التحريم، وقيد بعضهم النهي بما إذا لم يكن عند العدو نبل مسموم وإلا فيجوز حينئذ، وكره سحنون جعل سم في قلال خمر ليشربها العدو.
وبما قررت علم أن قوله: "نبل"، لا مفهوم له، وقال الشيخ الأمير: وكره سم نبل، قال في الشرح: هكذا للإمام في النوادر، وحمله الأصل على الحرمة وعدلت عنه؛ لأنه علل بشيئين لا يقتضيانها خوف رده إلينا، وأنه ليس من عمل من مضى. انتهى.
واستعانة بمشرك؛ يعني أنه يحرم علينا في الجهاد أن نستعين بمشرك، لما في مسلم أنه ﷺ خرج قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحابه ﵊ حين رأوه أدركه، فقال له: جئت [لأتبعك (١)] وأصيب معك، فقال له النبي ﷺ : (تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم أدركه [بالشجرة (٢)] فقال له كما قال أول مرة، فرجع ثم قال له في الثالثة: أتؤمن بالله ورسوله؟ فقال: نعم، فقال ﷺ : فانطلق (٣))، وقوله: "واستعانة بمشرك"، ظاهر الخبر أنه يمنع من إعانة المشرك ولو خرج من تلقاء نفسه وهو قول أصبغ، قال: يمنعون أشد المنع، وقوله ﷺ : (ارجع فلن أستعين بمشرك (٤))، قاله ليهودي خرج من غير طلب، وإن جعلنا المص ماشيا على ما لأصبغ تكون السين والتاء في المص للتأكيد، فيحرم علينا قبول إعانته وهو مخالف لظاهر ما في سماع يحيى من أن الممنوع طلب إعانتهم، وأما من خرج من تلقاء نفسه فلا تحرم عليه معاونته، وعليه فالسين والتاء للطلب وهو الذي قرر به الزرقاني كلام المص، وظاهر ابن رشد ترجيحه وهو المعتمد، ويدل له غزو صفوان بن أمية مع النبي ﷺ حنينا قبل إسلامه،
وقوله: "بمشرك"، المراد بالمشرك مطلق الكافر، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يقوم بمن سالمه على من حاربه؛ لأنه ﵊ استعان بأهل الكتاب على عبدة الأوثان، ولا بأس أن يكون
стр. 3397
من سالمه بحذاء عسكره وقربه ما لم يكن في داخل عسكره، وقال الشيخ إبراهيم: ولو عبر المص بكتابي بدل مشرك لكان أولى؛ لأنه هو الذي فيه الخلاف بين مالك وأبي حنيفة، وأما الشرك غير الكتابي فلا يستعان به باتفاقهما. انتهى.
وقوله: إلا لخدمة؛ مستثنى من حرمة الاستعانة بالمشرك؛ يعني أن حرمة الاستعانة بالمشرك محلها في الصف والزحام، وأما الخدمة منهم لنا فلا بأس بالاستعانة بهم فيها، كحفر أو هدم أو رمي بمنجنيق أو صنعة، وتجوز الاستعانة بالعبيد إذا أذن السادات وبالمراهقين إن كان فيهم فنَّة، وقوله. "لخدمة"، اللام فيه إما بمعنى: في، أو بمعنى: على. قاله الشيخ إبراهيم.
وإرسال مصحف لهم؛ يعني أنه يحرم إرسال المصحف للمشركين ولو طلبه الطاغية أي ملكهم لتدبره، وكره ذلك خشية إهانته ولأنهم لا يتوقون النجاسات، فينال المصحف ما ينزه عنه وهم أنجاس، وأهل ظنة وبغض في الإسلام وأهله، والمراد بالصحف ما قابل الكتاب الذي فيه كالآية، ولا يجوز تعليم الكافر القرآن ولا الفقه، وكره مالك إعطاء الكافر درهما فيه آية من القرآن، ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة وإنما اختلفوا إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى.
وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان، وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن وأن يبعث إليهم كتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة، وأجاز أبو حنيفة تعليم الكافر القرآن رجاء الإسلام.
وسفر به لأرضهم؛ يعني أنه كما يحرم إرسال المصحف للكفار يحرم السفر به لأرضهم ولو مع جيش كثير مخافة سقوطه منا ولا نشعر به فتناله الإهانة وتصغير ما عظم الله تعالى، وفي الموطإ أن رسول الله ﷺ (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١)).
كمرأة تشبيه في الحرمة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نسافر بالمرأة إلى أرض الكفار؛ يعني مسلمة حرة أو أمة ملك لمسلم أو حرة كتابية زوج لمسلم. إلا في جيش آمن؛ يعني أن محل حرمة السفر بالمرأة إلى أرض الكفار ما لم تكن في جيش كثير آمن، وأما إن كانت في جيش كثير آمن فإنه
стр. 3398
يجوز السفر بها إلى أرض العدو، (وقد صح أنه ﷺ كان إذا أراد غزوا أقرع بين نسائه (١))، ولا إشكال أن الأمن موجود معه ﷺ ونص سحنون على جواز السفر بالنساء إلى الثغور التي في بلاد المسلمين إذا كانت كثيرة مأمونة.
وبما قررت علم أن الاستثناء راجع للمرأة، وقوله: "آمن"، بالمد اسم فاعل وبالقصر فعل ماض. قاله الشيخ إبراهيم. والفرق بين المرأة يجوز السفر بها إلى أرض العدو حيث كانت في جيش آمن، والمصحف لا يجوز السفر به إلى أرضهم ولو مع جيش آمن، أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبه على نفسها، ولكون الاستثناء راجعا للمرأة فقط أتى بالكاف. قاله الشيخ عبد الباقي.
وفرار إن بلغ المسلمون النصف؛ يعني أنه يحرم على المسلمين الذين معهم سلاح أن يفروا من العدو إذا كان المسلمون على النصف منهم فأكثر، فلا يجوز أن يفر مسلم واحد عن اثنين من الكفار، ولا اثنان من المسلمين عن أربعة من الكفار، ولا عشرة من المسلمين عن عشرين من الكفار، ولا مائة عن مائتين ونحو ذلك ولو فر الإمام. وقوله: "إن بلغ المسلمون النصف"، ولو شكا أو توهما، ولو كانوا أشد سلاحا وجلدا وقوة ما لم يكن العدو بمحل مدده ولا مدد للمسلمين، ففي التولية سعة، والمعتبر هنا وفي الثانية العدد عند ابن القاسم والجمهور لا القوة ولا الجلد خلافا لابن الماجشون، وتختص الحرمة بمن فر أولا من النصف إن فر البعض ثم الباقون، فإن لم يكن معهم سلاح لم يحرم، وكذا يقال فيما بعده كإن نقصوا عن النصف ولو واحدا.
ولم يبلغوا اثنى عشر ألفا، قيد في المفهوم؛ يعني أن محل جواز الفرار للمسلمين الذين هم أقل من النصف حيث لم يبلغ المسلمون اثني عشر ألفا، وأما إن بلغ المسلمون اثني عشر ألفا فإنه يحرم عليهم الفرار، ولو نقص عددهم عن نصف عدد الكفار ولو كثر الكفار ما لم تختلف كلمة المسلمين، وإلا جاز لهم الفرار لخبر: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إلا أن تختلف كلمتهم (٢))، وإن بلغ المسلمون العدد المذكور بقيده حرم الفرار ولو كان العدد بمحل مدده ولا مدد للمسلمين،
стр. 3399
بل ولو كان العدو أضعاف أضعافهم كما هو ظاهر كلامهم، وقوله: "ولم يبلغوا اثني عشر ألفا"، هذا القيد ذكره ابن رشد ونسبه لأكثر أهل المعلم. نقله أبو الحسن وسلمه. وكذا نقله ابن عرفة وابن غازي في تكميله وأقراه، وذلك يدل على اعتماده وإن أنكره سحنون ونسبه للعراقيين، ويؤيده الحديث: (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة (١)). أخرجه الترمذي وحسنه وأحمد في مسنده وأبو داوود والحاكم وصححه وأقره الذهبي. وفي بعض التقاييد أن محل حرمة الفرار إذا كان في الاثني عشر نكاية للعدو، فإن لم يكن فيهم ذلك وظن المسلمون أن الكفار يقتلونهم جاز الفرار. واعلم أن الفرار المحرم من الكبائر ولا تجوز شهادة صاحبه إلا أن يتوب. ابن عرفة: تظهر توبته في زحف آخر.
هذا وفي الحطاب عن السهيلي ما نصه: إن قيل كيف فر الصحابة يوم حنين وهو من الكبائر؟ قلنا لم يجمع على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر، وكذلك قال الحسن ونافع مولى ابن عمر، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، فيومئذ إشارة ليوم بدر، ثم نزل التخفيف في الفارين يوم حنين، فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ الآية: وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف من الكبائر يوم بدر، وكذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى وعند الدجال، وأيضا فإنهم رجعوا وقاتلوا حتى فتح الله تعالى عليهم. انتهى. وفيه: -أي الحطاب- عن القرطبي ما نصه: قال عياض: ولم يختلف أنه متى جهل منزلة بعضهم في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى.
إلا تحرفا؛ يعني أنه يحرم على المسلم أن يولي العدو دبره إلا أن يكون متحرفا لقتال؛ بأن يظهر من نفسه الهزيمة وليس ذلك قصده ليتبعه العدو فيرجع عليه المسلم فيقتله، وهو من مكائد الحرب، ويجوز التحرف للقتال ولو كان الكفار أقل من الضعف. أو تحيزا؛ يعني أنه يجوز للمسلم تولية العدو الدبر إذا كان متحيزا إلى فئة من المسلمين أو إلى أمير الجيش فيتقوى بهم، ويشترط في جوازهما أن يفعلهما غير أمير الجيش والإمام، وأما هما فليس لهما فعل التحرف
стр. 3400
والتحيز لما يحصل بذلك من الخلل والمفسدة، والذي من خصائصه ﵊ مصابرة العدو الكثير من غير اشتراط ماهنا.
وقوله: إن خيف، شرط في التحيز فقط لا في التحرف، فقول البساطي إنه قيد في هذين غير ظاهر. قاله الإمام الحطاب؛ يعني أنه يشترط في جواز التحيز أن يكون المتحيز خاف على نفسه خوفا بينا وقرب المنحاز إليه قربا بينا، وأما إن بعد منه الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، قاله الشارح. واعلم أنه يحرم الغدر وينبغي أن يستعمل الخداع في الحرب. والله أعلم قاله الحطاب.
والمثلة؛ يعني أنه يحرم علينا أن نمثل بأحد من العدو بعد القدرة عليهم، لنهيه ﵊ عن ذلك (١))، ولا بأس بقتل المشرك قبل الظفر به بأي قتلة أمكنتنا، وأما بعد الظفر فلا نعبث به ولكن نضرب عنقه، قيل لمالك: أيضرب وسطه بالسيف؟ قال: قال الله : ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ولا خير في العبث، قيل: أفيعذب إن رجي أن يدلنا على عورة العدو؟ قال: ما سمعت ذلك، قال ابن حبيب: وقد أبى النبي ﷺ أن يمثل بحيى بن أخطب)، وإنما مثل المشركون بالمسلمين (فتواعدهم النبي ﷺ بأكثر من ذلك وأقسم على ذلك، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية فكف ﷺ وكفر عن يمينه (٢) رراه البزار، وتجوز المثلة بهم إن مثلوا بمسلم كما في هذه الآية. وفي الحطاب عن الاستذكار أن المثلة محرمة في السنة المجمع عليها، وفي الشبراخيتي عند قوله: "والمثلة": فلا يضرب وسطه بالسيف ولا يعبث به، وإنما يضرب عنقه. والمثلة بضم الميم وسكون المثلثة وبفتح الميم وضم الثلثة: العقوبة. انتهى.
وحمل رأس لبلد أو وال؛ يعني أنه يحرم علينا أن نحمل رأس الكافر إلى بلد، وكذلك يحرم علينا أن نحمله إلى وال أي أمير الجيش الكائن مع الجيش وإلا فهو ما قبله، وقد أنكر أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حمل رأس الكافر، وقال إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم
стр. 3401
فيه، وأما حمل الرؤوس بالبلد الذي وقع به القتال لغير وال بأرماح فيمنع في أهل البغى ولا يمنع في رءوس الكفار.
وخيانة أسير ائتمن طائعا؛ يعني أنه يحرم على الأسير المسلم الذي أسرته الكفار إذا ائتموه على مال أن يخون: وهذا إذا ائتمن في حال طوعه لقوله ﵊: (أد الأمانة إلى من ائتمنك (١))،
ولو على نفسه؛ يعني أن الأسير المسلم إذا ائتمنه الكفار يحرم عليه أن يخون فيما ائتمن فيه، ولا فرق في ذلك بين أن يأتمنوه على مال وبين أن يأتمنوه على نفسه: فلا يجوز له أخذ المال ولا يجوز له أن يهرب، وسواء كان ذلك بعهد منه أن لا يهرب وأن لا يخونهم في مالهم وبغير عهد بيمين فيهما أو بغير يمين، فإن حلف مكرها مع تأمينه طائعا لم يحنث لا إن حلف طائعا فيحنث مع حرمة خيانته حينئذ، ومفهوم قوله: "ائتمن طائعا"، جوازها بدون ائتمان أو به مكرها بعهد أو بغيره بيمين أو بغيرها، لكن إن حلف مكرها أيضا لم يحنث وطائعا حنث بهروبه وخيانته لهم في مالهم مع جواز ذلك كله له، ويحرم الغدر في الحرب وينبغي الخداع فيها.
وفي البيان عن المخزومي وابن الماجشون: له الهروب والأخذ من أموالهم ويقتلهم، وإن ائتمنوه وإن أحلفوه فار حنث عليه. انتهى.
وللأسير أن يسرق من أموالهم ولا يعاملهم بالربا. قاله أشهب. وإن دفعوا له ثوبا فلا يحل له أن يسرق منه لأنه ائتمن عليه، وما أقر به بعد تخلصه إلى بلاد الإسلام من سرقة أو ربى أو زنى فلا شيء عليه في السرقة، وأحب إلي أن يتصدق بقدر ما أربى فيه، واختلف في زناه فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن أقر وأقام على إقراره ولم يرجع، وقاله أصبغ، زنى بحرة أو أمة، وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته، قوله: "ولو على نفسه"، هو الذي عليه الأصحاب، ونقل ابن عبد السلام عن مالك قولا أنه يهرب بنفسه دون ما لهم. وحكى في الكافي عن مالك أيضا. قال: وفرض عليه أن يخرج ويكفر عن يمينه إن لم يكره عليها وإلا فلا كفارة، وإذا أسلم الحربي ببلاد الحرب فقتله مسلم خطأ قبل الخروج وهو لا يعلمه مسلما فقد قيل: عليه
стр. 3402
الدية والكفارة، وقيل الكفارة لا غير، ولو تعمد قتله وهو لا يعلمه مسلما كانت عليه الدية والكفارة، ولو تعمد وهو يعلم بإسلامه قتل به، ولو قتل مسلم مسلما عند التحام الحرب وقال ظننته من العدوِّ حلف على ذلك وكانت عليه الدية والكفارة، وإذا جنى الأسير المسلم على أسير مثله فلا يسقط ذلك كونهما بدار الحرب بل هما كغيرهما، ونقل الحطاب عن ابن عوفة ما نصه: الأسير إن ترك بعهدة أن لا يهرب ولا يخون، ظاهر الأقوال لزومه وهو ظاهر قول ابن حارث: يجب على المسلم الوفاء بعهدة العدو اتفاقا، وفي لزومه العقد ولو كان مكرها أو إلا إن كان مكرها نقلا المازري عن الأشياخ، وإن ترك دون ائتمان ويمين فله الهروب بنفسه وما أمكنه من قتل نفس وأخذ مال إن قدر على النجاة، وإن ترك بائتمان وأيمان طلاق أو غيره ففي كونه كذلك أو كالعهد، ثالثها له الهروب بنفسه فقط. انتهى. ونحود للشبراخيتي، وزاد بعد قوله: "فقط" ما نصه: لابن رشد عن المخزومي في المبسوط مع ابن الماجشون وسماع عيسى ابن القاسم مع سماع أصبغ والأخوين مع روايتهما. انتهى.
وفيه أي الشبراخيتي عند قوله: "ائتمن طائعا"، بعهد كما إذا أعطاهم عهدا أن لا يخون أو لا يهرب، فليس له الخيانة فيما عوهد عليه من نفس وغيرها اتفاقا أو بغيره نحو أمناك على نفسك أو هي وغيرها، فإنه ليس له الخيانة فيما أمن عليه على المعتمد، سواء انضم لذلك حلف منه أم لا، فلا يسرق من ثوب دفع له يخيطه مثلا، وإن لم يؤمن لا بيمين ولا بغيره فله الخيانة اتفاقا، فإذا كان مرسلا وقدر أن يأخذ من أموالهم شيئا لم يؤمن عليه فله ذلك، ومفهوم ائتمن طائعا أنه لو لم يؤتمن أو ائتمن مكرها على وجه المعاهدة أو غيرها فإنه بمنزلة من لم يؤمن فله الخيانة فيما شاء من نفسه وغيرها من نسائهم وذراريهم وأموالهم، سواء انضم لذلك يمين أم لا، ولا حنث عليه لأن أصل يمينه إكراه، وإذا تنازع الأسير ومن أمنه هل وقع الائتمان على الطوع أو الإكراه؟ فالقول للأسير، وإذا اقترض الأسير دراهم من بعض الحربيبن وضمنه فيها شخص من الحربيين فإنه يلزمه؛ لأن المقرض ائتمنه على ما أقرضه له طائعا وأفتى بعضهم بعدم اللزوم، وبه قال الحنفية.
стр. 3403
ومن فروع هذا الباب ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وابن المجشون أن الأسير إذا أطلقه العدو على أن يأتيه بفدائه فله بعث المال دون رجوعه، ولو عوقد على أن يبعث بالمال فعجز عنه فليجتهد فيه أبدا ولا يرجع، والفرق بينهما شرط رجوعه في الأولى دون الثانية.
والغلول؛ عطف على نبل من قوله: "وحرم نبل" يعني أن الغلول حرام، والغلول أخذ ما لم يبح الانتفاغ به من الغنيمة قبل حوزها، قال بعضهم: وهو من الكبائر وهو مأخوذ من الغلل وهو الماء الجاري بين الشجر؛ لأن الغال يدخل ما يأخذه بين متاعه، من غل يغل بضم الغين في المضارع وكسرها، وليس من الغلول من جاهد مع وال جائر لا يقسم الغنيمة قسمة شرعية وأخذ قدر ما يستحقد فيها فإن ذلك سائغ لأنه بمثابة من أخذ عين شيئه، وينبغي إن أمن فتنة ورذيلة.
وو الحديث. (لا تغلوا فإن الغلول عار ونار وشنار (١))، وفي الحديث أيضا ما معناه: أن الغال يحمل ما أخذ يوم القيامة، إن كان شاة أتى بها تيعر، وإن كان بعيرا أتى به يحمله وله رغاء، وإن كان بقرة أتى بها يحملها ولها خوار (٢)، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وما مر من تعريف الغلول لابن عرفة كما في التتائي وهو الصواب، وفي عبارة قبل قسهما فيتماري من مؤدى العبارتين فيما إذا أخذ منها بعد الحوز وقبل القسم، هل هو من الغلول؟.
وأدب إن ظهر عليه؛ يعني أن الغال يجب على الإمام أدبه بحسب اجتهاده إن اطلع عليه قبل أن يجيء تائبا، وإلا لم يؤدب كالزنديق والراجع عن شهادته قبل أن يعثر عليه. ابن رشد: وهذا إن تاب قبل القسم ورد ما أخذ في المغنم، وأما لو تاب بعد القسم فلا يسقط أدبه عند الجميع. انتهئ. قال الشارح: قلت وظاهر ما حكاه في النوادر عن ابن حبيب أن التوبة تسقط عنه الأدب، ولو قسمت الغنيمة وتفرق الجيش إن جاء تائبا أخذ منه ذلك ولا نكال عليه، فإن تفرق الجيش وتعذر الرد تصدق به عنهم بعد دفع خمسة للإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. يريد ويرد في المغنم إن لم يقسم أو يدفع لهم إن قسم ولم يتفرقوا. انتهى.
стр. 3404
ولا بأس بالصلاة على من غل؛ لأنه ﷺ ، قال: (صلوا على صاحبكم (١)) في رجل مات وقد كان غل خرزات من خرزات اليهود وترك الصلاة عليه، وقوله: "وأدب"؛ أي ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه من الغنيمة، ويأتي مفهوم الغال في قوله: "وحد زان وسارق إن حيز المغنم".
وفي الحطاب عن ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل لصاحب المقاسم إن وجد السبيل إلى ذلك، وأنه إن فعل ذلك فهي توبة وخروج عن ذنبه، فإن افترق العسكر ولم يصل إليهم، فقال جماعة من أهل المعلم، يدفع إلى الإمام خمسة ويتصدق بالباقي أي عنهم، وإلى هذا ذهب الزهري والأوزاعي ومالك. ابن عرفة: إن تنصل منه عند موته فإن كان أمرا قريبا ولم يفترق الجيش فهو من رأس ماله، وإن طال فمن ثلثه. اننهى. وفي الشبراخيتي عند قوله "إن ظهر عليه ": لا إن جاء تائبا ولو بعد القسم وتفرق الجيش وتعذر الرد، وهو ظاهر ما حكاه ابن حبيب في النوادر، ويتصدق به عنهم بعد دفع خمسة للإمام. انتهى.
وجاز أخذ محتاج نعلا؛ يعني أن المجاهد الذي يسهم له يجوز له أن يأخذ نعلا من الغنيمة احتاج إليها، ولا يكون ذلك غلولا، ومثل النعل الخف وحزاما يعني أنه يجوز للمجاهد أيضا أن يأخذ من الغنيمة حزاما احتاج إليه ولا يكون ذلك غلولا. وإبرة؛ يعني وكذلك يجوز للمجاهد أن يأخذ إبرة من الغنيمة احتاج إليها ولا يكون ذلك غلولا، قال الشيخ عبد الباقي: وظاهر قوله: "وجاز أخذ محتاج"، كالباجي أن مطلق الحاجة كاف وإن لم يبلغوا الضرورة المبيحة للميتة، وإن كان الأخذ لمن لا يسهم له، ففي جوازه وعدمه قولان، وقال الشيخ إبراهيم: وجاز للجيش أخذ محتاج من الغنيمة، سواء كان بنية الرد أم لا، أذن الإمام في الأخذ أم لا، بلغت بهم الحاجة إلى الضرورة أم لا فإن نهاهم الإمام عن الأخذ لم يبح لهم الأخذ إلا إذا بلغت بهم الحاجة إلى الضرورة المبيحة لأكل الميتة، وقوله: "وجاز أخذ محتاج"، قيده ابن رشد بما إذا لم يأخذه بنية الغلول ولابد منه. انتهى. وقال الإمام الحطاب: قال ابن عرفة: ولو نهاهم الإمام عنه ثم اضطروا إليه جاز لهم أكله. انتهى.
стр. 3405
وطعاما؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أخذ طعام من الغنيمة احتاج إليه ولا يعد ذلك غلولا، وقوله: "وطعاما" وكذا مصلحه من نحو فلفل، وإن نعما؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أن يأخذ طعاما احتاج إليه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطعام المحتاج إليه ثمرا أو حبا أو غيرهما من سائر المطعومات، وبين أن يكون نعما تذكى فإن الكل سائغ أخذه. والنعم الإبل والبقر والغنم وإذا ذبح المنعم رد جلدها للمغنم إن لم يحتج إليه وإلا أخذه أيضا كما إذا احتاج إليه لنعل أو لخف أو لغير ذلك من الحوائج.
وعلفا؛ يعني أنه يجوز للمجاهد أيضا أن يأخذ العلف لدوابه إن احتاج إليه ولا يسمى ذلك غلولا، وقإله: "وجاز أخذ محتاج" إلى آخره، قد مر قول ابن عرفة: ولو نهاهم الإمام ثم اضطروا إليه جاز لهم أكله. أبو الحسن: لأن الإمام إذ ذاك عاص فلا يلتفت إليه. انتهى. كثوب؛ يعني أنه كما يجوز له أخذ ما ذكر عند الحاجة، يجوز له أيضا أن يأخذ ثوبا احتاج إلى لباسه ثم يرده بعد ذلك للغنيمة. وسلاح؛ يعني أنه يجوز له أيضا إذا احتاج للسلاح يقاتل به أن يأخذ من الغنيمة سلاحا يقاتل به ثم يرده للغنيمة. ودابة؛ يعني أنه يجوز للمجاهد إذا احتاج إلى دابة ليقاتل عليها أو يركبها إلى بلده أن يأخذ من الغنيمة دابة لذلك ثم يردها للمغنم، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن، والسلاح كذلك.
وقوله: لترد؛ راجع لما بعد الكاف؛ يعني أن أخذ هذه الأشياء الثلاثة للمحتاج إليها إنما يجوز إذا كان ليردها إلى الغنيمة، وأما إن نوى تملكها فلا يجوز له أخذها، والأقسام ثلاثة: أخذها ليردها، أخذها بلا نية يسوغ الأخذ فيهما، أخذها بنية التملك لا يجوز، وقوله: "كثوب" الخ، قال الشيخ إبراهيم: أتى بكاف التشبيه ليرجع القيد لما بعدها، وأما ما قبلها فله أخذه بنية التملك. انتهى. وروي علي وابن وهب عن الإمام أنه قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ المعين فيشتري بها هذا، وفرق بأن المعين لا ينتفع بها إلا مع ذهاب عينها.
ورد الفضل؛ يعني أن المجاهد إذا أخذ أكثر مما يحتاج إليه فيما قبل الكاف فإنه يجب عليه أن يرد الفاضل عن الحاجة إن كثر؛ يعني أن محل لزوم رد الفضل عن الحاجة إنما هو حيث كثر
стр. 3406
الفاضل، وأما إن قل فلا يلزمه رده بل له أكله، والكثير ما ثمنه زائد على الدرهم والقليل ما لا ثمن له، أو ما ثمنه الدرهم وشبهه عند ابن القاسم وعند مالك كالدانق، وأما الفاضل عن الحاجة فيما بعد الكاف فإنه يرده بعينه، ولا معنى فيه للقلة والكثرة، وقوله: "ورد الفضل إن كثر"، فإن لم يرد الكثير وأقرضه لشخص فليس له أخذ عوضه ولا ثمنه إن باعه، وإنما يأخذه الإمام ليفرقه هذا إذا كان المقترض من غير الجيش، فإن كان منهم لم يرده إن احتاج إليه وإلا رده. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: والشرط راجع لما قبل الكاف وهو لا ينافي أن له أخذه بنية التملك لحاجته؛ لأنه إذا استغنى عنه رده، وأما ما بعدها فإنه يرده من غير قيد الكثرة، فلا يجري فيه هذا التفصيل ولو أقرض أصحابه ما فضل لم يلزم المقترض ببلد العدو بدله، فإن جهل فرد بدله رجع به إن كان قائما لا فائتا، كمن أثاب على صدقة ظانا لزومه، ومن صاد شيئا بأرضهم بريا أو بحريا فله أكله وإن باعه أو شيئا منه جعل ثمنه في الغنيمة. انتهى.
فإن تعذر تصدق؛ يعني أنه إذا تعذر رد الكثير فيما قبل الكاف أو تعذر رد ما أخذه ليرده فيما بعد الكاف لسفر الإمام وتفرق الجيش، فإنه يتصدق به كله عنهم كما لو جهلت أربابه، وفي شرحي الخرشي وعبد الباقي أنه يتصدق به كله بعد إخراج الخمس في مسألة تعذر رد الكثير، قال المحشي محمد بن الحسن بناني: هو خلاف ما يؤخذ من التوضيح من أنه يتصدق بالجميع انتهى ويؤخذ من كلام الشارح أيضا أنه يتصدق بالجميع، وقوله: "فإن تعذر تصدق به" هو المشهور، ومقابله لابن المواز أنه يتصدق به حتى يبقى منه اليسير، فيجوز له أكله كما يجوز له لو كان جميع الباقي، واستبعده ابن عبد السلام بأن اليسير قد يغتفر منفردا لا مع غيره.
ومضت المبادلة بينهم؛ يعني أنه لو أخذ أحد المجاهدين الغانمين قمحا وآخر عسلا وآخر لحما -مثلا- لحاجة كل إلى ذلك، ثم إن أحدهم أراد أن يمنع صاحبه مما أخذ حتى يبادله بما أخذ فبادله، فإن ذلك يمضي بل يجوز الإقدام عليه ابتداء ولو بتفاضل أو تأخير في طعام ربوي؛ لأن كل واحد منهما إنما يعطي ما استغنى عنه، فللآخر أن يأخذ بغير عوض، وقيل لا تجوز المبادلة في الطعام الربوي إلا مع التساوي، وكما تجوز المبادلة بين الغزاة تجوز لهم مع غيرهم بشرط السلامة من الربا وإلا منعت؛ لأن الربا إنما هو مغتفر للغزاة فيما بينهم، وإنما يغتفر فيما فضل
стр. 3407
عن الحاجة مع الحاجة إلى ما يأخذ بدله، وأما إن لم يكن عند واحد إلا ما يحتاج إليه فلا يجوز فيه الربا بل يمنع، وبهذا قيد الجواز أبو الحسن في شرح المدونة، واعتمدد أحمد وعلي الأجهوري وقيد به كلام المؤلف، وتبعه الزرقاني، وظاهر كلام ابن عبد السلام عدم اعتماده وتبعه في التوضيح، وفائدة التعبير بالمضي مع أن المبادلة تجوز ابتداء هي أنه لو امتنع من دفع العوض في المبادلة لما أجبر عليه، كما لا يجب رد العوض في القرض، لكنه لو لم يعثر على ذلك حتى رد العوض فإن ذلك يمضي، فهذه فائدة التعبير بالمضي.
واعلم أن مضي المبادلة وجوازها إنما هو قبل القسم كما هو الموضوع، وأما بعد القسم فبيع يعتبر بشروطه، ولا تجوز المبادلة فيما استغنى عنه وعن بدله لوجوب رده للمغنم كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وهذا في الفضل الكثير لا في القليل لما مر أنه له أكله، واختلف فيمن أخذ من الغنيمة قبل القسم طعاما فباعد واشترى بثمنه طعاما، فكرهه ابن حبيب ورأى الثمن مغنما، وقال سحنون: قال بعض أصحابنا لمن باعه لحاجته ليصرف ثمنه في كسوة أو سلاح ولا شيء عنده: لا بأس به كما لو أخذه من المغنم وإن بلغ بلاده تصدق به وإن باعه لينال ثمنه وكان له قدر كان مغنما، ومن استقرض من الغنيمة قبل القسم ما يحتاج إليه من غيره من الغانمين فلا يلزمه رد العوض، فإن جهل فرده من طعام يملكه فليرجع بما دفع إن كان قائما وإن أفاته المدفوع إليه فلا شيء عليه، كمن عوض من صدقة يظن أن ذلك يلزمه فإنه يرجع في عوضه إن كان قائما، وإن فات فلا شيء له لأنه سلطه عليه وانظر هل يجوز اجتماع ربا الفضل والنساء في حق الغزاة أم لا يجوز إلا وقوع أحد الأمرين؟
وببلدهم إقامة الحد؛ يعني أنه يجوز للإمام أن يقيم الحد ببلد العدو، والمراد بالجواز الإذن لأن ذلك واجب فلا يؤخر خوف الفوات، ولأن ذلك من أكبر الطاعات والقربات ولا يراعى خوف ارتدادد لإقامة الحد عليه. حلولو: وانظر إذا توقع من ذلك حصول مفسدة ويظهر -والله أعلم- أن يؤخر لذلك سيما إن خيف عظمها. وتخريب؛ يعني أنه يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا منازل العدو وحصونهم وقراهم، وقطع نخل؛ يعني أنه كما يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا قراهم وحصونهم، يجوز لهم أن يقطعوا نخيلهم وأشجارهم لما في ذلك من
стр. 3408
التضييق عليهم وتوهين شأنهم، وحرق؛ يعني أنه كما يجوز تخريب منازل العدو وحصونهم وقطع أشجارهم يجوز لهم أيضا حرق النخيل والأشجار، وإنما جاز ما ذكر لما فيه من الإضرار للعدو، ولهذا قال: إن أنكى، بغير همز؛ يعني أنه إنما يجوز ما ذكر من التخريب والقطع والحرق حيث كان فيه نكاية للعدو أي ضرر، أو لم يرج؛ يعني أن ما ذكر من التخريب والقطع والحرق يجوز لأحد أمرين وأولى إن اجتمعا، أحدهما أن يكون فيه نكاية أي ضرر، الثاني أن لا يكون فيه نكاية للعدو ولكنه لم يرج أن يصير للمسلمين.
والحاصل أنها إن رجيت للمسلمين جاز ما ذكر إن كان فيه نكاية للعدوِّ، وإن لم ترج جاز مطلقا وإن لم تكن فيه نكاية ورجي وجب الإبقاء قال فيها: ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم وتغريقها بالماء وتخريبها وقطع الشجر الثمرة وغيرها، (وقد قطع ﷺ نخل بني النضير وأحرق قراهم (١))، فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال سحنون: وأصل نهي أبي بكر الصديق ﵁ عن قطع الشجر وإخراب العامر إنما ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظرا لهم، وما لم يرج الظهور عليه فالنظر لهم خرابه، وهل اللينة ما سوى العجوة من الثمار أو هي نوع من النخل أو هي النخل كله العجوة وغيرها؟ أقوال. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن الصور أربع: إحداها أن يكون ما ذكر فيه نكاية للمشركين ورجيت للمسلمين، الثانية أن لا ينكي ولا يرجى للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فالجواز في هاتين الصورتين، الثالثة أن ينكى ولم يرج للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فيتعين التخريب أو القطع أو الحرق، الرابعة أن لا ينكى مع أنها مرجوة للمسلمين قال الشيخ عبد الباقي: فيجب الإبقاء. كذا يفيده النقل فلا تدخل هاتان الصورتان -يعني الأخيرتين- في كلامه.
والظاهر أنه مندوب، قال الشيخ عبد الباقي في تفسيره للمص هنا: والظاهر عند ابن رشد أنه -أي ما ذكر من جواز التخريب وما معه- مندوب فيما إذا لم ترج ولم تنك وهي الصورة الثانية من صورتي الجواز. انتهى؛ يعني الصورة التي هي أن يكون ما ذكر ليس فيه نكاية للعدو ولم يرج
стр. 3409
للمسلمين، كعكسه. قال الشيخ عبد الباقي شارحا لقوله "كعكسه": أي عدم التخريب وما معه فيما إذا رجيت وأنكى ما ذكر، وهي الصورة الأولى من صورتي الجواز اللتين قدمهما، وما استظهره من لندب فيهما لا ينافي الجواز، ولا يحمل كلام المص على الحالة التي يجب فيها التخريب وما معه، ولا على الحالة التي يجب فيها الإبقاء. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل إنما تكلم ابن رشد كما في المواق على صورتين؛ إذا أنكت ولم ترج فضل القطع وإن رجيت فضل الإبقاء ولم يتكلم على سواهما انظره ولعل وجهه أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا منكيا لهم، وقرره التتائي على الصواب، فقول الزرقاني: ولا يحمل كلام المص الخ غير صواب، وحكمه فيها بوجوب التخريب لا مستند له. انتهى.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: قد تقدم قول سحنون وأصل نهي أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن قطع الشجر وإخراب العامر أن ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظرا لهم، وما لم يرج الظهور عليه فالنظر لهم خرابه. انتهى. فقوله: فالنظر لهم خرابه، فيه للرأي مجال فيكون له مستند في الوجوب. والله سبحانه أعلم. ونحو ما للشيخ عبد الباقي للشيخ إبراهيم، وقال: قال في الحاشية: قوله وتخريب إلى لم يرج، هذا مذهب الجمهور وهو المذهب، وقوله: "والظاهر" الخ، مقابل. انتهى.
ووطء أسير زوجة؛ يعني أن سبي العدو لزوجات المسلمين والعياذ بالله تعالى لا يهدم النكاح، فلذلك يجوز للأسير المسلم أن يطأ زوجته التي سباها العدو حيث تيقن أنها سلمت من وطء العدو كما في الشبراخيتي. وأمة؛ يعني أنه يجوز للأسير المسلم أن يطأ أمته التي سباها العدو إن تيقن أنها سلمت من وطء العدو لها؛ لأن سبي العدو لإماء المسلمين لا يبطل ملكهم لها، وقوله: "ووط أسير زوجة وأمة". اعلم أن الجواز فيهما مع الكراهة لقول الإمام: أكره ذلك لما أخاف من بقاء ذريته بأرض الحرب. انتهى. ولو ظن أو شك في وطء الكافر لهما لحرم وطء الأسير المسلم لهما، وتيقنه يحصل بعدم غيبة الكافر عليهما، ولا تصدق المرأة حينئذ في عدم وطئه فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 3410
وبما قررت علم أن الضمير في قوله: سلمتا يرجع للزوجة والأمة المسبيتين للعدو، وفي بعض النسخ سبيتا، قال الشيخ إبراهيم: والأولى والأحسن جمعهما؛ لأن الموضوع أنهما سبيتا ولابد من سلامتهما من وطء العدو أي سبيتا وسلمتا. انتهى.
وذبح حيوان وعرقبته وأجهز عليه؛ يعني أنه إذا عجز المسلمون عن حمل مال الكفار أو حمل بعض متاعهم فإنهم يتلفونه ليلا ينتفع به العدو، وسواء الحيوان وغيره على المشهور والمعروف، وعلى المشهور فاختلف؛ يتلف الحيوان، فقال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها وقال المدنيون يجهز عليها، وكرهوا أن تعرقب أو تذبح هكذا قال في التوضيح، ومثله للباجي وأبي الحسن وابن عبد السلام، وبه تعلم أن المص درج على قول المصريين وهو مذهب المدونة، وأن الواو في كلامه بمعنى: أو أولا وثانيا؛ إذ ليس المراد اجتماع الثلاثة ولا اثنين منها، قال الشيخ محمد بن الحسن: لم أر من قال ذلك ولا معنى له، وحينئذ فقول الزرقاني كغيره من الشراح: وأجهز عليه عقب عرقبته غير صواب، قال مصطفى: ما هو إلا تهافت؛ إذ لو كان يجهز عليه فما فائدة عرقبته؟ فالجمع بينهما عبث، فالصواب أن معناه: ويجوز الإجهاز عليه، فهو عطف على ذبح، وإن كان تغييره الأسلوب يشعر بما قالوه لكن يتعين ما قلنا ليطابق النقل. انتهى. وقوله: "وعرقبته"، مصدر عرقبه أي قطع عرقوبيه، وقوله: "وأجهز عليه"، معناه تزهق روحه، وذلك صادق بقطعه نصفين وضرب عنقه وغير ذلك، وبقول المدنيين: قال ابن حبيب: قال لأن الذبح مثلة والعرقبة تعذيب، واعترض بأن الذبح مباح وإنما نهي عنه خشية أن يكون وسيلة لأكل الخيل ونحوها، وتشكيكا للعوام في ذلك. المازري: واختار بعض أصحابنا الذبح، وجعله ابن بشير خلافا في حال إن أمكن احتياج المسلمين إليه، فالذبح وإلا فالإجهاز، وكل هذا في غير مراكبهم، وأما هي فيجوز إتلافها بأي وجه أمكن من وجوه الإتلاف باتفاق توصلا إلى قتل راكبها.
وفي النحل إن كثرت ولم يقصد عسلها روايتان؛ يعني أن المسلمين إذا دخلوا بلاد العدو فإنه وردت روايتان في جواز إتلافهم للنحل حيث كثرت؛ لأن إتلافها حينئذ فيه نكاية للعدو وكراهة
стр. 3411
إتلافهم لها، ومحل الكراهة على هذه الرواية إنما هو حيث لم يقصد المسلم بإتلاف النحل أخذ العسل.
والحاصل أن الصور أربع: قصد المسلم بالإتلاف أخذ العسل لا كراهة كثرت أو قلت وهاتان صورتان، قلت النحل ولم يقصد مسلم عسلها فالكراهة، كثرت ولم يقصد مسلم عسلها هي محل الروايتين.
وحرق إن أكلوا الميتة؛ هذا راجع لقوله: "وذبح حيوان وعرقبته وأجهز عليه"؛ يعني أن الحيوان الذي فعل به ما ذكر إذا كان ميتة فإنه يحرق إن كان العدو يستحلون أكل الميتة ولو ظنا ليلا ينتفعوا بد وإلا لم يحرق، قال التتائي: والأظهر تحريقه مطلقا لاحتمال أكلهم له حال الضرورة، ولا يقال ذلك تعذيب؛ لأنا نقول: التعذيب في الحي، فإن لم يكن المذبوح ميتة حرق مطلقا، وقوله: "وحرق"؛ أي وجوبا، وفرق اللخمي بين أن يكون رجوعهم إليه قبل فساده فيحرق وجوبا، وبعد فساده فلا يجب حرقه لأن القصد عدم انتفاعهم بذلك وقت حصل وهو ظاهر إلا أن المص لم يمش عليه. نقله الشيخ إبراهيم.
كمتاع عجز عن حمله، تشبيه تام؛ يعني أنه إذا قدر المسلمون على أمتعة الكفار وعجزوا عن حملها أو حمل بعضها وكذا أمتعة المسلمين، فإنهم يتلفون ذلك حتى لا ينتفع العدو بشيء منه قصدا لحصول النكاية لهم، وقوله: "عجز عن حمله"، وكذا لو عجز عن الانتفاع به، فلو قال: عجز عن الانتفاع به لكان أحسن لشموله ما عجز عن حمله ولما قدر عليه ولكن لا ينتفع به. قاله الشيخ إبراهيم. فتحصل من كلامهم أنه يتلف وجوبا ما ينتفعون به مما يحرم علينا وما لا يحرم إن لم يمكن انتفاعنا به. والله سبحانه أعلم.
وجعل الديون؛ يعني أنه يجوز للإمام أن يجعل ديوانا لطائفة تناط بهم أحكام، والديوان قال ابن عرفة: اسم لرسم جمع أسماء أنواع المعدين لقتال العدو بعطاء. انتهى. والرسم الكتاب وأخصر منه رسم فيه أسماء من يجاهد بعطاء. قاله الشيخ إبراهيم. قال في شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: الديوان ودحية والديباج. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: والديوان بكسر الدال على المشهور وفي لغة بفتحها بخلاف دحية ففتح داله وكسرها لغتان. قاله
стр. 3412
النووي في تهذيبه. وكذا ديباج كما في دقائق المنهاج، زاد ابن الملقن: وجعل أبو زيد الفتح فيه خطأ، وبهذا يرد ما قيل عن شرح الفصيح: ثلاثة لا يقولها بالفتح إلا فصيح: ريوان وديباج ودحية انتهى.
وقوله: "وجعل الديوان" علم مما قررت أن الجيم مفتوحة، وقرره الشارح على أنه جعل بضم الجيم أي أنه يجوز للشخص أن يكتب نفسه في الديوان إذا كان عطاؤه حلالا. قاله غير واحد. قال الشيخ عبد الباقي: ويزاد أن يكون محتاجا، وأن يأخذ قدر حاجته المعتادة لأمثاله. انتهى. قال الشيخ بناني: لم أر من ذكر هذين القيدين فانظرهما، ثم قال بعد أن جلب سماعا لابن القاسم: فإن أراد الزرقاني أنهما شرطان في الكمال ظهر كلامه، وإن أراد أنهما شرطان في الجواز ففيه نظر. والله أعلم.
وأول من دون الدواوين سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه.
وإذا تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالا على أن يبرأ إليه من ذلك الاسم لم يجز؛ لأن الذي أعطى الدراهم إن كان صاحب الاسم فقد أخذ الآخر ما لا يحل له، وإن كان الذي أخذ الدراهم هو صاحب الاسم لم يجز ذلك لأنه لا يدري ما باع قليلا أو كثيرا، ولا يدري ما تبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز.
قال في المدونة: قال ابن محرز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة لما يدعون، قال أبو الحسن: وذلك لأن أصحاب العطاء كالعبيد والعبد يأمره سيده وينهاه، قال ابن عرفة: وحاصله الترجيح بكثرة العمل، فإذا اتحد كان دون عطاء أفضل. انتهى. وسمع ابن القاسم: لا أرى قبول فرس أو سلاح أعطاه في الجهاد ولا بأس به للمحتاج. ابن رشد: قبول المحتاج أفضل إجماعا لأنه من إعلاء كلمة الله تعالى بالقوة على الجهاد، وهو يفيد أن الأولى للغني أن لا يستعين على الجهاد بمال غيره ولا يدل على تحريم ذلك. انتهى.
وجعل -بضم الجيم- من قاعد لمن يخرج عنه؛ يعني أنه لو عين أمير المؤمنين طائفة للجهاد في سبيل الله تعالى، فأراد أحدهم أن يقعد ويجعل لمن يخرج عنه جعلا، فإن ذلك جائز بأربعة شروط: أحدها أن يكون الخارج والجاعل بديوان واحد، وإلى ذلك أشار بقوله: إن كانا؛ أي
стр. 3413
القاعد الجاعل والخارج عنه بديوان واحد، ثانيها أن تكون الخرجة واحدة والخرجة مرة من الخروج احترازا من أن يتعاقد معه على أنه متى وجب الخروج خرج نائبا عنه، ثالثها أن يقع الجعل عند صرفها كذا عبر عبد الباقي، وعبارة الشبراخيتي: وأن يكون عند حضور الخرجة، رابعها أن يكون المستنيب لم يعينه الإمام بالشخص بل عينه بالوصف، بأن يقول أصحاب فلان أوأهل القرية الصيفية أو الشتوية وكان منهم فإن له أن يستنيب، فإن عينه بالشخص فظاهر المدونة الجواز، وقال التونسي: إنما يجوز بإذن الإمام.
تنبيه: يزاد مع الشروط الأربعة المتقدمة شرط خامس لكن للكمال فقط، وهو أن تكون نية النائب أن لا يغزو بجعل، فإن كانت نيته أن لا يغزو إلا بجعل كره، ومفهوم قوله: "بديوان"، أنهما لو كانا بديوانين لم يجز لأنها إجارة مجهولة؛ إذ لا يدرى هل يقع لقاء أم لا، ولا كم مدة اللقاء وإنما أجيز إذا كانا من ديوان واحد؛ لأن على كل واحد ما على الآخر، فليس إجارة حقيقة، وأهل مصر ديوان واحد كما أن أهل الشام ديوان واحد، فلا ينوب من بديوان الشام عمن بديوان مصر وكذا العكس، والسهم للقاعد لا للخارج. ابن عرفة: الأظهر أنه بينهما، قال الشيخ عبد الباقي: وانظر لو خرج المجعول له مع عدم الجواز، هل السهم له أو للجاعل وعليه أجرة مثل الخارج أو جعل مثله؟ انتهى.
ورفع صوت المرابط بالتكبير؛ يعني أنه يجوز للمرابطين أن يرفعوا أصواتهم بالتكبير لأن التكبير شعارهم، قال فيها: وجائز التكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به في ليل أو نهار، وظاهره عقب الصلاة أم لا وظاهره أيضا كان وحده أو في جماعة، ومقابله الاستحباب كما في المدخل، فإنه قال: ويستحب للمرابطين إذا صلوا الخمس أن يكبروا جهرا يرفعون أصواتهم ليرهبوا العدو: فقول عبد الباقي: وجاز بمرجوحية فيه نظر، صوابه برجحانية، وقوله: "ورفع صوت مرابط بالتكبير"، الجواز فيه مقيد بأن لا يؤذي الناس في قراءة أو صلاة وإلا لم يجز، وقال القاضي عياض: وأما رفع الصوت بالذكر، فإن كانوا جماعة فيستحسن لهم ليرهبوا العدو بذلك، وإن كان وحده فغير مستحسن، وفي المدخل: يكره ذلك إن كان وحده.
стр. 3414
وكرد التطريب؛ يعني أنه يكره للمرابطين التطريب أي التغني بالتكبير، ومثل رفع صوتهم بالتكبير رفع الصوت بالتلبية، ورفع الصوت بالتكبير في الخروج للعيد، فيجوز، وأما في غير هذه الواطن الثلاثة فالسر أفضل، لقوله ﷺ لقوم وهم يرفعون أصواتهم بالدعاء: (إنكم لم تدعوا أصم وإن الذي تدعون بين أكتافكم (١))، وقولى: "وكره التطريب"؛ إذ لا ترهيب فيه. وقتل عين؛ يعني أنه يجوز قتل المعين وهو الجاسوس، وهو الذي يطلع على عورات المسلمين وينقل أخبارهم للعدو، ويقال هو رسول الشر والناموس رسول الخير. وإن أمن؛ يعني أنه يجوز قتل الجاسوس وإن كان تحت الذمة، ثم تبين أنه عين للعدو ويكاتبهم بأمور المسلمين فلا عهد له، أو كان حربيا دخل عندنا بأمان، ومحل جواز قتله إن لم يسلم، فإن أسلم فلا يقتل، قال الشيخ عبد الباقي: قيل والواو للحال لأن غير المؤمن يطلب قتله والظاهر وجوب قتله أو يسترق إلا أن يسلم. انتهى.
وقوله: "وقتل عين"، النووي في شرح مسلم اعلم أن الجاسوس إن كان كافرا حربيا فإنه يقتل بإجماع، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي يصير ناقضا للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه ويجوز قتله، وقال الشبراخيتي: وجاز قتل عين إلا أن يسلم أو يرى الإمام استرقاقه. انتهى. قال الشيخ بناني: هذا وإن نقله ابن عرفة وغيره مشكل؛ لأن استرقاقه لا يرفع إذايته. انتهى. وقوله: "وإن أمن"، قال الشيخ إبراهيم: وهذا إذا أمنه معتقدا أنه غير عين،، فإن أمنه معتقدا أنه عين فكذلك إلا أنه لا يجوز عقده عليه. انتهى.
والمسلم كالزنديق؛ يعني أنه إذا تبين أن المسلم جاسوس للعدو فإنه يكون حكمه كحكم الزنديق الآتي في باب الردة، فيقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه فلا يقتل، وهذا مذهب ابن القاسم وسحنون، وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب، وقال عبد الملك: إن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وأن مثله لا عون عنده وكان منه المرة وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل انتهى.
стр. 3415
وقبول الإمام هديتهم؛ يعني أنه يجوز للإمام وأمير الجيش إن لم يكن إمام أن يقبل هدية الكفار، لما روي أنه ﵊ قبل هدية من أبي سفيان ودحية ومن المقوقس، وإنما يكون للإمام ومن في حكمه قبولها إن كان فيهم منعة وقوة، لا إن ضعفوا وأشرف الإمام على أخذهم فقصدوا التوهين بها فإنها حينئذ رشوة لا يحل قبولها، وقوله: "وقبول الإمام هديتهم"؛ أي وله ردها عليهم، ورد ﷺ هدية عياض المجاشعي، وقال: (إنا لا نقبل رفد المشركين (١))، قيل: لأنه كان من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث وغيره ممن قبل هديته كانوا أهل كتاب، وقيل كان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ لآية. قاله الشيخ إبراهيم.
وهي له إن كانت من بعض لكقرابة؛ يعني أن الهدية المذكورة تكون للإمام يختص بها إذا علم أن مهديها له إنما أهداها لقرابة بينه وبين الإمام أو مكافأة له أو لرجاء بدلها أو نحو ذلك، قال أحمد: وسواء دخل بلد العدو أم لا، فإن كانت من بعض الحربيين للإمام لا لكقرابة ففيء للمسلمين من غير تخميس إن كانت قبل دخول بلدهم وإلا فغنيمة، وإن كانت من بعض لغير الإمام لكقرابة فيختص بها المسلم بالأولى من الإمام دخل بلده أم لا، وإن كانت الهدية من بعض الحربيين لغير الإمام لا لكقرابة بل لكونه مسموع الكلمة فالظاهر أن حكمه كحكم الإمام، فتكون فيئا إن كانت قبل دخول بلدهم وغنيمة إن كانت بعده، وهذه ثمان صور؛ لأنها إما أن تكون من بعض الحربيين للإمام لكقرابة أو لغير ذلك، وفي كل منهما حصلت الهدية قبل دخول بلد العدو أو بعده، وإما أن تكون لغير الإمام لكقرابة أو غير ذلك، وفي كل منهما إما أن تكون قبل دخول بلد العدو أو بعده، فهذه ثمان صور فيما إذا كان الهدي غير الطاغية.
وأشار إلى بيان ما إذا كانت الهدية من الطاغية بقوله: وفيء إن كانت من الطاغية؛ يعني أن الهدية للإمام إذا كانت من الطاغية أي ملك الكفار فإنها تكون فيئا إن لم يدخل الإمام بلده أي العدو، كانت لكقرابة أو غير ذلك فلا تخمس، فإن دخل الإمام بلد العدو فإنها تكون غنيمة تخمس، كانت لكقرابة أم لا، وإن كانت الهدية من الطاغية لغير الإمام بل لبعض الجيش فإن
стр. 3416
كانت لكقرابة فإنها تكون له دخل الإمام بلد العدو أم لا، وإن كانت لوجاهة ونفوذ كلمة فيفصل فيها كما للإمام من الطاغية فيما يظهر؛ أي فتكون فيئا إن لم يدخل بلده وإلا فغنيمة. قال الشيخ بناني: الذي في حاشية جد علي الأجهوري وارتضاه أبو زيد ما نصه: إنما فرق في البيان بين أن تكون من قبل قرابة وبين غيره فيما إذا دخل بلادهم، وأما إن لم يدخل فهي فيء كانت من الطاغية أو من غيره، فلو قال: وهي فيء إن لم يدخل بلده وإلا فهي له إن كانت من بعض لكقرابة، وغنيمةٌ إن كانت من الطاغية لوفى بذلك. انتهى. وهو ظاهر كما يعلم من كلام البيان، ونقله الحطاب.
وقتال روم؛ يعني أن الروم يجوز قتالهم أي يؤذن فيه فيصدق بالوجوب، وفي نسخة نوب بدل روم، والمراد بهم الحبشة، وهذه النسخة هي الصواب؛ لأن الروم مجمع على جواز قتالهم، فلا وجه لذكرهم. انظر حاشية الشيخ بناني. وسيأتي توجيه ذكرهم عن عبد الباقي. وترك؛ يعني أنه يجوز قتال الترك، وحديث: (اتركوا الترك ما تركوكم (١)) و (اتركوا الحبشة ما تركوكم (٢)) ليس معمولا بهما على ظاهرهما من وجوب الترك وحرمة القتال، وإنما المراد بالنهي فيهما النهي الإرشادي فقط، فلا ينافي الجواز، فلهذا نص المص على جواز قتالهما على نسخة نوب أو أن قتال غيرهم في ذلك الزمان أولى، أو لم يصحح عند الإمام ذلك الأثر.
والترك جيل من الناس لا كتاب لهم، والروم أولاد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن المص إنما نص على الروم والترك لقوتهما، فغيرهما يقاتل أيضا إذا أبى الإسلام.
واحتجاج عليهم بقرآن؛ يعني أنه يجوز أن يحتج على الكفار مطلقا لا في خصوص الروم والترك بالقرآن، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية، ابن عبد السلام: وأجازه الجميع، ومحل الجواز إن أمن سبهم له أو لمن أنزل عليه وإلا حرم، وقوله: "بقرآن"، ظاهره ولو كثر، وقوله: واحتجاج أراد بالاحتجاج التلاوة عليهم لعلهم يرجعون. وبعث كتاب فيه كالآية؛ يعني
стр. 3417
أنه يجوز أن يبعث إلى الكفار كتاب فيه آية أو آيتان أو ثلاث إن أمن سبهم وامتهانهم له، وفي الش عن ابن عبد السلام: التعبير بالآيات وهو يشمل أكثر من ذلك، وكذا يجوز أيضا بعث كتاب فيه حديث شاهد عليهم فيما يظهر، وفي الحطاب: قال ابن عبد السلام: وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن وأن يبعث إليهم بالكتاب فيه آيات من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة انتهى. وفيه أيضا: لا يجوز تعليم الكافر القرآن ولا الفقه ونقله في التوضيح. انتهى. وفي التوضيح أيضا: كره مالك وغيره أن يعطى الكافر درهما فيه آية من القرآن، ولا خلاف فيه إذا كانت آية تامة، وإنما اختلفوا إذا كان فيه اسم من أسماء الله تعالى ولم تكن الدراهم عليها اسم الله تعالى، وإنما ضربت دراهم الإسلام في أيام عبد الملك بن مروان. انتهى. قاله الحطاب.
وإقدام الرجل على كثير؛ يعني أنه يجوز للرجل من المسلمين أن يقدم على جمع كثير من العدو، والمراد بالجمع الكثير ما زاد على اثنين، وقوله: "وإقدام الرجل على كثير" أي وإن علم ذهاب نفسه، وقوله: "وإقدام الرجل على كثير"، وإنما يجوز ذلك بشرطين أحدهما أن يقصد بذلك أن تكون كلمة الله تعالى هي العليا، وإليه أشار بقوله: إن لم يكن ليظهر شجاعته؛ يعني أنه يشترط في جواز إقدام الرجل على كثير أن لا يكون قصده بذلك أن يظهر شجاعته، بل إنما يجوز إن قصد إعلاء كلمة الله تعالى لا ما يعطيه لفظه الشامل لذلك ولمن لا قصد له بالكلية كما أشرت إليه في صدر العبارة، الثاني أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنه نكاية العدو وإن قتل فهذا ليس من إتلاف النفس في غير فائدة، وهذا الشرط لم يصرح المص بذكره لكنه يعلم من الشجاعة التي يفيد كلامه اتصافه بها، وحقيقة هذا الشرط الأخير أن يعلم من نفسه أو يظن تأثيره فيهم وإلا لم يجز، فحيث علم أو ظن تأثيره فيهم جاز له الإقدام ولو علم إذهاب نفسه إن لم يكن الخ. على الأظهر، راجع لقوله: "وإقدام الرجل"، ولا يرجع للشرط أعني قوله: "إن لم يكن ليظهر شجاعته"، وأشار به إلى قول ابن رشد، والصحيح الجواز قال ابن عبد السلام أيضا: والظاهر من أقوال مالك الجواز بشرط أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها نكاية للعدو وإن قتل، وبشرط أن يمحض النية لله تعالى لا لإظهار شجاعته، وإذا كان كذلك حصل منه إرهاب العدو
стр. 3418
وهي إحدى فوائد الجهاد، ولم يكن من إتلاف النفس لغير فائدة. انتهى. وقوله: "على الأظهر" اعلم أن مقابل الأظهر الكراهة. والله سبحانه أعلم.
وانتقال من موت لآخر؛ يعني أن من تعارضت عليه أسباب العطب يجوز له أن ينتقل من سبب من أسباب الموت إلى سبب آخر كحرق الكفار مركبا للمسلمين، فإنهم إذا مكثوا فيها هلكوا وإن طرحوا أنفسهم في البحر هلكوا وهذا هو المشهور. قاله في المدونة. وزاد فيها: وإن صبر فهو أكرم وفي كتاب محمد عن ابن القاسم: أنه لا ينتقل، واختاره ابن المواز لأن في انتقاله تسببا في قتل نفسه، ومحل كلام المص حيث لم يرج حياة أو طولها وإلا وجب عليه طلب الحال الذي يظن حصول ذلك معه، كما أشار إليه بقوله: ووجب إن رجا حياة أو طولها؛ يعني أن من تعاورته أسباب العطب أو سببان له وترجح عنده في إحدى الجهات أو الجهتين حياة مستمرة أو طولها، يجب عليه أن ينتقل إلى الجهة التي يرجو فيها استمرار الحياة أو طولها، قال عز الدين: إذا رجا الإنسان حياة ساعة فلا يحل له استعجال موته، وينتقل للسبب الذي يرجو فيه ذلك ولو شكا، ولو حصل فيه ما هو أشد من الموت المعجل؛ لأن حفظ النفوس واجب ما أمكن، فيجوز قطع من أكلت الأكلة بعض كفه خوف أكل جميعه ما لم يخف الموت من قطعه، وكذا من فعل به ما لا يعيش معه فلا يجوز أن يسقى ما يموت به عاجلا، وكذا لا يجوز أن يضرب بنحو مدية في لبته ليموت عاجلا.
ابن عبد السلام: من تحتم قتله بذنب من الذنوب لم يجز له أن يقتل نفسه، وستره على نفسه مع التوبة أولى به، وإن أراد تطهير نفسه بالقتل فليقر بذلك عند ولي القتل ليقتله على الوجه الشرعي، فإن قتل نفسه لم يجز له ذلك، لكنه إن قتل نفسه قبل التوبة كان ذنبه صغيرا لافتياته على الإمام ويلقى الله تعالى فاسقا بالجريمة للقتل، وإن قتل نفسه بعد التوبة، فإن جعلنا توبته مسقطة لقتله فقد لقي الله تعالى فاسقا بقتله نفسه لأنه قتل نفسا معصومة، وإن قلنا لا يسقط قتله بتوبته لقي الله تعالى عاصيا لافتياته على الأئمة، ولا يأثم بذلك إثم من يرتكب الكبائر لأنه فوت روحا يستحق الله تعالى تفويتها وأزهق نفسا يستحق الرب إزهاقها، وكان الأصل يقتضي أن
стр. 3419
يجوز للآحاد القيام بحق الله تعالى في ذلك، لكن الشرع فوضه إلى الأئمة كي لا يوقع الاستبداد به في الفتن. انتهى. قاله الإمام الحطاب.
وبما قررت علم أن قوله: "حياة أو طولها"، متغايران؛ إذ المراد بقوله "حياة" استمرارها، وبقوله: "طولها" ولو لم تستمر، وقد سئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالها وليس عندهم ما يكفيهم؛ أيخرجون للقتال أم يصبرون للموت جوعا؟ فقال: يخرجون أحب إلي يريد لاحتمال الأسر أو الهرب أو النصر أو غيره، وأما إن علموا أنهم يقتلون بمجرد خروجهم فالظاهر عدم خروجهم. قاله الشيخ إبراهيم.
وشبه في الوجوب قوله: كالنظر في الأسرى؛ يعني أنه يجب على الإمام أن ينظر بالمصلحة فيما يفعل بالأسرى قبل قسم الغنيمة من هذه الأمور الخمسة، فيخير الإمام فيهم بينها فما رآه نظرا أمضاه.
أحدها القتل، وإليه أشار بقوله: بقتل؛ يعني أن الإمام له أن يقتل من رأى القتل في حقه نظرا للإسلام وهذا فيمن يقتل، وإذا قتل فإنه يحسب من رأس المال، وقوله: "بقتل"، بدل من قوله: "في الأسرى"، والباء ظرفية.
ثانيها أشار إليه بقوله: أو مَنٍّ؛ يعني أن الإمام كما له أن يقتل الأسرى بالنظر له أن يمن على الأسير الكافر أي يطلقه ويخلي سبيله إن رأى ذلك مصلحة للمسلمين، كأن لا يكون له قيمة معتبر ويحسب من الخمس، وله بعد المن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون الإمام من عليه على البقاء. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره.
ثالثها أشار إليه بقوله: أو فداء من الخمس أيضا؛ يعني أن الإمام كما له أن ينظر بما تقدم في الأسارى، له أيضا أن يأخذ فيهم فداء بالنظر، فيأخذ في الأسير الكافر مالًا يدفعه الكفار في فداء أسيرهم حيث كان ذلك نظرا للمسلمين، كأن يبذل فيه أكثر من قيمته أو يفادوه بأسرى مسلمين عندهم، خلافا لقول سحنون: إنما يكون الفداء بأسارى المسلمين.
стр. 3420
رابعها أشار إليه بقوله: أو جزية؛ يعني أنه كما للإمام أن ينظر بما تقدم في الأسارى، له أيضا أن ينظر فيهم بضرب الجزية عليهم حيث كانوا ممن تضرب عليهم، ويحسب المضروب عليهم من الخمس أيضا.
خامسها أشار إليه بقوله: أو استرقاق؛ يعني أنه كما للإمام أن ينظر في الأسارى بما تقدم له أيضا أن ينظر فيهم بالاسترقاق فيمن يرق منهم فيرجع للغنيمة، فمتى كانت المصلحة في خصلة من هذه الخصال الخمس تعينت، وحينئذ فمعنى التخيير أن الإمام يخير حيث رأى أن كلا من الأمور مصلحة، ويحتمل أن يكون المراد بالتخيير لازمه وهو عدم تعيين واحد منها ابتداء، فلا ينافي وجوب فعله ما هو المصلحة من غير تخيير عند ظهورها.
فتحصل مما مر أن من قتل من رأس المال وأن من رق يقسم ومن مُنَّ عليه ومن فُدِيَ ومن ضربت عليه الجزية من الخمس، وكون هذه الثلاثة من الخمس هو الذي صرح به اللخمي ونقله الحطاب، والذي لابن رشد أن الثلاثة من رأس المال ويرجع الفداء للغنيمة من أموالها، قال بعض الشيوخ: وهو الراجح، ومعنى كون هذه الثلاثة من الخمس أن قيمتهم تجعل فيما يخمس لأنها من جملة الغنيمة، ولكنها تحسب من الخمس وهو الذي مر عن اللخمي، ومعنى كونها من رأس المال وهو الذي لابن رشد أنها لا تحسب من الغنيمة ولا تؤخذ قيمتها من الخمس، لكن من أخذ منه الفداء يجعل فداؤه من جملة الغنيمة، فيقسم خمسة أقسام: أربعة للغانمين وواحد لبيت المال واعلم أن هذه الوجوه الخمسة بالنسبة للرجال، وأما الذراري والنساء فليس فيهم إلا الاسترقاق أو المفاداة. قاله غير واحد. السهيلي: ولا يجوز للإمام المن على الأسارى بعد القسم، ويجوز له ذلك قبل القسم كما فعل ﵊ [بأهل خيبر] (١)، وقال أبو عبد الله: ولا يجوز أن يمن عليهم بردهم إلى دار الحرب، ولكن على أن يؤدوا الجزية ويكونوا تحت حكم المسلمين. انتهى. وهو خلاف ما مر من أن له بعد المن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون الإمام مَنَّ عليه على البقاء.
ولا يمنعه حمل بمسلم؛ يعني أنه لا يمنع استرقاق الكافرة كونها حاملا بمسلم كأن يتزوج مسلم كتابية حربية ببلد الحرب ثم تسبى حاملا، أو يتزوج كافر كافرة ويسلم ثم تسبى وهي حامل وقد
стр. 3421
أحبلها وهو كافر أو مسلم، فالحمل في هذه الصور الثلاث مسلم؛ لأنه يتبع أباه في الدين والنسب وترق هي في جميع الصور، وأما رقه هو ففيه تفصيل أشار إليه بقوله: ورق إن حملت به بكفر؛ يعني أن الحمل المذكور يكون رقيقا إن حملت به أمه في حال كفر أبيه ثم أسلم بعد ذلك كما في الصورة الوسطى، ويكون الحمل حرا إن حملت به في حال إسلام أبيه كما في الطرفين، ولهذا يقيد قوله: "وماله وولده فيء مطلقا"؛ أي سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، فإن شك هل حملت به في إسلام أبيه أو كفره لم يرق إن وضعته لستة أشهر من إسلامه، ولأقل رق ثم محل رقه فيما ذكر ما لم يمن على أمه بعد رقها، ويضرب عليها أي على رجالها الجزية أو تفدى، وإلا كان حرا تبعا لها، كما يكون حرا إذا أسلمت به قبل سبيها. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
وبما قررت علم أن المراد بقوله: "بكفر"، كفر أبيه. واعلم أنه لا يجوز للإمام المن بعد القسم، وإنما يجوز له قبل القسم، وقوله: "كالنظر في الأسرى بقتل"، فإن قتل فلا كلام وإن أبقي لم يجز له أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده إلا أن يكون اشترط عليه أن يبقيه للجزية، فإن أبقاه للجزية لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادى به برضاه، وإن أبقاه على وجه الاسترقاق جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء وإن أبقاه للفدية لم ينتقل للجزية ولا للرق إلا برضاه، ومن استحياه فلا يقتله إلا أن يبقيهم الإمام ليرى فيهم رأيه.
والوفاء بما فتح لنا به بعضهم؛ يعني أنه يجب علينا الوفاء لبعض العدو بالأمر الذي فتح لنا به أي بسببه الحصن أو البلد أو القلعة، نحو: أفتح لكم على أن تؤمنوني على نفسي أو أولادي أو عيالي أو مالي أو على مالي ونفسي أو على عشرة من أهل الحصن أو أفتح لكم على أن تؤمنوني على فلان رأس الحصن، فالرأس مع القائل آمنان لأنه لا يطلب الأمان لغيره إلا مع طلبه لنفسه، وكذا على أهلي أو على عشرة من أهلي كان هو آمنا أيضا، فإن قال علي ألف درهم من مالي أخذها من ماله كان عينا أو عرضا، وإن لم يف بها لم يكن له غيره، بخلاف من دراهمي ولا دراهم له فلا شيء له وماله فيء.
وبأمان الإمام؛ يعني أنه يجب الوفاء بأمان الإمام أو الأمير للمجعول له ذلك، وإنما وجب ذلك لأن الإمام قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقا أو مقيدا بزمان أو مكان
стр. 3422
أو صفة، ولا خلاف في ذلك بين الأمة. مطلقا؛ أي يجب الوفاء بتأمين السلطان مطلقا أي في بلاد ذلك السلطان وفي غيرها من البلاد، فليس لغيره من السلاطين إذا خرج إلى بلده أن يستبيح دمه ولا استرقاقه ولا غيرهما.
المازري وغيره: ولا خلاف في ذلك، وقال في الكافي: قد قال بعض أصحاب مالك أن ليس له أمان إن وقع بغير البلد الذي أمن به. انتهى.
وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه إذا بعد عن بلد الإسلام وقرب من حوزه ومأمنه يصير كمن لا عهد له، فمن لقيه من أهل ذلك السلطان المؤمن يحل له، وكذا لا يكون آمنا فيما عدا بلاد السلطان الذي أمنه. انتهى. وقوله: "مطلقا"، مفعول مطلق أي وفاء مطلقا لا يتقيد ببلد عن بلد، وسواء أمنه على مال أو غيره، ويكفي إخبار الإمام بأنه أمن غيره دون غيره كأمير الجيش، فلابد من بينة تشهد على أنه أمن غيره، ويصح أن يفسر قوله: "مطلقا"، بأن يقال سواء أطلق أو قيد قبل الفتح أو بعده.
وعرف ابن عرفة الأمان بقوله: الأمان رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، فيدخل الأمان بأحد الثلاثة لأنه رفع لاستباحتها. انتهى. قوله: فيدخل الأمان بأحد الثلاثة؛ لأن رفع المجموع يتقرر بأحد أمرين: إما برفع كله أو برفع أحد أجزائه، وقوله: حين قتاله، احترز به من الصلح والمهادنة والاستيمان، قال ابن عرفة: قال ابن سحنون: ذكر لمالك ما روي عن عمر في القاتل (١) للعلج متروس وهو بالفارسية لاتخف، قال سحنون: هوأمان، وكذا بكل لسان قبطي أو غيره ولو لم يفهمه الحربي. قاله الشيخ إبراهيم.
كالمبارز مع قرنه؛ يعني أنه يجب على المسلم المبارز لقرنه الكافر الوفاء بما عاهده عليه ولا يقتل هذا القرن غير من بارزه؛ لأن مبارزته كالعهد على أن لا يقتله إلا واحد، لكن لو سقط المسلم وأراد قرنه الكافر الإجهاز عليه منعه المسلمون من ذلك على الصحيح أي بغير القتل إن أمكن، وإلا فبه. هذا هو الذي تجب به الفتوى دون القول بأنه لا يعان بوجه. وقوله: "قرنه"، القرن
стр. 3423
بالكسر هو الذي يقارنك في بطش أو شدة أو قتال أو علم، وجمعه أقران، وأما في السن فقرنه بالفتح وقرينه والجمع قرناء، ولابد في المبارزة من إذن الإمام كما ذكره ابن عرفة عن سحنون عن معن عن مالك، قال: أكره أن يبارز أحد إلا بإذن الإمام واجتهاده، وكما ذكره ابن حبيب، قال أهل العلم: لا بأس بالمبارزة بإذن الإمام، وكما في سماع زونان من وجوب استئذان الإمام في المبارزة والقتال إذا كان الإمام عدلا، وارتضاه ابن رشد، واقتصر عليه المواق خلاف قول ابن المنذر: كل من أحفظ عنه العلم على جواز المبارزة والدعوة إليها وشرط بعضهم فيها إذن الإمام، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ولم يشترطه غيرهم، وهو قول مالك والشافعي، وقوله: "كالمبارز مع قرنه"، قال الشبراخيتي شارحا له: يجب عليه الوفاء بما شرطه من القتال راجلين أو راكبين على بعيرين أو فرسين أو رمح أو خنجر أو نحو ذلك، وقد بارز أنس بن مالك مرزبان الدارة من البحرين فقتله، وأخذ منطقته وسواريه فقوما بثلاثين ألفا وأربعين. انتهى.
وأن أعين بإذنه قتل؛ يعني أن القرن الكافر إذا استنصر واحدا من قومه أو أكثر على مبارزه المسلم فأعانه فإنه يقتل المعان مع المعين، فقوله: معه؛ أي المعين المفهوم من أعين.
وبما قررت علم أن نائب أعين ضمير يعود على القرن الكافر، وأن الضمير في "بإذنه"، عائد عليه أيضا، وكذا نائب قتل، وأن الضمير في "معه" عائد على المعين أي قتل المعان المبارز مع المعين له في قتل المبارز المسلم، ومفهوم قوله: "بإذنه"، أنه لوأعين الكافر المبارز بغير إذنه قتل المعين وترك المعان مع مبارزه على ما دخل معه عليه، ولو جهلت الإعانة هل وقعت عن إذن أم لا فالظاهر الحمل على الإذن إن دلت قرينة عليه، كما إذا راطنه ولم يعرف ما يقول فجاء عقب ذلك فورا، وإلا فالأصل عدم الإذن. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولمن خرج في جماعة لمثلها إذا أفرغ من قرنه الإعانة؛ يعني أنه يجوز للمسلم الذي خرج في جماعة مسلمين لمثلهم من الحربيين إذا فرغ من قرنه الكافر أن يعين مسلما آخر على قرنه؛ أي يجوز لمن ظفر من المبارزين المسلمين أن يعين من لم يظفر من أصحابه في الدفع والقتل، وهذا إذا عقد الطائفتان المبارزة من غير تعيين شخص لآخر عند العقد، بل برز عند مناشبة القتال كل واحد من المسلمين لكل واحد من الكفار نظرا إلى أن الجماعة خرجت لجماعة فكأن كل جماعة
стр. 3424
بمنزلة قرن واحد، لقضية علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب ﵃ بارزوا يوم بدر الوليد بن عتبة وعتبة بن ربيعة وأخاه شيبة بن ربيعة، فقتل علي الوليد وحمزة عتبة، وأما شيبة فضرب عبيدة فقطع رجله فكر عليه علي وحمزة فاستنقذاه من شيبة وقتلاه، وقيل إن شيبة هو الذي قتله حمزة، وأن عتبة هو الذي بارز عبيدة ولابن غازي:
عبيدة لشيبة … وحمزة لعتبة
ثم علي للوليد … شيخ وكهل ووليد
وأما لو كانت الجماعة عند المعاقدة عينت كل واحد لواحد فلا يجوز في هذه لواحد منهم أن يعين غيره بل يمنعه من التذفيف فقط، وهذه هي قوله: "كالمبارز مع قرنه"، فإنه شامل لواحد مع واحد وأكثر مع أكثر، فالمسائل ثلاث. وعبيدة هذا رضي الله تعالى عنه كانت هجرته إلى المدينة مع أخويه الطفيل والحصين ابني الحارث ابن المطلب، وكلهم من أهل بدر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وأجبروا على حكم من نزلوا على حكمه؛ يعني أن الإمام يجبر الكفار أهل الحصن أو المدينة أو من قدم لتجارة على حكم من أنزلهم الإمام على حكمه سواء كان الذي نزلوا على حكمه، هو الإمام أو غيره، وهذا بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يجوز للإمام أن ينزلهم على حكم غيره، وإنما يجوز له أن ينزلهم على حكمه هو، وأما إنزاله ﷺ بني قريظة فإنما نزلوا على حكمه ﷺ ، وبعد أن نزلوا على حكمه ﷺ حكم فيهم سعدا تطييبا لخواطر الأوس من الأنصار لأنهم مواليهم، لا أنه أنزلهم على حكم سعد لأنه ﷺ لا يطيب قلوبهم إلا بما يجوز، ونقل الحطاب عن عياض جواز نزولهم على حكم غير الإمام إن كان عدلا؛ يعني أن الجبر المذكور إنما يكون بشرطين، أحدهما أن يكون هذا الذي أنزلهم الإمام على حكمه عدل الشهادة، ثانيهما أشار إليه بقوله: وعرف المصلحة؛ يعني أنه لابد في ذلك أيضا من كون الذي نزلوا على حكمه يعرف المصلحة للمسلمين فيما يفعل حالا، قال الشيخ بناني ما حاصله أن المراد بالعدل في كلام المص هنا هو عدل الشهادة، فلو حكموا عبدا أو
стр. 3425
ذميا أو امرأة أو صبيا لم يجز، وحكم الإمام نقله عن ابن عرفة، وجعل نظر الإمام خاصا بالفاسق مع كونه حرا ذكرا بالغا. وإلا بأن انتفت العدالة والمصلحة أو إحداهما نظر الإمام فيما فعل هذا الذي نزلوا على حكمه، فإن رآه مصلحة وإلا رده وتولى هو الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة.
وفي الشبراخيتي ما نصه: وإذا أنزلهم على حكم غيره، فإن كان عدلا نفذ حكمه ولم يردهم لمأمنهم حيث حكم بقتل أو جزية أو استرقاق، وإن كان فاسقا تعقب الإمام حكمه، فإن رآه حسنا أمضاه وإلا حكم بما يراه نظرا، ولا يردهم لمأمنهم، ولو نزلوا على حكم رجلين فمات أحدهما ردوا لمأمنهم ولو اختلفا في الحكم ردوا أيضا، ولا يجوز أن ينزلوا على حكم الله تعالى، فإن وقع فليس فيه إلا القتل أو الاسترقاق. انتهى.
وتحصل مما مر أنهم يجبرون على حكم من نزلوا على حكمه إن كان عدلا وعرف المصلحة، فإن لم يكن عدلا فإن كان عبدا أو ذميا أو امرأة أو صبيا لم يجز وحكم الإمام وإن كان فاسقا حرا ذكرا بالغا نظر الإمام، فيما فعل، فإن رآه مصلحة أمضاه وإلا رده وتولى الحكم بنفسه فيما يراه مصلحة، كما لو لم يعرف المصلحة أو اجتمع الأمران. والله سبحانه أعلم. وأنهم لو نزلوا على حكم الله تعالى لم يجز ذلك، فإن نزل فالقتل أو الاسترقاق ليس إلا، ولو نزلوا على حكم الله تعالى وحكم فلان فهو كنزولهم على حكم الله تعالى فقط.
كتأمين غيره إقليما؛ يعني أن غير الإمام إذا أمن إقليما أي عددا لا ينحصر إلا بعسر وإن لم يكن أحد الأقاليم السبعة، فإن الإمام ينظر في ذلك التأمين فيمضيه أو يرده بالمصلحة نص عليه غير واحد، ونحوه في الجواهر.
تنبيهان: الأول: الأقاليم السبعة هي: الهند والحجاز ومصر وبابل وخامسها الروم والترك وسادسها يأجوج ومأجوج وسابعها الصين، وأما المغرب والشام فمن مصر بدليل اتحاد الميقات والدية.
الثاني: وقع في كلامهم لفظ الأمان والمهادنة والصلح والاستيمان والمعاهدة، فالأمان تقدم تعريفه والمهادنة والصلح مترادفان، والصلح هو عقد المسلم مع الحربي على المسألة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فيخرج الأمان والاستيمان والاستيمان وهو المعاهدة تأمين حربي ينزل بنا
стр. 3426
لأمر ينصرف بانقضائه. انظر الحطاب وفيه عن فتح الباري قال ابن بطال: العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم، واختلفوا في عكس ذلك وهو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم؟ فذهب الأكثر إلى أنه لابد من تعيينه لفظا، وقال أصبغ وسحنون: لا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي بالقرينة لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وهو يقصد إدخال نفسه. والله أعلم. انتهى.
وإلا فهل يجوز وعليه الأكثر أو يمضي؟ يعني أنه وقع في المدونة أنه يجوز أمان المرأة والعبد والصبي إن عقل الأمان، وقال ابن الماجشون: الإمام مخير بين أن يمضيه ويرده، واختلف الشيوخ في قول ابن الماجشون هل هو خلاف للمدونة وإليه ذهب عبد الوهاب والباجي وغيرهما والمص، أو وفاق فيحمل قول المدونة: يجوز، على أنه يمضي إن أمضاه الإمام؟ قال ابن يونس: أصحابنا يحملون قوله -يعني قول ابن الماجشون- على أنه ليس بخلاف. والله سبحانه أعلم.
وهذا إنما هو فيما إذا كان المؤمن واحدا أو عددا محصورا بغير عسر، فقوله: "وإلا"، معناه وإن لم يكن المؤمن إقليما بل كان واحدا أو عددا محصورا بغير عسر. والله سبحانه أعلم. واعلم أنه يرد على المص أمران، أحدهما أنه يقتضي جريان التأويلين فيمن سوى الإمام ولو كان مستوفيا لشروط الأمان وليس كذلك؛ إذ من كملت فيه خمسة شروط وهي الإسلام والعقل والحرية والذكورة والبلوع إذا أعطى أمانا فهو كأمان الإمام، فيمضي تأمينه من غير تأويلين. الأمر الثاني أن ظاهره يقتضي أن معنى التأويلين، هل يجوز ابتداء أو لا يجوز؟ وبظاهره قرره غير واحد وليس كذلك، بل معناهما هل يمضي ابتداء أو لا يمضي إلا إن أمضاه الإمام، وليس فيهما تعرض للجواز ولا عدمه. قاله الشيخ بناني.
من مؤمن؛ يعني أن هذا الأمان الذي اختلف فيه هل يجوز أو يمضي إن أمضاه الإمام؟ يشترط فيه أن يكون من مؤمن مميز كما قال: مميز، واحترز بذلك عن تأمين الكافر ومن تأمين غير المميز، فإن ذلك لا يصح، وبالغ على صحة التأمين مع استيفاء الشرطين المذكورين بقوله: ولو صغيرا أورقا أو امرأة أو خارجا عن الإمام، وأشار المص بلو في الثلاث الأولى لرد قول عبد الملك، وقوله: لا ذميا؛ يعني به أنه إذا كان التأمين من ذمي فإنه لا يجوز ولا يمضي لأن مخالفته في
стр. 3427
الدين تحمله على سوء النظر للمسلمين، وقوله: لا ذميا عطف على قوله: "من مؤمن"؛ لأنه في موضع الحال وهو محترزه.
أو خائفا منهم؛ يعني أن المسلم إذا أمن العدو لخوفه منهم فإن أمانه غير معتبر؛ لأنه لم يرع في ذلك مصلحة المسلمين وهي المقصود الأعظم من التأمين، وإنما يرعى مصلحة نفسه، وهل يقدر الأسير مثلا أن لا يؤمنهم إذا طلبوه الأمان، وقوله: تأويلان، راجع لما قبل "لا"، ولو قدمه هناك لكان أحسن، وكلام المص يقتضي أن المسلم الحر الذكر البالغ العاقل فيه تأويلان، وليس كذلك كما مر التنبيه عليه؛ إذ تأمينه يمضي باتفاق التأويلين ولو كان خارجا عن طاعة الإمام، فلو أمن الخوارج حربيين على أن يخرجوا إليهم يكونون معهم بدار الإسلام يقاتلوننا فظهرنا على الجميع بعد قتال أو قبل أن يقاتلونا، فلا يستباح أولئك الحربيون بشيء من أخذ مال أو غيره؛ لأنهم انعقد لهم أمان على الكون بدار الإسلام، ويمضي الأمان بالشروط الخمسة من غير تأويلين، ولو كان المؤمن خسيسا لا يسئل عنه إذا غاب ولا يشاور إذا حضر والتأويل بالجواز وأنه لا خيار للإمام لعبد الوهاب والباجي وغيرهما، حملوا قول المدونة: يجوز أمان العبد والمرأة والصبي على أنه لا خيار للإمام فيخالف قول ابن الماجشون أنه ينظر الإمام، وقال ابن يونس: أصحابنا يحملون قول ابن الماجشون على الوفاق، فيكون معنى قول المدونة: يجوز الخ يمضي إن أمضاه الإمام، وقال ابن حبيب: لا ينبغي تأمين لغير الإمام، واختلف هل هو وفاق المدونة أو مخالف لها؛ أي لقولها: يجوز أمان الصبي والعبد والمرأة. انتهى.
وعلم مما مر أن ما قبل المبالغة في كلام المص غير صحيح؛ لأن ما قبلها هو المستكمل للشروط الخمسة، وقد علمت أنه تأمينه كتأمين الإمام على المشهور، فلا يجري فيه التأويلان، فلا يمضي باتفاقهما كما نص عليه غير واحد. والله سبحانه أعلم.
وهنا دقيقة وهي أن ابن الماجشون قال: إن تأمين غير الإمام يمضي إن أمضاه الإمام مطلقا، لكن لم يذهب أحد إلى أن قوله في المستكمل للشروط الخمسة وفاق كما أشار إليه الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير، وله النظر إن أمن غيره عددا لا ينحصر: فإن أمن محصورا جاز، وهل من امرأة
стр. 3428
وعبد وصبي عقل الأمان، أو ينظر الإمام لتأمينهم؟ قولان، قال: وأسقطت الخارج عن الإمام لأنه ليس من محل الخلاف. انتهى.
وسقط القتل؛ يعني أن القتل يسقطه تأمين الإمام أو غيره، وهو راجع لما قبل: "لا ذميا"؛ أي ووجب الوفاء بما فتح لنا به بعضهم وسقط القتل وبأمان الإمام وسقط القتل كتأمين غيره إقليما وأمضاه الإمام وسقط القتل، وإلا فهل يجوز أو يمضي إن أمضاه الإمام؟ وسقط القتل. ولو بعد الفتح؛ يعني أن التأمين قبل فتح العدو يسقط به القتل ولا إشكال في ذلك، وأما التأمين بعد الفتح فكذلك أيضا على قول ابن القاسم وابن المواز، وقال سحنون: لا يجوز لمؤمنه قتله ويخير فيه الإمام إن شاء قتل وإن شاء أمضى أمانه وكان فيئا فمحل الخلاف في سقوط القتل بالتأمين بعد الفتح، وإنما هو بالنسبة لغير المؤمن، وأما المؤمن فليس له قتله اتفاقا هكذا في التوضيح والحطاب، ومقتضى نقل المواق عن ابن بشير أن محل الخلاف في تأمين غير الإمام. قاله الشيخ بناني.
واعلم أن الأمان بعد الفتح إنما يسقط به القتل خاصة، وللإمام أن يرى رأيه في بقية الأمور من الاسترقاق والمن والفداء والجزية، وأما التأمين قبل الفتح فيسقط به القتل وغيره من الأمور المذكورة، فمتعلق الأمان بعد الفتح القتل خاصة وقبله مطلق. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره.
واقتصار المص على القتل إنما هو لأجل المبالغة بلفظ؛ يعني أن التأمين في أي مسألة يكون باللفظ، فالتأمين لازم بكل لسان فهمه المؤمن أم لا، قال في النوادر عن سحنون سواء ناداهم المسلمون بالقبطية أو الفارسية أو الرومية أو غيرها، وإن كان العدو لا يعرف ذلد اللسان فهو أمان لهم. أو إشارة؛ يعني أن التأمين بالإشارة كالتأمين باللفظ. مفهمة؛ يعني أنه لابد أن تكون الإشارة مفهمة أي شأنها أن يفهم منها العدو الأمان وإن قصد المسلمون ضده. قاله عبد الباقي. كفتحنا لهم المصحف وحلفنا أن نقتلهم [فظنوا ذلك أمانا] (١). ابن المواز: وقعت فأفتى فيها جميع فقهائنا أنها أمان، قال عبد الباقي: وكذا لو قصد بها المشير الأمان وفهم منها الكفار ضده. انتهى. أي فإن ذلك أمان، قوله: وإن قصد المسلمون ضده، قال بناني: هذا داخل في قوله: وإن
стр. 3429
ظنه حربي الخ، ومعنى كونه أمانا أنه يعصم دمه وماله، لكن يخير الإمام بين إمضائه ورده لمأمنه، وبهذا يجمع بين ما في التوضيح من اشتراط قصده وما في المواق من عدم اشتراطه، فيحمل ما في التوضيح على الأمان المنعقد الذي لا يرد، وما في المواق على ما يشمل تخيير الإمام. والله أعلم. انتهى.
وقد مر أنه يكفي إخبار الإمام أنه أمن غيره بخلاف غير الإمام كأمير الجيش فلابد من البينة إن لم يضر؛ يعني أنه يشترط في لزوم الأمان أي في جميع صورة أن لا يضر بالمسلمين، بأن حصلت به المصلحة أو استوت حالة المصلحة وعدم الضرر فالشرط عدم الضرر لا المصلحة، فإن أضر بالمسلمين فلا يلزم كما لو أمن جاسوسا أو طليعة أو من فيه مضرة، وأما تأمين أهل الحصن بعد إشرافهم على فتحه فلا يتأتى التمثيل به على مذهب ابن القاسم القائل بصحة الأمان ولو بعد الفتح؛ لأنه إذا صح بعد الفتح فأحرى قبله، والظاهر من كلامهم أن التأمين بعد الإشراف على الفتح يسقط به القتل وغيره، وليس هو كالتأمين بعد الفتح فلا يسقط به إلا القتل فقط، وقد علمت أن قوله: "إن لم يضر"، عام في جميع صور الأمان، فإن أضر فلا يلزم سواء كان المؤمن هو الإمام أو غيره. انظر حاشية الشيخ بناني.
وإن ظنه حربي فجاء؛ يعني أنه لو ظنه أي الأمان حربي من قول أو إشارة منا لهم كقول مسلم لرئيس مركب العدو: ارخ نعلك أو لشخص منهم مطرس ونحو ذلك ولم يقصد بذلك الأمان فظنوا أنه أمان، فجاء الحربي للمسلمين معتمدا على ذلك الظن، فإن الإمام إن شاء أمضى الأمان وإن شاء رد الحربي لمحله الذي كان به قبل التأمين، ولا يجوز قتله ولا استرقاقه ولا أخذ ماله، فالضمير في "ظنه"، يرجع للأمان كما علمت، وقوله: مطرس بالطاء مشددة وساكنة وبالتاء كذلك معناه بالفارسية: لا تخف، وقال عبد الباقي: وإن ظنه حربي من غير إشارة منه لهم، قال بناني: يعني فإن كان بإشارة ففيه التفصيل بين المفهمة وغيرها كما يفيده كلام المص، وقد قدمت عنه عند قول المص مفهمة التصريح بأن الإشارة المفهمة إذا فهم منها العدو الأمان وقصدنا ضده أن ذلك داخل في قول المص هنا، وإن ظنه حربي وهو الذي عليه الشيخ الأمير، فإنه قال: وإن
стр. 3430
فهم الأمان وإن من إشارة فإنها كاللفظ أو نهى الناس عنه، فخالفوا أمضاه الإمام أو رُدَّ لمحله. انتهى.
أو نهى الإمام الناس عنه فعصوا؛ يعني أنه إذا نهى الإمام الناس عن تأمين العدو فعصوا أمره وأمنوا فإنه -أي الإمام- إن شاء أمضى تأمينهم وإن شاء رد الحربي إلى حيث كان قبل التأمين، ولا يقتل ولا يسترق ولا يؤخذ ماله. أو نسوا؛ يعني أنه إذا نهى الإمام الناس عن التأمين فنسوا أمره وأمنوا، فإن الإمام إن شاء أمضى تأمينهم وإن شاء رد الحربي إلى محله الذي كان به قبل التأمين، ولا يقتل ولا يسترق ولا يؤخذ ماله. أو جهلوا؛ يعني أن الحكم كذلك فيما إذا نهى الإمام الناس عن التأمين فجهلوا أي لم يعلموا نهيه أو جهلوا وجوب طاعته وحرمة مخالفته، أو جهل إسلامه؛ يعني أنه لو أمن الحربي ذمي واعتقد الحربي أن الذمي الذي أمنه مسلم فاعتمد على تأمينه فإن الإمام مخير، إن شاء أمضى ذلك التأمين وإن شاء رده إلى محله الذي كان به قبل التأمين، وفاعل "جهل" ضمير يعود على الحربي، والضمير في إسلامه عائد على المؤمن وإسلامه على حذف مضاف تقديره عدم، والاعتقاد والظن هنا متساويان، وهل الشك والوهم كالظن أو لا؟ لا إمضاءه؛ يعني أن الحربي إذا علم أن الذي أمنه ذمي، لكنه جهل حكم إمضاء تأمين الذمي بل ظن أنه ماض عند المسلمين كأمان الصبي والمرأة، فإنه لا أمان له بل يكون فيئا لبيت المال.
وقوله: أمضى أو رد لمحله، جواب عن المسائل الخمس، فهو راجع لما قبل "لا"؛ يعني أن الحكم في هذه المسائل الخمس أن يخير الإمام بين أن يمضى الأمان وبين أن يرد الحربي إلى حيث كان قبل التأمين كما مر، وقوله: "لمحله"، أحسن من قول غيره: رد لمأمنه؛ لأنه لا يلزم رده بحيث يأمن، بل لمحله قبل التأمين ولو لم يأمن به.
وإن أخذ مقبلا بأرضهم، وقال: جئت أطلب الأمان؛ يعني أنا إذا أخذنا الحربي ببلد العدو وهو مقبل إلينا، وقال: أتيت إليكم أطلب الأمان ولم تقم قرينة على صدقه ولا كذبه، فإنه يرد إلى مأمنه. أو بأرضنا، وقال: ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر؛ يعني أن الحربي إذا أخذناه ببلدنا ومعه تجارة وقد دخل بلادنا بلا أمان، فقال لنا جئت لأتجر وظننت أنكم لا تترضون لتاجر،
стр. 3431
فإنه يرد إلى مأمنه، قال ابن القاسم في الرومي ينزل بساحلنا تاجرا قبل أن يعطى الأمان، فيقول ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر حتى يبيع: فإما قبلت منهم وإما رددتهم إلى مأمنهم. أو بينهما؛ يعني أنا إذا أخذنا الحربي بعد انفصاله عن بلده وقبل دخوله بلدنا، وقال أتيت إليكم أطلب الأمان فإنه يرد إلى مأمنه.
وبما قررت علم أن قوله: رد لمأمنه، جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث؛ يعني أنه لابد أن يرد إلى مأمنه في هذه المسائل الثلاث أو يقبل منه ذلك، ولو أخذ بأرض العدو وقال ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر وهو تاجر، فالظاهر رده لمأمنه، ولو أخذ بأرضنا وقال جئت أطلب الأمان فالظاهر جريانه على ما إذا أخذ بأرضنا وقال جئت للإسلام أو للفداء، فاختلف هل يرد لمأمنه، أو يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه؟ ومحل الخلاف حيث أخذ بحدثان مجيئه وإلا خير فيه الإمام باتفاق، قال الإمام الأجهوري: وانظر ما وجه القول برده لمأمنه حيث قال: جئت أطلب الإسلام ولم لا يطلب منه فإن أبى خير فيه الإمام. انتهى.
وإن قامت قرينة فعليها؛ يعني أن الحربي إذا قامت قرينة على صدقه أو كذبه في المسائل الثلاث كما لو وجد معه سلاح فإن ذلك يدل على حرابته، وكمن قال جئت رسولا ومعه مكاتبة أو جئت لفداء وله من يفديه.
وإن رد بريح فعلى أمانه حتى يصل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا ردته الريح بعد أن توجه لبلده وقبل أن يصل إلى مأمنه فإنه يكون على أمانه السابق حتى يصل لبلده أو مأمنه وله نزوله بمكانه الذي كان به وعلى الإمام ذلك، وليس للإمام أن يلزمه الذهاب، فإن رد بعد وصوله لمأمنه، فقيل يخير الإمام في إنزاله ورده، وقيل هو حل أي فيء، وقيل إن رد غلبة خير فيه الإمام واختيارا فهم حل، وقوله: وإن رد بريح أي وكذا لو رجع اختيارا على ظاهر ابن يونس.
ولما أنهى الكلام على متعلقات الأمان، شرع في متعلقات الاستئمان، فقال: وإن مات عندنا فماله فيء؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا في غير معركة ولا أسر فإن ماله يكون فيئا، وإن قتل يكون ماله وديته فيئا أي يكون ذلك لبيت المال بلا تخميس. إن لم يكن معه وارث؛ يعني أن محل كون ما ذكر فيئا إنما هو حيث لا وارث معه ببلدنا، ويعين وارثه ببينة مسلمين، وأما
стр. 3432
إن كان معه ببلدنا وارث عندهم بقول أساقفتهم أو له زوجة أو ذو رحم، فإن ماله يكون لوارثه دخل على التجهيز أم لا. ولم يدخل على التجهيز؛ يعني أنه يشترط في كون مال المستأمن الميت عندنا بلا وارث فيئا أن لا يكون قدم لحاجة يقضيها ثم يعود بل قدم ليقيم، أو كانت الإقامة هي الشأن أو جهل ما دخل عليه ولا عادة، وكذا إن دخل على التجهيز أو كان العادة وطالت إقامته فيهما بالعرف تنزيلا لطول الإقامة منزلة الدخول على الإقامة، ففي هذه الصور الخمس يكون ماله وديته فيئا، وقد علمت أن محل هذا حيث لم يكن معه وارث، ولا يمكن في هذه الصور إن كان حيا من الرجوع لو أراده.
واعلم أن الحربي المؤمن إذا مات لا يخلو من أربعة أوجه، إما أن يموت عندنا، وإما أن يموت ببلده من غير أسر ولا معركة فيهما، وإما أن يموت بأسر، وإما أن يموت في معركة. فأشار إلى الوجه الأول بقوله: "وإن مات عندنا"، إلى قوله: "التجهيز"، وبقوله: "وإلا أرسل مع ديته لوارثه"، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: ولقاتله أن أسر ثم قتل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين فأسروه حيا وقتلوه، فإن ماله يكون لمن أسره من المسلمين، والصواب حذف قوله: "ولقاتله"، وحذف قوله: "ثم قتل"، فإن ماله يكون لمن أسره قتل أو لم يقتل؛ لأن آسره ملك رقبته، ومحل قوله: "ولقاتله"، حيث كان من غير الجيش وغير المستند له، وإلا فيخمس كسائر الغنيمة كما يأتي.
وإلا أرسل مع ديته لوارثه، هذا من تمام الوجه الأول، وهو مفهوم قوله: "ولم يدخل على التجهيز"؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا وقد دخل على التجهيز أي قدم لحاجة يقضيها ثم يعود أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما، فإن ماله يبعث لوارثه وإن قتل ظلما لا في معركة، فسياتي بَعْثُ مالهِ مع ديته لوارثه أيضا، فإن لم يكن له وارث رد لحاكمهم يدفعونه لأهل دينه من كورته، كما يأتي نحوه في مال الكتابي المؤدي للجزية ولا حق فيه للمسلمين كما هو صريح النصوص، لكن نقل الدميري أنه إن لم يكن له وارث فلبيت المال، فقوله: "وإلا" أي بأن دخل على التجهيز أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما.
стр. 3433
وأشار إلى الوجه الثاني بقوله: كوديعته؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا سافر من عندنا ومات في بلده فإن وديعته أي ماله المتروك عند المسلمين لا خصوص الوديعة العرفية يجري على ما مر من موته ببلدنا من غير فرق، فالتشبيه تام. قاله الشيخ بناني. وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: وهل وإن قتل في معركة أو فيء قولان؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين وقتل في محاربته دون أسر، فإنه جرى قولان في ماله هل يبعث به لورثته أو يكون فيئا لا يخمس؟ الأول لابن المواز والثاني لابن حبيب مع نقله عن ابن القاسم وأصبغ، وأما لو أسر ثم قتل فقد تقدم.
واعلم أن غرماءه مقدمون في وديعته على من أسره بخلاف المال الذي معه فإنه غنيمة أو لمن أسره، فلا حق فيه للغرماء كما يفيده المواق، واعلم أيضا أن وديعة المستأمن ترسل له حيث كان حيا، وظاهر كلامهم وإن قاتل المسلمين. قاله الشيخ عبد الباقي.
وكره لغير المالك اشتراء سلعة؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا بأمان ومعه سلع للمسلمين أو للذميين فإنه يكره كراهة تنزيه لغير من ملكها أن يشتريها من المستأمن ليلا يفوتها على مالكها، وفهم منه أنه لا يكره لمالكها شراؤها وهو ظاهر، ولهذا كان تعليل الكراهة بأن فيه تسليطا لهم على أموال المسلمين ضعيفا؛ لأنه يأتي فيما إذا كان المالك هو المشتري لها. وفاتت به؛ يعني أنه إذا باع هذا المستأمن السلع المذكورة لغير مالكها، فإن السلع تفوت على مالكها، فليس له إلى أخذها من سبيل لا بالثمن ولا بغيره. وبهبتهم لها؛ يعني أن السلع المذكورة كما تفوت على مالكها بالبيع لغيره تفوت بهبة الحربي المستأمن لها لمسلم أو ذمي، فليس لمالكها سبيل إلى أخذها لأنه بالعهد صار له حرمة ليست له بدار الحرب، بخلاف ما وقع في المقاسم أو باعوه أو وهبوه بدراهم فلا يفوت، بل لمالكه أن يأخذه في الأوليين بالثمن، وفي الثالثة مجانا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومعنى الفوات هنا أنه ليس له أخذها ولا أخذ ثمنها.
فرع: يجوز شراء أولاد المشركين منهم. قاله في النوادر. ونقله الإمام الحطاب. ابن القاسم: وما أخذ أهل الشرك من أموال المسلمين فأتوا به ليبيعوه لا أحب لأحد أن يشتريه، قال أبو الحسن: ابن المواز: واستحب غيره أن يشترى ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن. الشيخ: وعلى
стр. 3434
قول محمد له أن يأخذها بالثمن على ما حكاه عن الغير، وفهم من المص أن الحربي إذا قدم بأمان وبلغ لم يكن لرب السلع أخذها وهو كذلك. انظر الحطاب.
وانتزع ما سرق ثم عيد به؛ يعني أن الحربي المستأمن أو الذمي إذا سرق في زمن العهد أو غصب من مسلم أو ذمي ثم ذهب لدار الحرب ثم عاد إلينا ما سرقه أو غصبه، فإنه ينتزع لربه ممن جاء به سواء عاد به السارق بعد أمانه ثانيا أو بلاه، أو عاد به غيره فلذا أتى بعِيدَ مبنيا للمجهول، لكن إن عاد به السارق قطع كما هو مذهب المدونة كما يقتل إن قتل ولا يزيل ذلك عنه أمانه، ولو شرط عند عوده أن لا تقام عليه الحدود، وكذلك من هرب بديون عليه ثم عاد واشترط عند عوده أن لا تؤخذ منه فإنها تؤخذ ويلغى الشرط، وقيل يوفى له بالشرط ويوفيها الإمام من بيت المال. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وانتزع ما سرق"، وقيل: لا ينتزع، وقيل إن عاد بذلك غيره لم ينتزع، وإن عاد هو به نزع، والقول الأول قال ابن رشد في البيان: هو الأرجح، فلهذا قال: على الأظهرت وقوله: "سرق" بالبناء للمجهول، وقوله: "على الأظهر"، متعلق بانتزع وقد علمت مقابل الأظهر، وقوله: "وانتزع ما سرق"؛ أي أو غصب كما مر رقيقا أو غيره،
لا أحرار مسلمون قدموا بهم؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا ومعه أحرار مسلمون ذكورا أو إناثا، فإنهم لا ينتزعون منه ولا يمنع من الرجوع بهم إلى بلاده ولا يمنع من وطء إناثهم، ووجه بأن الأمان يحقق لهم الملك، وهذا الذي ذكر المص لابن القاسم في أحد قوليه والقول الآخر أنهم ينزعون منه بالقيمة وهو الذي عليه أصحاب مالك وبه العمل ورجحه جماعة، وما ذكره المص يجب كتمه. قاله العلامة الخرشي. وأما ما احتج به من قضية أبي جندل بن سهيل فأجيب عنه بأن ذلك في مبادئ الإسلام قبل أن يكثر المسلمون. اللخمي: ولا يجوز ذلك بعد ظهور الإسلام لأن فيه وهنا للمسلمين وإذلالا لهم، وقوله: "لا أحرار"، عطف مغايرة على نائب انتزع وهو "ما" من قوله: "ما سرق"، وأنكر القول الذي عليه المص رجل من أهل المدينة يقال له داوود، فبلغ ذلك مالكا فقال: ألم يعلم أن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة على رد من جاء منهم
стр. 3435
فهرب إليه أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله صلى اللّى عليه وسلم فرده ﵇ وقال: (إنا لا نخفر العهد (١)) وأجيب بما قدمته.
(وملك بإسلامه غير الحر المسلم) يعني أن الحربي إذا أسلم يملك بإسلامه جميع ما غصبه أو نهبه، إلا الحر المسلم فيملك العبد ولو مسلما والذمي والأمتعة، ولا يملك الحر المسلم ولا المسروق ولا الحبس المحقق كونه حبسا وفي ملكه لما احتمل كفرس في فخذه للسبيل أو في سبيل الله لأنه قد يكتب الرجل ذلك ليمنعه من الناس وعدم ملكه له قولان، وقوله: "وملك بإسلامه" الخ، هذا إذا قدم علينا بأمان أو لم يقدم بأمان حال كفره لكن قدم بعد إسلامه، وأما إذا أقام ببلده فسيأتي: "وماله وولده" الخ، وقد مر قولان في ملكه لما احتمل الوقفية، ومقتضى عزو علي الأجهوري ترجيح الثاني فيما وجد في غنيمة، ويقاس ما أسلم عليه هنا عليها -أي الغنيمة- ولا يملك الحربي بإسلامه ما تسلفه من مسلم أو ترتب في ذمته من شيء اشتراه من مسلم أو استأجره: فيؤخذ منه ولو وقع الشراء أو الإجارة بأرض الحرب كما يفيده ما ذكره القرافي من أنه إذا أسلم الحربي يلزمه كل ما رضي به حال كفره. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولما كان قوله: "وملك بإسلامه غير الحر المسلم" يشمل ذا الشائبة بين ما يفعل بذي الشائبة، فقال: وفديت أم الولد؛ يعني أن الحربي إذا قدم بأم ولد لمسلم غنمها منه وأسلم فإنه يجب على سيدها أن يفديها لشبهها بالحرة، ويفديها بقيمتها على أنها قن، فإن كان مليا وإلا اتبعت ذمته، وقوله: "وفديت أم الولد"؛ أي إلا أن تموت هي أو سيدها كما سيذكره فيما إذا وقعت هي أو غيرها غنيمة للمسلمين من الكفار، وتقدم ما يستفاد منه حكم ما إذا قدم بأمان ومعه أم ولد أو مدبر أو معتق لأجل وهوأنهم يبقون بيده، وتكلم هنا على من ذكر حيث أسلم عليهم. قاله الشيخ عبد الباقي.
وعتق المدبر عن ثلث سيده؛ يعني أن الحربي إذا أسلم وعنده مدبر قد غنمه من المسلمين فإنه يبقى بيده يخدمه أو يواجره إلى موت سيده؛ لأنه يملك منه ما يملك سيده، فإذا مات سيده فإنه يعتق من ثلث سيده، فإن حمله الثلث فواضح، فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه، وإذا