يريد: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، رأى في منامه النبي ﷺ وهو يهوي إليه بقضيب من نار، ويقول: أنت الذي تنفي ذريتي مني فانتبه مذعورا، ومال إلى التشيع وقال في ذلك: ما أوجب أن أمر الرشيد لما أوقف عليه بقتله فنجاه الله تعالى ووجدوه قد مات.
وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : (وعدني ربي في أهل بيتي من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ أن لا يعذبهم (١)) رواه الحاكم. وقال صحيح الإسناد. وعن علي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ : يقول: (اللهم إنهم عترة رسولك فهب مسيئهم لمحسنهم وهبهم لي ففعل وهو فاعل، قال: قلت: ما فعل؟ قال: فعله ربكم بكم ويفعله لمن بعدكم (٢)). وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم (٣)). أخرجه أحمد. وعنه أيضا: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول من يرد علي حوضي أهل بيتي ومن أحبني من أمتي (٤))، وعن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أول من أشفع له من أمتي أهل بيتي ثم الأقرب من قريش ثم الأنصار ثم من آمن بي وبايعني من اليمن ثم سائر العرب ثم الأعاجم ومن أشفع له أولا أفضل (٥)).
وعند الطبراني والبزار وغيرهما: أول من أشفع له من أمتي أهل المدينة ثم أهل مكة ثم أهل الطانف.
واعلم أنه يحق على كل من له نسبة ما إليه ﷺ أن يصون حسن وجهها عن دنس الأغيار المخلة ببهجتها بذلك الوصف بولاية الله تعالى ورسوله، فأعظم خسارة وخزي وإساءة أن يمنح الله العبد قرب النسب من أفضل خلقه وأشرفهم، فيكفر هذه النعمة العظمى بتعاطي ما يسوؤه ﷺ عند عرض عمله عليه، فإذا قال في القيامة يا محمد أعرض
стр. 3467
عنه وكفى بذلك بلاء ونقمة فواسوأتاه من الله ورسوله، وإن حصل له الغفران ودخول الجنان فإنما أولياؤه المتقون كما قال ﷺ : إن أولياءي يوم القيامة المتقون من كانوا.
وقال الحسن المثنى: لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله ﷺ بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، وإني أخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، ووالله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. انتهى. وقوله: لو كان الله نافعا الخ، المراد مجرد القرابة مع عدم الإيمان، وأما مع الإيمان فلا إشكال في ذلك، وكان بعض العلماء الكبار توقف عن الصلاة على بعض الأشراف لكونه كان يلعب بالحمام: فرأى النبي ﷺ في المنام ومعه ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه وعاتبته على ما وقع منه في ترك الصلاة على ذلك الشريف، فكان بعد ذلك يعظمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، واسم العالم المذكور: محمد بن عمر بن يوسف الأنصاري القرطبي.
ويروى عن الشيخ عفيف الدين الدلاصي أنه امتنع من الصلاة على صاحب مكة الشريف محمد بن حسن بن علي بن قتادة الحسني، فرآى في المنام فاطمة في المسجد الحرام والناس يسلمون عليها: وأنه قام للسلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات، فتحامل حتى سلم عليها وسألها عن سبب إعراضها عنه، فقالت: يموت ولدي ولا تصلي عليه، فتاب إلى الله تعالى واعترف بالظلم. وأخبر بعض الأثبات أن شخصا من أعيان المغاربة عزم على التوجه من بلاده للحج فأتاه شخص بمال أظنه قال: يبلغ مائة دينار، وقال له: إذا وصلت إلى المدينة النبوية فاسأل عن شخص من الأشراف بها يكون صحيح النسب فادفع إليه ذلك عسى أن يكون ذلك لي وصلة لجده صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاءهم ذلك المغربي أخبرهم أنه قدم المدينة وسأل عن أشرافها فقيل له إن نسبهم صحيح غير أنهم من الشيعة الذين يسبون الشيخين، قال: فكرهت دفع ذلك لأحد منهم، قال ثم جلس إليَّ واحد منهم أو قال: جلست إليه فسألته عن مذهبه، وقال شيعي، فقلت له: لو كنت من أهل السنة لدفعت إليك مبلغا عندي كذا، فشكى فاقته وشدة حاجته وسألني شيئا منه، فقلت له لا سبيل إلى أن أعطيك شيئا منه، فذهب عني، قال: فلما نمت تلك الليلة رأيت أن القيامة قامت والناس يجوزون على الصراط فأردت أن أجوز، فأمرت فاطمة رضي الله تعالى
стр. 3468
عنها بمنعي فمنعت فصرت أستغيث فلا أجد مغيثا حتى أقبل رسول الله ﷺ فاستغثت به، وقلت: يا رسول الله فاطمة منعتني الجواز على الصراط، فالتفت إليها صلى الله عليد وسلم وقال: لم منعت هذا؟ فقالت: لأنه منع ولدي رزقه، قال فالتفت إلي وقال لي: قالت إنك منعت ولدها رزقه، فقلت له والله يارسول الله ما منعته إلا أنه يسب الشيخين، قال فالتفت ﷺ إليها وقال لها: قد قال إنما منعه لأنه يسب الشيخين، قال فالتفتت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى الشيخين وقالت لهما: أتؤاخذان ولدي بذلك؟ فقالا: لا، بل سامحناه بذلك، قال فالتفتت إلي وقالت فما أدخلك بين ولدي وبين الشيخين؟ قال: فانتبهت فزعا فأخذت المبلغ وجئت إلى ذلك الشريف فدفعته له فتعجب من ذلك، وقال: بالأمس أسألك في يسير منه فامتنعت والآن كيف جئتني به كله؟ فقصصت عليه الرؤيا، فبكى وقال: أشهدك علي وأشهد الله ورسوله أني لا أسبهما أبدا ما حييت. انتهى. نقله في الوصلة الزلفى.
وقال الشيخ أبو عبد الله محمد الفارسي: كنت أبغض أشراف المدينة النبوية بني حسين لما يظهرون من التعصب على أهل السنة وما يتظاهرون به من البدع، فرأيت وأنا نائم بالمسجد النبوي تجاه القبر الشريف رسول الله ﷺ وهو يقول: يا فلان باسمي ما لي أراك تبغض أولادي؟ فقلت حاشا الله ما أكرههم، وإنما كرهت منهم ما رأيت من تعصبهم على أهل السنة، فقال لي: مسألة فقهية، أليس الولد العاق يلحق بالنسب؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فقال: هذا ولد عاق فصرت بعد ذلك لا ألقى أحدا منهم إلا بالغت في إكرامه.
ووقع لأبي المحاسن نصر بن عنيق الشاعر أنه كان متوجها إلى مكة ومعه مال وقماش، فخرج عليه بعض الأشراف فأخذوا ما كان معه وجرحوه فكتب قصيدة إلى الملك العزيز أبي أيوب صاحب اليمن وقد كان أخوه يستنجده إلى الجهاد بالساحل إلى الإفرنج، ومن القصيدة:
ولا تقل ساحل الإفرنج أفتحه … فما يساوي إذا قايسته عدنا
وإن أردت جهادا فادن سيفك من … قوم أضاعوا فروض الله والسننا
стр. 3469
طهر بسيفك بيت الله من دنس … وما أحاط به من خسة وخنا
ولا تقل إنهم أولاد فاطمة … لو أدركوا آل حرب حاربوا الحسنا
فلما نظم هذه القصيدة رآى في النوم فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي تطوف بالبيت، فسلم عليها فلم تجبه، فتضرع إليها وتذلل وسألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته:
حاشا بني فاطمة كلهم … من خسة تعرض أو من خنا
وإنما الأيام في غدرها … وفعلها السوءى أساءت بنا
فتب إلى الله فمن يقترف … إثما بنا يا من مما جنى
أإن أسا من ولدي واحدٌ … يجعل كل السب عمدا لنا
فاكْرم لِعَيْن المصطفى أحمد … ولا تهن من آله أعينا
فكل ما نالك منهم غدا … تلقى به في الحشر منا منى
قال أبو المحاسن: فانتبهت من نومي مرعوبا وقد أكمل الله تعالى عافيتي من الجراح والمرض، فكتبت الأبيات وحفظتها وتبت إلى الله تعالى، وقطعت تلك القصيدة وقلت:
عذرا إلى بنت نبي الهدى … تصفح عن ذنب محب جنى
وتوبة يقبلها من أخ … مقالة توقعه في العنا
стр. 3470
والله لو قطعني واحد … منهم بسيف البغى أو بالقنا
لم أر ما يفعله سيئا … بل أنه في الفعل قد أحسنا
السادس: مما يطلب لأهل البيت الآداب والأخلاق والهمم العلية، فمن ذلك بذل الهمة في تحصيل العلوم الشرعية خصوصا الكتاب العزيز والسنة النبوية؟ لأن أولى الناس بذلك أهل البيت، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك فإن العلوم الشرعية ما ظهرت إلا من عنصر بيتهم الشريف، ولم يزل سلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، ومما يطلب منهم تطهير القلب من كل دنس وغل وحسد وخلق ذميم وسوء عقيدة فإنها من خبائث القلب، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾، فبذلك يحصل التهيؤ لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائقه وغوامض حقائقه، ولا بد من حسن النية في طلب العلم بأن يقصد بذلك امتثال أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وإحياء الشريعة والدخول في سلسلة العلم المنتهية إلى رسول الله ﷺ ، فيتم له بذلك حصول النسبتين وأن يعد في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه وتنوير قلبه، وإياك أن تقصد بالعلم الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال وغير ذلك، فيحبط عملك ويكسف نور علمك ويضيع تعبك وتكون ممن لم ينفعه الله تعالى بعلمه، وقد استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع، ومن المطالب في حقهم أيضا اجتناب كل ما يستقبح شرعا، فإن القبيح الصادر من أهل البيت أقبح منه من غيرهم، ولله در القائل:
العيب في الجاهل المغمور مغمور … وعيب ذي الشرف المذكور منكور
كفوفة الظفر تخفى من حقارتها … ومثلها في سواد العين مشهور
стр. 3471
وقد قال ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها (١))، قوله معالي الأمور هي الأخلاق المحمودة، كالتواضع والصبر وسلامه الصدر والزهد وحسن الخلق وكثرة الاحتمال، وقوله: ويكره سفسافها أي دنيها من الأخلاق المذمومة، كالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال، انظر المحلى عند قول ابن السبكي: وذو النفس الأبية يربأ بها عن سفساف الأمور ويجنح إلى معاليهاة وقال ﵊: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. انتهى.
وأولى الخلق بذلك أكمل البيت النبوي لكريم مجدهم، ولشريف نسبهم، ولتكون حشمتهم في النفوس موفورة، وحرمة الرسول ﷺ محفوظة، حتى لا ينطق بذمّهم لسان ولا يشنأهم إنسان، رأولى الناس بالمروءة من كانت له بنوة النبوءة، ومنها أيضا ترك الفخر بالآباء وعدم التعويل عليهم، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال ﷺ : (إن الله لا يسئلكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة إلا عن أعمالكم إن أكرمكم عند الله أتقيكم (٢))، وعنه ﷺ : (الناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله (٣))، وقال ﷺ : (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (خيركم عند الله أتقيكم (٤))، وقال ﵊: (الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله (٥)) إن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾، وقال ﷺ : (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٦))، وقال عليد السلام: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى
стр. 3472
لا يفخر بعضكم على بعض (١))، ومنها أيضا اجتناب الدخول في الولاية الدنيوية والتعرض لطلبها. قال في الوصلة الزلفى. وفيها أن حديث (إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار (٢)) خاص للحسن والحسين نقله عن محمد الجواد بن علي الرضى. ومنها أيضا سلوك طرائق سلفهم في التواضع والحلم والصبر على الأذى ذاكرين قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾، ومنها أيضا الإعراض عن الدنيا وزينتها لأن ذلك دأبه ﵊.
ونقل في الوصلة الزلفى أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فأتى بيت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وكانت تهيأت ولبست مسكتين من ورق وقلادة وقرطين وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ وقف أصحابه على الباب لا يدرون أيقيمون أم ينصرفون لطول مكثه عندها، فخرج رسول الله ﷺ وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رآى من المسكتين والقلادة والستر فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها، ونزعت الستر وبعثت به إلى رسول الله ﷺ ، وقالت للرسول: قل لرسول الله ﷺ : تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله. وذكر الراوي أنه قام فدخل عليها.
ومنها أيضا وهو أعظمها مقابلة المسيء بالإحسان، كما روى عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنه كان خارجا يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه فثارت إليه العبيد والموالي، فقال علي بن الحسين: مهلا عن الرجل ثم أقبل عليه فقال: ستر عليك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل ورجع إلى نفسه فألقى إليه علي خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم، فكان الرجل يقول بعد ذلك: أشهد أنك من أولاد الرسول. ومنها أيضا تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان عاما ففي حق أهل البيت أوكد لأنهم خير القرون بشهادة رسول الله ﷺ ، فقد قال ﷺ : من حفظني في أصحابي ورد عليَّ الحوض، ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد عليَّ الحوض، ولم يرني إلا من بعيد، فأحق الناس بتعظيمهم
стр. 3473
أهل البيت النبوي لما فيه من امتثال وصية مشرفهم ﷺ وتعظيمه مع الاقتداء بصالح سلفهم والاهتداء بهديهم. فالحذر الحذر مما ينقله الرافضة عنهم مما يخالف فذلك كله مختلق عليهم: وإنما المأثور عن سلف صالحي أهل البيت إنما هو تعظيم الصحابة، وقد أفسد كثير من الرافضة عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم لهم كمال المحبة والتعظيم، فمالوا إلى تقليدهم حتى إنه قد اشتهر مصداق ما قاله بعضهم: أعز الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم ضررهم عليهم أولا وءاخرا. ومنها أيضا معاملتهم لأمة مشرفهم بمكارم الأخلاق وطلاقة الوجه وإفشاء السلام ومزيد الإكرام ورفقهم بهم في الكلام وترك التعاظم على آحادهم وإحسان الظن بهم كما كان عليه أئمة سلفهم، ويخصون بمزيد الإكرام المتمسكين بسنة مشرفهم ﷺ . ومنها أيضا أن يكون لهم بل ولجميع الأمة غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه حتى لا ينتسب إليه ﷺ أحد إلا بحق، كما جرى عليه السلف الكرام، ولم تزل أنسابهم والحمد لله مضبوطة على توالي الأيام، قد قيض الله لهم من يقوم بتصحيح ذلك في كل زمان من علماء الأمة، مع أن وسامة وجوههم لائحة ونفحات طيب عرفهم فائحة:
ومن يقل للمسك أين الشذى … كذبه في الحال من شمه
هذا والاستفاضة يثبت بها النسب المصون، ومن انتسب إلى غير آبائه فهو ملعون، ففي صحيح البخاري عند ﷺ : (من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (١)) والأحاديث في هذا كثيرة.
ثم للمصالح؛ يعني أن الإمام بعد بداءته بآل النبي ﷺ في العطاء من هذه الأمور التي توضع ببيت المال، يصرف الباقي لمصالح المسلمين أي الأمور التي يعود نفعها على المسلمين، كبناء المساجد والقناطير والغزو وعمارة الثغور وأرزاق القضاة وقضاء الديون وعقل الجراح وتزويج الأعزب وغير ذلك، والذي في المدونة استواء الآل والمصالح إلا أن تحمل البداءة بهم على
стр. 3474
الندب كما قال البساطي، وتحمل المدونة على أصل الإعطاء ثم إذا أعطوا فيوفر نصيبهم لأنهم لا يعطون من الزكاة، واكتفى المص عن ذكر الفيء بذكر الخمس، وفي المواق: وقد نصوا أنه إن لم عن بيت مال يجمع الناس مالا ليرتبوا به الجند وحملة العلم أعني فرض الكفاية الذي سئل مالك عنه أهو فرض؟ قال: أما على كل الناس فلا، قالوا والذي يتعين عليه هذا العلم هو من جاد حفظه وحسن إدراكه وطابت سجيته وسريرته، فمثل هذا هو الذي يجوز له أخذ الجائزة، ومن لم يكن فيه هذه الأوصاف فلا يجوز له الأخذ، وربما كان طلبه العلم من باب العبث بالنسبة للمصلحة المختلفة، ومِن تكلُّفِ مالا يطيق في حقه وكلاهما باطل شرعا، فكيف يحل أن يأخذ على ذلك مرتبا أو أجرا؟ انتهى. ونظم ابن جماعة الشافعي ما يوضع في بيت المال فقال:
جهات أنواع بيت المال سبعتها … في بيت شعر حواها فيه كاتبه
خمس وفيء خراج جزية عشر … وارث فرض ومال ضل صاحبه
قال عبد الباقي: لو قال وارث مال كان أحسن؛ لأن بيت المال لا يرث بالفرض عندنا، وقوله: ومال ضل صاحبه؛ أي جهل مالكه ولم يكن لقطة كالمأخوذ مكسا. انتهى. وقال الشيخ الأمير: فخراجها والخمس والفيء أي المنجلى عنه بلا قتال، والجزية والعشر من تجار الذميين ومال جهل صاحبه أو لا وارث له في بيت المال للمصالح العامة كقنطرة، والخاصة كقضاء الدين، وندب البداءة بآله ﷺ ، ووجب البدء بمن جبي فيهم المال لكفاية سنة إلا أن يكون غيرهم أحوج فالأكثر له وجوبا. انتهى.
وبدئ بمن فيهم المال؛ يعني أن الذين يجبى فيهم المال أي الفيء وما جرى مجراه يبدءون وجوبا بالعطاء بعد آله ﷺ ، فيصرفه في المصالح التي يعود نفعها على المسلمين، كبناء المساجد والقناطير والغزو وعمارة الثغور وتزويج الأعزب ونحو ذلك، ويعطون حتى يغنوا كفاية سنة، وقد كتب عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يخرج فيء قوم عنهم، وفي الشبراخيتي أن الترتيب على سبيل الاستحباب إن كان في المال سعة وإلا بدئ بالأحوج، وقوله: "وبدئ بمن فيهم المال"؛
стр. 3475
أي بمن في بلادهم الخراج أو الخمس أو الجزية، فيعطون حتى يغنوا، والغنى كفاية سنة كما قاله أبو الحسن، فإن فضل شيء أعطي للفقراء، فإن فضل شيء وقف لنوائب المسلمين، وقوله: "وبدئ بمن فيهم المال"؛ أي عند مساواة غيرهم لهم في الحاجة بدليل ونقل للأحوج الأكثر؛ يعني أنه إذا كان في غير بلد الذين فيهم المال من هو أشد منهم حاجة، فإنه يجب نقل أكثر المال للأحوج أي الأشد حاجة، ويبقى الأقل لمن فيهم المال كما فعل عمر رضي الله تعالى عند في أعوام الرمادة الستة، وهذا الذي ذكرته قاله الأجهوري، وظاهر نقل الشيخ سالم خلافه، ففي ابن عرفة وفيها أيسوى بين الناس فيه؟ قال مالك: يفضل بعضهم على بعض، ويبدأ بأهل الحاجة حتى يغنوا؛ إذ أهل كل بلدة افتتحوحا عنوة أو صلحا أحق بها إلا أن ينزل بقوم فاقة فينقل إليهم منها بعد إعطاء أهلها ما يغنيهم على وجه النظر. قاله الشيخ عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: إذا كان الغانمون صالحين لا يظن بهم أن يمنعوا الخمس فيجوز الشراء منهم، وإذا لم يعلم حالهم فترك الشراء منهم هو التورع، وإذا علم أنهم يبيعون ولا يؤدون الخمس فروى يحيى بن عمر عن أبي مصعب أنه يشترى منهم وتوطأ الأمة، وإنما الخمس على البائع وقيل لا يجوز وهو قول سحنون.
ابن رشد: وهذا الاختلاف عندي إنما ينبغي أن يكون إذا كانت الرقيق لا تنقسم أخماسا فالواجب أن تباع ليخرج الخمس من أثمانها، وإن كانت تقسم أخماسا فلم يخرجوا الخمس وباعوها ليستأثروا بها فهو كمن تعدى على سلعة لغيره فباعها، فلا يجوز لمن علم ذلك شراؤها.
الثاني: إذا افترق الجيش قبل قسم الغنيمة أخذ الإمام الخمس ثم يحصي من حضر الغنيمة من الغزاة على التحري والتخمين؛ بأن يجمع الإمام أعيان أصحابه وشيوخ عسكره ويقول لهم كم تقدرون الجيش الذي كان في غزاة كذا؟ فإن اتفقوا على تقديره بعدد ما قسم أربعة أخماسه على ذلك، وإن اختلفوا أخذ ما اتفق عليه من القدر وترك المختلف فيه ويوقف أنصباء الغيب، وحكم الموقوف حكم اللقطة فإن مضت سنة ولم يعلم له طالب جرى على حكمها.
الثالث: قال في سماع أشهب: من أخذ كبة فوجد فيها بعد تفرق الجيش صليبا زنته سبعون، قال: هو كاللقطة تطيب له إذا جهل الجيش بعد المدة.
стр. 3476
الرابع: يجوز لمن لا يتوصل إلى حقه من الغنيمة أن يخفى مقدار ما يحصل له لو قسمت على وجهها بعد أن يتحرى عدد الجيش ويخرج من الغنيمة الخمس، فيقدر حقه ويأخذه خفية ويطرح كل ما شك فيه.
الخامس: قال الفقيه المسكوري ناظما تقسيم ابن رشد فيمن يعامل ومن لا يعامل:
معاملة الإنسان من جل ماله … حلال حلال لست فيها بآثم
وقال ابن وهب بالكراهة وامنعن … لأصبغ محتاطا لأجل المحارم
وإن كان جل المال فاعلم محرما … فمنع وإن يكره فقول ابن قاسم
وإن لم يكن في المال حل فإنه … حرام على ما قاله كل حازم
وسوغه الزهري وابن مزينهم … فكل وانتفع لا تخش لومة لائم
وقيل استبح ما نال بالإرث والعطا … وما ابتاعه فاترك وبالعقل زاحم
وقيل مباح إن تعامل بقيمة … بغير محاباة على رأي عالم
حكى ذا الذي قلنا وأحكم شرطه … سليل ابن رشد ذو العلا والمكارم
وذيلها ابن غازي ببيتين فقال:
وهذا الخلاف كله عن جميعهم … إذا فوت المغصوب ليس بقائم
стр. 3477
وإن كان مغصوب بعينه لم يفت … فلم يختلف اثنان فالحظر لازم
نقله في الوصلة الزلفى. وقوله: وما ابتاعه؛ أي اشتراه بالمغصوب.
واعلم أن معاملة مستغرق الذمة بالحرام حصل فيها ابن رشد أربعة أقوال: أحدها وهو الصحيح عدم جوازها مطلقا لا فيما بيده ولا فيما ورثه أو ابتاعه أو وهب له من الحلال فأحرى قبول عطيته أو أكل طعامه لأنه كالمفلس المضروب عليه، الثاني: جواز معاملته بالقيمة ولا تقبل هبته ولا يؤكل طعامه لدخول النقص بذلك على أهل تباعته واستحسن هذا القول وأفتى به غير واحد. ثالثها: عدم جواز معاملته فيما ابتاعه بالمغصوب وجوازها فيما ورثه أو وهب له ويجوز قبول ذلك منه هبة وعلى هذا تأتي مسألة السلعة الحلال تشترى بحرام، هل يجوز شراؤها أم لا؟ رابعها: جواز معاملته على الإطلاق وهو أضعف الأقوال.
ابن رشد: هذا الاختلاف كله إنما يصح إذا جهل أهل التبعات وأيس من معرفتهم، وأما إذا علموا وتعينوا فلا يصح إلا القول الأول، وعلى الأول فلو غصب شيئا لجاز للمغصوب منه أن يضمنه ذلك اتفاقا القيمة في القوم والمثل في المثلي؛ لأنه لم يدخل على أهل تبعاته نقصا، ولو أهلك دابة أو أفسد ثوبا فلا يسوغ له أن يأخذ قيمة ذلك إلا على القول الرابع؛ لأنه يدخل عليهم نقصا، وكذا لا يسوغ له أن يأخذ منه أجرة في خدمة أو حجامة أو تعليم قرآن ونحو ذلك أو تعليم ولده ولا يورث ماله ولا تنفذ وصاياه ويتصدق بتركته عن أهل تباعته إذا أيس من معرفتهم، وهذا الاختلاف إذا لم يكن الحرام قائم العين وإلا فلا يحل شراؤه إن كان عرضا ولا قبول هبته ولا أكله إن كان طعاما اتفاقا، ولا أخذه في ثمن شيء إن كان عينا، ومن فعل ذلك عالما فحكمه حكم الغاصب ومصرف أموالهم مصرف الصدقة على قول، والقول الآخر مصرفها مصرف بيت المال. انتهى. وفي نوازل ابن هلال: لا تنبغي معاملة من استغرق الحرام ذممهم لغير أهل الفضل، فكيف بأهل الفضل؟ ولا يقدح في شهادة من عاملهم إن تمذهب بمذهب من أجاز ذلك وتقلده،
стр. 3478
ولا يجوز أكل طعامهم لغير من اضطر إلى أكله وتصدق بقيمته إن كان [غنيا (١)]، وهذا كله إن لم يتعين ربه. انتهى.
السادس: حكى الشيخ ابن رحال في شرحه قاعدة وهي أن الخوف في وقوع محرم مكروه وإن تحقق الوقوع فيه حرم. انتهى.
ونفل منه السلب، فاعل "ئفل" ضمير يعود على الإمام والضمير المجرور بمن عائد على الخمس؛ يعني أن الإمام له أن ينفل من خمس الغنيمة أي له أن يزيد من الخمس بعض الغانمين على ما حصل له في قسم الغنيمة، وله أيضا أن ينفل من ليس من أهل السهم، والزيادة تكون بالسلب أي له أن يزيده على حظه بما سلب من بعض العدو، وله أن يزيده بغير السلب.
ابن عرفة: النفل ما يعطيه الإمام من خمس الغنيمة مستحقها لمصلحة وهو: جزءي، وكلي، فالأول ما يثبت بإعطائه بالفعل، والثاني ما يثبت بقوله: من قتل قتيلا فله سلبه. انتهى. الفاكهاني: النفل بإسكان الفاء وفتحها وهو زيادة أسهم أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفعله الإمام بطريق الاجتهاد أو لطليعة ونحو ذلك.
واعلم أن النفل لا يكون من أصل الغنيمة، وإنما يكون من الخمس، وقوله: "السلب"، مفعول "نفل"، قال الشيخ محمد بن الحسن: والظاهر أن لفظ السلب في كلام المص حشو لا حاجة إليه. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: ولو حذفه -يعني السلب- لكان أشمل لأنه ينفل منه الجاسوس والحارس، وفي الموطإ عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه سلم (بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فبلغت سهمانهم اثني عشر بعيرا أوأحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا (٢))، زاد في غير الموطإ: من الخمس.
لمصلحة، متعلق "بنفل"؛ يعني أن النفل سلبا أو غيره موكول إلى نظر الإمام فيمن يعطيه له، وفي القدر الذي يعطيه بالمصلحة للمسلمين، لا يحكم في شيء من ذلك برأيه ولا بالهوى، فلا يعطي الجبان ويحرم الشجاع، ولا يعطي الشجاع فوق ما يستحقه، ومفهوم قوله: "لمصلحة"، أن الإمام
стр. 3479
لا ينفل لغير مصلحة وهو كذلك كما أشرت إليه في الحل، فلا ينفل لغيرها لا من الخمس ولا من غيره.
ولم يجز إن لم ينقض القتال من قتل قتيلا فله سلبه؛ يعني أنه لا يجوز للإمام أن يقول للمجاهدين قبل أن ينقضي القتال أي قبل القدرة على العدو، من قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك يؤدي إلى فساد النية فيلقي بعضهم نفسه إلى الهلاك لأجل الغرض الدنيوي، وأما بعد القدرة على العدو فإن ذلك جائز إذ لا محذور فيه، ومثل قول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، قول والي الجيش: من جاءني بشيء من عبد أو متاع أو خيل فله ربعه مثلا، أو من صعد موضع كذا أو قلعة أو وقف فيه فله كذا، فيمنع للعلة المتقدمة، ولأنه يؤدي إلى التحامل على القتال، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لا تقدموا جماجم المسلمين إلى الحصون، لمسلم أستبقيه أحب إلي من حصن أفتحه. وقوله: "ولم يجز إن لم ينقض" الخ، في المدونة: الكراهة، فحملها بعضهم على ظاهرها، وحملها بعضهم على التحريم وهو ظاهر كلام المص.
سحنون. وإن قال الإمام للسرية ما غنمتم فلكم بلا خمس، فهذا لم يمض عليه السلف وإن كان فيه اختلاف فإني أبطله لأنه قول شاذ. قاله الإمام الحطاب.
ومضى؛ يعني أن القول المذكور لا يجوز ابتداء، ولكنه إذا وقع مضى أي لزم، فيكون السلب لمن قتل على ما سيبين إن شاء الله تعالى، وإنما لزم بعد الوقوع؛ لأن ثم من يجيزه كأحمد وغيره كالأوزاعي. إن لم يبطله قبل المغنم؛ يعني أن محل المضي المذكور إنما هو حيث لم يرجع السلطان عن ذلك القول قبل حوز المغنم، وأما إن أبطله بأن أظهر الرجوع عنه قبل حوز المغنم اعتبر إبطاله فيما بعد الإبطال لا فيما قبله ولا فيما بعد حوز المغنم، فإنه يستحق الفاعل ذلك ما رتبه الإمام عليه، ولو كان من أهل الغنيمة حيث نص الإمام على ذلك، فإن نص الإمام على ذلك من الخمس أو أطلق فمنه. قاله الشيخ عبد الباقي. قوله: ولو كان من أصل الغنيمة، نحوه في المواق وظاهره ولو فعل الإمام ذلك جهلا نظرا للاختلاف، وفيه نظر لما قالوا إن الجاهل ألا يعتبر (١)] بموافقته للمذهب. قاله الشيخ بناني.
стр. 3480
ولما لم يكن كل قاتل يستحق السلب حيث قال الإمام ذلك بل ذلك مخصوص بين المص المستحق لذلك، فقال: وللمسلم فقط سلب اعتيد؛ يعني أن الإمام إذا قال هذا الكلام الذي لا يجوز وهو: من قتل قتيلا فله سلبه، فإن المسلم الذي قتل حربيا يستحق ما سلبه منه بشرط أن يكون معتادا وجوده مع المقتول حال الحرب، ومنه خاتم ودابة ركبها وأمسكها للركوب بيده أو بيد غلامه، ومنه أيضا اللجام والدرع والبيضة والسيف والمنطقة بما في ذلك من حلية، ويدخل في ذلك كل ثوب عليه وسلاح ونفقة معتادة، ومفهوم قوله: "وللمسلم"، أن الذمي لا يستحق بذلك القول ما سلبه من حربي قتله وهو كذلك.
ابن يونس: إلا أن ينفذه له الإمام فلا يتعقب، وإن لم يجز ابتداء لأن أهل الشام يرون ذلك للذمي، وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة.
وقوله: "وللمسلم فقط سلب اعتيد" اعلم أنه إنما يستحق السلب بقتله قبل كمال الاستيلاء عليه، ولذا قال سحنون: من أتى بعد ذلك بأسير للإمام فقتله لم يستحق سلبه، وقوله: "وللمسلم"؛ أي وللشخص المسلم، فيشمل الذكر والأنثى حيث كانت يسهم لها كما سأبينه إن شاء الله تعالى عند قول المص: "ولم يكن لكمرأة" الخ، وقوله: "وسلب اعتيد". قال الشيخ إبراهيم. كفرسه المركوب له أو الممسوك معه للقتال وسرجه ولجامه ودرعه وبيضته وسيفه ورمحه وقوسه وسهامه وما هي فيه ومنطقته بما فيها من حلية ورايته وثيابه التي عليه، ولو وضع المبارز بعض سلاحه بالأرض ثم قاتل المسلم فقتله فليس له إلا ما عليه.
لا سوار، هذا مفهوم قوله: "اعتيد"؛ يعني أن المسلم القاتل لا يستحق بقول الإمام ذلك من سلب الحربي المقتول ما ليس بمعتاد، كسوار بيديه أو معه، وقوله: "لا سوار"، قال الشبراخيتي: لا سوار بيديه، خلافا لابن حبيب. وصليب؛ يعني أن المسلم إذا قاتل حربيا ومعه صليب وقد قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه، فإن المسلم القاتل لا يستحق الصليب الذي مع الحربي، بقول الإمام ذلك خلافا للأوزاعي.
وعين؛ يعني أن المسلم القاتل لا يستحق بقول الإمام ذلك ما مع الحربي الذي قتله من العين ذهبا كانت أو فضة، ولا يستحق أيضا التاج من العين ولا القرط منها ونحو ذلك. ودابة؛ يصح
стр. 3481
عطفها على المثبت وهو سلب وتحمل على ما إذا كانت مركوبة له أو ممسوكة معه ليقاتل عليها، كما لو كان بيده زمامها أو مربوطة في حزامه أو منطقته أو عضده، وعلى المنفي وهو سوار والحمل على دابة لم تكن مركوبة له ولا ممسوكة لركوبه، فلا تكون للقاتل ولو كان المقتول راجلا. ابن عرفة: والشركة في موجب السلب يوجبها فيه. سحنون: من أنفذ مقتل علج وأجهز غيره عليه فسلبه للأول ولو جرحه ولم ينفذ مقتله فبينهما، ولو تداعى قتله جارحه ومحتز رأسه فبينهما. انتهى. وانظره فإنه بحث في ذلك قاله الحطاب. وقال ابن عرفة: وسلب القتيل المستحق سلبه إن ثبت أنه غصبه من مسلم أو استعاره من مباحٍ مَالُه فلقاتله وإلا فلربه، كمسلم تاجر أو رسول، فإن كان لمن أسلم بدار الحرب فلقاتله على قول ابن القاسم. قاله الحطاب.
وإن لم يمسع، مبالغة في قوله: "وللمسلم سلب اعتيد"؛ يعني أن المسلم الذي قتل حربيا يستحق سلبه بقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه، وإن لم يسمع القاتل قول الإمام ذلك لبعد أو غيبة إذا سمعه بعض الجيش، وإن لم يسمعه أحد فلغو، ولو دخل عسكر ثان لم يسمعوا ما جعل للأول فلهم مثله إن كان أمير العسكرين واحدا.
أو تعدد يعني أن المسلم يستحق بذلك القول سلب من قتله إن اعتيد، وإن تعدد السلب كما لو قتل اثنين فأكثر فإنه يستحق سلب كل. ابن عرفة: ولو قال الإمام لعشرة هو أحدهم من قتل قتيلا فله سلبه أو زاد منا فله إن قتل ثلاثة سلبهم كغيره من العشرة، قلت: إن كان من ضمه إليه ممن لا يتهم في شهادته له، وإقراره له بدين في مرض أو ذي خصوصية لا يشاركهم فيها غيرهم. انتهى. نقله الإمام الحطاب.
وقوله إن لم يعين قتيلا؛ صوابه إن لم يعين قاتلا؛ لأن موضوع المسألة أنه قال: من قتل قتيلا، ومعنى ذلك أن السلب إن تعدد إنما يكون للقاتل حيث لم يعين الإمام قاتلا بأن قال من قتل قتيلا فله سلبه. إلا، بأن عين قاتلا بأن قال: إن قتلت يا زيد قتيلا فلك سلبه، فقتل أكثر من واحد فإنما له الأول أي سلب المقتول الأول دون غيره إن لم يأت الإمام بما يدل على الشمول، وإلا فله سلب الجميع كقوله: كل من قتلته يا زيد فلك سلبه، فإن علم الأول فواضح وإن جهل فنصفهما، وقيل أقلهما وإن قتلهما معا فقيل له نصف سلبهما وقيل أكثرهما، والفرق احتمال
стр. 3482
سقوط الأكثر في الجهل باحتمال تأخيره فيسقط وامتناع سقوطه في المعية، وإن قال: إن أصبت أسيرا فأصاب اثنين فله نصف كل منهما، والقتل الموجب لما رتب عليه إن ثبت بشاهدين فواضح وإلا فإن كان قول الإمام من قتل قتيلا له عليه بينة لم يثبت دونها. الباجي: ولا بشاهد ويمين لأن المثبت القتل لا المال، وإن لم يقل بينة ففي لزومها نقل الشيخ، وقول الباجي: وقوله ﷺ : (من قتل قتيلا عليه بينة (١))، قال النووي فيه تصريح بالدلالة لمذهب الشافعي والليث ومن وافقهما من المالكية وغيرهم أن السلب لا يعطى إلا لمن له بينة ولا يقبل قوله بغير بينة، قال مالك والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة. انتهى.
ولم يكن لكمرأة؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه، فقتل المسلم امرأة من الحربيين فإنه ليس له سلبها، بل يوضع ببيت المال، فاللام بمعنى من، كسمعت له صراخا واسم يكن أو فاعلها ضمير يعود على السلب، ومن مجيء اللام بمعنى من قوله:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم … ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي منكم.
إن لم تقاتل؛ يعني أن محل ذلك إن لم تقاتل الحربية وأما إن قاتلت قتالًا يقتضي قتلها، بأن قتلت مطلقا أو قاتلت بسلاح فإن سلبها يكون لمن قتلها، لا إن قاتلت بحجارة ونحوها ولم تقتل أحدا فإن سلبها يوضع ببيت المال، وأدخلت الكاف كل من لا يقتل كالصبي والشيخ الفاني ونحوهما مما مر وفيهم في ذكر من التفصيل في قتال المرأة، وعبارة الشيخ إبراهيم ولم يكن السلب لكمرأة وصبي وشيخ فان وزمن وراهب منعزل بدير أو صومعة ممن يحرم قتلهم إن لم تقاتل المرأة ومن ذكر معها، فإن قاتلوا استحق قاتلهم سلبهم لجواز قتلهم. انتهى. وقال بعد ذلك: وهذا إذا قاتلت قتالا يقتضي قتلها بأن قتلت أو قاتلت بالسلاح لا إن قاتلت بالحجارة ونحوها ولم تقتل أحدا فإنه بمنزلة عدم مقاتلتها. انتهى. وأما المرأة المسلمة المقاتلة فلا تدخل في قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه إلا إذا تعين عليها بفجإ العدو، فيكون لها سلب من قتلته من الحربيين كما مر
стр. 3483
التنبيه عليه، وكذلك يسهم لها أيضا إذا قضى الإمام بأنها يسهم لها كما في بناني، وفي تعيين الإمام تردد. قاله الأمير.
كالإمام إن لم يققل منكم، تشبيه في قوله: "وللمسلم سلب اعتيد"؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه ولم يقل منكم وقتل هو أحدا من الحربيين فإنه يكون له سلبه بناء على دخول المتكلم في عموم كلامه، وأما إن قال منكم نحو من قتل منكم قتيلا فله سلبه وقتل أحدا من الحربيين فإنه لا يكون له سلبه لأنه أخرج نفسه. أو يخص نفسه؛ يعني أن الإمام إنما يكون له سلب من قتله من الحربيين بقوله ذلك بقيدين، أحدهما أن لا يقول منكم كما بينته، ثانيهما أن لا يخص نفسه، وأما إن خص نفسه بأن قال إن قتلت قتيلا فلي سلبه فإنه لا يكون له سلب من قتله، ولو عمهم بعد ذلك اندرج فلو قتل قتيلا قبل تعميمه وآخر بعده استحق الثاني فقط، ولو قال إن قتلت قتيلا فلي سلبه ومن قتل منكم قتيلا فله سلبه، فقتل الأمير قتيلين وقتل غيره قتيلين، فللأمير سلب قتيله الأول لا الثاني، ولغيره سلب قتيليه.
وانظر ما الفرق بين تعيينه وعدمه، فإنه إذا قال إن قتلت يا زيد قتيلا أو إن قتلت قتيلا وقال من قتل قتيلا النكرة في كل ذلك في سياق الشرط وهي تعم فما الذي زاده عدم التعيين، فالفرق بين ذلك مشكل. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ الأمير: فإن قتل جماعة فله لسلبهم إلا أن يخص القاتل الإمام، ولم يقل له كلما قتلت فالأول لأن التعيين أمارة التضييق فإن جهل أو قتلهم معا، فهل يؤخذ من كل بنسبته لمجموعهم أو في الأول أقلهم وفي الثاني أكثرهم قولان، وللإمام سلب قتيله إلا أن يقول منكم أو يخص نفسه ومن يميل إليه. انتهى.
وله البغلة إن قال على بغل؛ يعني أن الإمام إذا قال من قتل قتيلا على بغل فهو له، فقتل أحد من المسلمين بعض الحربيين على بغلة فإن تلك البغلة تكون لذلك المسلم الذي قتل راكبها، وكذا تكون له الحمارة إن قال من قتل قتيلا على حمار فهو له فقتل أحدا من الحربيين على حمارة؛ لأن البغل يطلق على البغلة والحمار على الحمارة، بخلاف ما لو قال من قتل قتيلا على بغلة أو حمارة فقتل المسلم حربيا على بغل ذكر أو حمار ذكر، فإنه لا يكون له البغل ولا الحمار ومثل ذلك الأتان والجمل والناقة، فلو قال على كبغل لكان أشمل، وهذا الباب يتبع فيه العرف لأنه
стр. 3484
من الأمور التي مبناها العرف، قال الشيخ عبد الباقي: [وإطلاق (١)] الذكر على الأنثى فيما ذكر خلاف عرف مصر (٢)).
لا إن كانت بيد غلامه؛ يعني أن المسلم إذا قتل حربيا وكانت للحربي دابة بيد غلامه والمقتول راجل أو راكب على غيرها، فإنه لا حق فيها للقاتل إلا إذا كانت ممسوكة ليقاتل عليها، وكلامه هنا فيما إذا قال من قتل قتيلا فله فرسه أو بغله، وأما إن كانت بيد المالك أو مربوطة بمنطقته فلقاتله. قاله التتائي. وظاهره ولو كان راكبا غيرها. قاله عبد الباقي.
ولما تقدم له ما يقتضي أن الغنيمة تخمس وأن خمسها كالفيء، شرع يتكلم على ما يفعل بالأخماس الأربعة الباقية، فقال: وقسم الأربعة؛ يعني أن الأخماس الأربعة يقسمها الإمام على من اجتمعت فيه سبعة أوصاف: الأول الذكورة، الثاني الحرية وإليه أشار بقوله: لحر، اللام فيه بمعنى على أي إنما تقسم الأخماس الأربعة على الأحرار لا العبيد، الثالث الإسلام وإليه أشار بقوله: مسلم، واحترز به عن الكافر فإنه لا يسهم له، الرابع العقل وإليه أشار بقوله: عاقل، واحترز به من الأحمق فإنه لا يسهم له الخامس، البلوغ وإليه أشار بقوله: بالغ، واحترز به من الصبي فإنه سيأتي الكلام عليه، السادس أن يحضر مناشبة القتال أي الوقعة وإليه أشار بقوله: حاضر للقتال، وقوله: "حاضر"، وكذا من في حكم الحاضر كمن ضل في بلد العدو أو من تخلف عن الحضور لمصلحة تعود على الجيش، السابع أن لا يكون مريضا على تفصيل يأتي في قوله: "ومريض" الخ. ولا خلاف أن من اجتمعت فيه هذه الشروط يستحق الإسهام، وقوله: "حاضر"، أي يستحق الإسهام إذا حضر مناشبة القتال قاتل أو لم يقاتل، واحترزت بالذكر عن المرأة فإنه لا يسهم لها وإن قاتلت على المشهور، وحكى الباجي واللخمي والمازري الإسهام بشرط القتال، وقد مر أنه يسهم لها إن تعين عليها القتال بفجء العدو، واتفق على عدم الإسهام لها إن لم تقاتل، ويسهم للخنثى ربع سهم عند ابن رشد، واقتصر عليه من نظم أحكامه الفقهية فقال:
له ربع سهم في الغزاة وإن زنى … به فعليه الحد والحد أعدل
стр. 3485
وقيل له نصف سهم، واستظهر لأنه إن قدر أنثى فلا شيء له وإن قدر ذكرا فله نصف نصيبه كالميراث، وفي الشبراخيتي عن الأجهوري:
حقيقة الخنثى وإن لم يشكل … ذو آلة لمرأة والرجل
وقيل أيضا منه عار منهما … ويمنع المشكل من وطء الإما
كالنكح ثم إن يلد من ظهره … أو بطنه تم بيان أمره
ومنهما فمشكل ويمتنع … بينهما إرث ونكح فاستمع
وإن يلد من نفسه فمشكل … وحكم أنثى في استتار يجعل
ومثله الصلاة والشهادة … إلا بما به تخص النسوة
كعيب فرج وله إن جاهدا … شطر وقيل بل له ربع بدا
فما له شهادة فيما به … يختص نوع منهم فانتبه
كذاك للخروج للحج وفي … لباس الإحرام وفدية تفي
وإن يكن في حجه بعرفه … يحضر جالسا كأنثى فاعرفه
стр. 3486
وإن يصل في جماعة يقف … بعد النسا وخلف ذكران عرف
وهل عليه جمعة كالذكر … وسنة العيد محل نظر
وما عليه إن زنى بالذكر … حد كذا بالفرج عند الأكثر
والحد في ذا للصقليين … واقتصرا عليه دون مين
ومن زنى به بغير الدبر … عنه انتفى الحد بقول الأكثر
وحد قذفه على حد الزنى … يجري وهذا ظاهر بلا عنا
ورضعه محرم كالمرأة … هذا الذي يظهر في القضية
كلغونا أذانه وعدم … إجزائه عن الزكاة فاعلم
ووحده في سجنه يكون … وعقله كإرثه يبين
وقال بعض إن في قطع الذكر … نصف حكومة وعقل يعتبر
ذكر هذا الحافظ ابن عرفه … قلت وشفراه كذا والحشفه
وهل يعاقل لثلث الدية … كمرأة لا نص في المسألة
стр. 3487
وإن يمت فخادم تشرى له … من ماله لتلي اغتساله
أو تشترى من بيت مال حيث لا … مال ولا محرم للخنثى انجلا
وأعتقنها وولاؤها استقر … للمسلمين قلت في هذا نظر
إذ لو تكون ملكه لم تعتق … ودفعت للوارث المحقق
فإن تعذر اشتراء الأمة … يمم واحتيط بغير مرية
فهو كمرأة مع الرجال … ورجل في عكس هذا الحال
وإن رجال ونساء حصلا … قدمت النساء يا من كملا
وختنه في فرجه مع الذكر … تختنه الرجال والفرج استتر
وتختن النساء فرجه ولا … ينظرن منه حال ختن قبلا
وإن له حضانة فكالذكر … والعكس كالأنثى وهذا ما ظهر
ويستمر أبدا محضونا … كمنع نكحه كما قضينا
стр. 3488
وإرثه نصف نصيبي ذكر .... ومرأة بشرطه المعتبر
وإن يرث في حال تأنيث فقط … فنصفها يقضى به بلا شطط
ككونه أختا في الأكدرية … ومثل ذا في حالة المذكورة
ككونه عما فيعطى نصف ما … له من ارثه به فلتعلما
وإن يمت زوج له يعتد … عدة موت في نكاح يفسد
وإن له التذكير أو أنثى استقر … ثم طرا خلاف ذا لا يعتبر
كتاجر، تشبيه في الإسهام؛ يعني أن التاجر الكائن مع الجيش يسهم له سواء كانت تجارته تتعلق بالجيش أم لا، وأجير يعني أن الأجير في الجيش يسهم له كانت منافعه عامة كتسوية الطرق ونحوها، أو خاصة بمعين لا يختص ببعضهم كخياطة أو يختص كأجير خدمة إن قاتلا؛ يعني أن التاجر والأجير المذكورين إنما يسهم لهما بحصول أحد أمرين، أحدهما أن يقاتلا وإذا قلنا إنه يسهم للأجير إن قاتل وكان القتال مرارا ولم يشهده إلا مرة واحدة وعرف أنه حضر، ففي كتاب ابن مزين: يسهم له في جميع الغنيمة. ابن نافع: لا يسهم له إلا أن يحضر أكثر ذلك فيسهم له في الجميع، وإلا أسهم له فيما حضر فقط، ثانيهما أشار إليه بقوله: أو خرجا بنية غزو؛ يعني أنهما أي الأجير والتاجر إذا لم يقاتلا لا يسهم لهما إلا أن يخرجا بنية الغزو أي بنية جهاد العدو، كانت تابعة أو متبوعة أو هما على حد سواء، فيسهم لهما إن حضرا مناشبة القتال ولو لم يقاتلا لأنهما كثرا سواد المسلمين، وفي التوضيح أن المعتمد فيما إذا كانت نية الغزو تابعة أنه لا يسهم لهما فيقيد كلام المص بما إذا كانت نية الغزو متبوعة أو هما على حد سواء،
стр. 3489
وقال بعض الأشياخ: لا يخلو الأجير أن يكون على منفعة عامة تعود على الجيش كرفع الصواري والأحبل وتسوية الطرق في البر، واختلف في الإسهام له على قولين أو خاصة في معين ولكن لا تختص ببعضهم كخياطة، وقد اختلف في ذلك على قولين إذا شهد القتال وإن لم يقاتل أو خاصة ببعضهم كأجير الخدمة لرجل مخصوص فهذا فيه أقوال ثلاثة: الأول أنه لا يسهم له وإن قاتل؛ لأنه إن لم يقاتل فلا إشكال إذا لم يقصد إلى الجهاد وإلا انتفع به المجاهدون وإن قاتل فكأنما وقعت من غير قصد إليها وذلك لا يوجب الإسهام له، والثاني أنه يسهم له بشرط شهوده القتال وإن لم يقاتل، والثالث أنه يسهم له بشرط أن يقاتل، والقول الثاني هو الظاهر في النظر، وإذا فرعنا على الإسهام فقال سحنون: يبطل من أجرته بقدر ما اشتغل عن الخدمة. حكاه ابن يونس. وليس لمن استأجره أن يأخذ منه السهمين عوضا عما عطل من الخدمة بخلاف المؤاجر نفسه في خدمة أخرى؛ لأن السهمين ربما كثرا ولأن القتال لا يشبه الخدمة لأن فيه إذهاب نفسه.
لا ضدهم؛ يعني أنه لا يسهم لضد من ذكر والضد المقابل، فضد المسلم الكافر وضد الحر العبد ومن فيه شائبة رق وضد العاقل المجنون، وضد البالغ الصبي، وضد الذكر المدلول عليه بإتيانه بالأوصاف مذكرة المرأة وقد مر الكلام عليها، وضد الحاضر الغائب، وضد التاجر والأجير الخارجين بنية الغزو أو المقاتلين من خرج منهما ولم يقصد غزوا ولم يقاتل.
فتحصل من هذا أنه لا يسهم لعبد ولا لذمي ولا خلاف في عدم الإسهام لهما إن لم يقاتلا، وأما إن قاتلا فالمنصوص أن العبد لا يسهم له، واختلف في الذمي على ثلاثة أقوال: الأول وهو المشهور أنه كالعبد لا يسهم له، الثاني لابن حبيب: إذا نفر أهل الذمة مع المسلمين فما صار لهم ترك بغير تخميس، الثالث لسحنون: إذا قاتلوا ولم يقدر على الغنيمة بدونهم أسهم لهم ولو قدر عليها بدونهم لم يسهم لهم ولا يسهم للمجنون المطبق، وأما إن كان معه من العقل ما يمكنه به القتال فإنه يسهم له ولا يسهم للصبيِّ إن لم يطق القتال اتفاقا، واختلف إذا كان يطيقه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى، وبالغ على عدم الإسهام لهم بقوله: ولو قاتلوا؛ يعني أنه لا يسهم لأحد من الجماعة الذين شملهم لفظ الضد ولو قاتلوا إلا أن يتعين عليهم القتال بفجء العدو فيسهم لهم وهل تعيين الإمام كذلك أم لا؟ وهو ظاهر إطلاقهم. قاله الشيخ عبد الباقي. والمبالغة راجعة لما عدا ضد
стр. 3490
حاضر؛ إذ لا يتصور مع الغيبة قتال، ورد بلو القول بأنهم يسهم لهم إذا قاتلوا، وما في المواق عن ابن حارث من أنه لا يسهم لأهل الذمة اتفاقا طريقة له. والله أعلم قاله بناني.
إلا الصبي؛ يعني أنه يخرج عن الضد الذين لا يسهم لهم الصبي بثلاثة شروط، فإنه إذا توفرت فيه يختلف في الإسهام له كما أشار إلى ذلك بقوله: ففيه إن أجيز وقاتل خلاف؛ يعني أنه اختلف هل يسهم للصبي أم لا بثلاثة شروط: أحدها أن يجيزه الإمام، ثانيها أن يطيق القتال كما أشعر به قوله: وقاتل، ثالثها أن يقاتل بالفعل والقول بأنه لا يسهم للصبي ولو استوفى الشروط المذكورة هو ظاهر المدونة، وشهره ابن عبد السلام، وأما القول بأنه يسهم له إن أجيز وقاتل، فقال الشيخ بناني: لم أقف على من شهره وهو وإن اقتصر عليه في الرسالة لكن لا تتقيد بالمشهور، نعم شهر الفاكهاني القول بأنه يسهم له إن حضر صف القتال كما في التوضيح وهو قول ثالث لم يعرج عليه المص، لكن قد يقال يلزم من تشهيره تشهير ما حكاه المص، وعن ابن وهب أنه يسهم لمن بلغ خمسة عشر لما روي أنه ﵊ أجاز ابن عمر رضي الله تعالى عنه في هذه السن ورده قبل ذلد، وأجيب بأن هذه السن علامة على البلوغ، أو بأنه أجيز لقدرته على القتال فصادف هذه السن إطاقته، لا أن السن بمجردها معتبرة، ولا خلاف في أنه لا يسهم للصبي إذا لم يطق القتال كما مر، وقال الأمير: وفي صبي قاتل بإذن الإمام خلاف أرجحه عدم الإسهام. انتهى.
ولا يرضخ لهم؛ يعني أن الذين لا يسهم لهم لا يرضخ لهم أي لا يعطون من الغنيمة، فلا يرضخ لصبي ولا لعبد ولا امرأة، وقال ابن حبيب: يرضخ لهم، والرضخ قال موكول تقديره للإمام محله الخمس كالنفل، وروي أنه ﷺ لم يكن يسهم للنساء والصبيان والعبيد غير أنه كان يحذيهم من الغنيمة، وحكى الباجي واللخمي والمازري الإسهام لهما (١) بشرط القتال.
كميت قبل اللقاء؛ يعني أن الميت من آدمي أو فرس قبل اللقاء للعدو لا يسهم له ولا يرضخ له، والمراد باللقاء القتال، وسواء مات قبل دخول بلد العدو أو بعده.
стр. 3491
وأعمى؛ يعني أنه إذا كان في الجيش أعمى فإنه لا يسهم له ولا يرضخ له، وأعرج؛ يعني أنه لا يسهم للأعرج ولا يرضخ له إلا أن يقاتل فيسهم له راكبا أو راجلا، وفي المواق ما يفيد اعتماد هذا القيد وينبغي جريه في الأعمى وفي الأشل. قاله الشيخ عبد الباقي. وأشل؛ يعني أن الأشل لا يسهم له ولا يرضخ له وكذا أقطع يد أو رجل ومقعد ويابس شق فلا يسهم لهم إن لم تكن لهم منفعة اتفاقا أو كانت لهم على المشهور. قاله الشيخ عبد الباقي.
ومتخلف لحاجة؛ يعني أن من تخلف عن الجيش في بلد الإسلام لحاجة لا يعود على الجيش منها نفع ولو تعلقت بالمسلمين لا يسهم له ولا يرضخ له، ولذا قال: إن لم تتعلق بالجيش؛ يعني أن كون من تخلف عن الجيش لحاجة لا يسهم له ولا يرضخ له محل ذلك حيث لم تتعلق الحاجة بالجيش ولو تعلقت بالمسلمين كما عرفت، وأما إن تخلف لكون الحاجة تعلقت بالجيش، فإن عاد على الجيش أو على أميره منها نفع فإنه يسهم له، فالأول كإقامة سوق وحشر وإصلاح طريق، لقسمه ﷺ لطلحة وسعيد بن زيد وهما غائبان بالشام قبل أن يصل إلى بلد العدو لمصلحة تعلقت بالجيش، والثاني لقسمه ﷺ يوم بدر لعثمان وقد خلفه على ابنته لتجهيزها ودفنها.
وضال ببلدنا؛ يعني أنه لا يسهم ولا يرضخ لمن ضل ببلد المسلمين من الجيش ولم يرجع حتى غنم الجيش؛ لأنه لم يحصل منه منفعة للجيش بتكثير سوادهم، وعبارة الأمير: ولا يرضخ لمن لا يسهم له. وإن بريح؛ يعني أن من ردته الريح من الجيش إلى بلد المسلمين، بأن ردت مركبه ولو كان مركب الإمام لا يسهم له ولا يرضخ له، واستعمل المص الضال فيما قبل وإن بمعنى التائه وفيما بعدها بمعنى الرد، والمعتمد في الفرعين خلاف ما ذكره المص لقول ابن القاسم فيها: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه، كقول مالك في الذين غزوا في البحر فردتهم الريح إلى بلد الإسلام، والمص تبع تشهير ابن الحاجب تبعا لابن شاس وهو غير ظاهر. قاله محمد بن الحسن بناني.
بخلاف بلدهم؛ يعني أن من ضل من الجيش ببلد العدو يسهم له وإن ظفرنا بعدو وفيهم مسلمون أسارى أسهم لهم وإن كانوا في الحديد؛ لأنهم إنما دخلوا أولا للقتال وغلبوا عليه فكانوا كالضال،
стр. 3492
وإذا أقر الغانم بالرجوع وادعى أنه كان مغلوبا أو ضالا، فإن وجد ما يدل على صدقه قبل قوله: وإلا فلا فإن أنكر التخلف فهو مدعى عليه للإقرار أنه من الجيش، ولا يثبت تخلفه بقول أحد من أهل الغنيمة؛ لأنه جار لنفسه ولو كان الأمير عند ابن القاسم، وقال سحنون: يثبت بقول الأمير بناء على جواز حكمه بعلمه فيما تدعو إليه الضرورة كالعدالة والجرح.
ومريض شهد؛ يعني أن المريض الذي شهد القتال وهو مريض يسهم له بأن خرج من بلده مريضا أو مرض قبل دخول أرض العدو أو بعده وقبل القتال، واستمر مريضا في الثلاث لكنه شهد القتال ويؤخذ من هذا بالأحروية أنه يسهم للمريض الذي شهد القتال ابتداء وهو صحيح فمرض فتمادى به المرض، وهو يقاتل إلى أن هزم العدو فإن مرضه لا يمنعه سهمه على المشهور، فإن لم يشهد القتال لم يسهم له ولو كان ذا رأي، وكذا لا يسهم للمقعد والأعرج والأشل والأعمى ولو كان لهم رأي كما مر.
كفرس رهيص؛ يعني أن الفرس الرهيص يسهم له لأنه بصفة الأصحاء، والرهيص هو الذي حصل له مرض في باطن قدمه من وطئه على حجر أو شبهه كالوقرة، أو مرض بعد اأشرف على الغنيمة؛ يعني أن المجاهد الذي شهد القتال وهو صحيح ولم يزل كذلك حتى قاتل أكثر القتال، ثم مرض بعد أن أشرف على الغنيمة مرضا أوجب مغيبه يسهم له باتفاق، وكذا يسهم للفرس الذي مرض بعد أن أشرف على الغنيمة، وقوله: "أو مرض"، عطف على "شهد"، فهو في موضع الصفة لمريض. وإلا فقولان؛ يعني أنه إذا لم يشهد المريض القتال بل حضر بلد الحرب فقط أو مرض قبل أن أشرف على الغنيمة وغاب عن القتال، فإنه اختلف هل يسهم له أو لا يسهم له؟ فصور الخلاف الذي أشار إليه المص فيما إذا لم يشهد القتال بل حضر بلد الحرب فقط. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني ووجه القول بالإسهام مع أنه لم يشهد القتال حضوره مع المسلمين وتكثيرة سوادهم.
والحاصل أن المريض الذي شهد بلد الحرب ولم يشهد القتال في الإسهام له قولان، وإن شهد القتال مع مرضه أسهم له، وقد علمت أنه يدخل تحت وإلا أيضا ما إذا حضر القتال صحيحا ومرض مرضا أوجب مغيبه عن القتال قبل الإشراف على الغنيمة، ولا يدخل تحت وإلا صور
стр. 3493
زوال المانع بأن يخرج مريضا ثم يصح قبل دخول بلاد الحرب أو بعد الدخول وقبل القتال أو بعدهما وقبل الإشراف فإنه يسهم له في هذه الصور بلا خلاف. وفي الشبراخيتي وعبد الباقي أنه يجري في مرض الفرس ما يجري في مرض الآدمي من التفصيل. انتهى. وسيأتي ما لبناني فيه. وما قررت به كلام المص هو الذي قرره به الشيخ بناني، وعبارة الشيخ الأمير: أو مريضا إلا أن يبعد عن الصف فقولان. انتهى. قوله: "أو مريضا"، عطف على من يسهم له في حيز المبالغة.
وللفرس مثلا فارسه؛ يعني أن الفارس يسهم له ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له كسائر الرجال من لا فرس له فإنما له سهم واحد، وهذا هو المذهب، وعزا المص لابن وهب أنه يسهم للفرس سهم واحدة وتبع في ذلك ابن عبد السلام، وأنكر ابن عرفة وجوده، واعترض على ابن عبد السلام فقال: حظ الفارس منها ثلاثة أمثال الرجال للخبر والعمل، وقال أبو حنيفة: لا يسهم للفارس إلا سهم واحد ولفرسه سهم، وقال أكره أن أفضل بهيمة على مسلم. نقله القسطلاني. وقوله: "وللفرس" الخ، كان الفرس ذكرا أو أنثى فحلا أو خصيا، وكان له سهمان إما لعظم مؤنة الفارس بكلفة نفسه وفرسه وخادمه وإما لقوة المنفعة بالفرس، ولهذا لا يسهم لبغل ونحوه، والمعتبر في كون الفارس فارسا كونه كذلك عند مشاهدة القتال ولو أوجف راجلا. ابن القاسم: يسهم لخيل غزاة قاتلوا على أرجلهم وخيلهم في رحالهم لاستغنائهم عنها، وجعله السهمين للفرس يفيد أنه يستحقهما، ولو كان الفارس عبدا فيكونان لسيده وهو أحد شقي التردد، والآخر هما للفارس فلا يسهم له في هذه، وخرج البخاري ومسلم ومالك في موطئه من حديث ابن عمر (١) عن النبي ﷺ : (أسهم لرجل وفرسه ثلاثة أسهم) وظاهر كلام المص ولو كان الفرس لأمير الجيش الأعظم.
وإن بسفينة، مبالغة في قوله: "وللفرس"؛ يعني أنه لا فرق في الإسهام للفرس سهمين بين أن يكون الفرس بسفينة وبين أن يكون في البر، فلا فرق بين كون القتال في البر والبحر لأن المقصود بحملها معهم القتال عليها عند الحاجة. ابن القاسم: وإذا لقوا العدو في البحر فإنه يسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وكذا العسكر إن كان لبعضهم خيل فغنموا وهم رجالة، فإنه يعطى
стр. 3494
لمن له فرس ثلاثة أسهم، وكذا لو خرجت سرية من العسكر فغنمت إن ذلك بين أهل العسكر والسرية للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وفي التنزيل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، والقوة هي الرمي، وقوله: "وإن بسفينة"، خلافا لقول اللخمي: القياس إِن لا يسهم له لأنه لم يرد للبحر ولا بلغ موضع القتال، ويشهد للأول أي لا عليه المص ما لو تركوا خيلهم بمضيق وقاتلوا على أرجلهم فإن الفرس يسهم له. قاله الشيخ إبراهيم.
وبما قررت علم أن قوله: "بسفينة"، متعلق بكان واسمها ضمير يعود على الفرس كما يفيده الشبراخيتي، وعبارة عبد الباقي: وإن كان القتال بسفينة. أو برذونا؛ يعني أن الفرس له سهمان وإن كان برذونا بشرط أن يجيزه الإمام، ومعنى إجازة الإمام أن تعرض عليه، فإن كانت كالخيل في جريها وسبقها أسهم لها، والبرذون هو العظيم الخلقة الغليظ الأعضاء كخيل الروم، والعراب أضمر وأرق أعضاء، وقيل إن البرذون هو الذي أبوه وأمه نبطيان. قاله الشيخ إبراهيم.
وهجينا؛ يعني أن الهجين من الخيل له سهمان وهو ما أبوه عربي وأمه نبطية، وظاهره وإن لم يجزه الإمام، ولا يشمل كلامه الهجين من الإبل لأن الإبل لا يسهم لها مطلقا، وعكس الهجين مقرف وهو في أمه عربية وأبوه نبطي أي ردي، فالإقراف من قبل الأب والهجنة من قبل الأم. وصغيرا؛ يعني أن الفرس الصغير له سهمان كالكبير، وظاهره وإن لم يجز الإمام الصغير أيضا. يقدر بها على الكر والفر؛ يعني أنه يشترط في الإسهام للبرذون والهجين والصغير أن يقدر بكل واحد منها على الكر والفر أي على الكر على العدو وعلى الفرار من العدو وقت القتال عليها وإن لم تكن كذلك وقت دخول بلد العدو. ابن سحنون عن أبيه: وإذا دخل بفرس صغير لا يقاتل على مثله فأقاموا حتى كبر وصار يقاتل عليه، فله من يومئذ سهم فرس لا فيما قبل ذلك، وكذلك من أنبت أو بلغ من الصبيان في أرض العدو فلا يسهم له إلا فيما يغنمون بعد ذلك أي بعد البلوغ، وإذا دخل دار الحرب بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر فهو راجل لا ينبغي للإمام أن يجيزه، وهذا يدل على إِن الإمام يتفقد أمر الخيل فيجيز منها ما يحسن ويرد منها ما لا يمكن القتال عليه.
стр. 3495
ومريض رجي؛ يعني أن الفرس المريض الذي يرجى برؤه كالصحيح فيسهم له على قول مالك، خلافا لأشهب وابن نافع لأنه لا يمكن القتال عليه الآن فأشبه الكبير، ويؤخذ من هذا أنه إذا أمكن القتال عليه أو قاتل عليه يسهم له بلا خلاف، وأنه لا يأتي فيه التفصيل السابق في الإنسان خلاف ما قدمته عن الشبراخيتي وعبد الباقي. ومحبس؛ يعني أنه يسهم للفرس المحبس وسهمه للغازي عليه ولا يجعل في علفه وصلاحه. المازري: أما على أن السهمين للفارس فواضح، وأما على أنهما للفرس فلأن المحبس لما حبس هذا الفرس وأخرجه عن ملكه صار قاصدا لتسليم حركاته وفي يكون عنها، وعلى هذين إذا قاتل العبد على الفرس أسهم له ويكونان لسيده، وإن كانا منسوبين للفارس فلا لأن العبد لا يسهم له، واختلف في سهم الفرس المستعار هل هو لربه أو للمستعير؛ الأولُ أحد قولي ابن القاسم، والثاني لمالك وأحد قولي ابن القاسم. واعلم أنه اختلف هل ما للفرس للفارس في الحقيقة أو لها كما في الحطاب.
ومغصوب من الغنيمة؛ يعني أنه لو غصب فرسا من الغنيمة وقاتل عليه في غنيمة أخرى فإنه يسهم لذلك الفرس وسهماه للمقاتل عليه وعليه الأجرة للجيش، وكذا لو أخذ فرسا للعدو قبل القتال فقاتل عليه فله سهمان وعليه الأجرة للجيش. أو من غير الجيش؛ يعني أنه إذا غصب فرسا ليس من الغنيمة وليس للجيش فقاتل عليه فإنه يسهم لذلك الفرس وسهماه للمقاتل عليه وغرم الأجرة لمالك الفرس. ومنه لربه؛ يعني أنه إذا غصب فرسا لأحد من الجيش فإن سهمي الفرس يكونان لمالك الفرس ولا أجرة على الراكب، وهذا حيث لم يكن للمغصوب منه غيره، فإن كان لربه غيرد فسهماه للمقاتل عليه ويدفع أجرته لربه، قال ابن عرفة: من غصب فرسا لذي فرسين فسهماه لغاصبه وعليه أجره. انتهى. وأما الفرس المكترى فسهماه للفارس لا لربه، وقوله: "ومنه لربه"، وكذا الفرس الهارب من الجيش فسهماه لربه إن لم يكن له غيره وإلا فسهماه للمقاتل عليه ويدفع أجرته لربه. وقوله: "أو من غير الجيش". سحنون: وإن تغير خير ربه إما ضمنه قيمة الفرس أو يأخذ منه الأجرة. انتهى. والمراد بالأجرة في هذه الأمور أجرة المثل. والله سبحانه أعلم.
стр. 3496
لا أعجف، معطوف على "مريض رجي"؛ يعني أنه لا يسهم للأعجف من الخيل أي الهزيل أي لا يسهم له بالكلية، أو كبير؛ يعني أنه لا يسهم للفرس الكبير أي لا يسهم له بالكلية. لا ينتفع به؛ يعني أن محل عدم الإسهام في الأعجف والكبير إنما هو حيث لا ينتفع بهما وإلا أسهم لهما، وبغل؛ يعني أن البغل لا يسهم له ومثله الحمار. وبعير؛ يعني أنه لا يسهم للبعير أي بالكلية فيهما، وإنما لم يسهم للبغل والبعير لأن منفعتهما غير مقاربة لمنفعة الخيل، وكذا لا يسهم للفيل اتفاقا.
واعلم أن عدم الإسهام للبغال والإبل مما لا خلاف فيه وكذلك الحمير. والله سبحانه أعلم. وثان؛ يعني أن من له فرسان فإنما يسهم لواحد منهما لا لهما معا، وهذا هو المشهور لما جاء أن الزبير رضي الله تعالى عنه كان له يوم حنين فرسان فلم يسهم إلا لواحد منهما، وقال ابن الجهم: يسهم لهما، ورواه سحنون عن ابن وهب، وقال به ابن حبيب، وروي في بعض طرق الحديث أنه ﵇ (أسهم لفرسي الزبير (١))، ولا خلاف أنه لا يسهم لما زاد على الاثنين. والمشترك للمقاتل؛ يعني أن الفرس المشترك بين مالكين فأكثر سهماه لمن قاتل عليه وحده، فإن تداولا القتال عليه فبينهما إن تساويا وإلا فلكل ما حضر.
ودفع أجر شريكه؛ يعني أنه حيث يكون السهمان للمقاتل فانه يدفع أجر حصة الشريك، فيدفع الأجرة حيث لم يقاتل على الفرس غيره من الشركاء أو قاتل ولم يتساويا، وعبارة الأمير: والمشترك سهماه بحسب المقاتلة وأجرته بحسب الملك. انتهى. وفي النوادر عن سحنون: من حضر القتال على فرس فلم يفتح لهم في يومهم، فباعه لثان فقاتل عليه مبتاعه في اليوم الثاني فلم يفتح لهم، فباعه الثاني فقاتل عليه الثالث يوما ثالثا ففتح لهم أن سهم الفرس لبائعه الأول لأنه قتال واحد كما لو مات بعد أول يوم وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين أو لم يقاتل، أن سهمية لورثته. قاله الشارح. وقال: قلت وعلى القول بأن الفرس إذا مات قبل الإشراف على الغنيمة لا شيء لربه لا يكون للأول شيء، ومن أعطى فرسا لمن يقاتل عليه على أن سهمي الفرس لربه أو بينهما لم يجز، فإن وقع فإن كان قبل القتال بزمن يتمكن كونه بيده وحوزه إياه فسهماه له، وإن كان
стр. 3497
ذلك بحدثان القتال فسهماه لربه وله على راكبه أجر مثله في الوجهين في مثل ما ركبه له وعرضه إياه، ومن ابتاع فرسا وقد غنموا فاشترط سهمه، فقال سحنون: لا يجوز ذلك ولو كان السهم ذهبا والثمن ذهبا، ويصير كمن باع ذهبا وعرضا بذهب، ولو كان الثمن عرضا والسهم معروفا جاز ولو كانت الغنيمة عروضا والسهام معروفة جاز شراؤها مع الفرس بالذهب والفضة، وروي أن النبي ﷺ (نهى عن بيع السهمان حتى يعلم ما هي (١)).
والمستند للجيش كهو؛ يعني أنه إذا خرج واحد أو أكثر وكانوا مستندين للجيش أي متقوين به فغنموا شيئا وحدهم فإن كل ما غنم هو أو هم يقسم على جميع الجيش ولا يختص به الغانمون، كما أن الجيش لا يختص بما غنم في غيبتهم بل يشاركونه في ذلك، وهو معنى قوله ﷺ : (ويرد عليهم أقصاهم (٢)؛ أي يضم لهم البعيد ولا فرق على المذهب بين أن يخرج هؤلاء بإذن الإمام أم لا، وإنما كان الجيش مشاركا لهؤلاء لأنهم إنما توصلوا إلى الغنيمة التي غنموها بسببه ووفور قوته، وقوله: "والمستند"، مبتدأ وخبره "كهو" أي كالجيش، وإلا يكن الخارج مستندا للجيش بل خرج على حدته وليس متقويا بالجيش فغنم، فما غنمه يكون له يختص به عن الجيش ولا يشاركونه فيه، وقوله: كمتلصص مثال لغير المستند للجيش؛ يعني أن المتلصص أي السارق يكون له ما أخذ من مال الحربيين يختص به لأنه لم يتقو بالجيش، واللص لغة فعل الشيء في سر والسارق ويثلث: والمراد به هنا من يسرق مال الحربيين، وأدخل بالكاف من لم يكن متقويا بالجيش. والله سبحانه أعلم. وعبارة الأمير: واختص غير المستند كسارق.
وخمس مسلم؛ يعني أن المسلم يخمس ما أخذه مما يختص به وغيره سواء كان المسلم ذكرا أو أنثى بالغا أو صبيا، وظاهر المص أن اللص يخمس ولو لم يخرج للغزو، وحمله بعضهم على ما إذا خرج للغزو وإلا فلا يخمس. انظر الشبراخيتي. ولو عبدا؛ يعني أن ما أخذه المسلم يخمس ولو كان الآخذ له عبدا، وهو قول ابن القاسم ورد بلو قول سحنون، قال: لا يخمس ما أخذه العبد من مال الحربيين، وقوله: على الأصح؛ يعني به أنَّ قول ابن القاسم يخمس ما أخذه العبد المسلم
стр. 3498
هو الأصح، قال ابن عاشر: لم أر من صححه ولعله المص. لا ذمي، عطف على قوله: "مسلم"؛ يعني أن ما أخذه الذمي من مال الحربيين لا يخمس إن لم يستند للجيش أو استند له وكان مكافئا أو غالبا وإلا فلا شيء له.
والحاصل أن المستند للجيش كالجيش، فيشترط فيه شروط المجاهدين فإن لم توجد فيه كعبد أو نصراني -مثلا- فلا شيء له، ويكون ما غنمه للجيش إلا أن يكون الكفار مكافئين للمسلمين الأحرار في القوة على المحاربة، أو يكونوا هم الغالبين فتقسم الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة، ومن لم يستند للجيش يختص بما غنمه مسلما كان أو كافرا لكن المسلم يخمس ما أخذه ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا، والذمي لا يخمس ما أخذه. وبالله تعالى التوفيق. ولو خرج عبد وحر أو ذمي ومسلم للتلصص، فما أخذه العبد والحر المسلمان يخمس ويقسم الباقي بين الحر والعبد، وما أخذه الذمي والمسلم يقسم أولا بينهما ثم يمس ما صار للمسلم، قال ابن رشد: وإنما لم يكن للعبيد والنصارى في الغنيمة حق مع الأحرار المسلمين إذا غزوا معهم في عسكرهم من أجل أنهم في حيز التبع لهم، فإذا لم يكونوا في حيز التبع كان لهم حقهم من الغنيمة، وكذلك إذا خرج العبد أو النصراني مع الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة كان لكل واحد منهما سهمه وعبارة الأمير: وإن قاتل الكفار مثلنا أو أشد دفع لهم نصف الغنيمة، ولا يتعرض لهم فيه. انتهى.
ومن عمل سرجا؛ يعني أن من عمل أي صنع سرجا من الغنيمة لا يخمس مصنوعه بل يختص به. قوله: "ومن عمل" معطوف على "ذمي:؛ أي ولا يخمس من عمل من الجيش سرجا. أو سهما؛ يعني أن أحد الجيش إذا صنع سهما من الغنيمة فإنه لا يخمس بل يختص به، وكالسرج والسهم غيرهما كمن صنع مشجبا أو قصعة أو غير ذلك، والشجب بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة وجيم مفتوحة: اسم آلة كالقبان، (١) وقيل شيء من العيدان تركب عليه الثياب، وفهم من قوله: "عمل" أن ما أصلحه مما كان معمولا من الغنيمة لا يختص به وإن دق وهو كذلك كما قال ابن حبيب، وقوله: "ومن عمل سرجا أو سهما"، قيد سحنون ذلك بما إذا كان يسيرا، وحمله
стр. 3499
ابن رشد على أنه خلاف، ولهذا أطلق الشيخ ولم يقيد وقيل وفاق، وعليه فاليسير متفق على أنه له، وقال ابن الماجشون: إن كان له قدر أخذ إجارة ما عمل والباقي يصير فيئا، ولابن القاسم في سماع سحنون أن جميعه يكون فيئا ولا أجر له في عمله، وهل للرجل أن يأخذ من أرض العدو مما لم يحوزوه من بيوتهم من أشيائهم المباحة مثل المسن والدواء من الشجر والطير للاصطياد إذا صادها؟ وهو قول ابن وهب وابن عبد الحكم، أو ليس له أن يأخذ شيئا من ذلك إذا كان له ثمن؟ وما صاده للأكل حكمه حكم طعام الغنيمة، ومن باع منه شيئا جعل ثمنه في المقاسم وهو قول ابن حبيب في الواضحة وعزاه لمالك وأصحابه.
والشأن القسم ببلدهم؛ يعني أن الشأن أي السنة التي فعلها ﷺ أو العمل الذي مضى عليه السلف أن تقسم غنائم الكفار بحكم حاكم ببلد العدو لتعجيل المسرة للغانمين؛ ولأنه أحفظ للغنيمة لأن كل واحد إذا أخذ نصيبه بالغ في حفظه أكثر مما إذا بقيت مشتركة بينهم، ولا فيه من نكاية العدو ولما فيه من الرفق بالجيش في تفرقهم إلى بلادهم وعدم رجوعهم إلى بلد واحد لو آخر القسم، ويكره تأخير القسم إلى بلد الإسلام؛ لأنه ﷺ لم يرجع من غزوة فيها مغنم إلا خمسة وقسمه قبل أن يرجع، ثم لم يزل المسلمون بعده على ذلك. وفي الشبراخيتي: وحل المراد بالشأن السنة التي فعلها النبي ﷺ أو العمل الذي مضى عليه السلف أو الوجه الصائب؟ أقوال. وحكمه الندب.
الجزولي عن عبد الوهاب: تركه لبلد الإسلام مكروه، وهذا حكم الجيش والسرية الخارجة منه، وأما السرية الخارجة من بلد الإسلام فتقسم حيث تأمن، وسكت المص عن كون القسم يحتاج لحاكم، ونص ابن فرحون في تبصرته على أنه لا بد منه. وهل يبيع ليقسم قولان؛ يعني أنه اختلف في أعيان الغنيمة هل ينبغي للإمام أو أمير الجيش أن يبيعها ليقسم الغنيمة خمسة أقسام، أربعة للمجاهدين وخمس لبيت المال وهو لسحنون، أو يخير بين البيع وقسم الأعيان وهو لمحمد، فالقولان جاريان في الخمس كما قررنا، فقول البساطي: محلهما بعد إخراج الخمس سلعا وتبعه التتائي والشيخ سالم فيه نظر. قاله الشيخ عبد الباقي. واعترض بيعها ببلد الحرب بأن فيه ضياعا لرخصها هناك، وأجيب بأن رخصها يرجع لهم لأنهم هم المشترون فهم أحق برخصها.
стр. 3500
وأفرد كل صنف؛ يعني أنه إذا فرعنا على القول بعدم البيع فإنه يفرد وجوبا في القسم كل صنف على حدته، فيقسم كل صنف خمسة أقسام فيجعل الرقيق خمسة أقسام، فإذا فرغوا من الوصفان فعلوا بالنساء المسبيات كذلك ثم بالرجال كذلك. إن أمكن؛ يعني أن محل وجوب إفراد كل صنف في القسم إنما هو حيث أمكن القسم شرعا وحسا بأن اتسع مال الغنيمة، فإن لم يمكن القسم بالانفراد ضم ما لم يمكن إلى غيره، ولا تقسم أم دون ولدها قبل إثغاره لتعذر ذلك شرعا ولا حلي فيه إضاعة مال، وقوله: على الأرجح؛ غير جار على اصطلاحه؛ يعني أن محمد بن المواز رحمه الله تعالى لما حكى في الوصفان والنساء والرجال ما تقدم من أنه يفرد كل صنف على حدته، قال: واختلف في المتاع فقيل يجمع في القسم ابتداء، وقيل إن احتمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع، قال اللخمي: وهو أحسن. وأقل غررا، فصواب قوله: "على الأرجح" على المختار، وأما ابن يونس فإنما نقل كلام ابن المواز ولم يزد عليه شيئا، وهذا الذي قررته به للشارح، وصريحه أن الخلاف المذكور إنما هو في الأمتعة لا في الوصفان والرجال والنساء. والله سبحانه أعلم.
وأخذ معين وإن ذميا ما عرف له قبله مجانا؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة مال مسلم أو ذمي وعرف ربه واطلع على أنه له قبل القسم، فإن لربه أن يأخذه مجانا أي بلا شيء، وقوله: "معين" بفتح الياء المشددة أي شخص معروف بعينه، وشمل قوله: "عرف"، ما كان ببينة وما عرفه واحد من الجيش، كما يدل له كلام البرقي وأبي عبيد، قال في التوضيح: ونص البرقي وأبو عبيد على عدم قسمة إذا عرف ذلك واحد من الجيش، قالا وإن وجد أحمال متاع عليها مكتوب هذا لفلان بن فلان وعرف البلد الذي اشتريَ منه كالكتان بمصر لم يجز قسمة، ووقف حتى يبعث إلى ذلك البلد ويكشف [عمن (١)] اسمه عليه، فإن وجد من يعرفه [فله (٢)] وإلا قسم. انتهى. ونحوه نقله ابن فرحون في شرحه. قاله الحطاب. قال: وعدل المص عن عبارة ابن الحاجب إذا ثبت أن في الغنيمة مال مسلم أو ذمي، قال في التوضيح: ثبت أي بطريق الشرع،
стр. 3501
ثم نقل عن ابن عبد السلام قول المص ثبت مخالف لعبارة أهل المذهب في هذه المسألة، وهي قولهم: فإن عرف ربه، ولفظ الثبوت إنما يستعملونه فيما هو سبب الاستحقاق كالشاهدين وما يقوم مقامهما، ولفظ المعرفة والاعتراف وشبههما يستعملونه فيما سوى ذلك وفيما يشمل البينة أو ما دونها، ومنه استعمالهم لفظ المعرفة في اللقطة ومعرفة العفاص والوكاء. انتهى.
وقال الشيخ إبراهيم: وذكر ابن عرفة عن المازري ما يوافق ما ذكره ابن الحاجب، وأشار إلى الاعتراض على ابن عبد السلام، وقوله: "وإن ذهبا"، أشار به لقولها ما أدركه مسلم أو ذمي من ماله قبل قسمة أخذه بغير شيء. انتهى. وقوله: "ما عرف له"، يشمل المدبر والمعتق لأجل والمكاتب فيأخذ كلا ربه ولا تسلط للجيش على خدمة الأولين ولا على كتابة الثالث، وشمل قوله: "معين" من عين بشخصه ومن عين بجنسه كما لو غنمت سرية من المسلمين من العدو ثم غنم العدو غنيمتهم ثم غنمت سرية أخرى من المسلمين ما غنمه العدو من السرية الأولى، فإنها ترد للسرية الأولى ولا تخمس مرتين. كما قاله ابن عرفة. نقله الشيخ إبراهيم.
وقوله: معين سيذكر المص غير المعين. ابن عرفة: وفي أخذ ربه إن حضر بموجب الاستحقاق طرق، مقتضى نقل اللخمي عن المذهب ومحمد حملَه للغائب عدمُ يمينه. المازري: كالاستحقاق في إثبات ملكه ويمينه. ابن بشير: في وقفه عليه وأخذه إياه بمجرد دعواه مع يمينه قولا ابن شعبان: والتخريج على مالك الغنيمة بالقسم لا قبله. انتهى. قال الإمام الحطاب: فقول المص "عرف"، يقتضي أنه عدل عن طريق ابن الحاجب، وقوله: وحمل له، يقتضي أنه ماش على طريق اللخمي، وقوله: وحلف أنه ملكه، يقتضي أنه مشى على طريقة ابن بشير. ويمكن أن يجمع بين كلامه بأن يحمل قوله: وحلف أنه ملكه على ما إذا لم يكن إلا دعواه كما قال ابن بشير. فتأمله. انتهى. قال الشيخ بناني: وما حمله عليه ظاهر إذ لو حملناه على ظاهره من الحلف مطلقا مع عدم اشتراطه الثبوت كان مخالفا للطرق التي ذكرها ابن عرفة كلها. فتأمله. واعلم أن ابن شعبان يشترط مع اليمين الثبوت بموجب الاستحقاق. قاله الشيخ بناني.
وحلف: أنه ملكه؛ يعني أن المعين المذكور إذا كان حاضرا ولم يكن إلا مجرد دعواه فإنه لا بد في استحقاقه لما عرفه من أن يحلف أن هذا المال الذي وجد في الغنيمة باق على ملكه.
стр. 3502
وحمل له إن كان خيرا؛ يعني أن المعين إذا كان غائبا فإنه يحمل إليه ما عرف أنه له إن كان حمل شيئه له بعينه خيرا له من بيعه وعليه كراؤه. وإلا بيع له؛ أي وإلا بأن لم يكن حمل ما عرف للمعين خيرا له من بيعه، بل كان البيع خيرا له أو استوت مصلحة بيعه وحمله، فإنه يباع لأجل ربه المعين ويدفع ثمنه له، فاللام في قوله: "له" للتعليل، أو بمعنى على.
وبما قررت علم أن قوله: "وحمل له" الخ، قسيم قوله: "معين"، باعتبار شيء مقدر؛ أي وأخذ معين إن حضر وحمل له إن غاب. انظر الشبراخيتي.
وبما قررت علم أيضا أن قوله: "وحمل له إن كان" الخ، معناه أنه يدفع له بغير يمين، فتحصل من هذا أنه إن حضر ولم يكن إلا مجرد دعواه إنما يأخذه بيمين، وأنه إن غاب يحمل إليه أو يباع له ويأخذ بغير يمين. والله سبحانه أعلم. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "بيع له"؛ أي وأنفذ الإمام بيعه وليس لربه غير ثمنه، وقوله: "له"، قد مر أن اللام للتعليل أي لأجل إيصال الثمن إليه لا صلة لبيع؛ لأن الشيء لا يباع لمالكه، قال الشبراخيتي: وأحسن من جعلها للتعليل جعلها بمعنى على؛ أي بيع عليه. انتهى.
ولم يمض قمسه؛ يعني أن الإمام إذا قسم على المجاهدين ما عرف لعين سواء كان حاضرا أو غائبا: فإن ذلك القسم لا يمضي بل يرد ويأخذ المعين شيئه بلا ثمن لأنه قسم وهم يعلمون ربه العين فلا يفوته القسم إلا لتأول؛ يعني أن محل إبطال القسم المذكور إنما هو حيث لم يتأول الإمام، وأما إن تأول بأن أخذ بقول الأوزاعي: إن الحربي يملك مال المسلمين فإن القسم يمضي حينئذ، وما قاله الأوزاعي مثله رواه ابن وهب عن مالك، وإذا مضى القسم بالتأويل المذكور فلا يأخذه ربه إلا بالثمن، وإنما مضى مع التأويل لأنه حكم بمختلف فيه، ولم يمض القسم المذكور تعمدا أو جهلا؛ لأن حكم الحاكم جهلا أو قصدا للباطل يجب نقضه وإن وافق قول عالم؛ لأن حكمه كذلك باطل إجماعا، وما ذكروه في الأقضية من أن الحاكم إذا حكم بمختلف فيه أو وافق حكمه قول عالم فإنه حكمه ماض، في الجاهل الذي يشاور العلماء. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "إلا لتأول"، هو اختيار الأشياخ وهو الأصل. قاله ابن عبد السلام.
стр. 3503
وإلى قول ابن عبد السلام أشار بقوله: على الأحسن. وقيل: يمضي قسمة مطلقا ولا يأخذه ربه إلا بالثمن وهو قول سحنون، وقيل: لا يمضي مطلقا ويأخذه ربه بلا ثمن، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب. لا إن لم يتعين. هذا مفهوم قوله: "معين"؛ يعني أنه إذا عرف أن المتاع لمسلم أو ذمي ولم يعرف ربه بعينه ولا ناحيته فإنه يجوز قسمة ابتداء، وإن كان كلامه لا يفي بهذا لأنه إن رجع لقوله: "وأخذ معين" الخ، احتمل أن يقسم أو يوقف، وإن رجع لقوله: ولم يمض قسمة يكن المعنى أنه يمضي القسم والكلام في الجواز ابتداء، وما تقدم من جواز القسم ابتداء هو المشهور، وقال ابن المواز والقاضي عبد الوهاب: يوقف، لكن ظاهر كلام ابن المواز أنه يوقف ما رجي العلم بصاحبه. وظاهر كلام القاضي وقفه مطلقا. قاله الشارح. ومثال ما علم أنه لمسلم ولم يتعين المصحف والموطأ والبخاري ونحو ذلك.
بخلاف اللقطة؛ يعني أنهم قالوا بالقسم هنا فيما إذا علم أن المال لمسلم ولم يتعين ولا يوقف على المشهور، واتفقوا على الإيقاف في اللقطة الآتية مع أن المالك غير معين فيهما لحق المجاهدين، فقوله: "بخارف اللقطة"؛ يعني اللقطة الآتية، وليس معنى كلام المص أن المراد اللقطة التي توجد عند الحربيين مكتوبا عليها أنها لمسلم أو ثبت ذلك ولم يعين فإنها لا توقف؛ لأن مذهب مالك أن كل ما أخذه المشركون من أموال المسلمين لهم فيه شبهة الملك من أي وجه حصل لهم، سواء أخذوه على وجه القهر أو غيره، وهذا التقرير للشيخ بناني.
وبيعت خدمة معتق لأجل؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة معتق لأجل وعلم أنه لمسلم غير معين أو معين وقسم تأويلا فإنه تباع خدمته، فإن بيع وقدم به فلسيده فداؤه كما سيذكره، وإذا بيعت خدمته فإن استخدمه مشتريه للأجل حتهج حرا ولا شيء لربه، وإن جاء ربه بعد خدمة نصفه -مثلا- خير في فدائه. ومدبر؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة مدبر وعلم أنه لمسلم لم يعين أو عين وقسم تأويلا، فإنه تباع خدمته. فإن بيع فلسيده فداؤه كما سيذكره.
وقوله: "ومدبر" اعلم أنه لا يصح بيع جميع خدمة المدبر لأنها محدودة بحياة سيده وهي غير معلومة الغاية: وإنما يواجر بقدر قيمة رقبته مدبرا على فرض أن لو جاز بيعه كذلك، وعبارة المواق: يؤاجر بمقدار قيمة رقبته وليس فيها قنا ولا مدبرا. والله أعلم. قاله الشيخ بناني. وعبارة
стр. 3504
الش: وإنما ينبغي أن يؤاجر زمنا يظن حياة سيده إليه ولا يزاد به على الغاية التي تذكر في باب الإجارة. انتهى؛ يعني قوله: وعبد خمسة عشر عاما، قال: ثم إن عاش هو وسيده بعد تلك المدة تكون الخدمة الزائدة كاللقطة لتفرق الجيش وعدم العلم بأعيان من يستحقها. انتهى. قال عبد الباقي: فيوضع خراجه في بيت المال. والله سبحانه أعلم. وإذا بيعت خدمة المدبر والمعتق لأجل المملوكين لعين حيث لم يكن حملهما خيرا فالبيع حينئذ لازم ليس للسيد نقضه فلا خيار له في فدائهما، وقوله: "وبيعت خدمة معتق لأجل"، وأما رقبته فلا تباع، فلو بيعت ثم علم ربه فله فداؤه، فإن تركه صار حق مشتريه في خدمته يحاسب بها من ثمنه ويخرج بحلول الأجل حرا، فلو حل الأجل قبل استيفائه فلا يبيعه مشتريه بقيمة الثمن على الراجح، ولو استوفاه قبل أجله لم يرجع لربه بل تبقى خدمته لمن هو بيده إلى الأجل على الراجح أيضا، وأما إذا بيعت خدمته فقط كما هو موضوع المص فلا خلاف فيه في المسألتين.
وكتابة؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة قبل قسمها مكاتب فإنه تباع كتابته، فإن أدى لمشتريها عتق وولاؤه للمسلمين لعدم علم سيده، فإن علم سيده فولاؤه له، فإن عجز رق لمشتري كتابته. لا أم ولد؛ يعني أن أم الولد ليست كمن تقدم فإذا اطلع في الغنيمة على أم ولد لمسلم قبل قسم الغنيمة ولم يعلم سيدها فإنها لا تباع خدمتها؛ إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة، والاستمتاع لا يقبل المعاوضة ويسير الخدمة لغو، قال الشيخ عبد الباقي: فينجز عتقها ولا بد من ثبوت العتق لأجل والتدبير والإيلاد. ابن عرفة: إنما تتم الشهادة في المدبر بقولهم: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده دبره ولم نسألهم عن اسم ربه أوسموه ونسيناه، قلت: وكذا في أم الولد والعتق لأجل. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: فينجز عتقها، قال الشيخ بناني: تبع فيه الشيخ سالم ولم أره لغيره ولا يخفى ما فيه من التفويت على السيد إن ظهر، فالظاهر أنه يخلى سبيلها وتترك على حالها، وقوله: "لا أم"، بالجر فيه حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره، وهو جائز هنا لكون المحذوف معطوفا على مثله، قال في الألفية:
لكن بشرط أن يكون ما حذف … مماثلا لما عليه قد عطف
стр. 3505
قاله الشيخ بناني. ولا يصح كونه معطوفا على معتق ليلا يلزم عليه العطف على المصدر قبل تمام معمولاته.
وله بعده أخذه بثمنه: هذا مفهوم "قبله" من قوله: "وأخذ معين وإن ذميا ما عرف قبله مجانا"؛ يعني أن الشخص العين مسلما أو ذميا إذا عرف ماله بعد القسم أو بعد البيع، فإن له أن يأخذه بثمنه الذي بيع به على القول بالبيع أو بما قوم به على القول بقيمة الأعيان أو قيمته إن أخذه أحد من الغانمين دون تقويم أو جهل ما قوم به عليه، وسواء دخله عنده زيادة أو نقص، وتكون القيمة يوم القسم كما نص عليه في التوضيح عن ابن راشد، وقوله: "وله بعده أخذه بثمنه"، يشمل ما إذا بيع جهلا أنه لمسلم أو علما بأنه لمسلم غير معين أو معين وبيع تأويلا: وقوله: "وله أخذه بثمنه"؛ يعني وإن أبى من هو بيده، ومثل ما قسم ما بيع من خدمة مدبر ومعتق لأجل وكتابة، فإن له أخذ ذلك بثمنه، وقد مر قوله: "ولم يمض قسمة إلا لتأول". وبالأول إن تعدد؛ يعني أنه إذا تعدد البيع فإنه لا خيار للمالك في أخذه متاعه بأي ثمن شاء، وإنما له أن يأخذ شيئه بالثمن الأول الذي بيع به أو قوم به في المقاسم، فيشمل ما بيع وقسم ثمنه وما أخذه أحد في سهمه، فإن قوم في الغنيمة أخذه بتلك القيمة إن علمت، فإن جهلت أخذه بقيمته يوم أخذه ربه فلو أراد الأخذ بغير الأول سقط حقه لأنه سلم صحة الملك لآخذه من الغنيمة، بخلاف الشفيع فإنه إذا سلم للأول صارا شريكين وكل شريك باع حصته في الربع فلشريكه عليه الشفعة، فلذا يأخذه بما شاء من الأثمان، وقوله: "وبالأول إن تعدد"، هو مرتب على قوله: "وله بعده أخذه بثمنه".
وأجبر في أم الولد على الثمن؛ يعني أن غير أم الولد مما عرف لمعين بعد القسم لربه أخذه بالثمن وله تركه، وأما أم الولد فإن السيد يجبر على أن يفديها بالثمن الذي بيعت به أو قومت به في المقاسم، وهذا إذا قومت جهلا بأنها أم ولد أو اشتريت من المغانم ظنا أنها غير أم ولد، وأما إن قسمت مع العلم بأنها أم ولد وجهل الحكم فإن هذه يأخذها ربها من غير ثمن اتفاقا، ولذا لا يصح بيعها وهو يظن أنها تباع مع علمه بأنها أم ولد، فيأخذها سيدها بلا ثمن، وقوله: "وأجبر