دائما. والله تعالى أعلم. والظاهر أن حكم فتح المقام وحكم أخذ الأجرة عليه كذلك، ولم أقف لأحد في ذلك على كلام. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وقال أيضا: جرت عادة الشيبيين في زماننا وقبله بمدة طويلة بتقديم الأكبر منهم في السن فالأكبر في كون المفتاح عنده، بل الظاهر أن ذلك كان من أول الإسلام، والظاهر أنهم إذا اختلفوا يقضى بما جرت به عادتهم من تقديم الأكبر، وأنه إذا كان الأكبر غير مرضي الحال يجعل عليه مشرف.
واعلم أن من زعم أن الحجبة قد انقرضوا فقد وهم وغلط، ورد الإمام الحطاب ذلك القول بما فيه مقنع من نصوص علماء مكة والمدينة الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك لو وقع كما هو عادته في تحرير المسائل جزاه الله تعالى خيرا، ولله در القائل:
جزى الله الرجال جزاء خير … على ما أظهروه لنا وأبدوا
فقد عظمت كرامتهم علينا … بما للمومنين هدوا وأهدوا
وقال العلماء: إن في الحديث المتقدم إشارة إلى بقاء عقبهم. واعلم أنه لا يعترض على ما مر بإخدام سيدنا معاوية -رضي الله تعالى عنه- الكعبة عبيدا؛ لأن خدام الكعبة غير ولاة فتحها كما هو معلوم، وقال الإمام الحطاب بعد جلب كثير من النقول الدالة على بطلان قول من زعم انقراض الشيبيين: وإنما نبهت على هذا وإن كان- والحمد لله- كالمقطوع به، خشية أن يقف من لا علم عنده على ما نقل عن الشريف النسابة من انقراضهم. انتهى.
تنبيهات الأول: ذكر الفاكهاني (١) أن النبي ﷺ لما أخذ المفتاح من عثمان فتحها بيده، وقد كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا الحجبة. نقله الإمام الحطاب.
الثاني: ذكر الفاكهاني (٢) أيضا أن النبي ﷺ لما دفع المفتاح إلى عثمان كان مضطجعا (٣) عليه رداؤه ودفعه إليه من وراء الثوب، وقال: غيبوه، قال الزهري: فلذلك يغيب
стр. 3327
المفتاح. انتهى. قاله الحطاب. وقال: فلذلك -والله أعلم- يرخون ستر الباب حين فتحه وحين إغلاقه.
الثالث: قال الفاكهاني (١) أيضا: كان من سنة المكيين -وهم على ذلك إلى اليوم- إذا ثقل لسان الصبي وأبطأ كلامه عن وقته جاءوا به إلى حجبة الكعبة، فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه فيأخذونه (٢) الحجبة فيدخلونه خزانة الكعبة ثم يغطون وجهه ثم يدخلون مفتاح الكعبة في فمه فيتكلم سريعا وينطلق لسانه بإذن الله تعالى، وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا انتهى وقال بعض شيوخ شيوخنا: وإلى عصرنا هذا وهو سنة خمس وثمانمائة، قلت: وإلى وقتنا هذا وهو سنة أربعين وتسع مائة، ولا يخصون بذلك من ثقل لسانه بل يفعلون ذلك بالصغار مطلقا تبركا بذلك، ورجاء أن يمن الله تعالى عليه بالحفظ والفهم، وقد فعل ذلك بنا آباؤنا وفعلناه بأولادنا. والحمد لله على ذلك. انتهى.
والمشي لمسجد مكة؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي لمسجد مكة في حج أو عمرة أو حلف بذلك وحنث، فإنه يلزمه الذهاب إليه راجلا ويحرم بما نذر المشي فيه من حج أو عمرة. ولو لصلاة؛ يعني أن من نذر المشي لمسجد مكة لأجل أن يصلي به يلزمه أن يمشي إليه ليصلي به، ورد المص؛ بلو قول القاضي إسماعيل: إن من نذر المشي إلى مسجد مكة للصلاة لا للنسك لم يكن عليه المشي ويركب إن شاء، وقول القاضي إسماعيل هذا هو الذي اعتمده ابن يونس ولم يحك له مقابلا، كما نقله المواق معترضا به كلام المص، وقال ابن بشير: إنه المشهور، وتبعه ابن الحاجب، وكلام صاحب الإكمال يقتضي أن قول إسماعيل مخالف للمذهب، قال الرماصي: وما ذكره المؤلف هو الصواب، كما في الإكمال أن من نذر الصلاة بأحد المساجد الثلاثة ماشيا أنه إنما يلزمه المشي في المسجد الحرام، وقال الشيخ بناني بعد أن جلب من النقول ما جلب: تبين مما تقدم تشهير كل من القولين، وأن على المؤلف أن يعبر بخلاف. انتهى. وقوله: "ولو لصلاة"، ظاهره فرضا كانت أو نفلا. كما نص عليه اللخمي. وقال: هذا قول مالك، وقال بعض أهل العلم: لا يأتي في النفل،
стр. 3328
ومذهب الإمام مالك أن التضعيف الوارد في المسجد الحرام هو في الفرض والنفل، والقول بأنه في الفرض فقط خارج المذهب، وظاهر كلام المص أيضا لزوم المشي ولو لامرأة وهو كذلك كما في المدونة، وقيدها ابن محرز بما إذا لم يلحقها ضرر يظن به انكشافها، ولم تخش منها الفتنة وإلا لم يلزمها المشي بل ربما امتنع عليها وارتضاه في التوضيح، وللزوج منعها من نذر المشي، وأفتى ابن القاسم ابنه عبد الصمد على ما قاله أبو عمر في حنثه في نذر الشي لمكة، بقول الليث: كفارة يمين. وعبد الصمد. هذا أحد رواة ورش الثلاثة، وهم: الأزرق وعبد الصمد والأصبهاني، والذي في المدارك أن صاحب القضية هو ولده موسى لا عبد الصمد، ووجه فتوى ابن القاسم لابنه بقول الليث أنه خاف أنه إن كلف ابنه المشي لا يفعله فيستهين بمسألة من الدين فيكون طريقا إلى الاستهانة بغيرها.
اللخمي: الناذر للمشي إن نوى حجا أو عمرة أو طوافا أو صلاة لزمه ويدخل محرما إذا نوى حجا أو عمرة، وإن نوى طوافا يتخرج دخوله محرما على الخلاف في جواز دخول مكة حلالا، وناذر السعي يختلف فيه هل يسقط نذره أو يأتي بعمرة؛ لأن السعي ليس بقربة بانفراده فيصح نذره بحسب الإمكان؟ وإن نذر صلاة فريضة أتى مكة ووفى بنذره وهذا قول مالك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يأتي للنفل، فإن نوى الوصول -خاصة وهو يرى أن ذلك قربة- لم يكن عليه شيء، وإن كان عالما أنه لا قربة فيه كان نذره معصية، فيستحب له أن يأتي بذلك المشي في حج أو عمرة وإن لم تكن له نية مشى في حج أو عمرة. انتهى مختصرا.
وقال الرجراجي: إذا حلف بالمشي إلى مكة ونوى الوصول ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك فلا يخلو من وجهين، إما أن يرى أن ذلك قربة وفضيلة فلا شيء عليه لا مشي ولا غيره، أو يكون عالما أنه لا فضيلة في نذره ووصوله إلى مكة فيكون نذره معصية، وهل يلزمه أن يجعل ذلك في حج أو عمرة في ذلك قولان، أحدهما أنه يجعل ذلك في حج أو عمرة ويلزمه ذلك وجوبا، والثاني لا شيء عليه ولا يلزمه المشي وهما مبنيان على الخلاف فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذره في طاعة أم لا؟ قاله الإمام الحطاب.
стр. 3329
وقال القرافي: وفي الكتاب: من قال إن كلمت فلانا فعلي المشي فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة، والمدرك إما لأن الحج والعمرة العادة تلزم أحدهما، وإما لأن دخوك مكة لا يتأتى إلا بالإحرام بأحدهما، فكان اللفظ دالا عليهما بالالتزام. قاله الحطاب.
وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح الرسالة: قال أبو الوليد بن رشد: وإنما يلزمه المشي إن وجد التمكين من ذلك. قاله الحطاب. وقوله: "والمشي لمسجد مكة"، قال في الذخيرة: وإحرامه من الميقات لا من موضعه. قاله الحطاب. اللخمي: واختلف في مشي المناسك إذا نذر الحج، فقال مالك: يمشي المناسك، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يركبها، ولو قال لرجل: علي المشي إلى مصر في حج لم يكن عليه أن يمشي إلا إلى مصر ثم يركب ويحج، وكذلك قوله: علي المشي إلى مكة في حج، يمشي إلى مكة ويركب فيما سواها إلا أن ينوي يمشي المناسك، وقول ابن حبيب: يمشي لرمي الجمار وإن كان قد أفاض فلعادة، فإن لم تكن كان له أن يركب. انتهى. قاله الحطاب. قال: وهذا الذي قاله ظاهر إذا قال: علي المشي إلى مكة في حج، وأما إذا قال: علي الحج ماشيا فالظاهر لزوم مشيه الجميع. والله أعلم. انتهى.
القرطبي: لو قال: علي المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم، بل اللازم له المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي وهو القياس. انتهى. فظاهر كالأمه أن صورة المسألة أنه نذر المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة ولم يعينه، وأنه يلزمه المشي إليها جميعا. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره. قاله الحطاب.
وخرج من بها وأتى بعمرة؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت أو إلى مكة وهو في المسألتين قاطن بمكة، سوا، كان في المسجد أو خارجا عنه يلزمه أن يخرج إلى الحل ويأتي بعمر من طرف الحل، ولا يضره خروجه لطرفه راكبا، وتحت كلام المص أربع صور: إحداها أن ينذر المشي إلى المسجد وهو داخل المسجد فإنه يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة من طرف الحل ماشيا اتفاقا، الثانية أن ينذر المشي إلى المسجد وهو خارج عنه فكذلك عند ابن القاسم وله قول بأنه لم يكن عليه أن يخرج إلى الحل وعزاه في التوضيح للإمام، الثالثة أن ينذر المشي إلى مكة وهو في المسجد، الرابعة
стр. 3330
أن ينذر المشي إلى مكة وهو خارج عن المسجد، فإنه يخرج في المسألتين إلى الحل ويأتي بعمرة ماشيا من طرف الحل اتفاقا فيهما، فالصورة الأولى والثالثة والرابعة محل اتفاق، والثانية هي محل الخلاف. والله أعلم. وقوله: "وخرج من بها وأتى بعمرة"، هو فيمن نذر المشي أو حلف به وحنث، وقوله: "وخرج من بها وأتى بعمرة"، فلو أحرم من الحرم فإنه يخرج للحل راكبا ويمشي منه. قاله الشيخ إبراهيم.
وقوله: كمكة، تشبيه في قوله: "والمشي لمسجد مكة ولو لصلاة"؛ يعني أن من نذر المشي إلى مكة كمن نذر المشي إلى مسجد مكة أو حلف بذلك وحنث، فيلزمه الذهاب إليها ماشيا وهو تشبيه تام، فيجري فيه ما تقدم من قوله: ولو لصلاة. أو البيت؛ يعني أن من نذر المشي إلى البيت؛ بأن قال مثلا: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه راجلا، وقد مر أنه لو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى، فهو الكعبة إلا أن ينوي غيره لاشتهاره.
أو جزئه؛ يعني أن من نذر المشي إلى جزء من البيت متصل به، أو حلف بذلك وحنث يلزمه الذهاب إليه ماشيا، نحو: لله تعالى علي أن أمشي إلى باب البيت أو ركنه أو ملتزمه أو حَجَرِه بالتحريك أي الحجر الأسود، وأما الحجر بكسر فسكون والحطيم وزمزم فنص ابن حبيب على عدم لزوم المشي فيها، قال في التوضيح: وقد سلم له أبو محمد قوله في زمزم، ولم يسلم له ذلك في الحجر والحطيم لاتصالهما. وفي الشبراخيتي عند قوله: "أو جزئه": أي جزء البيت من كل متصل به، كبابه وركنه وحطيمه وملتزمه وشاذروانه وحجره ولو للخارج عن الستة أذرع منه. انتهى.
لا غير؛ يعني أن من حلف بالمشي لغير هذه الأمكنة وحنث أو نذر ذلك لا يلزمه المشي، سواء كان ذلك الغير منفصلا عن البيت لكنه بالمسجد كزمزم والمقام وقبة الشراب، أو خارجا عنه كالصفا والمروة وأبي قبيس وعرفة وجبال الحرم، فلا يلزمه المشي ولا غيره، وهذا إن لم ينو نسكا؛ يعني أن محل عدم لزوم المشي المنذور في المنفصل عن البيت سواء كان في المسجد أو خارجا عنه إنما هو حيث لم ينو نسكا أي حجا أو عمرة، وأما إن نوى المشي إلى ما ذكر في أحد النسكين فإنه يلزمه المشي ويدخل مكة محرما بما نوى. وفي الخرشي ما نصه: واعلم أنه لا فرق
стр. 3331
بين الصلاة والصوم والاعتكاف إذا نذر شيئا من ذلك لأحد المساجد الثلاثة: مسجد مكة والمدينة وإيلياء. انتهى.
من حيث نوى؛ يعني أن لزوم المشي في جميع ما مر مبتدأ من المكان الذي نوى الناذر تنجيزا أو تعليقا منه المشي، أو الحالف كوالله لأحجن ماشيا فيجب في ذلك المشي من الموضع الذي نوى منه المشي، وقوله: "من حيث نوى"، الظاهر أنه متعلق بقوله: والمشي لمسجد مكة أو يلزم، أو يجعل خبر مبتدإ محذوف أي ولزوم المشي في جميع ما مر من حيث نوى. والله سبحانه أعلم. وإلا حلف؛ يعني أنه إذا لم تكن للناذر أو الحالف نية في المشي بمكان من الأمكنة، فإنه يلزمه المشي من المكان الذي حلف به الحالف أو نذر به الناذر، فحذف من حيث قبل حلف لذكره قبل؛ أما النذر فباتفاق، وأما الحلف فعلى المشهور، وقيل: من حيث حنث. أو مثله إن حنث به؛ يعني أن الحالف إذا لم تكن له نية فإنه يلزمه المشي، إما من موضع الحلف أو من الموضع الذي حنث به إن كان مثل موضع الحلف في البعد لا في الصعوبة والسهولة، فإن كان دون موضع الحلف ولو بيسير رجع لموضع الحلف ومشى منه.
واعلم أن الحالف إذا مشى من مثل موضع الحلف فإنه يجزئه، سواء حنث به أو بغيره والنذر كذلك. وقوله: "أو من مثله"، قال اللخمي: لأن قصده التقرب بمثل تلك الخطأ ولا مزية للأرضين. قاله الشيخ إبراهيم. قال: والذي يفيده النقل أنه إذا لم ينو الناذر أو الحالف المحل الذي يبتدئ المشي منه، وجرى العرف بمحل خاص فإنه يمشي مما جرى العرف بالمشي منه، وكلام المص لا يفيده، ولا يقال: قد أشار المص لاعتبار العرف بقوله: وتعين محل اعتيد؛ لأنه ليس فيه بيان مرتبة كونه مع النية أو مع عدمها. انتهى. والظاهر خلاف ما قال: وأن المص إنما أشار بقوله: "وتعين محل اعتيد" لما إذا لم تكن نية كما يظهر ذلك بالتأمل لكلامه كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. والله سبحانه أعلم.
وتعين محل اعتيد، هذا مخصص لقوله: "وإلا حلف"؛ يعني أن محل لزوم المشي من مكان اليمين أو النذر عند عدم النية إنما هو إذا لم يكن محل معتاد لمشي الحالفين والناس منه أو
стр. 3332
الحالفين فقط، وأما إن كان لابتداء المشي محل معتاد للحالفين والناس أو للحالفين فقط، فإنه يتعين ابتداء المشي من ذلك المكان المعتاد.
فالحاصل أنه يمشي من حيث نوى، فإن لم تكن له نية فإنه يمشي من المحل المعتاد، فإن لم يكن محل معتاد فمن موضع الحلف أو النذر أو مثله إن حنث به، ويحتمل أن يريد بقوله: "وتعين محل اعتيد"، ما ذكره ابن الحاجب في قوله: ولا يتعين موضع مخصوص من البلد إلا بمقصد أو عادة. اهـ. قاله الشيخ بناني.
وركب في المنهل؛ يعني أن الناذر للمشي أو الحالف به فحنث، له أن يركب لحوائجه في المناهل أي أمكنة النزول كان بها ماء أو لا، وقوله: "وركب في المنهل"، قال الشيخ إبراهيم وغيره: ويلغي ما كان في معنى التقدم، ولابد من مشيه بأن يرجع له وينزل عن دابته ويمشي منه. انتهى. ولحاجة؛ يعني أنه كما له أن يركب لحاجته بالمنهل له أن يركب لحاجة قبل نزوله بالمنهل، كحاجة نسيها فتذكرها وهو سائر فليرجع راكبا، وبهذا فارقت التي قبلها. كطريق قربى اعتيدت؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي إلى مكة فإن له أن يمشي في الطريق القريب إذا كان المشي فيها معتادا، فإن لم يكن المشي فيها معتادا فليس له أن يمشي [منها (١)]. قاله العلامة الخرشي. وقال الشيخ عبد الباقي بعد قوله "كطريق قربى اعتيدت": فتتعين للمشي منها، وظاهر الشارح والمواق اعتبار الاعتياد للناس اعتادها الحالف أم لا، والذي كان يقرره أكثر شيوخنا أنه إنما يعتبر الاعتياد للحالفين فقط أو لهم ولغيرهم، وأما لو اعتيدت البعدى للحالفين والقربى لغيرهم فإنه يمشي من البعدى وإن اعتيد للناس، ولهم القربى والبعدى معا مشى من أيهما شاء، وإن لم تعتد واحدة مشى من البعدى. انظر الأجهوري. انتهى. وعلى تقرير الخرشي يكون التشبيه في قوله: "كطريق قربى" لخ، لإفادة الحكم الذي هو الجواز والمشبه به الركوب في المنهل ولحاجة. والله سبحانه أعلم. وعلى ما لعبد الباقي يكون التشبيه بقوله: "وتعين محل اعتيد". والله سبحانه أعلم.
стр. 3333
وبحر اضطر له؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي إلى مكة أو حلف به وحنث، فإنه يجوز له أن يركب بحرا اضطر إلى ركوبه، ككونه بجزيرة لا يمكنه الوصول لمكة إلا بركوبه، وهذا مما لا إشكال فيه ثم يمشي بعد ذلك ما بقي. لا اعتيد على الأرجح؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لمكة بنذر أو يمين فإنه ليس له ركوب البحر إذا كان معتادا للحجاج غير الحالفين وللحالفين معتاد غيره، فإن اعتيد للحالفين فقط أو لهم ولغيرهم ركب.
وحاصل ما للرماصي أن أبا بكر بن عبد الرحمن يجيز ركوب البحر المعتاد للحجاج مطلقا الحالفين وغيرهم؛ وأن أبا عمران يمنع ركوب المعتاد مطلقا، وأن ابن يونس قيد الجواز بأن يكون معتادا للحالفين، فإن اعتيد لغيرهم فقط لم يجز. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ففي نسبة المص الإطلاق لابن يونس وتعبيره عن ترجيحه بالاسم نظر. والله سبحانه أعلم.
لتمام الإفاضة؛ يعني أن لزوم المشي لمن أحرم بحج يستمر إلى تمام طواف الإفاضة حيث قدم عليه السعي بين الصفا والمروة، فيركب في رجوعه من مكة إلى منى، وفي رمي الجمار بمنى، وقوله: "لتمام"، الظاهر أنه متعلق بيمشي مقدرا. وسعيها؛ الضمير يرجع للإفاضة؛ يعني أن لزوم المشي لن أحرم بحج يستمر إلى تمام السعي بين الصفا والمروة، حيث لم يقدم السعي بين الصفا والمروة على طواف الإفاضة بل أخره عنه كالمراهق، وأما من دخل مكة محرما بعمرة فإنه يستمر لزوم مشيه لتمام السعي بين الصفا والمروة، ولم يجعل الحلق منتهى مشيه في العمرة لأنه ليس بركن، وحكى ابن بشير الاتفاق عليه، ويمكن أن يرجع الضمير في سعيها للعمرة ويكون مشيرا إلى ما ذكرت فيمن دخل مكة محرما بعمرة، ويفوته الكلام حينئذ على من لم يقدم السعي على الإفاضة في الحج كما قاله الشيخ عبد الباقي.
ورجع وأهدى إن ركب كثيرا؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لمكة أو المسجد الحرام بنذره أو حلفه وحنث فركب بعض الطريق فإنه يرجع وجوبا إلى الموضع الذي ابتدأ منه الركوب؛ لأن المشي في ذمته، فلابد من الإتيان به ولا يلزمه الرجوع إلى بلده، ويهدي لأجل تبعيض المشي ويؤخر هديه لعام رجوعه ليجتمع الجابر النسكي والمالي، فإن قدمه عامة الأول أجزأه، ومحل الرجوع إن كان الركوب كثيرا لا إن كان قليلا، فإنه يهدي فقط ولا يرجع كما يأتي للمص.
стр. 3334
بحسب مسافته؛ يعني أن الكثرة في الركوب والقلة تعتبران بحسب المسافة من صعوبة وسهولة أو مساحة، فقد يكون الركوب يسيرا في النظر كما لو ركب دون اليوم لكن لقرب مسافته يكون كثيرا، وقد يكون اليسير كثيرا في النظر كما لو ركب فوق اليومين لكن لبعد مسافته يكون يسيرا، وقد يكون بعض المسافة صعبا فيكثر منه بحسب صعوبته ما لا يكثر من غيره لسهولته، والنظر في ذلك لأهل المعرفة ونصف المسافة من حيز الكثير كما في المواق، وظاهره فيها صعوبة أولا بعيدة أو قريبة. أو المناسك والإفاضة؛ يعني أن الشخص إذا لزمه المشي لنذر أو ليمين حنث فيها ولم يمش جميع الطريق بل ركب كثيرا، فإنه يرجع إلى الموضع الذي ابتدأ منه الركوب ويمشي بقية الطريق ويهدي، وكذا لو لم يركب كثيرا لكنه ركب المناسك والإفاضة أي ركبهما معا، فالواو بمعنى: مع، والمناسك ما يفعله من خروجه من مكة إلى رجوعه لمنى، والمراد بالإفاضة رجوعه من منى إلى تمام طواف الإفاضة، فإن ركب أحدهما وجب الرجوع في المناسك أيضا لا في الإفاضة كما يأتي، وقوله: "أو المناسك والإفاضة"، هو قول الإمام، وقال ابن يونس: الصواب أن لا رجوع عليه لأنه بر بوصوله إلى مكة.
نحوُ المصري، مضاف ومضاف إليه، والمضاف يتنازعه "رجع""وأهدى" و"ركب"؛ يعني أن الذي يرجع ويهدي إن ركب كثيرا أو المناسك والإفاضة إنما هو متوسط المسافة كمن في مصر ونحوها، وأحرى القريب الدار كالمدني ونحوه، إلا أن رجوعه ثانيا لا خلاف فيه، كما أن من بعدت داره كالإفريقي والأندلسي لا يرجع ثانيا بلا خلاف، فالأقسام ثلاثة: قريب الدار كالمدني يرجع بلا خلاف، بعيد الدار كالإفريقي لا يرجع بلا خلاف، متوسط الدار كالمصري يرجع على المشهور. وقيل لا يرجع ولو ركب كثيرا، وقيل إن الذي يركب عقبة ويمشي أخرى يبتدئ المشي كله. رواه ابن المواز عن الإمام. وروى ابن حبيب عن مالك أنه يمشي أماكن ركوبه ولم يفصل: وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى، وقوله: "أو المناسك والإفاضة"، محل رجوعه إذا سافر من مكة، فأما لو أقام بمكة إلى العام القابل لحج من مكة وأجزأه. قاله الإمام الحطاب. واعلم أنه لا يجعل مشيه الأول ولا الثاني فريضة قابلا هو صفة لمقدر؛ أي زمنا قابلا: وهو معمول لرجع؛ يعني أن من وجب عليه الرجوع يرجع زمنا قابلا ولو بعد سنين؛ إذ لا يضر تأخيره عن
стр. 3335
العام التالي للعام الذي ركب فيه. قاله الشيخ عبد الباقي. وهو يقتضي أنه لا إثم في تأخيره عن العام الذي يلي العام الذي ركب فيه، وقال الإمام الحطاب: لو ركب في مشيه فوجب أن يرجع ثانيا فلم يرجع في العام الذي يليه وحج بعد ذلك أجزاه. نقله أبو الحسن عن عبد الحق. انتهى. وهو يقتضي الوجوب في العام الذي يليه. والله سبحانه أعلم. ويمكن أن يكون معنى قول الشيخ عبد الباقي ولا يضر تأخيره: لا يوجب خللا في فعله بعد ذلك، فيوافق ما نقله الإمام الحطاب. والله سبحانه أعلم.
فيمشي ما ركب؛ يعني أنه إذا رجع في الزمن القابل فإنه يمشي الأماكن التي ركبها ويركب ما عداها، وهذا إن علم تلك المواضع التي ركبها وإلا مشى الجميع. وقوله: في مثل المعين؛ متعلق برجع كما قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أنه إذا رجع في الزمن القابل ليمشي ما ركب فإنه يحرم بمثل ما عينه أولا من حج أو عمرة بنذر أو نية، فإذا عين أولا الحج لم يجزه أن يرجع ثانيا ويحرم بعمرة، اتفاقا؛ لعدم استلزام العمرة للحج، وإذا عين أولا العمرة فلا يجزئه أن يرجع بحج على مذهب المدونة لما بينهما من التغاير، وقال ابن حبيب: إنه يجزئه لاشتمال الحج على العمرة وزيادة. وإلا فله المخالفة؛ يعني أنه إذا لم يعين حجا ولا عمرة ولا نواه بل نذر المشي فقط وصرفه في أحد النسكين، فإن له في رجوعه في الزمن القابل أن يخالف إلى غير ما أحرم به أولا، كأن يحرم أولا بعمرة ويحرم في زمن رجوعه بحج أو بالعكس، خلافا لسحنون في منعه جعل الثاني في عمرة إذا كان الأول حجا، وعلى المشهور الذي مشى عليه المص فقال أبو محمد وعبد الحق: ما لم يكن ركوبه في العام الأول في المناسك بمنى وعرفة، فيتعين جعل الثاني في حج لا عمرة، وتأولها غيرهما على أن له أن يخالف ولو ركب أولا المناسك وهو ظاهر كلام المص، واستشكل هذا التأويل بأنه إذا ركب المناسك ووقعت المخالفة في الرجوع فأي شيء يمشي فيه، ويجاب بأنه يمشي بالعمرة من محل إحرامه بالحل إلى محل الطواف إن ظن أولا القدرة، شرط في قوله: "ورجع"؛ يعني أن محل الرجوع إنما هو حيث ظن الناذر أو الحالف القدرة على مشي الجميع أولا؛ أي ظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى على مشي الجميع ولو في عامين، فخالف ظنه. وإلا مشى مقدوره؛ يعني أنه إذا لم يظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى مع علمه
стр. 3336
أو ظنه القدرة حين يمينه بل علم أو ظن أو شك العجز حين خروجه في المرة الأولى لضعف أو كبر، فإنه يخرج أول عام ويمشي مقدوره ويركب معجوزه، كما قال: وركب معجوزه، وفي الشبراخيتي أنه إذا ظن القدرة حال اليمين أو النذر على المشي في عام أو محامين يرجع لا في ثلاثة أعوام، فلا رجوع ويتعين الهدي. انتهى.
وأهدى فقط؛ يعني أن هذا الذي لم يظن القدرة حين خروجه في المرة الأولى مع علمه القدرة حين يمينه إذا خرج وركب معجوزه ومشى مقدوره، فإنه يهدي فقط ولا يرجع بعد ذلك ليمشي ما ركب. والحاصل أن من ظن عدم القدرة حين اليمين أو علم عدم القدرة حين اليمين يمشي مقدوره ويركب معجوزه ولا هدي عليه ولا رجوع، وظاهره ولو ظن أو علم القدرة بعد ذلك، وقد قيل إنه لا يخرج أولا لأنه لم ينذر قربة، وكلام الأجهوري يفيد أنه لا يرجع إن شك حين اليمين أو النذر في القدرة على المشي، وكذا من نوى أن لا يمشي إلا ما يطيقه ولو شابا فإنه يخرج ويمشي مقدوره ويركب معجوزه، ولا رجوع عليه ولا هدي، وأن من ظن القدرة حين اليمين أو النذر أو علمها إن ظن حين الخروج القدرة ثم عجز رجع وأهدى إن ركب كثيرا لخ، وإن علم أو ظن أو شك كما في الأجهوري العجز حين خروجه مشى مقدوره وركب معجوزه وأهدى، ولا رجوع عليه كما أشار إلى ذلك بقوله: "وإلا مشى مقدوره وركب وأهدى فقط"، فهذه ثلاثة أقسام: الأول والثالث منها لا رجوع عليه فيهما، وضليه الهدي في الثالث دون الأول، وعليه الرجوع والهدي في الثاني منها، ورجوعه فيه مشروط بأن يظن القدرة حين إرادة الرجوع وإلا قعد وأهدى لقول المدونة: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على إتمام المشي قعد وأهدى وأجزأه الذهاب الأول. انتهى. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.
وقوله كأن قل، مفهوم قوله: "إن ركب كثيرا"؛ يعني أنه إذا قل ركوبه فإنه يهدي فقط ولا رجوع عليه، فهو تشبيه في قوله: "وأهدى فقط". ولو قادرا؛ يعني أنه إذا كان ركوبه يسيرا فإنه لا يلزمه إلا الهدي فقط، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ركب مختارا أو عاجزا. قاله ابن المواز. وقال ابن حبيب: إنه يرجع إذا ركب مع القدرة على المشي. ابن يونس: وقول ابن حبيب خلاف ظاهر المدونة، فلا فوق على مذهب المدونة بين من ركب لعذر أو غيره، وقال
стр. 3337
الإمام الحطاب عند قول المص: "ولو قادرا": هذا الذي اختاره المص من الخلاف خلاف ما نسبه ابن رشد للمذهب واللخمي أن القادر إذا ركب يلزمه الرجوع ثانية ولا يجزئه المشي. انتهى.
كالإفاضة؛ يعني أنه إذا ركب في مسيره إلى الإفاضة من منى لمكة فإنه يهدي ولا رجوع عليه، فهو تشبيه في الهدي وعدم الرجوع، وليس المراد ركب في طواف الإفاضة. كما قاله البساطي. قاله الشيخ عبد الباقي. فقط؛ يعني أن محل الهدي وعدم الرجوع إنما هو حيث ركب الإفاضة وحدها من غير ضميمة المناسك، فإن ركب الإفاضة والمناسك معا أو ركب المناسك فقط وجب الرجوع، ومقتضى قول المص: "فقط"، أنه لو ركب الإفاضة وبعض المناسك لوجب الرجوع. والله سبحانه أعلم.
وكعام عين، معطوف على قوله: "كأن قل"؛ يعني أن محل قوله: "ورجع وأهدى إن ركب كثيرًا" الخ، إنما هو فيمن نذر المشي أو حلف به وحنث غير مقيد في ذلك بعام، وأما لو عين العام كقوله: لله علي المشي إلى مكة في هذا العام أو عام كذا وركب فإنه يهدي فقط ولا رجوع عليه، سواء أدرك الحج أو فاته لعذر كمرض، وكذا لو مشى فيه وفاته لعذر أو لم يخرج فيه لعذر. ونقضه يعني أن هذا الذي نذر المشي لمكة في العام المعين يقضي ما فاته من حج أو عمرة لغير عذر بمضي العام المعين، وقوله: "وليقضه"؛ أي وله أن يركب لأن العام المعين للمشي قد فات نص عليه غير واحد. وقال الشيخ إبراهيم: وإذا قضاه قضاه ماشيا، ونحوه للشيخ الخرشي، وليس الحيض من العذر.
وقوله: "وليقضه"، قال الشيخ الخرشي: والحاصل أنه إذا فاته لغير عذر وجب عليه قضاؤه، وإن فاته لعذر جرى على الصوم المعين، وقد قال فيه المؤلف: "إلا العين لمرض أو حيض أو نسيان"، ويقضي للنسيان على مذهب المدونة لأنه ليس بعذر عندها، ويقضي للحيض لأنه ليس بعذر هنا. انتهى. أو لم يقدر؛ يعني أن محل لزوم الرجوع ثانيا المشار إليه بقوله: "ورجع وأهدى إن ركب كثيرا"، إنما هو لمن ظن القدرة في العام الثاني على مشي أماكن ركوبه، وإلا فلا يرجع بل يقعد ويهدي كما في المدونة.
стр. 3338
وبما قررت علم أن هذا غير قوله: "وإلا مشى مقدوره وركب"، قال الشيخ الخرشي عند قوله: "أو لم يقدر": عدم الرجوع ظاهر إن لم يقدر على مشي شيء مما ركب، وأما لو قدر على مشي بعضه، فإن كان يسيرا بحيث لو ركب لا يلزمه شيء أو يلزمه فيه الهدي فقط فإنه لا يرجع، وأما إن كان فوق ذلك فيخرج وينظر في الباقي، فإن كان بحيث لو ركبه وجب فيه الهدي ركب وأهدى، وإن كان دون ذلك ركبه ولا هدي عليه وهذا هو الظاهر. انتهى. نقله عن الأجهوري. ونحوه للشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره -يعني الشيخ عبد الباقي- هنا من التفصيل في القليل خلاف ما قدمه عن ابن عرفة من لزوم الهدي في القليل كان له بال أم لا، وعزاه للمدونة كما في المواق. انتهى. وقوله: "أو لم يقدر"، معطوف على قوله: "كأن قل". كما في الخرشي وغيره.
وكإفريقي، هذا هو القسم الثالث الذي تقدم ذكره، وهو منسوب لإفريقية بكسر الهمزة وتشديد التحتية وتخفيفها؛ يعني أن من بعدت داره من مكة كالإفريقي والأندلسي إذا نذر المشي لمكة أو حلف به وحنث فإنه لا يلزمه الرجوع إن ركب كثيرا، بل يهدي ولا رجوع عليه، ويتعارض مفهوم قوله: "وكإفريقي"، ومفهوم المصري فيمن داره بينهما على حد سواء والاحتياط العمل على مفهوم، وكإفريقي فيلزم من داره بينهما ما يلزم المصري، وأما من قربت داره من أحدهما فينبغي أن يلحق به. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وكإفريقي"، معطوف على قوله: "كأن قل"، بأن المصدرية. وكأن فرقه؛ يعني أن من لزمه المشي بنذر أو يمين يجزئه المشي المفرق على خلاف العادة، كمن يقيم في الطريق إقامة طويلة ثم يمشي ثم يقيم فإنه يهدي ولا رجوع عليه، أما مع الضرورة فيجزئ قولا واحدا، وكذا إن كان لغير ضرورة على مذهب المدونة، وإلى ذلك أشار بقوله: ولو بلا عذر، ورد بلو ما في الواضحة من عدم الإجزاء، وهما روايتان، صوب ابن رشد الإجزاء وابن عبد السلام عدمه، ونص ابن رشد على لزوم الهدي في هذا الفرع وفي الفرع الذي قبله. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وفي لزوم الجميع بمشي عقبة وركوب أخرى تأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في وجه التوفيق بين قول المدونة وليس عليه في رجوعه ثانية وإن كان قويا أن يمشي الطريق كله، وقول الموازية:
стр. 3339
إن كان ما ركب متناصفا مثل أن يمشي عقبة ويركب أخرى فلا يجزئه إلا أن يمشي الطريق كلها؛ فجعل أبو الحسن ما في الموازية تقييدا للمدونة فحمل كلام المدونة، على من ركب دون النصف، وحمل المص وابن عرفة ما في الموازية على من لا يتحقق ضبط مواضع مشيه لأنه لا يتحقق بطريق العادد ضبط مواضع مشيه، ولا سيما إذا كان الموضع بعيدا فلا يكون ما في الموازية مخالفا لما في المدونة، فالتأويلان كلاهما بالتوفيق ومحلهما حيث عرف أماكن ركوبه من مشيه، وإلا مشى جميع الطريق اتفاقا، والعقبة ستة أميال. قاله أبو الحسن. نقله الإمام الحطاب.
ثم أشار إلى حكم الهدي بقوله: والهدي واجب؛ يعني أن الهدي في جميع ما مر حيث قيل به واجب، سواء وجب معه رجوع أم لا، واستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله: إلا فيمن شهد المناسك؛ يعني أن محل وجوب الهدي في غير من شهد المناسك راكبا، وأما من ركب المناسك أو بعضها أو الإفاضة أو هما معا، فهو ندب أي مندوب له، قال الإمام مالك: إني أحب ذلك من غير أن أوجبه عليه، وبالغ على الوجوب والندب بقوله: ولو مشى الجميع؛ يعني أن الهدي يجب فيما يجب فيه ويندب فيما يندب فيه، ولو مشى في رجوعه جميع الطريق ولم يقتصر على أماكن ركوبه، ورد بلو قول ابن المواز: إن مشى الطريق كله فلا هدي عليه؛ لأنه لم يفرق مشيه، وتعقبه الأشياخ بأنه بمنزلة من صلى صلاة فسها فيها فوجب عليه سجود السهو فأعادها ثانية ولم يسجد للسهو فلا يسقط ما تقرر في ذمته بإتيانه بما لم يؤمر به، وفرق بعضهم بأن المصلي أخطأ في الإعادة، وإنما تقرر في ذمته سجدتا السهو، فإذا أعادها أتى بما لم يؤمر به فلم تسقط الإعادة ما تقرر في ذمته، وفي الحج هو مأمور بالعودة، فإذا عاد واستكمل المشي فقد استوفى ما في ذمته بالمشي في عودة مأمور بها ففارق مسألة الصلاة. انتهى. انظر التوضيح. قال المواق: فانظر اقتصار خليل على خلاف النص مع أن ابن بشير إنما تردد في المسألة ولم يرتهن فيها. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن.
ولو أفسد أتمه؛ يعني أن من وجب عليه المشي بنذر أو بيمين إذا أفسد ما أحرم به من حج أو عمرة كوطئه عامدا أو ناسيا كونه حاجا فإنه يتمه أي يتمادى على إتمامه فاسدا كغيره من فاسد الحج ولو راكبا؛ لأن إتمامه ليس من النذر في شيء، وإنما هو لإتمام الحج. ومشى في قضائه من
стр. 3340
الميقات؛ يعني ان هذا الذي أتم ما أفسده يقضيه في الزمن القابل، فإذا شرع يقضيه فإنه يمشي في قضائه من الميقات الشرعي إن كان أحرم منه قبل الفساد، فإن كان أحرم قبله مشى من موضع إحرامه كما صرح به ابن عبد السلام، بلفظ: ينبغي ولا يلزمه مشي فيما قبل الإحرام؛ لأن الفساد لم يتسلط إلا على ما بعد الإحرام، وعليه هديان؛ هدي للفساد وآخر لتبعيض المشي في العامين لأن المشي بعد الإحرام لفساده ألغي، واعتبر المشي قبل الفساد فصار متبعضا قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ومشى في قضائه من الميقات"، ظاهره عامدا أو ناسيا، وهو الموافق لما في السماع أي سماع يحيى، ونقل ابن يونس، واعترضه ابن رشد في شرح السماع المذكور، فقال: قوله إنما يمشي من ميقاته ويجزئه المشي الذي مشى من حيث حلف إلى الميقات، خلاف مذهب مالك وابن القاسم في المدونة، وما نص عليه ابن حبيب من أن من ركب من غير عجز عن المشي أعاد المشي كله إذ لا يجوز له أن يفرق مشيه إلا من ضرورة، فلو وطئ فرق مشيه من غير ضرورة، ثم قال: إلا أن يكون وطؤه ناسيا فحينئذ يمشي من الميقات؛ لأنه مغلوب على التفرقة بالوطء ناسيا. انتهى.
وإن فاته جعله في عمرة؛ يعني أنه إذا نذر المشي مبهما أو حلف بذلك وحنث ثم إنه خرج ليوفي بما ترتب في ذمته فمشى وأحرم بحج وفات الحج الذي أحرم به، فإنه يجعل مشيه في ذلك الحج في عمرة أي يتحلل من حجه بفعل عمرة، ويمشي لتمام السعي بين الصفا والمروة، فيتخلص من نذر المشي بذلك؛ لأنه لما فاته الحج وجعله في عمرة فكأنه جعله في عمرة ابتداء. وركب في قضائه؛ يعني أنه إذا فاته الحج وجعل مشيه في عمرة فإنه يقضي الحج الذي فاته في العام القابل، ويركب في قضائه أي يجوز له الركوب فيه ويهدي لفوات الحج، وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلا، وقاله سحنون، وهذا فيمن نذر المشي مبهما وجعله في حج ثم فاته كما في المدونة، وأما من نذر الحج ماشيا وتحلل منه بفعل عمرة، فإنه إذا قضاه يركب أيضا إلا في بقية المناسك وهي ما زاد على السعي بين الصفا والمروة، فإنه يمشي فيها ليخلص من نذر المشي بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ بناني: الظاهر لزوم مشي المناسك في هذه الثانية بلا خلاف ولم أر فيها نصا. انتهى.
стр. 3341
وإن حج ناويا نذره وفرضه مفردا أو قارنا أجزأ عن النذر؛ يعني أنه إذا نذر المشي لمكة مبهما أو نذر الحج ماشيا وهو صرورة في المسألتين، ثم إنه حج مفردا ونوى بحجه فرضه ونذره فإن ذلك يجزئه عن النذر وتبقى حجة الفرض في ذمته، والمفرد هو الذي يحرم بالحج، فإذا فرغ منه أحرم بعمرة، وكذا لو حج قارنا فإن نوى القارن بالحج الذي ضمن إحرامه فرضه ونذره معا أو نوى به فرضه فقط وبالعمرة نذره، فإن ذلك يجزئه عن النذر فقط وعليه قضاء حجة الفريضة، لقول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فقوله: "أو قارنا": شامل لصورتين كما عرفت، وما ذكره المص من الإجزاء عن النذر دون الفرض هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل لا يجزئ عن واحد منهما. حكاه اللخمي عن مالك. وقال المغيرة: يجزئ عن الفرض دون النذر واختاره ابن الماجشون.
وهل إن لم ينذر حجا تأويلان؟ يعني أنه اختلف هل تقيد المدونة بقول ابن المواز: هذا إذا لم ينو بنذره حجا ولا عمرة، وأما إذا كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره، فهذا لا يجزئه عن واحد منهما، أو تحمل المدونة على عمومها فيجزئ ذلك عن النذر مطلقا، نذر المشي مبهما أو نذره في حج. انتهى. والتأويل الأول لابن يونس والثاني لبعض الأصحاب. واعلم أن التأويلين لا يأتيان في الصورة الثانية؛ إذ لا يمكن من حمل المدونة على الإطلاق أن يقول: إذا عين الحج في نذره وجعل العمرة في القران له يجزئه عن نذره. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
تنبيهات: الأول: من مشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها فرضه فإنها تجزئه لفرضه، ثم يحرم بالعمرة بعد ذلك من ميقاته ليمشي ما بقي من نذره. قاله الحطاب.
الثاني: قال الإمام الحطاب: فإن أحرم ولم يقصد نذرا ولا فرضا لم أر فيه نصا، والظاهر أنه ينصرف للحج كمن أحرم للحج ولم ينو فرضا ولا نفلا فإنه ينصرف للفرض كما صرح به سند وغيره. انتهى.
الثالث: قال البرزلي: من أحرم من الميقات بعمرة عن نذره وأحرم من مكة عن فرضه لم يجزه عن فرضه ويجزئه عن نذره وعليه دم القران. البرزلي: يريد أحرم قبل أن تكمل العمرة في الوقت الذي ترتدف، ولو كان في وقت لا ترتدف بحيث تمت عمرته جاز عنهما وكان متمتعا وعليه دم
стр. 3342
لتأخير الحلاق، وقوله: "وإن حج ناويا نذره وفرضه" الخ، لَعَلَّ الْفَرْقَ بينه وبين ما تقدم في الصوم من أنه إذا نواه ونذرا لم يجز عن واحد منهما أَنَّ الصَّوْمَ لا يقبل النيابة فأشبه الصلاة وهي إذا شرك في نيتها تبطل ولا تجزئ عن واحد مما نواه، والحج يقبل النيابة في الجملة فبعد شبهه بالصلاة.
وعلى الصرورة جعله في عمرة؛ يعني أن من نذر المشي مبهما وهو صرورة والصرورة هو الذي لم يحج الفرض، يجب عليه أن يجعل مشيه الذي قصد به أداء نذره في عمرة، تم بعد تمام عمرته يحج في عامة من مكة، ولا يجوز له تأخير حجه عن العام. على الفور؛ يعني أن هذا الذي ذكر من جعل المشي في عمرة ووجوب تعجيل الحج من مكة في عامة إنما هو على القول بوجوب الحج على الفور، وأما على القول بوجوب الحج على التراخي فله أن يجعل مشيه في حج ثم بعد ذلك يحج حجة الفرض، وقوله: "ثم يحج من مكة"؛ أي ويكون متمتعا بشرطه، ومفهوم قوله: "وعلى الصرورة"، أن غير الصرورة ليس كذلك فيخير بين أن يجعل مشيه في حج أو عمرة حيث نذر المشي مبهما أو حلف به كذلك وحنث، أو حلف ليمشين إلى مكة ولم يعين شيئا. وقوله: "وعلى الصرورة جعله" الخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: عبارته تقتضي الوجوب، وذلك خلاف قولها: وإن جعل مشيه في عمرة فله إذا حل منها أن يحج الفريضة من مكة. انتهى. لأنه يفيد التخيير. أبو الحسن: يقوم منها أن الحج على التراخي؛ إذ قوله: فله، يقتضي التراخي، قال الرماصي: فلا يليق بالمؤلف ترك النص وكأنه غفل عنه. انتهى.
وعجل الإحرام في أنا محرم أو أحرم؛ يعني أن الناذر للإحرام بحج أو عمرة أو الحالف به الحانث يلزمه تعجيلة أي إنشاؤه فورا إن قيد بزمن أو مكان لفظا أو نية، وسواء في ذلك صيغة المضارع نحو أحرم في رمضان إن كلمت زيدا فإنه يستأنف الإحرام اتفاقا إن حصل الفعل وجاء الوقت، واسم الفاعل نحو أنا محرم في رمضان إن كلمت زيدا في شعبان فإنه ينشيء إحراما عند الإمام وهو المشهور، وقال سحنون: يكون محرما في رمضان بحصول الفعل في شعبان ولا يحتاج لإنشاء إحرام، فإن لم يكلمه في شعبان لم يلزمه إحرام برمضان، وإلى ما مر أشار بقوله: إن قيد بيوم كذا؛ يعني أن وجوب تعجيل إنشاء الإحرام بالحج أو العمرة محله حيث قيد بزمن؛ كإن
стр. 3343
كلمت فلانا فأنا محرم يوم أكلمه، فيجب عليه أن ينشيء الإحرام فورا ولا يؤخره لأشهر الحج ولا لوجود رفقة ونية التقييد كاللفظ به والتقييد بالمكان كالتقييد باليوم وقوله إن قيد بيوم كذا يعني أو مكان كذا علم منه أن التقييد بالشرط فقط من الإطلاق، كأنا محرم إن كلمت زيدا فهو بمنزلة أنا محرم فيفصل فيه بين الحج والعمرة وعدم الرفقة ووجودها، ويجري فيه ما يأتي.
والحاصل أنه إذا قيد بزمن كانا محرم في رمضان أوأنا محرم في رمضان إن كلمت زيدا فإنه يجب عليه أن ينشئ إحراما فورا عند مجيء الوقت وحصول الفعل حيث علق، ولا يؤخره لأشهر الحج ولا لوجود رفقة، وسواء في ذلك الحج والعمرة، ومثل التقييد بالزمن التقييد بالمكان، ولا فرق في التقييد بالزمن أو المكان بين أن يلفظ به وبين أن ينويه، ومحل قوله: "وعجل الإحرام" الخ، حيث لم يصرح ولم ينو فورا ولا تراخيا، وأما إن صرح أو نوى فورا أو تراخيا فإنه يعمل على ذلك، وإنما عجل الإحرام حيث لم يصرح ولم ينو؛ لأن القيد قرينة على إرادة الفورية.
وأما المطلق من ذلك فأشار إليه بقوله: كالعمرة مطلقا؛ يعني أن الناذر للعمرة حال كونه مطلقا بكسر اللام كما قاله الشيخ بناني وغيره أي غير مقيد لها بوقت، والموضوع أنها مقيدة بالإحرام كأنا محرم بعمرة أو أنا محرم بعمرة إن كلمت فلانا وكلمه يجب عليه فورا أن ينشئ لها إحراما. وبما قررت علم أن المطلق من العمرة والحج ما عري عن التقييد بالزمن أو بالمكان قيد بالشرط أم لا. إن لم يعدم صحابة؛ يعني ان محل وجوب تعجيل إنشاء الإحرام في العمرة المطلقة إنما هو حيث لم يعدم أصحابا، وأما إن عدم صحابة فإنه لا يجب عليه التعجيل، وقد علمت مما مر أن العمرة المقيدة بالزمان أو المكان كالحج المقيد بذلك فيعجل فيهما إنشاء الإحرام ولو عدم صحابة ما لم يخف على نفسه ضررا من تعجيل الإحرام،
وبما قررت علم أن قوله: "مطلقا"، بكسر اللام وهو حال من مضاف محذوف تقديره: كناذر العمرة مطلقا.
لا الحج؛ يعني أن من نذر الحج مطلقا أي غير مقيد له بوقت أو مكان، أو حلف بذلك وحنث في غير أشهر الحج ليس كمن نذر العمرة المطلقة، فلا يلزمه تعجيل، إنشاء الإحرام بالحج قبل
стр. 3344
أشهره، والموضوع أنه قيده بالإحرام كقوله: أنا محرم بحج أو إن كلمت فلانا فأنا محرم بحج. والمشي؛ يعني أنه إذا نذر المشي مطلقا أي لم يقيده بعام ولا حج ولا عمرة أو حلف بذلك وحنث فإنه لا يلزمه تعجيله، وقوله: فلأشهره؛ أي الحج، جعله الشيخ إبراهيم راجعا لقوله: "لا الحج"؛ أي فيلزمه الإحرام بالحج عند مجيء أشهر الحج، فيؤخره حتى تجيء، قال: وأما في المشي المطلق فإنه يمشي في أي عام أراد، وجعله الشيخ عبد الباقي راجعا لمسألتي الحج والمشي المطلقين وهو ظاهر المص؛ أي يلزمه أن يعجل الإحرام عند دخول أشهر الحج في المسألتين؛ أي مسألة الحج المطلق ومسألة المشي المطلق، فقوله: "لأشهره"؛ أي يؤخر الإحرام لأشهر الحج. إن وصل، هو شرط في التأخير لأشهر الحج؛ يعني أن محل التأخير لأشهر الحج إذا كان يمكن أن يصل من بلده إلى مكة في أشهر الحج، قال الشيخ عبد الباقي: لكن في الحج يحرم من مكانه، ويحرم في نذر المشي المطلق من الميقات فإن أحرم قبله أجزأه.
وإلا؛ أي وإن لم يصل من بلده إلى مكة إلا بعد أن تخرج أشهر الحج فيلزمه الإحرام من حيث؛ أي من الزمن الذي يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج هذا قول أبي محمد وصححه ابن يونس واستحسنه ابن عبد السلام، فصواب قوله: على الأظهر على الأرجح والأحسن، ومقابله لأبي الحسن القابسي أنه يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم، واستعمل المص حيث للزمان وهو للأخفش، قال: ترد للزمان وهي عند الجمهور ظرف مكان، قال الشيخ عبد الباقي: وانظر إذا كان محله على خمسة أيام -مثلا- من مكة هل يلزمه الإحرام من أول أشهر الحج والخروج حينئذ، أو إنما يلزمه ذلك إذا بقي من أشهر الحج قدر ما لو خرج لأدرك الحج وهو الظاهر.
وتحصل مما مر أن نذر الحج والعمرة على ثلاثة أقسام: مقيد بالزمان والإحرام، ومقيد بالإحرام فقط، وغير مقيد بالإحرام ولا بالزمان. فالأول نحو أنا محرم بحج يوم كذا أو مكان كذا: فإن صرح بشيء أو نواه من فور أو تراخ عمل عليه، وإن لم يصرح بذلك ولا نواه فإنه يجب عليه تعجيل الإحرام عند الوقت أو المكان مع حصول المعلق عليه حيث علق ولو قبل أشهر الحج وإن عدم صحابة، ما لم يخف على نفسه ضررا، والثاني يجب فيه تعجيل إنشاء الإحرام إن كان
стр. 3345
عمرة، نحو: أنا محرم بعمرة إن لم يعدم صحابة، وإن كان حجا نحو أنا محرم بحج فإنه لا يلزمه التعجيل إن كان ذلك قبل أشهر الحج، بل يصبر حتى تأتي أشهر الحج فيجب التعجيل إن وصل وإلا فمن حيث يصل، وأما الثالث نحو علي عمرة فلا يلزمه تعجيل الإحرام بل يستحب فقط، ونحو لله علي حج فلا يلزمه تعجيل الإحرام ولو في أشهر الحج بل يستحب فقط، ولا فرق في هذا كله بين النذر واليمين. وقوله: "والمشي"، قال الشيخ بناني: في ذكره المشي إشكال لاقتضائه أنه على الفور مع أن نذره محمول على التراخي حتى يقيد مثل الحج غير المقيد بالإحرام على المشهور كما صرح به ابن الحاجب والشامل. انظر الحطاب. وحمل ابن عاشر المشي على معنى الخروج وجعله من تمام ما قبله، والمعنى أن من نذر الإحرام بالحج وأطلق لا يلزمه تعجيل الإحرام والخروج، بل له تأخيرهما إلى أشهره الخ. وهو بعيد. انتهى.
تنبيهات: الأول: من قال أنا محرم بحج يوم أكلم فلانا فحنث ولا يمكنه أن يدرك الحج لضيق الوقت، قالوا: يحرم ويقيم على إحرامه إلى قابل؛ لأنه ضيق على نفسه باليوم.
الثاني: اعلم أن النذور المطلقة محملها على الفور عند عبد الوهاب، والقول بالتراخي هو ظاهر الروايات، وتأول الباجي قول عبد الوهاب على الاستحباب. ابن عبد السلام: وهو الصحيح.
الثالث: إنما كان من نذر الحج قبل أشهره وأطلق لا يلزمه الإحرام إلا إذا دخلت أشهره فيحرم إذا دخلت ولو قبل مكانه، وليس له أن يحرم قبل زمانه وإن كان إحرامه قبل زمانه مكروها كإحرامه قبل مكانه؛ لأن مراعاة الزمن أشد من مراعاة المكان، وإنما كانت الكراهة قبل الزمان أشد من الكراهة قبل المكان في ذلك؛ لأنه وقع الخلاف في إحرامه قبل زمانه هل ينعقد أم لا؟ وأما إحرامه قبل مكانه وفي زمانه فمتفق على انعقاده. قاله الشيخ الخرشي.
ولا يلزم في مالي في الكعبة؛ يعني أن الناذر لا يلزمه ما نذره في قوله: "مالي في الكعبة" أو في بابها أو في رتاجها أو في حطيمها؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والرتاج الباب، والحطيم ما بين الباب والمقام. وحكى ابن القاسم عن بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام، ولابن حبيب: ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام؛ أي منتهيا أو قريبا، سمي في لذلك لأنه يحطم الذنوب كما تحطم النار الحطب، وكما لا يلزمه ما نذر في قوله: "مالي في الكعبة أو في بابها"، لا يلزمه بدله من
стр. 3346
كفارة يمين وغيرها، خلافا لابن وهب عليه كفارة يمين، ومحل كلام المص إن أراد صرفه في بنائها إن نقضت أو لم يرد شيئا، فإن أراد كسوتها وطيبها ونحوهما لزم ثلث ماله للحجبة يصرفونه فيها إن احتاجت. قاله في المدونة. وإن قال: أنا أضرب بمالي في حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة ولا شيء عليه في ماله، ومعنى أضرب بمالي أي أسير به. وفي المدونة: وأنا أضرب بكذا وكذا في الركن الأسود فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إن لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه، فإن أراد حملانه على عنقه وكان يقوى على حمله فكذلك يحج أو يعتمر راكبا ولا شيء عليه غيره، وإن كان مما لا يقوى على حمله مشى وأهدى.
قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل أنه إذا قال أضرب بكذا في البيت أو جزء منه، فإن أراد الضرب الحقيقي لم يلزمه شيء لأنه معصية، وإن أراد السير أو لم تكن له نية، فإن لم ينو حمله حج أو اعتمر راكبا ولا شيء عليه، وإن أراد حمله فعند ابن المواز: يفصل فيه إن كان يقوى على حمله فمثل الأول وإلا مشى وأهدى، وعند ابن حبيب: يمشي ويهدي ويدفع ما سمى إن لم يبلغ ثمن هدي لخزنة الكعبة. والله أعلم.
وفي الحديث الصحيح: (لولا حداثة قومك بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله (١))، وكنز الكعبة: المال المجتمع مما يهدى إليها بعد نفقة ما تحتاج إليه، وليس من كنز الكعبة ما تحلى به من الذهب والفضة كما ظنه بعضهم، فإن ذلك ليس بصحيح؛ لأن حليتها حبس عليها كحصرها وقناديلها لا يجوز صرفها في غيرها، وحكم حليتها حكم حلية السيف والمصحف المحبسين، وأما النذر للكعبة فإما أن يقصد به خدمتها وهو الغالب أو مطلق أهل الحرم فيصرف لمن قصد أو يقصد أن يصرفها في مصالحها، وإن لم يقصد شيئا فالظاهر أن يصرف في غالب ما يقصده الناس بنذورهم.
أو كل ما أكتسبه؛ يعني أنه لا يلزم الشخص شيء إذا قال إن فعلت كذا فكل ما أكتسبه في الكعبة أو بابها أو صدقة للفقراء أو في سبيل الله تعالى أو شبه ذلك وحنث؛ لأنه من باب الحرج
стр. 3347
والمشقة، وهذا إذا لم يقيد بزمان ولا مكان، فإن قيد بزمان أو مكان وحنث لزمه كل ما يكتسبه بعد قوله ذلك، وإن كان في نذر ولم يقيد بزمن ولا بلد فإنه يلزمه ثلث جميع ما يكتسبه بعد قوله ذلك، ومثل كل ما أكتسبه في جميع ذلك كل ما أفيده، وهذا كله في غير المعين، فإن عين لزمه الجميع لمن عينه وسكت عن كل ما أملكه صدقة، فإن أطلق لزمه جميع ما عنده، وإن قيد لزمه جميع ما يتجدد له في النذر، وأما اليمين فيلزمه ثلثه إن أطلق ككل ما أملكه صدقة إن دخلت الدار ودخلها فيلزمه ثلثه، فهو مخالف لكل ما أكتسبه أو أفيده في هذه الحالة؛ لأن أملكه يصدق على ما في ملكه حال اليمين، بخلاف أكتسبه أو أفيده، وإن قيد بمدة أو بلد فإنه يلزمه جميع ما يتجدد بها على أحد أقوال خمسة ستأتي إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ علي الأجهوري: والحاصل أنه إن قيد بزمان أو مكان فإنه يلزمه ما أفاده أو اكتسبه في قوله: "كل ما أكتسبه" أو أفيده، سواء أتى به على وجه اليمين أو أتى به لا على وجه اليمين وإن لم يقيد فيهما بزمان ولا مكان، فإن أتى به لا على وجه اليمين فإنه يلزمه الثلث يعني ثلث جميع ما يكتسبه بعد قوله ذلك، وإن أتى به على وجه اليمين فلا شيء عليه، فمع التقييد فيهما يستوي النذر والحلف ومع الإطلاق يختلفان فلا شيء في اليمين، وفي النذر يلزم ثلث جميع ما يتجدد بعد قوله: وهذا ما لم يجعله لمعين وإلا لزمه في الصور كلها، وأن قوله: "كل ما أملكه"، يفارق كل ما أفيد أو أكتسب في حالة الإطلاق حيث أتى به يمينا؛ أي فيلزمه ثلث ما في ملكه، وإن أتى به لا على وجه اليمين فالكل سواء، وهذا إذا لم يعين، فإن عين من يكون له ذلك لزمه الجميع لمن عينه له، سواء كان في يمين أم لا، فإن قيد لزمه في النذر، وأما في اليمين فيلزمه على أحد أقوال خمسة، وللشيخ علي الأجهوري:
وحالف بكل ما يكتسبه … إن قام لا شيء بهذا يلزمه
وإن يكن غير يمين لزمه … إخراج ثلث كسبه فلتعلمه
وإن يقيد بمحل أو زمن … أخرج كسبه لذين فاعلمن
стр. 3348
وثلثه إن يحلفن بكل ما … يملكه حين اليمين لزما
كغيرها إن لم يقيده بما … مرو إلا فهو كالذ قدما
فإن يقيده يمينا بهما … فقيل حكمه كعار منهما
وقيل مع جميع ما قد وجدا … أو ثلثه بالذ به قد قيدا
ورابع الأقوال ما يحصل فيه … يلزمه لا ما سواه يا نبيه
وخامس الأقوال لا يلزم في … يمينه شيء ووجهه خفي
والفعل محمول على المستقبل … في رابع وخامس يا معتلي
وفي سواهما عليه وعلى … الحال ذا عن ابن رشد نقلا
ثم مفاد النقل أن الثاني … أرجحها والأصل في البيان
وفي مختصر البيان: واختلف إذا حلف بصدقة ما يفيده أو يكتسبه إلى مدة أو بلد فحنث، فقال ابن القاسم وأصبغ: لا يلزمه شيء، وحكى ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أنه يلزمه إخراج جميع ما يفيده أو يكتسبه إلى ذلك الأجل أو في ذلك البلد، وحكى ابن المواز عن أصبغ مثله وهو القياس على ما أجمعوا عليه من وجوب العتق على من حلف بعتق من يملك في المستقبل إن خص
стр. 3349
ولم يعم، وأما القول الأول فإنه استحسان مراعاة لقول من لا يرى اليمين بالصدقة لازمة. انتهى. وإن كان المعلق كل ما أملك، فإن قيده بمدة أو بلد ففيه خمسة أقوال من جهة أن لفظة أملك تصح للحال والاستقبال، فعلى تخليصه للاستقبال فقولان أحدهما لا شيء عليه والثاني يلزمه إخراج جميع ما يملك إلى غاية ذلك الأجل أو في ذلك البلد، وعلى حمله على الحال فينبغي أن يلزمه ثلث ما يملك حين الحلف، وأما على أنه للحال والاستقبال فثلاثة أقوال أحدها يلزمه إخراج ثلث جميع ما يملك الساعة مع جميع ما يفيده إلى الأجل، والثاني ثلثهما، والثالث ثلث ماله الساعة فقط. انتهى. قاله الشيخ علي الأجهوري. وقال: فقد استفيد من هذا أنه إن أراد الاستقبال فقط جرى فيه القولان المتقدمان، وأما إن أراد به الحال والاستقبال جرى فيه الأقوال الثلاثة المتقدمة، وأما إن أراد به الحال فقط فينبغي أن يلزمه ثلث ما يملك حين الحلف، وأما إن لم يرد واحدا منهما ففيه الأقوال الخمسة.
أو هدي مالي؛ معنى قوله: "أو هدي"، عطف على "مالي" من قوله: "ولا يلزم في مالي في الكعبة"؛ يعني أن من نذر الهدي لغير مكة بلفظ الهدي أو بلفظ البدنة، كقوله: علي هدي أو لله علي بدنة لضريح النبي ﷺ أو لقبر فلان أو لفلان أو نحو ذلك، لا يلزمه شيء لا بعثه لمن عينه له ولا ذكاته بموضع الهدي، وأما لو عبر بغير الهدي والبدنة، فإن كان مما يهدى وعبر عنه بلفظ بعير أو خروف أو جزور نحره أو ذبحه بموضعه وفرق لحمه للفقراء، وإن شاء أبقاه وأخرج مثل ما فيه من اللحم: ويمنع بعثه عند القبر ولو للنبي ﷺ ، ولو قصد به الفقراء الملازمين له لما في المدونة سوق الهدايا لغير مكة ضلال، وأما إذا كان مما لا يهدى كثوب ودراهم أو طعام، فإن قصد بذلك الملازمين للقبر الشريف أو لقبر الولي ولو أغنياء أرسله لهم، وإن قصد نفع النبي أو الشيخ أي الثواب له تصدق به بموضعه، وإن لم يكن له قصد أو مات قبل علم قصده فينظر لعادتهم، ولا يلزم بعث ستر ولا زيت ولا شمع يوقد على القبر الشريف أو غيره، ولو نذر فإن بعثه مع شخص وقبله من صاحبه (١) فالظاهر تعين فعله بمنزلة شرط الواقف، ولا يجوز له أخذه؛ لأن إخراج مال الإنسان على غير وجه القربة لا يخرجه عن كونه ماله، فلا
стр. 3350
يباح لغيره تناوله كوضع شيء بصندوق شيخ أو عند قبر النبي ﷺ ، فإن علم ربه دفع له، وإلا كان لبيت المال، وإن نذر ما يصح أن يهدى بلفظ بعير أو خروف أو جزور وقيد بمكة بلفظ أو بنية نحره بمكة إلا أن يقلده أو يشعره فيكون هديا فيجري فيه تفصيلة، ومن قال لله علي أن أنحر بدنة أو لله علي هدي فلينحر ذلك بمكة أو بمنى بشرطه، وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها، والبدنة عندهم ما ينحر بمحل مخصوص، والجزور هي الناقة المعدة للنحر في محل غير مخصوص. انتهى. ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي وشرح الشيخ الحطاب وغيرهما.
وفي الشبراخيتي عند قوله "أو هدي لغير مكة": وحاصل هذه المسألة أن من نذر ما يصح هديه بلفظ هدي أو بلفظ بدنة، فإن سمى مكة أو نواها أو أطلق لزمه سوقه لها حيث كان المحل قريبا بحيث يصل منه، وإن سمى بقعة غير مكة فإن قصد تعظيمها وتفخيم شأنها كأنها مكة لم يلزمه شيء، وإن قصد الرفق بفقرائها فكذلك، وهذا قول مالك في المدونة؛ إذ هو نذر معصية؛ لأن سوقه لغير مكة ضلال، وأما إن نذر ما لا يصح هديه بلفظ جزور أو بعير أو نحو ذلك، فإن قيد بمكة بلفظ أو نية فقال بعض الشارحين: لا يلزمه هدي لكن له نحرها بمكة، وليست بهدي إلا أن ينوي بها الهدي، ثم قال: وأما إن قيد بغير مكة أو أطلق فإنه ينحرها بموضعه، ولا يجوز له بعثها للموضع الذي قيد به حيث قيد بموضع، وكذا لا يجوز بعث لحمها له. انتهى.
وفي المدونة: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي فلينحر ذلك بمكة. ابن يونس: أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس. انتهى. وقال ابن عرفة: وفيها ينحر من قال لله علي نحر بدنة أو لله علي هدي بمكة يريد أو بمنى بشرطه. انتهى. فيدخل في ذلك ما بعد يوم النحر مما يجوز فيه نحر الهدي. انظر الحطاب.
وللشيخ علي الأجهوري:
ونذر ما يهدى بلفظ البدنه … أو لفظ هدي لغو هذا عينه
إن كان لا لمكة وإن لها … فحكمه متضع للنبها
стр. 3351
وما بلفظ كبعير عبرا … عنه ففي موضع نذر نحرا
ولحمه للفقرا يعطيه … بموضع النذر ولا يبقيه
ثم له إخراج لحم مثل ما … فيه ولا ينحره بذا احكما
وكل ذا إن لم يكن بمكة … وإن بها فنحره بها اثبت
إلا إذا قلده وأشعره … فهو كهدي عند من قد حرره
فإن تقل قد ذكروا فيمن نذر … نذرا لصالح ببدو أو حضر
أي عند قبره من القراء … يلزم بعثة بلا امتراء
قلت محله إذا لم يكن … مما يصح هديه فاستبن
ومال غير؛ يعني أن من نذر مال الغير هديا أو صدقة لا يلزمه شيء، كقوله لله علي أن أتصدق بالشيء الفلاني وهو في ملك الغير، وكقوله علي أن أتصدق بدار فلان وما أشبه ذلك لخبر: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم (١)). إن لم يرد إن ملكه؛ يعني أن محل عدم اللزوم حيث لم يرد إن ملكه، وأما إن قال هو صدقة وأراد إن ملكه، فإنه إن ملكه يلزمه التصدق بجميعه، سواء أتى بلفظ جميع أم لا.
стр. 3352
والحاصل أنه يلزمه التصدق أو نحوه فيما علق على ملكه قل أو كثر، أتى على الجميع أم لا، لفظ بجميع أم لا، كان مما يهدى أم لا، ويجري حينئذ على ما تقدم فيما يصح هديه وما لا يصح هديه.
وأصل هذه المسألة ما رواه مسلم في المرأة الأنصارية التي أسرت، وكانت العضباء ناقة رسول الله ﷺ أخذها الرب الذين أسروا المرأة، فهربت المرأة على العضباء ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فقال النبي ﷺ : (بيس ما جزيتها لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد (١)). قال القرطبي: ظاهر هذه الكلمة يدل على أن الذي صدر من هذه المرأة نذر معصية؛ لأنها التزمت أن تهلك مال الغير فتكون عاصية بهذا القصد، وهذا ليس بصحيح لأن المرأة لم يتقدم لها من النبي ﷺ بيان تحريم ذلك ولم تقصد ذلك، وإنما معنى ذلك -والله أعلم- أن من قدم على ذلك بعد التقدم إليه وبيان أن ذلك محرم كان عاصيا بذلك القصد، ولا يدخل في ذلك المعلق على الملك، كقوله إن ملكت هذا البعير فهو هدي أو صدقة؛ لأن ذلك الفعل معلق على ملكه لا ملك غيره. انتهى. وهذا يدل على أن حلف الإنسان بملك الغير محرم.
واختلفت العلماء فيما إذا علق العتق أو الهدي أو الصدقة على الملك، مثل أن يقول إن ملكت عبد فلان فهو حر، فلم يلزمه الشافعي شيئا من ذلك عم أو خص تمسكا بهذا الحديث، وألزمه أبو حنيفة كل شيء من ذلك عم أو خص؛ لأنه من باب العقود المأمور بالوفاء بها، ووافق أبا حنيفة مالك فيما إذا خص شيئا تمسكا بمثل ما تمسك به أبو حنيفة، وخالفه فيما إذا عم رفعا للحرج الذي أدخله على نفسه، ولمالك قول آخر مثل قول الشافعي. قاله الحطاب. وقد مر أنه إن ملك مال الغير لزمه التصدق بجميعه حيث علق الصدقة على ملكه، فليس كنذره جميع مال نفسه؛ لأن الذي نذر مال الغير قد أبقى مال نفسه لنفسه، فنذره مال الغير كنذر ثلث ماله أو جميع
стр. 3353
المعين، وقد مر الحديث: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد (١))، قال الشيخ إبراهيم: قال بعضهم ويظهر أن المتعلق بالمرأة هو قوله: ولا فيما لا يملك العبد، وما قبله ذكره تتميما وإعلاما.
أو نحر فلان؛ يعني أن من قال لله علي أو علي نحر فلان لا يلزمه شيء علق أم لا إذا كان فلان حرا أو عبدا لغيره، وإن كان عبد نفسه فعليه هدي. قاله غير واحد. ولو قريبا؛ يعني أنه إذا قال علي نحر فلان لا يلزمه شيء كما عرفت، ولا فرق في عدم اللزوم بين أن يكون فلان أجنبيا من الناذر، وبين أن يكون قريبا له فلا يلزمه شيء لا هدي ولا غيره. وأشار بالمبالغة لرد قول ابن الحاجب التابع لابن بشير: إن كان أجنبيا فلا شيء عليه، وإن كان قريبا فعلى التفصيل الآتي. قاله الشيخ الخرشي. وقال الشبراخيتي: ولو كان قريبا له، كما قال الباجي خلافا لابن الحاجب الذي خصه بالقريب، وأما الأجنبي فلا شيء عليه مطلقا. انتهى. وقال الشيخ بناني: إنما فصل ابن الحاجب بين القريب والأجنبي في ذكر مقام إبراهيم ونحوه، وأما إذا تلفظ بالهدي فلا فرق بين القريب والأجنبي، وهذه طريقة ابن بشير. انتهى.
إن لم يلفظ بالهدي؛ يعني أن محل عدم اللزوم فيما إذا نذر نحر فلان قريبا كان أو أجنبيا إنما هو حيث لم يلفظ بالهدي، كعلي نحر فلان، وأما إن لفظ بالهدي كعلي نحر فلان هديا، أو إن دخلت الدار فأنا أهديك إلى بيت الله تعالى فحنث فعليه الهدي إن كان القول له ذلك حرا، ولا شيء عليه إن كان عبدا، والفرق بينهما -وإن كانا جميعا لا ملك له عليهما- أن العبد يصح ملكه فيخرج عوضه وهو قيمته، وأما الحر فليس مما يصح ملكه ولا يخرج عوضه، فجعل عليه فيه الهدي إذا قصد القربة. انتهى. قاله الحطاب.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: مقتضى هذا أنه لو كان العبد له لكان عليه هدي، وقد مر نحو ذلك قريبا، والظاهر في هذا أنه يهدي بقيمته أو ثمنه. والله سبحانه أعلم. ومقتضاه أيضا أنه إذا ملكه يخرج قيمته هديا. والله سبحانه أعلم.
أو ينوه؛ يعني أن محل عدم اللزوم فيما إذا نذر نحر فلان حيث لم يلفظ بالهدي يشترط فيه أن لا ينوي الهدي، وأما لو نوى الهدي كما لو قال لله علي نحر فلان وينوي نحره هديا فإنه يكون
стр. 3354
عليه الهدي كما لو لفظ بالهدي. أو يذكر مقام إبراهيم؛ يعني أنه إذا قال علي نحر فلان ولم يلفظ بالهدي ولم ينوه فإنه لا يلزمه هدي، بشرط أن لا يذكر مقام إبراهيم ولا غيره من الأمكنة التي يذكى فيها، وأما إن ذكر مقام إبراهيم كقوله: لله علي أن أنحر فلانا عند مقام إبراهيم، أو نوى ذلك أو ذكر مكانا من الأمكنة التي يذكى فيها فعليه الهدي، والأمكنة التي يذكى فيها هي منى وجميع أماكن مكة ومنها الصفا وتقدم. والمندوب بمكة المروة وليست المزدلفة منها، فتحصل أن عدم لزوم الهدي عند انتفاء الأمور الثلاثة بالكلية، وأن لزوم الهدي عند وجود واحد منها وأولى في اللزوم لو وجد منها اثنان أو وجدت الثلاثة. وقوله: "إن لم يلفظ بالهدي"، على ثلاثة أوجه: إن قصد الهدي والقربة لزمه الهدي بالاتفاق، وإن قصد المعصية أي حقيقة النحر فلا يلزمه شيء، واختلف حيث لا نية والمشهور أن عليه الهدي.
وقال الإمام الحطاب: قيد ابن بشير مسألة ما إذا ذكر الهدي بأن لا يقصد المعصية -يعني ذبحه- فلا يلزمه حينئذ هدي، وتقيد به مسألة نية الهدي، وذكر القام من باب أولى. قال الشيخ عبد الباقي: والمراد بمقام إبراهيم قضيته مع ولده لا مقام مصلاه، فإنه لا يلزمه شيء، كما إذا نوى قتله ولو مع ذكر مقام إبراهيم أو محل ذكاة فيما يظهر. انتهى. قال الشيخ بناني: هذا التفسير لابن هارون، قال ابن فرحون: وهو بعيد من كلام أهل المذهب، وكلام المدونة وغيرها يدل على أنه مقام الصلاة. انتهى. ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم: أنا أنحركم، كان عليه أن يهدي عن كل واحد هديا، وقد قيل عليه هدي لجميعهم، والأول أحب إلينا وهو الحق، وقال في النوادر: ومن كتاب ابن المواز: ومن نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشا أراه يريد إن سمى موضع النحر بمكة، ومن قال لولده: أنت بدنة إن أراد الهدي، أو سمى النحر فعليه الهدي قولا واحدا، وإن لم تكن له نية ولا سمى النحر فمرة رأى عليه كفارة ومرة لم ير عليه شيئا، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية. قاله الحطاب.
وقال عند قوله: "إن لم يلفظ بالهدي أو ينوه أو يذكر مقام إبراهيم"، ظاهر كلامه سواء كان ذلك في نذر أو تعليق وهو اختيار ابن يونس كما قال في التوضيح، وخص بعضهم ذلك بالتعليق، قال: وأما إن قال لله علي نحر فلان أو ولدي فلا يلزمه. انتهى. والأحب حينئذ؛ يعني أن الشخص
стр. 3355
إذا نذر نحر فلان أو حلف بذلك وحنث وأمر بالهدي لكونه لفظ بالهدي أو نواه أو ذكر مقام إبراهيم أو نواه، فإن الأفضل له أن يهدي بدنة، فالتنوين في حينئذ عوض عن أربع جمل أي حين لفظ بالهدي أو نواه أو ذكر مقام إبراهيم أو نواه، وعلم من قوله: "والأحب"، أنه لو أهدى بقرة أو شاة مع القدرة على البدنة لكفاه ذلك. والله سبحانه أعلم.
كنذر الهدي؛ يعني أن الشخص إذا نذر الهدي المطلق كقوله لله عليه هدي، فإنه يستحب بدنة، ولو أهدى ببقرة أو شاة مع القدرة على البدنة لكفاه ذلك، فالتشبيه في الأحبية.
وبما قررت علم أن قوله: بدنة. خبر عن قوله: "والأحب".
ثم بقرة؛ يعني أنه إذا عجز كل من الناذر للذبح أو الحالف به الكانث الذي أمر بالهدي والناذر للهدي المطلق عن البدنة، فإن الأفضل له أن يهدي بقرة ولوأهدى شاة لكفته. وقوله: "ثم بقرة"، وبعد العجز عنها تكفيه شاة واحدة.
وبما قررت علم أن الندب هنا منصب على الترتيب، وأما الهدي فواجب، وإنما اكتفى هنا بشاة واحدة لأنه هنا نذر الهدي المطلق أو ما يفيده، كنحر فلان بقيده، ومن أفراد الهدي المطلق الشاة الواحدة بخلاف ما مر فإنه نذر البدنة بلفظها، وإنما يقاربها البقرة أو السبع شياه. قاله الشيخ عبد الباقي. وشبه في صفة الهدي لا في حكمه.
قوله: كنذر الحفاء؛ يعني أن الشخص إذا نذر المشي حافيا أي بلا خف ولا نعل فإنه لا يلزمه أن يمشي حافيا؛ لأنه لا قربة فيه، ويستحب له أن يهدي، وإذا أراد أن يأتي بهذا الهدي المستحب فالأحب بدنة ثم بقرة ثم شاة، ويلزمه الحج ماشيا إن شاء حافيا وإن شاء منتعلا، ومثل الحفاء الحبو والزحف والقهقرى، كقوله لله علي أن أحج حبوا أو زحفا أو القهقرى، فيلزمه الحج فيها ماشيا على العادة. وقد نظر رسول الله ﷺ إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقرى، فقال: مروه أن يمشي إلى وجهه.
أو حمل فلان؛ يعني أنه إذا نذر أن يحمل فلانا على عنقه إلى بيت الله تعالى فإنه لا يلزمه أن يحمله على عنقه، ولكن يلزمه أن يحج ماشيا وليس عليه أن يحج بفلان ويهدي ندبا وقيل وجوبا إن نوى التعب؛ يعني أنه إنما يهدي ويلزمه الحج بنفسه حيث أراد بحمل فلان إتعاب
стр. 3356
نفسه بأن نوى حمله على عنقه، قال الشيخ الخرشي: ولما كان الحمل يطلق على الركوب وعلى الحمل على العنق قيده بقوله: "إن نوى التعب": أي بحمله على عنقه. انتهى. وإلا أي وإن لم ينو التعب بل لا نية له ركب وحج به؛ أي فإن له أن يركب ويحج بفلان، فإن أبى فلان حج وحده ولا شيء عليه، قال أبو الحسن ما معناه: هذا على ثلاثة أوجه، تارة يحج الحالف وحده إذا أراد المشقة على نفسه بحمله على عنقه، وتارة يحج المحلوف به وحده إذا أراد حمله من ماله فيدفع إليه ما يحج به ولا يلزمه هو الحج، وتارة يحجان جميعا إذا لم تكن له نية.
وبما قررت علم أن الضمير في: "به"، عائد على فلان والباء فيه بمعنى: مع. قاله الشيخ الخرشي.
بلا هدي؛ يعني أنه لا هدي عليه حيث ركب وحج به، وكذا لا هدي عليه إن أبى فلان وحج هو وحده، وأما إذا نوى إحجاجه فإن الحالف لا يلزمه حج بل يدفع إلى الرجل ما يحتاج إليه من مؤنة الحج كما مر، وهذا مما لا يختلف فيه، وإن قال لله علي أن أحمل هذا العمود ونحوه لمكة قاصدا به المشقة، مشى في نسك غير حامل شيئا وأهدى، فإن ركب لعجز فهدي فقط. ولغا علي السير؛ يعني أنه إذا قال: عليَّ -بتشديد الياء- المسير إلى مكة علق أم لا فإن ذلك القول باطل؛ أي لا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره. والذهاب؛ يعني أن الشخص إذا قال علي بتشديد الياء الذهاب إلى مكة، فإن قوله ذلك باطل فلا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره. والركوب؛ يعني أن قول الشخص لله علي الركوب إلى مكة باطل فلا يلزمه به شيء لا حج ولا غيره علق أم لا، ومثل هذه الألفاظ الإتيان والانطلاق لمكة. قاله غير واحد.
وبما قررت علم أن قوله: بمكة، راجع للمسير والذهاب والركوب، ومحل عدم اللزوم في هذه الألفاظ إن لم ينو نسكا، فإن نوى أنه يأتيها حاجا أو معتمرا فإنه يأتيها راكبا إلا أن ينوي ماشيا، قال فيها: ومن قال إن كلمت فلانا فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه، إلا أن ينوي أن يأتيها حاجا أو معتمرا فيأتيها راكبا إلا أن ينوي ماشيا. وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجا أو معتمرا، وإذا قلنا بلزوم الركوب فلا يجوز له
стр. 3357
المشي، وقوله: "ولغا علي" لخ، الفرق بينه وبين لزوم المشي لمكة لمن نذره أن العرف إنما جرى بلفظ المشي، ولأنه الوارد في السنة بخلاف غيره من الألفاظ المذكورة.
وبما قررت علم أن معنى قوله: "لغا" بطل. والله سبحانه أعلم.
ومطلق المشي؛ يعني أنه يبطل قول الشخص علي المشي من غير تقييد بمكة ولا بيت الله تعالى لا لفظا ولا نية؛ لأن المشي على انفراده لا طاعة فيه هذا مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يلزمه المشي إلى مكة، وقال ابن حبيب: إن كان بموضعه مسجد جمعة لزمه الإتيان إليه، وقاله مالك، وبه أفتى ابن عباس في مسجد قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال. قاله الشارح عند قوله: "ومطلق مسجد". ومشي لمسجد؛ يعني أنه يبطل قول الشخص لله علي المشي لمسجد عينه من غير المساجد الثلاثة، فلا يلزمه شيء علقه أم لا. وإن لاعتكاف؛ يعني أنه لا فرق في عدم لزوم المشي إلى المسجد المعين من غير المساجد الثلاثة بين أن ينذر المشي إليه لاعتكاف أو صلاة، وبين أن ينذر المشي إليه لغيرهما لخبر: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى (١)). ولا يعارضه خبر: (من نذر أن يطيع الله فليطعه (٢)؛ لأنه عام فيخص بهذا. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقال قال الشارح: ولو قال: وإتيان أي لغا إتيان مسجد لكان أحسن؛ لأن ظاهره جواز إتيانه راكبا وليس كذلك، قال التتائي: ويجاب بأنه إنما ذكر عدم اللزوم فيما يتوهم أنه قربة فأولى غيره، وأجاب الشيخ سالم بقوله: ولعل المص إنما عبر بقوله: "ومشي لمسجد": لأجل قوله: إلا القريب جدا؛ يعني أنه إذا كان المسجد الذي عينه الناذر من غير المساجد الثلاثة وهو قريب جدا فإنه اختلف، هل يلزم من نذر الاعتكاف فيه أو الصلاة فيه أن يذهب إليه ماشيا لا راكبا أو يترك الذهاب إليه بالكلية فلا يأتيه راكبا ولا ماشيا، ويلزمه فعل ما نذره بموضعه كالمسجد غير القريب جدا، والقريب جدا هو ما على ثلاثة أميال. وقال الإمام الحطاب: هو ما لا يحتاج فيه لإعمال المطي وشد الرحال. انتهى.
стр. 3358
وإلى هذا الخلاف المذكور أشار بقوله: فقولان؛ أي في ذلك قولان في نذر الصلاة والاعتكاف تحتملهما؛ يعني أن هذين القولين تحتملهما المدونة، فظاهر المدونة عند اللخمي وابن يونس أن لا شيء عليه، لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه، وقال ابن المواز: إن كان المسجد قريبا جدا كالأميال اليسيرة فليأته ماشيا كما التزم وهو لمالك أيضا، واستحسنه اللخمي. ومشي للمدينة؛ يعني أنه يبطل قول الشخص: لله علي مشي للمدينة أو ذهاب أو سير للمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فلا يلزمه شيء وتوقف الشيخ عيسى الغبريني في ناذر زيارته ﷺ لعدم النص، واستظهر غيره اللزوم لتحقق القربة، وأنكر ابن العربي زيارة قبر غيره ﵊ وعده الغزالي في المندوبات، وأجاز الرحلة له في آداب السفر. قاله الإمام الحطاب.
وإيلياء؛ يعني أنه إذا قال لله علي أن آتي أو أمشي إلى بيت المقدس وهو المراد بإيلياء بوزن كبرياء، فإنه لا يلزمه الذهاب إليه لا ماشيا ولا راكبا. إن لم ينو صلاة بمسجديهما؛ يعني أن من نذر المشي أو الإتيان إلى المدينة أو إيلياء محل عدم لزوم الذهاب له إليهما حيث لم ينو صلاة بمسجديهما، وأما إن نوى الصلاة في مسجديهما فإنه يلزمه أن يأتيهما ليصلي فيهما، وظاهره ولو كانت الصلاة نافلة، وقد مر أن إيلياء بوزن كبرياء، وحكي تشديد الياء، ويقال فيها: أيلة بفتح الهمزة واللام، وحكي حذف الياء الأولى وكسر الهمزة مع سكون اللام والمد.
ومن أسمائه بيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، والبيت المقدس بضم ففتح وتشديد أي الطهر وتطهيره خلوه من الأصنام وإبعاده منها، والأرض المقدسة هي ما أدرك بصر إبراهيم صلى الله وسلم على نبينا وعليه حين رفع على الجبل وقيل له: ما أدرك بصرك فهو ميراث لك ولولدك من بعدك، قال الكلبي: صعد إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك، والأرض المقدسة هي الطور وما حوله، وقيل هي أريحاء وفلسطين وبعض الأردن، وقيل هي دمشق، وقيل هي الشام كلها وفلسطين بفاء مكسورة فلام مفتوحة، والأردن بهمزة مضمومة فراء ساكنة فدال مهملة مضمومة فنون مشددة، ودمشق ولإيلياء أسماء كثيرة نحو من أحد وعشرين اسما، منها فسط مصر بضم
стр. 3359
الفاء وأرض المحشر والمنشر والمحفوظة والفرقة ومدينة الجنة، واختلفت الأحاديث في قدر مضاعفة الصلاة فيه، ففي رواية بخمسمائة صلاة، وفي رواية بألف وفي أخرى بخمسين ألفا، وفي أخرى بمائتين وخمسين وفي أخرى بعشرين ألفا، ويستحب شد المطي إليه وختم القرآن فيه والمجاورة به والصيام فيه والحج والعمرة منه، وإهداء زيت إليه أي لمن لا يقدر على زيارته، وتضاعف السيئات فيه كمكة والمدينة، ولا يدخله الدجال وصخرته كالحجر الأسود في البيت، ومن دفن فيه أمن فتنة القبر وسؤال الملكين وروي: (أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو المدينة ثم سائر المؤذنين (١))، وتعجل عقوبة الحالف يمينا فاجرة في أحد المساجد الثلاثة، وورد أن الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق ببيت المقدس، ومن حج وصلى فيه وفي مسجد المدينة في عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه إلى غير ذلك من خصائصه. قاله الشيخ إبراهيم.
وقال الإمام الحطاب: عند قوله: "إن لم ينو صلاة بمسجديهما" ما نصه: قال أبو الحسن: ظاهرة سواء كانت فريضة أو نافلة، أما إن نوى صلاة الفريضة فلا إشكال، وأما إن نوى صلاة النافلة فلا تضعيف فيها بل في البيوت أفضل، وانظر أواخر الشفا فإنه حكى فيه قولين. الشيخ: إلا أن ينوي أن يقيم أياما يتنفل فيتضمن ذلك صلاة الفرض. انتهى. وفي النوادر: قال ابن حبيب: من نذر أن يصلي عند كل سارية من سواري المسجد ركعتين، قال: يعد السواري ويصلي إلى كل واحدة لكل سارية ركعتين، وهو قول مالك. انتهى. نقله الإمام الحطاب.
وفي كبير الشيخ الخرشي ما نصه: ولو نذر صلاة ركعتين عند كل سارية من سواري المسجد عد سواريه وصلى عند كل واحدة ركعتين. قاله مالك. انتهى.
أو يسمهما؛ يعني أنه كما يشترط في عدم لزوم المشي أو الإتيان إلى الموضعين المذكورين أن لا ينوي صلاة بمسجديهما، وإلا لزم يشترط فيه أيضا أن لا يسمي المسجدين، وأما إن سمى المسجدين بأن قال: علي المشي إلى مسجد الرسول فإنه يلزمه الذهاب إليه، وكذا لو قال: علي أن أمشي إلى مسجد إيلياء فإنه يلزمه الذهاب إليه أيضا؛ لأنه لما سمى المسجدين فكأنه قال: لله علي أن
стр. 3360
أصلي فيهما. والحاصل أنه يلزم الإتيان الناذر بأحد أمرين نية الصلاة بالمسجدين، وتسمية المسجدين، وأولى في اللزوم لو حصلت التسمية مع النية. والله سبحانه أعلم.
فيركب؛ يعني أنه إذا لزمه الإتيان إلى المدينة المنورة لكونه سمى المسجد أو نوى الصلاة به، أو إلى إيلياء لكونه سمى المسجد أو نوى الصلاة به، فإنه لا يلزمه المشي بل له أن يركب في الذهاب إليهما، ولو نذر الذهاب إليهما بلفظ المشي كقوله لله علي أن أمشي إلى مسجد الرسول أو إلى مسجد إيلياء. والله سبحانه أعلم. فإن قيل ما الفرق بين قوله: علي المشي إلى هذين المسجدين وبين المشي إلى مكة فإنه هنا يركب وهناك يمشي، فالجواب عن ذلك من وجهين، أحدهما أن المشي إلى المدينة -مثلا- لا قربة فيه وإنما هو وسيلة إلى ما فيه قربة، والمشي إلى مكة فيه قربة لأنه يحرم من الميقات، ثانيهما أن المشي فيه أنسب لعبادة الحج لأنه يمشي الناسك، وقربة الصلاة منافية للمشي. قاله الشيخ أحمد الزرقاني. نقله غير واحد.
وهل وإن كان ببعضها؛ يعني أن الأشياخ اختلفوا إذا كان هذا الناذر بأحد المساجد الثلاثة والتزم أن يأتي مسجدا آخر من المساجد الثلاثة هل يلزمه الإتيان إليه مطلقا كان الذي هو به فاضلا أو مفضولا؟ وإليه ذهب ابن بشير، فإنه قال: والظاهر من المذهب أنه يلزمه الإتيان، وإن كان الموضع الذي هو فيه أفضل من الموضع الذي التزم المشي إليه، أو إنما يلزمه الإتيان إلى الذي التزم الإتيان إليه إذا كان الذي هو فيه مفضولا، وأما إذا كان الذي هو فيه فاضلا فلا يلزمه الذهاب إلى الآخر الذي التزم الإتيان إليه، كما لو كان بمكة والمدينة والتزم أن يأتي بيت المقدس لصلاة فإنه يصلي بموضعه ولا يلزمه الذهاب إليه، والمقدسي يأتيهما وإليه ذهب اللخمي، وإلى هذا القول أشار بقوله: أو إلا لكونه بأفضل؛ أي أو يلزمه الإتيان إلا أن يكون حين نذره بموضع من المواضع الثلاثة أفضل من الموضع الذي التزم الإتيان إليه فإنه يصلي بمكانه. قال اللخمي: وإن نذر مكي الصلاة بالمدينة أو بالعكس أتاه وذلك أحوط ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك يأتي المكي المدينة بخلاف العكس. وقوله: خلاف، أجاب به عما سبق له من السؤال؛ أي في ذلك خلاف أي قولان مشهران.
стр. 3361
وقد مر عزو كل من القولين إلى قائله، وبين الفاضل منها من المفضول بقوله: والمدينة أفضل؛ يعني أن المدينة أفضل من مكة؛ أي ثواب العمل فيها أفضل من ثواب العمل في مكة شرفهما الله تعالى، وهذا هو المشهور وهو قول أهل المدينة، ويدل له ما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: (المدينة خير من مكة (١)). نقله في الجامع الصغير. وعبارة الشيخ إبراهيم: والمدينة عندنا -وجميع السلف ومنهم عمر -رضي الله تعالى عنه- أفضل المساجد الثلاثة، ثم يليها مكة في الفضل، ثم بيت المقدس أفضل من باقي البقاع ولو المساجد المنسوبة له ﷺ ، كمسجد قباء والفتح والعيد وذي الحليفة وغيرها.
وقال ابن وهب والشافعي وابن حبيب وجمع: مكة أفضل ثم المدينة. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن بيت المقدس لا خلاف في أنه مفضول بالنسبة إليهما، وقال الشيخ عبد الباقي: والمدينة أفضل ثم مكة على قول مالك وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم عظامه ﷺ وهو مراد من عبر بموضع قبره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة ومن السماوات ومن العرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور فلا يتكرر مع الكعبة، ويليه الكعبة فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقا، ونزول المائة والعشرين رحمة عليها دليل لذلك، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر الشريف فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم المسجد عند الجمهور وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي. وقيل: رجع عن ذلك، قال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي (٢))، وعن أبي ذؤيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: (لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه (٣))، قال عمر بن أبي بكر الموصلي: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما زيد في مسجدي فهو منه ولو بلغ ما بلغ.
стр. 3362
والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره ﷺ ما يمس أعضاءه كما مر لا أعم، وإن كان لغير الماس حرمة أيضا كجلد المصحف، قال الدماميني: والروضة تنضم أيضا لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح؛ إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (١)) تعريضا بفضل المدينة؛ إذ لا شك في تفضيل الجنة على الدنيا، وورد في المدينة: من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة، وفي رواية أبي سعيد: لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة؛ أي شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شفيعا لمن مات بعد المصطفى ﷺ ، وشهيدا لمن مات في حياته، وأو للتقسيم لا للشك. قاله عياض. وقال السمهودي: وفيه بشرى للصابرين بها بالموت على الإسلام، وهذه مزية عظيمة زائدة على شفاعته ﷺ وشهادته العامتين، فقد ثبت حديث: من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة، وخبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها أشفع له وأشهد له، ويلي مكة في التفضيل بيت المقدس كما مر، فهو أفضل ولو من المساجد المنسوبة له ﷺ ، كمسجد قباء بالفتح (٢) والمد وذي الحليفة وغيرهما.
واعلم أن القفول أفضل من المجاورة بمكة أو المدينة، وكان عمر ﵁ يأمر الناس بالقفول بعد الحج، قال الشيخ علي الأجهوري: ظاهر كلام أئمتنا استواء دخول مكة ماشيا أو راكبا في الفضل، وصحح الشافعية أن دخول مكة ماشيا أفضل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف: "والمدينة أفضل ثم مكة"، هذا هو المشهور. وقيل: مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض، ونقل عياض وقبله أبو الوليد الباجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة. انتهى. ونقل عن بعضهم أنه قال: الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء، لحلوله -صلى الله
стр. 3363
عليه وسلم- بها، وحكاه بعضهم عن الأثر لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها، قال: لكن قال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة، وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا فيهما والخلاف فيما عدا الكعبة، فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا. انتهى.
ونقل الإمام الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد فيه: فقال: ما أراه ﵇ أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا إلا لما سيكون بعده من مسجده، فإن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى. قال ويحتمل أنه أشار بقوله هذا إلى إخراج ما عداه من مساجده التي تنسب إليه، كمسجد قباء ومسجد الفتح ومسجد العيد ومسجد ذي الحليفة وغيرها.
ولما أنهى الكلام على النذر -وكان هو أحد الأسباب الثلاثة المعينة للجهاد كما يأتي في قوله: "وتعين بفجء العدو"- أعقبه بالكلام، عليه فقال:
стр. 3364
باب: ذكر فيه أحكام الجهاد وما يتعلق به
وهو لغة التعب والمشقة، وفي الشرع قال ابن عرفة: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له أو دخول أرضه له، فخرج قتال الذمي المحارب على المشهور من أنه غير نقض، وقوله: لإعلاء كلمة الله تعالى، يقتضي أن من قاتل لأخذ الغنيمة أو لإظهار الشجاعة أو غيرهما لا يكون مجاهدا، فلا يستحق الغنيمة حيث أظهر ذلك، ولا يجوز له تناولها حيث علم ذلك من نفسه، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر، والصواب كما أفاده علي الأجهوري في حاشية الرسالة أنه يستحق الغنيمة بمجرد القتال مطلقا، وأن الذي يتوقف على قصد الإعلاء هو كونه شهيدا.
ابن عرفة: ويدخل في إعلاء كلمة الله تعالى قتال العوام الكافر لكفره، ومحل نية الجهاد عند الخروج له يدل على ذلك الحديث، ويدل على أنه لا يشترط مقارنة النية للشروع في القتال؛ لأن المحل محل دهش وغفلة، وقوله: أو حضوره له، الضمير في الحضور يعود على القتال، وضمير له يعود على إعلاء أو على القتال، وضمير أرضه يحتمل عوده على الكافر وله على القتال، ويحتمل أن الضمير الأول عائد على الققال، والثاني للققال أو لإعلاء الكلمة.
واعلم أن الجهاد على أربعة أقسام: جهاد بالقلب وهو أن يجاهد الشيطان والنفس عن الشهوات المحرمات وهو الجهاد الأكبر كما في الحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر (١))، وجهاد باللسان كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك جهاده ﷺ للمنافقين قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان، وجهاد باليد كزجر أولي الأمر أهل المناكر والأباطيل والمعاصي وإقامة الحدود على القذفة وشربة الخمر، وجهاد بالسيف وهو قتال المشركين وهو المراد هنا. وحيث أطلق الجهاد في سبيل الله تعالى فلا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قاله الشيخ إبراهيم.
قال الشبراخيتي أيضا: وإنما صار الجهاد حسنا بواسطة كفر الكافرين، فإن الكافر عدو لله تعالى وللمسلمين: فشرع الجهاد إعداما للكافرين وللفرار إلى الدين الحق، وأما مجرد تعذيب عباد الله
стр. 3365
تعالى وتخريب بلاده فليس فيه حسن، وقد قال ﵊: الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب (١))، وسأل نبي من أنبياء بني إسراءيل ﵊ ربه عن تعمير ملوك فارس وقد كانوا عمروا الأعمار الطوال، فأوحى الله تعالى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وفي رواية: أنصفوا عبادي وعمروا بلادي فأدمت لهم الملك. انتهى.
واعلم أن الجهاد من العبادات العظيمة، فقد ورد في البخاري عنه ﵊ أنه قال: (ما من عبد يموت عند الله تعالى له خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لا يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى (٢))، (ولروحة أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها (٣)). وقال ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار (٤))، ولقاب قوس أحدكم أو موضع (٥) قيد -يعني سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها -أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها (٦))، وروى ابن سحنون وابن حبيب أنه قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله (٧))، وفي حديث: (وحج مبرور (٨))، وروى أن الصحابة قالوا: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقال ﵊ لرجل: (لو صمت النهار وقمت الليل ما بلغت نوم المجاهد (٩))، وفي رواية: (ما بلغت شراكه (١٠))، وفي حديث آخر: (ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد (١١))، وروي: مثل المجاهد في سبيل الله كالصائم لا يفطر