فإنه يرد إلى مأمنه، قال ابن القاسم في الرومي ينزل بساحلنا تاجرا قبل أن يعطى الأمان، فيقول ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر حتى يبيع: فإما قبلت منهم وإما رددتهم إلى مأمنهم. أو بينهما؛ يعني أنا إذا أخذنا الحربي بعد انفصاله عن بلده وقبل دخوله بلدنا، وقال أتيت إليكم أطلب الأمان فإنه يرد إلى مأمنه.
وبما قررت علم أن قوله: رد لمأمنه، جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث؛ يعني أنه لابد أن يرد إلى مأمنه في هذه المسائل الثلاث أو يقبل منه ذلك، ولو أخذ بأرض العدو وقال ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر وهو تاجر، فالظاهر رده لمأمنه، ولو أخذ بأرضنا وقال جئت أطلب الأمان فالظاهر جريانه على ما إذا أخذ بأرضنا وقال جئت للإسلام أو للفداء، فاختلف هل يرد لمأمنه، أو يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه؟ ومحل الخلاف حيث أخذ بحدثان مجيئه وإلا خير فيه الإمام باتفاق، قال الإمام الأجهوري: وانظر ما وجه القول برده لمأمنه حيث قال: جئت أطلب الإسلام ولم لا يطلب منه فإن أبى خير فيه الإمام. انتهى.
وإن قامت قرينة فعليها؛ يعني أن الحربي إذا قامت قرينة على صدقه أو كذبه في المسائل الثلاث كما لو وجد معه سلاح فإن ذلك يدل على حرابته، وكمن قال جئت رسولا ومعه مكاتبة أو جئت لفداء وله من يفديه.
وإن رد بريح فعلى أمانه حتى يصل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا ردته الريح بعد أن توجه لبلده وقبل أن يصل إلى مأمنه فإنه يكون على أمانه السابق حتى يصل لبلده أو مأمنه وله نزوله بمكانه الذي كان به وعلى الإمام ذلك، وليس للإمام أن يلزمه الذهاب، فإن رد بعد وصوله لمأمنه، فقيل يخير الإمام في إنزاله ورده، وقيل هو حل أي فيء، وقيل إن رد غلبة خير فيه الإمام واختيارا فهم حل، وقوله: وإن رد بريح أي وكذا لو رجع اختيارا على ظاهر ابن يونس.
ولما أنهى الكلام على متعلقات الأمان، شرع في متعلقات الاستئمان، فقال: وإن مات عندنا فماله فيء؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا في غير معركة ولا أسر فإن ماله يكون فيئا، وإن قتل يكون ماله وديته فيئا أي يكون ذلك لبيت المال بلا تخميس. إن لم يكن معه وارث؛ يعني أن محل كون ما ذكر فيئا إنما هو حيث لا وارث معه ببلدنا، ويعين وارثه ببينة مسلمين، وأما
стр. 3432
إن كان معه ببلدنا وارث عندهم بقول أساقفتهم أو له زوجة أو ذو رحم، فإن ماله يكون لوارثه دخل على التجهيز أم لا. ولم يدخل على التجهيز؛ يعني أنه يشترط في كون مال المستأمن الميت عندنا بلا وارث فيئا أن لا يكون قدم لحاجة يقضيها ثم يعود بل قدم ليقيم، أو كانت الإقامة هي الشأن أو جهل ما دخل عليه ولا عادة، وكذا إن دخل على التجهيز أو كان العادة وطالت إقامته فيهما بالعرف تنزيلا لطول الإقامة منزلة الدخول على الإقامة، ففي هذه الصور الخمس يكون ماله وديته فيئا، وقد علمت أن محل هذا حيث لم يكن معه وارث، ولا يمكن في هذه الصور إن كان حيا من الرجوع لو أراده.
واعلم أن الحربي المؤمن إذا مات لا يخلو من أربعة أوجه، إما أن يموت عندنا، وإما أن يموت ببلده من غير أسر ولا معركة فيهما، وإما أن يموت بأسر، وإما أن يموت في معركة. فأشار إلى الوجه الأول بقوله: "وإن مات عندنا"، إلى قوله: "التجهيز"، وبقوله: "وإلا أرسل مع ديته لوارثه"، وأشار إلى الوجه الثالث بقوله: ولقاتله أن أسر ثم قتل؛ يعني أن الحربي المؤمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين فأسروه حيا وقتلوه، فإن ماله يكون لمن أسره من المسلمين، والصواب حذف قوله: "ولقاتله"، وحذف قوله: "ثم قتل"، فإن ماله يكون لمن أسره قتل أو لم يقتل؛ لأن آسره ملك رقبته، ومحل قوله: "ولقاتله"، حيث كان من غير الجيش وغير المستند له، وإلا فيخمس كسائر الغنيمة كما يأتي.
وإلا أرسل مع ديته لوارثه، هذا من تمام الوجه الأول، وهو مفهوم قوله: "ولم يدخل على التجهيز"؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا مات عندنا وقد دخل على التجهيز أي قدم لحاجة يقضيها ثم يعود أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما، فإن ماله يبعث لوارثه وإن قتل ظلما لا في معركة، فسياتي بَعْثُ مالهِ مع ديته لوارثه أيضا، فإن لم يكن له وارث رد لحاكمهم يدفعونه لأهل دينه من كورته، كما يأتي نحوه في مال الكتابي المؤدي للجزية ولا حق فيه للمسلمين كما هو صريح النصوص، لكن نقل الدميري أنه إن لم يكن له وارث فلبيت المال، فقوله: "وإلا" أي بأن دخل على التجهيز أو كان ذلك الشأن ولم تطل إقامته فيهما.
стр. 3433
وأشار إلى الوجه الثاني بقوله: كوديعته؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا سافر من عندنا ومات في بلده فإن وديعته أي ماله المتروك عند المسلمين لا خصوص الوديعة العرفية يجري على ما مر من موته ببلدنا من غير فرق، فالتشبيه تام. قاله الشيخ بناني. وأشار إلى الوجه الرابع بقوله: وهل وإن قتل في معركة أو فيء قولان؛ يعني أن الحربي المستأمن إذا نقض العهد وحارب المسلمين وقتل في محاربته دون أسر، فإنه جرى قولان في ماله هل يبعث به لورثته أو يكون فيئا لا يخمس؟ الأول لابن المواز والثاني لابن حبيب مع نقله عن ابن القاسم وأصبغ، وأما لو أسر ثم قتل فقد تقدم.
واعلم أن غرماءه مقدمون في وديعته على من أسره بخلاف المال الذي معه فإنه غنيمة أو لمن أسره، فلا حق فيه للغرماء كما يفيده المواق، واعلم أيضا أن وديعة المستأمن ترسل له حيث كان حيا، وظاهر كلامهم وإن قاتل المسلمين. قاله الشيخ عبد الباقي.
وكره لغير المالك اشتراء سلعة؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا بأمان ومعه سلع للمسلمين أو للذميين فإنه يكره كراهة تنزيه لغير من ملكها أن يشتريها من المستأمن ليلا يفوتها على مالكها، وفهم منه أنه لا يكره لمالكها شراؤها وهو ظاهر، ولهذا كان تعليل الكراهة بأن فيه تسليطا لهم على أموال المسلمين ضعيفا؛ لأنه يأتي فيما إذا كان المالك هو المشتري لها. وفاتت به؛ يعني أنه إذا باع هذا المستأمن السلع المذكورة لغير مالكها، فإن السلع تفوت على مالكها، فليس له إلى أخذها من سبيل لا بالثمن ولا بغيره. وبهبتهم لها؛ يعني أن السلع المذكورة كما تفوت على مالكها بالبيع لغيره تفوت بهبة الحربي المستأمن لها لمسلم أو ذمي، فليس لمالكها سبيل إلى أخذها لأنه بالعهد صار له حرمة ليست له بدار الحرب، بخلاف ما وقع في المقاسم أو باعوه أو وهبوه بدراهم فلا يفوت، بل لمالكه أن يأخذه في الأوليين بالثمن، وفي الثالثة مجانا كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومعنى الفوات هنا أنه ليس له أخذها ولا أخذ ثمنها.
فرع: يجوز شراء أولاد المشركين منهم. قاله في النوادر. ونقله الإمام الحطاب. ابن القاسم: وما أخذ أهل الشرك من أموال المسلمين فأتوا به ليبيعوه لا أحب لأحد أن يشتريه، قال أبو الحسن: ابن المواز: واستحب غيره أن يشترى ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن. الشيخ: وعلى
стр. 3434
قول محمد له أن يأخذها بالثمن على ما حكاه عن الغير، وفهم من المص أن الحربي إذا قدم بأمان وبلغ لم يكن لرب السلع أخذها وهو كذلك. انظر الحطاب.
وانتزع ما سرق ثم عيد به؛ يعني أن الحربي المستأمن أو الذمي إذا سرق في زمن العهد أو غصب من مسلم أو ذمي ثم ذهب لدار الحرب ثم عاد إلينا ما سرقه أو غصبه، فإنه ينتزع لربه ممن جاء به سواء عاد به السارق بعد أمانه ثانيا أو بلاه، أو عاد به غيره فلذا أتى بعِيدَ مبنيا للمجهول، لكن إن عاد به السارق قطع كما هو مذهب المدونة كما يقتل إن قتل ولا يزيل ذلك عنه أمانه، ولو شرط عند عوده أن لا تقام عليه الحدود، وكذلك من هرب بديون عليه ثم عاد واشترط عند عوده أن لا تؤخذ منه فإنها تؤخذ ويلغى الشرط، وقيل يوفى له بالشرط ويوفيها الإمام من بيت المال. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وانتزع ما سرق"، وقيل: لا ينتزع، وقيل إن عاد بذلك غيره لم ينتزع، وإن عاد هو به نزع، والقول الأول قال ابن رشد في البيان: هو الأرجح، فلهذا قال: على الأظهرت وقوله: "سرق" بالبناء للمجهول، وقوله: "على الأظهر"، متعلق بانتزع وقد علمت مقابل الأظهر، وقوله: "وانتزع ما سرق"؛ أي أو غصب كما مر رقيقا أو غيره،
لا أحرار مسلمون قدموا بهم؛ يعني أن الحربي إذا قدم إلينا ومعه أحرار مسلمون ذكورا أو إناثا، فإنهم لا ينتزعون منه ولا يمنع من الرجوع بهم إلى بلاده ولا يمنع من وطء إناثهم، ووجه بأن الأمان يحقق لهم الملك، وهذا الذي ذكر المص لابن القاسم في أحد قوليه والقول الآخر أنهم ينزعون منه بالقيمة وهو الذي عليه أصحاب مالك وبه العمل ورجحه جماعة، وما ذكره المص يجب كتمه. قاله العلامة الخرشي. وأما ما احتج به من قضية أبي جندل بن سهيل فأجيب عنه بأن ذلك في مبادئ الإسلام قبل أن يكثر المسلمون. اللخمي: ولا يجوز ذلك بعد ظهور الإسلام لأن فيه وهنا للمسلمين وإذلالا لهم، وقوله: "لا أحرار"، عطف مغايرة على نائب انتزع وهو "ما" من قوله: "ما سرق"، وأنكر القول الذي عليه المص رجل من أهل المدينة يقال له داوود، فبلغ ذلك مالكا فقال: ألم يعلم أن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة على رد من جاء منهم
стр. 3435
فهرب إليه أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله صلى اللّى عليه وسلم فرده ﵇ وقال: (إنا لا نخفر العهد (١)) وأجيب بما قدمته.
(وملك بإسلامه غير الحر المسلم) يعني أن الحربي إذا أسلم يملك بإسلامه جميع ما غصبه أو نهبه، إلا الحر المسلم فيملك العبد ولو مسلما والذمي والأمتعة، ولا يملك الحر المسلم ولا المسروق ولا الحبس المحقق كونه حبسا وفي ملكه لما احتمل كفرس في فخذه للسبيل أو في سبيل الله لأنه قد يكتب الرجل ذلك ليمنعه من الناس وعدم ملكه له قولان، وقوله: "وملك بإسلامه" الخ، هذا إذا قدم علينا بأمان أو لم يقدم بأمان حال كفره لكن قدم بعد إسلامه، وأما إذا أقام ببلده فسيأتي: "وماله وولده" الخ، وقد مر قولان في ملكه لما احتمل الوقفية، ومقتضى عزو علي الأجهوري ترجيح الثاني فيما وجد في غنيمة، ويقاس ما أسلم عليه هنا عليها -أي الغنيمة- ولا يملك الحربي بإسلامه ما تسلفه من مسلم أو ترتب في ذمته من شيء اشتراه من مسلم أو استأجره: فيؤخذ منه ولو وقع الشراء أو الإجارة بأرض الحرب كما يفيده ما ذكره القرافي من أنه إذا أسلم الحربي يلزمه كل ما رضي به حال كفره. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولما كان قوله: "وملك بإسلامه غير الحر المسلم" يشمل ذا الشائبة بين ما يفعل بذي الشائبة، فقال: وفديت أم الولد؛ يعني أن الحربي إذا قدم بأم ولد لمسلم غنمها منه وأسلم فإنه يجب على سيدها أن يفديها لشبهها بالحرة، ويفديها بقيمتها على أنها قن، فإن كان مليا وإلا اتبعت ذمته، وقوله: "وفديت أم الولد"؛ أي إلا أن تموت هي أو سيدها كما سيذكره فيما إذا وقعت هي أو غيرها غنيمة للمسلمين من الكفار، وتقدم ما يستفاد منه حكم ما إذا قدم بأمان ومعه أم ولد أو مدبر أو معتق لأجل وهوأنهم يبقون بيده، وتكلم هنا على من ذكر حيث أسلم عليهم. قاله الشيخ عبد الباقي.
وعتق المدبر عن ثلث سيده؛ يعني أن الحربي إذا أسلم وعنده مدبر قد غنمه من المسلمين فإنه يبقى بيده يخدمه أو يواجره إلى موت سيده؛ لأنه يملك منه ما يملك سيده، فإذا مات سيده فإنه يعتق من ثلث سيده، فإن حمله الثلث فواضح، فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه، وإذا
стр. 3436
علم أنه مدبر ولم يعلم سيده أو علم ولم يعلم موته فينبغي أن يبقى بيد من أسلم إلى مضي مدة تعمير سيده مع تقدير كون سنة وسطا ثم يخرج حرا. قاله الشيخ عبد الباقي.
ومعتق لأجل بعده؛ يعني أن الحربي إذا أسلم وعنده معتق لأجل غنمه من مسلم فإنه يبقى بيده يخدمه أو يؤاجره إلى أن يمضي الأجل المعلق عتقه على مضيه، فإذا مضى خرج حرا. ولا يتبعون بشيء؛ يعني أن الحربي إذا أسلم لا يتبع المدبر بشيء إذا عتق من ثلث سيده، وكذا لا يتبع المعتق لأجل بشيء إذا تحرر بعد الأجل لأنه كالمالك المحقق، فليس له غير خدمة من ذكر، وجمع الضمير باعتبار أفراد المدبر والمعتق لأجل أو جمعه لرجوعه للحر المسلم لأنه ينزع منه بلا عوض، وللمدبر والمعتق لأجل، وإذا مات سيد المدبر وعليه دين يستغرقه كلَّهُ أو بعضه رق ما قابل الدين، وهو الكل في الأولى والبعض في الثانية للحربي الذي أسلم، وعتق ثلث باقيه فيما إذا استغرق بعضه ورق الباقي عن الثلث للحربي الذي أسلم لتقديم حقه على أرباب الديون فيما تستغرقه ديونهم فهو أولى به منهم.
ولا خيار للوارث؛ يعني أنه لا خيار لوارث سيد المدبر فيما رق منه بين إسلامه للحربي الذي أسلم وأخذه ودفع قيمته له، كما له ذلك في المدبر الجاني؛ لأن السيد هنا لم يكن له انتزاعه من الحربي الذي أسلم، فكذا وارثه، وسكت المص عن المكاتب لوضوحه وهو أن الذي أسلم يستوفي منه الكتابة، فإن أدى خرج حرا والولاء لعاقدها أي الكتابة، وإن عجز رق له ولا شيء لسيده. وحد زان؛ يعني أن من زنى من الجيش بحربية أو ذات مغنم يحد حد الزنى حيز المغنم أم لا، قل الجيش أو كثر. وقال عبد الملك: لا يحد، وهو الصواب للشبهة. وسارق؛ يعني أن من سرق من الجيش من الغنيمة نصابا فما فوقه يقطع بشرط إن حيز المغنم؛ أي إنما يقطع السارق من الغنيمة نصابا وهو من الجيش بشرط أن يكون المغنم قد حيز وإلا فلا، وقال عبد الملك: إنما يقطع إن سرق فوق حقه بنصاب أي ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ لأن حقه فيها واجب موروث، بخلاف حقه في بيت المال فإنه لا يورث، وقول عبد الملك هو الصواب كما قاله غير واحد.
وفي المدونة: ومن أعتق عبدا من الغنيمة وله فيها نصيب لم يجز عتقه.
стр. 3437
وبما قررت علم أن الشرط إنما يرجع للسارق، فلو قال: كسارق إن حيز المغنم لجرى على قاعدتد الأغلبية. قاله الشيخ إبراهيم.
ووقفت الأرض، شرحه عبد الباقي وغيره بأن الأرض المفتوحة عنوة تصير وقفا بمجرد الاستيلاء، ولا تحتاج إلى طيب نفس المجاهدين، ولا إلى صيغة من الإمام، قال عبد الباقي: وهذا كالمستثنى من قوله في الوقف: "بحبست ووقفت" الخ. انتهى. قوله: "ووقفت الأرض"، قال عبد الباقي: أي غير الموات وأما الأرض الموات، فللإمام أن يقطعها لمن شاء، والمراد بالأرض في كلام المص أرض الزراعة المفتوح بلدها عنوة، وكذا أرض الدور على المشهور، وقيل للغانمين، وقيل يخير الإمام فيها وعلى الأول فلا يؤخذ لها كراء بخلاف أرض الزراعة كما قال: "بخراجها" لخ، ولذا قال القرافي بعد ذكر الخلاف في كراء دور مكة: المشهور منع كرائها لأنها فتحت عنوة، وكذا دور مصر وأراضيها؛ لأن مالكا صرح في الكتاب وغيره بأنها فتحت عنوة، وما يقع من القضاة من إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعات ونحو ذلك مبني على القول بأن للإمام قسمها كسائر الغنائم، وعلى القول بأنه مخير في ذلك، والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين ذلك القول وارتفع الخلاف، فإذا قضى حاكم بثبوت ذلك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف وتعين ما حكم به، وهذا يجري في مكة ومصر وغيرهما.
واعلم أن القول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح، فإذا تهدمت تلك الأبنية وبنى أهل الإسلام دورا غيرها فهذه الأبنية لا تكون وقفا، وحيث قال مالك: لا تكرى دور مكة، أراد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح، واليوم ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطئا. نعم يختص ذلك بالأرضين فإنها باقية إلى الأبد، وإذا جهل الأمر فإن الحائز ينتفع بحيازته إذا جهل أصل مدخله، وذكر في التوضيح خلافا في مطالبة الحائز ببيان سبب ملكه، فقال ابن أبي زمنين: لا يطالب، وقال غيره يطالب، وقيل إن لم يثبت أصل الملك للمدعي فلا يسئل الحائز عن بيان سبب ملكه وإلا سئل.
стр. 3438
وقال ابن القطان وابن عتاب: لا يطالب إلا أن يكون معروفا بالغصب والاستطالة والقدرة على ذلك، وإنما لم تقسم كغيرها لتكون في أعطية المقاتلة وأرزاق المسلمين أي الذين يقاتلون في المستقبل، فإن قسمت بين المجاهدين مضى ولا ينقض، اللخمي من غير خلاف. قاله المواق. أي حيث قسمها من يراه. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي.
ونقل الشيخ بناني عن الرماصي ما نصه: فيه -يعني كونها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء- نظر؛ إذ لم أر من قال إنها تصير وقفا بمجرد الاستيلاء، لكن كلام الأئمة فيما يفعله الإمام هل يقسمها كغيرها أو يتركها لنوائب المسلمين، فمعنى وقفها تركها غير مقسومة لنوائب المسلمين لا الوقف المصطلح عليه وهو التحبيس، قال: وقول الزرقاني: وعلى الأول فلا يؤخذ لها كراء، قال بعض الشيوخ: ينبغي على الأول أن يؤخر كراؤها كأرض الزراعة، ويكون في المصالح بعد الآل. والله أعلم. اهـ. وقول الزرقاني: واعلم أن القول بأن الدور وقف إلى آخره، الدار اسم للقاعة والبناء فلا يتأتى هذا التأويل. والله أعلم. انتهى.
وقال إمامنا مالك رضي الله تعالى عنه: وكل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، قال مالك: وبلغني أن بلالا وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى ذلك عليهم، وكان بلال من أشد الناس عليه كلاما، فزعم من حضر ذلك أن عمر ﵁ دعا عليهم، فقال اللهم اكفنيهم، فلم يأت الحول على واحد منهم وهو حي، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، وتلاه على ذلك عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله: "ووقفت الأرض"، هذا هو المشهور، وقيل يقسمها الإمام كأرض خيبر، وقيل إن عمر استطاب أنفس المفتتحين، فمن شح أعطاه في حقه الثمن، فعلى هذا لم يخرج فعله رضي الله تعالى عنه عما فعله ﷺ بأرض خيبر، وإذا أبقى الإمام أرض العنوة وأقر أهلها فيها لعمارتها ضربت عليهم الجزية على ما فرض عمر رضي الله تعالى عنه: وسوقوا في السواد وضرب عليهم الخراج في البياض بقدر اجتهاد الإمام، وقوله: "ووقفت الأرض"؛ أي قريبة أو بعيدة أو متوسطة، وتفصيل اللخمي ضعيف. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 3439
ومثل للأرض المأخوذة عنوة بفتح العين، بقوله: كمصر والشام والعراق؛ يعني أن مصر والشام والعراق مما فتح عنوة، فالشأن فيها أن توقف كغيرها مما أخذ عنوة، وقوله: "كمصر والشام والعراق" تمثيل لفعل عمر: وعبارة الشيخ الأمير: ووقف أرض العنوة غير الموات، فإنه ملك لمحييه.
ولما كانت أموال الكفار غير الأرض المأخوذة عنوة ثلاثة أقسام: غنيمة وفيئا ومختصا، أشار إلى ذلك بقوله: وخمس غيرها لما ذكر ما يفعل بالأرض ذكر ما يفعل بغيرها؛ يعني أن ما سوى الأرض مقوما كان أو مثليا يقسم خمسة أخماس، خمس لبيت المال وأربعة أخماس للمجاهدين. إن أوجف عليه؛ شرط في قوله: "ووقفت الأرض"، وفي قوله: "وخمس غيرها"؛ يعني أن الوقف المذكور والتخميس إنما هما فيما أوجف عليه بالبناء للمفعول؛ أي قوتل عليه بالفعل، وأما ما لم يقاتل عليه فإنه يكون فيئا موضعه بيت المال، ولأقسام أربعة: هربوا قبل خروج الجيش من بلاد الإسلام فما تركوا فيء لا يخمس وموضعه بيت المال، هربوا بعد خروج الجيش وقبل نزوله بلدهم فهو فيء أيضا كما يؤخذ من كلام الباجي ولم يستحضره ابن عرفة فتوقف فيه، هربوا بعد نزول الجيش بلادهم قبل المقاتلة فهو فيء أيضا كما قاله الشيخ بناني، ونقل عن المازري في المعلم أنه قال: لا خلاف أن الغنيمة تخمس وأما ما انجلى عنه أهله دون قتال فعندنا لا يخمس ويصرف في مصالح المسلمين كما كان النبي ﷺ يفعل فيما أخذ من بني النضير، وقال الشافعي: يخمس كالغنيمة. انتهى. والرابع قتالنا لهم بالفعل، فيما أخذ به فهو غنيمة تخمس.
فتحصل من هذا أن ما أخذ بقتال غنيمة، وما أخذ بغيره فيء.
تنبيه: قال المقرى في قواعده: قال بعضهم: احذروا أحاديث عبد الوهاب، وإجماعات ابن عبد البر، واتفافات ابن رشد، وخلافات اللخمي. وقد قيل إن مذهب مالك كان صحيحا حتى أدخل فيه الباجي يحتمل ويحتمل حتى جعل اللخمي له ذلك خلافا.
وأشار إلى الثاني من أقسام مال الكفار بقوله: فخراجها؛ يعني أن خراج أرض العنوة أي الكراء الذي يؤخذ على بياضها إن أقرت بأيدي المسلمين أو أهلها لعمارتها أو سوقوا على سوادها موضعه بيت المال يصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد ﷺ ،
стр. 3440
فأرض الزراعة يؤخذ خراجها على ما عرفت، وليس معنى وقفيتها أن يزرعها الفقراء مجانا، والدور لا أجرة لها على ما مر عن عبد الباقي والأمير.
والخمس بالرفع عطف على خراجها وهو مبتدأ؛ يعني أن الخمس الذي لله ورسوله الخارج بالقرعة من الغنيمة والزكاة موضعه بيت المال، ويصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي ﷺ . والجزية؛ يعني أن الجزية العنوية والصلحية وعشر أهل الذمة وخراج أرض الصلح حكمها كذلك، فتوضع في بيت المال للمسلمين فيصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي ﷺ ، وكذلك الحكم في الفيء أي الذي أخذ بغير إيجاف، فهذه الثلاثة، وما أخذ بغير إيجاف فيء فلا يخمس بل موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وبما قررت علم أن قوله: لآله ﷺ خبر عن قوله: "فخراجها"، وما عطف عليه؛ يعني أن هذه الثلاثة موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآله ﷺ .
وسيشير للثالث بقوله كمتلصص. ابن شعبان: استفتح الله الغنيمة والفيء بذكره لأنهما أشرف الكسب، وإنما ينسب إليه ما شرف وعظم، ولم ينسب لنفسه الصدقة لأنها أوساخ الناس، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية.
قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: وآل النبي ﷺ جديرون بالتفخيم والتكريم لاستحقاقهم المنصب الرفيع والتعظيم الذي هو أفخم التعظيم، وقد قلت في صلاة لي عليه وعلى آله: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد القادة الأبرار، والسادة الأخيار، زهر النجوم الطوالع، والشموس السواطع، والسيوف القواطع، والبروق اللوامع: والغيوث الهوامع، فلله در بني هاشم ما أرفع بناءها، وأحسن في الهيجاء بلاءها، وأشق لقاءها، وأكثر في اللزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، فكم هناك من قطب بهي، يبرز منه علم شهي؟ أبان معالم التحقيق، وسلك بالمسلمين أنفع طريق، عالم خبير بصير يسع الأنام حلما، ويملأ طباق الأرض علما، يتدفق كرما ونوالا، ويتلهب إشراقا وجمالا، مبناه في الدين رفيع،
стр. 3441
وكلامه إذا أعرب عن مسألة منه تخاله في الحسن زهر الربيع، أفاض الأنوار، وطهر القلوب والأسرار، عددهم كثير: وشأنهم كبير وخبرهم شهير، لا تسعة الدفاتر، ولا تفي به الأقلام والمحابر، وكم هناك من فارس بطل ندب، ذي لسان عضب ومضاء غرب، يمنع السرب ويبيح النهب، يسد الثغور ويصلح الخلل، يعطي الجزيل ويضرب البطل، أباد أهل الكفر والطغيان، ضرب فوق الأعناق وضرب منهم كل بنان: جاهد في الله حق جهاده، ووفى بحقوق عباده، فرد في النوال والجمال والمكارم، لا تأخذه في الله لومة لائم، خبرهم مشتهر، وعددهم غير منحصر، وكم هناك من أمير، غصت منه الكفرة بالماء النمير، محياه كالشمس، يسوق بعصاه الجن والإنس، كسر الأصنام، وبنى قبة الإسلام:
بنى قبة الإسلام حتى كأنما … أتى الناس من بعد الضلال رسول
أمير هو وأي أمير؟ سام في الفخر منير شيد بروج الدين، وأذل رقاب الكفرة والملحدين، أباح حماهم وفلل شباهم، ودمدم على ناديهم وسبى ذراريهم، فهم من بين مأسور، مصلوب ومثبور، لطخ السيف بالعذره وصار جيفة قذره، وكم هناك من نساء باهرات بارعات زاهرات طيبات عطرات بهجات ناضرات فاخرات خفرات مؤنسات قانتات مسلمات عابدات سائحات تائبات، أحصنَّ الفروج، وأخجلن البروج، كالشموس الطوالع والبروق اللوامع، حور عين كأنهن لؤلؤ مكنون، من كل رعبليب وخودة عروبة،
حصان رزان ما تزن بريبة .........................................
من الخفرات البيض أما حرامها … فصعب وأما حلها فذلول
ولله در زوج زينب بنت الرسول حيث يقول:
بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما
стр. 3442
ولله در القائل أيضا:
عن كل أزواجه أرضى وأوثر من … أضحت براءتها في الذكر مستطره
وفي خديجة والزهرا وما ولدت … أزكى مديحي سأهدي دائما درره
وماذا عسى أقول؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (١) برأ وأدب وأوعد وأرهب وشرف وكرم ومجد وعظم. ولله در القائل:
لله مما قد برا صفوة … وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من بينهم … محمد النور أبو القاسم
ﷺ تسليما.
فائدة: كان ﷺ متبلج الوجه أزهر اللون يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ويضيء البيت المظلم من نوره، وكان يلاحك وجهه الجدار وإذا تبسم بالليل أضاء البيت، وكان وجهه يظهر في البيت كالسراج وإذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وعرف ذلك منه وكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه، ويعرف رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان ﷺ فخما مفخما، وكان ﷺ أبيض مليحا مقصدا، ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم الشديد الأدمة، وكان بياضه مشربا بالحمرة، وكان ﷺ أنور المتجرد، وكان أطول من المربوع وأقصر من المشذب، ولم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب هو ﷺ إلى الربعة، وإذا جلس تكون كتفه أعلا من جميع الجالسين، وكان معتدل الخلق في السمن بادنا متماسكا غير مطهم، وكان ضخم الرأس والكراديس، وكان شديد سواد الشر حسنه رجله، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط فيه حجونة،
стр. 3443
وكان حسن الجمة أجلى الجبين يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا وكان واسع الجبهة واضحها، وكان ﷺ أزج الحاجبين سابغهما دقيقهما لا تعدوا منهما شعرة لأخرى مقوسهما، وكان حاجباه غير مقرونين، وكان بين حاجبيه عرق يدره الغضب وكان أنجل العينين وكان أدعجهما وكان أشكلهما، وكان ﷺ أهدب الأشفار أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، له نور يعلو أنفه، وكان ﷺ ضليع الفم حسن الثغر أشنب، وكان ﷺ أفلج الثنيتين براقهما، وكان ﷺ إذا تكلم ريء كالنور يخرج من ثناياه، وكان الدر ينتثر من بين شفتيه ويفتر إذا تبسم عن مثل حب الغمام وجل ضحكه التبسم: فإذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وكان أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم، وريقه يعذب الماء الملح ويجزئ الرضيع، وشرب من ماء بير في دلو ثم صب البقية فيها أو مج فيها ففاح منها مثل رائحة المسك، وبزق في بئر في دار أنس فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، ولم يكن بالطويل الوجه ولا بالشديد تدويره وهو المكلثم بل فيه تدوير قليل، وكان ﷺ أسيل الخدين، وكان ﷺ كث اللحية، وكان حسن السبلة قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه قد كادت تملأ نحره، وكانت عنفقته بارزة وفنيكاه حول العنفقة كأنهما بياض اللؤلؤ، وفي أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقياده على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها، وكان ﷺ أحسن عباد الله عنقا كأن عنقه جيد دمية، أو كأنه إبريق فضة مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب. وما غيبته الثياب من عنقه تحتها فكأنه القمر ليلة البدر، وكان ﷺ عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ممسوح الصدر كأن صدره المرآة في شدتها واستوائها على بياض القمر ليلة البدر مستوي البطن والصدر، وكان عظيم رءوس العظام جليل الكتد واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوءة دقيق فقار الظهر، كأن ظهره سبيكة فضة موصولا بين لبته من الصدر إلى سرته بمسربة، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، عاري الثديين والبطن من الشعر. هكذا في حديث ابن أبي هالة.
стр. 3444
وفي آخر أنه كان له شعر من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه غيره، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه أجرد ذو مسربة، وكان بطنه كأنه القراطيس المثني بعضها على بعض، أبيض من القباطي المطراة، وألين مسا من الحرير، وكان عبل العضدين والذراعين شبحهما، طويل الزندين، سبط القصب، شتن الكفين، رحب الراحة سائل الأطراف، كفه ألين من الحرير وأبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك، كأن كفه كف عطار، مس طيبا أو لم يمس. يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه، وكان ﷺ أعطر من حانوت العطار، وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذين والساقين.
وفي الحديث أنه كان في ساقيه حموشة أي دقة. أخرجه الترمذي وصححه. والحاكم في المستدرك وفي السير من قول سيف بن ذي يزن وصححه ابن ظفر يصفه ﷺ : أنه خدلج الساقين؛ يعني ممتلئهما ويمكن الجمع -والله أعلم- بأن أعلى الساقين مما يلي الركبة عبل وأسفلهما مما يلي الكعب والقدم دقيق، ويرشد إلى هذا قول الغزالي وابن سبع أن العبل من الساق ما تحت الإزار، وكان ﷺ منهوش العقب أحسن البشر قدما شثنها مسيحها، ينبو عنها الماء معتدل أخمصها وكان ﷺ إذا مشى مشى مجتمعا وإذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا ويمشي هونا ذريع المشية كأنما ينحط من صبب، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة يسوق أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: خلوا ظهري للملائكة، وكان إذا التفت التفت جميعا، ولم يكن له ظل في شمس ولا قمر؛ إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكان أفصح خلق الله لسانا وأوضحهم بيانا وأعذبهم كلاما وألينهم خطابا وأسرعهم أداء وأوجزهم عبارة، يجمع كلما أراد ويتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير، وكان أحلاهم منطقا يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح؛ إذا تكلم تكلم بكلام مبين مرتل مفصل يتبع بعضه بعضا يعده العاد ويفهمه كل من سمعه ويعيه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتحفظ عنه، وكان ﷺ حسن الصوت جهيره رخيمه أحسن الناس نغمة، وكان صوته يبلغ حيث لا يبلغه غيره، فكان إذا خطب أو قرأ يسمعونه من
стр. 3445
منازلهم، وكان ﷺ في صوته صحل، وكان ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، وكان جل ضحكه التبسم وربما ضحك حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة، وإذا بكى دمعت عيناه حتى تهملان من غير شهيق ورفع صوت ويسمع له أزيز كأزيز المرجل، وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، وقيل والتمطي لأنهما من الشيطان، وكان يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون، وكان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار وفي الضوء، وكان يرى من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، وكان يرى في الثريا أحد عشر أو اثنى عشر نجما، وأوتى قوة أربعين في الجماع والبطش مع قلة الأكل وقناعته بالعلقة، وفي رواية قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام وكان طيب الرائحة ريحه أطيب من المسك والعنبر، وكان كثير العرق وكان عرقه كاللؤلؤ في البياض والصفاء، وكان عرقه أطيب من الطيب، وكان من توصل إليه عرقه يجعله في طيبه ومن تطيب به عبقت رائحته وشمها أهل المدينة وعلموا به ولا يجدون له شبها في الطيب، وكان ﷺ لا يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه، وإنما كان مع ذلك يحب الطيب ويكثر منه محبة للزيادة من الرائحة الطيبة لأجل الملائكة، وكان ﷺ إبطه أبيض نظيفا طيب الرائحة، وكان إذا دخل الخلاء انشقت الأرض فابتلعت ما يخرج منه وشمت من مكانه رائحة المسك، ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط، وشربت أم أيمن وغيرها بوله ﷺ غلطا فما وجدت له طعم البول ولو وجدته لما أدخلته جوفها ولكرهته كما قال السيد عبد الجليل، وشرب دمه غير واحد منهم عبد الله بن الزبير فتضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته في فيه إلى أن صلب رضي الله تعالى عنه، ومعنى تضوع: فاح، وانتشرت رائحته واستدلوا [بتقريره لهم] (١)، على ذلك على طهارة فضلاته، وعدوا ذلك في خصائصه ﷺ ، وما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها كانت تفرك منيه ﷺ من ثوبه، فقيل للتشريع وقيل للتنظيف، والصحيح أنه لما مسه من رطوبة فرج المرأة وهي نجسة.
стр. 3446
وقال الشيخ أبو عثمان سعيد العقباني: لما تكلم العلماء على الخلاف في طهارة المني استثنى أسودهم النطفة التي صور منها النبي ﷺ فلا خلاف في طهارتها، واختلفت الروايات في منتهى شعره ﷺ ، ففي بعضها أنه كان جمة وفي بعضها لمة وفي بعضها وفرة، وفي حديث ابن أبي هالة: وكان إن فرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. انتهى. ويروى عقيصته، ولم يشب ﷺ ولم يهرم، فلم يكن في رأسه ولحيته إلا شعرات بيض نحو العشرين أو دونها بعضها في عنفقته وبعضها في صدغيه وبعضها في مفرق رأسه؛ إذا ادهن واراهن الدهن.
شَرْحٌ لمشكِلِ ما مر قوله: كان ﷺ متبلج الوجه أزهر اللون أي مشرق الوجه مضيئه أزهر اللون أي نيره مشرقه وقيل حسنه، وقوله: يتلألأ في الجدر جمع جدار وهو الحائط أي يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، وقوله: كان يلاحك وجهه الجدار، الملاحكة شدة الملاءمة أي يرى شخص الجدار في وجهه ﷺ ، وقوله: وإذا سر الخ، وقوله: وإذا غضب الخ؛ يعني أنه لصفاء بشرته يعرف رضاه وغضبه في وجهه، وقوله: فخما مفخما؛ يعني أنه كان ممتليء الوجه من الجمال والمهابة، وقيل إنه كان عظيما معظما في الصدور والعيون، وقوله مليحا مُقَصَّدًا أي قصدا في طوله وجسمه، فلم يكن نحيل الجسم ولا ضخمه ولا طويلا ولا قصيرا، وقوله: الأمهق الذي يضرب بياضه إلى الشهبة ويشبه لونه لون البرص، وقوله مشربا بياضه بحمرة أي قد علت على لونه حمرة من الإشراب وهو خلط لون بآخر كأنه سقي به، وقوله أنور المتجرد أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكشف فهو مشرق، وقوله: المشذب، بمعجمتين كمعظم هو الفائق في الطول في نحافة، وقوله: كان معتدل الخلق في السمن بادنا أي ذا لحم متماسك البدن أي يمسك بعضه بعضا غير مطهم بفتح الهاء المشددة بعد المهملة أي غير مسترخي اللحم، وقوله: وكان ضخم الرأس المراد بالضخامة المذكورة في هذا الباب في الرأس والفم والكراديس وغير ذلك القدر الممدوح من ذلك لا الإفراط فيه والخروج إلى ما هو مذموم، وقوله رجل الشعر هو الذي فيه حجونة أي تثن قليل، وهو الذي كأنه مشط فتكسر قليلا، وقوله السبط هو الذي لا تكسر فيه كشعر الروم، وقوله القطط أي الشديد الجعودة كشعر السودان، والرجل والقطط
стр. 3447
والسبط كلها كقمر وفرح وبدر مع إدغام اللفظ الثاني في الوجه الثالث، وقوله: أجلى الجبين هو ما فوق الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قال ابن سبع: إذا طلع جبينة من بين الشعر أو في فلق الصبح أو عند طفل الليل بفتح المهملة والفاء المروسة يعني ظلمته، أو اطلع بوجهه على الناس يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا، وكانوا يقولون هو ﷺ كما قال شاعره وهو حسان بن ثابت ﵁:
متى يبد في الداجي البهيم جبينه … يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من ذا يكون كأحمد … نظاما لحق أو نكالا لملحد
قوله: واسع الجبهة هو على ما مر في الضخامة، وقوله واضحها يستحب من الجبهة استرسالها ورقة بشرتها وعدم تغضنها، ويقال لمن كان بهذه الصفة صلت الجبهة وطلقها وواضح الجبين، وليس واضح الجبين كناية عن البياض؛ إذ قد يقال ذلك ممن كان أسمر اللون وهو ﷺ أسمر اللون وضد الصلت والواضح الأغضن والمرأة غضناء، ويستحب من الجبهة اتساعها من غير إفراط، وغضون الجبهة أساريرها، وأزج الحاجبين دقيقهما لا تعدو منهما شعرة لأخرى في النبات والاستواء مقوسهما أي ممتدهما حتى كأنهما خطا بقلم، طويل طرفهما رقيقه وشبهت حواجبه بالنونات في قوله:
جبينه مشرق من فوق طرته … يتلو الضحى ليله والليل كافره
بالمسك خطت على كافور جبهته … من فوق نوناتها سينا ضفائره
مكمل الخلق ما تحصى خصائصه … منضر الحسن قد قلت نظائره
стр. 3448
قوله: وكانا غير مقرونين هذا هو الصحيح، فكان ﷺ أبلج ما بين الحاجبين نقيه، قال حجة الإسلام في الإحياء وابن سبع في شفائه: كأن ما بينهما الفضة المخلصة وهذا هو المستحب عند العرب، والعرب تكره قرن الحاجبين وزرقة العينين.
وقد روي في بعض الأحاديث أنه ﷺ كان مقرون الحاجبين، فإن صح فلعله كان قرنا خفيفا خفيا جدا. قاله غير واحد. وقوله: بين حاجبيه عرق يدره الغضب أي يمتلئ دما لا يرى إلا أن يدره الغضب، وقوله: أنجل العينين: واسعهما حسنهما، وقوله: أدعجهما أي شديد سواد العين، وقوله: أشكلهما أي في بياضهما حمرة يسيرة وتفسير الشكلة بطول شق العين وهم عند جميعهم، وقوله: أهدب الأشفار: طويلةا وهي شعر العين، وقوله أقنى العرنين أي الأنف: وقنا الأنف طوله ودقة أرنبته وهي طرف الأنف الذي فيه ثقبه مع حدب في وسطه، وقيل هو دقة في الأنف مع ارتفاع في قصبته، وقيل هو استواء الأنف من أوله إلى آخره، والشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا، وقيل هو أن يكون الأنف دقيقا لا نتو فيه، وقيل هو طول قصبة الأنف.
وقال التجاني: الشمم هو استواء أعلى قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرنبة وهو من صفات الجمال وعلامة السؤدد في الرجال، ثم قال: وضد الشمم القنا، وهو احديداب قصبة الأنف مع نزول الأرنبة، وكان رسول الله ﷺ أشمَّ بذلك وصفه أصحابه، وفي بعض الأحاديث ما يدل على أنه ﷺ كان أقنى، والمعروف ما ذكرناه، ولعل القنا كان فيه خفيا جدا كما ذكرناه في البلج والقرن، وقد بين ذلك ابن أبي هالة بقوله: أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، وقد مر أن العرنين: الأنف، وقيل ما صلب منه وهو أعلاه تحت مجتمع الحاجبين، قيل وفيه يكون الشمم، وعليه قول ابن القوطية: شم الأنف شمما ارتفع أعلاه. انتهى. فكان أنفه مرتفع القصبة في اعتدال، دقيق الأرنبة سائلا منقادا مستويا من أوله إلى آخره، وقوله: ضليع الفم واسعه يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم، وقوله: حسن الثغر بمثلثة فمعجمة كبدر، والشنب بفتحتين الأشر وهو أن تكون الأسنان
стр. 3449
فيها طرائق مثل تفرق المشط إلا أنها حديدة الأطراف. والفلج: فرجة وتفسح بين الثنايا، ويفتر أي يكشف.
وقد مر أن المكلثم هو الشديد تدوير الوجه وقيل هو القصير الذقن، ولم يكن النبي ﷺ كذلك، والخد الأسيل: السهل المستوي الذي لا يفوت بعض لحمه بعضا وليس مرتفع الوجنة، وقال ابن القوطية: أسل الخد أسالة لان وسهل، وقال السهيلي: لم يكن النبي ﷺ مدور الوجه ولكنه مسنون، قال في القاموس: رجل مسنون الوجه مملسه حسنه وفي وجهه وأنفه طول، والسهولة خلاف إشراف الوجنة أي علوها وارتفاعها والوجنة أعلى الخد، وقوله: كث اللحية؛ أي كثير منابت شعرها ملتفها واسعها، والسبلة محركة مقدم اللحية، والفنيكان هما عظمان يتحركان عند مضغ الطعام، والدمية بالضم هي الصورة من العاج، والجيد العنق، وقوله: عظيم رءوس العظام كالمنكبين والمرفقين والوركين والركبتين وهي الكراديس، والمشاش كغراب والكتد بوزن جسد وكتف: مجتمع الكتفين أو الكتفين والظهر، وقوله: فقار، بتقديم الفاء على القاف: سلسلة الظهر، واللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة: موضع القلادة من الصدر، والمسربة بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء، ويقال بفتحها: شعر دقيق منقاد كالخط وكالقضيب والعبل كالضخم زنة ومعنى والشتن الغليظ، وقوله: رحب الراحة: واسع الكف، وقيل كني بذلك عن سعة جوده وعطائه، وقوله: سائل الأطراف أي ممتد الأصابع.
قال الغزالي وابن سبع: كان أصابعه قضبان الفضة وما يذكر من أن سبابته ﷺ كانت أطول من الوسطى فهو غلط ممن قاله، وإنما روي ما روي من ذلك في أصابع رجليه، وقوله: منهوش العقب قليل لحمها، وقوله: مسيحها لينها أملسها ليس فيها تكسر ولا شقوق ينبو عنها الماء سريعا لملاستها ولا يقف، وقوله: معتدل أخمصها، الأخمص هو الموضع الذي لا تناله الأرض من أسفل القدم وهو وسطه لم يكن مرتفعا جدا ولا مستويا جدا على ما حرره ابن الأعرابي، وقال: إذا كان هكذا فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدا فهو ذم. انتهى. وبهذا يجمع بين ما روي من أنه خمصان الأخمصين وأنه إذا وطئ وطئ بقدمه كلها ليس لها أخمص. والله سبحانه أعلم. وما روى البيهقي من (أن خنصر رسول الله ﷺ من
стр. 3450
رجله كانت متظاهرة (١))، ففي سنده: سلمة بن حفص السعدي: قال ابن حبان: كان يضع الحديث فلا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول الله ﷺ معتدل الخلق، وقوله: مشى مجتمعا؛ أي هو قوي الأعضاء غير متراخ في المشي تقلعا هو رفع الرجل عن الأرض بقوة ارتفاعة واحدة كأنما يتقلع وهو نفي للاختيال في المشي مع إثبات التثبت ويخطو تكفؤا أي يميل إلى سنن ممشاه وقصده، ويمشي هونا أي برفق ووقار، ذريع المشية أي واسع الخطو أي أنه كان في مشيه يرفع رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة، كأنما ينحط من صبب وهو الطريق تكون في حدور أو ما انحدر من الأرض يريد أنه مقبل على ما بين يديه غاض بصره لا يرفعه إلى السماء وكذلك يكون المنحط، وفسر أيضا بأنه يترفق في مشيته وكذلك شأن المنحط من الصبب يترفق مخافة السقوط والزلق. والله سبحانه أعلم. التفت جميعا؛ يعني أنه كان لا يسارق النظر ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء كفعل الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا.
وكان أحسن الناس اعلم أنه ﷺ كان أجمل العالمين صورة، وجعل الله تعالى خلق ذاته على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله وأعطاه الحسن كله، وحسن يوسف ﵇ وغيره جزء من حسنه ﷺ ؛ لأن يوسف ﵇ وغيره على صورة اسم محمد ﷺ ، خلق ولولا أن الله ﵎ ستر جمال صورة سيدنا محمد ﷺ كما قيل بالهيبة والوقار وأعمى عنه آخرين لما استطاع أحد النظر إليه بهذه الأبصار الدنيوية الضعيفة، وقد وقعت لعائشة رضي الله تعالى عنها إبرة في ظلمة الليل في بيتها فأبصرتها بنور وجهه ﷺ ، وقد وقعت في عدة أحاديث من غير واحد من الصحابة أنهم لم يروا قبل أي لم يعلموا مثله في الحسن، وصفوه بأنه أحسن الناس صفة وأجملهم صورة وأكملهم خلقا وأنورهم لونا، وما وصفه واصف منهم قط إلا شبه وجهه بالشمس وبالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول من يقول منهم ربما نظرنا إلى النبي ﷺ وإلى القمر ليلة
стр. 3451
البدر فنرى حسنه وجماله يزيد على القمر، ووصفه كل واحد منهم على قدر ما يستطيع أن ينظر إليه ﷺ ، ومنهم من لم يكن يملأ عينيه منه ﷺ ، ولله در حسان حيث يقول:
روح من النور في جسم من القمر … كحلة نسجت بالأنحم الزهر
لما نظرت إلى أنواره سطعت … وضعت من خيفة كفي على بصري
خوفا على بصري من حسن صورته … فلست أنظره إلا على قدر
وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه إذا رآه ﷺ يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو … كضوء البدر زايله الظلام
وكان عمر رضي الله تعالى عنه ينشد قول زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المضيء لليلة البدر
ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله ﷺ ، ولم يكن كذلك غيره، وفيه يقول عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقوله: أجود الناس، قال القائل:
أصح وأقوى ما سمعناه في الندى … من الخبر المأثور دون تردد
أحاديث ترويها السيول عن الحيا … عن البحر عن كف النبي محمد
стр. 3452
صلى الله عليه وسلم، وقوله: صحل بحة مستحسنة وعدم حدة الصوت، والأزيز الغليان، والمرجل براء وجيم كمنبر: قدر من نحاس، وقيل القدر مطلقا، وقوله: واختلفت الروايات في منتهى شعره ﷺ الخ، الوفرة كجمرة: ما وصل من شعر الرأس إلى شحمة الأذن وهو ما لان من أسفلها وهو معلق القرط، فإذا زاد حتى ألم بالمنكبين فهو لمة بالكسر، فإذا زاد ونزل إلى المنكبين فهو جمه بالضم، قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات أن ما يلي الأذن، هو الذي يبلغ شحمة الأُذن وما خلفه هو الذي يضرب إلى منكبيه، قال: وقيل بل ذلك باختلاف الأوقات إذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك، وقال غيره: المراد أن معظم الشعر كان عند شحمة أذنيه، وما استرسل منه متصل إلى المنكبين واقتصر المحب الطبري والعز بن جماعة على الثاني، وقوله: كان إن انفرقت عقيقته الخ، العقيقة قال المقدسي: الشعر، وقال في فتح الباري: شعر رأسه الذي على ناصيته، ثم قال في أثناء كلام لابن قتيبة في غريبه: قوله وكان لا يفرق شعره إلا إذا انفرق محمول على ما كان أول كما بينه حديث ابن عباس. انتهى. وقال في الشفا: العقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة. ويروى عقيصته. انتهى. وعقص الشعر ليه وقيل على الرأس، وقيل عقصه ضفره وليه على الرأس، وقيل عقص الرأس جمع ما ضفر منه قرونا صفا من كل جانب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير العقيقة إنها الشعر المعقوص وهو نحو من المضفور، وكان ربما فعله غدائر أربعا جمع غديرة بالدال المهملة وهي الذؤابة بالمعجمة وهي ما تدلى من شعر الرأس، قال حجة الإسلام في الاحياء: تخرج كل أذن من بين غديرتين، وربما جعل شعره على أذنيه فتبدو سوالفه تتلألأ، وقال العز تبعا لابن سبع: تخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين تكتنفانها واليسرى كذلك تتوقد كأنها الكواكب الدرية بين سواد شعره، وكان أول مرة قد سدل ناصيته بين عينيه كالفضة موافقة لأهل الكتاب، ثم أمر بالفرق وهو فرق الشعر بعضه من بعض ففرق أي ألقى شعر رأسه إلى جانبه فلم يترك منه شيئا على جبهته.
стр. 3453
فائدة: من الأمور التي خالف فيها النبي ﷺ أهل الكتاب بعد أن وافقهم السدل ثم الفرق، وترك صبغ الشعر ثم فعله، والنهي عن صوم يوم السبت ثم نسخه بتحريه صوم يوم السبت والأحد لأنهما يوما عيد للكفار مخالفة لهم، وترك مخالطة الحائض ثم خالفهم، فقال: اصنعوا كل شيء إلا الجماع، فقالوا: لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه.
تنبيهات: الأول: اعلم أن الحسن والحسين وزينب بنت علي رضي الله تعالى عنهم، منهم انتشرت ذريته ﷺ شرقا وغربا، وأمهم سيدتنا فاطمة البتول، سميت بذلك لانقطاعها بما لا طمع فيه من الفضائل لأحد من هذه الأمة، ولا تعادلها امرأة وهي الزهراء، سميت بذلك لأنها لم تحض قط ولا تمادى بها دم نفاس كغيرها، بل كانت إذا ولدت طهرت في الحين حتى لا تفوتها صلاة: ويقال لها من أجل ذلك حوراء آدمية؛ لأن الحور العين لا يحضن فشاركتهن في هذا الوصف، وهي من بنات آدم ﵍، وفي حديث (إن الله لم يبعث نبيا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي (١))، وسرى انتشار ذريته ﷺ في أقطار الأرض أمنة للأمة فلا يخلو إقليم ممن ينتسب وفيهم صادق وكاذب، فمن وجد شيئا بيد آبائه فله التمسك به للبركة وإن لم يقف على صحته للحديث: (من تبرأ من نسب وإن دق كفر (٢))، والناس مصدقون على أنسابهم ما لم يعلم خلاف ما قيل، والتعرض للنسبة مع العلم بعدمها مقت وخزي وخسران في العقبى، وقد جعل الله تعالى لهذه الذرية البشرية -أعني ذريته ﷺ الانتشار على وجه البسيطة كما تخللت أنهار المياه الأرض فحيثما حفروا وجدوه إذ هو حياتهم، وبالماء أقام الله تعالى وجودهم، وكذلك هذه الذرية المحمدية في هذه الأمة تخللها عمران الإسلام.
واعلم أن كل ما تسبب أولاد فاطمة في وجوده يطلق عليه حكم الذرية على العموم، ويختص حكم الأول فقها بعمود نسب هاشم كما تخص آية المباهلة أهل الرداء: النبي ﷺ وبنته فاطمة وعليا، وابنيهما: الحسن والحسين. ومن له شيء من الوصلة بهذه النسبة السنية
стр. 3454
المباركة فعليه بتعهدها وتفقد معالمها بصلاح شأنه بحفظ حدود ربه ومراعاة أسرارها في سره وجهره والمراقبة بالتقوى، ولا يرضى لنفسه متابعة الهوى وحالة الغمرة في جاهلية الجهل والاعتداء، وليأخذ في تعلم ما يعنيه والإقبال على ما يحمد به عند العليم العلام، وقد جاء أن الناس تبع لقريش ولا يعتمد الحسيب المحق على حسبه ولا ذو الأصالة في الأبوة على نسبه، فإن النسبة المقطوع بها عند الله تعالى الهداية بالتقوى والتقرب إليه بمجاهدة الهوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ عام على عالم المكلفين، فينبغي لهم ولكل مكلف من أمة محمد ﷺ التأسي بالسلف الصالح والاستعانة بحالهم على المتجر الرابح كما كان النبي ﷺ وتابعوه بإحسان، ولا يعتمد اللبيب على سابقة الآباء ولا على تأصيلهم بالديانة من غير اقتفاء، وقرابة الأرحام وحدها لا تنفع إذا كانت عارية من مخافة الله تعالى وحبذا هما إذا اجتمعا، قال ﷺ : (يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا (١))، قيل هذا في فاطمة والمراد غيرها، ومثله: (لو سرقت فاطمة لقطعت يدها) (٢) اعلم أن لله تعالى بأهل البيت عناية عظيمة، وروي عن النبي ﷺ : (أربعة أنا شفيعهم: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه (٣)).
الشيخ زروق: تعظيم قرابته ﷺ من تعظيم حرمته، ولقد بالغ في ذلك الحاتمي رحمه الله تعالى حتى قال يعتقد في أهل البيت أن الله تعالى تجاوز عن جميع سيئاتهم لا بعمل عملوه ولا بصالح قدموه بل بسابق عناية من الله تعالى لهم؛ إذ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، فعلق الحكم بالإرادة التي لا تبدل أحكامها، فلا يحل لمسلم أن ينتقص عرض من شهد الله بتطهيره وإذهاب الرجس عنه، وما نزل بنا من قبلهم من الظلم ونحوه ننزله منزلة القضاء الوارد من الله تعالى بلا واسطة ولا سبب كالغرق والحرق إذ قال تعالى:
стр. 3455
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، فجعل يد نبيه يده بلا واسطة، وللولد مثل ما للوالد، وإن العقوق لا يخرج من النسب ما لم يذهب أصل النسبة وهو الإيمان، وما تعين عليهم من الحقوق فأيدينا فيهم نائبة عن الشريعة، وما نحن في ذلك إلا كالعبد يؤدب ابن سيده بإذنه فيقوم بإذن السيد ولا يهمل فضل الولد، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ أي إلا أن تودوا قرابتي، وقال ﷺ : (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها (١))، وللجزء من الحرمة ما للكل، وقد قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، فأثنى بصلاح الأب فما ظنك بنبوءته، وقال بعضهم: إذا أمرنا بتعظيم أولاد الصالحين فما ظنك بأولاد الأولياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأولياء فما ظنك بأولاد الأقطاب؟ إذا كان هذا في أولاد الأقطاب فما ظنك بأولاد الأنبياء؟ إذا كان هذا في أولاد الأنبياء فما ظنك بأولاد المرسلين؟ بل قل لي بماذا تعبر عن أولاد سيد المرسلين؟ فبان أن لهم من الفضل ما لا يقدر قدره غير من خصهم، وينسب لأبي العباس الحباك:
السب لا يجوز في آل النبي … ولو عصوا وبدلوا في المذهب
من سب من آل نبي الله … هو عدو كافر بالله
ولا يصلى خلفه فرض ولا … يجوز في شهادة إن نزلا
يقتل شرعا باتفاق العلما … إن لم يتب من قوله ويندما
إن مات عند الناس لا يكفن … وفي قبور المشركين يدفن
стр. 3456
وهذا -والله أعلم- إذا كانت المشاتمة تسري في الآباء والأجداد فيلزم منها انتقاص منصب النبوءة. والله أعلم. وفي الخصائص: لا يدخل قلب أحد الإيمان حتى يحبهم لله تعالى ولقرابتهم منه ﷺ ، وما فيهم أحد إلا وله شفاعة يوم القيامة، وفي أثر أن آله ﷺ في أعلى ذروة الجنة، وفي الحديث: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (١))، وأن من تمسك بهم وبالقرآن لم يضل وأنهم أمان للأمة من الاختلاف وأنهم سادات أهل الجنة، وأن الله وعد أن لا يعذبهم، وأن من أبغضهم أدخله الله تعالى النار، وأن من قاتلهم كمن قاتل مع الدجال، وأن من صنع إلى أحدهم برا كافاه ﷺ يوم القيامة، وأن الرجل يقوم لأخيه من مجلسه إلا بني هاشم لا يقومون لأحد، (وسأل رسول الله ﷺ ربه أن لا يدخل النار أحد من أهل بيته) (٢) فأعطاه ذلك، وورد أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه.
واعلم أنه لا يجوز لهم -يعني آل النبي ﷺ أن يحرجوا أحدا حتى يغضب فيصدر منه ما لا يحل في منصب النبوءة؛ لأن الغضب نار تتوقد وهم فيما بينهم كذلك، فلا يحل لواحد منهم شتم مثله، ويلزمه من الأدب ما يلزم غيره، ولا يعذر بكونه شريفا؛ لأن المكلفين في حق حدود الشريعة لا تباين فيما بينهم يعمهم الأمر والنهي: لو سرقت فاطمة قطعت يدها، خطاب لها وهم المراد لاستحالة وقوع السرقة منها وجوازها من غيرها. قاله في الوصلة الزلفى.
الثاني: لا ينبغي لأهل هذا البيت طلب رياسة الإمارة وملك دار الدنيا؛ لأن الحسن رضي الله تعالى عنه أوصى الحسين عند موته بذلك، فقال: إن الله لم يجمع لنا معشر أهل البيت بين الدنيا والآخرة، وهذا يخص بني فاطمة، وأما بنو العباس فقد أوتوا من ملك الدنيا ما شاء الله، وكانت عادة الله في بني فاطمة أنهم يغلبون مهما حاولوا منها شيئا، وإن وقع لهم منه فشيء تافه، ووردت عنه ﷺ آثار في المهدي (٣) الذي يختم الله تعالى به خلافة أمته
стр. 3457
مناسبة لبراعة الختم كما كان ﵇ براعة الابتداء، فهو ﷺ أولها يقدمها وابنه المهدي آخرها يسوقها، فلابد منه تصديقا له ﷺ ، وقد مضى من ملك هذه الأمة ستون ومائتان وألف سنة من هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة، فلم يظهر هذا المهدي الموعود به، فدل على أن مدة الأمة لم تنقض بحمد الله تعالى، وقد ذكر ﷺ أنه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأنه يحثو المال حثيا ولا يعده عدا، ومن المجرب أنه ما من مدة كانت ملوكها يعظمون أهل هذا البيت إلا طالت مدتهم في أعقابهم والعكس بالعكس، وينبغي لهم أي لأهل هذا البيت القصد وعدم التوسع في متاع هذه الدار القليل؛ لأن حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، والمراد بالقصد فيها الاقتصار على قدر الضروة، وذلك لتحقق التأصل لقول النبي ﷺ : (اللهم اجعل قوت آل محمد قوتا كفافا اللهم عيش يوم وليلة (١))، بل ورد العموم بذلك وهو قوله ﷺ : (اللهم من آمن بي وعلم أن ما جئت به حق فأقلل ماله وولده (٢))، وذكر الغزالي أن الاختلاف المذكور في الأفضلية بين الغنى الشاكر والفقير الصابر المراد به الغني بالله تعالى، والذي لغيره أن الغني الشاكر هو القائم بالحق الواجب عليه في المال ولم يشغله عن إقامة الفرائض ولم ير ما في يده ملكا له، وإنما هو أمين فيه لمن ملكه إياه وهو الله سبحانه، ولأجل هذا قيل لم نجد غنيا شاكرا ولا فقيرا صابرا لصبره على مكابدة اكتسابه من حله وصرفه في محله.
ولا يكافئ أهل البيت في النكاح إلا أهل البيت أعني على جهة الأدب وإلا فالفقه أن الدين كفاءة، فإذا كان عادتهم أن لا يناكحوا غيرهم فلا يخطب عندهم لأن ذلك يضرهم ويسوءهم، وأما إن كانت عادتهم مصاهرة غيرهم فلا بأس به لنص الفقه، فإذا تزوج أحد منهم بأمة فما الحكم في استرقاق ولده؟ فقد وقع وقد رأيت إنسانا يسئل عنه وقع في أمة بعض أقاربه ولا أدري ما أجيب به. انظر الوصلة الزلفى.
стр. 3458
قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: الذي يدل عليه النص الفقهي أن هذا الولد المذكور يكون رقيقا لمالكه، ولكن نعوذ بالله تعالى من استرقاقه. والله سبحانه أعلم. ويجب عليهم -أي أهل البيت- التنزه عن أوساخ الصدقات والزكاة والكفارات، فإن جدهم مولانا محمدا ﷺ نوه بتحريم ذلك عليهم بقوله ﵊: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (١))، أو كيفما قال ﷺ ، ويجب على كل منهم النظر في فقه ذلك وما يلزمه في خاصة نفسه منه، وما يرخص له فيه عند الضرورة، ويعرف الفرق بين الصدقة والهدية والهبة، وما حد الضرورة التي تبيح له أخذ شيء من ذلك، فقد توسع اليوم في هذا الباب كبيرهم ومن دونه حتى كأن الجميع مباح لهم على الإطلاق في جميع الحالات، أو ليسوا مخاطبين بالتحريم ولم يقدروا قدر نسبتهم وما أمروا به في ذلك ولم يفرقوا بين الغني والفقير ولا بين القوي والضعيف ولا بين الواجد والعديم، بل يطلبون الزكاة ولا يتحرجون في أكل الصدقات فلا يحل لهم ذلك على الجملة، أما مثل الطعام الذي يؤتى به إلى المساجد والمكاتب والمقابر وما يسمونه عشاء الميت، فكل ما شاكل هذه الأشياء يتعين أن يكون صدقة، فمن كان عنده منهم غداؤه أو عشاؤه فلا يحل له أكله، فلو خصه رب الطعام حينئذ على الانفراد عن العامة لكان له أن يأكله ولو كان غنيا؛ لأنه إذ ذاك يصير هبة وهذا من آفة عدم اعتنائهم بما يجب عليهم، وكان ﷺ إذا جاءه شيء يقول: (صدقة أم هدية (٢))، فمن ضيع حقوق الله تعالى أتلف الله تعالى حقوقه في الدنيا والآخرة، وأما ما يقصد به أحدهم محب له أو صديقه أو معاشره إذا كان يعرفه فيتعين أن يكون هبة أو هدية، فيجري على حكم ذلك في الفقه، وأما الزكاة فهي أخف للمضطر منهم ومن بعضهم لبعض أخف من عامة الناس لأنها درن لكنها دون الصدقة والكفارة وزكاة الفطر، ومن الزكاة تؤدّى عطياتهم إذا عدمت أو ظلموا فيها فتباح لهم الزكاة حينئذ عند المخافة على إتلاف النفوس، وينبغي أن ينظر في الوجه الذي يصح فيه اضطراره ولا يقبل على الأخذ على سبيل البله والغفلة فيقع فيما هو محرم عليه، فإذا أبيح له شيء من ذلك فهل يباح له التوسع أو على قدر
стр. 3459
الضرورة كالميتة؟ وكل من بيده شيء من المتشابه إذا وجد عنه مندوحة تعين طرحه ويجب الانفكاك عنه ما استطاع، فينبغي لذي المروءة الدينية التنزه عن كل ما نهي عنه، والسر في ذلك تحسين الهيئة والتجمل بمحاسن السيرة والملابس النورانية لملاقاته ﷺ في عرصات القيامة حين يستبشر ﷺ بوجوه مضيئة ناضرة لم يدنسها تلبس بحرام ولا مكروه، ولا يحوج المؤمن نبيه ولا الشريف جده ﷺ إلى الاعتذار عنهما في حقوق الله تعالى، ولا أن يؤدي عنهما ما تحملاه من الأوزار والتبعات بل تدهم خطوب المحن وأهوال الموقف قبل الإذن في الشفاعات، ويخشى على المستهزئين بالأوامر النبوية أن يحال بينهم وبين الشافعين حتى ينفذ وعيد الحق سبحانه، فإن الحقوق إذا قوبل العبد بالعدل فيها لابد من ذكرها وطلبها إظهارا لسر التكليف وبيان فضائل الذي وفى من العبيد.
واعلم أن من لا يبالي من أين اكتسب ماله وحاطت بما في يده مصائب معاملاته، لا تجوز على المنصوص معاملته فيما عنده لا بيعا ولا شراء ولا تضييفا ولا قبول هديته، وقد قال أئمة هذا الشأن: من مد يده للعطاء من غير استفصال أكل الحرام النص، وفي الصحاح: نص كل شيء: منتهاه، والتقوى أساس الفلاح ولا غنى عنه للمؤمن، فقد قال ﷺ : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس (١))، وقال رجل للنبي ﷺ : دلني على عمل أدخل به الجنة: قال: (لا تسئل الناس شيئا ولك الجنة (٢))، قال: زدني، قال: (لا تغضب ولك الجنة (٣))، وقال ﷺ : (من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هي جمر فليستقل أو ليستكثر (٤))، وقال ﷺ : (من سأل عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن (٥))، ولأجل هذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يأنفون من
стр. 3460
السؤال حتى إن بعضهم ليسقط سوطه وهو راكب فينزل لأخذه ولا يسئل من يناوله إياه، وقال ﷺ : (من رضي عن الله باليسير من الرزق ﵁ بالقليل من العمل (١)).
الثالث: اعلم أنه لا يصح لأهل هذا البيت الكريم مطالبة الناس بما قصروا فيه من حقوق تعظيمهم؛ لأنهم كرام وعادة الكريم عدم مؤاخذة اللئيم، وكذلك من له نسبة ما في العلم والصلاح اللهم إلا أن يكون ذلك مما يرجع لانتفاء النبوءة فيجب إبلاغ ذلك للحاكم، فيقوم فيه بما يأمره لسان العلم، وروي عن الحسن السبط التقي الزكي أنه بكى عند احتضاره، فجعل أخوه الحسين يذكره ويسليه بقومه ومن يلتحق به، فقال: إنما تلقى جدك رسول الله ﷺ ، وفاطمة أمك ابنته البتول، وأباك عليا وجدتك خديجة، فقال: بل ألقى أقواما لم أرهم قط ولا أعرف ماذا يواجهوني به. وفي الحلية لأبي نعيم عن سهل بن عبد الله، قال: يرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان علم الخشية وعلم الورع وعلم المراقبة، قيل: ولم يا أبا محمد؟ قال: تظهر في القراء دعوى التوكل والحب والمقامات ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة وهو يأكل الربى ولا يحفظ لسانه من الغيبة وجوارحه مما نهى الله تعالى عنه. قاله في الوصلة الزلفى.
الرابع: نقل في الوصلة الزلفى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله دنياه ولا آخرته، قلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي (٢))، ونقل فيها أيضا: (استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن خصيمه أخصمه ومن أخصمه دخل النار (٣))، وفيها أيضا: قال ﷺ : من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا، وقال ﷺ : أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وقال ﷺ : (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم
стр. 3461
وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (١))، ورواه البزار. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (إني خلفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبدا كتاب الله ونسبي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (٢))، وعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ ، قال: (أيها الناس إني تركت فيكم الثقلين الثقل الأكبر والثقل الأصغر فأما الثقل الأكبر فبيد الله طرفه والطرف الآخر بأيديكم وهو كتاب الله إن تمسكتم به فلن تضلوا ولن تبدلوا أبدا، وأما الثقل الأصغر فعترتي أهل بيتي إن الله هو الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وسألته ذلك (٣)). الحديث. وفيه: والله سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي، وفيها أيضا: وقال ﷺ : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإن أيمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون، وفيها أيضا عنه ﷺ أنه قال في مرضه الذي توفي فيه: أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم إلا أني مخلف فيكم كتاب ربي وعترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي فلا يفترقان حتى يردا علي الحوض، وقال ﷺ : (أوصاني الله بذي القربى وأمرني أن أبدأ بالعباس (٤))، وفيها أيضا أن علي بن أبي طالب أخرج صحيفة فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به محمد ﷺ أهل بيته وأمته، أوصى أهل بيته بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأوصى أمته بلزوم أهل بيته وأهل بيته يأخذون بحجزة نبيهم ﷺ : وإن شيعتهم يأخذون بحجزهم يوم القيامة، وإنهم لن يدخلوكم باب ضلالة ولن يخرجوكم من باب هدى. وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أيها الناس ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته، والمراقبة المحافظة على الشيء أي احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم.
стр. 3462
وقوله: الثقلين، الثقل بالتحريك يطلق على متاع المسافر وكل شيء نفيس، قال في القاموس: ومنه الحديث: (أنا تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي (١))، قال في الوصلة الزلفى: والحاصل أنه لما كان كل من القرآن والعترة الطاهرة معدنا للعلوم الدينية والأسرار والحكم النفيسة الشرعية وكنوز دقائقها واستخراج حقائقها، أطلق ﷺ عليهما الثقلين، ويرشد لذلك حثه ﷺ على الاقتداء والتمسك والتعلم من أهل البيت، وقيل سماهما بذلك لأن الأخذ بهما والعمل بما يتلقى منهما والمحافظة على رعايتهما والقيام بواجب حرمتهما ثقيل، قيل ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؛ لأن أوامر الله وفرائضه ونواهيه لا تؤدى إلا بتكلف ما يثقل. واعلم أن الذي وقع الحث على التمسك بهم من أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب الله ؛ إذ لا يحث ﷺ على التمسك بغيرهم وهم الذين لا يقع بينهم وبين الكتاب افتراق حتى يردا على الحوض، واختصوا بمزيد الحث عن غيرهم من العلماء لما خصوا به من الثبات في الدين والرسوخ في اليقين لكونهم من قرابة المصطفى ﷺ .
وفي حديث أحمد: ذكر عند النبي ﷺ ما قضى به علي رضي الله تعالى عنه فأعجبه ذلك، وقال: الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت، واعلم أن الحديث يفهم منه وجود من يكون أهلا للتمسك من أهل البيت الطاهر في كل زمان وجدوا فيه إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمان أهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض، وهذا الحث شامل لمن تقدم منهم وأحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وخصه رسول الله ﷺ بقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (٢))، وهذا حديث صحيح لا مرية فيه، واحتج بالحديث الرافضة على أن الخلافة لعلي بعد النبي ﷺ ، وكذلك ما صح من قوله ﷺ : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي (٣))،
стр. 3463
ولا حجة لهم في ذلك فقد سئل كرم الله وجهه عن ذلك بعد أن صارت إليه الخلافة، فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله ﷺ عهدا لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا رداءي ولم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره ﷺ ، فرسول الله ﷺ رأى موضعي وموضعه، فقال له: قم فصل بالناس وتركني فرضينا به لدنيانا كما رضي به رسول الله ﷺ لديننا. وفي رواية: فلا والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه. لو كان عندي من النبي ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردتي هذه، ولكن رسول الله ﷺ لم يقتل ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بنا وهو يرى مكاني. وأخرج الأئمة الحفاظ منهم الدارقطني وغيره أن عليا ﵁ بلغة أن ابن سبإ يفضله على أبي بكر وعمر ﵄، فهم علي بقتله فقيل له: تقتل رجلا أحبك وفضلك؟ فقال لا جرم لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فأخرجه إلى المدائن. وروى علي كرم الله وجهه، قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة شرهم من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا، وفي رواية: وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر. انتهى. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي كلمه أبو الكلاب شر شر، وأخبره أنه ينهش في النار من سب أبا بكر وعمر.
الخامس: قال في الوصلة الزلفى: عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا (١)). أخرجه الطبراني في الأوسط وسنده ضعيف. لكن له موافق يعضده، ففي الشفا أنه ﷺ قال: (معرفة آل محمد ﷺ براءة من النار، وحب آل محمد ﷺ جواز على الصراط والولاية لآل محمد ﷺ
стр. 3464
أمان من العذاب (١)). ونقل في الشفا عن بعض العلماء أن المراد بمعرفتهم معرفة مكانهم من النبي ﷺ ، وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه. انتهى. ويشهد لذلك قوله ﷺ : (ولو أن رجلا صفن أي جمع قدميه قائما بين الركن والمقام فصلى وقام ثم لقي الله مبغضا لآل محمد ﷺ دخل النار (٢)).
وروى الخوارزمي عن بلال بن حمامة ﵁ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر، فسألته عن ذلك فقال: (بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي بأن الله تعالى زوج عليا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان بهز شجرة طوبى فحملت رقاعا يعني صكاكا بعدد محبي أهل البيت، وأنشأ تحتها ملائكة من نور ودفع إلى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي من النار (٣)). وعن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه، قال: إن الله تعالى أخذ ميثاق من يحبنا وهم في أصلاب آبائهم فلا يقدرون على ترك ولايتنا؛ لأن الله جبلهم على ذلك، وعن علي رضي الله تعالى عنه: قال: قال رسول الله ﷺ : (يرد الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين السبابتين (٤)).
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: حب آل محمد خير من عبادة سنة ومن مات عليه دخل الجنة، وعنه ﷺ : (لا يحبنا أهل البيت إلا مؤمن تقي ولا يبغضنا إلا منافق شقي (٥))، وروى أحمد والترمذي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيد حسن وحسين يوما، وقال: (من أحب هذين وأباهما وأمهما ومات متبعا لسنتي كان معي في الجنة (٦))، وقوله: مات متبعا لسنتي تقييد للرواية المطلقة، رزقنا
стр. 3465
الله الاتباع ومجانبة الابتداع نص على ذلك في الوصلة الزلفى. وقد قال علي ﵁: من ادعى حب النبي ﷺ وأهل بيته ولا يقتدي بأفعالهم ولا يجالس المساكين فهو كذاب، وقال علي بن الحسين: من أحبنا لله أسكنه الله في ظل ظليل يوم لا ظل إلا ظله، ومن أحبنا يريد مكافأتنا كافأه الله عنا بالجنة، ومن أحبنا لغرض دنياه آتاه الله رزقه من حيث لا يحتسب، وكان ﷺ يثني على بني هاشم ويضيفهم إلى نفسه ويغضب على من يسيء إليهم. وأتى العباس رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني انتهيت إلى قوم يتحدثون فلما رأوني سكتوا وما ذلك إلا أنهم يبغضونا، فقال رسول الله ﷺ : أو قد فعلوها؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحد حتى يحبكم بحبي؛ أيرجون أن يدخلوا الجنة بشفاعتي ولا يرجوها بنو عبد المطلب (١))؟ وعن عمر رضي الله تعالى عنه في سبب تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة، قال ﷺ : (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، وكل ولد أم فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أبوهم وعصبتهم (٢))، وأخرج الطبراني في الكبير عن عمر عنه ﷺ : (كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم (٣)) ورجاله موثقون. وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال. صعد عمر بن الخطاب ﵁ المنبر، فقال: أيها الناس إني والله ما حملني على الإلحاح على علي بن أبي طالب في ابنته إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل سبب ونسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري فإنهما يأتيان يوم القيامة يشفعان لصاحبهما (٤))، وقال البيهقي: لما كان منصور النمري مغريا للرشيد في الطالبيين بقوله:
يسمون النبي أبا ويابى … من الأحزاب سطر في السطور
стр. 3466
يريد: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، رأى في منامه النبي ﷺ وهو يهوي إليه بقضيب من نار، ويقول: أنت الذي تنفي ذريتي مني فانتبه مذعورا، ومال إلى التشيع وقال في ذلك: ما أوجب أن أمر الرشيد لما أوقف عليه بقتله فنجاه الله تعالى ووجدوه قد مات.
وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم (١)) رواه الحاكم. وقال صحيح الإسناد. وعن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ : يقول: (اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل وهو فاعل، قال: قلت: ما فعل؟ قال: فعله ربكم بكم ويفعله لمن بعدكم (٢)). وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم (٣)). أخرجه أحمد. وعنه أيضا: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن أحبني من أمتي (٤))، وعن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي وبايعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل (٥)).
وعند الطبراني والبزار وغيرهما: أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطانف.
واعلم أنه يحق على كل من له نسبة ما إليه ﷺ أن يصون حسن وجهها عن دنس الأغيار المخلة ببهجتها بذلك الوصف بولاية الله تعالى ورسوله، فأعظم خسارة وخزي وإساءة أن يمنح الله العبد قرب النسب من أفضل خلقه وأشرفهم، فيكفر هذه النعمة العظمى بتعاطي ما يسوؤه ﷺ عند عرض عمله عليه، فإذا قال في القيامة يا محمد أعرض
стр. 3467
عنه وكفى بذلك بلاء ونقمة فواسوأتاه من الله ورسوله، وإن حصل له الغفران ودخول الجنان فإنما أولياؤه المتقون كما قال ﷺ : إن أولياءي يوم القيامة المتقون من كانوا.
وقال الحسن المثنى: لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله ﷺ بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، ووالله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. انتهى. وقوله: لو كان الله نافعا الخ، المراد مجرد القرابة مع عدم الإيمان، وأما مع الإيمان فلا إشكال في ذلك، وكان بعض العلماء الكبار توقف عن الصلاة على بعض الأشراف لكونه كان يلعب بالحمام: فرأى النبي ﷺ في المنام ومعه ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته على ما وقع منه في ترك الصلاة على ذلك الشريف، فكان بعد ذلك يعظمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، واسم العالم المذكور: محمد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي.
ويروى عن الشيخ عفيف الدين الدلاصي أنه امتنع من الصلاة على صاحب مكة الشريف محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، فرآى في المنام فاطمة في المسجد الحرام والناس يسلمون عليها: وأنه قام للسلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات، فتحامل حتى سلم عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه، فقالت: يموت ولدي ولا تصلي عليه، فتاب إلى الله تعالى واعترف بالظلم. وأخبر بعض الأثبات أن شخصا من أعيان المغاربة عزم على التوجه من بلاده للحج فأتاه شخص بمال أظنه قال: يبلغ مائة دينار، وقال له: إذا وصلت إلى المدينة النبوية فاسأل عن شخص من الأشراف بها يكون صحيح النسب فادفع إليه ذلك عسى أن يكون ذلك لي وصلة لجده صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاءهم ذلك المغربي أخبرهم أنه قدم المدينة وسأل عن أشرافها فقيل له إن نسبهم صحيح غير أنهم من الشيعة الذين يسبون الشيخين، قال: فكرهت دفع ذلك لأحد منهم، قال ثم جلس إليَّ واحد منهم أو قال: جلست إليه فسألته عن مذهبه، وقال شيعي، فقلت له: لو كنت من أهل السنة لدفعت إليك مبلغا عندي كذا، فشكى فاقته وشدة حاجته وسألني شيئا منه، فقلت له لا سبيل إلى أن أعطيك شيئا منه، فذهب عني، قال: فلما نمت تلك الليلة رأيت أن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فأردت أن أجوز، فأمرت فاطمة رضي الله تعالى
стр. 3468
عنها بمنعي فمنعت فصرت أستغيث فلا أجد مغيثا حتى أقبل رسول الله ﷺ فاستغثت به، وقلت: يا رسول الله فاطمة منعتني الجواز على الصراط، فالتفت إليها صلى الله عليد وسلم وقال: لم منعت هذا؟ فقالت: لأنه منع ولدي رزقه، قال فالتفت إلي وقال لي: قالت إنك منعت ولدها رزقه، فقلت له والله يارسول الله ما منعته إلا أنه يسب الشيخين، قال فالتفت ﷺ إليها وقال لها: قد قال إنما منعه لأنه يسب الشيخين، قال فالتفتت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى الشيخين وقالت لهما: أتؤاخذان ولدي بذلك؟ فقالا: لا، بل سامحناه بذلك، قال فالتفتت إلي وقالت فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين؟ قال: فانتبهت فزعا فأخذت المبلغ وجئت إلى ذلك الشريف فدفعته له فتعجب من ذلك، وقال: بالأمس أسألك في يسير منه فامتنعت والآن كيف جئتني به كله؟ فقصصت عليه الرؤيا، فبكى وقال: أشهدك علي وأشهد الله ورسوله أني لا أسبهما أبدا ما حييت. انتهى. نقله في الوصلة الزلفى.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد الفارسي: كنت أبغض أشراف المدينة النبوية بني حسين لما يظهرون من التعصب على أهل السنة وما يتظاهرون به من البدع، فرأيت وأنا نائم بالمسجد النبوي تجاه القبر الشريف رسول الله ﷺ وهو يقول: يا فلان باسمي ما لي أراك تبغض أولادي؟ فقلت حاشا الله ما أكرههم، وإنما كرهت منهم ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة، فقال لي: مسألة فقهية، أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فقال: هذا ولد عاق فصرت بعد ذلك لا ألقى أحدا منهم إلا بالغت في إكرامه.
ووقع لأبي المحاسن نصر بن عنيق الشاعر أنه كان متوجها إلى مكة ومعه مال وقماش، فخرج عليه بعض الأشراف فأخذوا ما كان معه وجرحوه فكتب قصيدة إلى الملك العزيز أبي أيوب صاحب اليمن وقد كان أخوه يستنجده إلى الجهاد بالساحل إلى الإفرنج، ومن القصيدة:
ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه … فما يساوي إذا قايسته عدنا
وإن أردت جهادا فادن سيفك من … قوم أضاعوا فروض الله والسننا
стр. 3469
طهر بسيفك بيت الله من دنس … وما أحاط به من خسة وخنا
ولا تقل إنهم أولاد فاطمة … لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا
فلما نظم هذه القصيدة رآى في النوم فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته:
حاشا بني فاطمة كلهم … من خسة تعرض أو من خنا
وإنما الأيام في غدرها … وفعلها السوءى أساءت بنا
فتب إلى الله فمن يقترف … إثما بنا يا من مما جنى
أإن أسا من ولدي واحدٌ … يجعل كل السب عمدا لنا
فاكْرم لِعَيْن المصطفى أحمد … ولا تهن من آله أعينا
فكل ما نالك منهم غدا … تلقى به في الحشر منا منى
قال أبو المحاسن: فانتبهت من نومي مرعوبا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت الأبيات وحفظتها وتبت إلى الله تعالى، وقطعت تلك القصيدة وقلت:
عذرا إلى بنت نبي الهدى … تصفح عن ذنب محب جنى
وتوبة يقبلها من أخ … مقالة توقعه في العنا
стр. 3470
والله لو قطعني واحد … منهم بسيف البغى أو بالقنا
لم أر ما يفعله سيئا … بل أنه في الفعل قد أحسنا
السادس: مما يطلب لأهل البيت الآداب والأخلاق والهمم العلية، فمن ذلك بذل الهمة في تحصيل العلوم الشرعية خصوصا الكتاب العزيز والسنة النبوية؟ لأن أولى الناس بذلك أهل البيت، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك فإن العلوم الشرعية ما ظهرت إلا من عنصر بيتهم الشريف، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، ومما يطلب منهم تطهير القلب من كل دنس وغل وحسد وخلق ذميم وسوء عقيدة فإنها من خبائث القلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾، فبذلك يحصل التهيؤ لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائقه وغوامض حقائقه، ولا بد من حسن النية في طلب العلم بأن يقصد بذلك امتثال أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وإحياء الشريعة والدخول في سلسلة العلم المنتهية إلى رسول الله ﷺ ، فيتم له بذلك حصول النسبتين وأن يعد في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه وتنوير قلبه، وإياك أن تقصد بالعلم الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال وغير ذلك، فيحبط عملك ويكسف نور علمك ويضيع تعبك وتكون ممن لم ينفعه الله تعالى بعلمه، وقد استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع، ومن المطالب في حقهم أيضا اجتناب كل ما يستقبح شرعا، فإن القبيح الصادر من أهل البيت أقبح منه من غيرهم، ولله در القائل:
العيب في الجاهل المغمور مغمور … وعيب ذي الشرف المذكور منكور
كفوفة الظفر تخفى من حقارتها … ومثلها في سواد العين مشهور