← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وقد مر عزو كل من القولين إلى قائله، وبين الفاضل منها من المفضول بقوله: والمدينة أفضل؛ يعني أن المدينة أفضل من مكة؛ أي ثواب العمل فيها أفضل من ثواب العمل في مكة شرفهما الله تعالى، وهذا هو المشهور وهو قول أهل المدينة، ويدل له ما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج: (المدينة خير من مكة (١)). نقله في الجامع الصغير. وعبارة الشيخ إبراهيم: والمدينة عندنا -وجميع السلف ومنهم عمر -رضي الله تعالى عنه- أفضل المساجد الثلاثة، ثم يليها مكة في الفضل، ثم بيت المقدس أفضل من باقي البقاع ولو المساجد المنسوبة له ﷺ ، كمسجد قباء والفتح والعيد وذي الحليفة وغيرها. وقال ابن وهب والشافعي وابن حبيب وجمع: مكة أفضل ثم المدينة. قاله الشيخ إبراهيم. واعلم أن بيت المقدس لا خلاف في أنه مفضول بالنسبة إليهما، وقال الشيخ عبد الباقي: والمدينة أفضل ثم مكة على قول مالك وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم عظامه ﷺ وهو مراد من عبر بموضع قبره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة ومن السماوات ومن العرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور فلا يتكرر مع الكعبة، ويليه الكعبة فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقا، ونزول المائة والعشرين رحمة عليها دليل لذلك، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر الشريف فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم المسجد عند الجمهور وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي. وقيل: رجع عن ذلك، قال أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي (٢))، وعن أبي ذؤيب أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: (لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه (٣))، قال عمر بن أبي بكر الموصلي: بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما زيد في مسجدي فهو منه ولو بلغ ما بلغ.

стр. 3362

والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره ﷺ ما يمس أعضاءه كما مر لا أعم، وإن كان لغير الماس حرمة أيضا كجلد المصحف، قال الدماميني: والروضة تنضم أيضا لموضع القبر في الإجماع على تفضيله بالدليل الواضح؛ إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، فلذا أورد البخاري حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (١)) تعريضا بفضل المدينة؛ إذ لا شك في تفضيل الجنة على الدنيا، وورد في المدينة: من صبر على لأوائها وشدتها كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة، وفي رواية أبي سعيد: لا يصبر أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة؛ أي شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين أو شفيعا لمن مات بعد المصطفى ﷺ ، وشهيدا لمن مات في حياته، وأو للتقسيم لا للشك. قاله عياض. وقال السمهودي: وفيه بشرى للصابرين بها بالموت على الإسلام، وهذه مزية عظيمة زائدة على شفاعته ﷺ وشهادته العامتين، فقد ثبت حديث: من مات بالمدينة كنت له شفيعا يوم القيامة، وخبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها أشفع له وأشهد له، ويلي مكة في التفضيل بيت المقدس كما مر، فهو أفضل ولو من المساجد المنسوبة له ﷺ ، كمسجد قباء بالفتح (٢) والمد وذي الحليفة وغيرهما. واعلم أن القفول أفضل من المجاورة بمكة أو المدينة، وكان عمر ﵁ يأمر الناس بالقفول بعد الحج، قال الشيخ علي الأجهوري: ظاهر كلام أئمتنا استواء دخول مكة ماشيا أو راكبا في الفضل، وصحح الشافعية أن دخول مكة ماشيا أفضل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف: "والمدينة أفضل ثم مكة"، هذا هو المشهور. وقيل: مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض، ونقل عياض وقبله أبو الوليد الباجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة. انتهى. ونقل عن بعضهم أنه قال: الظاهر المتعين تفضيل جميع الأرض على السماء، لحلوله -صلى الله

стр. 3363

عليه وسلم- بها، وحكاه بعضهم عن الأثر لخلق الأنبياء منها ودفنهم بها، قال: لكن قال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة، وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا فيهما والخلاف فيما عدا الكعبة، فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقا. انتهى. ونقل الإمام الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد فيه: فقال: ما أراه ﵇ أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا إلا لما سيكون بعده من مسجده، فإن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى. قال ويحتمل أنه أشار بقوله هذا إلى إخراج ما عداه من مساجده التي تنسب إليه، كمسجد قباء ومسجد الفتح ومسجد العيد ومسجد ذي الحليفة وغيرها. ولما أنهى الكلام على النذر -وكان هو أحد الأسباب الثلاثة المعينة للجهاد كما يأتي في قوله: "وتعين بفجء العدو"- أعقبه بالكلام، عليه فقال:

стр. 3364

باب: ذكر فيه أحكام الجهاد وما يتعلق به وهو لغة التعب والمشقة، وفي الشرع قال ابن عرفة: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له أو دخول أرضه له، فخرج قتال الذمي المحارب على المشهور من أنه غير نقض، وقوله: لإعلاء كلمة الله تعالى، يقتضي أن من قاتل لأخذ الغنيمة أو لإظهار الشجاعة أو غيرهما لا يكون مجاهدا، فلا يستحق الغنيمة حيث أظهر ذلك، ولا يجوز له تناولها حيث علم ذلك من نفسه، قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر، والصواب كما أفاده علي الأجهوري في حاشية الرسالة أنه يستحق الغنيمة بمجرد القتال مطلقا، وأن الذي يتوقف على قصد الإعلاء هو كونه شهيدا. ابن عرفة: ويدخل في إعلاء كلمة الله تعالى قتال العوام الكافر لكفره، ومحل نية الجهاد عند الخروج له يدل على ذلك الحديث، ويدل على أنه لا يشترط مقارنة النية للشروع في القتال؛ لأن المحل محل دهش وغفلة، وقوله: أو حضوره له، الضمير في الحضور يعود على القتال، وضمير له يعود على إعلاء أو على القتال، وضمير أرضه يحتمل عوده على الكافر وله على القتال، ويحتمل أن الضمير الأول عائد على الققال، والثاني للققال أو لإعلاء الكلمة. واعلم أن الجهاد على أربعة أقسام: جهاد بالقلب وهو أن يجاهد الشيطان والنفس عن الشهوات المحرمات وهو الجهاد الأكبر كما في الحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر (١))، وجهاد باللسان كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك جهاده ﷺ للمنافقين قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فجهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان، وجهاد باليد كزجر أولي الأمر أهل المناكر والأباطيل والمعاصي وإقامة الحدود على القذفة وشربة الخمر، وجهاد بالسيف وهو قتال المشركين وهو المراد هنا. وحيث أطلق الجهاد في سبيل الله تعالى فلا يقع إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قاله الشيخ إبراهيم. قال الشبراخيتي أيضا: وإنما صار الجهاد حسنا بواسطة كفر الكافرين، فإن الكافر عدو لله تعالى وللمسلمين: فشرع الجهاد إعداما للكافرين وللفرار إلى الدين الحق، وأما مجرد تعذيب عباد الله

стр. 3365

تعالى وتخريب بلاده فليس فيه حسن، وقد قال ﵊: الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب (١))، وسأل نبي من أنبياء بني إسراءيل ﵊ ربه عن تعمير ملوك فارس وقد كانوا عمروا الأعمار الطوال، فأوحى الله تعالى إليه: إنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وفي رواية: أنصفوا عبادي وعمروا بلادي فأدمت لهم الملك. انتهى. واعلم أن الجهاد من العبادات العظيمة، فقد ورد في البخاري عنه ﵊ أنه قال: (ما من عبد يموت عند الله تعالى له خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لا يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى (٢))، (ولروحة أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها (٣)). وقال ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار (٤))، ولقاب قوس أحدكم أو موضع (٥) قيد -يعني سوطه- خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها -أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها (٦))، وروى ابن سحنون وابن حبيب أنه قيل يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله (٧))، وفي حديث: (وحج مبرور (٨))، وروى أن الصحابة قالوا: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقال ﵊ لرجل: (لو صمت النهار وقمت الليل ما بلغت نوم المجاهد (٩))، وفي رواية: (ما بلغت شراكه (١٠))، وفي حديث آخر: (ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد (١١))، وروي: مثل المجاهد في سبيل الله كالصائم لا يفطر

стр. 3366

والقائم لا يفتر حتى يرجع إلى أهله (١))، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (لموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود (٢))، وقال لرجل له ستة آلاف دينار: (لو أنفقتها في سبيل الله لم تبلغ غبار نعل المجاهد (٣))، وقال: (غزوة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها)، وقال ﵊: ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر. نقله الشيخ إبراهيم. وروى في الموطإ: أنه ﵊ قال: (تكفل الله تعالى للمجاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر ومن غنيمة (٤))، وعن ابن عمر أنه قال: لأن أقف موقفا في سبيل الله تعالى مواجها للعدو ولا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم أفضل من أن أعبد الله تعالى ستين سنة لا أعصيه، وروي أنه ﵊ لم يكن يتلثم من الغبار، وكره مكحول التلثم في سبيل الله تعالى، وقال الحسن: من قلت حسناته وكثرت سيئاته فليجعل الدروب وراء ظهره. نقله المواق. وأشار المص إلى حكم الجهاد بقوله: الجهاد في أهم جهة؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية ويكون في أهم الجهات، فقوله: "في أهم جهة"، متعلق بيكون مقدرا، ومحل قوله: "في أهم جهة"، حيث لم يكن فيهم كفاف لجميع الجهات وإلا وجب سد الجميع كما صرح به الشيخ إبراهيم، ووجب في أهم الجهات دفعا لأهم الضررين، والحاصل أنه إن كان الخوف في جهة واحدة فالأمر ظاهر، وإن كان في أكثر فإن كان فيه أهم فهو واجب فيها وجوب كفاية ارتكابا لأخف الضررين، وهذا حيث لم يكن في المسلمين كفاية لجميعها وإلا وجب سد الجميع، فإن لم يكن أهم فالنظر للإمام في الجهة التي يذهب إليها إن

стр. 3367

لم يكن في المسلمين كفاية لجميعها، وإلا وجب سد الجميع. هذا تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. كل سنة؛ يعني أن الجهاد يجب وجوب كفاية في كل سنة مرة يوب الإمام طائفة ويخرج بنفسه معها أو يخرج بدله من يثق به ليدعوهم للإسلام ويرغبهم فيه ويكف أذاهم ويظهر دين الله تعالى ويقاتلهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، وقوله: "كل سنة"، هذا إذا لم يعاجلونا وكان العدو مأمونا، وإلا قوتلوا بقدر دعاء الحاجة إلى ذلك، وقوله: "كل سنة" منصوب على الظرفية عامله "فرض" أو"الجهاد". قاله الشيخ إبراهيم. وبما قررت علم أن الجهاد واجب وجوب كفاية، سواء كان الخوف في جهة واحدة أو أكثر، ولذلك كان قوله: "في أهم جهة"، متعلقا بيكون مقدراة ولما يتقيد وجوبه وجوب كفاية بكون الخوف في أكثر من جهة، بل هو واجب وجوب كفاية مطلقا، سواء كان الخوف في جهة أو أكثر. والله سبحانه أعلم. وإن خاف محاربا؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية، وإن كان المجاهدون يخافون في طريقهم من المحاربين واللصوص فلا يسقط فرضية الجهاد خوف محارب أو لص؛ لأن قتالهم أهم، ابن شعبان: وقطعة الطريق مخيفو السبيل أحق بالجهاد من الروم؛ أي فإذا كان قتالهم نفس الجهاد لم يتصور أن يعد مسقطا له؛ لأنه بقتالهم يؤدي ما وجب عليه من الجهاد، وفي المدونة: جهاد المحاربين جهاد، وقال ابن عبد السلام: قتالهم أفضل من قتال الكفار، وصوب، وقال ابن ناجي: المشهور أنه ليس بأفضل، وهذا الذي قررت به كلام المص هو الظاهر، وليس معناه إذا كان العدو في جهة والمحارب في جهة وخيف من المحارب عند الاشتغال بقتال العدو: فإن هذا غير ظاهر. انظر حاشية الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: وقدم؛ يعني جهاد العدو على المحاربين إلا أن يشتد خطرهم عنه على قاعدة أخف الضررين. كزيارة الكعبة؛ يعني أن زيارة الكعبة أي إقامة الموسم بالحج تجب كك سنة وجوب كفاية، فإقامة الموسم هي إقامة نسك الحج؛ لأن زيارة الكعبة بلا إقامة الموسم ليست فرضا، فيجب على الإمام أن يرسل جماعة في كل سنة لإقامة الموسم إن كان إمام، وإلا فعلى جماعة المسلمين، ولا

стр. 3368

يكتفى بزيارة الكعبة بطواف فقط أو عمرة، ولما تسقط بخوف المحاربين لأن كل الناس يخاطبون بقتال المحارب وإقامة الموسم، فلا تسقط زيارتها بالمعنى المتقدم في كل عام من الأعوام إلا من عذر لا يستطاع معه الوصول إليها نعوذ بالله تعالى من ذلك. وعبارة الشيخ الأمير: كإقامة نسك الحج، قال في الشرح: فرض كفاية كل سنة، فإن لم يقم به أحد وجب على الإمام تعيين طائفة يظهرون الشعيرة، وأفرد المص قوله: "كزيارة الكعبة" عن نظائره الآتية لاشتراكه مع الجهاد في الفريضة وفي كونه كل سنة، بخلاف بقية النظائر. والله سبحانه أعلم. فإن أقيم الموسم من جمع ولحقهم شخص في الوقوف بعرفة فقد دخل معهم قياسا على مدرك تكبيرة من الجنازة، فإنه يوي الفرض لأنه لا يتحقق القيام بفرض كفايتها إلا بسلامها. قاله الشيخ عبد الباقي. وبها قررت علم أن قوله: فرض كفاية، خبر عن قوله: "الجهاد"؛ يعني أن الجهاد فرض كفاية كل سنة مرة كما تقدم، فليس هو مما يجب مرة في العمر، بل حكمه باق في كل عام، فيجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج بنفسه معهم أو يخرج معهم من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم فيه ويكف أذاهم ويظهر دين الله تعالى عليهم، وما ذكره المص من كون الجهاد فرض كفاية كل سنة هو الذي عليه الجمهور، وحكى ابن رشد وابن الحاجب عليه الإجماع لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لوعده القاعد والمجاهد الحسنى، ولو كان على الأعيان كما قاله ابن المسيب وغيره لكان القاعد بلا ضرورة عاصيا، واحتج لقول ابن المسيب بقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. الآية. وجوابه أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. الآية. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فلو كان واجبا على الأعيان لما وعد القاعد الحسنى، ولم تزل الأمة بعده صلى الله عليه ولمملم تنفر بعضا دون بعض، وقال سحنون: ليس بواجب بعد الفتح البتة إلا أن يأمر الإمام فيجب الامتثال، لقوله ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا (١))، فعلق الوجوب على الاستنفار، وجوابه أن تعليقه لا يأبى

стр. 3369

وجوبه بدونه بدليل منفصل، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وغيره من النصوص، وقوله: "فرض كفاية"، قال الشيخ عبد الباقي: ما لم تكن أطراف البلد آمنة فالجهاد مندوب، قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلامهم أنه فرض كفاية مطلقا، ونقل عن ابن عبد البر أنه نافلة مع الأمن، لكن قد علمت أن الأول أقوى. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: فإن قيل كيف غضب ﷺ على الثلاثة الذين خلفوا مع أنه فرض كفاية؟ فالجواب أنه كان فرض عين على الأنصار لمبايعتهم رسول الله ﷺ على ذلك، فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة. قاله السهيلي في الروض الأنف. في حديث الثلاثة عن ابن بطال. وأما ما ورد من أن سحنونا قال: أردت الغزو فنهاني ابن القاسم فلرجحان المعلم له على الجهاد كما قال ابن عرفة، أو لأنه علم أنهم كانوا لا يغزون على الصواب؛ أي لا يقع من الفساد أو الخيانة والغلول ولا يحافظون على الصلوات في أوقاتها كما قال ابن رشد. انتهى. وقوله: "فرض كفاية"، وكذلك قتال المحارب فرض كفاية يخاطب به كل الناس، فإذا قيم به سقط الوجوب عن غير من قام به. ولو مع وال جائر؛ يعني أن الجهاد من فروض الكفاية ولو مع ولاة الجور الذين لا يضعون الخمس موضعه، قال فيها: ولا بأس بالجهاد مع ولاة الجور. ابن أبي زيد: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وإنما وجب مع الوالي الجائر ارتكابا لأخف الضررين؛ لأن الغزو معه إعانة له على جوره وتركه معه خذلان للإسلام ونصرة الدين واجبة، وكذا يجب مع ظالم في أحكامه أو فاسق بجارحة لا مع غادر ينقض العهد، فلا يجب معه على الأصح، وفي الحديث: (لكل غادر لواء عند استه يعرف به يوم القيامة (١)). وغزا أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توقفه، وممن قال بالغزو معهم عبد الرحمن بن يزيد والنخعي ومجاهد والحسن وابن سيرين وطاووس وسالم بن عبد الله وأبو حنيفة وعمار بن عمير، وقيل لابن عباس: أغزوا مع إمام لا يريد

стр. 3370

إلا الدنيا؟ فقال: قاتل أنت على حظك من الآخرة. وعبارة الشيخ عبد الباقي: "ولو مع وال" أي أمير جيش "جائر" لا يضع الخمس في موضعه، وقال الشيخ إبراهيم "ولو مع وال جائر" في رعيته بأن كان يظلمهم، أو في غنيمته بأن كان لا يضع الخمس في موضعه، لقوله ﷺ : (الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل (١)) ثم قال: وظاهر كلام المص ولو كان جوره بغدر أي عدم الوفاء بالعهد، وحكى القرطبي فيه قولين، وكلامه يقتضي ترجيح عدم القتال معه. انتهى. وكلام القرطبي على نقل الحطاب: وقد مال أكثر العلماء إلى أنه لا يقاتل مع الأمير الغادر بخلاف الجائر والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه والقولان في مذهبنا. انتهى. واعلم أنه قد حض الشرع على تمني الشهادة ورغب فيه، (فقال: من سأل الله الشهادة صادقا من قلبه بلغة الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه (٢)). انتهى. قاله القرطبي. نقله الإمام الحطاب. وقال ابن عرفة: قال أبو عمر في الكافي: فرض على الإمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة يخرج هو بها أو من يثق به، وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور لا خروجهم كافة، والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة، زاد ابن شاس: عنه وعلى الإمام النصفة في الناوبة بين الناس، وعزا القرافي جميع ذلك لعبد الملك، وقال اللخمي عن الداوودي: بقي فرضه بعد الفتح على من يلي العدو وسقط عمن بعد عنه. المازري: قوله بيان لتعلق فرض الكفاية [لمن حضره (٣)]، محل متعلقة قادرا عليه دون من بعد عنه لعسره وإن عصى الحاضر تعلق بمن يليه. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وقوله: على كل، متعلق بقوله: "فرض كفاية". حر؛ يعني أن الجهاد يجب وجوب كفاية على كل من اجتمعت فيه أربعة أوصاف أولها الحرية، احترز بذلك عن العبيد فإنه لا يجب عليهم، ثانيها التكليف وإليه أشار بقوله: مكلف. واحترز بذلك عن الصبي فإن الجهاد ساقط عنه، ثالثها المذكورة وإليها أشار بقوله: ذكر، واحترز

стр. 3371

بذلك عن الإناث فإن الجهاد ساقط عنهن، رابعها أشار إليه بقوله: قادر؛ يعني أنه ينضم إلى الأوصاف الثلاثة القدرة على الجهاد، واحترز بذلك عن العاجز فإن الجهاد ساقط عنه، وسيأتي للمص التصريح بمفهوم هذه الأمور، وأما الإسلام فقد صرح غير واحد بأنه لا يعد شرطا بل يجب على الكافر، فهو داخل في كلام المص، بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهو الصحيح، وممن صرح بذلك الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر وإن قاله غيره كيف؟ وقد عد ابن رشد الإسلام من شروط الوجوب كما نقله المواق. انتهى. وعلم من المص أن من فقد منه أحد الأمور الأربعة يسقط عنه الجهاد وهو كذلك كما علمت، ثم شبه بالجهاد في فرضية الكفاية نظائر لا بقيد كل عام، فقال: كالقيام بعلوم الشرع؛ يعني أن طلب المعلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية، فيجب وجوب كفاية على من فيه أهلية أن يقوم بعلوم الشريعة غير العينية من فقه وأصول وتصوف كما لميارة، وإجماع وخلاف وحديث ومعرفة رواته وتفسير وعقائد وما تتوقف عليه كنحو ولغة، والمراد بالقيام بعلوم الشريعة حفظها وإقراؤها وقراءتها وتحقيقها وتهذيبها، وتعميمها إن قام دليل على تعميمها وتخصيصها إن قام دليل على تخصيصها، ويدخل في القيام بها حفظ القرآن العزيز سوى الفاتحة فإن حفظها فرض عين كما قاله الشيخ ميارة وغيره، وقوله: من فيه أهلية، دخل فيه النساء فيجب على المتأهلة منهن القيام بعلوم الشرع كما كانت عائشة ونساء تابعات، وفسر بعضهم قوله: "كالقيام بعلوم الشرع"، بأنه تعلم المسائل في أي فن من علوم الشرع، "والفتوى" بأنه تعليمها ليلا يقع التكرار في كلام المص. واعلم أن الواجب العيني لا ينحصر في معرفة باب معين، بل يجب على كل مكلف أن لا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ولو بالسؤال عنه، قال الشيخ عبد الباقي: ومما يتوقف عليه عند بعض غير المالكية منطق، واستدل على ذلك بكلام لشرح المطالع وبقول السيد في حاشيته إنه إما فرض عين لتوقف معرفة الله تعالى عليه كما ذهب إليه جماعة، وإما فرض كفاية لأن إقامة شعائر الدين بحفظ عقائده ولا تتم إلا به كما ذهب إليه آخرون. انتهى.

стр. 3372

قال الشيخ محمد بن الحسن: شارح المطالع هو القطب الرازي، ومحشيه السيد الجرجاني وليسا مالكيين بل ليسا من الفقهاء، وحينئذ فلا يحتج لوجوب المنطق بكلامهما، فالصواب إسقاط ذلك، وما ذكره السيد من توقف العقائد على المنطق وتوقف إقامة الدين عليها غير صحيح. وقد قال الغزالي في الإحياء: ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجميع أهل الحديث من السلف إلى أن علم الكلام والجدل بدعة وحرام، وأن العبد أن يلقى الله تعالى بكل ذنب خير له من أن يلقاه بعلم الكلام، ونهى عن قراءة النطق الباجي وابن العربي وعياض، وقال الشاطبي في الموافقات في القضايا الشرعية: إن علم المنطق مناف لها، وقال في الإحياء: معرفة الله سبحانه لا تتحصل من علم الكلام بل يكاد الكلام يكون حجابا عنها ومانعا منها، وقال أيضا: ليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه فيها العوام، وإنما يتميز عنهم بصنعة المجادلة، وحينئذ فإن لم يكن المنطق منهيا عنه فلا أقل أن يكون جائزا. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. والفتوى؛ يعني أن الفتوى من فروض الكفاية، والمراد بها تعليم المسائل في أي فن من فنون الشرع، والمراد بالقيام بعلوم الشرع تعلمها كما مر ذلك فهو من عطف أحد المتقابلين على الآخر، خلاف ما قدمته أول الحل عند قوله: "كالقيام بعلوم الشرع"، ويحتمل أن يريد بالفتوى ما هو المتعارف من تعريف المسائل الفقهية، وأن يراد بالقيام بها المتعلم والتعليم فيكون من عطف الخاص على العام، وقوله: "والفتوى" دليله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية، وقال ﵊: (بلغوا عني ولو آية (١))، وعنه: (أولا (٢) يبلغ الشاهد الغائب (٣))، وعن أبي ذر: لو وضعت الصمصامة على هذا -وأشار إلى قفاه- ثم ظننت أن أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن يجهزوا علي لأنفذتها (٤).

стр. 3373

والضرر عن المسلمين؛ يعني أنه يجب وجوب كفاية دفع الضرر عن المسلين ومن في حكمهم من أهل الذمة، فقوله: "والضرر"؛ أي دفع أو رفع الضرر فهو على حذف مضاف، ومن دفع الضرر إطعام جائع وستر عورة حيث لم تف الصدقات ولما بيت المال بذلك، ومنه تخليص غريق، وإذا أخذ لص مال غيرك وسلمت أنت فحق عليك معاونته، وورد في منتقم منه لعله رءا مظلوما فلم ينصره، ويجب على كل من قدر على دفع مضرة أن يدفع جهده ما لم يخف مضرة، وخوف العزل عن الخطة ليس من المضرة ويدخل في دفع الضرر ما مر من المواساة وهذا أهم، ويدخل فيه أيضا التمريض فهو فرض كفاية، وقد مر قول ابن عرفة: حضور المحتضر وتمريضه فرض كفاية أي حضوره لغير تمريض، وكذا يجب لقط طفل نبذ وحضانته ونفقته إن لم يعط من الفيء وعيادة المرضى، والتوثيق وهو كتب الوثائق وضيافة الوارد والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها ودفع الصائل ونصيحة المسلم وتشميت العاطس. وفي بعض النسخ: والدرء أي الدفع، وهي أولى. والقضاء؛ يعني أن القضاء من فروض الكفاية وهو إنشاء الحكم. قال في الجواهر: والقضاء والقيام بالإمامة من فروض الكفاية لما فيه من مصالح العباد من فصل الخصومات ورفع التهارج وإقامة الحدود وكف المظالم ونصر المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم بالعدل أعلى درجات الأجر وهو من عمل البر، قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال ﵊: (المقسطون على منابر من نور يوم القيامة (١)). والشهادة؛ يعني أن الشهادة من فروض الكفاية أداء وتحملا، فيجب تحملها إن احتيج إليه كما سيقول المص، "والتحمل إن افتقر إليه فرض كفاية"، ومحل كون التحمل فرض كفاية إن وجد أكثر من النصاب وإلا تعين التحمل على النصاب. قاله الشيخ عبد الباقي. وكذا يجب أداؤها وجوب كفاية حيث كان التحملون أكثر من نصاب، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، وفيه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قيل: ليشهدوا في الابتداء وليؤدوا في الانتهاء، وقال إمامنا مالك وغيره: إنما ذلك أن يدعى لأداء ما شهد به قبل ذلك، قال مالك: وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إذا كان ثم من يشهد، وقال الشيخ الأمير

стр. 3374

عاطفا على الواجب الكفائي: وتحمل الشهادة كأدائها وإن كثر التحملون، وهل يتعين بالطلب حينئذ وهو ظاهر قول مالك وآية: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾. اهـ. والإمامة؛ يعني أن الإمامة الكبرى أي الإمارة العظمى من فروض الكفاية؛ أي يجب على الناس نصب إمام عادل. واعلم أن من كان فيه موضع للإمامة العظمى فالاجتهاد في طلب المعلم واجب عليه عينا، ويشترط في الإمام الأعظم أن يكون واحدا إلا أن تبعد الأقطار بحيث لا يمكن إرسال نائب عنه فيجوز تعدده. قاله المازري. وأما إمامة الصلاة فقد مر حكمها في فصل الجماعة فراجعه إن شئت. واعلم أن هذه الأمور الثلاثة أي القضاء والشهادة والإمامة العظمى راجعة إلى دفع الضرر عن المسلمين. قاله الشيخ إبراهيم. والأمر بالمعروف؛ يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية بشرط معرفة كل، وأن لا يؤدي ذلك منه إلى مفسدة أعظم، وأن يظن الإفادة والأولان شرطان في الجواز فيحرم عند فقدهما، والثالث للوجوب فيسقط عند ظن عدم الإفادة. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره الزرقاني من الشروط الثلاثة وأن الأولين في الجواز وأن الثالث في الوجوب هو نص ابن رشد في سماع القرينين. واعلم أن قول المص: "والأمر بالمعروف"، يشمل النهي عن المنكر، فيشمل الأمر الاصطلاحي والنهي نحو: لا تفعل لأنه أمر بالكف كما نصوا عليه. والله سبحانه أعلم. ونظم بعضهم الشروط الثلاثة فقال: معرفة المنكر والمعروف … والظن في إفادة الموصوف والأمن فيه من أشد النكر … كقتل شخص في قيام الخمر أي عند شرب الخمر، وقال النووي: قال العلماء: ولما يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والذي عليه الأمر والنهي لا القبول، قال ابن زكري: الظاهر منه وجوبه مطلقا ولو كان على يأس من الإفادة. انتهى. وينبغي لمن يغير منكرا أن يبتدئ بنفسه ومن تعلق به من أهله ورقيقه وحاشيته، فإن من

стр. 3375

أهمل نفسه وأخذ على غيره استحق المقت عند الله تعالى: قال : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقال جل من قائل: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه في النار فيدور فيها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يافلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولما آتيه وأنهى عن المنكر وءاتيه (١)) والأقتاب الأمعاء وما استدار من البطن، واحدها قتب بالكسر كما في القاموس، ولله در القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم تنبيهات: الأول: يشترط أيضا في المنكر الذي يجب تغييره أن يكون مجمعا على تحريمه أو يضعف مدرك القول بجوازه، كقول أبي حنيفة في شرب النبيذ: فعلينا نهي حنفي عن شربه، وكوطء أمة بالإباحة تقليدا لقول عطاء وأما ما اختلف فيه فلا ينكر على مرتكبه إن علم أنه يعتقد تحليله بتقليد القائل بالحل، كصلاة مالكي بمني في ثوبه مقلدا للشافعي في طهارته بشرط طهارة فرجه قبله عنده، فإن علم أنه يرتكبه مع اعتقاد تحريمه نهي لانتهاك الحرمة، وإن لم يعتقد التحريم ولا التحليل والمدرك فيهما متواتر أرشد برفق من غير إنكار، ولا توبيخ لأنه من باب الورع ولا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن الإمام ولا عدالة الآمر أو الناهي علي المشهور، فيجب على متعاطي الكأس النهي عنها للجلاس، لخبر: مر بالمعروف وإن لم تأته وانه

стр. 3376

عن المنكر وإن لم تجتنبه، وأما قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ لآية، فخرج مخرج الزجر عن نسيان النفس لا أنه لا يأمر. واعلم أنه يشترط في النهي عن المنكر ظهور المنكر من غير تجسس ولا استراق سمع ولا استنشاق ريح ليتوصل بذلك لمنكر، ولا يبحث عما أخفي بيد أو ثوب أو حانوت أو دار فإنه حرام، والظاهر أن حرمة الإقدام على ذلك لا تمنع وجوب النهي عنه بعد ذلك، فما وقع لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يطوف ليلة بالمدينة في عسسه الذي اخترعه من أنه نظر من خلال باب شيخا يشرب خمرا فصعد على جدار البيت ونزل على الرجل، فقال يا أمير المؤمنين: أنا عصيت الله تعالى واحدة وأنت ثلاثا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وأنت قد تجسست علي، وقال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ وأنت أتيت من الجدار، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أي تستأذنوا وأنت لم تستأذن فعفا عنه عمر رضي الله تعالى عنه وخرج وهو يقول: ويل لعمر إن لم يغفر له الله تعالى. انتهى. ليس عفوه عنه مذهبنا فلا يسقط الحد عن شارب الخمر بفعل الإمام ذلك به. قاله الشيخ عبد الباقي. الثاني: أقوى مراتب ذلك اليد ثم اللسان برفق ولين ثم بقلبه وهو أضعفها، ثم لا يضره من ضل وإنكاره بالقلب فرض عين وإطلاق النهي عن المنكر بالقلب فيه تجوز؛ إذ الذي به إنكار المنكر لا النهي عنه، وقد مر أن الأمر بالمعروف يشمل النهي عن المنكر لأن الأمر بالمعروف هو اقتضاء فعله بأي لفظ كان، سواء كان أمرا اصطلاحيا نحو افعل أو نهيا نحو لا تفعل؛ لأنه أمر بالكف عن الفعل خلافا لقول التتائي: يستلزمه. الثالث: في الإحياء: المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة، فالمنع من المكروه مستحب والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل بأنه مكروه فيجب ذكره له. نقله ابن زكري. قال: وهذا أبين والقول بوجوبه في المندوبات غير ظاهر. ابن بشير: في كونه في المندوبات ندبا أو وجوبا قولان، وفي شرح الجوهرة أن المكروهات والمندوبات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع، ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ، وقد مرّ في النهي عن المنكر أنه يشترط فيه أن لا يؤدي إلى مفسدة أعظم منه، قال ابن زكري: وفي ذلك قسمان،

стр. 3377

أحدهما أن يفعل الأعظم في غير الناهي، ثانيهما أن يفعله في الناهي، فالأول اتفق الناس على أنه يحرم النهي عن المنكر فيه. والثاني اختلفوا فيه فمنهم من سواه بالأول نظرا لعظم المفسدة ومنهم من فوق، وقال: والتغرير بالنفوس مشروع في الطاعة لقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، مدحهم بأنهم قتلوا بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله تعالى وما ضعفوا وما استكانوا، وهو يدل على أن بذل النفوس في الطاعة مأمور به، وقتل يحيى بن زكريا بنهيه عن تزويج الربيبة، وقال ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (١))، ومعلوم أنه عرض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة فجعله أفضل الجهاد، ولم يفرق بين كلمة وكلمة كانت في الأصول أو في الفروع من الصغائر أو من الكبائر، فظهر أن المفسدة العظمى إنما تقع إذا كانت من غير هذا القبيل وأما هذا فلا. الرابع: يجب على الآمر بالمعروف أن يكون أمره بمعروف أي رفق، لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ الآية، ولقوله ﷺ : من كانءامرا بمعروف فليكن أمره ذلك بمعروف، وقوله: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (٢))، وقد يقع الغلط في هذا المقام بأن يكون الرفق من مداهنة وخوف وحشة أو نفرة مؤثرة في مال أو جاه، فيلتبس المذموم بالمحمود فلينتبه لذلك وليبالغ في الرفق حتى كأنه عبد يأمر ابنَ سيِّده ويتم له ذلك بأن لا ينظر إلى المأمور نظر عداوة بل نظر ترحم عليه، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه؛ إذ المسلمون كنفس واحدة ولا يراعي فيه جانب المعصية بل يلاحظ حرمة إيمانه وغيره من الطاعات التي تصدر منه، ولله در الإمام الشاذلي رضي الله تعالى عنه حيث يقول: أكرم المؤمنين وإن كانوا عصاة فاسقين وأمُرْهم بالمعروف وانهَهُم عن المنكر واهْجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم، وقد قال رضي الله تعالى عنه: لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما ظنك بنور المؤمن المطيع؟ انتهى. ولما ينظر إليه بما تقتضيه الشريعة فقط، بل ينظر إليه مع ذلك بعين الحقيقة ليعذره، وإن أدى الأمر إلى ضربه أو غيره كشتمه فعل ذلك، وفعله ذلك لا ينافي الرفق

стр. 3378

لأنه منقذ له به من المعاطب كما هو ظاهر، وإذا خيف فوات التغيير بالرفق وكون رفقه غير نافع لزم تغيير المنكر بما أمكن من العنف المفيد للإزالة. قاله العقباني. نقله ابن زكري. وليحذر الآمر مخالطة الهوى فإن صاحب الهوى مخذول والمنتصر لدين الله منصور، فأكثر الناس يقصدون الحق في الإنكار، فإذا رد عليهم اشتدوا لنصرة أنفسهم فانقلب الأمر عليهم وهم يظنون أنهم قاموا لله تعالى وغيرهم يرى ذلك من خاصية الإنكار وهو جهل من الجميع أعاذنا الله تعالى من البلاء. والحاصل أن الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم الحاجة إلى العنف واجب غير شرط فيهما. فاعلم ذلك. الخامس: قال الأئمة: ينبغي للآمر والناهي أن يكون بصورة من يقبل منه ذلك؛ فلا ينبغي للعالم أن يأمر أو ينهى وليس لابسا عمامته أو طيلسانه أو ثيابه التي تميزه ويعرف بها، ويتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يتعلق بالنفس والأهل. قال العقباني: النهي عن المنكر فرض متأكد وواجب متعين، فلا أحد من المخاطبين إلا وقد تعين عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في نفسه وأهله وعياله، لحديث (كلكم راع (١))، وهو على الأئمة والولاة والقضاة وسائر الحكام أوجَبُ وآكَدُ لأنهم متمكنون من التغيير بعلو اليد، وامتثال الأمر ووجوب الطاعة يدل على ذلك قوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ لأن من الأمور ما لا يقدر عليه إلا الحكام، فلا عذر لمن قصر منهم عند الله تعالى؛ لأنه إذا أهمل هؤلاء القيام فجدير أن لا يقدر عليه من هو دونهم من رعيتهم. السادس: في شرح الجوهرة قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يجب على الفور إجماعا، فمن أمكنه أن يأمر بمعروفين وجب عليه الجمع، كمن يرى جماعة تركوا الصلاة فيأمرهم بكلمة واحدة قوموا للصلاة. انتهى. نقله ابن زكري.

стр. 3379

السابع: اعلم بأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند توفر الشروط كبيرة كما صرح به ابن حجر وغيره. قاله ابن زكري. الثامن: اعلم بأنه لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون فاعل المنكر ملابسا لمعصية، بل يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول، كمن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو يطأ بهيمة، فعليه أن يمنعه من ذلك كقتال البغاة وهم على تأويل، وكضرب الصبيان على ملابسة الفواحش، وقتال الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء ولما يمكن دفعهم إلا بقتلهم، وكأن يوكل وكيلا في القصاص ثم يعفو ويخبر الوكيل بالعفو فاسق أو متهم فلا يصدقه وأراد القصاص: فللفاسق الذي أخبره أن يدفعه عن القصاص ولو بالقتل دفعا لمفسدة القتل بغير حق، وكمن وكل في بيع جارية فباعها فأراد الموكل أن يطأها ظنامنه أن الوكيل لم يبعها، وأخبره المشتري أنه اشتراها فلم يصدقه، فللمشتري دفعه ولو بالقتل، وكضرب البهائم للتعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشراس والجماح، وكذا ضرب البهائم لدفع الفساد: وقال الشيخ الأمير عاطفا على الواجب الكفاءي: والأمر بالمعروف إن ظن إفادته ولم يعتقد حله من مدرك قوي، وإلا ندب كالأمر بالمندوب والنهي عن المنكر وليكن باليد ثم باللسان، ثم إن عجز تعين بالإنكار القلبي وحده وتشميت العاطس بعد سماع حمده ولو بمعالجة ورد السلام، ولابد من الإسماع إن كان المسلم حاضرا. انتهى. والحرف المهمة؛ يعني أن الحرف المهمة من فروض الكفاية وهي التي لا يستقيم صلاح الناس إلا بها، كخياطة وحياكة وبناء وبيع وشراء وحجامة، فإذا قام بعض الناس بها سقط وجوبها عن البعض الآخر ولا يجوز تركها جملة، واحترز بالمهمة عن غيرها، كقص الثوب ونقش سقف وجدر وتطريز فإنها لا تجب، بل ربما كان بعضها حراما. ورد السلام؛ يعني أن رد السلام من فروض الكفاية، قال في الرسالة: ورد السلام واجب والابتداء به سنة، والأصل فيما ذكر المص قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وكان ﵊ يرد السلام ويأمر به، وإنما قلنا إنه فرض كفاية لقوله ﵊: (يجزئ عن الجماعة إذا

стр. 3380

مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم (١)). ابن الفاكهاني: وفي إسناده كلام، ويجب رد السلام ولو على قارئ قرآن على المعتمد كما يفيده الونشريسي، خلافا لصاحب المدخل، ويفيد الأول أيضا أنه يسن السلام. واعلم أن المصلي يجب عليه الرد لكن إشارة، ولا يطلب المصلي بالرد عليه بعد فراغه منها، وظاهره أنه يرد بالإشارة وإن كان المسلم أعمى أو في ليل مظلم، كرد سلام غائب في كتاب، وظاهر كلامهم ولو بقي، قال الشيخ عبد الباقي: ويجب على الآكل الرد، قال الشيخ محمد بن الحسن: تقدم عن الحطاب في الأذان أنه يكره السلام على الآكل ولا يرد. انتهى. وفي كتاب الشيخ الأمير: ويجب الرد وإن حال أكل أو قراءة ونحو ذلك على المذهب، وفيه أنه لابد من إسماع الرد إن كان المسلم حاضرا، وفيه أيضا وجوب رد السلام الشرعي وإن بكتاب. انتهى. فيطلب رد سلام غائب في كتاب، ويكره السلام على اللبي والمؤذن والمقيم حال تلبس كل، ولا يردون كراهة حال تلبسهم، ويجب على هؤلاء الثلاثة الرد بعد الفراغ إن استمر المسلم حاضرا لفراغهم، ويجب إسماعه، ويكره السلام أيضا على مستمع خطبة وواطيء وقاضي حاجة ولا يردون كراهة مطلقا كانوا متلبسين أم فرغوا من ذلك ولو استمر المسلم حاضرا، ويشترط إسماع المسلم المطلوب بالسلام حيث كان حاضرا ولم يكن به صمم كما هو الظاهر، وإلا وجب بغير إسماعه كرد سلام مكتوب لشخص فيه سلامه، وهل يجب على الرسول تبليغ السلام وهو ما لابن حجر الهيثمي الشافعي، أو لا يجب وهو ما للناصر اللقاني؟ قاله الأمير. ويسقط فرض الرد عن جماعة قصدوا بالسلام برد واحد منهم لا من غيرهم، والأولى رد الجميع وهل لغير من رد ثواب أم لا، نقل بعضهم عن بعض شراح الرسالة أنه إنما يحصل الثواب لغير من رد إذا نوى الرد وتركه لأجل رد الغير وإلا فلا، وذكر عن الأبي أنه يحصل مطلقا وفيه تعسف، والأولى ما لبعض شراحها، وقال الشيخ بناني: إنه أي ما لبعض شراح الرسالة هو الظاهر، وأما لو قصد بالسلام من الجماعة كبيرا منهم فقط فلا يجزئ رد غيره فيما يظهر، وإن سلم جماعة دفعةٌ على واحد كفاه رَدٌّ واحدٌ، ويجب رد سلام صبي كما في الزواوي على مسلم عن النووي ولا يكتفى

стр. 3381

برده عن البالغين فيما يظهر لعدم خطابه هو بالرد، وذكر النووي أن فيه وجهين عند الشافعية وأصحهما عدم الاكتفاء، ولا تسلم شابة على رجل غير محرم ولا هو عليها، ولا يرد كل منهما على الآخر المسلم. وفي الفيشي عند قوله: "ورد السلام": أي من فروض الكفاية إلا على قارئ أو قاضي حاجة أو مستمع خطبة أو ملب أو مؤذن، فلا يجب عليهم الرد، وما عدا هؤلاء الخمسة يجب عليه الرد، والنظم الذي نقله التتائي وغيره من المالكية عن ابن العماد لا يجري على قواعد المذهب، وإنما هو مذهب الشافعي. والابتداء بالسلام سنة كفاية وهو أفضل من الرد على ما عليه غير واحد، وللسيوطي رحمه الله تعالى: الفرض أفضل من تطوع عابد … حتى ولو قد جاء منه بأكثر إلا التطهر قبل وقت وابتدا … ء بالسلام كذاك إبرا معسر قال الشيخ محمد بن الحسن: إنما كان إبراء العسر والوضوء قبل الوقت أفضل لاشتمالهما على الواجب والمندوب معا. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وقد يستوي ثواب الواجب والمندوب كما في حديث صاحب الصف وصاحب الجمعة: (لا يفضل هذا على هذا ولا هذا على هذا (١))، قال بعض من شرحه: أي الملازم على الصلاة في الصف الأول، والملازم على صلاة الجمعة في الأجر سواء لا يفضل هذا على هذا ولا هذا على هذا، بل هما متعادلان في حيازة الثواب ومقداره، ويحتمل في الحيازة دون المقدار. انتهى. ولم أر لغيره ما يخالفه. انتهى. وقول عبد الباقي: قال بعض من شرحه الخ، قال الرهوني على هذا حمل المنوي في شرحه الحديث المذكور: والحديث في الجامع الصغير وهو في الجامع الكبير أيضا، وقال فيه بعد أن ذكر الحديث ما نصه: أخرجه أبو نصر محمد بن الحسن بن عبد الملك القزويني والرافعي عن ثوبان،

стр. 3382

قال الرافعي: كأنه يريد صف القتال. انتهى منه بلفظه. وبه تعلم ما في قول الزرقاني، ولم أر لغيره ما يخالفه ويظهر لك أنه لا شاهد فيه لما قاله الزرقاني. والله أعلم. انتهى. كلام الرهوني. وفي مختصر الوقار: وإذا علم رجل من إنسان أنه يثقل بسلامه عليه فإنه يجوز له ترك السلام عليه ولا يدخل في الهجران المنهيّ عنه. انتهى. قلت: وربما يستفاد من هذا أن من علم من شخص أنه إذا سلم عليه لا يرد ﵇ فإنه يجوز له ترك السلام عليه، بل هذا أولى، وفي أذكار النووي أنه يسلم عليه. انتهى. ما قاله علي الأجهوري. انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم وغيره: الجزولي: يجوز أن يسلم الشاب على المتجالة والمتجالة عليه. انتهى. ويجوز رد السلام على أهل الذمة من غير إيجاب، وفي الحطاب أنه يكره السلام على أهل الباطل وعلى أهل اللهو حال تلبسهم به وعلى لاعب الشطرنج، ويكره السلام على أهل البدع والمعاصي والظالم والكافر والآكل والقارئ، ويجب على القارئ الرد ولو في أثناء آية، قال الشيخ ميارة: ولبعضهم في جمع النظائر التي لا يسلم فيها على الإنسان وإن سلم عليه فلا يرد: رد السلام واجب إلا على … من في صلاة أو بأكل شغلا أو شبر أو قراءة أو أدعيه … أو ذكر أو خطبة أو بتلبيه أو في قضاء حاجة الإنسان … أو في إقامة أو الأذان أو سلم الطفل أو السكران … أو شابة يخشى بها افتتان أو فاسق أو ناعس أو نائم … أو حالة الجماع أو تحاكم أو كان في الحمام أو مجنونا … فواحد من بعدها عشرونا

стр. 3383

وتجهيز الميت؛ يعني أن تجهيز الميت -يعني المسلم- من فروض الكفاية، والمراد بتجهيزه مؤن دفنه على ما مر، فالغسل يجب على أحد قولين، ويجب الكفن والدفن وغيرهما على ما مر إلا أن ما مر لا يستفاد منه وجوب الكفاية، فنبه على ذاك هنا، أما الكافر فلا يجهز بل يوارى فقط. وفك الأسير؛ يعني أنه يجب على المسلمين وجوب كفاية فداء الأسير المسلم، فيجب عليهم فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم وإن لم يقدروا أي المسلمون على فدائهم إلا بجميع ما يملكون فذلك عليهم، فإن كان بماله -أي الأسير- أو من الفيء فلا يكون فرض كفاية حتى يتعلق بالمسلمين كما قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وفك الأسير": حيث كان بمال المسلمين ولو أتى على جميع مالهم لوجوب خلاصه كفاية بالنفس، فكيف بالمال؟ وأما إن كان بماله أو من الفيء فلا. انتهى. وهو عين ما للشيخ عبد الباقي. القرافي: يكفي في سقوط فرض الكفاية ظن الفعل لا تيقنه. وتعين بفجء العدو؛ يعني أن الجهاد وإن كان من فروض الكفاية قد يعرض له من الأمور ما يتعين به أي يصير به فرض عين لا يجوز تركه لأحد، فلا يقوم به أحد عن أحد كما إذا فجأ العدو قوما أي أتوهم بغتة ولهم قدرة على دفعهم أو قاربوا دارهم ولو لم يدخلوها، فيلزم كل أحد دفع العدو والخروج إليهم. وإن على امرأة؛ يعني أنه لا فرق في وجوب الدفع عينا عند فجء العدو بين الرجال والنساء، وكذا يجب على العبيد والصبيان المطيقين للقتال. الجزولي: ويسهم إذ ذاك للعبد والمرأة والصبي؛ لأن الجهاد صار واجبا عليهم، وأما حيث لم يفجأهم العدو فلا يجب عليهم، ولذا لا يسهم لهم. نقله الشيخ بناني. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وإن على امرأة": أو عبد أو صبي أو عاجز لعذر يسقط عنه الفرض كما في حلولو، ويأتي أنه يتعين بتعيين الإمام فبالفجء أولى. انتهى. وقوله: "وإن على امرأة"، قال الشيخ إبراهيم: مبالغة في تعين كما قال ابن غازي؛ أي وإن كان التعين على امرأة لا في فجء كما قال الشارح؛ إذ لا كبير فائدة فيه لأنه لا خصوصية للمرأة؛ لأن العدو إذا فجأ ولو على درهم مثلا تعين. وعلي قربهم إن عجزوا؛ يعني أنه يتعين الجهاد على من هو قريب من القوم الذين فجأهم العدو إذا عجز الذين فجأهم العدو عن الدفع عن أنفسهم، ومحل تعينه على من بقربهم إن لم يخشوا

стр. 3384

معرة على نسائهم وبيوتهم من محدو بتشاغلهم بإعانة من فجأهم العدو وإلا تركوا إعانتهم. وعبارة الشبراخيتي عند قوله: "وعلى قربهم إن عجزوا": عن دفعه ما لم يخافوا معرة العدو، فإن خافوها بأمارة ظاهرة لزموا مكانهم قاله سحنون. وقوله: "قربهم"؛ أي ذي قربهم أو قرب بمعنى مقارب. قاله الشيخ إبراهيم. وبعيين الإمام؛ يعني أن الجهاد يتعين أي يصير فرض عين بتعيين الإمام، فإذا عين أحدا للجهاد لزمه ولو صبيا مطيقا للقتال كما في النوادر أو امرأة أو عبدا أو ولدا أو مدينا، ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج والسيد والأبوان ورب الدين. قاله الشيخ عبد الباقي. قال محشية سيدي محمد بن الحسن بناني: قول الزرقاني ولو لصبي مطيق للقتال كما في النوادر لخ، إنما عزاه المواق للنوادر عند الكلام على مفاجأة العدو، ولم يذكره في تعيين الإمام أصلا -نعم- لما قال ابن الحاجب: ويتعين على من عينه الإمام مطلقا قال في التوضيح ما نصه: يحتمل قوله مطلقا كانوا من أهل الجهاد أم لا، كالعبد والمرأة فإنهما حينئذ يلزمهما الخروج، ونص عليه ابن شاس. انتهى. قلت: وفيه نظر، فإن ابن شاس إنما ذكر العبد والمرأة في مسألة نزول العدو لا في تعيين الإمام فانظر ذلك، وأما الصبي فلم أر من ذكره هنا في تعيين الإمام على أن توجيه خطاب الوجوب إلى الصبي خرق للإجماع، انتهى. كلام الشيخ بناني. مسألة: قال ابن عرفة: الشيخ عن ابن المواز: أيغزى بغير إذن الإمام؟ قال: أما الجيش والجمع فلا إلا بإذن الإمام وتولية وال عليهم، وسهل مالك لمن قرب من العدو ويجد فرصة ويبعد عليه الإمام. محمد: كمن هو على يوم ونحوه، ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن طمع قوم بفرصة في عدو قربهم وخشوا إن أعلموا إمامهم منعهم فواسع خروجهم وأحبُّ استيذانهم إِياه، وقال ابن حبيب: سمعت أهل المعلم يقولون: إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو، وفي الشامل: ولا يجوز خروج جيش دون إذن إمام وتوليته عليهم من يحفظهم إلا أن يجدوا فرصة عدو وخافوا فواته لبعد الإمام أو خوف منعه، وحرم على سرية بغير إذنه ويمنعهم الغنيمة أدبا لهم إلا أن يكونوا جماعة لا يخشون عدوا فلا يمنعهم الغنيمة. انتهى.

стр. 3385

لكنهم أخطئوا لخروجهم بغير إذن الإمام، ويقاتل ويبارز بدون إذن الإمام إن كان غير عدل وإلا فلات وإنما يفترق العدل وغيره في الاستئذان لا في الطاعة إذا أمر بشيء أو نهى عنه، فيطاع ما لم يأمر بمعصية فلا يطاع. والحاصل أنه لا يخرج أحد إلا بإذن الإمام إذا حضر وكان عدلا، وإن كان غائبا وتبينت غرة ولم يخافوا على أنفسهم ولم يغروا بها فلهم ذلك، وأما غير العدل فيقاتل ويبارز بغير إذنه ولا يستاذن الإمام عند المفاجأة، لكن إن نزل العدو بساحتهم والوالي قريب استأذنوه، فإن كان بعيدا فلا يدعوهم حتى يقعوا بهم بل يقاتلونهم، وفي سماع زونان وهو عبد الملك بن الحسن سئل عبد الله بن وحب عن القوم يواقفون العدو، هل لأحد أن يبارز بغير إذن الإمام؟ فقال: إن كان الإمام عدلا لم يجز له أن يبارز إلا بإذنه، وإن كان غير عدل فليبارز وليقاتل بغير إذنه، قلت له: والمبارزة والقتال عندك واحد؟ قال: نعم. وسقط بمرض؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية يسقط وجوبه بالمرض الشديد، لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وأما إذا تعين بفجإ العدو فلا يسقط كما قاله الشيخ الخرشي، ولفظه: والمعنى أن المرض الشديد يمنع من وجوب الجهاد ما لم يفجأ العدو. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وإنما يجب على ذكر مكلف حر قادر، فعلم سقوطه بأضدادها، وتعين على كل أحد بفجإ العدو. انتهى. وصبا؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية وجوبه ساقط عن الصبي، فلا يجب عليه، وأما إن تعين بفجإ العدو فلا يسقط عنه وجوبه كما مر، وفيه أن الصبي لا يخاطب بالوجوب إلا أن يريدوا بذلك جبره عليه كمكارم الأخلاق. قاله الشيخ الأمير. وجنون؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عن المجنون. وعمى؛ يعني أن الأعمى ساقط عنه وجوب الجهاد. وعرج؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عن الأعرج، وظاهر قول الأمير: وتعين على كل أحد بفجء العدو شموله للأعرج، ونحوه للشيخ إبراهيم. والله سبحانه أعلم. وأنوثة؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية ساقط وجوبه عن النساء، وأما إن تعين بفجء العدو فلا يسقط بالأنوثة ولا بالرق ولما بالصبا، ففاعل سقط ضمير يعود على فرض الكفاية.

стр. 3386

وعجز عن محتاج له؛ يعني أن الجهاد ساقط وجوبه عمن عجز عما يحتاج إليه من السلاح والركوب عند الحاجة ونفقة الذهاب والإياب، فيعتبر ما يرد به وإن لم يخش ضياعا لشدة العذر في محل العدو أقوى من الحج، وقد مر للشبراخيتي عند قول المص: "وتعين بفجء العدو وإن على امرأة"، ما نصه: أو عبد أو صبي أو عاجز لعذر يسقط عنه الفرض كما في حلولو. ورق؛ يعني أن الجهاد الذي هو فرض كفاية ساقط وجوبه عن الرقيق، فليس له جهاد بغير إذن سيده بخلاف ما إذا تعين بفجء العدو فلا يسقط بالرقية كما مر. ودين حل؛ يعني أن الدين الحال يسقط عمن هو عليه وجوب الجهاد كفاية إذا منعه رب الدين من الخروج وكان قادرا على وفائه، فإن لم يقدر على وفائه خرج بغير إذن رب الدين فلو حل في غيبته وكل من يقضيه عنه، فلو لم يوكل لعدم ما يقضيه منه الآن وحصوله ببيعه وشرائه لكان له منعه ويسقط حينئذ، واستشكل سقوط خطابه مع القدرة على وفاء الحال بأنه إن ترك وفاءه مطلا ترتب عليه ترك فرض الكفاية، وترك أداء الدين وإن وفاه فلا وجه لسقوط الكفاية عنه، وأجيب بحمله على ما إذا احتاج لبيع عروضه. كوالدين في فرض كفاية؛ يعني أن فرض الكفاية جهادا أو غيره ولو علما كفائيا يسقط وجوبه بمنع الأبوين أي من السفر له، وكذا يسقط بمنع أحدهما مع إجازة الآخر، وأما العيني فليس لهما ولا لأحدهما المنع من السفر له، وقال أبو بكر الطرطوشي. بضم الطاء: لو منعه أبواه من الخروج للفقه والكتاب والسنة ومعرفة الإجماع والخلاف ومراتبه ومراتب القياس، فإن كان ذلك موجودا ببلده لم يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج، ولا طاعة لهما في منعه لأن تحصيل درجات المجتهدين فرض كفاية، لكن اعترضه القرافي بأن طاعة فرض عين لا تسقط لأجل فرض الكفاية. نقله الشيخ بناني. ومفهوم قوله: "فرض كفاية" أنه لو كان فرض عين لم يحتج لإذنهما وهو كذلك، لكن قال القرطبي في شرح مسلم: إذا تعين الجهاد وكان والداه في كفاية ولم يمنعاه أو أحدهما بدأ بالجهاد، فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهعا فيبدأ به، فلو كانا في كفاية ومنعاه لم يلتفت لمنعهما لأنهعا عاصيان بذلك المنع. انتهى. ومذهب المدونة ما قاله المص. قاله الإمام الحطاب.

стр. 3387

وسئل مالك عن الرجل من أهل الأندلس وأراد أن يلحق بالمصيصة والسواحل وله ولد وأهل بالأندلس، أترى له في ذلك سعة؟ قال: نعم، ثم قال: أيخشى عليهم الضيعة؟ قال: نعم، فكأنه لم يعجبه ذلك حين خاف الضيعة، قال ابن رشد: وهذا كما قال لأن قيامه عليهم وترك إضاعتهم واجب عليه، خلاف الغزو والرباط لا ينبغي لأحد أن يضيع فرضا واجبا عليه بما هو مندوب إليه. انتهى. قاله الإمام الحطاب وقوله: "كوالدين"، سواء منعا منه أو أحدهما وسكت الآخر فيسقط وجوبه، وأما لو منع أحدهما وأجاز الآخر فينبغي تقديم المانع. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي المدونة: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه منعه، قال ابن محرز: هذا على مقتضى الحكم، ولو سئل على مقتضى البر لقال له منعه. انتهى. وإن منعه أحد الوالدين من نكاح امرأة وجبت عليه الطاعة، إلا إن خشي الوقوع معها في معصية بولوعه وصبابته بها. والله تعالى أعلم. قاله في نوازل ابن هلال. ونقل جسوس عن ابن حجر أن الولد لو أمره والده بنحو فراق حليلته لم تلزمه طاعته وإن تأذى بذلك كثيرا، والظاهر أنه إذا فعل معه ما لا يسميه الناس إذاية فإن ذلك لا يكون عقوقا، وإن لم يقنع بذالك منه. انتهى منه على الشمائل للترمذي. كتجر ببحر؛ يعني أن الوالدين لهما أن يمنعا الولد من التجر ببحر لا فيه من الخطر أي الغرر، أو خطر، بكسر الطاء؛ يعني أن الوالدين لهما أن يمنعا الولد من السفر في البراري الخطرة أي ذات الخطر بفتح الطاء أي الغرر، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع، وهذا في سفر البحر لمعاشه، وأما إن كان للفضول فيمنعه ولو في البر الآمن. قاله الشيخ إبراهيم. وقال: إنهما لا يمنعانه من المعلم الكفائي إذا خلا محلهما عمن يقوم بفرض الكفاية، وقوله: "كتجر ببحر" الخ، كذا في بعض النسخ وهي الصواب، وفي بعضها بإسقاط قوله: "كتجر"، وفيها نظر إذ لهما منعه من فرض الكفاية ببر آمن. لا جد؛ يعني أن الجد والجدة وإن كان يجب برورهما لا يبلغ بهما مبلغ الوالدين في المنع له مما ذكر، قال سحنون: وأحب إليَّ أن يسترضيهما يعني الجد والجدة ليأذنا له، فإن أبيا فله أن يخرج، وقيل إن الأجداد في البر كالأباء فلا يجوز الخروج إلى الجهاد إلا بإذنهما، ذكره في الإكمال، وقوله: "لا جد"؛ أي وإن كان دنية، وكذا الجدة.

стр. 3388

والكافر كغيره في غيره؛ يعني أن الوالد الكافر أبا أو أما كالوالد المسلم في أنه الولد من السفر لفروض الكفاية إلا الجهاد، فليس له المنع منه، ونقل عن سحنون أن لهما المنع من الجهاد إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا الإسلام. انتهى. ويظهر من كلام الشيخ بناني أن تفصيل سحنون هذا مقابل لا تقييد للمذهب. والله سبحانه أعلم. ودعوا للإسلام؛ يعني أنه لا يقاتل العدو حتى يدعوا إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسئلوا عنها فتبين لهم سواء بلغتهم الدعوة أم لا، وتكرر الدعوة ثلاثة أيام متوالية كالمرتد، وقيل ثلاث مرات في كل يوم. قاله الشاذلي. وقوله: "ودعوا للإسلام"، قال الشيخ إبراهيم: وجوبا ثلاثة أيام، كما قال الفاكهاني خلافا لابن عرفة في أنها ثلاث مرات، وقوله: "للإسلام"؛ أي لما يحصل به الإسلام المعتبر، حتى يدخل في ذلك من يقر بالشهادتين إلا أنه يزعم عدم عموم رسالة نبينا محمد ﷺ ، وقوله: "ودعوا للإسلام"؛ أي ما لم يعاجلونا بالقتال، فإن عاجلونا به وجب ترك الدعوة جميعها إلا أن يمكن فعل بعضها فيجب فعل ما أمكن فعله. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر قوله كالمرتد؛ -يعني ما تقدم عن الشاذلي- أن كل مرة فرض، وأن كل مرة في يوم، فإذا دعوا في اليوم الثالث أوله قوتلوا أول الرابع بغير دعوة، والمراد بالإسلام ما يحصل به الإنقاذ من الكفر وهو الشهادتان فيمن لم يقر بمضمونهما، وعموم رسالة المصطفى ﷺ فيمن ينكر العموم، فمراده تدعى كل فرقة إلى الخروج عما كفرت به. انتهى. وقال الشارح أحمد بن عبد الله الدميري تاج الدين بهرام: واختلف الأشياخ في الدعوة، فمنهم من يرى أن المذهب كله على وجوبها فيمن بعدت داره عن المسلمين، ومنهم من يرى أن المذهب على أقوال ثلاثة وجوبها وعدمه والفرق، فتجب فيمن بعدت داره بخلاف غيره، فلا يدعوا لعلمهم بالدعوة ولتطلب غرتهم، ومنهم من زاد قولا رابعا الفرق فإن كان جيش المسلمين كثيرا آمنا وجبت وإلا فلا. ابن عبد السلام: جعل الخلاف في الوجوب لا تساعده الروايات إذا تأملت ألفاظها. والذي لا شك فيه أنه إذا لم يعلم حال العدو وهل بلغته الدعوة أم لا أن الدعوة مستحبة لأن الغالب بلوغها إليه، وإن انضاف إلى ذلك رجاء الإجابة وجبت. ثم جزية؛ يعني أنه إذا دعونا العدو للإسلام فامتنعوا من قبوله فإنهم يدعون إلى أداء الجزية إجمالا إلا أن يسئلوا عن تفصيلها فتبين لهم،

стр. 3389

قال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: ولا يقاتل المشركون ولا يبيتوا حتى يدعوا إلى الله ورسوله، فيسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال ابن القاسم: وكذلك إذا أتوا إلى بلادنا. وقوله: بمحل يؤمن، متعلق بدعوا وبالإسلام والجزية. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: يحتمل تعلقه بدعوا أو بجزية أو بهما. قاله التتائي. انتهى؛ يعني أنهم إنما يدعون إلى الجزية إذا كانوا بمحل يؤمن على المسلمين، منهم بأن يكون من الأماكن التي لا يخشى فيها على المسلمين وإلا دعوا إلى الانتقال إلى محل يؤمن كما نص عليه الشيخ الأمير. وقوله: "بمحل يؤمن": أي بحيث تنالهم أحكامنا، وقال الإمام الحطاب عند قوله: "بمحل يؤمن": أي إنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا بمحل يؤمن عليهم من الرجوع إلى الكفر، وكذلك إذا أجابوا إلى الإسلام. قاله أبو الحسن عن ابن يونس. انتهى. وإلا، أي وإن لم يجيبوا للجزية أو أجابوا لها ولكنهم بمحل لا يؤمن بأن يكونوا بمحل لا تنالهم فيه أحكامنا ولم يرتحلوا إلى بلادنا أو خيف من دعوتهم إلى الإسلام أو الجزية أن يعاجلونا بالقتال قوتلوا. أي نأخذ في قتالهم، وإذا شرعنا في قتالهم وقدرنا عليهم قتلوا أي جاز قتلهم، إلا المرأة؛ يعني أنه يجوز قتلهم إذا قدرنا عليهم، إلا المرأة فإنها لا تقتل إذا قدر عليها، فقوله: "إلا المرأة"، مستثنى من نائب "قتلوا"، وقوله: إلا في مقاتلتها، مستثنى من الاستثناء قبله؛ يعني أنه لا يجوز قتل المرأة إلا إذا قاتلت فتقتل إن قتلت بسلاح أو حجارة أسرت أم لا، وكذا تقتل أيضا إن قاتلت بسلاح ونحوه كالرجال أسرت أم لا عند ابن القاسم، قال ابن زرقون: وهو الصحيح، ونقل عن الفاكهاني أنه المذهب، فإن قاتلت برمي حجارة ونحوها لم تقتل بعد الأسر اتفاقا، ولا في حال المقاتلة على الراجح، فالأقسام ثمانية فيستثنى من قوله: "إلا في مقاتلتها" هذان الأخيران. فتحصل من هذا أن النساء لا يقتلن بصياحهن وحراستهن واستغاثتهن وإن شعرن في مدح القتال وذم الفرار، وفي الصحيحين (أنه ﵊ رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان (١)). ابن عبد البر: وأجمع العلماء على ذلك، والصبي؛ عطف على قوله: "إلا المرأة"؛ يعني أن الصبي المطيق للقتال لا يقتل إلا أن يقاتل فيكون كالمرأة في الأقسام الثمانية،

стр. 3390

قاله الشيخ عبد الباقي. وما ذكره من أن الصبي كالمرأة في الأقسام الثمانية، قال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح، ففي ابن عرفة: يقتل كل مقاتل حين قتاله. ابن سحنون: ولو كان شيخا كبيرا، وسمع يحيى ابن القاسم: وكذا المرأة والصبي، ولو قال المص: إلا المرأة والصبي إلا في قتالهما لأجاد، فإن شك في بلوغ الصبي كشف عن مئزره واعتبر نبات شعر العانة، وقيل لا يعتبر حتى يحتلم. تنبيه: اعلم أن المذهب أن اللص يدعى إلى التقوى، فإن أبى قوتل كان بطريق أو أتى إلى محله، وكذا إن نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله تعالى، فإن أبوا فالسيف. والمعتوه؛ يعني أن المعتوه وهو الضعيف العقل لا يحل قتله وكذا المجنون إلا أن يفيق أحيانا ويجن أحيانا. قاله غير واحد. وبما قررت علم أن قوله: "والمعتوه"، عطف على قوله: "إلا المرأة". كشيخ فان، تشبيه في عدم جواز القتل؛ يعني أن الشيخ الفاني الذي لا بقية فيه للقتال ولا تدبير له وهو من الكفار لا يجوز قتله، قال الإمام الحطاب: وأما الشيخ الفاني الذي لا يخشى منه نكاية ولا يتقى من رأيه غائلة فلا إشكال أنه لا يقتل وهو مذهب المدونة. انتهى. وزمن؛ يعني أن الزمن من الكفار وهو المريض بإقعاد أو شلل أو فلج أو جذام أو نحو ذلك بحيث لا نكاية فيه للعدو لا يجوز قتله، وأعمى؛ يعني أن الأعمى من الكفار لا يجوز قتله وهو من جملة الزمنى، فهو عطف خاص على عام. وفي الشبراخيتي ما نصه: والمراد بالفاني من لا يطيق القتال وكذا الزمن، هذا هو الظاهر. انتهى. وراهب منعزل؛ يعني أن الراهب وهو عابد النصارى لا يجوز قتله حيث كان منعزلا بدير أو صومعة؛ يعني أن ما تقدم من أن الراهب المنعزل لا يقتل محله حيث كان منعزلا بدير أو صومعة، والدير خان النصارى والصومعة من مساكن العباد، وأما إن انعزل بكنيسة فإنه يقتل لمخالطته أهل دينه كمنعزل بغيرها وله رأي. وقوله: بلا رأي، قيد فيما بعد الكاف؛ يعني أن الشيخ الفاني والزمن والأعمى والراهب المنعزل بدير أو صومعة محل عدم جواز قتلهم إنما هو حيث كانوا لا رأي لهم ولا تدبير بأن يكون الشيخ الفاني خرفا لا بقية فيه، وإلا جاز قتلهم، وأما المرأة فالرأي في ترك رأيها، والحكمة في حرمة

стр. 3391

قتل هؤلاء الأصناف السبعة أن إتلاف النفوس لا يباح إلا مع ما يقتضي رفع المفسدة ومن لا يقاتل ولما هو أهل للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فرجع إلى الأصل فيهم وهو المنع من قتلهم لا لفضل ترهب الراهب، بل هو أبعد عند الله تعالى من غيره، وفي الحديث: (لا تقتلوا أهل الصوامع (١)): وفيه: (الآدمى بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب (٢))، واستثناء هؤلاء الأصناف السبعة يفيد قتل الأجراء من الكفار والحراثين وأهل الصناعات وهو كذلك على أحد قولين، والآخر لا يقتلون وهو المشهور كما في حاشية الشيخ بناني، ومحل هذا الخلاف حيث لم يخش منهم وأمنت جهتهم، وفي الحطاب: وأما ذوو الأعذار من الزمنى والمرضى والعميان والشّلِّ والعُرْج، فإن خشي منهم في الحال لما يكون من [خيانة (٣)]، غيرهم وعلمهم بمصالح الحرب فلا خلاف أنهم يقتلون جميعا، وإن كان لما يتوقع منهم في ثاني حال، فأما المريض فإن كان شابا فالنظر فيه إلى الإمام كسائر الأسرى، وإن كان شيخا فلا يقتل إذا كان صحيحا فكيف إذا كان مريضا، وأما من عداهم من سائر الزمنى وذوي الأعذار فقد اختلف المذهب في جواز قتلهم على قولين بعد الاتفاق على جواز أسرهم. وترك لهم الكفاية فقط؛ يعني أن الرهبان وكذا غيرهم ممن لا يقتل إذا رأى الإمام إطلاقهم والمن عليهم -إذ الرهبان لا يسبون حتى يطلقوا- يترك لهم ما يكفيهم لظن اليسرة، قال الشيخ عبد الباقي: من مال الكفار، ويقدم مالهم على مال غيرهم، فإن لم يكن للكفار مال وجب على المسلمين مواساتهم. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قول الزرقاني: من مال الكفار، غير صحيح وصوابه من مالهم فقط. انتهى. استغفر قاتلهم؛ يعني أن من قتل أحدا من هذه الأصناف التي لا يجوز قتلها قبل أن يصير مغنما لا شيء عليه من دية ولا كفارة، ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه. واعلم أن كل من لا يقتل يجوز سباؤه إلا الراهب والراهبة، وقوله: "واستغفر قاتلهم"، قال الشيخ إبراهيم: ولا شيء عليه من دية ولا كفارة، والمراد بالاستغفار حيث أطلقه الفقهاء التوبة بشروطها، وهذا فيما عدا

стр. 3392

الراهب والراهبة المنعزلين بدير أو صومعة بلا رأي، فإن على قاتلهما ديتهما لأنهما حران كما يأتي. اه. وسيأتي ما فيه. كمن لم تبلغه دعوة؛ يعني أن من قتل أحدا ممن لم تبلغه دعوة نبينا محمد ﷺ لا شيء عليه من دية ولا من كفارة ولو قتله في غير جهاد، ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه، وعن بعض البغداديين: لو ثبت أن المقتول كان متمسكا بكتابه وأنه مؤمن بنبيه على حسب ما اقتضاه كتابه ولكنه لم يعلم ببعث نبينا محمد ﷺ ، فإن فيه الدية حكاه المازري. وإن حيزوا فقيمتهم؛ يعني أن من قتل من يجوز أسر من هذه الأصناف وهم من عدا الراهب والراهبة بعد أن حيزوا وصاروا مغنما، يلزمه أن يغرم قيمتهم يجعلها الإمام في الغنيمة، ولفظ الغنيمة يدل على أن هذا الحكم فيمن هو حر. والرهب والراهبة حران؛ يعني أن الراهب والراهبة المنعزلين بدير أو صومعة بلا رأي حران، فلا يؤسران ولا يسترقان، وما تقدم من أنه لا دية في قتل من نهي عن قتله إنما هو قبل أن يصيروا في الغنم، وما ذكره الخرشي عند قوله: واستغفر تبعا للشيخ علي الأجهوري من أن على قاتلهما الدية قبل أن يصيروا مغنما، تعقبه الرماصي وقال: لم أره منصوصا ولا وجه له، والذي رأيته في الباجي خلافه. سحنون: ومن قتل من نهي عن قتله فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصيروا في المغنم، فليستغفر الله تعالى، وإن قتله بعد أن صار مغنما فعليه قيمته يجعل الإمام ذلك في الغنم. انتهى. وقوله: عليه قيمته؛ يعني في غير الراهب والراهبة لأنهما حران، ومقتضى ذلك أن فيهما الدية كما قال لكن لم أره منصوصا لأحد فانظره. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: والراهب والراهبة حران ولا دية في قتلهما خلافا لما في الخرشي. انتهى. وظاهره أنه لا دية في قتلهما مطلقا حيزا أم لا. بقطع ماء، متعلق بقوله: "قوتلوا"؛ يعني أنهم يقاتلون بكل نوع من أنواع الحرب؛ فيقاتلون بقطع الماء عنهم ليموتوا عطشا، وبإرساله عليهم ليموتوا غرقا، فقوله: "بقطع ماء"؛ أي عنهم أو عليهم كما قاله غير واحد، وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن شموله للتغريق بعيد على أن المص سيذكر التغريق. انتهى. وآلة؛ يعني أنهم كما يقاتلون بقطع الماء عنهم وإرساله عليهم يقاتلون

стр. 3393

بآلات الحرب، كسيف ورمح ونبل ورمي بمنجنيق ولو كان فيهم نساء وصبيان ولو خيف على الذرية، كما فعله رسول الله ﷺ بأهل الطائف (١)). وبنار؛ يعني أنهم كما يقاتلون بما مر يقاتلون بالنار بشرطين: أشار لأولهما بقوله: إن لم يمكن غيرها؛ يعني أن ما تقدم من جواز قتالهم بالنار محله إن لم يمكن قتالهم بغير النار، وأما إن أمكن قتالهم بغير النار فلا إلا ما يأتي قريبا، ومذهب المدونة أنه إن لم يمكن غير النار فإنهم يقاتلون بها: ولو لم يخف منهم على المسلمين إن تركناهم فالتقييد بالخوف غير صواب، وأشار للشرط الثاني بقوله: ولم يكن فيهم مسلم؛ يعني أن محل جواز القتال للكفار بالنار إنما هو عند انتفاء أمرين، أحدهما عدم إمكان القتال بغير النار كما مر، ثانيهما أن لا يكون في الكفار مسلم، فإن كان فيهم مسلم لم يقاتلوا بها اتفاقا برا أو بحرا أمكن غيرها أم لا، قال الشيخ عبد الباقي: إلا لخوف، قال محشيه محمد بن الحسن بناني: فيه نظر، والذي عليه ابن الحاجب والتوضيح أن المذهب منع قتالهم بالنار حيث كان فيهم مسلم ولو خفنا منهم خلافا للخمي. وإن بسفن؛ مبالغة في المفهوم أي يمتنع قتالهم بالنار حيث كان فيهم أسير أو أكثر من المسلمين، وإن كنا وإياهم بسفن وهذا ظاهر، وأما رجوع المبالغة لمفهوم الشرط الأول فغير ظاهر لأن الراجح جواز قتالهم بالنار حيث لم يكن فيهم مسلم، وكنا وإياهم بسفن أمكن غيرها أم لا، وأما إن كنا وإياهم ببر أو أحد الفريقين ببر فيقاتلون بها إن لم يمكن غيرها وإلا فبذلك الغير. فالحاصل أن السفن إن لم يكن فيها أسرى المسلمين جاز أن يرموا بالنار، وإن كان فيها النساء والصبيان قولا واحدا وإن كان فيها أسرى المسلمين، فقال أشهب: ذلك جائز، وقال ابن القاسم: لا يجوز. قاله الشيخ محمد بن الحسن. ونقل عن ابن رشد أن الحصون إذا لم تكن فيها إلا المقاتلة فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك سحنون، وقد روى ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيما سوى ذلك من تغريقهم بالماء ورميهم بالمنجنيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان في الحصون مع القاتلة النساء والصبيان ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها أنه يجوز أن يرموا بالنار ويغرقوا بالماء ويرموا بالمجانيق وهو قول أصبغ فيما حكى عنه

стр. 3394

ابن مزين، والثاني أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك وهو قول ابن القاسم فيما حكى عنه فضل، والثالث أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ويغرقوا بالماء ولا يجوز أن يرموا بالنار وهو قول ابن حبيب، والرابع أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق ولا يجوز أن يغرقوا ولا أن يحرقوا وهو مذهب مالك في المدونة، وأما إن كان في الحصن مع المقاتلة أسير فلا يرموا بالنار. ولا يغرقوا بالماء واختلف في قطعه عنهم ورميهم بالمجانيق، فقيل ذلك جائز وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل لا يجوز وهو قول ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى. وإلى مذهب مالك في المدونة في الحصن مع الذراري أو النساء أشار بقوله: وبالحصن بغير تحريق وتغريق مع ذرية؛ يعني أن الكفار إذا كانوا في الحصن مع الذراري والنساء ولم يكن فيهم مسلم فإنهم يقاتلون بغير التحريق والتغريق، فلا يقاتلون بالنار ولو لم يمكن غيرها ولا بإرسال الماء عليهم، وأما إن لم يكن في الحصون إلا المقاتلة فلا خلاف في جواز قتالهم بغير النار، فيغرقون بالماء ويرمون بالمجانيق وما أشبه ذلك كما مر، وأما رميهم بالنار فأجازه في المدونة ومنع منه سحنون، وقد روي ذلك عن مالك من رواية محمد بن معاوية، وقوله: "وبالحصن بغير" لخ، قد علمت أنه مذهب مالك في المدونة، وتقابله أقوال ثلاثة مر ذكرها قريبا. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ عبد الباقي: والفرق بين السفينة والحصن العموم فيه دونها. اهـ. قال الشيخ محمد بن الحسن: بل العموم في السفينة دون الحصن غالبا، وعلل في التوضيح عن ابن رشد رميهم بالنار مع الذرية في السفينة بأنه إن لم نرمهم رمونا. انتهى. والمنجنيق بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم. وإن تترسوا بذرية تركوا؛ يعني أن الكفار إذا جعلوا الذرية أو النساء ترسا أي جعلوهم كالدرقة يتقون بهم سواء كانوا في الحصن أم لا، فإنه يترك قتالهم لحق الغانمين. إلا لخوف؛ يعني أن محل ترك قتالهم عند التترس بمن ذكر إنما هو إن لم يخف على المسلمين من تركهم، وأما إن خيف على المسلمين من تركهم فإنهم يقاتلون وإن تترسوا بهم، وظاهره كابن بشير وإن قل ولذا أطلقه هنا وقيده في الثانية. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وظاهره -يعني المص- اعتبار الخوف وإن قل وهو ظاهر كلام ابن بشير أيضا.

стр. 3395

وبمسلم لم يقصد الترس؛ يعني أن الكفار إذا تترسوا بمسلم أي جعلوه ترسا أي جعلوه كالدرقة يلقون (١) به ما يصل إليهم من حربنا، فإنهم لا يتركون بل يقاتلون ولكن لا يقصد المسلم الذي تترسوا به بالرمي وإن خفنا على أنفسنا؛ لأن دم المسلم لا يباح بالخوف على النفس، والفرق بين الذرية والمسلم مع أن المسلم أشرف من الذرية أن أهل الإسلام جبلوا على بغض أهل الكفر، فلو أبيح قتالهم في حال تترسهم بذريتهم مع عدم قصد الترس لربما أدى ذلك إلى قتل ذريتهم لعدم تحفظ المسلمين منه لبغضهم، ولا كذلك إذا تترسوا بالمسلم. قاله البرموني. إن لم يخف على أكثر المسلمين؛ يعني أن محل مراعاة الترس المسلم وعدم قصده بالرمي إنما ذلك إذا لم يخف على أكثر أهل الإسلام، وأما إن خيف من استيصال جمهور المسلمين وأهل القوة منهم فإنه يجب الدفع وتسقط مراعاة الترس فيقصد بالرمي، وفوله: "إن لم يخف على أكثر المسلمين"، قيد أيضا في قوله: "وبالحصن بغير" لخ، وقيد في قوله: "وبنار" أيضا. والمسألة على ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل الخوف على أكثر المسلمين وفي هذه الحالة يقاتلون تترسوا بمسلم أو ذرية ولا يعتبر فيها عدم قصد الترس، ثانيها أن يحصل الخوف منهم لكنه دون الأول وفي هذه الحالة يقاتلون ولا يقصد الترس المسلم وإن تترسوا بذرية لم يعتبر ذلك وفي هذه الحالة يكون المسلم أشد حرمة من ذريتهم، ثالثها أن لا يخاف منهم أصلا فعلى ما تقدم عن البرموني لا يقاتلون إن تترسوا بذرية وبالمسلم يقاتلون ولا يقصد الترس، وعلى مقتضى ما لأحمد لا يقاتلون مطلقا تترسوا بمسلم أو بذرية، فإنه حمل قوله: "وبمسلم"، على ما إذا خيف منهم أي وإن تترسوا بمسلم وخيف منهم فإنهم يرمون، ولا يقصد الترس إلا أن يخاف على أكثر المسلمين فيسقط اعتبار قصد الترس. ولما ذكر جائزات القتال شرع في ممنوعاته، فقال وحرم نبل سم؛ يعني أنه يحرم علينا أن نرمي العدو بالنبل المسموم وكذا الرمح ونحوه؛ لأن هذا لم يكن فيما مضى وليلا يعاد إلينا، والذي في النوادر: كره مالك أن يسم النبل والرماح: ونحوه لابن يونس، وحمل المولف الكراهة على

стр. 3396

التحريم، وقيد بعضهم النهي بما إذا لم يكن عند العدو نبل مسموم وإلا فيجوز حينئذ، وكره سحنون جعل سم في قلال خمر ليشربها العدو. وبما قررت علم أن قوله: "نبل"، لا مفهوم له، وقال الشيخ الأمير: وكره سم نبل، قال في الشرح: هكذا للإمام في النوادر، وحمله الأصل على الحرمة وعدلت عنه؛ لأنه علل بشيئين لا يقتضيانها خوف رده إلينا، وأنه ليس من عمل من مضى. انتهى. واستعانة بمشرك؛ يعني أنه يحرم علينا في الجهاد أن نستعين بمشرك، لما في مسلم أنه ﷺ خرج قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحابه ﵊ حين رأوه أدركه، فقال له: جئت [لأتبعك (١)] وأصيب معك، فقال له النبي ﷺ : (تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم أدركه [بالشجرة (٢)] فقال له كما قال أول مرة، فرجع ثم قال له في الثالثة: أتؤمن بالله ورسوله؟ فقال: نعم، فقال ﷺ : فانطلق (٣))، وقوله: "واستعانة بمشرك"، ظاهر الخبر أنه يمنع من إعانة المشرك ولو خرج من تلقاء نفسه وهو قول أصبغ، قال: يمنعون أشد المنع، وقوله ﷺ : (ارجع فلن أستعين بمشرك (٤))، قاله ليهودي خرج من غير طلب، وإن جعلنا المص ماشيا على ما لأصبغ تكون السين والتاء في المص للتأكيد، فيحرم علينا قبول إعانته وهو مخالف لظاهر ما في سماع يحيى من أن الممنوع طلب إعانتهم، وأما من خرج من تلقاء نفسه فلا تحرم عليه معاونته، وعليه فالسين والتاء للطلب وهو الذي قرر به الزرقاني كلام المص، وظاهر ابن رشد ترجيحه وهو المعتمد، ويدل له غزو صفوان بن أمية مع النبي ﷺ حنينا قبل إسلامه، وقوله: "بمشرك"، المراد بالمشرك مطلق الكافر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يقوم بمن سالمه على من حاربه؛ لأنه ﵊ استعان بأهل الكتاب على عبدة الأوثان، ولا بأس أن يكون

стр. 3397

من سالمه بحذاء عسكره وقربه ما لم يكن في داخل عسكره، وقال الشيخ إبراهيم: ولو عبر المص بكتابي بدل مشرك لكان أولى؛ لأنه هو الذي فيه الخلاف بين مالك وأبي حنيفة، وأما الشرك غير الكتابي فلا يستعان به باتفاقهما. انتهى. وقوله: إلا لخدمة؛ مستثنى من حرمة الاستعانة بالمشرك؛ يعني أن حرمة الاستعانة بالمشرك محلها في الصف والزحام، وأما الخدمة منهم لنا فلا بأس بالاستعانة بهم فيها، كحفر أو هدم أو رمي بمنجنيق أو صنعة، وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادات وبالمراهقين إن كان فيهم فنَّة، وقوله. "لخدمة"، اللام فيه إما بمعنى: في، أو بمعنى: على. قاله الشيخ إبراهيم. وإرسال مصحف لهم؛ يعني أنه يحرم إرسال المصحف للمشركين ولو طلبه الطاغية أي ملكهم لتدبره، وكره ذلك خشية إهانته ولأنهم لا يتوقون النجاسات، فينال المصحف ما ينزه عنه وهم أنجاس، وأهل ظنة وبغض في الإسلام وأهله، والمراد بالصحف ما قابل الكتاب الذي فيه كالآية، ولا يجوز تعليم الكافر القرآن ولا الفقه، وكره مالك إعطاء الكافر درهما فيه آية من القرآن، ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة وإنما اختلفوا إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى. وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان، وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن وأن يبعث إليهم كتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة، وأجاز أبو حنيفة تعليم الكافر القرآن رجاء الإسلام. وسفر به لأرضهم؛ يعني أنه كما يحرم إرسال المصحف للكفار يحرم السفر به لأرضهم ولو مع جيش كثير مخافة سقوطه منا ولا نشعر به فتناله الإهانة وتصغير ما عظم الله تعالى، وفي الموطإ أن رسول الله ﷺ (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١)). كمرأة تشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نسافر بالمرأة إلى أرض الكفار؛ يعني مسلمة حرة أو أمة ملك لمسلم أو حرة كتابية زوج لمسلم. إلا في جيش آمن؛ يعني أن محل حرمة السفر بالمرأة إلى أرض الكفار ما لم تكن في جيش كثير آمن، وأما إن كانت في جيش كثير آمن فإنه

стр. 3398

يجوز السفر بها إلى أرض العدو، (وقد صح أنه ﷺ كان إذا أراد غزوا أقرع بين نسائه (١))، ولا إشكال أن الأمن موجود معه ﷺ ونص سحنون على جواز السفر بالنساء إلى الثغور التي في بلاد المسلمين إذا كانت كثيرة مأمونة. وبما قررت علم أن الاستثناء راجع للمرأة، وقوله: "آمن"، بالمد اسم فاعل وبالقصر فعل ماض. قاله الشيخ إبراهيم. والفرق بين المرأة يجوز السفر بها إلى أرض العدو حيث كانت في جيش آمن، والمصحف لا يجوز السفر به إلى أرضهم ولو مع جيش آمن، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبه على نفسها، ولكون الاستثناء راجعا للمرأة فقط أتى بالكاف. قاله الشيخ عبد الباقي. وفرار إن بلغ المسلمون النصف؛ يعني أنه يحرم على المسلمين الذين معهم سلاح أن يفروا من العدو إذا كان المسلمون على النصف منهم فأكثر، فلا يجوز أن يفر مسلم واحد عن اثنين من الكفار، ولا اثنان من المسلمين عن أربعة من الكفار، ولا عشرة من المسلمين عن عشرين من الكفار، ولا مائة عن مائتين ونحو ذلك ولو فر الإمام. وقوله: "إن بلغ المسلمون النصف"، ولو شكا أو توهما، ولو كانوا أشد سلاحا وجلدا وقوة ما لم يكن العدو بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة، والمعتبر هنا وفي الثانية العدد عند ابن القاسم والجمهور لا القوة ولا الجلد خلافا لابن الماجشون، وتختص الحرمة بمن فر أولا من النصف إن فر البعض ثم الباقون، فإن لم يكن معهم سلاح لم يحرم، وكذا يقال فيما بعده كإن نقصوا عن النصف ولو واحدا. ولم يبلغوا اثنى عشر ألفا، قيد في المفهوم؛ يعني أن محل جواز الفرار للمسلمين الذين هم أقل من النصف حيث لم يبلغ المسلمون اثني عشر ألفا، وأما إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا فإنه يحرم عليهم الفرار، ولو نقص عددهم عن نصف عدد الكفار ولو كثر الكفار ما لم تختلف كلمة المسلمين، وإلا جاز لهم الفرار لخبر: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تختلف كلمتهم (٢))، وإن بلغ المسلمون العدد المذكور بقيده حرم الفرار ولو كان العدد بمحل مدده ولا مدد للمسلمين،

стр. 3399

بل ولو كان العدو أضعاف أضعافهم كما هو ظاهر كلامهم، وقوله: "ولم يبلغوا اثني عشر ألفا"، هذا القيد ذكره ابن رشد ونسبه لأكثر أهل المعلم. نقله أبو الحسن وسلمه. وكذا نقله ابن عرفة وابن غازي في تكميله وأقراه، وذلك يدل على اعتماده وإن أنكره سحنون ونسبه للعراقيين، ويؤيده الحديث: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة (١)). أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وفي بعض التقاييد أن محل حرمة الفرار إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدو، فإن لم يكن فيهم ذلك وظن المسلمون أن الكفار يقتلونهم جاز الفرار. واعلم أن الفرار المحرم من الكبائر ولا تجوز شهادة صاحبه إلا أن يتوب. ابن عرفة: تظهر توبته في زحف آخر. هذا وفي الحطاب عن السهيلي ما نصه: إن قيل كيف فر الصحابة يوم حنين وهو من الكبائر؟ قلنا لم يجمع على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر، وكذلك قال الحسن ونافع مولى ابن عمر، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، فيومئذ إشارة ليوم بدر، ثم نزل التخفيف في الفارين يوم حنين، فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ الآية: وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر، وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فإنهم رجعوا وقاتلوا حتى فتح الله تعالى عليهم. انتهى. وفيه: -أي الحطاب- عن القرطبي ما نصه: قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى. إلا تحرفا؛ يعني أنه يحرم على المسلم أن يولي العدو دبره إلا أن يكون متحرفا لقتال؛ بأن يظهر من نفسه الهزيمة وليس ذلك قصده ليتبعه العدو فيرجع عليه المسلم فيقتله، وهو من مكائد الحرب، ويجوز التحرف للقتال ولو كان الكفار أقل من الضعف. أو تحيزا؛ يعني أنه يجوز للمسلم تولية العدو الدبر إذا كان متحيزا إلى فئة من المسلمين أو إلى أمير الجيش فيتقوى بهم، ويشترط في جوازهما أن يفعلهما غير أمير الجيش والإمام، وأما هما فليس لهما فعل التحرف

стр. 3400

والتحيز لما يحصل بذلك من الخلل والمفسدة، والذي من خصائصه ﵊ مصابرة العدو الكثير من غير اشتراط ماهنا. وقوله: إن خيف، شرط في التحيز فقط لا في التحرف، فقول البساطي إنه قيد في هذين غير ظاهر. قاله الإمام الحطاب؛ يعني أنه يشترط في جواز التحيز أن يكون المتحيز خاف على نفسه خوفا بينا وقرب المنحاز إليه قربا بينا، وأما إن بعد منه الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، قاله الشارح. واعلم أنه يحرم الغدر وينبغي أن يستعمل الخداع في الحرب. والله أعلم قاله الحطاب. والمثلة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نمثل بأحد من العدو بعد القدرة عليهم، لنهيه ﵊ عن ذلك (١))، ولا بأس بقتل المشرك قبل الظفر به بأي قتلة أمكنتنا، وأما بعد الظفر فلا نعبث به ولكن نضرب عنقه، قيل لمالك: أيضرب وسطه بالسيف؟ قال: قال الله : ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ولا خير في العبث، قيل: أفيعذب إن رجي أن يدلنا على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك، قال ابن حبيب: وقد أبى النبي ﷺ أن يمثل بحيى بن أخطب)، وإنما مثل المشركون بالمسلمين (فتواعدهم النبي ﷺ بأكثر من ذلك وأقسم على ذلك، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية فكف ﷺ وكفر عن يمينه (٢) رراه البزار، وتجوز المثلة بهم إن مثلوا بمسلم كما في هذه الآية. وفي الحطاب عن الاستذكار أن المثلة محرمة في السنة المجمع عليها، وفي الشبراخيتي عند قوله: "والمثلة": فلا يضرب وسطه بالسيف ولا يعبث به، وإنما يضرب عنقه. والمثلة بضم الميم وسكون المثلثة وبفتح الميم وضم الثلثة: العقوبة. انتهى. وحمل رأس لبلد أو وال؛ يعني أنه يحرم علينا أن نحمل رأس الكافر إلى بلد، وكذلك يحرم علينا أن نحمله إلى وال أي أمير الجيش الكائن مع الجيش وإلا فهو ما قبله، وقد أنكر أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حمل رأس الكافر، وقال إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم
следующие страницы →