فروج البلدان، مثل أن يقول: لله علي أن أصوم بعسقلان يلزمه أن يأتي إلى ذلك الموضع الذي عينه ويصوم به ولو مفضولا لموضع الناذر، كمكي أو مدني نذر موضعا غيرهما، وأما من نذر الصلاة بثغر فإن نذر أن يأتيه لصلاة واحدة ويعود من فوره ليس للرباط فليصل بموضعه ولا يأتيه كما نص عليه اللخمي في المكي والمدني، والظاهر أنه لا خصوصية لهما، بل وكذلك غيرهما، وإن نذر صلاة تمكن معها الحراسة لزمه الإتيان إلى ذلك الثغر الذي نذر به الصلاة. انظر حاشية الشيخ بناني.

стр. 3313

واعلم أن من نذر الصوم ولم يعين عددا كفاه يوم واحد، وكذا إذا نذر صلاة ولم ينو شيئا كفته ركعتان، وأتى بعبادة كاملة من نذر صوم بعض يوم أو صلاة ركعة أو طواف شوط، وقيل لا شيء عليه، ومن نذر أن يصوم أياما كان عليه أن يصوم ثلاثة. سحنون عن ابن القاسم: من قال لله علي صدقة فليتصدق بالدرهم وبنصف درهم وربع درهم، قيل: فالفلس [والفلسان (١)]؟ قال ما زاد فهو [أحسن (٢)]، ومن قال: لله علي صيام ولم يسمه فإنه يصوم ما شاء. ابن رشد: وهذا إذا لم يكن للحالف نية ولا بساط ولا عرف ولا مقصد. قاله الإمام الحطاب. ومن العتبية قيل: فمن نذر إطعام مساكين أيطعم كل مسكين خمس تمرات؟ قال: ما هذا وجه إطعامهم إلا أن ينوي ذلك فذلك له، وإن لم ينو فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فكان مدا لكل مسكين. انتهى. ابن رشد: ليس هذا بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه. والله أعلم. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وصيام بثغر"، وأما من نذر رباطا بثغر، فقال في الرسالة: ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه. انتهى. ما لم يكن بثغر، فإن كان بثغر لزمه أن يذهب للآخر إن كان أخوف مما هو فيه، وإن كان بالعكس لم يلزمه، وإن تساويا فيجري فيه نحو ما يأتي في قوله: "وهل وإن كان ببعضها أو إلا لكونه بأفضل، خلاف". قاله الشيخ إبراهيم. قال: وانظر لو نسي عين ما نذره من صدقة أو صوم أو عتق، هل يلزمه فعلها كلها أو يجتهد كالقبلة والأواني لم أر فيه نصا. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: والظاهر أنه يجري فيه ما يأتي في قوله: "وبالأيمان المشكوك فيها"؛ لأن اليمين والنذر يشتركان في كثير من الأحكام، والله سبحانه أعلم. وقوله: "وصيام بثغر"، هذا مكرر مع قوله في الاعتكاف: "وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا". والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال المواق: كرره: لأن هذا بابه.

стр. 3314

وثلثه حين يمينه؛ يعني أن الشخص إذا قال: مالي في سبيل الله تعالى إن فعلت كذا، أو شبه ذلك مما فيه قربة نحو مالي للفقراء أو للمساكين أو هدي أو نحو ذلك إن فعلت كذا وحنث، فإن فعل المعلق عليه فإنه يلزمه أن يخرج ثلث ماله الموجود حين الحلف من عين ودين وعرض وقيمة كتابة مكاتب، ثم إن عجز وكان في قيمة رقبته فضل عن قيمة كتابته أخرج ثلثه، وكذا يؤخذ ثلث أجرة مدبر ومعتق لأجل لا خدمتهما عند ابن القاسم، خلافا لأشهب ولا ذاتهما اتفاقا ولا شيء عليه في أم ولده، فإن زاد المال بعد وقت الحلف فلا يلزمه إخراج ثلث الزائد، سواء زاد بهبة أو نماء أو ولادة، فلو حلف وماله ألف فحنث وهو ألفان لزمه ثلث الألف، وهذا مفهوم قوله: "حين يمينه"، وقوله: "وثلثه حين يمينه"، هذا إذا لم يكن عليه دين، وإلا أدى دينه، ويشمل ذلك لمهر امرأته، فإن بقي شيء بعد ذلك تصدق بثلثه. البرزلي: هذا في الحقوق المعينة، فإن كان مستغرق الذمة لغير معين ففيه خلاف. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وإذا وجب عليه إخراج الثلث فتارة لا يقضى عليه بذلك ولكن يؤمر به من غير قضاء، وتارة يقضى عليه بذلك فإن جعله لمساكين غير معينين لم يقض عليه ولمعينين قضي عليه، وإن جعله بمسجد معين، فقيل: يقضى عليه به وقيل لا يقضى عليه به. نقله الإمام الحطاب. ونقل عن ابن عرفة أنه لو امتنع مَن جَعَلَ مالَه صدقة من إخراج ثلثه إن كان لمعين أجبر عليه، ولغير معين في جبره قولا ابن القاسم وأشهب. انتهى. وظاهر ما في المدونة أن ابن القاسم موافق على عدم الجبر. قاله الإمام الحطاب. إلا أن ينقص فما بقي؛ يعني أنه لو حلف وماله ألفان فحنث وماله ألف، فإنه لا يلزمه إلا إخراج ثلث الألف الباقية رفقا به نقص بنفقة أو غيرها كهلاكه، ولو بتفريط في صيغة البر اتفاقا، وفي صيغة الحنث على المشهور. الشبراخيتي: ويحسب دينه وما ينفقه في حجة الفرض بلا سرف والكفارة والزكاة التي عليه والنذر السابق ومهر امرأته، ويخرج ثلث ما عداه، وكذا في قوله: "إلا لتصدق به على معين فالجميع". انتهى. وقوله: "فما بقي"، سواء كان النقص قبل حنثه أو بعده، وقال ابن رشد: القياس أن عليه ثلث ما أنفقه. بمالي، متعلق بلزم والباء تحتمل السببية وتحتمل الظرفية. قاله الشيخ إبراهيم؛ أي بقوله مالي: في كسبيل الله، وقوله: "بمالي في كسبيل الله"، راجع لقوله: "وثلثه حين يمينه"؛ يعني أنه يلزم الحالف بمالي في سبيل الله إن

стр. 3315

فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا وحنث ثلث ماله حين يمينه، وقوله: "مالي في كسبيل الله"، لم يتكلم المؤلف على جواز الإقدام على ذلك، وقال ابن عرفة ما نصه: وفي جواز الصدقة بكل المال نقلا اللخمي رواية محمد، وقول سحنون في العتبية: من تصدق بكل ماله ولم يبق ما يكفيه ردت صدقته. انتهى. ثم اعترض ابن عرفة القول الثاني فانظره. وقال ابن عمر: المشهور أن ذلك جائز وإن لم يبق لنفسه، ودخل بالكاف الفقراء والمساكين والهدي وكل ما فيه قربة. والحاصل أن الحالف بمالي في كسبيل الله يلزمه ثلثه حين حلفه ولا يعتبر ما زاد، فلا يلزمه إخراج ثلث الزائد إن حنث وقد زاد المال، وإنما يلزمه ثلث الموجود حين اليمين، وإن نقص المال حين الحنث فإنما يلزمه ثلث ما بقي ولا يلزمه ثلث الفائت رفقا به في البر اتفاقا وفي الحنث على المشهور، ومقابله لابن المواز أن ما هلك في الحنث لتفريطه قبل الحنث يعتبر، فيلزمه ثلثه حين اليمين وقد علمت أن المشهور خلافه، وأما ما تلف بعد الحنث بدون تفريط فلا شيء عليه فيه اتفاقا وبتفريط في كونه كذلك ولزوم ثلثه قول هباتها مع الواضحة وأصبغ عن ابن القاسم. سحنون: وما أنفقه بعد حنثه في لغوه ولزوم ثلثه نقلا ابن رشد عن سماع يحيى، ونقله عن محمد عن ابن القاسم، انتهى. ونص المدونة في كتاب الهبات: وإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط، وكذلك إن قال ذلك في يمين فحنث فلم يخرج ثلثه حتى تلف جل ماله فليس عليه إلا إخراج ثلث ما بقي. انتهى. حرره الشيخ بناني. وقد علمت أن المشهور أنه إن نقص لا يلزمه إلا ثلث ما بقي نقص بسببه أو غيره بعد الحنث أو قبله، قال الشيخ عبد الباقي: وفرض المص الكلام في يمين يفيد أنه لو نذر ماله في سبيل الله تعالى فإنه يلزمه ثلث ما نقص بنفقة لا بتلف ولو بتفريط، فإنما يلزمه ثلث ما بقي يوم الإخراج. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره من أنه يلزمه ثلث ما أنفق في النذر دون اليمين أصله لأحمد، وتبعه الأجهوري، وقال الرماصي: ولم أر ذلك التفريق لغيرهما، وظاهر كلام المدونة وابن رشد وابن عرفة وغيرهم التسوية بينهما فلا يلزمه ثلث ما أنفق في نذر ولا يمين، وقول المؤلف حين يمينه فرض مسألة. والله أعلم انتهى.

стр. 3316

وهو الجهاد، هو تفسير لسبيل الله تعالى دون مدخول الكاف؛ يعني أن المراد بسبيل الله تعالى أمران، أحدهما الجهاد في سبيل الله تعالى فيعطى لمن في موضعه، ولا يعطى منه مقعد ولا أعمى ولا امرأة ولا صبي ولو قاتل ولا مريض مأيوس منه ولا مفلوج وشبهه ولا أقطع إحدى الرجلين أو اليد اليسرى والظاهر أولوية اليمنى. قاله الشيخ عبد الباقي. وأشار إلى الثاني بقوله: والرباط؛ يعني أن المراد بسبيل الله الجهاد، وسيأتي تعريفه إن شاء الله تعالى، والرباط وهو سد الثغور الخوفة والرباط والمرابطة ملازمة ثغر العدو، فقوله: بمحل، متعلق "بالرباط" خيف تحقيق للرباط لا أنه قِيد زائد عليه، والرباط لغة ما تشد به القربة والدابة وغيرهما، والجمع ربط. وقوله: "بمحلٍّ خيف"، كدمياط وعسقلان وغيرهما من كل موضع مخوف، وإذا ارتفع الخوف عن الثغر لقوة الإسلام به أو بعده عن العدو زال حكم الرباط عنه، وظاهر المص أن القام بمحل خيف رباط ولو كان مع أهله، وهو الذي اختاره الباجي، وقال مالك: ليس برباط، وليس جدة بضم الجيم برباط لأنها قد ارتفع عنها الخوف، والحمد لله. وفي الحديث: (مكة رباط وجدة جهاد (١))، وقال ابن جريج: إني لأرجو فضل مرابطي جدة على سائر المرابطين كفضل مكة على سائر البلاد. وعق ضوء بن فخر قال: كنت جالسا مع عباد بن بشر في المسجد الحرام، فقلت، الحمد لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها، قال: وأين أنت عن جدة؟ الصلاة فيها بسبعة عشر ألف صلاة، والدرهم فيها مائة ألف، وأعمالها بقدر ذلك يغفر الله للناظر فيها مد بصره، قال: قلت رحمك الله تعالى مما يلي البحر، وقال فرقد السنجي: إني رجل أقرأ هذه الكتب وإني لأجد فيما أنزل الله : جدة أو جديدة يكون بها قتلى وشهداء لا شهيد يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم، فالحمد لله على ما كان بعد ما كان. قاله الحطاب. وقال: قال في كتاب الحبس: ومن حبس في سبيل الله فرسا أو متاعا فذلك في الغزو يجوز أن يصرف في مواحيز الرباط كالاسكندرية ونحوها، وأمر مالك في مال جعل في السبيل أن يفرق في السواحل من الشام ومصر ولم ير جدة من ذلك، قيل له: قد نزل بها العدو؟ قال: كان ذلك أمرا خفيفا. انتهى. والمواحيز بالحاء المهملة: النواحي، جمع ماحوز. وقوله: وثلثه حين يمينه هذا

стр. 3317

هو المشهور، قال فيها: ومن قال علي أن أهدى مالي أو قال جميع مالي صدقة أو في سبيل الله تعالى، أو هدي أو حلف بذلك فحنث أجزأه من ذلك الثلث، وحجته في ذلك أن أبا لبابة حين تاب الله تعالى عليه؛ قال يا رسول الله: أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال ﷺ : (يجزئك من ذلك الثلث (١)) وهو يدل على أنه التزم الصدقة بجملة ماله؛ لأن الإجزاء فرع شغل الذمة، وقال سحنون: إنما يلزمه من ذلك ما لا يضر به إخراجه، وقال ابن وهب وابن حبيب: يخرج الثلث إن كان كثير اليسار، والرابع إن كان قليل المال، وكفارة يمين إن كان عديما. وعن ابن وهب أنه يلزمه إخراج جميع ماله، واستظهره بعض الأشياخ عملا بمقتضى اللفظ، ولأن التصدق بالجميع طاعة لإقراره ﷺ أبا بكر على ذلك. وقيل للإمام مالك فيمن نذر إطعام مساكين: أيطعم كل مسكين خمس تمرات؟ قال: ما هذا وجه إطعامهم إلا أن ينوي ذلك فذلك له، وإن لم ينوه فليطعم كل مسكين مدا بمد النبي ﷺ ، لقوله جل وعز: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فكان مدا لكل مسكين. ابن رشد: ليس هذا واجبا عند مالك وإنما ذلك استحسان منه، وسئل ابن أبي زيد عمن حلف بالصدقة وعليه دين، فأجاب: يؤدي دينه ومهر امرأته، فإن بقي شيء تصدق بثلثه، ومن قال داري صدقة على المساكين أو على رجل بعينه في يمين فحنث لم يقض عليه بشيء، ويلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن قال ذلك في غير يمين بتلا قضي عليه إن كان لرجل بعينه، ومن وجب عليه إخراج ثلثه أجبر عليه إن كان لمعين، وإن كان لغير معين لم يجبر عليه على المشهور. وقيل: يجبر عليه، ولو قال كل مال أملكه فإن كان ذلك على رجل بعينه لزمه إخراج جميع ماله ويترك له منه كما يترك للمفلس، فيترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام. ابن المواز: يترك له كالشهر، ويجري مثل ذلك فيما إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله، وإذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكسبه أبدا فحنث فلا شيء عليه باتفاق المذهب، وأما إن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده أبدا فيلزمه أن يتصدق بثلث ذلك قولا واحدا، وإن نذر أن يتصدق بجميع ما يفيده إلى

стр. 3318

أجل كذا فيلزمه إخراج ذلك قولا واحدا، واختلف إذا حلف بصدقة ما يكسبه أو يفيده إلى مدة ما أو بلدة ما فحنث، فعند ابن القاسم وأصبغ: لا يلزمه شيء. وحكى ابن القاسم إخراج جميع ما يفيده. ابن رشد: وهو القياس، وإذا قال: كل مال أملكه إلى كذا من الأجل صدقة إن فعلت كذا، فحنث. ابن القاسم وابن عبد الحكم: يلزمه إخراج ثلث ماله الساعة وجميع ما يملكه إلى ذلك الأجل. قاله الحطاب. وأنفق عليه من غيره؛ يعني أن المكلف إذا قال: مالي هدي أو صدقة أو في سبيل الله تعالى أو نحو ذلك، فإنه يلزمه إخراج الثلث كما علمت، وإذا احتاج الثلث المخرج إلى الإنفاق فإن ذلك الحالف أو الناذر ينفق على الثلث من ماله الخاص به الذي يبقى له لا من الثلث، وقيل: ينفق على الثلث المخرج منه أي من الثلث المخرج نفسه، فعلم من هذا أنه إذا احتاج إلى إرساله لمحل الجهاد ونحوه فإنه يلزمه أن ينفق عليه إلى ذلك المحل من غير الثلث، ولو قال ثلث مالي صدقة أو نحوه فإنه ينفق عليه من الثلث بلا خلاف؛ لأن الأصل في مالي إخراج الجميع، فلما رخص له في الثلث وجب عليه إخراج جميع الثلث، بخلاف ثلث مالي فإنه لا يلزمه غيره. إلا المتصدق به على معين فالجميع، الضمير في "به" راجع لمالي، والاستثناء من قوله: "وثلثه"؛ يعني أن محل ما تقدم من الاكتفاء بالثلث إنما هو إذا قال مالي صدقة للمساكين أو الفقراء أو هبة لهم أو حلف بذلك، أو قال هو هدي أو في سبيل الله تعالى، وأما إن قال هو صدقة لزيد ونحو ذلك فإنه يلزمه إخراج الجميع لزيد، فقوله: "معين سواء"، كان التعيين بالشخص كما مثلت أو بالوصف كبني فلان، وقوله: "فالجميع"، إلا أن ينقص فجميع ما بقى، وكذا يقال في قوله: "وإن معينا أتى على الجميع"، وقوله: "إلا المتصدق به على معين فالجميع"، ويترك له ما يترك للمفلس. وفي المدونة: وإن قال ثلث مالي أو ثلاثة أرباعه أو أكثر، فيخرج جميع ما سمى ما لم يقل ماله كله. انتهى. والضابط في ذلك أنه حيث أبقى لنفسه شيئا لزمه ما نذر، وحيث لم يبق لنفسه شيئا لزمه الثلث، وإنما لزمه إذا نذر جميعه لشخص؛ لأن المستحق له معين يطالبه به، وإنما

стр. 3319

لزمه فيما إذا نذر شيئا معينا وكان ذلك جميع ماله كما سيأتي في كلام المص؛ لأنه قد أبقى شيئا ولو ثياب بدنه وما لم يعلم به من المال. فتأمله. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وكرر إن أخرج؛ يعني أنه إذا قال مالي أو ثلث مالي صدقة ونحو ذلك، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه إخراج الثلث كما علمت، فإن أخرجه بعد لزومه وقبل إنشاء ما يوجب الثلث من نذر أو يمين ثم حصل سبب آخر يوجب إخراج الثلث أي ثلث الباقي، فإنه يلزمه أن يكرر إخراج الثلث، فيخرج ثلث المال ثم يخرج ثلث ما بقي وهكذا. وإلا؛ أي وإن لم يخرج الثلث حتى حصل موجب لآخر نذرا أو يمينا، سواء أخرج الأول بعد الحنث أو قبله وبعد إنشاء اليمين، فإنه اختلف في وجوب تكرار الثلث بتكرر الموجب والاجتزاء بثلث واحد في الجميع أي في جميع الموجبات، وإلى ذلك أشار بقوله: فقولان، وقد علمت أن النذر يلزم بلفظه واليمين بالحنث فيها، فالقولان يجريان في ثلاث صور، صورة في النذر وهي ما إذا لم يخرج الثلث إلا بعد إنشاء النذر، وصورتان في اليمين وهما ما إذا أخرجه بعد أن أنشأ اليمين وقبل الحنث أو بعده، والقول بلزوم التكرار لابن القاسم وأشهب وابن المواز، والقول بالاكتفاء بثلث واحد لجميع الموجبات قال ابن حبيب: هو قول مالك وأصحابه، وعلة القول بالتكرير أن كلا من ذلك مستقل بنفسه، والقول الآخر يقول: كأنهما يمين واحدة حيث لم يخرج الأول إلا بعد عقد الموجب الآخر. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "قولان"، مبتدأ حذف خبره؛ أي في لزوم التكرار والاكتفاء بثلث واحد قولان. وما سمى؛ يعني أن الناذر يلزمه ما سمى سواء كان جزءا شائعا كسدس أو ربع أو تسعة أعشار أو جزءا من أحد عشر أو معينا بالعدد، ولم يأت على الجميع كألف ومائة أو بالذات ولم يأت على الجميع أيضا كعبد أو ثوب، بل وإن كان المسمى معينا أتى على الجميع كألف وليس له غيره أو عبدي -مثلا- وليس له غيره، فالمراد بالعين ما قابل الجزء الشائع، وقول المص: "ما سمى"، يشمل ثلاث صور: الجزء الشائع كثلث، والعدد المعين كمائة وألف، وما عين بالذات كالعبد والثوب، والثاني والثالث يمكن أن يأتيا على جميع ماله، فلذا بالغ عليهما، [وتقدير (١)] ما قبل المبالغة وما سمى غير معين كثلث أو معينا لم يأت على الجميع، بل وإن معينا أتى على الجميع

стр. 3320

كما مر ما يفيده انظر حاشية الشيخ بناني. ويترك له في هذه وفي قوله قبل، فالجميع قدر ما عليه من دين وما يصرف في حج فرض بلا سرف وكفارة ونذر سابق وما يترك للمفلس كما مر، ومن لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر، ولو نذر إخراجه لزمه أن يخرجه. قاله في التوضيح. قاله الإمام الحطاب. وبعث فرس وسلاح لمحله؛ يعني أن من نذر فرسا في سبيل الله تعالى، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه في الصورتين أن يبعثها إلى محل الجهاد، وليس له حبسها وإخراج قيمتها، وكذا لو نذر سلاحا في سبيل الله تعالى أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه أن يبعث به إلى محل الجهاد، وليس له حبسه وإخراج قيمته، وقوله: إن وصل، شرط في لزوم بعث الفرس والسلاح لمحله؛ يعني أن محل وجوب إرسال كل من الفرس والسلاح إنما هو حيث كان يمكن وصول ما ذكر إلى محل الجهاد. وإن لم يصل بيع وعوض؛ يعني أنه إذا لم يمكن وصول الفرس والسلاح إلى أماكن الجهاد فإنه يباع هذا الذي لم يمكن وصوله ويبعث بثمنه فيعوض به مثل البيع من [كراع أو خيل (١)]، أو سلاح في محل الجهاد أو قربه، فإن جعل في سبيل الله تعالى ما ليس بفرس وآلة حرب كعبدي أو ثوبي في سبيل الله تعالى بيع ودفع ثمنه لمن يغزو به، والظاهر أنه يمنع فيه وفي المص هنا تقويمه على نفسه، ولا يجري التأويلات الآتية في الهدي لأنه عهد الأكل من نذر المساكين في الجملة، كهدي، تشبيه تام؛ يعني أنه لو قال: لله علي هدي هذه البقرة أو هدي بقرة، أو حلف بذلك وحنث فإنه يلزمه بعث ما ذكر إلى مكة أو منى؛ لأن ذلك هو محله إن أمكن وصوله له فإن لم يمكن بيع واشتري بثمنه هدي من مكة أو غيرها، ويخرجه إلى الحل إن اشتراه بمكة. اللخمي: يشترى من حيث يرى أنه يبلغه ولو وجد مثل الأول ببعض الطريق لم يؤخر رجاء أفضل منه بمكة. اهـ. قاله الشيخ إبراهيم. قال: والظاهر أن نفقة بعثه على بيت المال. قاله غير واحد. وعلم مما ذكرته أنه لا فرق بين المعين وغيره، ونقل الإمام الحطاب ما نصه: ولابن القاسم فيما لا يصل من إبل يشترى بثمنه من المدينة أو من مكة أو من حيث أحب، وله أيضا فيما لا يبلغ من

стр. 3321

بقر يشتري بثمنها هديا من حيث يبلغ، ويجزئ عند ملك من مكة أو المدينة أو من حيث أحب من حيث يبلغ. انتهى. ولو معيب يعني أنه لو قال: لله تعالى علي نذر هذه البدنة العوراء أو العرجاء أو نحوهما مما لا يهدى، فإنه يلزمه أن يبعث بها إلى محل الهدي مكة أو منى، فإن لم يصل بيع وعوض سليما. على الأصح؛ يعني أن بعث الهدي المعيب إلى محله هو قول أشهب وهو الأصح، قال الحطاب: انظر من صححه، قال: وظاهر قول أشهب أنه لا يجوز أن يعوضه بالسليم إذا عينه، فإن لم يصل بيع وعوض سليما، ومقابل الأصح لابن المواز: يباع العيب العين ويشتري بثمنه سالما، وعليه رد المص بلو واتفقا على لزوم السليم إذا لم يعين، كعلي بدنة عوراء. التونسي: والأشبه أن لا يلزمه شيء في غير المعين؛ لأنه نذر ما لا يصح أن يكون هديا، كمن نذر صلاة في وقت لا تجوز الصلاة فيه، وكمن نذر صوم أيام النحر أو سنة بعينها أنه لا يقضي أيام الذبح على الصحيح. اللخمي: وأرى المعين وغيره سواء، فإن نذر وهو يظن أن ذلك يجوز لم يكن عليه غير ما ألزم نفسه، فيبيع المعين ويخرج ما في الذمة على أنه معيب، فيشتري بذلك سليما إن بلغ أو يشارك به، وإن كان عالما أن ذلك لا يجوز كان نذرا في معصية، ويستحب له أن يأتي بسليم ليكون كفارة. انتهى. نقله الشيخ الخرشي. وقوله: "وإن معيبا" بالباء؛ يعني وهو معين كما شرحت عليه المص، وفي بعض النسخ بالنون؛ يعني وهو معيب. وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل؛ يعني أنه إذا نذر أن يهدي بقرة مثلا فلم تصل فإنها تباع ويشترى بثمنها هدي من جنسها كما مر، ويجوز أن يشترى بثمنها ما هو أفضل منها في الهدي كالإبل، بخلاف مسألة الفرس والسلاح فلا يشترى بثمنها إلا ما هو من جنسهما لا بغيره، ولو كان الاحتياج إليه أكثر، وقوله: "وله فيه"؛ أي الهدي السليم، وأما العيب إذا لم يمكن وصوله فإنه يجب ابداله بالسليم، فقوله: "وله فيه إذا بيع الإبدال بالأفضل"، راجع لقوله: "كهدي"، وقال الشيخ إبراهيم عن الحاشية في قوله: "فيه": أي في الشيء المنذور هديا كان أو غيره، والنقل في العتبية كذلك. انتهى. وقوله: "بالأفضل"، أو بالمساوي لا بالدون إلا إذا قصر الثمن.

стр. 3322

وإن كان كثوب بيع؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي شيئا من غير بهيمة الأنعام، كثوب وعبد وسلاح ونحوها من كل ما لا يهدى؛ لأن الهدايا محصورة في بهيمة الأنعام، فإنه يباع ويشترى بثمنه هدي سليم مما يهدى في العادة. اللخمي: يشترى من حيث يرى أنه أصلح ويبلغ حسبما مر، وإن كان يبلغ ثمن ذلك بدنة وهو ببلده أصلح اشتراه الآن وبعث به. انتهى. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "وإن كان كثوب"؛ أي وهو معين، وأما لو نذر مبهما كثوب فعليه الوسط يبعث بقيمته يشترى بها هدي. قاله ابن عرفة. نقله الخرشي. وكره بعثه؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي ما لا يصح الهدي به، فإنه يباع ويشتري بثمنه هديا سليما كما علمت، ولا يرسله بعينه لموضع الهدي، فإن بعثه بعينه إلى محل الهدي مكروه لإيهام تغيير سنة الهدي لأن جنس الهدي محصور في بهيمة الأنعام كما عرفت. وآهدى به بالبناء للمفعول، وهو راجع للصورتين؛ أي قوله: "بيع"، وقوله: "وكره بعثه"؛ يعني أنه لو نذر أن يهدي ما هو كالثوب مما لا يهدى فإنه يباع ويشترى بثمنه هدي ويهدى به، وكذا لو ارتكب المكروه بأن بعث الثوب ونحوه بعينه إلى محل الهدي، فإنه يهدى به أي بثمنه بأن يباع ويشترى بثمنه هدي ويهدى به، وما ذكره المص من أن ما لا يهدى يباع ويبعث بثمنه ويشترى به هدي هو مذهب المدونة هنا، وظاهرها في كتاب الحج وموضع آخر من النذور جواز تقويمه على نفسه وإخراج قيمته، وهو مذهب العتبية، واختلف الشيوخ، هل ذلك خلاف أو وفاق؟ كما أشار إلى ذلك بقوله: وهل اختلف هل يقومه أولا أو لا؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا هل يحمل ما في الحج والعتبية من جواز التقويم على المخالفة لما في المدونة من أن ما لا يهدى يباع ويشترى بثمنه هدي أو يحمل على الموافقة له، فقوله: "وهل اختلف": أي هل يحمل ما في الموضعين على الخلاف، وكأن سائلا سأله في أي شيء اختلف؟ فأجابه مبينا له المختلف فيه، بقوله: هل يقومه أولا كما في المدونة بموضع والعتبية، أولا يقومه على نفسه بل يبيعه كما في المدونة لأنه رجوع في القربة؟ أي اختلفوا هل ما في الحج والعتبية من جواز التقويم مخالف لما في المدونة هنا من البيع والإهداء بالثمن فلا موافقة بينهما؟ وقوله: "أو لا" الثانية، معناه أن ما ذكر من المواضع ليس بمحمول على المخالفة بل هو محمول على الموافقة، فقوله: "أولا" الأولى عديلة هل الثانية وقوله: "أو لا"

стр. 3323

الثانية عديلة "هل" الأولى، وقوله: ندبا، معناه أن الموفقين بين المواضع المتقدمة اختلفوا في وجه التوفيق، فمنهم من قال: ترك التقويم الواقع في المدونة هنا على جهة الندب فلا ينافي ما في حجها والسماع من جواز التقويم، وعلى هذا فلا فرق بين النذر واليمين. وقوله: "ندبا": معمول ليبيع، وهو مفعول مطلق. والله سبحانه أعلم. أو التقويم إن كان بيمين؛ يعني أن من الشيوخ من وفق بغير ذلك، فقال: إن جواز التقويم الواقع في العتبية محله إن كان اللزوم حاصلا بيمين حنث فيها؛ لأن الحالف لا يقصد قربة فلم يدخل في خبر: (العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه (١))، والبيع والإهداء بالثمن الواقع في المدونة هنا في الملتزم بغير يمين، فهو متطوع قاصد للقربة، فيدخل في الخبر في ذلك تأويلات ثلاث، واحد بالاختلاف واثنان بالوفاق، وما قررت به المص من أن قوله: "أولا" الأولى بسكون الواو هو لابن غازي وغيره، وقرره الشارح على أنه بتشديد الواو ظرفا؛ لأنه فسره بقوله ابتداء أي من غير واسطة بأن يبيعه ثم يشتريه، قال الشيخ الخرشي: وهو أولى إذ عليه يندفع التعقيد ويقل المعادل، وقال الإمام الحطاب: ما حمله عليه الشيخ بهرام هو الظاهر. والله أعلم. انتهى. واعلم أن القول بالاختلاف هو الذي ذهب إليه جمهور الشيوخ. فإن عجز عوض الأدنى؛ يعني أنه إذا قصر الثمن المبعوث لمحل الجهاد عن شراء المثل فإنه يعوض به ما هو أدنى مما يقرب من المثل إن أمكن، وكذا إذا عجز ثمن الهدي الذي لا يصل عن شراء المثل فإنه يعوض عنه الأدنى مما يقرب منه إلى أن يعجز عن أدنى الهدي الذي هو شاة، وكذا إذا عجز ثمن ما لا يهدى عن قيمة بدنة أو بقرة فإنه يعوض أدنى الهدي وهو شاة. ثم لخزنة الكعبة؛ يعني أنه إذا قصر ثمن ما لا يهدى أو ثمن الهدي الذي لا يصل عن قيمة أدنى الهدي الذي هو شاة فإنه يدفع ذلك الثمن القاصر لخزنة الكعبة، وإذا قصر الثمن المبعوث لمحل الجهاد عن الأدنى دفع لمن يغزو به ولا يشارك به في شقص: وقوله: "لخزنة الكعبة"، جمع خازن وهم أمناؤها وأصحاب حلها وعقدها، ويقال لهم سدنة وحجبة، ومنصبهم يقال له حجابة وخزانة بكسر الخاء وسدانة وهي منصب بني شيبة، ولاهم رسول الله -صلى الله عليه

стр. 3324

وسلم إياها كما ولى السقاية لعمه العباس -رضي الله تعالى عنه-، وصح أن النبي ﷺ قال: (ألا إن كل مأثرة في الجاهلية فهي تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت (١)). انتهى. والأثرة المكرمة والمفخرة التي تؤثر عنهم أي تروى عنهم وتذكر، والمراد -والله أعلم- إسقاطها وحطها إلا هاتين المأثرتين، وسدانة البيت خدمته وتولي أمره وفتح بابه وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادن والجمع سدنة. ولما دخل ﷺ مكة عام الفتح، قال لعثمان بن طلحة ائت بالمفتاح، قال: فأتيته به ثم دفعه إلي، وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، ولم يزل عثمان يلي البيت إلى أن توفي، فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، ابن عمة، فبقيت الحجابة في بني شيبة ومات عثمان في أول خلافة معاوية -رضي الله تعالى عنه- سنة اثنتين وأربعين، وقيل: قتل بأجنادين بفتح الهمزة وفتح الدال المهملة، ومنهم من يكسرها وهو موضع بالشام كانت به وقعة مشهورة بين المسلمين والروم، وقتل أبوه طلحة وعمة عثمان يوم أحد كافرين -نسئل الله تعالى السلامة- وذكر المحب الطبري أنه جاء جبريل، وقال: ما دام هذا البيت فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان، وقوله: "لخزنة الكعبة"، هذا قول مالك، وقال ابن القاسم: يتصدق به حيث شاء، وقال أصبغ: يتصدق به على مساكين مكة خاصة. يصرف فيها؛ يعني أن هذا الذي يبعث لخزنة الكعبة من الثمن القاصر عن أدنى الهدي وهم بنو شيبة لا يملك لهم، وإنما يصرفونه في مصالح الكعبة كما في الرواية عن الإمام، ولما استشكلت الرواية بأن الكعبة قد لا تحتاج لأنها لا تنقض فتبنى ولا يكسوها إلا الملوك، ويأتيها من الطيب ما فيه كفاية، ومكانسها خوص ثمنها لا بال له وبعد الكنس يزيد ثمنها على ما كان -فلم يبق إلا أن تأكله الخزنة وليس من قصد الناذر في شيء- أشار إلى الجواب بما في كتاب محمد وساقه ابن يونس على أنه تفسير بقوله: إن احتاجت؛ يعني أن محمد بن المواز قيد قول الإمام: إن الثمن المذكور يدفع للخزنة يصرفونه في مصالح الكعبة، بما إذا كانت تحتاج إلى ذلك، وبهذا التقييد يندفع الإشكال. وإلا تصدق به؛ يعني أن الكعبة إذا لم تحتج فإن الثمن المذكور يتصدق به

стр. 3325

الناذر أو غيره حيث شاء. وأعظم مالك أن يشرك معهم غيرهم؛ يعني أن الإمام أعظم أي استعظم، ومنع أن يشترك مع بني شيبة غيرهم في خدمة البيت، ولذا لا يدفع الثمن المذكور لغيرهم. وقوله: "يشرك"، بفتح المثناة التحتية والراء المهملة من باب تعب؛ لأنها ولاية منه ﵊؛ يعني أن الإمام استعظم الاشتراك المذكور ومنعه؛ لأن التشريك نوع من الانتزاع الوارد في خبر: (هي لكم يا بني عبد الدار خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم (١))، قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم، قالوا: وهي ولاية رسول الله ﷺ ، قال المحب الطبري: ولا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا الأدب في خدمته، وإلا جعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته. قال الإمام الحطاب: وما ذكره المحب الطبري من أنهم يمنعون من هتك حرمته هو الحق الذي لا شك فيه، لا كما يعتقده بعض الجهلة من أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون بالبيت الشريف ما شاءوا، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، وإنما المحرم نزع المفتاح منهم، وأما إجراء الأحكام الشرعية عليهم ومنعهم من كل ما فيه انتهاك لحرمة البيت أو قلة أدب فهذا واجب لا يخالف فيه أحد من المسلمين، وأجمع العلماء على حرمة أخذهم أجرة على فتح البيت لا كما يعتقده بعض الجهلة المعكوس الفهم تمسكا بقوله ﷺ : (وكلوا بالمعروف (٢))، فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، فخرج عما أجمعت عليه الأمة، وهذه اللفظة إن صحت يستدل بها على إقامة الحرمة؛ لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإشارة -والله أعلم- إلى ما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر فلهم أخذه، وذلك أكل بالمعروف لا محالة أو إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته والقيام بمصالحه، فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه. والله سبحانه أعلم. ووجه تحريم أخذ الأجرة المذكور أن الأجرة إنما تجوز على ما يختص الإنسان بمنفعته، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس منه

стр. 3326

دائما. والله تعالى أعلم. والظاهر أن حكم فتح المقام وحكم أخذ الأجرة عليه كذلك، ولم أقف لأحد في ذلك على كلام. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال أيضا: جرت عادة الشيبيين في زماننا وقبله بمدة طويلة بتقديم الأكبر منهم في السن فالأكبر في كون المفتاح عنده، بل الظاهر أن ذلك كان من أول الإسلام، والظاهر أنهم إذا اختلفوا يقضى بما جرت به عادتهم من تقديم الأكبر، وأنه إذا كان الأكبر غير مرضي الحال يجعل عليه مشرف. واعلم أن من زعم أن الحجبة قد انقرضوا فقد وهم وغلط، ورد الإمام الحطاب ذلك القول بما فيه مقنع من نصوص علماء مكة والمدينة الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لو وقع كما هو عادته في تحرير المسائل جزاه الله تعالى خيرا، ولله در القائل: جزى الله الرجال جزاء خير … على ما أظهروه لنا وأبدوا فقد عظمت كرامتهم علينا … بما للمومنين هدوا وأهدوا وقال العلماء: إن في الحديث المتقدم إشارة إلى بقاء عقبهم. واعلم أنه لا يعترض على ما مر بإخدام سيدنا معاوية -رضي الله تعالى عنه- الكعبة عبيدا؛ لأن خدام الكعبة غير ولاة فتحها كما هو معلوم، وقال الإمام الحطاب بعد جلب كثير من النقول الدالة على بطلان قول من زعم انقراض الشيبيين: وإنما نبهت على هذا وإن كان- والحمد لله- كالمقطوع به، خشية أن يقف من لا علم عنده على ما نقل عن الشريف النسابة من انقراضهم. انتهى. تنبيهات الأول: ذكر الفاكهاني (١) أن النبي ﷺ لما أخذ المفتاح من عثمان فتحها بيده، وقد كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا الحجبة. نقله الإمام الحطاب. الثاني: ذكر الفاكهاني (٢) أيضا أن النبي ﷺ لما دفع المفتاح إلى عثمان كان مضطجعا (٣) عليه رداؤه ودفعه إليه من وراء الثوب، وقال: غيبوه، قال الزهري: فلذلك يغيب

стр. 3327

المفتاح. انتهى. قاله الحطاب. وقال: فلذلك -والله أعلم- يرخون ستر الباب حين فتحه وحين إغلاقه. الثالث: قال الفاكهاني (١) أيضا: كان من سنة المكيين -وهم على ذلك إلى اليوم- إذا ثقل لسان الصبي وأبطأ كلامه عن وقته جاءوا به إلى حجبة الكعبة، فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه فيأخذونه (٢) الحجبة فيدخلونه خزانة الكعبة ثم يغطون وجهه ثم يدخلون مفتاح الكعبة في فمه فيتكلم سريعا وينطلق لسانه بإذن الله تعالى، وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا انتهى وقال بعض شيوخ شيوخنا: وإلى عصرنا هذا وهو سنة خمس وثمانمائة، قلت: وإلى وقتنا هذا وهو سنة أربعين وتسع مائة، ولا يخصون بذلك من ثقل لسانه بل يفعلون ذلك بالصغار مطلقا تبركا بذلك، ورجاء أن يمن الله تعالى عليه بالحفظ والفهم، وقد فعل ذلك بنا آباؤنا وفعلناه بأولادنا. والحمد لله على ذلك. انتهى. والمشي لمسجد مكة؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي لمسجد مكة في حج أو عمرة أو حلف بذلك وحنث، فإنه يلزمه الذهاب إليه راجلا ويحرم بما نذر المشي فيه من حج أو عمرة. ولو لصلاة؛ يعني أن من نذر المشي لمسجد مكة لأجل أن يصلي به يلزمه أن يمشي إليه ليصلي به، ورد المص؛ بلو قول القاضي إسماعيل: إن من نذر المشي إلى مسجد مكة للصلاة لا للنسك لم يكن عليه المشي ويركب إن شاء، وقول القاضي إسماعيل هذا هو الذي اعتمده ابن يونس ولم يحك له مقابلا، كما نقله المواق معترضا به كلام المص، وقال ابن بشير: إنه المشهور، وتبعه ابن الحاجب، وكلام صاحب الإكمال يقتضي أن قول إسماعيل مخالف للمذهب، قال الرماصي: وما ذكره المؤلف هو الصواب، كما في الإكمال أن من نذر الصلاة بأحد المساجد الثلاثة ماشيا أنه إنما يلزمه المشي في المسجد الحرام، وقال الشيخ بناني بعد أن جلب من النقول ما جلب: تبين مما تقدم تشهير كل من القولين، وأن على المؤلف أن يعبر بخلاف. انتهى. وقوله: "ولو لصلاة"، ظاهره فرضا كانت أو نفلا. كما نص عليه اللخمي. وقال: هذا قول مالك، وقال بعض أهل العلم: لا يأتي في النفل،

стр. 3328

ومذهب الإمام مالك أن التضعيف الوارد في المسجد الحرام هو في الفرض والنفل، والقول بأنه في الفرض فقط خارج المذهب، وظاهر كلام المص أيضا لزوم المشي ولو لامرأة وهو كذلك كما في المدونة، وقيدها ابن محرز بما إذا لم يلحقها ضرر يظن به انكشافها، ولم تخش منها الفتنة وإلا لم يلزمها المشي بل ربما امتنع عليها وارتضاه في التوضيح، وللزوج منعها من نذر المشي، وأفتى ابن القاسم ابنه عبد الصمد على ما قاله أبو عمر في حنثه في نذر الشي لمكة، بقول الليث: كفارة يمين. وعبد الصمد. هذا أحد رواة ورش الثلاثة، وهم: الأزرق وعبد الصمد والأصبهاني، والذي في المدارك أن صاحب القضية هو ولده موسى لا عبد الصمد، ووجه فتوى ابن القاسم لابنه بقول الليث أنه خاف أنه إن كلف ابنه المشي لا يفعله فيستهين بمسألة من الدين فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها. اللخمي: الناذر للمشي إن نوى حجا أو عمرة أو طوافا أو صلاة لزمه ويدخل محرما إذا نوى حجا أو عمرة، وإن نوى طوافا يتخرج دخوله محرما على الخلاف في جواز دخول مكة حلالا، وناذر السعي يختلف فيه هل يسقط نذره أو يأتي بعمرة؛ لأن السعي ليس بقربة بانفراده فيصح نذره بحسب الإمكان؟ وإن نذر صلاة فريضة أتى مكة ووفى بنذره وهذا قول مالك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يأتي للنفل، فإن نوى الوصول -خاصة وهو يرى أن ذلك قربة- لم يكن عليه شيء، وإن كان عالما أنه لا قربة فيه كان نذره معصية، فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في حج أو عمرة وإن لم تكن له نية مشى في حج أو عمرة. انتهى مختصرا. وقال الرجراجي: إذا حلف بالمشي إلى مكة ونوى الوصول ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك فلا يخلو من وجهين، إما أن يرى أن ذلك قربة وفضيلة فلا شيء عليه لا مشي ولا غيره، أو يكون عالما أنه لا فضيلة في نذره ووصوله إلى مكة فيكون نذره معصية، وهل يلزمه أن يجعل ذلك في حج أو عمرة في ذلك قولان، أحدهما أنه يجعل ذلك في حج أو عمرة ويلزمه ذلك وجوبا، والثاني لا شيء عليه ولا يلزمه المشي وهما مبنيان على الخلاف فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذره في طاعة أم لا؟ قاله الإمام الحطاب.

стр. 3329

وقال القرافي: وفي الكتاب: من قال إن كلمت فلانا فعلي المشي فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة، والمدرك إما لأن الحج والعمرة العادة تلزم أحدهما، وإما لأن دخوك مكة لا يتأتى إلا بالإحرام بأحدهما، فكان اللفظ دالا عليهما بالالتزام. قاله الحطاب. وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة: قال أبو الوليد بن رشد: وإنما يلزمه المشي إن وجد التمكين من ذلك. قاله الحطاب. وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال في الذخيرة: وإحرامه من الميقات لا من موضعه. قاله الحطاب. اللخمي: واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج، فقال مالك: يمشي المناسك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، ولو قال لرجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه أن يمشي إلا إلى مصر ثم يركب ويحج، وكذلك قوله: علي المشي إلى مكة في حج، يمشي إلى مكة ويركب فيما سواها إلا أن ينوي يمشي المناسك، وقول ابن حبيب: يمشي لرمي الجمار وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب. انتهى. قاله الحطاب. قال: وهذا الذي قاله ظاهر إذا قال: علي المشي إلى مكة في حج، وأما إذا قال: علي الحج ماشيا فالظاهر لزوم مشيه الجميع. والله أعلم. انتهى. القرطبي: لو قال: علي المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل اللازم له المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي وهو القياس. انتهى. فظاهر كالأمه أن صورة المسألة أنه نذر المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة ولم يعينه، وأنه يلزمه المشي إليها جميعا. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره. قاله الحطاب. وخرج من بها وأتى بعمرة؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت أو إلى مكة وهو في المسألتين قاطن بمكة، سوا، كان في المسجد أو خارجا عنه يلزمه أن يخرج إلى الحل ويأتي بعمر من طرف الحل، ولا يضره خروجه لطرفه راكبا، وتحت كلام المص أربع صور: إحداها أن ينذر المشي إلى المسجد وهو داخل المسجد فإنه يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة من طرف الحل ماشيا اتفاقا، الثانية أن ينذر المشي إلى المسجد وهو خارج عنه فكذلك عند ابن القاسم وله قول بأنه لم يكن عليه أن يخرج إلى الحل وعزاه في التوضيح للإمام، الثالثة أن ينذر المشي إلى مكة وهو في المسجد، الرابعة

стр. 3330

أن ينذر المشي إلى مكة وهو خارج عن المسجد، فإنه يخرج في المسألتين إلى الحل ويأتي بعمرة ماشيا من طرف الحل اتفاقا فيهما، فالصورة الأولى والثالثة والرابعة محل اتفاق، والثانية هي محل الخلاف. والله أعلم. وقوله: "وخرج من بها وأتى بعمرة"، هو فيمن نذر المشي أو حلف به وحنث، وقوله: "وخرج من بها وأتى بعمرة"، فلو أحرم من الحرم فإنه يخرج للحل راكبا ويمشي منه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: كمكة، تشبيه في قوله: "والمشي لمسجد مكة ولو لصلاة"؛ يعني أن من نذر المشي إلى مكة كمن نذر المشي إلى مسجد مكة أو حلف بذلك وحنث، فيلزمه الذهاب إليها ماشيا وهو تشبيه تام، فيجري فيه ما تقدم من قوله: ولو لصلاة. أو البيت؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت؛ بأن قال مثلا: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه راجلا، وقد مر أنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره. أو جزئه؛ يعني أن من نذر المشي إلى جزء من البيت متصل به، أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه ماشيا، نحو: لله تعالى علي أن أمشي إلى باب البيت أو ركنه أو ملتزمه أو حَجَرِه بالتحريك أي الحجر الأسود، وأما الحجر بكسر فسكون والحطيم وزمزم فنص ابن حبيب على عدم لزوم المشي فيها، قال في التوضيح: وقد سلم له أبو محمد قوله في زمزم، ولم يسلم له ذلك في الحجر والحطيم لاتصالهما. وفي الشبراخيتي عند قوله: "أو جزئه": أي جزء البيت من كل متصل به، كبابه وركنه وحطيمه وملتزمه وشاذروانه وحجره ولو للخارج عن الستة أذرع منه. انتهى. لا غير؛ يعني أن من حلف بالمشي لغير هذه الأمكنة وحنث أو نذر ذلك لا يلزمه المشي، سواء كان ذلك الغير منفصلا عن البيت لكنه بالمسجد كزمزم والمقام وقبة الشراب، أو خارجا عنه كالصفا والمروة وأبي قبيس وعرفة وجبال الحرم، فلا يلزمه المشي ولا غيره، وهذا إن لم ينو نسكا؛ يعني أن محل عدم لزوم المشي المنذور في المنفصل عن البيت سواء كان في المسجد أو خارجا عنه إنما هو حيث لم ينو نسكا أي حجا أو عمرة، وأما إن نوى المشي إلى ما ذكر في أحد النسكين فإنه يلزمه المشي ويدخل مكة محرما بما نوى. وفي الخرشي ما نصه: واعلم أنه لا فرق
следующие страницы →