← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ثم نقل عن ابن عبد السلام قول المص ثبت مخالف لعبارة أهل المذهب في هذه المسألة، وهي قولهم: فإن عرف ربه، ولفظ الثبوت إنما يستعملونه فيما هو سبب الاستحقاق كالشاهدين وما يقوم مقامهما، ولفظ المعرفة والاعتراف وشبههما يستعملونه فيما سوى ذلك وفيما يشمل البينة أو ما دونها، ومنه استعمالهم لفظ المعرفة في اللقطة ومعرفة العفاص والوكاء. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وذكر ابن عرفة عن المازري ما يوافق ما ذكره ابن الحاجب، وأشار إلى الاعتراض على ابن عبد السلام، وقوله: "وإن ذهبا"، أشار به لقولها ما أدركه مسلم أو ذمي من ماله قبل قسمة أخذه بغير شيء. انتهى. وقوله: "ما عرف له"، يشمل المدبر والمعتق لأجل والمكاتب فيأخذ كلا ربه ولا تسلط للجيش على خدمة الأولين ولا على كتابة الثالث، وشمل قوله: "معين" من عين بشخصه ومن عين بجنسه كما لو غنمت سرية من المسلمين من العدو ثم غنم العدو غنيمتهم ثم غنمت سرية أخرى من المسلمين ما غنمه العدو من السرية الأولى، فإنها ترد للسرية الأولى ولا تخمس مرتين. كما قاله ابن عرفة. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله: معين سيذكر المص غير المعين. ابن عرفة: وفي أخذ ربه إن حضر بموجب الاستحقاق طرق، مقتضى نقل اللخمي عن المذهب ومحمد حملَه للغائب عدمُ يمينه. المازري: كالاستحقاق في إثبات ملكه ويمينه. ابن بشير: في وقفه عليه وأخذه إياه بمجرد دعواه مع يمينه قولا ابن شعبان: والتخريج على مالك الغنيمة بالقسم لا قبله. انتهى. قال الإمام الحطاب: فقول المص "عرف"، يقتضي أنه عدل عن طريق ابن الحاجب، وقوله: وحمل له، يقتضي أنه ماش على طريق اللخمي، وقوله: وحلف أنه ملكه، يقتضي أنه مشى على طريقة ابن بشير. ويمكن أن يجمع بين كلامه بأن يحمل قوله: وحلف أنه ملكه على ما إذا لم يكن إلا دعواه كما قال ابن بشير. فتأمله. انتهى. قال الشيخ بناني: وما حمله عليه ظاهر إذ لو حملناه على ظاهره من الحلف مطلقا مع عدم اشتراطه الثبوت كان مخالفا للطرق التي ذكرها ابن عرفة كلها. فتأمله. واعلم أن ابن شعبان يشترط مع اليمين الثبوت بموجب الاستحقاق. قاله الشيخ بناني. وحلف: أنه ملكه؛ يعني أن المعين المذكور إذا كان حاضرا ولم يكن إلا مجرد دعواه فإنه لا بد في استحقاقه لما عرفه من أن يحلف أن هذا المال الذي وجد في الغنيمة باق على ملكه.

стр. 3502

وحمل له إن كان خيرا؛ يعني أن المعين إذا كان غائبا فإنه يحمل إليه ما عرف أنه له إن كان حمل شيئه له بعينه خيرا له من بيعه وعليه كراؤه. وإلا بيع له؛ أي وإلا بأن لم يكن حمل ما عرف للمعين خيرا له من بيعه، بل كان البيع خيرا له أو استوت مصلحة بيعه وحمله، فإنه يباع لأجل ربه المعين ويدفع ثمنه له، فاللام في قوله: "له" للتعليل، أو بمعنى على. وبما قررت علم أن قوله: "وحمل له" الخ، قسيم قوله: "معين"، باعتبار شيء مقدر؛ أي وأخذ معين إن حضر وحمل له إن غاب. انظر الشبراخيتي. وبما قررت علم أيضا أن قوله: "وحمل له إن كان" الخ، معناه أنه يدفع له بغير يمين، فتحصل من هذا أنه إن حضر ولم يكن إلا مجرد دعواه إنما يأخذه بيمين، وأنه إن غاب يحمل إليه أو يباع له ويأخذ بغير يمين. والله سبحانه أعلم. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "بيع له"؛ أي وأنفذ الإمام بيعه وليس لربه غير ثمنه، وقوله: "له"، قد مر أن اللام للتعليل أي لأجل إيصال الثمن إليه لا صلة لبيع؛ لأن الشيء لا يباع لمالكه، قال الشبراخيتي: وأحسن من جعلها للتعليل جعلها بمعنى على؛ أي بيع عليه. انتهى. ولم يمض قمسه؛ يعني أن الإمام إذا قسم على المجاهدين ما عرف لعين سواء كان حاضرا أو غائبا: فإن ذلك القسم لا يمضي بل يرد ويأخذ المعين شيئه بلا ثمن لأنه قسم وهم يعلمون ربه العين فلا يفوته القسم إلا لتأول؛ يعني أن محل إبطال القسم المذكور إنما هو حيث لم يتأول الإمام، وأما إن تأول بأن أخذ بقول الأوزاعي: إن الحربي يملك مال المسلمين فإن القسم يمضي حينئذ، وما قاله الأوزاعي مثله رواه ابن وهب عن مالك، وإذا مضى القسم بالتأويل المذكور فلا يأخذه ربه إلا بالثمن، وإنما مضى مع التأويل لأنه حكم بمختلف فيه، ولم يمض القسم المذكور تعمدا أو جهلا؛ لأن حكم الحاكم جهلا أو قصدا للباطل يجب نقضه وإن وافق قول عالم؛ لأن حكمه كذلك باطل إجماعا، وما ذكروه في الأقضية من أن الحاكم إذا حكم بمختلف فيه أو وافق حكمه قول عالم فإنه حكمه ماض، في الجاهل الذي يشاور العلماء. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "إلا لتأول"، هو اختيار الأشياخ وهو الأصل. قاله ابن عبد السلام.

стр. 3503

وإلى قول ابن عبد السلام أشار بقوله: على الأحسن. وقيل: يمضي قسمة مطلقا ولا يأخذه ربه إلا بالثمن وهو قول سحنون، وقيل: لا يمضي مطلقا ويأخذه ربه بلا ثمن، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب. لا إن لم يتعين. هذا مفهوم قوله: "معين"؛ يعني أنه إذا عرف أن المتاع لمسلم أو ذمي ولم يعرف ربه بعينه ولا ناحيته فإنه يجوز قسمة ابتداء، وإن كان كلامه لا يفي بهذا لأنه إن رجع لقوله: "وأخذ معين" الخ، احتمل أن يقسم أو يوقف، وإن رجع لقوله: ولم يمض قسمة يكن المعنى أنه يمضي القسم والكلام في الجواز ابتداء، وما تقدم من جواز القسم ابتداء هو المشهور، وقال ابن المواز والقاضي عبد الوهاب: يوقف، لكن ظاهر كلام ابن المواز أنه يوقف ما رجي العلم بصاحبه. وظاهر كلام القاضي وقفه مطلقا. قاله الشارح. ومثال ما علم أنه لمسلم ولم يتعين المصحف والموطأ والبخاري ونحو ذلك. بخلاف اللقطة؛ يعني أنهم قالوا بالقسم هنا فيما إذا علم أن المال لمسلم ولم يتعين ولا يوقف على المشهور، واتفقوا على الإيقاف في اللقطة الآتية مع أن المالك غير معين فيهما لحق المجاهدين، فقوله: "بخارف اللقطة"؛ يعني اللقطة الآتية، وليس معنى كلام المص أن المراد اللقطة التي توجد عند الحربيين مكتوبا عليها أنها لمسلم أو ثبت ذلك ولم يعين فإنها لا توقف؛ لأن مذهب مالك أن كل ما أخذه المشركون من أموال المسلمين لهم فيه شبهة الملك من أي وجه حصل لهم، سواء أخذوه على وجه القهر أو غيره، وهذا التقرير للشيخ بناني. وبيعت خدمة معتق لأجل؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة معتق لأجل وعلم أنه لمسلم غير معين أو معين وقسم تأويلا فإنه تباع خدمته، فإن بيع وقدم به فلسيده فداؤه كما سيذكره، وإذا بيعت خدمته فإن استخدمه مشتريه للأجل حتهج حرا ولا شيء لربه، وإن جاء ربه بعد خدمة نصفه -مثلا- خير في فدائه. ومدبر؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة مدبر وعلم أنه لمسلم لم يعين أو عين وقسم تأويلا، فإنه تباع خدمته. فإن بيع فلسيده فداؤه كما سيذكره. وقوله: "ومدبر" اعلم أنه لا يصح بيع جميع خدمة المدبر لأنها محدودة بحياة سيده وهي غير معلومة الغاية: وإنما يواجر بقدر قيمة رقبته مدبرا على فرض أن لو جاز بيعه كذلك، وعبارة المواق: يؤاجر بمقدار قيمة رقبته وليس فيها قنا ولا مدبرا. والله أعلم. قاله الشيخ بناني. وعبارة

стр. 3504

الش: وإنما ينبغي أن يؤاجر زمنا يظن حياة سيده إليه ولا يزاد به على الغاية التي تذكر في باب الإجارة. انتهى؛ يعني قوله: وعبد خمسة عشر عاما، قال: ثم إن عاش هو وسيده بعد تلك المدة تكون الخدمة الزائدة كاللقطة لتفرق الجيش وعدم العلم بأعيان من يستحقها. انتهى. قال عبد الباقي: فيوضع خراجه في بيت المال. والله سبحانه أعلم. وإذا بيعت خدمة المدبر والمعتق لأجل المملوكين لعين حيث لم يكن حملهما خيرا فالبيع حينئذ لازم ليس للسيد نقضه فلا خيار له في فدائهما، وقوله: "وبيعت خدمة معتق لأجل"، وأما رقبته فلا تباع، فلو بيعت ثم علم ربه فله فداؤه، فإن تركه صار حق مشتريه في خدمته يحاسب بها من ثمنه ويخرج بحلول الأجل حرا، فلو حل الأجل قبل استيفائه فلا يبيعه مشتريه بقيمة الثمن على الراجح، ولو استوفاه قبل أجله لم يرجع لربه بل تبقى خدمته لمن هو بيده إلى الأجل على الراجح أيضا، وأما إذا بيعت خدمته فقط كما هو موضوع المص فلا خلاف فيه في المسألتين. وكتابة؛ يعني أنه إذا وجد في الغنيمة قبل قسمها مكاتب فإنه تباع كتابته، فإن أدى لمشتريها عتق وولاؤه للمسلمين لعدم علم سيده، فإن علم سيده فولاؤه له، فإن عجز رق لمشتري كتابته. لا أم ولد؛ يعني أن أم الولد ليست كمن تقدم فإذا اطلع في الغنيمة على أم ولد لمسلم قبل قسم الغنيمة ولم يعلم سيدها فإنها لا تباع خدمتها؛ إذ ليس لسيدها فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة، والاستمتاع لا يقبل المعاوضة ويسير الخدمة لغو، قال الشيخ عبد الباقي: فينجز عتقها ولا بد من ثبوت العتق لأجل والتدبير والإيلاد. ابن عرفة: إنما تتم الشهادة في المدبر بقولهم: أشهدنا قوم يسمونهم أن سيده دبره ولم نسألهم عن اسم ربه أوسموه ونسيناه، قلت: وكذا في أم الولد والعتق لأجل. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. قوله: فينجز عتقها، قال الشيخ بناني: تبع فيه الشيخ سالم ولم أره لغيره ولا يخفى ما فيه من التفويت على السيد إن ظهر، فالظاهر أنه يخلى سبيلها وتترك على حالها، وقوله: "لا أم"، بالجر فيه حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره، وهو جائز هنا لكون المحذوف معطوفا على مثله، قال في الألفية: لكن بشرط أن يكون ما حذف … مماثلا لما عليه قد عطف

стр. 3505

قاله الشيخ بناني. ولا يصح كونه معطوفا على معتق ليلا يلزم عليه العطف على المصدر قبل تمام معمولاته. وله بعده أخذه بثمنه: هذا مفهوم "قبله" من قوله: "وأخذ معين وإن ذميا ما عرف قبله مجانا"؛ يعني أن الشخص العين مسلما أو ذميا إذا عرف ماله بعد القسم أو بعد البيع، فإن له أن يأخذه بثمنه الذي بيع به على القول بالبيع أو بما قوم به على القول بقيمة الأعيان أو قيمته إن أخذه أحد من الغانمين دون تقويم أو جهل ما قوم به عليه، وسواء دخله عنده زيادة أو نقص، وتكون القيمة يوم القسم كما نص عليه في التوضيح عن ابن راشد، وقوله: "وله بعده أخذه بثمنه"، يشمل ما إذا بيع جهلا أنه لمسلم أو علما بأنه لمسلم غير معين أو معين وبيع تأويلا: وقوله: "وله أخذه بثمنه"؛ يعني وإن أبى من هو بيده، ومثل ما قسم ما بيع من خدمة مدبر ومعتق لأجل وكتابة، فإن له أخذ ذلك بثمنه، وقد مر قوله: "ولم يمض قسمة إلا لتأول". وبالأول إن تعدد؛ يعني أنه إذا تعدد البيع فإنه لا خيار للمالك في أخذه متاعه بأي ثمن شاء، وإنما له أن يأخذ شيئه بالثمن الأول الذي بيع به أو قوم به في المقاسم، فيشمل ما بيع وقسم ثمنه وما أخذه أحد في سهمه، فإن قوم في الغنيمة أخذه بتلك القيمة إن علمت، فإن جهلت أخذه بقيمته يوم أخذه ربه فلو أراد الأخذ بغير الأول سقط حقه لأنه سلم صحة الملك لآخذه من الغنيمة، بخلاف الشفيع فإنه إذا سلم للأول صارا شريكين وكل شريك باع حصته في الربع فلشريكه عليه الشفعة، فلذا يأخذه بما شاء من الأثمان، وقوله: "وبالأول إن تعدد"، هو مرتب على قوله: "وله بعده أخذه بثمنه". وأجبر في أم الولد على الثمن؛ يعني أن غير أم الولد مما عرف لمعين بعد القسم لربه أخذه بالثمن وله تركه، وأما أم الولد فإن السيد يجبر على أن يفديها بالثمن الذي بيعت به أو قومت به في المقاسم، وهذا إذا قومت جهلا بأنها أم ولد أو اشتريت من المغانم ظنا أنها غير أم ولد، وأما إن قسمت مع العلم بأنها أم ولد وجهل الحكم فإن هذه يأخذها ربها من غير ثمن اتفاقا، ولذا لا يصح بيعها وهو يظن أنها تباع مع علمه بأنها أم ولد، فيأخذها سيدها بلا ثمن، وقوله: "وأجبر

стр. 3506

على الثمن"؛ أي وإن كان أضعاف قيمتها، وقال أشهب والمغيرة: يفديها بالأقل من الثمن والقيمة. واتبع به إن أعدم، قد علمت أن السيد يجبر على أن يفدي أم الولد بالثمن الذي بيعت به أو قومت به في المقاسم، أما إن كان مليا به فالأمر ظاهر؛ أي يجبر على دفعه الآن، وأما إن كان معدما فإنه يتبع به دينا في ذمته، واستثنى من قوله: "وأجبر في أم الولد" الخ، قوله: إلا أن تموت هي؛ يعني أن السيد إنما يكون عليه فداء أم الولد المذكورة حيث لم تمت، وأما إن ماتت فلا شيء عليه لأن القصد بالفداء تخليص الرقبة من الرق وقد تعذر ذلك بموتها. أو سيدها؛ يعني أن هذه الأمة المذكورة إذا مات سيدها فلا شيء عليها ولا على الورثة في تركة سيدها لأنها حرة بموته، وهذا إذا مات سيدها قبل الحكم بها لمالكها كما نقله الباجي وابن عبد السلام عن سحنون، وفي نقل النوادر وابن يونس واللخمي عن سحنون: قبل أن يعلم بها عتقت ولم يتبع بشيء، وما في عبد الباقي والتتائي تبعا لابن بشير يجب أن يؤول بأحد الأمرين. قاله الشيخ بناني. وله فداء معتق لأجل ومدبر؛ يعني أنه إذا كان في الغنيمة معتق لأجل أو مدبر أو هما ولم يعلم بحالهما حتى وقعا في المقاسم أو بيعت رقابهما، فإن السيد له أن يفديهما بما وقعا به في المقاسم في الأولى أو بما بيعا به في الثانية، وإذا فداهما فإنهما يرجعان لحالهما الأول الذي كانا عليه قبل بيع رقابهما جهلا لحالهما، وحالهما الأول الذي يرجعان إليه هو العتق لأجل في المعتق لأجل، والتدبير في المدبر. وبما قررت علم أن قوله: "لحالهما"، متعلق بمحذوف أي حال كونهما راجعين لحالهما. قاله الشيخ إبراهيم. وشمل كلام المص ما إذا عرف أنهما لمسلم غير معين أو معين وقسما تأويلا، ولا يشمل ما إذا بيعا حيث لم يكن حملهما خيرا لسيدهما؛ لأن البيع في هذه لا ينقض وليس للسيد إلا الثمن. وبما قررت علم أن قوله: "وله فداء معتق لأجل ومدبر" فيما إذا جهلت حالهما وقسمت رقابهما أو بيعت، بخلاف ما تقدم في قوله: "وبيعت خدمة معتق لأجل ومدبر" فإنه علم بحالهما، كذا

стр. 3507

في التوضيح وابن عرفة والشارح في الكبير، وفي الصورتين سيدهما غير معلوم أو معلوم وتأول الإمام قسمهما أو كان حملهما لسيدهما ليس بخير. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وله فداء معتق لأجل" الخ، اعلم أن هذه المسألة يستغنى عنها بقوله: "وله بعده أخذه بثمنه"، لكن ذكرها ليرتب عليها قوله: وتركهما مسلما لخدمتها؛ يعني أنه كما للسيد أن يفدي العتق لأجل والمدبر بما مر ويرجعان لحالهما، له أن يتركهما أي يترك فداءهما، وإذا ترك فداءهما فإن ذلك الترك من السيد يكون تسليما لخدمتهما؛ واختلف هل تسليم الخدمة للمشتري على جهة التمليك؟ وهو لابن القاسم، وينبني عليه أنه لا يرجع لسيده إن استوفى الثمن قبل الأجل بل يملك الخدمة إلى الأجل وإن كثرت، وأنه إن انقضى الأجل قبل أن يستوفى لا يتبع بعده بشيء وهو الراجح فيهما كما مر، أو على التقاضي وهو لسحنون، وينبني عليه أنه إن استوفى قبل الأجل عاد إلى سيده، وأنه إن تم الأجل ولم يستوف عتق واتبع بما بقي. وفي كلام الشيخ عبد الباقي هنا تخليط. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وإن مات المدبر قبل الاستيفاء فحر؛ يعني أن المدبر الذي وجد في الغنيمة ولم يعرف حاله حتى بيعت رقبته، أو وقع في المقاسم ثم علم بعد ذلك أنه مدبر، فإن السيد يخير في إسلامه وفدائه كما عرفت، فإن أسلمه السيد فإنه يبقى بيد مشتريه أو بيد من حصل له في نصيبه إلى أن يستوفي من ذكر حقه منه، فإن ساوى مدة السيد فالأمر ظاهر، وإن مات السيد قبل الاستيفاء لما قوم به أو اشتري به فإن المدبر يكون حرا كله بشرط أشار إليه بقوله: إن حمله الثلث؛ أي إنما يكون حرا إن حمله ثلث سيده. وبما قررت علم أن قوله: "المدبر" بكسر الباء، وفي بعض النسخ: وإن مات سيد المدبر، واتبع بما بقي؛ يعني أن هذا المدبر إذا خرج حرا قبل أن يستوفى من خدمته ما قوم به أو اشترى به فإنه يتبع بما بقي، وهذا إنما يأتي على قول سحنون الذي يقول: إنه يسلم الخدمة تقاضيا، وإن كان الاتباع بما بقي في المدبر هو قول ابن القاسم في المدونة كما نقله في التوضيح، ولذا اقتصر عليه المص. قاله الشيخ بناني. وينبني على ما لسحنون أنه يرجع لسيده إذا استوفى منه قبل موت سيده لا على ما لابن القاسم، بل تبقى خدمته لمن بيده، وأما قول عبد الباقي: والفرق بينه وبين

стр. 3508

المعتق لأجل الموفي قبله في بقائه له على الراجح قوة شائبة العتق فيه وضعفها في المدبر ففيه نظر؛ لأنه ينتج عكس المراد. قاله الشيخ بناني. كمسلم أو ذمي قسما؛ يعني أن المسلم أو الذمي إذا وقعا في المقاسم ولم يخبرا بحالهما بل سكتا حتى قسما جهلا، فإنهما يتبعان بما وقعا به في المقاسم مع الحكم بحريتهما اتفاقا. ولم يعذرا في سكونهما بأمر؛ يعني أن محل كونهما يتبعان بما وقعا به في المقاسم إنما هو حيث لم يعذرا في سكوتهما عن الإخبار بحريتهما بأمر من الأمور، وأما إن عذرا في سكوتهما بأمر كصغر أو بله أو عجمة فإنهما لا يتبعان بشيء، وقوله: "ولم يعذرا" الخ، جملة حالية والظاهر العمل بقولهما: إن تنازعا مع من أخذهما في العذر وعدمه، ولم تقم قرينة على صدق واحد منهما، وقيل بالاتباع مطلقا وهو لأشهب، وقيل بعدمه مطلقا وهو لمالك وابن القاسم وسحنون، وقال اللخمي: لا خلاف أن المتبع إذا أعذر بجهل لا شيء عليه، وقيد اللخمي الخلاف بما إذا افترق الجيش أو كانوا لا يعرفون لكثرتهم، فإن لم يفترق الجيش أو عرفوا بعد افتراقهم رجع عليهم المشتري أو من صارا في سهمه، وقال ابن مسلمة: على الإمام أن يغرم ذلك من الفيء أو الخمس. قاله الشارح في الكبير. وإن حمل بعضه رق باقيه، قد تقدم أن المدبر إذا حمله الثلث خرج حرا، وذكر هنا ما إذا حمل الثلث بعضه، ومعنى كلامه أنه إذا لم يحمل الثلث إلا بعض الدبر الذي أسلم السيد خدمته لمن وقع في سهمه، فإنه يعتق ذلك البعض الذي حمله الثلث ويرق الباقي لمن هو بيده، وهل يتبعه بما ينوب البعض الذي يعتق أو لا؟ قولان، وأما إن استغرقت الديون جميعه فإنه يرق كله لمن هو بيده. قاله الشيخ إبراهيم. ولا خيار للوارث؛ يعني أنه لا خيار لورثة سيد المدبر في إسلام البعض الذي رق منه لمن وقع المدبر في سهمه أو اشتراه، وفدائه بما بقي له من ثمنه الذي اشتراه به من المقاسم أو قوم به، بل يكون البعض الذي رق لمن هو بيده لأن سيده تركه، والموضوع أنه بيعت رقبته لاعتقاد رقه، وأما لو بيعت خدمته لاعتقاد أنه مدبر فإن للوارث الخيار؛ لأن المشتري لم يدخل على أنه يملك رقبته، وإن لم يحمله الثلث فالظاهر أنه يرق جميعه لمن هو بيده ولا خيار

стр. 3509

للوارث كما إذا رق بعضه. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الشيخ إبراهيم: ولا خيار للوارث فيما رق من كله أو بعضه. انتهى. بخلاف الجناية؛ يعني أن المدبر إذا جنى فأسلمه سيده في الجناية ثم مات السيد والثلث يحمل بعضه فإن الورثة يخيرون فيما رق منه بين أن يفدوه بما يقع عليه من بقية الجناية أو يسلموه رقا للمجني عليه. الشبراخيتي: وسكت المص عما إذا لم يحمل الثلث شيئا منه في مسألة الجناية كما سكت عنه في مسألتنا هنا، ويظهر أنه في مسألة الجناية يخير الوارث كما يخير فيما إذا رق بعضه، ولا خيار لهم في مسألتنا هنا كما لا خيار لهم فيما إذا رق بعضه. انتهى. وقوله: "ولا خيار للوارث"، وقيل: يخير كالجناية. قاله الشارح. وإن أدى الكاتب ثمنه فعلى حاله؛ يعني أنه إذا كان في الغنيمة مكاتب وبيعت رقبته جهلا بحاله أو قسمت كذلك ثم جاء سيده، فإنه لا يخير ابتداء بين إسلامه وفدائه، بل يؤمر الكاتب بأن يؤدي ما وقع به في المقاسم لمن اشتراه أو لمن وقع في سهمه، فإن أداه فإنه يبقى على حاله أي على كتابته فيرجع مكاتبا، فإن أدى كتابته خرج حرا وإلا رجع رقيقا، وإن عجز الكاتب المذكور عن أداء ما اشتري به صار عبدا فيخير حينئذ سيده في إسلامه عبدا أو فدائه كذلك، وأما من بيعت كتابته فالخيار لسيده ابتداء في إسلامها وفدائها بما بيعت به، فإن أداها خرج حرا وولاؤه لمكاتبه فديت الكتابة أو أسلمت، وإن عجز رق لسيده إن فداه وإلا رق للمشتري، وأما لو بيع المكاتب مع العلم بأنه مكاتب فإنه لا يتبع بشيء. وإلا؛ أي وإن لم يؤد الكاتب ثمنه الذي وقع به في المقاسم بل عجز عن تأديته، فهو قن -أي رقيق- أسلم أو فدي؛ يعني أنه إذا عجز عن تأدية الثمن الذي وقع به في المقاسم يكون رقيقا سواء أسلمه سيده لصاحب الثمن أو فداه بما اشتري به من المقاسم أو دار الحرب. فتحصل من هذا أنه إنما يخير السيد بين إسلامه وفدائه بعد العجز عن تأدية ما وقع به في المقاسم. فرع: وإذا أسلم حربي على مكاتب بيده لمسلم فإنه يكون له في كتابته، فإن عجز رق له وإن أدى فولاؤه لعاقدها، ولو كان مع مكاتب آخر بيد السيد في عقد واحد فإنه يقال للذي أسلم على الواحد وللسيد: إما أن يبيع أحدكما من الآخر كتابة الذي بيده ليصير المكاتبان في ملك واحد

стр. 3510

وأداء واحد، وإلا فيبيعا كتابتهما جميعا، واقتسما الثمن بقدر قيمة المكاتبين وقوتهما على الأداء، وإذا أديا فالولاء للأول، وإن عجزا رقا لمبتاع كتابتهما. قاله الشارح. فإن قيل: لأي شيء لم يثبت التخيير لسيد المكاتب ابتداء بين إسلامه وفدائه كما في المدبر والمعتق لأجل؟ قيل: لأنه لما أحرز نفسه وماله لم يكن لسيده تسلط على إسلامه؛ لأنه لا يملك خدمته حتى يسلمها بخلاف المدبر والمعتق لأجل. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. ولما كان الحربي لا يملك مال المسلم بل ولا الذمي ملكا تاما، بل إنما له فيه شبهة فقط أشار إلى ذلك بقوله: وعلى الآخذ إن علم بملك معين ترك تصرف ليخيره؛ يعني أن الحربي لا يملك مال المسلم ولا الذمي ملكا تاما بل إنما له فيه شبهة فقط، فلذلك كان على من أخذ شيئا من أموال الكفار رقيقا أو غيره، وعلم أنه ملك لمعين مسلم أو ذمي أن يترك التصرف فيه ليخير ربه فيه وهذا أمر واجب، ومحل وجوب ترك التصرف حيث وقع في سهمه من الغنائم أو اشتراه من بلاد الحرب، وأما إن اشتراه في بلد الإسلام من حربي قدم بأمان فليس عليه ذلك؛ لأنه ليس لربه أخذه، فمن وقع في سهمه من الغنم أمة أو ابتاعها من العدو الذين أحرزوها، فإن علم أنها لمسلم فلا يحل له وطؤها حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدعها، وسواء اشتراها ببلد الحرب أو ببلد الإسلام، وكذلك إن كان عبدا فليعرضه على سيده، ومعنى اشتراها ببلد الإسلام أنه اشتراها ببلد الإسلام من المغنم، ولا يشمل ما إذا اشتراها من حربي قدم إلينا بأمان، فإنه لا يأخذها سيدها، كما لا يشمل ما إذا اشتراها ببلد الإسلام ممن اشتراها من حربي؛ لأنه قد نص في المدونة على أن من اشترى شيئا من بلاد الحرب ثم باعه فإنه يفوت ببيعه على ربه ولا يصير لربه إلا الثمن. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "على الآخذ" الخ، قال الشيخ بناني: ولا يصح أن يدخل في كلام المص ما إذا رأى الإمام قسمه مع العلم بمالكه، فإنه يجوز التصرف فيه لمن صار إليه كما في التوضيح. انتهى. وهذا التعميم إنما هو بحسب الفقه، وإلا فكلام المص في المغنم بدليل قوله: "كالمشتري من حربي". والله سبحانه أعلم. وإن تصرف مضى؛ يعني أنه إذا تصرف الآخذ بما سيذكره مرتكبا للمحرم فإن ذلك التصرف يمضي، وليس لربه أخذه، وقوله: "تصرف" بالبناء للمفعول كما ضبط المص ابن الحاجب أي

стр. 3511

تصرف الآخذ أو المشتري منه أو موهوبه. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وعبارة الشيخ إبراهيم: هو بالبناء للمفعول ليفيد أن مضي التصرف يجري في تصرف من أخذه من الغنيمة ومن صار له ممن أخذه من الغنيمة بهبة أو بيع ونحوهما، وبه ضبط المص عبارة ابن الحاجب التي هي كهذه. انتهى. كالمشتري من حربي، تشبيه في ترك التصرف والمضي؛ يعني أن من اشترى من حربي ملك معين مسلم أو ذمي وكان الشراء قد وقع في دار الحرب، يجب عليه أن يترك التصرف فيه حتى يعرضه على ربه فيأخذه بالثمن أو يدعه، وإذا ارتكب المحرم وتصرف فيه باستيلاد أو بعتق ناجز أو لأجل أو كتابة أو تدبير أو بيع مضى ذلك وليس لمالكه أخذه، وقوله: باستيلاد، يتنازعه "تصرف" "ومضى": يعني أن الآخذ ومن في حكمه إذا تصرف باستيلاد أو بعتق ناجز أو لأجل على الراجح أو بكتابة أو تدبير، فإن ذلك يمضي وليس لمالكه أخذه، بخلاف البيع فلا يمضي على الراجح وهو مخالف لما مر من قوله: "وبالأول إن تعدد"؛ وعليه فالفرق بين المسألتين أن ما وقع في المقاسم قد أخذ على وجه القهر والغلبة فكان أقوى في رده إلى ربه، والمشترى من دار الحرب إنما دفعه الذي كان بيده طوعا، ولو شاء ما دفعه فهو أقوى في إمضاء ما فعل به من البيع. والله تعالى أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. إن لم يأخذه على رده لربه، هذا راجع لقوله: "وإن تصرف مضى"، ولا يرجع لما بعد الكاف؛ إذ لا يشترط ذلك في مضيه؛ يعني أنه إذا اشترق عبدا من الغنيمة وأعتقه، فإن ذلك يفوته على ربه حيث لم يأخذه الذي اشتراه على نية أن يرده، بأن اشتراه بنية تملكه بنفسه، وإلا بأن اشتراه على نية أن يرده لربه وأعتقه ففي مضيه على ربه وعدمه قولان. القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن: يمضي فليس لمالكه أخذه، ابن الكاتب: لا يمضي لأنه رضي أن يرده على صاحبه، والفرق بين المسألتين حيث جرى قولان في المغنم فيما إذا أخذه على أن يرده لربه دون المشتري من حربي، فلا فرق فيه بين أن يأخذه على أن يرده لربه وأن يأخذه بدون تلك النية فيفوت بالعتق مطلقا، قُوةُ تسلط المالك فيما أخذ من المغنم دون ما أخذ من الحربي، بدليل أن

стр. 3512

المالك لو جاء قبل القسم أخذه مجانا، وقوله: "قولان"، الراجح منهما عدم المضي كما نص عليه الشيخ إبراهيم والشيخ عبد الباقي. وفي الموجل تردد، حقه أن يقدمه على قوله: إن لم يأخذه على رده لربه؛ لأنه فيما إذا أخذه لا ليرده لربه؛ يعني أنه إذا أخذ العبد من الغنيمة لا ليرده لربه بل بنية تملكه بنفسه وأعتقه عتقا مؤجلا، فإنه اختلف في ذلك هل يكون مفوتا وهو للخمي، أو لا يكون مفوتا وهو لابن بشير؟ والراجح أنه مفوت، وقوله: "وفي المؤجل تردد"، قال الشارح ما نصه: اللخمي: بعد أن حكى خلاف ابن القاسم وأشهب في العتق الناجز والاستيلاد هل هو فوت أم لا؟ قال: ويختلف على هذا إذا أعتق إلى أجل، فعلى قول ابن القاسم: يمضي ذلك كله، وعلى قول أشهب: يرد، وإليه أشار بقوله: "وفي المؤجل تردد"، ثم قال: إن التردد هنا لعدم نص المتقدمين، وقال الحطاب موضحا لكلام المص ما نصه: اللخمي: المعتق لأجل كناجز. ابن بشير: إجراؤه عليه بعيد لتأخره. انتهى. ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه بدراهم مجانا؛ يعني أن من دخل دار الحرب فوهب له الحربي عبدا أو غيره هرب من مسلم أو ذمي، أوأغار عليه الحربي يأخذه ربه من الموهوب له مجانا أي بغير شيء، وهو يتنازعه "أخد"، "ووهبوه"، وقال أحمد: الأولى كونه معمولا لأخذ، واستبعد كونه متنازعا فيه، وكذا ما وهبه الحربي بدارنا قبل تأمينهم فله أخذه مجانا، ومر حكم ما باعوه أو وهبوه بدارنا بعد تأمينهم، وقوله: "ولمسلم أو ذمي أخذ ما وهبوه بدارهم مجانا"؛ أي بلا خلاف. وبعوض به؛ يعني أنه إذا وصل إلينا منهم شيء بعوض كبيع أو هبة ثواب وحصل، فإن المالك إنما يأخذ شيئه بذلك العوض أي بمثله في ذلك المحل مقوما أو مثليا؛ لأنه كمن أسلف عرضا، فإن عجز عن المثل في محلّه اعتبرت القيمة في العوض ولو كان مثليا، ومحل لزوم المثل ما لم يتراضيا على ما يجوز، ففي التوضيح: إنما يأخذه ربه بالثمن، فإن كان عينا دفع مثله حيث لقيه، وإن كان عرضا أو مثليا دفع إليه مثل ذلك ببلد الحرب إن كان الوصول إليها يمكن، كمن أسلف ذلك فلا يلزمه إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز. ابن يونس عن بعض شيوخنا: وإن لم يمكن الوصول إليها فعليه هنا قيمة ذلك الكيل ببلد الحرب. نقله الشيخ بناني.

стр. 3513

إن لم يبع، قيد في المسألتين؛ يعني أن محل كون المالك يأخذ شيئه مجانا أو بعوض، إنما هو حيث لم يبعه الموهوب له أو المعاوض، فأما إن باعه الموهوب أو المعاوض فإن ذلك البيع يمضي في المسألتين، وإذا مضى فليس للمالك أخذ شيئه لا مجانا ولا بعوض؛ أي لا يجبر المشتري على ذلك، وقد مر بعض هذا في قوله: "كالمشتري من حربي". ولمالكه الثمن أو الزائد؛ يعني أنه إذا لم يكن للمالك أخذ عين شيئه أي فيما إذا باعه الموهوب له أو المعاوض، فإن له الثمن على البائع إن كانت الهبة مجانا والزائد عليه إذا أخذه بعوض كان يأخذه من الحربي بمائة ويبيعه بمائتين فيأخذ المالك المائة الزائدة، فهو لف ونشر مرتب، وقوله: "ولمالكه"؛ أي المعين من مسلم أو ذمي كما هو الموضوع، وقوله فهم منه أنه لو باعه المشتري من الحربي بمثل ما أخذه منه أو بأنقص فلا رجوع للمالك الأصلي بشيء، وعبارة الشيخ الأمير: ولربه الثمن إن باعه أي ما أخذه مجانا كالزائد إن باعه بأكثر مما دفع. انتهى. وفهم من قوله: "ولمالكه الثمن أو الزائد"، أنه لا يرجع بالغلة وهو كذلك، وقوله: "إن لم يبع"، وأما الهبة فقال الشيخ علي الأجهوري: والأظهر أن الهبة فوت كالبيع والعتق. قاله بعض الشارحين. انتهى. والأحسن في المفدي من لص أخذه بالفداء، قوله: "المفدي"، بفتح الميم وكسر الدال لأنه من فدى كالمقليّ والمشوي لا من أفدى لأنها لغة ضعيفة. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلامه أن المال الذي فدي من أيدي اللصوص أي السراق والمحاربين أو الجيش أو ظالم أو سائر ما أخذ من صاحبه بغير رضاه اختلف فيه على قولين، أحدهما: أنه إنما يأخذه ربه بعد أن يدفع الفداء للذي فداه، قياسا على ما فدي من أيدي العدو. ابن عبد السلام: والذي كان يميل إليه بعض من نرضى من أشياخنا أنه لا يأخذه ربه إلا بعد دفع ما فدي به؛ لأنه لو أخذه من غير شيء مع كثرة أخذ اللصوص سد هذا الباب مع كثرة حاجة الناس إليه. ابن ناجي: وبه كان يفتي شيخنا الشبيبي، وإلى ما ذكره ابن عبد السلام أشار المؤلف بقوله: "والأحسن" الخ، وإنما يكون له الفداء إذا فداه لا ليتملكه، وإن كان ليتملكه لم يرجع بشيء،

стр. 3514

كما أنه لا يرجع بشيء إذا أمكنه التخليص بدون فداء، ويرجع بما يتوقف خلاصه عليه فقط في فدائه بأكثر مما يمكن عادة، وانظر لو تنازع المالك مع الفادي في أن الفداء للتملك أو للرجوع من يعمل بقوله؟ ثانيهما: أنه يأخذه ربه بغير شيء؛ لأن اللص لا يملك المسروق ولا شبهة له فيه. ابن راشد: وهو الأقيس. ابن ناجي: ولا يبعد أن يكون مراد القول الثاني حيث أخذه ليتملكه أي فيرجعان إلى الوفاق. قاله الشيخ بناني. وفي نوازل ابن هلال: وأما أخذ ما ينوب اليتيم من الضيافة ونحوها من ماله مداراة فلا يحل ذلك إلا إن خيف على ماله من أولئك الظلمة، وتحقق أنه إن لم يعط منابه استولوا عليه وصرحوا بذلك، وقال الشيخ الأمير: وما فدي من نحو لص الأظهر أخذه بما لا يمكن تخليصه إلا به، ما لم ينو الفادي التملك فلا شيء له ولو جاهلا بحاله، ويرجع على بائعه كالاستحقاق. انتهى. وقوله: "والأحسن"، مصب الاستحسان القول بوجوب الفداء؛ أي الأحسن من القولين القول بأنه إنما يأخذه بالفداء، وليس المراد أن أخذ المفدي من لص بالفداء مستحب كما هو ظاهر. انظر الشبراخيتي. وقوله: "والأحسن في المفدي" الخ، وهل تجوز الإجارة للفادي؟ التوضيح: لا شك في المنع إن دفع الفداء من عنده لأنه سلف وإجارة، وإن كان الدافع غيره ففي ذلك مجال للنظر. ولما قدم المص الحكم فيما اشتري من أيدي العدو وهو تخيير مالكه في أخذه بالعوض وتركه ملكا للمعاوض عليه، وكان ذلك في كل ما ليس فيه شائبة من حرية، ذكر ما إذا عاوضهم على ما فيه شائبة حرية من كتابة أو تدبير أو عتق لأجل، وهو أنه يخير ربه في أخذه بالعوض فيرجع لحاله كما مر، وفي إسلامه وهو ما أشار إليه بقوله: وإن أسلم لمعاوض مدبر ونحوه استوفيت خدمته؛ يعني أن المدبر ونحوه وهو المعتق إلى أجل إذا فداهما سيدهما ممن عاوض عليهما فإنهما يرجعان لحالهما من تدبير وعتق لأجل، وأما إن أسلمهما لمن عاوض عليهما من أيدي العدو فإن خدمتهما تستوفى، فإن وقت من المدبر ما عليه قبل موت سيده ومن المعتق لأجل قبل حلول أجله فلا كلام للمعاوض لوصوله إلى ما دفعه.

стр. 3515

ثم هل يتبع إن عتق بالثمن أو بما بقي قولان؟ يعني؛ أنه إذا لم يوف كل منهما قبل ذلك وتحرر كل منهما بأن تم الأجل وحمل المدبر ثلث السيد، فإنه اختلف هل يتبع كل واحد منهما بجميع الثمن ولا يحتسب بما أخذ قبل تحررهما؟ وهو لسحنون بناء على أنه أخذه تمليكا، أو إنما يتبع كل منهما بما بقي بناء على أنه أخذه تقاضيا، وهو لمحمد. قال الشيخ عبد الباقي: وهو الراجح. قال الشيخ محمد بن الحسن: اعتمد في ترجيحه على ما يظهر من كلام المواق، كما صرح به الأجهوري، والذي يفيده كلام ابن الحاجب أن الأول هو الراجح، وعطف الثاني عليه بقيل. انتهى. لكن قال المص في التوضيح: ظاهر كلام المص أن اتباعه بالجميع هو المشهور، ولم أر من شهره. انتهى. قاله الحطاب. وعلى قول سحنون ومحمد: لو استوفى فداءه منها قبل أجله، ففي كون باقيها له أو لربه قولان، وقد سبق أنهما إذا وقعا في القاسم أو اشتريا منها لا يتبعان إلا بما بقي عليهما فقط بلا خلاف كما يفيده غير واحد، وقال الأجهوري: إنه لا فرق بين هذه المسألة ومسألة المدبر السابقة التي جزم فيها بأنه يتبع بما بقي، إلا أن تلك هو فيها مشترى من الغنيمة وهذه من الحربي. والمذهب فيهما واحد أنه يتبع بما بقي، والمسألتان فيهما القولان. نقله الشيخ إبراهيم. وقوله: "مدبر ونحوه"، لا يدخل في نحوه أم الولد، فإن السيد يجبر على فدائها. وعبد الحربي يسلم حر إن فر؛ يعني أنه إذا أسلم عبد الحربي وفر إلى بلاد الإسلام قبل إسلام سيده فهو حر بلا خلاف، وكذا يكون حرا إن فر إلينا ولم يسلم، ولو استمر كافرا عندنا وكان سيده مسلما. وبما قررت علم أن قوله: "يسلم"، لا مفهوم له، وإنما أتى به لأجل قوله: أو بقي حتى غنم فإن قيد الإسلام فيه معتبر، وقوله: "وعبد الحربي" الخ، اعلم أنه إذا قدم بمال فإنه لا يخمس بل يكون له بلا تخميس، وعبارة الشيخ إبراهيم: وقوله: "إن فر"، شرط في تحريره مطلقا أسلم أم لا. ابن رشد: لأن المذهب أن العبد حر بخروجه إلينا كافرا. انتهى. فلا مفهوم لقوله: "يسلم"، وإنما يشترط الإسلام في التي بعدها، وهذا إذا فر قبل إسلام سيده. أو بقي حتى غنم؛ يعني أن عبد الحربي إذا أسلم وبقي في بلاد الحرب حتى غنمه المسلمون قبل إسلام سيده فهو

стр. 3516

حر، وقال الشيخ الأجهوري: لو قال: وعبد الحربي حر إن فر أو أسلم وبقي حتى غنم قبل إسلام سيده فيهما ويحذف: لا إن خرج، لكان أشمل وأظهر وأخصر. ولما حكم بحريته في الصورتين المذكورتين، ذكر عدمها في صورتين أشار إلى الأولى منهما بقوله: لا إن خرج بعد إسلام سيده؛ يعني أن عبد الحربي إذا خرج إلينا من دار الحرب فارا مسلما بعد إسلام سيده، فإنه يكون رقيقا له أو بمجرد إسلامه؛ يعني أن عبد الحربي لا يكون حرا بمجرد إسلامه، بل حتى يفر أو يغنم، فالضمير في إسلامه للعبد، وقوله: "أو بمجرد"، عطف على معنى إن خرج أي لا بخروجه ولا بمجرد إسلامه، وقال أشهب وسحنون: يكون حرا بمجرد الإسلام، والمشهور خلافه وهو مذهب المدونة. والحاصل أن عبد الحربي إذا أسلم قبل سيده فإنه يكون حرا إن فر إلينا أو بقي حتى غنمه المسلمون قبل إسلام سيده فيهما، وأما إن أسلم السيد قبل العبد أو أسلما معا فإنه لا يزول عنه ملك سيده، ولو فر إلينا فيهما كما لو أسلم السيد بعد إسلامه لكن قبل أن يفر إلينا. والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي: أنه إذا لم يصل إلينا لا يكون حرا، وحيث تحرر العبد فلا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك، (وقد أعتق النبي ﷺ عبيد أهل الطائف لخروجهم مسلمين (١))؛ أي حكم بما وقع فيهم من العتق لا أنه أنشأه. قاله الأجهوري. وأعتق أبو بكر بلالا إذ أسلم فأعتقه والدار دار شرك وكان الولاء له رضي الله تعالى عنه، فلو انتقل ملك ربه عنه بمجرد إسلامه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر، وعلى قول أشهب وسحنون يكون الولاء للمسلمين ولا يمضي بيعه إذا باعه سيده، وذلك لحر مسلم فدى، وعلى مذهب المدونة يكون الولاء لمن اشتراه وأعتقه لمضي البيع، ولو فر وادعى أن فراره قبل إسلام سيده وكذبه السيد فالظاهر قبول قول السيد، كما أن الظاهر قبول قول السيد إذا أسلم العبد وبقي حتى غنم، وادعى السيد أنه أسلم قبل ذلك، وأما إذا بقي العبد حتى غنم فادعى أنه أسلم قبل فلا يقبل قوله لتعلق حق الغانمين به.

стр. 3517

وهذم السبي النكاح؛ يعني أنا إذا سبينا زوجين كافرين فإن ذلك السبي يهذم النكاح بينهما سبيا معا أو مترتبين أو سبيت هي قبل إسلامه وقدومه بأمان، أو قبل إسلامه وبعد قدومه بأمان أو سبي هو فقط. فينهذم النكاح بينهما في هذه الأقسام، وعلى السبية الاستبراء بحيضة ولا عدة عليها لأنها أمة يحل للسابي وطؤها بعد حيضة الاستبراء، ولا فرق في انهذام النكاح فيما إذا سبيا مترتبين بين أن يكون حصل إسلام بين سبيهما، وبين أن يكون حصل بعده مطلقا أي منه أو منها، كما أنه لا فرق بين انهذامه أيضا إذا سبيت هي قبل إسلامه وقدومه بأمان بين أن يبقيا على كفرهما وبين أن يسلما بعد سبيهما، ولو تقدم إسلامه على إسلامها. والحاصل أن السبي يهذم النكاح سبيا معا أو مفترقين قدم أحدهما بأمان أم لا، ولا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد؛ هذا هو المشهور، وقيل: يقر عليها فيما إذا سبيت قبل إسلامه وبعد قدومه بأمان إن أسلم وأسلمت أو عتقت في العدة، وفيما إذا بقي هو ثم أسلم في عدتها مطلقا كبعدها إن لم تسلم ولها الخيار فيهما إذ هي حرة تحت عبد السابي. ألا أن تسبي وتسلم بعده؛ يعني أن الحكم على ما ذكر إلا في صورة واحدة، وهي أن يكون سبيها وإسلامها وقعا بعد إسلام زوجها حربيا أو مستأمنا، فلا يهذم السبي النكاح بل يكون زوجها أحق بها لأنها أمة مسلمة تحت مسلم، وهذا الاستثناء مقيد بأن يكون الزوج أسلم من غير سبي وهو في دار الحرب أو مؤمن، وبما إذا أسلمت قبل حيضة، وبما إذا لم يبعد ما بين إسلامها وإسلامه، ومثل إسلامها عتقها، وقوله: "بعده"، يتنازعه الفعلان، وقوله: "وهدم" بدال مهملة ومعجمة، ومعنى هذم بمعجمة: قطع بسرعة، وبمهملة: أسقط ونقض، والضمير في قوله: "بعده"، يعود على إسلام الزوج، وقوله: "وهذم السبي النكاح"، الأصل فيه ما روى ابن وهب عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: أصبنا سبيا يوم أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فاستحللناهن أي أن المحصنات وهن ذوات الأزواج محرمة عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، فإن ذلك يهذم النكاح.

стр. 3518

تنبيه: اعلم أنه يصدق التجار الكفار في الزوجية بين المملوكين لأن هذا إقرار وليس بشهادة، ولا يكتفى بقول الرقيق إن بينهم نكاحا. وولده وماله فيء مطلقا؛ يعني أن ولد الحربي الذي أسلم وفر إلينا أو بقي حتى غزا المسلمون بلده فغنموا ولده، وكانت أمه قد حملت به قبل إسلام أبيه فيء؛ أي غنيمة للجيش الذي دخل بلاده، ولو عبر بغنيمة كان أولى، سواء كان الولد صغيرا أو كبيرا، جاء الحربي الذي أسلم وترك ولده أو لم يجيء كما مر، وهذا هو معنى قوله: "مطلقا"، وأما إن حملت به بعد إسلام أبيه فحر اتفاقا، وأما زوجته فغنيمة اتفاقا وكذا مهرها، وكما أن ولده فيء كذلك ماله فهو فيء أي غنيمة مطلقا، سواء كان عندنا وترك ماله في بلده أو كان باقيا بدار الحرب مع ماله كما هو مذهب ابن القاسم وروايته، وقال التونسي: إذا كان باقيا بدار الحرب مع ماله يكون له. سحنون: وقال بعض الرواة إن كان الولد صغيرا فهو تبع لأبيه وكذلك ماله، وإن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن. ابن حارث: وقيل: إن ضموا المال إلى أموالهم لأجل إسلامه فهو فيء، وإن تركوه فهو له، وإن قسم أخذه بالثمن، وقيل: الأولاد مطلقا تبع. والحاصل أن في كل من الولد والمال ثلاثة أقوال، والمشهور منها ما مشى عليه المص وهو مذهب المدونة. قاله الشارح. لا ولد صغير لكتابية سبيت؛ يعني أن الكتابية الذمية الحرة إذا سباها العدو وحدث لهم منها ولد بدار الحرب، ثم غنم المسلمون الحرة وأولادها، فإن ولدها الصغير الذي ولد بدار الحرب لا يكون فيئا بل يكون حرا تبعا لأمه، بخلاف الأولاد الكبار فإنهم يكونون فيئا كما أفاد ذلك بقوله: "صغير". أو مسلمة؛ يعني أن العدو إذا سبوا حرة مسلمة -والعياذ بالله تعالى- وحدث لهم منها ولد ثم غنم المسلمون تلك الحرة المسلمة وولدها، فإن أولادها الصغار يكونون أحرارا تبعا لأمهم. وهل كبار المسلمة فيء أو إن قاتلوا؟ يعني أن المسلمة الحرة إذا سباها العدو وولدت منهم ثم إن المسلمين غنموا تلك الحرة المسلمة وأولادها، فإن أولادها الكبار يكونون فيئا، أما إن قاتلوا فيكونون فيئا اتفاقا، وأما إن لم يقاتلوا فهل يكونون فيئا أو يكونون أحرارا تبعا لأمهم؟ في ذلك تأويلان على قول المدونة، وأما الكبار فيكونون فيئا إذا قاتلوا، فحملها ابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب على ظاهرها، ورأى ابن شبلون أن الشرط لا مفهوم

стр. 3519

له، وأن المقصود أن يكونوا على حال يمكنهم القتال، وقد أخرج المص رحمه الله تعالى أولاد الذمية الكبار بقوله: "وهل كبار المسلمة"، فأولاد الذمية الكبار فيء اتفاقا، ومعنى الفيء هنا أن ما ذكر غنيمة كما في الأمير. وولد الأمة لمالكها؛ يعني أن أولاد الأمة التي سباها العدو وولدت عندهم ثم يغنمها المسلمون وأولادها يكونون لمالكها مسلما أو ذميا، كانوا صغارا أو كبارا من زوج أو غيره؛ لأن الولد تابع لأمه في الرق والحرية ويتبع أباه في الدين وأداء الجزية، وصرح أبو الحسن علي بأن ولد الزنى يتبع أمه في الرق والحرية والإسلام، وفي ابن ناجي على المدونة ما يفيده، وبه تعلم ما في شرح الشيخ سالم. قاله عبد الباقي وغيره. وما ذكر المص من أن ولد الأمة لمالكها هو المشهور، وقال ابن الماجشون: هم فيء، وفرق سحنون فقال: ما ولدته من زوج فهو لمالكها، وما ولدته من غيره ففيء. ابن عبد السلام: والظاهر في النظر هو المشهور؛ لأن الولد تابع لأمه في الرق ولا مالك هنا سوى مالك أمه. ولما أنهى الكلام على قتال الكفار، أتبعه بما ينشأ عنه من جزية ومهادنة وفك أسير وغير ذلك من متعلقاته، وبدأ بالكلام على الجزية لأنها الأمر الثاني المانع من القتال كما مر في قول المص: "ودعوا للإسلام ثم جزية" فقال:

стр. 3520

فصل: في ذكر عقد الجزية وما يتعلق بها وهي بكسر الجيم مأخوذة من المجازاة والجزاء لكفنا عنهم وتمكينهم من سكنى دارنا، وقيل: من جزى يجزي إذا قضى، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي لا تقضي، وفي الشبراخيتي: وسميت جزية لأنها جزت عن القتال أي كفت عنه. انتهى. وجمع الجزية الجزى بالكسر وهي عنوية وصلحية، فالعنوية قال ابن عرفة: الجزية العنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، والصلحية ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، وأخرج بقوله: منع نفسه العنوية فإنها تضرب عليه بعد القهر والأسر، وقوله: منع نفسه، جملة من فعل وفاعل ومفعول. وقوله: أداءه، مفعول التزم، ومقتضاه أن التراضي معهم على ترك المقاتلة بمال مع عدم كونهم تحت حكم الإسلام لا يكون جزية صلحية، وسيأتي في تعريف المهادنة ما يفيده، وحكمها الجواز، وقد تترجح للمصلحة، وقد تتعين عند الإجابة إليها قبل القدرة. وفي الجواهر: عقد الذمة التزام تقريرهم في دارنا وحمايتهم، والذب عنهم بشرط بذل الجزية والاستسلام من جهتهم، وينتهي حكم الجزية إلى نزول السيد عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ثم لا يقبل إلا الإيمان، قال الأبي عن القاضي عياض في قوله ﷺ : (ويضع الجزية (١))؛ أي لا يقبلها لفيض المال وعدم النفع به حينئذ، وإنما يقبل الإيمان، وقد يكون معنى وضعها ضربها لجميع أهل الكفر: لأن الحرب تضع حينئذ أوزارها ولا يقاتله أحد. انتهى. قال العلماء: الحكمة في ضرب الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام، ويدل لهذا أنه لما حصل صلح الحديبية وخالط المسلمين الكفار آمنين أسلم بسبب ذلك خلق كثير من صناديد قريش، مثل من كان قبل ذلك في الإسلام أو أكثر، واختلف في سنة مشروعية الجزية، فقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، والأصل فيها الآية الكريمة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

стр. 3521

صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ ويبحث في هذا الفصل عن خمسة أشياء: العقد، والعاقد، والمعقود معه، والكان الذي يسكنه الذمي، والمال الذي يلتزم أداءه. وبدأ بالأولين فقال: عقد الجزية إذن الإمام: يعني أن العقد للجزية هو أن يأذن الإمام ممن سيذكره من الكفار أن يسكن بحيث تنالهم أحكامنا على ما سيذكر بعد إن شاء الله تعالى، وإضافة العقد للجزية صحيحة وهي بمعنى اللام، وأشار إلى الثالث بقوله: كافر؛ يعني أنه يعقد الجزية على الكفار أي يلزمها لهم إذن الإمام لهم في سكنى غير مكة الخ. قال الشيخ عبد الباقي وغيره: فتؤخذ منهم الجزية ولو كانوا قريشا على الراجح، وما للشارح أنه لا تؤخذ منهم، طريقة كما في التتائي. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله: فتوخذ منهم؛ أي لأنه المشهور عند ابن الحاجب، وقال المازري: إنه ظاهر المذهب وهو مقتضى إطلاق المص، وهذه طريقة، ولابن رشد طريقة أخرى لا تؤخذ منهم إجماعا، إما لمكانتهم أي قرابتهم من رسول الله ﷺ كما لابن الجهم، وإما لأن قريشا أسلموا كلهم كما للقزويني، فمن وجد منهم كافرا فمرتد. المازري: وإن ثبتت الردة فلا يختلف في عدم أخذها منهم، وقوله: "لكافر"؛ أي لكل كافر؛ لأن النكرة في سياق الإثبات قد تعم نحو: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، قاله غير واحد. ونظر فيه الشيخ بناني، وقال: الصواب أنه مطلق لا عام لاقتضاء العموم أنه لا يحصل بالإذن لبعضهم وليس كذلك. صح سباؤه، بالمد أي أسره، واحترز المص بالإمام من غيره فلا يصح عقدها بغير إذنه، لكن يمنع من القتل والأسر، ويجب على الإمام إذا بذلوه ورآه مصلحة إمضاؤه إلا أن يخاف غائلتهم، وأتى بقوله: "كافر"، توطئة لقوله: "صح سباؤه"، وأخرج بقوله: "صح سباؤه" المرتد، فلا يقر على ردته، والمعاهد قبل انقضاء عهده ولو طال مقامه عندنا، فلا يصح سباؤه إلا أن يضربها الإمام عليه حين يريد الإقامة فيصير من أهلها، وليس له حينئذ الرجوع على أحد قولين في ابن الحاجب، قال الشيخ عبد الباقي: ومحلهما بعد الوقوع، وأما ابتداء فلا يجوز ضربها عليه لدخوله بأمان كما في العجماوي وابن مرزوق. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، بل ظاهر كلام ابن الحاجب جوازه ابتداء، ونصه: فلو قدم حربي فأراد الإقامة نظر السلطان، فإن

стр. 3522

ضربها عليه ثم أراد الرجوع ففي تمكينه قولان. انتهى. القول بتمكينه لمالك في الموازية، واستحسنه ابن القاسم، وقال محمد: لا يمكن من الرجوع والأظهر المنع، وأخرج به أيضا الراهب والراهبة الحرين، ويخرجان أيضا بقوله الآتي: "مخالط". مكلف؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر أيضا أن يكون مكلفا، فلا تؤخذ من مجنون ولا من مختبل ولا من صغير، فإن بلغ أخذت منه عند بلوغه ولا ينتظر، فلا يجعل البلوغ بمنزلة ضربها حتى ينتظر به حول من يومه، ولعله مراعاة لقول أبي حنيفة: تؤخذ أول السنة، أو لمن يقول بعدم اشتراط التكليف، أو لأنها في نظير استقراره ببلدنا وصون دمه عن السفك، وكذا يقال فيما يظهر في قوله: حر؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر مع الشرطين المتقدمين أن يكون حرا، فلا تؤخذ من العبيد، وتؤخذ من العبد فيما يظهر عند عتقه كالصبي، ومحل ضربها عند البلوغ والحرية إذا تقدم لضربها على كباره الأحرار حول فأكثر، وتقدم له هو حول عندنا صبيا أو عبدا، وإلا فهو كغيره في عدم الأخذ، وإذا أخذت من العبد عند عتقه والصبي عند بلوغه فالظاهر أنها تؤخذ ثانيا بمرور حول من يوم أخذها منه عند بلوغه وحريته، والظاهر أنها تؤخذ من المجنون عند إفاقته قياسا على ما تقدم في الصبي إذا بلغ، وينتظر حولا من يوم الإفاقة، ولا يطالب الفقير بما مضى قبل غناه إذا استغنى، قال عبد الباقي: بل يبتدأ له حول من يوم غناه. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر وقت الأخذ من السنة، فإن كان غنيا حينئذ أخذت منه وإلا سقطت. وقال الشيخ الأمير: وأخذت آخر الحول من الضرب وبمجرد صيرورته من أهلها بعد أن لم يكن كذلك، كراهب رفض الترهب، وصبي بلغ إن مضى له ولأهله عندنا حول ثم يصير مستقبلا بحول ولا يضم لهم، اللهم إلا أن ينزل بهم حاكم كساعي الزكاة. قادر؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية مع ما مر من الشروط أن يكون الكافر المأخوذ منه قادرا على أداء جميع الجزية أو بعضها، لا إن كان فقيرا لا يقدر على أداء شيء منها فإنها ساقطة عنه. مخالط؛ يعني أنه يشترط في أحذ الجزية من الكافر مع ما مر من الشروط أن يكون مخالطا لأهل دينه، ولو راهب كنيسة أو شيخا فانيا أو زمنا أو أعمى ولا رأي لهم، فيجوز استرقاقهم وضرب

стр. 3523

الجزية عليهم، وإن كان لا يجوز قتلهم ما عدا راهب الكنيسة فإنه يجوز قتله كما مر، وخرج راهب منعزل بدير أو صومعة أو غار بلا رأي فإنها لا تضرب عليه؛ ولو ترهب بعد عقدها ففي سقوطها قولان: الأول لابن القاسم وصححه صاحب الشامل، والثاني لطرف وابن الماجشون، قال عبد الباقي: وأما من له رأي من هؤلاء فيقتل ولا يبقى حتى تضرب عليه. انتهى. محمد بن الحسن: قول الزرقاني: ولا يبقى حتى تضرب عليه الخ فيه نظر، بل للإمام الاجتهاد فيه بالقتل أو غيره. انتهى. وقوله: "مخالط" يغني غنه قوله: "صح سباؤه". لم يعتقه مسلم؛ يعني أنه يشترط في أخذ الجزية من الكافر مع ما مر من الشروط أن لا يعتقه مسلم ببلد الإسلام، وإلا لم تؤخذ منه، والعبرة بمحل العتق ولو كان العتق بفتح التاء بمحل آخر. قاله الشيخ عبد الباقي. فإن أعتقه ببلاد الحرب أخذت منه كما إذا أعتقه غير مسلم. والحاصل أن العبد الكافر إذا أعتق لا يخلو إما أن يعتق بدار الحرب وهذا تضرب عليه الجزية بكل حال سواء أعتقه حربي أو ذمي أو مسلم، وإما أن يعتق بدار الإسلام وهذا إن أعتقه مسلم فلا تضرب عليه الجزية إلا إذا حارب وأسر، وهذا خارج بقوله: "صح سباؤه" وإن أعتقه كافر ضربت عليه الجزية، وإن كان السيد المعتق ذميا تبعا لسيده وإن لم يصح سباؤه وهذا وارد على المص، فلو قال: صح سبيه أو أعتقه ذمي لوفى به. إذا عرفت هذا، فقوله: "لم يعتقه مسلم"، لا حاجة إليه للاستغناء عنه بقوله: "صح سباؤه"، بل هو نص لاقتضائه أن معتق المسلم إذا حارب لا تضرب عليه. والله تعالى أعلم. وانظر فيمن أعتقه مسلم وكافر مشتركا بينهما، هل تبعض عليه أو لا تؤخذ منه نظرا لعتق المسلم أو تؤخذ منه نظرا لعتق الكافر؟ واستغنى عن الذكورة لإتيانه بالأوصاف مذكرة، فعلى هذا يستفيد أن الخنثى المشكل لا جزية عليه؛ لأنه ليس بذكر محقق، ومرادهم بالذكورة: المذكورة المحققة. قاله الشيخ إبراهيم. وأشار إلى الرابع بقوله: سكنى غير مكة والمدينة واليمن. هذا تفسير لجزيرة العرب الواردة في الحديث، أعني قوله ﷺ : (لا يبقين دينان بجزيرة العرب (١))، وهي مأخوذة من الجزر الذي هو القطع لانقطاع المياه عن وسطها إلى جوانبها، وجزيرة العرب قد احتف بها بحر

стр. 3524

القلزوم من جهة المغرب، وبحر فارس من جهة المشرق، وبحر الهند من جهة الجنوب، ومعنى كلام المص أن عقد الجزية أي الأمر الذي يلزم الكفار الجزية هو أن يأذن لهم الإمام في سكنى موضع أي موضع تنالهم فيه أحكام الإسلام بحيث لا يمكنهم نقض عهد، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾؛ أي أذلاء منقادين ما عدا جزيرة العرب وهي مكة والمدينة وما في حكمهما من أرض الحجاز واليمن للحديث المتقدم، ولقوله ﷺ : (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب (١))، ولقوله ﵊: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب (٢))، وقوله ﵊: (لا يبقين دينان بجزيرة العرب) أي لأنها أرض الإسلام، فكره بقاءهم بها لغوائلهم ومكرهم واطلاعهم على أحوال المسلمين، ولا يقال: كلامه يقتضي غير مكة والمدينة واليمن من بقية أرض الحجاز، وليس كذلك؛ لأن قوله: "واليمن"، يفهم منه منع سكناهم بأرض الحجاز، وكما لا يسكنون جزيرة العرب لا يدفنون بها، وحكم العبيد حكم الأحرار، وهو قول عيسى بن دينار خلافا لابن مزين، وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري أي وهو آخر العراق وأول الشام إلى أقصى اليمن طولا، وفي العرض ما بين رمل يبرين أي وهو آخر حد اليمن إلى منقطع السماوة أي وهو آخر الشام من جهة اليمن وهو آخر بلاد سبإ، وكان يخرج من سبإ لهذه بلا زاد وهي مسيرة شهر وعشرين يوما لكثرة القرى. وبما قررت علم أن قوله: "سكنى"، منصوب بنزع الخافض متعلق بقوله: أذن، وقد علمت أنهم يمنعون من السكنى بجزيرة العرب، وحينئدت فيؤمرون بالانتقال منها إن سكنوها، فإن أبوا قوتلوا. ولهم الاجتياز؛ يعني أن أهل الذمة عنويين أو صلحيين إن منعوا من السكنى في جزيرة العرب لا يمنعون من الاجتياز أي المرور بها، وظاهره ولو لغير حاجة ككون طريقه من غيرها أقرب، وكذا لهم إقامة ثلاثة أيام إن احتاجوا لها لدخولهم أيام عمر بجلبهم الطعام إلى المدينة من الشام، وضربه لهم ثلاثة أيام يستوفون ثمنه وينظرون في حوائجهم. وقد علمت أنهم يمنع أحرارهم من

стр. 3525

السكنى بجزيرة العرب ويخرجون منها، فإن أبوا قوتلوا، واختلف في العبد هل يمنع ويخرج كالحر، وهو قول عيسى؟ أو لا وهو قول ابن مزين؟ قيل لعيسى: فما لأبي لؤلؤة؟ قال: قد أراد عمر إخراجه مع من أخرج، وقال ابن مزين: إنما كره عمر ﵁ أبا لؤلؤة ونحوه لغوائلهم. وأشار للخامس بقوله: وبمال، متعلق "بسكنى"، والباء للسببية؛ يعني أن عقد الجزية هو أن يأذن لهم الإمام أن يسكنوا في مواضع المسلمين بسبب مال يدفعونه للمسلمين عن يد وهم صاغرون، ويصح تعلقه بإذن أي أن عقد الجزية هو أن يأذن الإمام في السكنى المذكورة إذنا مصحوبا بمال، أو مع مال يؤدونه له عن يد وهم صاغرون، ولو أقرهم من غير جزية أخطأ، ويخيرون بين الجزية والرد إلى المأمن، ولو مر مشرك بالحرم فمات به لم يدفن فيه، فإن دفن فيه نبش عليه وأخرج من قبره. نقله الأبي عن النووي. قاله أحمد. ومثله في السنهوري دون عزو، وبحث فيه بأمره ﷺ بمواراة أبي طالب بمكة، ولم يأمر ﷺ بإخراجه للحل. للعنوي، نسبة إلى العنوة، قال في التنبيهات: أرض العنوة بفتح العين التي غلب عليها أهلها قهرا. أربعة دنانير، الجار والمجرور خبر عن المبتدإ بعده، واللام بمعنى على، وهذا تبيين للمال المتعاقد عليه؛ يعني أنه يضرب على كل مكلف من أهل العنوة بفتح العين أربعة دنانير شرعية، قال عبد الباقي: وهي أكبر من دنانير مصر وهي بدنانير أهل مصر الآن أربعة وثلثا دينار وثلاثة أسباع تسع دينار. انتهى. وقوله: "أربعة دنانير"؛ يعني إن كان الكفار من أهل الذهب أو أربعون درهما؛ يعني أن الكفار أهل الذهب يضرب على كل مكلف منهم أربعة دنانير كما علمت، وأما إن كانوا أهل ورق فإنه يضرب على كل مكلف منهم أربعون درهما، والمراد بالدرهم هنا الدرهم الشرعي، فإن كانوا أهلهما روعي الأغلب إن كان وإلا خير الإمام، وأهل مصر أهل ذهب، فإن كانوا أهل إبل فما راضاهم عليه الإمام أي راضاهم عليه ابتداء أو عند الأخذ، فإن لم يقع بينهم وبينه مراضاة فالظاهر أنه يؤخذ منهم من الإبل بقدر أربعة دنانير، وكذا أهل المعز والضأن والعروض، ويؤخذ منهم ما راضاهم عليه الإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال

стр. 3526

الشبراخيتي: والأربعون درهما الشرعية سبعة وثلاثون درهما مصرية وثمن درهم، وإن كانوا أهل إبل فما راضاهم عليه الإمام. انتهى. في سنة؛ يعني أن الجزية المذكورة تؤخذ من الكفار في كل سنة، فمن كان منهم غنيا يؤخذ منه القدر الذي ذكر، ومن لم يكن قادرا على شيء سقطت عنه ولا يطلب بما مضى بعد غنائه. والظاهر آخرها؛ يعني أنه اختلف هل تؤخذ منهم الجزية أول الحول وهو مذهب أبي حنيفة؟ أو آخره وهو مذهب الشافعي؟ قال الباجي: ولم أر في ذلك نصا لأصحابنا، والذي يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ آخر السنة كالزكاة، وكلام الباجي هذا موافق لقول ابن رشد، وليس عند مالك وأصحابه في ذلك نص، والظاهر من مذهبه وقوله في المدونة أنها تجب بآخر الحول وهذا هو معنى كلام المص: والظاهر آخرها، ولا فرق في ذلك بين العنوي والصلحي إذا وقعت مبهمة، وقوله: "والظاهر آخرها" ينبغي تقييده بما إذا كان يحصل له فيه اليسار، فإن كان إنما يحصل له أولها أخذت فيه؛ لأن تأخيرها يؤدي إلى سقوطها، وآخرها منصوب بنزع الخافض أي حلولها في آخرها، أو مرفوع مبتدأ وخبره محذوف أي حلولها. ونقص الفقير بوسعه؛ يعني أن الفقير ينقص عنه من الجزية فيؤخذ منه بقدر وسعه أي طاقته وتؤخذ من الفقير الذي يجد من أين يؤديها ولا كبير إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها ولا على شيء منها ولا يطلب بها بعد غناه، وتخفف عمن حاله بين هذين على نظر الإمام في ذلك، ويؤخذ منه بقدر وسعه ولو درهما ويسقط عنه ما ليس في وسعه، وإن أيسر بعد ذلك لم يؤخذ منه ما نقص لضيقه، هذا هو المشهور. وقال ابن حبيب: لا تؤخذ الجزية من الفقير، واستحسنه اللخمي، وقوله: "بوسعه"، متعلق بمقدر كما قررت؛ أي وأخذ منه بقدر وسعه. ابن شاس: قال القاضي أبو الوليد: من اجتمعت عليه جزية سنين إن كان فر منها أخذت منه لما مضى، وإن كان لعسر لم تؤخذ منه ولا يطلب بها بعد غناه. ولأ تزاد؛ يعني أن الجزية لا تزاد على القدر المذكور، فلا يزاد الغني على ما ذكر ولو كثر يساره، فلا يزاد الذهبي على أربعة دنانير ولا الورقي على أربعين درهما، وقيل: يزاد على من قوي علي ذلك. وللصلحي ما شرط؛ يعني أن الصلحي وهو من فتحت بلدته صلحا جزيته تكون بقدر ما شرط هو ورضي به الإمام

стр. 3527

قليا، أو كثيرا، قال عبد الباقي والشبراخيتي: فلو لم يرض الإمام فله مقاتلته، ولو بذل أضعاف ما بذل العنوي وهذا هو المذهب، وبهذا يعلم أن قوله: "والظاهر إن بذل الأول" مقابل لهذا، وسيأتي البحث معهما. وإن أطلق فكالأول؛ يعني أن الصلحي إذا أقر على الجزية من غير تعيين لقدر فإنه يكون كالأول أي العنوي، فتؤخذ منه أربعة دنانير أو أربعون درهما. والظاهر إن بذل الأول حرم قتاله؛ يعني أن ابن رشد استظهر من عند نفسه أن الصلحي إذا بدل أي أعطى القدر الأول أي الذي مر أنه يضرب على العنوي، فإنه يحرم قتاله في سنة البذل وغيرها، فحقه أن يعبر بالفعل لأنه من عند نفسه وقد علمت ما مر عن عبد الباقي والشبراخيتي من أن هذا ضعيف مقابل لما مر من أن الصلحي عليه ما شرط ورضي به الإمام، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والصواب أن ما لابن رشد تقييد لما قبله الذي هو نص ابن حبيب، ولذا اعتمده المؤلف ولا معنى لإطلاق ابن حبيب مع قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية. والله أعلم. انظر المواق. ولعبد الباقي هنا فرع هو عين فرع المص، وليس بزائد عليه كما يوهمه والله سبحانه أعلم. مع الإهانة عند أخذها؛ يعني أنه يجب عند أخذ الجزيتين العنوية والصلحية الإهانة أي الإذلال لهم، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، عن يد أي استعلاء منكم عليهم أو نقدا يدا بيد أو بأيديهم ولا يرسلون بها، وصاغرون ماشون كارهون. قاله ابن عباس وسلمان. مذمومون غير محمودين ولا مأجورين، وهو أنه إذا أداها صفع في قفاه، ويؤخذ من كلامهم عدم قبول النائب في ذلك؛ لأن المقصود حصول الإهانة والإذلال لكل واحد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام، وقال المغيلي: ومن صفة ذلك أي إهانتهم عند أخذها أن يجمعوا يوم أخذها بمكان مشتهر كسوق، ويحضروا فيه قائمين على أقدامهم وأعوان الشريعة فوق رؤوسهم بما يخوفهم على أنفسهم حتى يظهر لهم ولغيرهم أن مقصدنا منهم إظهار ذلهم لا أخذ أموالهم، ويرون أن الفضل لنا في قبولها منهم وتركهم، ثم يجذب كافر بعد كافر لقبضها، ويصفع على عنقه ويدفع دفعا كأنما خرج من تحت السيف: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. وعن المغيرة بن شعبة أنه قال لرستم: تعطي الجزية عن يد وأنت صاغر،

стр. 3528

فقال لترجمانه: أما الجزية فقد عرفتها، فما قوله: وأنت صاغر؟ وقد سألوا عن الجزية، قال: تؤخذ منكم الدراهم والتراب على رءوسكم. قاله التتائي. وينبغي استحضار ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلونا واستولوا على دمائنا، وما أحسن قول الطرطوشي وقد دخل على الخليفة بمصر ورءاه سلم قياده لوزيره يونس الراهب، ونفذ كلمته المشئومة حتى في الطرطوشي فرءاه الطرطوشي رحمه الله تعالى مغضبا عليه فأنشده: يا أيها الملك الذي جوده … يطلبه القاصد والراغب إن الذي شرفت من أجله … يزعم هذا أنه كاذب وذكر العلقمي بدل البيت الأول: يا ذا الذي طاعَتُه قربة … وحقه مفترض واجب فغضب الخليفة عند سماع ذلك وأمر بسحب الراهب، فسحب وضرب وقتل، وأقبل على الطرطوشي بعد أن كان عزم على إذايته، وقوله: "مع الإهانة"، جعله الشبراخيتي صفة لمال أي مال كائن مع الإهانة، ويظهر أنه متعلق بتؤخذ مقدرا؛ أي تؤخذ كل منهما مع الإهانة عند أخذها. وسقطتا بالإسلام يعني أن الجزيتين العنوية والصلحية تسقطان عمن ضربتا عليه بالإسلام، ولو كان في ذمته جزى سنين ولو ظهر منه التحيل على إسقاطها ولو كان موسرا ترغيبا له في الإسلام، وكذا تسقط بالموت وبالترهب الطاري عند ابن القاسم خلافا للأخوين كما مر، وانظر هل تسقط بهما المتجمدة مع اليسر أم لا؟ وتسقط أيضا بالفقر والجنون، وانظر هل حتى المتجمدة فلا يطالب بها إن عقل أو استغنى بما قبل سنة جنونه أو فقره؟ أو يطالب وهو الظاهر؛ لأنهم لم يعدوا ذلك فيما يسقط ما وجب منها، وسقوطها بالترهب مقيد بترهب لا جزية معه.

стр. 3529

فتحصل من كلامه أن أهل الذمة قسمان: أهل عنوة وأهل صلح، فأما أهل العنوة فهم قوم من الكفار فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وأما أهل الصلح فهم قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم، فأشار للعنوي بقوله: "للعنوي أربعة دنانير" الخ، وأشار للصلحي بقوله: "وللصلحي ما شرط" الخ: ورجع الشبراخيتي ضمير التثنية في قوله: "وسقطتا للجزية والإهانة". والله سبحانه أعلم. كأرزاق المسلمين؛ يعني أن الإمام قال: أرى أن توضع اليوم أرزاق المسلمين التي قدرها الفاروق عليهم رضي الله تعالى عنه مع الجزية في كل شهر على من بالشام والحيرة -بكسر الحاء- على كل نفس مُدْيَان وثلاثة أقساط زيت، وعلى من بمصر كل شهر على كل واحد إردب حنطة، ولا أدري كم من الودك والعسل والكسوة؟ وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعا من التمر على كل واحد مع كسوة كان عمر يكسوها الناس لا أدري ما هي؟ والمدي بضم الميم وسكون الدال المهملة مكيال لأهل الشام ومصر يسع خمسة عشر مكوكا، والمكوك صاع ونصف، وقيل: أكثر من ذلك، وقوله: ولا أدري كم من الودك الخ، الظاهر أنه كان يرجع في هذا لاجتهاد الإمام، والظاهر أيضا أنه ينقص الفقير ويؤخذ منه بوسعه في ذلك كما في الجزية. قاله الشيخ إبراهيم. وإضافة المجتاز ثلاثا؛ يعني أن الإمام قال: أرى أن توضع عنهم الضيافة التي قدرها السيد الفاروق عليهم، قدر عليهم أن يضيفوا من مر بهم في مصر من المسلمين ثلاثة أيام، وحذف التاء لأنه إذا حذف المعدود يجوز تذكير العدد وتأنيثه، لكن الأولى إثبات التاء. للظلم، علة للسقوط في المسألتين؛ يعني أن سقوط الأرزاق وإضافة المار إنما هو لأجل ما أحدث عليهم من الجور. قاله الإمام. وفهم من قوله: "للظلم": أنه إن لم يكن ظلم فلا يسقط عنهم شيء. اللخمي: ولا أرى أن يوضع عنهم اليوم بالمغرب لأنه لا جور عليهم. ابن عرفة: قلت: قل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه، ولا تثبت الجزية لمدعيها إلا ببينة أو دليل لسماع سحنون ابنَ القاسم: إن أخذ يهود مقبلين من أرض الشرك وقالوا: نحن من جزية ملك الأندلس، إن ثبت قولهم وإلا فهم فيء، فإن ثبت وادعوا على آخذهم أخذ مال لم يحلفوا إن كانوا صالحين مأمونين. ابن رشد: إنما كانوا

стр. 3530

فيئا إن عجزوا عن البينة لدعواهم ما لا يشبه لإقبالهم من أرض الشرك، ولو ادعوا ما يشبه لم يستحلفوا، وسقط اليمين عن المأمونين لأنها دعوى عداء. نقله الإمام الحطاب. وسكت المص عما يؤخذ من كبار الذميين المضروب عليهم الجزية التجار، والحكم أنه يؤخذ منهم العشر إن قدموا إلينا وباعوا أو اشتروا، خلافا لقول ابن حبيب: يؤخذ منهم عشر ما قدموا به بمجرد وصولهم، وعلى الأول فإن قدموا بعرض وباعوه بعين أخذ منهم عشر الثمن، وان قدموا بعين واشتروا بها عرضا أخذ عشر العرض على المشهور لا عشر قيمته، وإن قدموا بعرض واشتروا به عرضا آخر فعليهم عشر عين ما اشتروه، ولا يتكرر عليهم الأخذ بتكرر بيعهم وشرائهم ما داموا بأفق واحد كما في المدونة والموازية، فإن باعوا بأفق [كالشام أو العراق أو الحجاز] (١)، واشتروا بآخر كمصر أو اليمن أخذ منهم عشر في الأول والثاني، كما أنه يتكرر الأخذ منهم إن قدموا بعد ذهابهم لبلدهم ولو مرارا في سنة واحدة، فيؤخذ منهم كلما قدموا وباعوا واشتروا، خلافا لقول الشافعي وأبي حنيفة: إنما تؤخذ مرة في العام وإن تكرر مجيئهم فيه، ثم وجوب العشر فيما مر إن لم يحملوا الطعام لمكة والمدينة والقرى المتصلة بهما، وإلا فنصفه فقط، واختلف هل الراد بالطعام جميع أنواعه أو ما عدا القطاني فعشر؟ ومقتضى ابن ناجي ترجيح الأول، والتوضيح ترجيح قصره على الحنطة والزيت، والحربي المؤمن في العشر ونصفه كالذمي، لكن يفترقان في أمرين، أحدهما: أن الحربي يؤخذ منه بمجرد وصوله، بخلاف الذمي فإنه لابد من بيعه وشرائه بعد وصوله عند ابن القاسم خلافا لابن حبيب كما مر، ثانيهما: أن الذمي إذا باع بأفق ثم اشترى بآخر يتكرر عليه العشر كما مر، بخلاف المؤَمَّن فإنه إنما عليه عشر واحد ونصفه بوصوله ولو باع بأفق واشترى بآخر؛ لأن أمان الحربي عام في كل أفق من بلاد الإمام المؤمن، فجميع بلاد الإسلام كبلدة واحدة بالنسبة له، بخلاف الذمي لعدم احتياجه لأمان لكونه تحت ذمتنا. ابن ناجي: مقتضى الروايات أن أفقه محل أخذ جزيته وعمالاتها، وفي المدونة: الشام والمدينة أفقان. انتهى ملخصا من شرح الشيخ عبد الباقي وحاشية الشيخ بناني.

стр. 3531

وقال الشيخ الأمير: إن اتجر ذمي لإقليم أخذ عشر ثمنه وتكرر ولو بعام واحد، وعلى تجار الحربيين ما شرطه الإمام، فإن أطلق فعشر ما قدموا به ولو لم يبيعوا أو باعوا بأقاليم، وأسقط من طعام للحرمين نصف عشر. انتهى. وتأمل قوله: "ذمي"، فإنه يعم الكبار وغيرهم. والله سبحانه أعلم. حكاية: اتفق أن بعض أهل العلم كان بقرية فضيق عليه النصراني الصراف وآذاه، فكتب إلى ملتزمها: لقد وليت ذميا علينا … ولم تشكر لفضل الله منه ألم تسمع لقول الله فيهم: … ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ﴾ والعنوي حر؛ يعني أن العنوي بعد ضرب الجزية عليه حر، فعلى قاتله خمسمائة دينار إن كان المقتول ذكرا كتابيا؛ لأن إقراره في الأرض لعمارتها من ناحية المن الذي قال الله فيه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، والمن العتاقة، فلا يمنعون من هبة أموالهم والصدقة بها، ويحكم بذلك حاكم المسلمين ولا يمنعون من الوصية بجميع أموالهم، إلا إذا لم يكن لهم وارث من أهل دينهم كان ميراثهم للمسلمين. وسئل ابن القاسم عن نساء أهل الذمة الذين أخذوا عنوة مثل أهل مصر، هل يجوز أن ينظر الرجال إلى شعورهن؟ قال: لا، قيل له: أليس هن بمنزلة الإماء؟ قال: لا، بل هن أحرار يحرم منهن ما يحرم من الأحرار. ابن رشد: حكم لأهل العنوة بحكم الأحرار، ووجهه أنه جعل إقرارهم في الأرض لعمارتها من ناحية المن الذي قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، والمن العتاقة. انتهى. المراد منه. وإن مات أو أسلم فالأرض فقط للمسلمين؛ يعني أنه ينبني على كون العنوي حرا إذا مات أن تكون الأرض التي أقر فيها لعمارتها للمسلمين دون غيرها من ماله، كالرقيق والحيوان والعروض فإنه يكون لورثته أي العنوي، وكذا الحكم لو أسلم العنوي فإن الأرض فقط للمسلمين دون غيرها، فإنه للعنوي الذي أسلم، وما مشى عليه المص هو المشهور، وقيل: إن العنويين إذا أقرت بأيديهم

стр. 3532

الأرض يكونون عبيدا للمسلمين، فلا يكونون أحرارا بإسلامهم، ولا يملكون مما بأيديهم شيئا؛ ولا فرق على هذين القولين بين ما اكتسبوه بعد الفتح وما كان بأيديهم قبله، والقول بأنهم أحرار لابن القاسم في سماع عيسى ويحيى، وقول ابن حبيب، وظاهر المدونة، وفي سماع سحنون: أنهم عبيد مأذون لهم في التجارة، ولابن المواز: أن ما اكتسبوه بعد الفتح لهم وما اكتسبوه قبله للمسلمين، واعترضه ابن رشد بأن إقرارهم إن كان عتقا فما بأيديهم لهم، وإلا لم يكن إسلامهم عتقا فلا تكون أموالهم لهم، لكن نقل الباجي قول ابن المواز وأقره، وجعله ابن يونس تفسيرا للمدونة، وإذا مات الذمي العنوي فإن كان له وارث ورثه وسئل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فميراثه لبيت المال، وقوله: فالأرض فقط للمسلمين، مراده الأرض التي تكون وقفا بالفتح أي الأرض المتقدمة في قوله: وقفت الأرض، وأما الأرض التي اشتراها بوجه شرعي فهي كماله، فإن قيل: ما ذكر من أن ماله حيث لا وارث له كالأرض يكون للمسلمين، مخالف لقوله في الفرائض: "ومال الكتابي الحرّ المؤدي للجزية لأهل دينه من كورته"، فالجواب أن ذلك في غير العنوي جمعا بين الموضعين. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وإن مات أو أسلم"، الأولى الإتيان بالفاء بدل الواو لأنه مفرع على القول بالحرية. والحكم في الصلحي. أي الذمي الصلحي إن أجملت الجزية بالبناء للمجهول، فلهم أرضهم، يعني أن حكم الأرض والمال في أهل العنوة هو ما عرفت، وأما الذمي الصلحي فإن الأرض تكون لهم إذا كانت الجزية مجملة على البلاد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل لا يخص كل شخص ولا ما يخص الرقاب من الأرض فلهم بيعها، ولا يزاد في الجزية بزيادتهم ولا ينقص بنقصانهم، ولا يبرأ أحد منهم إلا بأداء الجميع لأنهم حملاء. وبما قررت علم أن الشرط وجوابه خبر مبتدأ مقدر؛ أي والحكم في الصلحي الخ. والوصية بمالهم؛ يعني أن أهل الصلحية المجملة على الأرض والرقاب معا لهم الوصية بمالهم كله، وإن لم يكن لمن مات منهم وأوصى وارث. وورثوها؛ يعني أن أهل الجزية الصلحية المجملة على الأرض والرقاب معا يرثون الأرض عمن مات منهم، ومن مات منهم بلا وارث فلأهل دينه، وكذا

стр. 3533

يرجع ماله أيضا لوارثه أو لأهل دينه حيث لا وارث له ولا شيء للمسلمين منه، واقتصر على الأرض لأنها المتوهمة. وإن فرقت على الرقاب فهي لهم. مذا مفهوم قوله: "إن أجملت"؛ يعني أن الجزية الصلحية إذا وقعت مفرقة على الرقاب، كعلى كل رأس كذا أو أجملت على الأرض أو سكت عنها، وكذا إن فرقت على الأرض وأجملت على الرقاب أو فرقت عليهما فإن أهلها تكون لهم الأرض فيبيعونها ويرثونها كما لهم غير الأرض. إلا أن يموت بلا وارث؛ يعني أن محل كون الأرض للصلحيين يرثونها عمن مات منهم حيث فرقت الجزية على الرقاب إنما هو إذا كان الميت له وارث، وأما إن لم يكن له وارث فمال الميت وأرضه للمسلمين لا لأهل دينه، بخلاف ما إذا كانت الصلحية مجملة على الأرض والرقاب كما مر فإن ماله وأرضه لأهل دينه حيث لا وارث له. ووصيتهم في التلث؛ يعني أن الصلحي حيث فرقت الجزية على الرقاب له أن يوصي بالثلث فقط حيث مات ولا وارث له وما بقي للمسلمين، فإن مات وله وارث فله أن يوصي بجميع ماله. ولما تكلم على الأرض والمال والوصية، تكلم على بيع الأرض وخراجها فقال: وإن فرقت عليها أو عليهم فلهم بيعها؛ يعني أن الجزية الصلحية إذا كانت مفرقة على الأرض كعلى كل زيتونة أو ذراع كذات أو أجملت على الرقاب أو سكت عنها أو فرقت على الأرض والرقاب معا كعلى كل فدان كذا وعلى كل دراس كذا، فإن لأهل الأرض أن يبيعوها في هذه الأحوال كلها. والله سبحانه أعلم. وخراجها على البائع؛ يعني أن الخراج في المسألتين، أعني قوله: "وإن فرقت عليها أو عليهما"، على بائع الأرض، والمراد بخراجها المضروب عليها، وما ذكره المص من أن لهم بيع الأرض هو المشهور، وقيل: لا يجوز لهم ذلك، وقيل: يجوز، والخراج على المشتري، وسكت المص عما إذا أسلم الصلحي، والحكم فيه أنه يكون له ماله وأرضه، قال في المقدمات: ولا اختلاف أنها أي الأرض تكون لهم إن أسلموا، وأنهم يرثونها بمنزلة سائر أموالهم وقرابتهم من أهل دينهم أو المسلمين إن لم تكن لهم قرابة. انتهى. قاله الحطاب. وفي التوضيح: وكيف نعلم

стр. 3534

ورثتهم [ونحن لا] (١)، نعلم مواريثهم؟ روى يحيى عن ابن القاسم أن ذلك راجع إلى أهل دينهم وأساقفتهم، فمن قالوا: يرثه من ذوي رحم أو غيره أو امرأة دفع إليه ذلك، وإن قالوا: لا وارث له فميراثه للمسلمين، ووجه ذلك أن طريق ذلك الخبر كما ينفردون به من العلم فيقبل قولهم كإخبارهم عما يعلمونه من الأدواء وترجمتهم عن الألسنة التي لا نعرفها. قاله الباجي. قال ابن راشد: وأما العنوي فإن كان له وارث ورثه وسئل عن ذلك أساقفتهم، وإن لم يكن له وارث فماله لبيت المال. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. والحاصل أن الجزية الصلحية على أربعة أوجه؛ لأنها إما أن تجمل على الأرض والرقاب معا، وإما أن تفرق على الرقاب والأرض معا، وإما أن تفرق على الرقاب دون الأرض أو على الأرض دون الرقاب، وفي الجميع لهم أرضهم ومالهم، يهبون ويقسمون ويبيعون ويورث عنهم، إلا أن الوجه الأول يفترق من غيره بأن من مات منهم بلا وارث فأرضه وماله لأهل دينه، وله حينئذ الوصية بجميع ماله، وإن لم يكن له وارث، بخلافه في غير الأول فإن من مات بغير وارث ماله وأرضه للمسلمين، ولهم الوصية في الثلث إن لم يكن لهم وارث. قاله الشيخ بناني. وإلا فلهم الوصية بالجميع، وإذا فرقت الجزية على الأرض والرقاب أو على الأرض دون الرقاب، فاختلف في بيع الأرض على ثلاثة أقوال، مشهورها قول ابن القاسم في المدونة وغيرها: البيع جائز والخراج على البائع، وعليه مشى المص. هذا حاصل المسألة. انظر حاشية الشيخ بناني. وفي الشبراخيتي ما نصه: وقوله: "وخراجها على البائع"؛ أي إلا أن يموت أو يسلم. واعلم أن الأرض لهم في الأقسام كلها، إلا أنهم إن باعوها في القسمين الأولين لا يكون خراجها على البائع، وفي هذين القسمين خراجها على البائع، وفي ابن يونس وجه خامس وهو: ما إذا أجملت على الرقاب دون البلد، قال: فلهم بيع الأرض وتورث عنهم كما لو كانت مفصلة على الجماجم. انتهى. انتهى كلام الشبراخيتي. وإيضاحه أن المص ذكر أربعة أوجه، اثنان منها إذا بيعت لا يكون الخراج على البائع، أحدهما قوله: "وفي الصلحي إن أجملت فلهم أرضهم"،

стр. 3535

والثاني قوله: "وإن فرقت على الرقاب فهي لهم"، واثنان إذا بيعت يكون خراجها على البائع، وهما: ما إذا فرقت عليها أو عليهما معا. والله سبحانه أعلم. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وسكت عما إذا أسلم وتكون له أرضه وماله، سواء أجملت الجزية عليه أو فصلت على الرقاب أو الأرض أو عليهما. وللعنوي إحداث كنيسة إن شرط؛ يعني أن الذمي العنوي له أن يحدث في أرض العنوة كنيسة في بلد العنوة المقر بها أهلها إن شرط؛ أي أذن الإمام لهم في ذلك بأن سأل العنوي الإمام ذلك فأجابه إليه، على هذا حمله غير واحد؛ لأن العنوي مقهور فلا يتأتَى منه شرط، قال الشيخ إبراهيم: فمراده بالشرط إذن الإمام أي بأن أذن الإمام له في ذلك. انتهى. وقال الشيخ بناني: ليس المراد بالشرط حقيقته؛ لأن الفرض أنهم مقهورون، وإنما المراد إن أعطوا ذلك وأذن فيه الإمام، وفهم من قوله: "إحداث كنيسة" تبقى لهم إن تركها المسلمون. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وقال الإمام الحطاب: مذهب ابن القاسم على ما نقله ابن عرفة أنه يترك لأهل الذمة كنائسهم القديمة في بلد العنوة المقر بها أهلها، وفيما اختطه المسلمون فسكنوه معهم، وأنه لا يجوز إحداثها إلا أن يعطوا ذلك، وهذا هو المأخوذ من المدونة في كتاب [الجعل] (١) والإجارة بعد تأمل كلامه وكلام شراحه. وقال عبد الملك: لا يجوز الإحداث مطلقا: ولا تترك لهم كنيسة وهو الذي نقله في الجواهر: وهو الذي رآه البساطي فاعترض على المؤلف فراجعه إن شئت، وعليه اقتصر في الإرشاد. انتهى. وفي حاشية بناني: وما اختطه المسلمون عند فتحهم وسكنوه فليس لهم إحداث ذلك فيها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى به. انتهى. وإلا فلا؛ يعني أنه إذا لم يشترط إحداث الكنيسة بأن لم يأذن فيه الإمام، فإنه لا يجوز للعنوي أن يحدثها أي لا يمكن من ذلك، قال الشيخ عبد الباقي: والذي عليه المحققون وتجب به الفتوى أنه لا يمكن العنوي من الإحداث مطلقا شرط أم لا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في ما قاله البساطي وفيه نظر، بل الصواب ما عند

стр. 3536

المؤلف لأنه قول ابن القاسم في المدونة. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وصرح بمفهوم الشرط ليشبه به قوله: كرم المنهدم، مصدر رمه براء فميم مشددة: أصلحه؛ يعني أنه لا يجوز للعنوي رم كنيسة هدمت؛ أي لا يمكن من إصلاحها، وظاهره مطلقا اشترط ذلك أم لا. قاله عبد الباقي والخرشي. وهو المعتمد، وما ذكراه من المنع، قال محمد بن الحسن: غير صحيح، وإن كان ظاهر المص لتصريح أبي الحسن في العنوي بالجواز، وظاهره مطلقا. وللصلحي الإحداث؛ يعني أن الصلحي إذا أراد أن يحدث كنيسة ببلده الذي لا يسكنه معه المسلمون، فإنه لا يمنع من ذلك الإحداث شرط أم لا، والفرق بين الصلحي والمعنوي أن أرض العنوة فيء ليست لهم ولا تورث عنهم، ولو أسلموا لم يكن لهم منها شيء، بخلاف أرض الصلح. قاله ابن القاسم. قاله عبد الباقي. وكما للصلحي الإحداث له رم المنهدم على قول ابن القاسم، وفي حاشية الشيخ بناني عن ابن عرفة: ويجوز لهم بأرض الصلح إحداث الكنائس وتركها قديمة إن لم يكن معهم بها مسلم، وإلا ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون قائلا: ولو شرط ذلك لهم، ويمنعون من رم قديمها إلا أن يكون شرط فيوفى لهم به. حكاية: قال المتيطي: جاء أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة للروم، وكان أبوه عبد الملك أذن لهم فيها لوجه اقتضى ذلك، فكتب ملكهم إلى الوليد وهو يقول له: إن أباك قد أذن لنا في البناء وأنت هدمتها، فإما أن يكون أبوك قد أصاب وأخطأت أنت، وإما أن تكون أصبت وأخطأ أبوك، فأشكل على الوليد الجواب وطلبه من أهل الفطنة حتى تكلم فيه مع الفرزدق، فقال: الجواب ما حكاه الله تعالى في قصة سليمان: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فاستحسن الوليد هذا الجواب، وعلم فطنته وأتحفه بعطية. انتهى. نقلة الحطاب. ونقل عن المشدالي أنه قال: حاصل الجواب أنا لا نسلم انحصار القسمة في إصابة أحدهما وخطإ الآخر، لجواز إصابتهما معا لنظر ورأي رآه كل منهما. انتهى. وبيع عرصتها؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع عرصة الكنيسة، والعرصة الرحبة لا بناء بها. أو حائط؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع حائط الكنيسة، بخلاف العنوي فليس له بيع عرصة الكنيسة ولا حائطها كما في الشارح؛ لأن الأرض توقف بالفتح كما مر: "ووقفت الأرض" إلخ،

стр. 3537

وقوله: "أو حائط"، عطف على لفظ عرصة أو على محلها؛ لأنه منصوب على أنه مفعول المصدر. قاله الشيخ عبد الباقي. لا ببلد الإسلام: يعني أنه لا يجوز لكل من العنوي والصلحي إحداث الكنائس ببلد الإسلام الذي نقلوا إليه؛ أي لا يمكنون من ذلك، وأما بلادهم التي سكن معهم المسلمون فيها فللعنوي ذلك مع الشرط أي الإذن من الإمام كما مر، وقال بعض الشراح: لا ببلد الإسلام أي التي بأرض الإسلام أي التي انفرد باختطاطها المسلمون؛ أي التي كان بها المسلمون قبل فتح أرضه، لا البلد التي اختطها المسلمون بعده أو معه، فإنه لا يمنع من ذلك. هذا ما يعول عليه. نقله عبد الباقي. إلا لمفسدة أعظم؛ يعني أن الذمي يمنع من إحداث الكنيسة ببلد الإسلام عنويا أو صلحيا كما عرفت: إلا لأجل مفسدة أعظم من إحداث الكنيسة فلا يمنع منه ارتكابا لأخف الضررين، كما لو خيف منهم تقوية الحربيين على أهل الإسلام بحيث يحصل من ذلك ضرر أقوى من إحداث الكنيسة. ويمنع ركوب الخيل، نائب منع ضمير مستتر يعود على الذمي المفهوم من العنوي والصلحي، وركوب منصوب على المفعولية، ويصح رفعه على أنه نائب الفاعل وهو مصدر مضاف لفعوله بعد حذف فاعله، والتقدير: ومنع ركوبه الخيل، ومعنى كلامه أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب الخيل نفيسة أم لا. والبغال؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب البغال النفيسة كما قاله القرافي وغيره، ولا يمنعون من الحمير ومن البغال غير النفيسة، وأما الجمال فهي في عرف قوم كالخيل وفي عرف آخرين كالحمير بل دونها، فتجري على هذا. قاله الشيخ عبد الباقي. والسروج، عطف على الخيل؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من الركوب على السروج ولو على الحمير وإنما يركبون على الحمير فقط ومن جانب واحد فقط بأن يجعل رجلاه في جانب الدابة اليمنى أو اليسرى، قال الشيخ عبد الباقي: وهو مراد التتائي بقوله: ويركبون على الأكف عرضا. انتهى. والأكف بضمتين جمع إكاف بكسر الهمزة: البردعة الصغيرة التي تجعل تحت البردعة الكبيرة. انتهى كلام عبد الباقي. وجادة الطريق؛ يعني أن الذميين يمنعون من جادة الطريق أي وسطه ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليا، زروق: ولهم المشي على الجادة عند اختلائها وإلا فيضطرون إلى أضيق

стр. 3538

الطريق. نقله الحطاب. وقال الشارح: ابن حبيب: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم وهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقها)، انتهى. ولا يكنون ولا تشيع جنائزهم لأن ذلك إكرام، ولو كانت الجنازة أبا أو ابنا نعم لوارثه إن لم يجد أحدا من أهل دينه. زروق: ولم أقف على تلقيبهم بفلان الدين والأشبه المنع، وفي التتائي: ويجوز تلقيب الكافر والفاسق إذا لم يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة، وأفتى الشيخ ياسين المالكي بأنه يحرم تعظيمه لغير ضرورة بمعلم وغيره، وذكر القرافي ما يفيد أنه لا يحرم مخاطبة الذمي بمعلم ونحوه إذا لم يقصد تعظيمه وظاهره لضرورة أو غيرها. قاله الشيخ عبد الباقي. وألزم بلبس يميزه؛ يعني أن الذمي يلزم بلبس يميزه عن زي المسلمين ليلا يشبه (١) بهم، كسواد أو صفرة على رءوسهم وما يمتهن من الثياب. وعزر لترك الزنار؛ يعني أن الذميين يؤدبون إذا تركوا لبس الزنانير، جمع زنار بضم الزاي وشد النون ما يشد به الوسط علامة على ذله. قاله عبد الباقي. والتعزير: التأديب، وقال الشيخ إبراهيم: هو خيوط كثيرة ملونة بألوان شتى تشد في الوسط لأنه علامة على ذله، وربما يشعر هذا بأنه إذا لبس ما يؤدي هذا المعنى كالبرنيطة والطرطور لا يعزر. انتهى. وظهور السكر، ظهور هنا بمعنى إظهار كما فسره به غير واحد؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر السكر في مجلس غير خاص به، فيشمل الأسواق وجوائزهم (٢) التي يدخل المسلمون ولو لبيع أو في بعض الأحيان فيما يظهر، وأما لو أظهروه في بيوتهم وعلمنا ذلك برفع صوتهم أو برؤيتهم من دارنا المقابلة لهم فلا يؤدبون. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وعزر على إظهار السكر بين المسلمين والخنزير والجهر بالقراءة بين المسلمين. ومعتقده، عطف على السكر؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر معتقده في المسيح وغيره مما لا ضرر فيه على المسلمين، ولا ينتقض بذلك عهده، وأما ما فيه ضرر على المسلمين كتغيير اعتقادهم فإنه ينتقض بذلك عهده، وكإظهار السكر إظهار قراءتهم بكنائسهم بحضرة مسلم. قاله عبد الباقي. وقد مر مثله عن الشبراخيتي.

стр. 3539

وبسط لسانه. عطف على قوله: "لترك"؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا بسط لسانه على مسلم أو بحضرته لانتهاكه حرمته، والمراد به أن يتكلم ولا يحترم الحاضرين، وإن لم يكن سبا ولا شتما. قاله الشيخ عبد الباقي. وأريقت الخمر؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الخمر أو حملها من بلد لآخر فإنها تراق عليه وتكسر آنيتها، وأما إن لم يظهرها فلا تراق عليه وضمن مسلم أراقها حينئذ لتعديه، ويؤدب من أظهر صليبا وخنزيرا في أعيادهم واستسقائهم، ويكسر الصليب. وكسر الناقوس؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الناقوس فإنه يؤدب. والناقوس الخشبة التي يضرب عليها لأجل اجتماعهم لصلاتهم ولا شيء على من كسره. المواق: تقدم أن الصليب هو الذي يكسر. انتهى. الرماصي: فيه رمز إلى الاعتراض على المص وهو قصور، ففي الجواهر: وإن أظهروا ناقوسا كسرناه. انتهى. نقله محمد بن الحسن. والحاصل أنهم لا يرفعون أصوات نواقيسهم بل يضربون بها ضربا خفيفا. ولما ذكر ما يؤدب فيه ولم يكن ناقضا للعهد بسببه، شرع في أمور تنقض عهده بحيث تصيره كالحربي الأصلي في النظر فيه إذا ظفر به بأحد الأمور الخمسة الخير فيها التي أحدها إباحة استرقاقه خلافا لأشهب القائل بأنه لا يباح رقه، فقال: وينتقض بقتال؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بواحد من سبعة أمور، فيسقط ما كان له من الحماية والذب، أحدها: القتال، والمراد به إظهار الخروج عن الذمة على غير وجه المحاربة، ولا يدخل في ذلك مدافعته عن نفسه من يريد قتله. قاله عبد الباقي. ثانيها أشار إليه بقوله: ومنع جزية؛ يعني أن الذمي إذا امتنع من أداء الجزية فإنه يكون ناقضا للعهد، فيخير فيه الإمام بواحد مما مر، ثالثها أشار إليه بقوله: وتمرد على الأحكام؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتمرد على الأحكام بأن يظهر عدم المبالاة بها؛ لأن ذلك مناف للإهانة والصغار الذي أمر الله تعالى به في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقوله: "وتمرد على الأحكام"، قال الشيخ عبد الباقي: بأن يظهر عدم المبالاة بها، ويستعين على ذلك بجاه أو استمالة ذي جرءة على المسلمين يخشاه الحاكم على ماله أو نفسه أو عرضه، رابعها أشار إليه بقوله: وغصب حرة مسلمة؛ يعني أن الذمي ينتقص عهده بسبب غصب حرة مسلمة أي الزنى بها مكرهة، ووطئها بالفعل لا بمجرد الغصب، والراجح أنه لابد

стр. 3540

فيه من أربعة عدول يرونه كالمرود في المكحلة، وقيل: يكفي اثنان؛ لأن الشهادة على نقض العهد. ابن حبيب: ولها الصداق من ماله، والولد على دين أمه أي مسلم لا أب له، وكذا يكون الولد على دينها إن زنى بها طائعة، وفهم من المص أنه لا ينتقض عهده بغصب الأمة ولا بطوع الحرة المسلمة وهو كذلك مع العقوبة الشديدة، وكذا لا ينتقض عهده بغصب حرة ذمية، وما نقص الأمة في ماله، ومحل عدم نقضه فيهن ما لم يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده وإلا انتقض. انظر الشبراخيتي. خامسها أشار إليه بقوله: وغرورها؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا غر حرة مسلمة بأنه مسلم وتزوجها ووطئها، فيخير فيه الإمام بالنظر في واحد من الأمور المتقدمة، واحترز بهذين الأمرين مما إذا طاوعته على الزنى أو علمته وتزوجته ووطئها فلا يكون نقضا فيهما، ويفرق بينهما في مسألة التزوج، واحترز بالحرة المسلمة عن الأمة المسلمة فلا يكون زناه بها ناقضا للعهد طائعة أو مكرهة، إلا أن يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده، ولو زنى بالحرة الكافرة فلا يكون ذلك نقضا طائعة أو مكرهة، وقد مر قريب من هذا. سادسها أشار إليه بقوله: وتطلعه على عورات المسلمين؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتطلع على عورات المسلمين؛ بأن يطلع الحربيين على عوراتهم، كأن يكتب لأهل الشرك بأن الموضع الفلاني للمسلمين لا حارس له ليأتوهم من قبله، فإنه يقتل ليكون نكالا لغيره، والعورة لغة الموضع المنكشف الذي لا حارس له، وعورة العدو ما انكشف من حاله الذي يتوصل منه إليه، ومنه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهو مأخوذ من عورة الإنسان المنكشفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: المراد بعورات المسلمين كل ما يقصد إخفاؤه عن العدو. وسابعها أشار إليه بقوله: وسب نبي؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا سب نبيا مجمعا على نبوءته عند الأمة، وإن أنكرها اليهود كنبوءة داوود وسليمان، لا إن سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر. بما لم يكفر به؛ يعني أن الذمي إنما ينتقض عهده بسب النبي المجمع على نبوءته إنما هو حيث سبه بما لم يكفر به الكفر الذي يقر عليه بأن كفر به، كما في بناني رادا على عبد الباقي الكفر الذي لا يقر عليه، وأما إن سبه بما كفر به الكفر الذي يقر عليه فإنه لا ينتقض عهده بذلك كلم يرسل إلينا،
следующие страницы →