← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

المؤلف لأنه قول ابن القاسم في المدونة. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وصرح بمفهوم الشرط ليشبه به قوله: كرم المنهدم، مصدر رمه براء فميم مشددة: أصلحه؛ يعني أنه لا يجوز للعنوي رم كنيسة هدمت؛ أي لا يمكن من إصلاحها، وظاهره مطلقا اشترط ذلك أم لا. قاله عبد الباقي والخرشي. وهو المعتمد، وما ذكراه من المنع، قال محمد بن الحسن: غير صحيح، وإن كان ظاهر المص لتصريح أبي الحسن في العنوي بالجواز، وظاهره مطلقا. وللصلحي الإحداث؛ يعني أن الصلحي إذا أراد أن يحدث كنيسة ببلده الذي لا يسكنه معه المسلمون، فإنه لا يمنع من ذلك الإحداث شرط أم لا، والفرق بين الصلحي والمعنوي أن أرض العنوة فيء ليست لهم ولا تورث عنهم، ولو أسلموا لم يكن لهم منها شيء، بخلاف أرض الصلح. قاله ابن القاسم. قاله عبد الباقي. وكما للصلحي الإحداث له رم المنهدم على قول ابن القاسم، وفي حاشية الشيخ بناني عن ابن عرفة: ويجوز لهم بأرض الصلح إحداث الكنائس وتركها قديمة إن لم يكن معهم بها مسلم، وإلا ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون قائلا: ولو شرط ذلك لهم، ويمنعون من رم قديمها إلا أن يكون شرط فيوفى لهم به. حكاية: قال المتيطي: جاء أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة للروم، وكان أبوه عبد الملك أذن لهم فيها لوجه اقتضى ذلك، فكتب ملكهم إلى الوليد وهو يقول له: إن أباك قد أذن لنا في البناء وأنت هدمتها، فإما أن يكون أبوك قد أصاب وأخطأت أنت، وإما أن تكون أصبت وأخطأ أبوك، فأشكل على الوليد الجواب وطلبه من أهل الفطنة حتى تكلم فيه مع الفرزدق، فقال: الجواب ما حكاه الله تعالى في قصة سليمان: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فاستحسن الوليد هذا الجواب، وعلم فطنته وأتحفه بعطية. انتهى. نقلة الحطاب. ونقل عن المشدالي أنه قال: حاصل الجواب أنا لا نسلم انحصار القسمة في إصابة أحدهما وخطإ الآخر، لجواز إصابتهما معا لنظر ورأي رآه كل منهما. انتهى. وبيع عرصتها؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع عرصة الكنيسة، والعرصة الرحبة لا بناء بها. أو حائط؛ يعني أن الصلحي له أن يبيع حائط الكنيسة، بخلاف العنوي فليس له بيع عرصة الكنيسة ولا حائطها كما في الشارح؛ لأن الأرض توقف بالفتح كما مر: "ووقفت الأرض" إلخ،

стр. 3537

وقوله: "أو حائط"، عطف على لفظ عرصة أو على محلها؛ لأنه منصوب على أنه مفعول المصدر. قاله الشيخ عبد الباقي. لا ببلد الإسلام: يعني أنه لا يجوز لكل من العنوي والصلحي إحداث الكنائس ببلد الإسلام الذي نقلوا إليه؛ أي لا يمكنون من ذلك، وأما بلادهم التي سكن معهم المسلمون فيها فللعنوي ذلك مع الشرط أي الإذن من الإمام كما مر، وقال بعض الشراح: لا ببلد الإسلام أي التي بأرض الإسلام أي التي انفرد باختطاطها المسلمون؛ أي التي كان بها المسلمون قبل فتح أرضه، لا البلد التي اختطها المسلمون بعده أو معه، فإنه لا يمنع من ذلك. هذا ما يعول عليه. نقله عبد الباقي. إلا لمفسدة أعظم؛ يعني أن الذمي يمنع من إحداث الكنيسة ببلد الإسلام عنويا أو صلحيا كما عرفت: إلا لأجل مفسدة أعظم من إحداث الكنيسة فلا يمنع منه ارتكابا لأخف الضررين، كما لو خيف منهم تقوية الحربيين على أهل الإسلام بحيث يحصل من ذلك ضرر أقوى من إحداث الكنيسة. ويمنع ركوب الخيل، نائب منع ضمير مستتر يعود على الذمي المفهوم من العنوي والصلحي، وركوب منصوب على المفعولية، ويصح رفعه على أنه نائب الفاعل وهو مصدر مضاف لفعوله بعد حذف فاعله، والتقدير: ومنع ركوبه الخيل، ومعنى كلامه أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب الخيل نفيسة أم لا. والبغال؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من ركوب البغال النفيسة كما قاله القرافي وغيره، ولا يمنعون من الحمير ومن البغال غير النفيسة، وأما الجمال فهي في عرف قوم كالخيل وفي عرف آخرين كالحمير بل دونها، فتجري على هذا. قاله الشيخ عبد الباقي. والسروج، عطف على الخيل؛ يعني أن الذمي صلحيا كان أو عنويا يمنع من الركوب على السروج ولو على الحمير وإنما يركبون على الحمير فقط ومن جانب واحد فقط بأن يجعل رجلاه في جانب الدابة اليمنى أو اليسرى، قال الشيخ عبد الباقي: وهو مراد التتائي بقوله: ويركبون على الأكف عرضا. انتهى. والأكف بضمتين جمع إكاف بكسر الهمزة: البردعة الصغيرة التي تجعل تحت البردعة الكبيرة. انتهى كلام عبد الباقي. وجادة الطريق؛ يعني أن الذميين يمنعون من جادة الطريق أي وسطه ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليا، زروق: ولهم المشي على الجادة عند اختلائها وإلا فيضطرون إلى أضيق

стр. 3538

الطريق. نقله الحطاب. وقال الشارح: ابن حبيب: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم وهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقها)، انتهى. ولا يكنون ولا تشيع جنائزهم لأن ذلك إكرام، ولو كانت الجنازة أبا أو ابنا نعم لوارثه إن لم يجد أحدا من أهل دينه. زروق: ولم أقف على تلقيبهم بفلان الدين والأشبه المنع، وفي التتائي: ويجوز تلقيب الكافر والفاسق إذا لم يعرف إلا بها أو خيف من ذكره باسمه فتنة، وأفتى الشيخ ياسين المالكي بأنه يحرم تعظيمه لغير ضرورة بمعلم وغيره، وذكر القرافي ما يفيد أنه لا يحرم مخاطبة الذمي بمعلم ونحوه إذا لم يقصد تعظيمه وظاهره لضرورة أو غيرها. قاله الشيخ عبد الباقي. وألزم بلبس يميزه؛ يعني أن الذمي يلزم بلبس يميزه عن زي المسلمين ليلا يشبه (١) بهم، كسواد أو صفرة على رءوسهم وما يمتهن من الثياب. وعزر لترك الزنار؛ يعني أن الذميين يؤدبون إذا تركوا لبس الزنانير، جمع زنار بضم الزاي وشد النون ما يشد به الوسط علامة على ذله. قاله عبد الباقي. والتعزير: التأديب، وقال الشيخ إبراهيم: هو خيوط كثيرة ملونة بألوان شتى تشد في الوسط لأنه علامة على ذله، وربما يشعر هذا بأنه إذا لبس ما يؤدي هذا المعنى كالبرنيطة والطرطور لا يعزر. انتهى. وظهور السكر، ظهور هنا بمعنى إظهار كما فسره به غير واحد؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر السكر في مجلس غير خاص به، فيشمل الأسواق وجوائزهم (٢) التي يدخل المسلمون ولو لبيع أو في بعض الأحيان فيما يظهر، وأما لو أظهروه في بيوتهم وعلمنا ذلك برفع صوتهم أو برؤيتهم من دارنا المقابلة لهم فلا يؤدبون. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وعزر على إظهار السكر بين المسلمين والخنزير والجهر بالقراءة بين المسلمين. ومعتقده، عطف على السكر؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا أظهر معتقده في المسيح وغيره مما لا ضرر فيه على المسلمين، ولا ينتقض بذلك عهده، وأما ما فيه ضرر على المسلمين كتغيير اعتقادهم فإنه ينتقض بذلك عهده، وكإظهار السكر إظهار قراءتهم بكنائسهم بحضرة مسلم. قاله عبد الباقي. وقد مر مثله عن الشبراخيتي.

стр. 3539

وبسط لسانه. عطف على قوله: "لترك"؛ يعني أن الذمي يؤدب إذا بسط لسانه على مسلم أو بحضرته لانتهاكه حرمته، والمراد به أن يتكلم ولا يحترم الحاضرين، وإن لم يكن سبا ولا شتما. قاله الشيخ عبد الباقي. وأريقت الخمر؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الخمر أو حملها من بلد لآخر فإنها تراق عليه وتكسر آنيتها، وأما إن لم يظهرها فلا تراق عليه وضمن مسلم أراقها حينئذ لتعديه، ويؤدب من أظهر صليبا وخنزيرا في أعيادهم واستسقائهم، ويكسر الصليب. وكسر الناقوس؛ يعني أن الذمي إذا أظهر الناقوس فإنه يؤدب. والناقوس الخشبة التي يضرب عليها لأجل اجتماعهم لصلاتهم ولا شيء على من كسره. المواق: تقدم أن الصليب هو الذي يكسر. انتهى. الرماصي: فيه رمز إلى الاعتراض على المص وهو قصور، ففي الجواهر: وإن أظهروا ناقوسا كسرناه. انتهى. نقله محمد بن الحسن. والحاصل أنهم لا يرفعون أصوات نواقيسهم بل يضربون بها ضربا خفيفا. ولما ذكر ما يؤدب فيه ولم يكن ناقضا للعهد بسببه، شرع في أمور تنقض عهده بحيث تصيره كالحربي الأصلي في النظر فيه إذا ظفر به بأحد الأمور الخمسة الخير فيها التي أحدها إباحة استرقاقه خلافا لأشهب القائل بأنه لا يباح رقه، فقال: وينتقض بقتال؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بواحد من سبعة أمور، فيسقط ما كان له من الحماية والذب، أحدها: القتال، والمراد به إظهار الخروج عن الذمة على غير وجه المحاربة، ولا يدخل في ذلك مدافعته عن نفسه من يريد قتله. قاله عبد الباقي. ثانيها أشار إليه بقوله: ومنع جزية؛ يعني أن الذمي إذا امتنع من أداء الجزية فإنه يكون ناقضا للعهد، فيخير فيه الإمام بواحد مما مر، ثالثها أشار إليه بقوله: وتمرد على الأحكام؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتمرد على الأحكام بأن يظهر عدم المبالاة بها؛ لأن ذلك مناف للإهانة والصغار الذي أمر الله تعالى به في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقوله: "وتمرد على الأحكام"، قال الشيخ عبد الباقي: بأن يظهر عدم المبالاة بها، ويستعين على ذلك بجاه أو استمالة ذي جرءة على المسلمين يخشاه الحاكم على ماله أو نفسه أو عرضه، رابعها أشار إليه بقوله: وغصب حرة مسلمة؛ يعني أن الذمي ينتقص عهده بسبب غصب حرة مسلمة أي الزنى بها مكرهة، ووطئها بالفعل لا بمجرد الغصب، والراجح أنه لابد

стр. 3540

فيه من أربعة عدول يرونه كالمرود في المكحلة، وقيل: يكفي اثنان؛ لأن الشهادة على نقض العهد. ابن حبيب: ولها الصداق من ماله، والولد على دين أمه أي مسلم لا أب له، وكذا يكون الولد على دينها إن زنى بها طائعة، وفهم من المص أنه لا ينتقض عهده بغصب الأمة ولا بطوع الحرة المسلمة وهو كذلك مع العقوبة الشديدة، وكذا لا ينتقض عهده بغصب حرة ذمية، وما نقص الأمة في ماله، ومحل عدم نقضه فيهن ما لم يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده وإلا انتقض. انظر الشبراخيتي. خامسها أشار إليه بقوله: وغرورها؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا غر حرة مسلمة بأنه مسلم وتزوجها ووطئها، فيخير فيه الإمام بالنظر في واحد من الأمور المتقدمة، واحترز بهذين الأمرين مما إذا طاوعته على الزنى أو علمته وتزوجته ووطئها فلا يكون نقضا فيهما، ويفرق بينهما في مسألة التزوج، واحترز بالحرة المسلمة عن الأمة المسلمة فلا يكون زناه بها ناقضا للعهد طائعة أو مكرهة، إلا أن يعاهد على أنه إن أتى شيئا من ذلك انتقض عهده، ولو زنى بالحرة الكافرة فلا يكون ذلك نقضا طائعة أو مكرهة، وقد مر قريب من هذا. سادسها أشار إليه بقوله: وتطلعه على عورات المسلمين؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده بالتطلع على عورات المسلمين؛ بأن يطلع الحربيين على عوراتهم، كأن يكتب لأهل الشرك بأن الموضع الفلاني للمسلمين لا حارس له ليأتوهم من قبله، فإنه يقتل ليكون نكالا لغيره، والعورة لغة الموضع المنكشف الذي لا حارس له، وعورة العدو ما انكشف من حاله الذي يتوصل منه إليه، ومنه: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وهو مأخوذ من عورة الإنسان المنكشفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: المراد بعورات المسلمين كل ما يقصد إخفاؤه عن العدو. وسابعها أشار إليه بقوله: وسب نبي؛ يعني أن الذمي ينتقض عهده إذا سب نبيا مجمعا على نبوءته عند الأمة، وإن أنكرها اليهود كنبوءة داوود وسليمان، لا إن سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر. بما لم يكفر به؛ يعني أن الذمي إنما ينتقض عهده بسب النبي المجمع على نبوءته إنما هو حيث سبه بما لم يكفر به الكفر الذي يقر عليه بأن كفر به، كما في بناني رادا على عبد الباقي الكفر الذي لا يقر عليه، وأما إن سبه بما كفر به الكفر الذي يقر عليه فإنه لا ينتقض عهده بذلك كلم يرسل إلينا،

стр. 3541

ونحو ذلك عيسى ابن الله، أو ثالث ثلاثة، فلا يقتل لإقرارهم على ذلك بالجزية، ولكن يوجع أدبا؛ لأن فيه إظهار معتقده، وقول الشفا: لا شيء عليه لا قتل عليه. قالوا: كليس بنبي، مثال لما ينقض به العهد؛ يعني أن الذميين إذا قالوا في النبي سيدنا محمد ﷺ : ليس بنبي، فإنه ينتقض عهدهم، والضمير في قالوا لأهل المذهب، وذكره على وجه التبري لأن بعض هذه الأمور مما يكفر به، كقولهم: إنه تقول القرآن. قاله التتائي. وقال الشارح: وكأن الشيخ إنما قال: قالوا، متبرئا من ذلك لأنه أيضا مما كفروا به، وفيه نظر. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وقول التتاني واضح، وقول الشارح فيه نظرت لعل وجهه أنه وإن كان مما كفروا به لكن فيه استحقار وانتقاص، وقال الزرقاني: لم ينسبه إلى غيره لقصد التبري منه، بل لكونه كلاما قبيحا لا ينبغي أن ينسبه إلى نفسه، وعلى هذا فالضمير للكفار. انتهى كلام الشيخ إبراهيم. أو لم يرسل؛ يعني أن الذمي إذا قال في النبي ﷺ : لم يرسل، فإنه ينتقض عهدد، بخلاف ما لو زاد: إلينا. أو لم ينزل علية قرآن؛ يعني أن الذمي إذا قال في النبي ﷺ : لم ينزل عليه قرآن، فإنه ينتقض بذلك عهده. أو تقوله؛ يعني أن الذمي إذا قال: تقول محمد القرآن أي اختلقه من قبل نفسه فإنه ينتقض بذلك عهده، روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدا ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوله أنه يقتل، وأما إن قال: لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى وعيسى لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أقرهم على مثله. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: وهما يعني قوله: "أو لم ينزل عليه أو تقوله"، فالمعنى واحد وإن اختلفا لفظا لكنه مما كفروا به. انتهى. أو عيسى خلق محمدا؛ يعني أن الذمي إذا قال: عيسى خلق محمدا فإنه ينتقض بذلك عهده، قال القاضي: سئل أبو المصعب عن نصراني قال عيسى خلق محمدا؟ قال: يقتل. قاله الشارح. أو مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ما له لم ينفع نفسه حين أكلته الكلاب؟ يعني أن الذمي إذا قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه حين أكلته -أي ساقيه-

стр. 3542

الكلاب؟ فإنه ينتقض بذلك عهده، قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة فهو الآن في الجنة ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه؟ لو قتلوه استراح منه الناس، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه، وقوله: كليس بنبي، إلى هنا مثال للسب الذي لم يكفروا به، والمراد بما لم يكفروا به ما لم يقروا عليه، وبما كفروا به ما أقررناهم عليه، وقوله: "أو مسكين محمد" الخ، قال البساطي: ينبغي أن لا يكون تحت التبري إذ لا شك في قصد التنقيص به وليس من مهيع ما قبله. وقتل إن لم يسلم؛ يعني أن الذمي إذا سب النبي ﷺ بما لم يكفر به، فإنه يقتل وجوبا إن لم يسلم، وأما إن أسلم إسلاما غير فار به من القتل لم يقتل، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ الآية، ولا يقال له: أسلم، والفرق بين الذمي الساب يقتل إن لم يسلم والمسلم الأصلي الساب يقتل ولا تقبل توبته من أجل حق الآدمي، هو أن الذمي منعناه من إظهار ما في باطنه من تنقيصه ﷺ مع علمنا به، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ونقضا للعهد، فإذا أسلم سقط ما قبله، والمسلم ظننا أن باطنه كظاهره بخلاف ما بدا منه الآن، وأما غير السب مما ينقض به العهد فإنه يوجب الرجوع للأصل من التخيير بين الأمور السابقة الخمسة المشار إليها بقوله: كالنظر في الأسرى بقتل أو من أو فداء أو جزية أو استرقاق، وقيل: لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله لأنه حق للنبي ﷺ ، وجب لانتهاك حرمته؛ لأنه إذا لم تقبل توبة المسلم فأولى توبة الكافر، وفي الشفا: لا خلاف عندنا أن الذمي إذا صرح بسب نبينا أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به أنه يقتل إن لم يسلم، وهذا قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: يؤدب ويعزر. انتهى. ملخصا من كبير الشارح، وشرح عبد الباقي، وحاشية بناني. وإن خرج لدار الحرب وأخذ استرق؛ يعني أن الذمي إذا خرج من دار الإسلام لدار الحرب ناقضا للعهد، فإنه يسترق إذا أخذ على ما اتفق عليه مالك وأصحابه، وقال أشهب: لا يسترق، وذكر الاسترقاق وإن كان مخيرا فيه الإمام في جميع الوجوه المتقدمة من الاسترقاق وغيره ردا لقول

стр. 3543

أشهب: لا يعود الحر إلى الرق أبدا، وأجاب ابن رشد عن قول أشهب بأن الحرية لم تثبت لهم بعتاقة من رق متقدم فلا تنقض، وإنما تركوا على حالهم من الجزية التي كانوا عليها ويعطوها عن يد وهم صاغرون، فإذا منعوا لم يصح العوض وكان للمسلمين الرجوع. إن لم يظلم؛ يعني أن الذمي إذا خرج لدار الحرب وأخذ فإنه يسترق كما عرفت، ومحل ذلك حيث لم يخرج لأجل ظلم لحقه بل إنما خرج ناقضا للعهد. والإ بأن كان خروجه لأجل أنه ظلم حقه، فلا يسترق، بل يرد لجزيته، ويصدق في قوله: خرجت لظلم لحقني، إن قامت قرينة على ذلك. قاله عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وإلا بأن خرج لظلم لحقه ولو بشك فلا يسترق، كمحاربته، تشبيه بقوله: "فلا"، ولذلك صرح بمفهوم الشرط؛ يعني أن الذمي إذا حارب بدار الإسلام، بأن قطع الطريق لأخذ مال أو لمنع سلوك ولم يظهر الخروج عن الذمة، فإنه إذا أخذ لا يسترق بل يحكم فيه بحكم الإسلام في المحارب المسلم من قتل أو صلب أو قطع أو نفي، ولا يناقض هذا قوله: "وينتقض بقتال"؛ لأن هناك أظهر القتال وهنا متلصص. وإن ارتد جماعة وحاربوا فكالمرتدين؛ يعني أنه إذا ارتد جماعة بعد إسلامهم الطارئ على كفرهم، وحاربوا بعد الارتداد كمحاربة الكفار للمسلمين ثم ظفرنا بهم، فإن حكمهم حكم المرتدين من المسلمين الأصليين، فيستتاب كبارهم ثلاثة أيام، فإن تابوا وإلا قتلوا، ومالهم فيء، ويجبر صغارهم على الإسلام، وإن حاربوا كمحاربة المسلمين فإن الإمام يخير فيهم للحرابة ثم ينظر فيهم كما ينظر في المرتدين، وما مشى عليه المص هو الراجح. وقال أصبغ: يحكم فيهم بحكم الحربيين، وقد حكم عمر رضي الله تعالى عنه في أهل الردة من العرب بحكم المرتدين برد الصغار والنساء من الرق لعشائرهم، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه قضى فيهم بالسبي بحكم الحربيين. ابن رشد: الذين قضى فيهم أبو بكر بالسبي هم الذين نقض فيهم عمر القضية، وهو خلاف قولهم: إن القاضي لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده فتدبر ذلك. ابن عبد السلام: لا نسلم أنه خالف أبا بكر، وإنما فعل تطييبا لنفوس المسلمين لمشقة رؤية أحدهم زوجته وابنته مملوكة، وذكر أنه فعله بعوض: وفعل أبي بكر أجمع عليه الصحابة، واعترض ابن عرفة كلام ابن عبد السلام، قال: والجواب الحقيقي أن الحكم بالسبي في قوم لا

стр. 3544

يناقضه الحكم بالمن عليهم لأنه لا منافاة بينهما، وبأن المن مسبب عن السبي والسبب يغاير سببه ولا يناقضه، ولذا كان الإمام في حكمه بالسبي في قوم ثم بالمن عليهم ليس بمتناقض في حكميه، فحينئذ أقول: الصادر من عمر إنما هو المن عليهم لمصلحة لاسيما وقد أسلموا كلهم، لا نقض لحكم أبي بكر، وهذا كله على ما حكاه ابن حبيب وسلمه ابن رشد، وإلا فالذي ذكره أبو الربيع في الاكتفاء أن أبا بكر توفي وهم (١) موثقون من غير أن يحكم فيهم بالسبي ولا بغيره، فلما ولي عمر سرحهم، فإذا ثبت هذا فلا إشكال؛ لأن أبا بكر لم ينفذ فيهم الحكم. وللإمام المهادنة، المهادنة هي صلح الحربي مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام؛ يعني أن عقد المهادنة لا يتولاه إلا الإمام، فاللام لاختصاص، وينبغي أن نائب الإمام كالإمام. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وللإمام حقيقة أو حكما حتى يدخل نائبه، وقدم الجار والمجرور لإفادة الاختصاص؛ أي للإمام لا لغيره من آحاد الناس. انتهى. بخلاف التأمين فيصح ولو من آحاد الناس كما مر. الشبراخيتي عن ابن عرفة: وهي -يعني المهادنة- عقد المسلم مع الحربي على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام، فخرج الأمان والاستيمان، والمسالمة المتاركة. انتهى. وقد علمت مما مر أن المراد بالمسلم في قوله خصوص الإمام، ولابد من بيان ألفاظ يذكرونها في هذا الباب وهي الأمان والاستيمان والمهادنة والجزية الصلحية والعنوية، فالمهادنة قد علمتها، والأمان هو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما، والجزية الصلحية ما التزم كافر منع نفسه أداءه على إبقائه ببلده تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، والعنوية ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، وأما الاستيمان فهو رفع استباحة دم الحربي ورقه وماله، لا في حين القتال أو العزم عليه بسبب طلبه الأمان. والله أعلم. لمصلحة، متعلق بالمهادنة، واللام للتعليل؛ يعني أن شأن المهادنة موكول إلى الإمام فليفعل ما فيه المصلحة للمسلمين من المهادنة وتركها، فيشمل كلام المص ما إذا كانت المهادنة جائزة، وذلك حيث استوت المصلحة في المهادنة وعدمها، وما إذا تعينت المهادنة فإن تعين عدم المهادنة

стр. 3545

-وذلك إذا كانت المصلحة في عدمها لكون المسلمين ظاهرين على العدو- فلا تجوز حينئذ، وإن بذل العدو المال لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، ولقد طلب الطاغية ذلك من عبد الله بن هارون، وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقها، في ذلك فقالوا له: إن الثغور اليوم ضامرة وفيها أهل البصائر وأكثرهم [فازعون] (١) من البلدان. فمتى انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلت الثغور للعدو، والذي تصيب أهل الثغور منهم أكثر من مائة ألف، فصوب ذلك ورجع إليهم، ولا بأس أن يصالحوا على غير شيء يؤخذ منهم، وقد (صالح رسول الله ﷺ في الحديبية على غير شيء (٢))، والمراعى في ذلك ما يراه الإمام الأصلح. إن خلا عن كشرط بقاء مسلم؛ يعني أن المهادنة إنما تجوز إذا خلت عن شرط فاسد، وذكر الضمير باعتبار العقد أو الصلح، وأما إن لم يخل عقد المهادنة عن شرط فاسد فإنها لا تجوز، مثال الفاسد ما إذا اشترطوا بقاء مسلم أسير بأيديهم، وفعله ﷺ يوم الحديبية خاص به لا علم في ذلك من الحكمة وحسن العاقبة. نقله الإمام الحطاب. ومن الشرط الفاسد ما إذا شرطوا بقاء قرية للمسلمين خالية لهم، وكذا لو شرطوا الحكم بين مسلم وكافر بحكمهم. وتحصل من كلام المص أن المهادنة تجوز بثلاثة شروط، الأول: أن تقع من الإمام لا من غيره، الثاني: أن تكون لمصلحة، الثالث: أن تخلو عن شرط فاسد ولم يعطف الثالث بالواو لجعل السابقين كالموضوع للمهادنة. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن بمال. يحتمل أنه مبالغة في مفهوم الشرط، والمعنى على ذلك أن المهادنة إذا لم تخل عن شرط فاسد فإنها لا تجوز، وإن كان الشرط المذكور مع مال أي مصاحبا له يدفعه أهل الكفر لنا، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾، ويحتمل أن تكون المبالغة في المنطوق؛ أي تجوز المهادنة إن خلت عن شرط فاسد، وإن كان الفاسد بسبب مال يلتزمه الإمام للعدو. إلا لخوف؛ معناه -على أن المبالغة في المنطوق- تجوز المهادنة إن خلت عن شرط فاسد، وإن كان الفساد بسبب مال يدفعه الإمام للكفار فتمنع إلا لأجل خوف ضرر أشد من دفع المال لهم فتجوز على دفع مال لهم، وأما على أن

стр. 3546

المبالغة في المفهوم، فالمعنى إذا لم تخل المهادنة عن شرط فاسد لم تجز، وإن كان ذلك الشرط مصاحبا لمال يدفعوه (١) لنا إلا لخوف ضرر أشد، كاستيلائهم على المسلمين فتجوز المهادنة حينئذ، ويجوز كل ما منع، وإنما جاز أن يهادنهم الإمام على مال يدفعه لهم عند الخوف، (لمشاورته ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة لما أحاطت القبائل بالمدينة في أن يبذل للمشركين ثلث الثمار، لما خاف أن تكون الأنصار ملت القتال، فقالا: إن كان هذا من الله سمعنا وأطعنا، وإن كان رأيا فما أكلوا منها في الجاهلية تمرة إلا بشراء أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام؟ فلما رأى رسول الله ﷺ عزمهم على القتال ترك ذلك (٢))، فلو لم يكن الإعطاء عند الضرورة جائزا لما شاور رسول الله ﷺ . انظر الشبراخيتي وحاشية الشيخ محمد بن الحسن. ولا حد؛ يعني أن مدة المهادنة ليس لها حد واجب لا يجوز النقص عنه ولا الزيادة عليه وإنما هي باجتهاد الإمام وما يراه مصلحة، وقوله: "ولا حد"، جملة مستأنفة لبيان الحكم وليست شرطا. وندب أن لا تزيد على أربعة أشهر؛ يعني أنه يندب للإمام أن لا يزيد في مدة المهادنة على أربعة أشهر لاحتمال حصول زيادة قوة للمسلمين، وكلام المص حيث كانت المصلحة في ذلك وفي غيره على السواء وإلا تعين ما فيه المصلحة. أبو عمر: يستحب أن لا تكون مدتها أكثر من أربعة أشهر إلا مع العجز. وإن استشعر خيانتهم نبذه؛ يعني أنه يجب على الإمام أن ينبذ عقد المهادنة أي يطرحه ويحُلهُ حيث استشعر خيانة العدو؛ أي ظن ظنا قويا أن الخيانة حاصلة منهم بظهور دلائلها، والخيانة هي ما يؤذن بنقض العهد. وأنذرهم؛ يعني أنه يجب على الإمام إذا نبذ عهدهم، أن ينذرهم بأن يعلمهم إعلاما حقيقيا أنه طرح المهادنة بينه وبينهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، ويعلمهم أنه يقاتلهم وأنه لا معاقدة بينه وبينهم، وأما إن تحقق خيانتهم فإنه ينبذ عهدهم من غير إنذار. قال الشبراخيتي: ابن العربي: إن قيل: كيف ينقض العهد المتيقن بالخوف وهو ظني؟ قيل: إذا ظهرت آثار الخيانة

стр. 3547

ودلائلها وجب نبذه خوف الوقوع في الهلكة بالتمادي، وسقط اليقين هنا بالضرورة أي بسببها. انتهى. ووجب الوفاء؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يفي لهم بما شرطوه عند عقد المهادنة إذا كان الشرط صحيحا، فلا يجوز أن يشترط رد من جاءنا منهم مسلما عليهم وذلك ممنوع في الرجل، كالرأة إذا جاءت إلينا مهاجرة مسلمة فلا يحل ردهما (١) ولا يجوز شرط ذلك. نقله في الجواهر. وقال المازري: عندنا يرد من جاء مسلما وفاء بالعهد إذا كان من الرجال دون النساء لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولأن ردتهن أقرب، وقيل: يمنع رد الجميع لحرمة الإسلام. قاله الشارح. وإن برد رهائن. المراد بالرهائن هنا ناس من العدو نأخذهم يكونون عندنا حتى تنقضى مدة المهادنة توثقا في الأمان ودفعا للخيانة؛ والرهائن هي: "لِمْنَازْلَ" بالحسانية؛ يعني أن الكفار إذا رهنوا لنا ناسا منهم حتى تنقضي مدة المهادنة، فإنه يجب علينا الوفاء بأن نرد إليهم رهائنهم أي ناسهم الكفار الذين رهنوهم لنا. ولو أسلموا؛ يعني أنه يجب على الإمام أن يرد إلى الكفار رهائنهم الذين رهنوهم لنا كفارا ولو أسلموا بعد ذلك، فيردهم إليهم وهم مسلمون بشرط أن يكون عند العدو رهائن مسلمون، وتوقف تخليص الرهائن المسلمين الذين عند الكفار على رهائن الكفار الذين أسلموا، فإن لم يكن عند العدو رهائن مسلمون أو كانوا عندهم ولم يتوقف تخليص الرهائن المسلمين الذين عند الكفار على رد الرهائن الكفار الذين طرأ إسلامهم لم نرد لهم من أسلم من رهائنهم. روى ابن وهب أن مالكا سأله أهل المصيصة إذ رهنوا منهم سبعة وارتهنوا من الروم سبعة حتى يفرغ ما بينهم، فأسلم الذين بأيدينا وأبوا الرجوع إلى بلدهم؟ فقال: يردون إليهم، قال ابن حبيب: قال [من لقيت] (٢) من أصحابه المدنيين: ومعنى ذلك أن الروم حبسوا من عندهم من المسلمين حتى نردها، فإن رجي خلاص أولئك فلا يرد إليهم هؤلاء. نقله الشارح. وما شرحت به قول المص "ولو أسلموا"، من تقييده بما إذا كان عند العدو رهائن مسلمون هو للشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ بناني عن

стр. 3548

الرماصي: هذا القيد نقله في الجواهر عن ابن حبيب، واعتمده الشارح في الكبير، وتبعه علي الأجهوري وفيه نظر؛ لأن ذلك لابن حبيب، وإنما قاله على أصله في عدم رد الرهائن والرسل إن أسلموا ولو مع شرط ردهم إن أسلموا، ومذهب ابن القاسم خلافه، بل ترد الرهائن والرسل عنده ولو بلا شرط ولو أسلموا وهو قول مالك. ابن عرفة: سمع سحنون رواية ابن القاسم: إن أسلم رسول أهل الحرب رد إليهم. ابن رشد: وقال ابن حبيب: لا يرد إليهم ولو شرطوه، وثالثها: إلا أن يشترطوه. انتهى كلام الشيخ بناني. وقوله: "ولو أسلموا"، لا يخالف قوله: إن خلا عن كشرط بقاء مسلم، لحمل ما هنا على من طرأ إسلامه بعد عقد المهادنة، وحمل الأول على من سبق إسلامه عقد المهادنة، أو أن ما سبق في البقاء وهذا في الرد، ولا يلزم منه البقاء لجواز فراره أو فدائه. قاله الشيخ عبد الباقي. وعلم مما قررته أن المص رد بلو على ابن حبيب، وقال الإمام الحطاب: قال ابن عرفة: المازري: لو تضمنت المهادنة أن يرد إليهم من جاءنا منهم مسلما لوفي لهم بذلك في الرجال، لفعله ﷺ دون النساء، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. ابن شأس: لا يحل شرط ذلك في نساء ولا في رجال: فإن وقع لم يحل ردهما، قلت: ومثله لابن العربي، قال: وفعله ﷺ خاص به لما فيه من الحكمة وحسن العاقبة. انتهى كلام الحطاب. كمن أسلم؛ يعني أنهم إذا شرطوا علينا عند عقد المهادنة أن نرد إليهم من جاءنا منهم مسلما، فإنه يوفى لهم بذلك وجوبا إن كان من الرجال دون النساء، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، وقوله: "كمن أسلم"، سواء كان إسلامه قبل مجيئه أو بعده، (لفعله ﷺ في أبي جندل وأبي بصير (١))، وقوله: "كمن أسلم"؛ يعني: وليس رهنا كما قاله الشبراخيتي، وهو واضح، وبالغ على وجوب رد من أسلم بقوله: وإن رسولا؛ يعني أنهم إذا شرطوا أن يرد عليهم من أسلم منهم فإنه يوفى لهم بذلك وجوبا، ولا فرق في ذلك بين الرسول وغيره، خلافا لابن الماجشون في الرسول، وقد علم من هذا أنه لا فرق بين من جاء هاربا ومن جاء طائعا، فلا يقصر الحكم بالرد على من جاء هاربا، قال الشيخ عبد الباقي: وهذا ظاهر حيث قالوا

стр. 3549

في شرطهم: من جاءكم، فإن قالوا: من جاءكم هاربا، فالظاهر أنه لا يجب رد الرسول، قال: وينبغي جريان القيد المتقدم في قوله: "كمن أسلم"؛ يعني القيد الذي قدمه في رد الرهائن منهم الذين أسلموا، وهو أن يكون عند العدو رهائن مسلمون وتوقف تخليصهم على رد أولئك. والله سبحانه أعلم. إن كان ذكرا، شرط في المسألتين قبله؛ يعني أن ما ذكر من وجوب رد الرهائن الذين أسلموا ورد من أسلم وإن رسولا، محله في المذكور، وأما الأنثى فلا ترد ولو مع شرط ردها صريحا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولعله إلا لمفسدة أعظم، وينبغي عدم الرد لعموم الآية ولو كانت عندهم مسلمة سافرت في جيش آمن وأسروها، وتوقف تخليصها على رد التي أسلمت. وانظر في الخنثى المشكل. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد تقدم كلام ابن شأس وابن العربي: أنه لا يوفى لهم بالشرط في رد من أسلم من الرهائن وغيرهم ذكرا كان أو أنثى، وقولُ ابن العربي: إن فعله ﷺ خاص به. وفدي بالفيء؛ يعني أنه يجب على المسلمين أن يفدوا من كان من المسلمين بأيدي الكفار، ومن رد إليهم ممن أسلم ومن الرهائن الذين أسلموا، ويجب على الإمام أن يبدأ في الفداء بالفيء أي بيت المال. ثم بمال المسلمين؛ يعني أنه إذا تعذر بيت المال أو تعسر أو قصر عما فيه الكفاية فإنه يجب كفاية أن يفدى من ذكر بمال المسلمين؛ أي من يمكن الأخذ منه من أهل قطره وهو كواحد منهم لا ما بعد جدا، قال في العتبية: يجب على المسلمين فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فداهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم. ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو بذلك. ثم بماله؛ يعني أنه إذا تعذر فداؤه من الفيء وأموال المسلمين فإنه يجب على من ذكر أن يفدوا أنفسهم بأموالهم؛ أي يجب على من له مال منهم أن يفدي نفسه بماله ويحرم عليه البقاء عندهم لظن جري أحكامهم عليه، قوله: "بمال المسلمين" أعاده مع تقدمه ليبين تأخيره عن الفيء وتقديمه على ماله، وقدم مال المسلمين لأنه يحملهم على قتال الكفار، وليس للإمام أن يلزم واحدا من المسلمين بذلك، وإنما عليهم بمقدار يسرهم، وقوله: "وفدي بالفيء"، هذه طريقة ابن

стр. 3550

رشد، وقيل: يفدى من ماله، فإن لم يكن فمن بيت المال لخ، وهذه طريقة ابن حارث عن ابن عبدوس عن سحنون. واختاره اللخمي. قاله الشيخ بناني. وقوله: "وفدي بالفيء"، قال عبد الباقي شارحا له: وفدي من أسلم ورد للكفار من الرهائن أو غيرهم، وأولى المسلم الأصلي الأسير. واعلم أَن الأسير الذمي لا يفدى بفيء ولا بمال المسلمين ولا يتعرض له في ماله كما قاله الشيخ عبد الباقي. ورجع بمثل المثلي، قد علمت أن الأسير بأيدي العدو من المسلمين يفدى بالفيء إلى آخر ما مر، فإذا لم يكن فداؤه على الوجه المذكور سيفيده المص فإن الفادي المسلم واحدا أو متعددا يرجع عليه أي على الأسير المفدي بمثل ما فداه به إن كان مثليا. وقيمة غيره؛ أي المثلي وهو القوم، يعني أنه إذا لم يكن ما فدي به مثليا بل كان مقوما، فإن الفادي يرجع بقيمته بمحل الفداء على المفدي، ومثل الفداء ما لو اشتراه، وما قررت به المص هو الذي للشيخ الأمير، ونصه: وفدي المسلم بالفيء ثم مال المسلمين وهو أحدهم ثم ماله، فإن تعسر ما سبق وفداه إنسان رجع عليه إن لم يقصد صدقة، وهل بجميع ما دفع واعتمد أو بما لا يمكن الخلاص بدونه وهو الوجيه؟ خلاف. انتهى. قوله: واعتمد، قال في الشرح: نقلا، وقوله: ثم مال المسلمين، قال في الشرح: ولو استغرقه لتتحرك حمية الجهاد إلا أن يلزم استيلاؤهم علينا، وقال الشيخ بناني عند قوله: "ثم بمال المسلمين" ما نصه: روى أشهب ولو بجميع مال المسلمين. ابن عرفة: ما لم يخش استيلاء العدو بذلك، وما تقدم عن الأمير راجع للإشكال، وقال الشيخ عبد الباقي: واستشكل رجوعه بأن كون المفدي كواحد منهم يقتضي أنه لا يرجع عليه بما دفع عنه؛ إذ هو كقاتل الخطإ تكون الدية على عاقلته وهو كواحد منهم، ولا يرجعون عليه، وأيضا لو كان لهم رجوع عليه لكان فداؤه بماله الموجود بأرض الإسلام مقدما على مالهم، ولما كان للوجوب عليهم فائدة، وأجيب بأنه فيما إذا فداه المعين مع علمه أو ظنه أن الإمام لا يفديه من بيت المال ولا مما يجمعه من المسلمين وفداه بقصد الرجوع كما يذكره، وأما إن علم أو ظن أو شك أن الإمام يفديه من بيت المال أو مما يجمعه من المسلمين وفداه بقصد الرجوع، فإنه لا رجوع له عليه لحمله على التبرع وتفريطه، أو أنه فداه بغير علم الإمام كما قررنا وما مر بعلمه، وإذا جهل الفادي المذكور أن الإمام

стр. 3551

يلزمه فداؤه من بيت المال أو أن يجمع له ما يفديه به من ماله وفداه بقصد الرجوع فإنه يرجع أيضا، والظاهر أنه لابد من حلفه كما يرشد له قوله في باب الرهن: "وحلف المخطئ الراهن أنه ظن لزوم الدية ورجع"، ثم رجوعه بمثل المثلي إن كان المثلي عينا أي ذهبا أو فضة فواضح، وإن كان غيرهما أي كقمح رجع بمثله بمكان دفعه فيه كما قدمنا. وهذا صادق بما إذا كانت قيمته بمكان دفعه أكثر من قيمته بمكان قضائه وعكسه. انتهى. وقال في تقرير المص: ورجع المسلم الفادي أو المشتري المعين واحدا أو متعددا بغير علم الإمام على الأسير مسلما أو ذميا حرا أو عبدا، وفداء العبد كجنايته يخير سيده بمثل المثلي يدفعه للفادي في محل الفداء، فإن تعذر فقيمته بمحل الفداء. انتهى. قال الشيخ بناني: قوله: وأجيب بأنه فيما إذا فداه الخ، هذا الجواب غير ظاهر؛ لأن العلم بأن الإمام لا يفديه لا يقتضي تقديم مال الأسير على بيت المال. وكذا يقال في الجواب الذي بعده، ولذا قال ابن رشد واللخمي: القياس أن لا يتبع المفدي بشيء. انظر كلامهما في المواق. وتأمله، وقوله: "بمثل المثلي"، مثله للباجي وابن بشير، وقال ابن عبد السلام: الأظهر المثل مطلقا؛ لأنه قرض. ابن عرفة: الأظهر إن كان الرجوع بقول المفدي: افدني وأعطيك الفداء، فالمثل مطلقا لأنه قرض، وإن كان بغيره فقول الباجي لأن السلعة المفدي بها لم يثبت لها تقرر في الذمة ولا التزامها قبل صرفها في الفداء، فصار دفعها هلاكها (١)). انتهى. علي الملي، متعلق برجع؛ يعني أن الأسير إذا وجب للفادي عليه الرجوع فإنه يرجع على الملي بمثل المثلي وقيمة المقوم، يأخذ منه ذلك الآن. والمعدم؛ يعني أن الأسير المسلم إذا كان معدما فإن عدمه لا يمنع من الرجوع عليه، فهو كالملي إلا أنه يرجع عليه باتباع ذمته فينظره إلى ميسرته. ابن رشد: وأما من فدى أسيرا لا مال له بغير أمره، فالصحيح الذي يوجبه النظر أنه ليس له أن يتبعه بما فداه به؛ لأن ذلك إنما يتعين على الإمام وجميع المسلمين، وظاهر الروايات خلاف ذلك وهو بعيد. انتهى قاله الحطاب.

стр. 3552

إن لم يقصد صدقه؛ يعني أن محل رجوع الفادي على المفدي إنما هو حيث لم يقصد التصدق عليه بالفداء؛ بأن قصد الرجوع أو لا قصد له، وأما إن قصد بالفداء الصدقة عليه فإنه لا يرجع بشيء، والقول قوله في قصد الصدقة وعدمه؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهته. ولم يمكن خلاصه بدونه؛ يعني أنه يشترط في رجوع الفادي على المفدي أيضا أن لا يمكن تخليصة إلا بالفداء الذي دفعه: فيرجع حينئذ بجميع ما دفعه، فإن أمكن تخليصه بدون شيء لم يرجع كبيت المال، فإنه إذا أمكن تخليصه به لم يرجع، وإن أمكن تخليصه بأقل مما خلصه به رجع بقدر ما يمكن أن يخلص به، فالصور ثلاث، مفهومه اثنتان ومنطوقه واحدة. قال الرماصي: هذا القيد -يعني قول المص: ولم يمكن خلاصه بدونه- للخمي: وجعله ابن عرفة وابن بشير مقابلا، فجعل المؤلف له هنا، وفي التوضيح تقييدا للمذهب منتقد عليه، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر ما فعله المص تبعا لابن عبد السلام. إلا محرما، مستثنى من قوله: "ورجع"؟ يعني أن محل رجوع الفادي على المفدي بمثل المثلي وقيمة المقوم، إنما هو حيث لم يكن الفادي محرما من القرابة للمفدي، وأما إن كان محرما له فإنه لا يرجع عليه بشيء، وخرج بمحرم القرابة محرم الصهر والرضاع. أو زوجا؛ يعني أن الزوج إذا أسرت زوجته وفداها فإنه لا يرجع عليها بشيء، كما أن الزوج إذا أسر وفدته زوجته لا ترجع عليه بشيء، فالأسير المسلم إنما يرجع عليه حيث لم يكن زوجا ولا محرما، وإلا فلا، لكن بشرط أشار إليه بقوله: إن عرفه؛ يعني أن محل عدم الرجوع بالفداء على الزوج والمحرم إنما هو حيث عرف الفادي كلا منهما حين الفداء، وأما إن لم يعرف حين الفداء أنه زوج أو محرم ثم تبين بعد ذلك أنه زوج أو محرم فإن الفادي يرجع على المفدي، وأفرد المؤلف الضمير لأن العطف بأو. وبعما قررت علم أن قوله: "إن عرف"، شرط في مسألتي المحرم والزوج، وقوله: إلا محرما أي وهو لا يعتق عليه، ولهذا قال: أو عتق عليه؛ يعني أنه يشترط في عدم رجوع الفادي على قريبه المحرم أحد أمرين أن يعرفه أو يكون ممن يعتق عليه. والحاصل أن الفادي إذا كان زوجا للمفدي لا يرجع عليه بالفداء إذا عرفه حين الفداء، فإن فداه وهو لا يعرفه فإنه يرجع عليه بما فداه به، وأن الفادي إذا كان قريبا محرما للمفدي يرجع عليه

стр. 3553

بما فداه به بشرطين، أن لا يعتق عليه، وأن لا يعرفه حين الفداء، فإن عتق عليه فإنه لا يرجع عليه عرفه أم لا، وإن لم يعتق عليه وعرفه لم يرجع عليه، وإن لم يعرفه حين الفداء رجع عليه كما مر، وإن كان الفادي قريبا غير محرم فهو كالأجنبي بلا خلاف يرجع عليه إن لم يقصد صدقة ولم يمكن الخلاص بدونه. إلا أن يأمره به، مستثنى من قوله: "إن عرفه أو عتق عليه". قاله الشيخ إبراهيم؛ يعني أن المفدي إذا كان زوجا للفادي أو محرما له وعلم الفادي ذلك فيهما: أو كان المحرم يعتق عليه وأمر الفادي بالفداء، فإن الفادي يرجع حينئذ على المفدي بالفداء حيث التزم المفدي الفداء، كما أشار إلى ذلك بقوله: ويلتزمه؛ أي يشترط في رجوعه عليه بالفداء أمران، الأمر بالفداء والتزامه له، كأن يقول: افدني وأعطيك الفداء، وظاهر كلام ابن حبيب أن الزوج يرجع على زوجته بما فداها به بأمرها وإن لم تقل له ذلك، خلاف ما ذهب إليه فضل من أنه لابد من أن تقول: افدني وأعطيك الفداء، فالواو على بابها للجمع. قاله الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: إن الواو بمعنى أو؛ أي يرجع الفادي الزوج أو القريب المحرم على المفدي بحصول أحد أمرين، أن يأمره المفدي بالفداء أو يلتزم لد الفداء، قال الشيخ بناني: فيه نظر، وعبارة ابن الحاجب: فلا رجوع إلا أن يأمره ملتزما، وقرره في التوضيح على ظاهره. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ثم ما ذكره المص يقيد بغير الأب العدم، وأما هو فلا يرجع عليه ولده الفادي له ولو أشهد أو أمره به، ومثل الأب الأم، بل مقتضى التعليل أن من تجب عليه نفقته من ولده كذلك. انتهى. وقدم علي غيره؛ يعني أن الفادي حيث قلنا: إنه يرجع بالفداء فإنه يقدم على غيره من أرباب الديون، أما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فلا إشكال فيه لأنه دفع ذلك في رقبته وفيما في يديه، وأما بالنسبة إلى ماله الذي في بلد الإسلام فقال عبد الملك وسحنون: هو أولى به أيضا؛ لأن الفداء آكد، بدليل أنه يفدى بغير رضاه وبأضعاف قيمته، وإلى ما ذهب إليه عبد الملك وسحنون أشار بقوله: ولو في غير ما بيده؛ أي أنه لا فرق في تقديم الفادي في مال الأسير على غيره من أرباب الديون، بين أن يكون المال بيد الأسير في بلاد العدو حين الفداء، وبين أن يكون المال ببلد

стр. 3554

الإسلام، ورد بلو على ابن المواز القائل: هو إسوة الغرماء فيما بيده وهو أقيس؛ لأن الفداء تعلق بذمته كالدين. ابن يونس: وعلة ابن الماجشون أصح من علة محمد. نقله الشارح. وعلق "برجع"، قوله: على العدد؛ يعني أن من فدى أسارى من المسلمين كخمسين بألف دينار مثلا ومنهم ذو القدر وغيره والملي والمعدم، وقلنا: يرجع عليهم بالفداء فإنه يكون على عددهم بالسوية. إن جهلوا قدرهم؛ يعني أن محل رجوع الفادي على المفديين بالنسبة لعدد رؤوسهم إنما هو حيث جهل العدو قدر الأسارى أي غناهم وفقرهم أو رفعتهم وضدها، وأما إن علم العدو قدرهم بالمعنى المذكور فإنه يقسم الفداء على تفاوت أقدارهم بحسب العادة: فإن علموا قدرهم أو جهلوا ولو بقرينة عمل على ذلك، وإلا حملوا على الجهل بقدرهم. والقول للأسير في الفداء؛ يعني أنه إذا اختلف الفادي والأسير في أصل الفداء، فقال الأسير: خلصتني بغير شيء، وقال الفادي: بل بمال، فإن القول قول الأسير، بيمين أشبه أم لا حيث لا بينة. أو بعضه؛ يعني أنهما إذا اختلفا في قدر الفداء وهو مراده ببعضه كما في الشارح، فقال الأسير: بكذا، وقال الفادي: بأكثر من ذلك، فالقول قول الأسير بيمين أنتبه أم لا حيث لا بينة للفادي، والذي رواه ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون ومطرف وأصبغ أن القول قول الأسير إن أشبه. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: ابن رشد: وليس هذا على أصولهم، والجاري عليها أنه إذا اختلفا في مبلغ الفداء أن يصدق الأسير إن أشبه، وإلا صدق الفادي إن أشبه وإلا حلفا ولزمه فداء المثل وكذا إن نكلا ويقضى للحالف على الناكل، وإن اختلفا في أصل الفداء صدق الأسير. انتهى. ولو كان في يده، الضمير في كان عائد على الأسير، والضمير في يده عائد على الفادي، يعني أن القول للأسير ولو كان الأسير بيد الفادي، ونقل الباجي عن سحنون أن القول قول الفادي إذا كان الأسير بيده، قال الخرشي: ولك أن تقول: القول للأسير، ولو كان مال الأسير بيد الفادي، وهذه النسخة هي الصواب كما قاله غير واحد، وفي نسخة: ولو لم يكن في يده أي ولو لم يكن مال الأسير في يده أي في يد الأسير، بل كان في يد الفادي وادعى الأسير أنه وديعة والفادي أنه أمره بالفداء به، وأنه أعطاه له لذلك. قاله عبد الباقي. والصواب الأولى كما مر.

стр. 3555

وقد قال ابن عبد السلام: فالذي يظهر من هذا النقل أنه إن لم يكن في يديه فالقول للأسير، وإن كان في يده فقولان. انتهى. وعلى هذا تكون نسخة: ولو لم يكن في يده معكوسة؛ أي إن جعل الضمير في يكن للأسير وفي يده للفادي، وقد صرفه عبد الباقي عن ذلك كما رأيت. والله سبحانه أعلم. وجاز بالأسري المقاتلة؛ يعني أنه يجوز فداء أسرى المسلمين من العدو بأسارى الكفار الذين بأيدينا، وإن كان أسارى العدو من المقاتلة، وإلى هذا ذهب أصبغ في العتبية لما في صحيح مسلم أنه ﷺ فدى أسيرين بمشرك. اللخمي: ما لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين، وأما إن كان إنما يخشى وقوع الضرر بالقتال الذي يحدث بعد تسليمهم فلا بأس به، لأن القتال لاستنقاذهم يجب مع وقوع الضرر بالقتال، إلا أن يعطوا عهدا أن لا يقاتلونا معهم ويري أنهم يوفون بذلك. سحنون: لا بأس أن يفدى بصغار أطفالهم إذا لم يسلموا، وبالذمي إذا رضي الذمي وكانوا لا يسترقونه، وحكى ابن الحاجب قولا أنه لا يجوز بأسرى العدو المقاتلة. ابن عبد السلام: ولا شك أن من منع المفاداة بآلات الحرب منع هذا. قاله الشارح. وقوله: "وجاز بالأسرى المقاتلة"، قال غير واحد: أي التي شأنها القتال لأنه مترقب وخلاص المسلم محقق. انتهى. قال الشيخ إبراهيم: وقيده اللخمي بما إذا لم يخش الظهور على المسلمين إلا أن يحلفوا على عدم القتال ويري أنهم يوفون بذلك، وقيده بعضهم بما إذا كان لا يمكن خلاص أسرى المسلمين إلا بخلاص أسراهم. انتهى. وبالخمر؛ يعني أنه يجوز فداء أسرى المسلمين أيضا بالخمر. والخنزير؛ أي وكذلك يجوز أيضا فداء أسارى المسلمين بالخنزير، والحاصل أنه يجوز فداء أسارى المسلمين بالخمر والخنزير ونحوهما وهو مذهب سحنون وأحد قولي ابن القاسم، قال في كتاب محمد: هو أخف من الفداء بالخيل وآلة الحرب. ومنع أشهب ذلك وابن القاسم في القول الآخر، وإذا قلنا بالجواز، فنقل اللخمي وابن يونس وصاحب البيان عن سحنون أنه قال: يأمر الإمام أهل الذمة بدفع ذلك إليهم ويحاسبهم بقيمته في الجزية، زاد ابن يونس: فإن أبوا فلا يجبروا. على الأحسن؛ يعني أن ابن عبد السلام استظهر قول سحنون الذي هو جواز الفداء بما ذكر واستحسنه اللخمي أيضا، قال:

стр. 3556

لأنه قد أبيح للمسلم استعمال هذه للضرورة، ومعونة الكافر على استعمالها أخف. قاله الشارح. وفيه مخالفة مع ما قاله الشيخ بناني، فإنه قال: الجواز لأشهب وعبد الملك وسحنون، والمنع لابن القاسم، وسوى المص بين القولين؛ لأن انفراد ابن القاسم يضعف قوله، وتقديم الشيوخ قوله على قول غيره يقويه. قاله البساطي. وقال عبد الباقي: ولا بأس بابتياع ذلك لهم أي باشتراء الخمر والخنزير، وقال أيضا: وظاهر المص أنه يجوز الفداء بما ذكر ولو أمكن الخلاص بغيره وهو ظاهر النقل أيضا، ويفهم منه جواز الفداء بالطعام بالأولى. انتهى. وقوله: وهو ظاهر النقل، قال محمد ابن الحسن: فيه نظر؛ إذ كيف يكون ظاهر النقل الجواز مع أنهم عللوا المسألة كما في الواق بأن هذه ضرورة، وذلك ينافي الجواز مع إمكان الخلاص بغيره؟ ولا يرجع به على مسلم؛ يعني أن الأسير إذا افتكه مسلم بخمر أو خنزير، فإن الفادي لا يرجع عليه بشيء حيث كان الأسير مسلما، وكذا لو كان الأسير كافرا لوجوب إراقة الخمر على المسلم، فلو حذف قوله: "مسلم" لكان صوابا، وفي الشبراخيتي: كان الأولى أن يقول: ولا يرجع به مسلم على مثله اتفاقا، ولا على ذمي على الأصح، ويرجع به الذمي على مثله اتفاقا أي إن تحاكموا إلينات وعلى المسلم على الأصح ليوافق النقل. انتهى. وأما إن اشتراه فيرجع بثمنه. انتهى كلام الشبراخيتي. قوله: وأما إن اشتراه الخ، إنما يرجع لا إذا كان الفادي كافرا كما في المواق. والحاصل أن الصور ثمان؛ لأن الفادي إذا كان مسلما، فإما أن يفدي مسلما أو كافرا، وفي كل إما أن يخرج ما ذكر من الخمر والخنزير من عنده أو يشتريه، والحكم أنه لا رجوع له على من فداه بما ذكر، كان المفدي مسلما أو كافرا، وإن كان الفادي كافرا، فإما أن يفدي مسلما أو كافرا، وفي كل إما أن يخرج ما ذكر من عنده أو يشتريه، والحكم أنه إن فدى مسلما رجع بقيمة ما ذكر عندهم إن أخرج ذلك من عنده، فإن اشتراه رجع بثمنه، وإن فدى كافرا رجع بما فداه به أي حكم له بذلك إن ترافعا إلينا اشتراه أو كان عنده. والله تعالى أعلم. قال المشدالي: ويجوز فداء الأسير بنصراني ميت، وقال الحطاب عقبه: قلت: الذي نص عليه عياض المنع، وفي القرطبي: ومما لا يجوز بيعه جسد الكافر لأنه ميتة، وقد أعطي رسول الله ﷺ يوم الخندق

стр. 3557

في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم فلم يأخذها ودفعه إليهم، وقال: (لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه (١)). انتهى. تنبيه: من غصب جارية ثم ماتت بعد أن باعها الغاصب، فإن لربها إجازة البيع وأخذ الثمن الذي بيعت به. انتهى. ولا يستقرأ منه جواز فداء الأسير بنصراني ميت؛ لأنه إنما نظر هنا إلى يوم العقد، ولو نظر إلى يوم الإجازة وأجاز لصح الآخر، والحكم فيه من غير هذا الموضع الجواز. قاله المشدالي. نقله الحطاب. وتقدم كلامه معه. وفي الخيل وآلة الحرب قولان؛ مبتدأ وخبرد المجرور قبله؛ يعني أنه اختلف على قولين في جواز فداء أسرى المسلمين من العدو بالخيل وآلة الحرب وعدم جواز ذلك، فذهب ابن القاسم إلى المنع، وذهب أشهب وعبد الملك وسحنون إلى الجواز، وقد جمع بعضهم هذه المسألة مع التي قبلها، وذكر فيهما أربعة أقوال: الجواز مطلقا لسحنون، والمنع مطلقا لابن القاسم، والجواز بالخيل والسلاح دون الخمر والخنزير والميت لابن الماجشون وأشهب، وعكسه لابن القاسم. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: محل القولين ما لم يخش بهما الظفر على المسلمين، وإلا منع اتفاقا، قال محمد بن الحسن: تبع في ذلك الأجهوري واعترضه المصطفى بأن هذا القيد لابن حبيب، وجعله ابن رشد قولا ثالثا: وقول ابن حبيب: إنما يجوز ذلك ما لم تكن الخيل والسلاح أمرا كثيرا تكون لهم به القدرة الظاهرة. ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به أتبعه بالكلام على ما يتقوى به عليه، فقال:

стр. 3558

باب: في المسابقة وهي مفاعلة من السبق والسبق بالسكون مصدر سبق إذا تقدم، وبالفتح ما يخرج لأجل ذلك. الشبراخيني: وهي مستثناة من ثلاث قواعد ممنوعة من القمار بكسر القاف وهو اللعب، يقال: تقامروا إذا لعبوا، وتعذيب الحيوان لغير مأكله، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد أي فيما إذا أخرج الجعل أجنبي كما يأتي بيانه، وأجيزت لمصلحة الجهاد. انتهى. وأصله للقرافي وقوله: لغير مأكله أي لغير أكله؛ إذ لا يعذب إلا لأكله بالعقر والذبح. قاله بناني. قال: والقمار بكسر القاف المقامرة، وتقامروا لعبوا القمار. قاله في الصحاح. انتهى. وقال في القاموس: قامره مقامرة وقمارا فقمره كنصره وتقمره: راهنه فغلبه، وهو التقامر، وقميرك مقامرك، جمعه أقمار، وقد قمر يقمر، وتقمر المرأة: تزوجها. انتهى. وفي الرسالة: وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل، ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار، فالخيانة هي أن يخون الرجل غيره في أمانته أو في نفسه أو في أهله أو في ماله، والسحت كالرشا وثمن الجاه والسؤال للتكثير ونحو ذلك، والقمار هو ما يأخذه بعضهم من بعض على لعب الشطرنج ونحوه. قاله الشاذلي. المسابقة بجعل في الخيل؛ يعني أن المسابقة حال كونها متلبسة بجعل أي بعوض، تجوز في الخيل أي من الجانبين؛ أي الخيل من جانب زيد مثلا ومن جانب عمرو المتسابقين، قال الشيخ عبد الباقي: المسابقة مبتدأ وخبره كون خاص أي جائزة في الخيل. وقال الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أن الخبر هو قوله: "في الخيل والإبل" الخ، ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي، قال: وإنما قدرنا العامل هنا خاصا لأن القرينة هنا قائمة على ذلك. انتهى. والإبل؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز في الخيل من الجانبين تجوز في الإبل من الجانبين. وبينهما؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز في الخيل والإبل من الجانبين فيهما تجوز أيضا بين الإبل والخيل بأن تكون الخيل من جانب والإبل من الجانب الآخر، ولا تجوز المسابقة بجعل في غير ما ذكر، فلا تجوز في الفيلة بينها ولا مع غيرهما ولا في البغال والحمير. والسهم؛ يعني أن المسابقة بجعل كما تجوز فيما مر تجوز في السهام، وهو يشمل نوعين: نضال في إصابة الغرض، ونضال في بعد الرمية، والمراد بالجواز الإذن؛ إذ قد تجب إن توقف معرفة

стр. 3559

الجهاد عليها وقد تندب، وفي الحديث: (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نضل (١)) أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد بن حنبل في مسنده. وصححه الحاكم. والخف للبعير، والحافر للفرس، والسبق بفتح الموحدة: المال المأخوذ في المسابقة؛ أي لا عوض يستحق إلا في خف الخ، ويروى بالسكون مصدرا، والنضل بفتح النون وسكون الضاد المعجمة أي السهم. قاله الشيخ بناني. وفي الرسالة: ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام والرمي. الزناتي: إنما قال ذلك لأنه من اللهو واللعب، فينبغي أن لا يشتغل بشيء منه، لكن لما كانت هذه الأشياء مما يستعان به في الجهاد في سبيل الله تعالى الذي هو طريق إلى إظهار دين الله تعالى ونصرته، جاز لما فيه من منفعة الدين وما يؤدي إلى عبادة أو يستعان به في عبادة فهو عبادة، وقد أثنى رسول الله ﷺ على المتصفين من الرجال بأوصاف الكمال إذ بالناس حاجة إليه، فقال: من ركب وعام وخط وخاط ورمى بالسهام فذلك نعم الغلام، وقال: (كل لهو يلهوه المؤمن فهو باطل إلا لهوه بفرسه وقوسه أو زوجة (٢)). قاله الحطاب. وقوله: "بجعل"، وأولى بغيره، وإنما قال: بجعل؛ لأنه محل الخلاف، وأما بغيره فهو جائز باتفاق، وسيأتي قوله: "وجاز فيما عداد مجانا"، ولا تدخل الفيلة في ذي الخف ولا الحمار في ذي الحافر؛ لأنه لا يقاتل عليهما كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، والأظهر عند الشافعية الجواز لدخولهما في الخبر المذكور. قاله الشيخ إبراهيم. وذُكِر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام ويلهو به، فأهدي إليه حمام وعنده أبو البحتري وهب بن وهب، وكان قاضيا ولي بغداد بعد أبي يوسف، فروى بسنده إلى النبي ﷺ ، قال: (لا سباق إلا في خف أو حافر أو جناح)، فزاد في الحديث: أو جناح لأجل الرشيد، فأعطاه جائزة سنية ثم أمر بالحمام فذبحت. فقيل له، ولماذا؟ فقال: من أجل ما كذب على رسول الله ﷺ ، فترك العلماء الرواية عنه لذلك، ولغيره من موضوعاته، كذا في حياة الحيوان. قاله الشيخ إبراهيم. إن صح بيعه؛ يعني أنه يشترط في جواز المسابقة بجعل أن

стр. 3560

يكون هذا الجعل مما يصح بيعه أي تصح المعاوضة عليه، فلا يصح بغرر ولا مجهول ولا خمر ولا خنزير ولا ميتة أو دم أو أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو حر، قال في النوادر: وتجوز على عتق عبده عنه أو عن غيره أو يخيط ثوبه أو يعمل له عملا معروفا، أو على العفو عن جرح عمدا وخطئا. انتهى. وقوله: على عتق عبده، يمكن دخوله في كلام المص لأنه يقدر دخوله في ملك المعتق عنه بدليل أن الولاء له، وقوله: أو على العفو عن جرح عمدا، لا يعارض قوله: "إن صح بيعه"، لحمله على ما إذا جاعله على أن يتملك أحدهما من المعاوضة المالية، وأما لو جاعله على أن يعفو عن جرحه عمدا إذا غلبه بالسبق فلا يعتبر هذا الشرط. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: لحمله على ما إذا جاعله، الصواب والله أعلم ترك كلام النوادر على ظاهره، وتأويل كلام المؤلف بصحة المعاوضة عليه. قاله الشيخ يناني. وقد مر في أول الحل الإشارة إلى ذلك. والله سبحانه أعلم. وعين المبدأ؛ يعني أنه كما يشترط في جواز المسابقة أن يكون الجعل مما يصح بيعه، يشترط في جوازها أيضا أن يعين المبدأ أي الموضع الذي يبتدأ منه الجري أو النضال أي الرمي في السهم، وقوله: "عين" بالبناء للمجهول، ولا بأس أن يقدم أحدهما الآخر على أن يجريا معا، أو إذا بلغ المؤخر المقدم، ويجوز نصبهما أمينا يحكم بالإصابة والخطإ. نقله الإمام الحطاب. والغاية؛ يعني أنه كما يشترط في جوازها ما مر، يشترط فيه أيضا أن تعين الغاية أي الموضع الذي ينتهي إليه الجري والرمي، ولا يشترط تساويهما في الغاية كالمبدإ كما مر قريبا وقد (سابق رسول الله ﷺ بين الخيل المضمرة وجعل غاية المسابقة بعيدة من الحفياء لثنية الوداع، وبين الخيل التي لم تضمر وجعل لها غاية قريبة من الثنية لمسجد بني زريق (١))، وتضمير الفرس أن يعلف حتى يسمن ثم يرد إلى القوت وذلك في أربعين يوما. وفي النهاية: وتضمير الفرس هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف، وقيل تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها بفتح الراء والهاء وباللام، من رهل لحمه بالكسر

стр. 3561

اضطرب واسترخى. قاله الجوهري. والحفيا بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وبالياء آخر الحروف والألف الممدودة وتقصر وقدم بعضهم الياء على الفاء، وهو اسم موضع بالمدينة، وثنية الوداع موضع آخر سمي به لتوديع أهل المدينة من يسافر لمكة منه، وهل بينهما خمسة أميال أو ستة أو سبعة؟ أقوال. قاله الشبراخيتي. والمركب؛ يعني أنه كما يشترط في جواز المسابقة بجعل ما مر يشترط فيه أيضا أن يعين الركب بفتح الكاف ما يركب من خيل أو إبل وظاهره عدم الاكتفاء بالوصف فأحرى أن لا يكتفى بذكر الجنس وهذا هو الصواب، كما يدل عليه قول ابن شاس: من شروط السبق معرفة أعيان الخيل. وأخذ ابن عرفة صحة التراهن بغير معين، واعترضه الرماصي. قاله الشيخ بناني. ولابد أن تكون متقاربة في الجري، وأن يجهل كل واحد منهما سبق فرسه وفرس صاحبه، فإن قطع أحدهما أن أحد الفرسين أجرى من الآخر لم يجز. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي البخاري: (أنه ﷺ قال: من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق، ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار (١))، وفي مسلم: (سابق ﵊ بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء وحدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق (٢))، وقوله: "وعين" الخ صريحا أو بعادة، كأن تكون لهم سنة في ذلك كانت المسابقة بدواب أو سهام. والرامي؛ يعني أنه لابد في جواز المسابقة بالنضال أن يعين المتناضلان كزيد وعمرو مثلا وإن جهل رميهما، وهذه النسخة أحسن من نسخة والرمي بلا ألف لأنها هي عين ما بعدها. والله أعلم. وعدد الإصابة؛ يعني أنه لابد في الجواز أيضا من تعيين عدد الإصابة للغرض؛ أي الشيء الذي يرمى عند التناضل كأربعة من عشرة. ونوعها؛ أي أنه لابد في الجواز أيضا من تعيين نوع الإصابة مع تعيين عددها. من خزق، هذا تبيين للنوع ما هو أي يبين كون الإصابة خزقا بخاء وزاي معجمتين، وهو أن يثقب ولا يثبت فيه، والثقب هو الخرق النافذ، جمعه أثقب وثقوب

стр. 3562

ثقبه وثقَّبه، قاله في القاموس. فمضارع ثقب يثقب بضم القاف. والله سبحانه أعلم. أو غيره؛ أي الخزق أي ولابد من تعيين نوع الإصابة، فيبين كونه خزقا أو غيره كحسق بخاء معجمة فسين مهملة، وهو أن يثبت السهم في الغرض، وخرم براء مهملة وهو أن يصيب طرف الغرض فيخدشه، وحواب والحوابي بالحاء المهملة هو أن يقع بين يدي الغرض ثم [يثب] (١) إليه، ومنه حبا الصبي، والخاصر بخاء معجمة وصاد وراء مهملتين وهو إصابة أحد جانبي الغرض من غير خدش، مشتق من خاصرة الإنسان وهي جانبه، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهله. واعلم أن مخرج الجعل على ثلاثة أقسام: جائز من غير شرط، وجائز بشرط، وممنوع. وأشار المص إلى الأول بقوله: وأخرجه متبرع، عطف على قوله: "إن صح بيعه"؛ يعني أنه لابد أن يخرج الجعل متبرع أي شخص ليس أحد المتسابقين أو أحدهما على الوجه الذي يذكره، فإن كان الذي أخرجه هو المتبرع وأخرجه على أنه إن سبق أحدهما كان له أي للسابق فإن ذلك جائز اتفاقا. الزناتي: وهو وعد يجب الوفاء به ويقضى عليه به إن امتنع. قاله الحطاب. وأشار إلى الثاني بقوله: أو أحدهما؛ يعني أنه إذا أخرج الجعل أحد المتسابقين فإن ذلك يجوز اتفاقا عند ابن رشد، لكن بشرط أشار إليه بقوله: فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هو فلمن حضر؛ يعني أنه يشترط في الجواز إذا كان المخرج للجعل أحد المتسابقين أن يدخلا على أنه إن كان الخرج للجعل مسبوقا أخذه الذي سبقه، وإن كان الخرج للجعل سابقا فيكون للذي يليه في السبق إن كانوا أكثر من اثنين، وإلا فلمن حضر ولا يأخذ المخرج شيئا من ذلك، وكذا الحكم لو سكتا فيصح العقد ويحملان على ذلك، فالمضر اشتراط المخرج أنه إن سبق عاد إليه فإنه ممنوع. وقوله: "فلمن حضر"؛ يعني صدقة عليهم ويؤجر الذي أخرجه. الحطاب. وبما قررت علم أن قول المص: "وإن سبق هو فلمن حضر"، حيث كانا اثنين، وهل يأكل المخرج معهم منه فيه قولان؟ وانظر قوله: "لمن حضر": هل معناه حضر العقد أو المسابقة أو هما معا؟ وإن لم يسبق أحد أحدا بل استوى الجميع فالظاهر أنه يكون لمن حضر، وقوله: "لمن حضر"، انظر إذا لم يحضر أحد، والظاهر أن المخرج السابق يتصدق به. قاله الشيخ عبد الباقي. ثم إنه

стр. 3563

يعتبر في السبق عرف بلد المتسابقين، فإن كان عرفهم أن السبق إنما يكون بمجاوزة فرس لجملة فرس الآخر أو بعضها أو بذلك مع بعدها عنه قدرا معينا عمل به. هذا هو الظاهر. وما ذكره الحطاب من الخلاف في السبق فلعله حيث لا عرف. ونصه: فرع: اختلف بماذا يكون السابق [سابقا] (١)، فقيل: أن يسبق بأذنيه، وقيل: بصدره، وقيل: حتى يكون رأس الثاني عند مؤخر الأول. انتهى. ويجري مثل ذلك في المناضلة. قاله الشيخ عبد الباقي. وعبارة الأمير: وأخرجه غيرهما وجاز إن سبق فلان فله خمسة وفلان فله عشرة، فلا يشترط تساويهما في الجعل أو أحدهما، قال في الشرح: عطف على غير، فإن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو فلمن حضر أو وليه في السبق. لا إن أخرجا ليأخذه السابق؛ يعني أن المتسابقين إذا أخرجا جعلا بأن أخرج كل واحد منهما جعلا استوى الجعلان أو اختلفا وتعاقدا على أن من سبق في الجري أو الرمي أخذ الجعلين، فإن ذلك لا يجوز لأنه ظاهر في القمار؛ لأن الشرع منع في باب المعاوضة من اجتماع العوضين لشخص واحد، فإن وقع فلا يكون للسابق لدخولهما ابتداء على القمار، فهو لربه، فإن سكتا عمن يأخذه فظاهر المص أنه لا يمتنع، وانظر هل يكون لربه أو لمن حضر؟ فإن كان ليأخذه المسبوق جاز كما هو ظاهر كلامهم، وتوقف عبد الباقي في موافقتهما من غير إخراجهما على أن من سبق فله على الآخر كذا، هل يمنع ذلك أو يجوز؟ قال محمد بن الحسن: منع هذا واضح، ولا معنى للتوقف فيه. انتهى. وما قاله المحشي ظاهر. والله سبحانه أعلم. ولو بمحلل يمكن سبقه، مبالغة في عدم الجواز، والمراد بالمحلل هنا من لا يخرج شيئا. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الإمام الحطاب: وسمي محللا لأنه أجاز هذا الفعل؛ لأن فعله يدل على أنهما لم يقصدا القمار، وإنما قصدا القوة على الجهاد. قاله الجزولي. انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: وسمي محلا لأنهما كأنهما تحللا به وجه الحرمة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: محللا في زعمهما، ومعنى كلام المص أنه إذا كان مع المتسابقين شخص آخر لم يخرج شيئا وهما لا يأمنان أن يسبقهما في الجري والرمي لقوة فرسه ووفور قوة ساعده يغنم إن سبق، ولا يغرم إن

стр. 3564

سبقه غيره، ودخلوا على أن من سبق أخذ الجميع أي الجعلين اللذين أخرجهما المتسابقان، فإن المشهور عن مالك منع ذلك، والجواز مع المحلل لابن المسيب، وقال به مالك مرة، وعلى قول ابن المسيب: لو استوى الثلاثة في الوصول إلى الغاية أخذ كل واحد من المتسابقين جعله، ولا شيء للمحلل، وإن سبق أحد المتسابقين أخذ الجميع، وكذا إن سبق المحلل أخذ الجميع، وإن سبق المتسابقان دون المحلل أخذ كل واحد جعله، وإن سبق أحدهما مع المحلل أخذ السابق منهما جعله وقسم جعل المسبوق بينه وبين المحلل نصفين. كذا في الحطاب. ومفهوم قوله: "يمكن سبقه"، أنه لو لم يمكن سبقه لم تجز المسابقة حينئذ وهو كذلك بلا خلاف، قال الإمام الحطاب: وأما إذا لم يمكن سبقه فلا قائل بالجواز، وأما لو تحقق سبقه ففي الحديث: (من أدخل فرسا بين فرسين وهو يعلم أنه يسبقهما فهو قمار (١))، وعلى هذا فهو ممنوع خلاف ما لأحمد الزرقاني. انظر شرح عبد الباقي. وتقدم عن الإمام الحطاب الخلاف فيما يحصل به السبق، وتقدم أن العرف يعتبر في ذلك. وتحصل من كلامهم أن المخرج للجعل لا يخلو إما أن يكون متبرعا أي ليس أحد المتعاقدين، والحكم فيها الجواز اتفاقا، وظاهر كلام الشارح وغيره سواء كان الجعل للسابق أو غيره، وإما أن يكون المخرج له أحد المتعاقدين، فإن دخلا على أنه إن كان المخرج مسبوقا أخذه السابق، وإن سبق المخرج فلمن حضر جاز أيضا اتفاقا عند ابن رشد، وإما أن يكونا قد أخرجاه معا فإن دخلا على أن السابق منهما يأخذ ذلك منع عقدها، ويكون ذلك لربه، فإن كان ليأخذه المسبوق جاز، والمنع فيما إذا كان على أن يأخذه السابق حاصل ولو كان معهما أحد لم يخرج شيئا، ويمكن أن يسبق وأن لا يسبق، فإن سبق بفتح الباء غنم، وإن سبق بضم السين لم يغرم شيئا، وأولى في المنع لو قطع بأنه مسبوق. والله تعالى أعلم. واعلم أن السابق من الحلبة يسمى بالمجلي بضم الميم وشد اللام، والذي يليه في السبق يسمى بالمصلي، ومنه قوله:

стр. 3565

إن تبتدر غاية يوما لمكرمة … تلق السوابق منا والمصلينا ثم المسلي ثم التالي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظي ثم المؤمل ثم اللطيم ثم السكيت، وجمعها بعضهم فقال: أتانا المجلي والمصلي وبعده الـ … ـمسلي وتال بعده عاطف يسري ومرتاحها ثم الحظي ومؤمل … وجاء اللطيم والسكيت له يجري قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وها أنا أذكر بعض منظومة أبي عبد الله محمد بن عيسى ابن أصبغ الأزدي القرطبي المعروف بابن المناصف المسماة بالذهبية، فإنه قال فيها في تفسير الحلبة وأسماء خيلها بعد أبيات ما نصه: فالحلبة التي هناك تعرف … جماعة الخيل التي تؤلف من حلب القوم وأيضا أحلبوا … كل بمعنى اجتمعوا وحزبوا وموضع الجري هو المضمار … ثم المدى غاية ما يسار والخطر ما يجعل للسوابق … عند المدى من خطر المسابق وكان من فعلهم فيما مضى … أن يجعل الشيء الذي قد فرضا على رءوس قصب الرماح … في طرف الغاية للإفصاح ومنه قالوا في الذي قد كملا … حاز فلان قصب السبق على، وجملة المخصوص عند العرب … مِن سُبَّقِ الخيل بوضع اللقب عشرة محفوظة الأسماء … موقوفة النقل عن الفراء

стр. 3566

أولها سبقا هو المجلي … ينقضُّ مثل النجم أو كالنبل اشتق من جلّي بمعنى ظهرا … ما كان من أمر الرهان مضمرا والفرس الثاني هو المصلي … لأنه يليه دون فصل فهو كأن رأسه تراه … عند صلا الأول أي أخراه وثالث الخيل هو المسلي … من السلو في اشتقاق الفعل كأنما صاحبه به سلا … إذ جاء بعد السابقين أولا وبعده الرابع وهو التالي … لتلوه الثالث في الإعجال ثم يليه الخامس المرتاح … كأنه من كده يرتاح إذ كان يخشى أن يكون بعد … لكونه للسبق منه بعد وبعده السادس وهو العاطف … عطفا على المرتاح يعني الواصف لأنه قد فاته ما قبل … فانضاف للمرتاح أيضا يتلو فنسبوه منه في التولي … كنسبة التالي من المسلي والسابع الذي هو الحظي … وأصله من حظوة معنيُّ لأنه يحظى وان تأخرا … بسبق من خلفه موخرا والثامن الذي هو المؤمل … ليس وراءه لسبق أمل

стр. 3567

فهو مؤمل الثلاث الباقية … بأن يفوز من ملام اللاحيه والتاسع اللطيم فهو يحرم … حظ الجياد قبله ويلطم لأنه لم يترك المؤمل … لتلوه حظا عليه يعمل والعاشر السكيت ليس ينظر … وما أتى من بعدد لا يذكر وأصله ووزنه فعيل … من السكوت إذ عداه القول لأنه ماذا عسى تراه … يقول واللطيم في أولاه ويؤثر السكيت والسكيت … كلاهما فيه وقد وفيت وقوله: ويؤثر السكيت الخ؛ قال في القاموس: السكيت كالكميت ويشدد: آخر الحلبة. ولا يشترط تعيين السهم؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المناضلة تعيين السهم الذي يرمى به برؤية أو وصف، بل تجوز بدون تعيين للسهم. والوتر؛ يعني أنه لا يشترط جواز المناضلة تعيين الوتر بالتحريك وهو السير الذي تشد به القوس، وكذا لا يشترط تعيين القوس فيجوز تناضلهما بعربيتين أو فارسيتين، ثم إن تناضلا بعربيتين أو فارسيتين لم يجز لأحدهما ولا لهما أن يبدل قوسه بغير صنفها وإن تناضلا بفارسية وعربية جاز ذلك كما يفيده ابن عرفة، وهذا واضح إن كان الجعل على إصابة الغرض، وأما إن كان على بعد الرمية فلا يجوز لأن رمية التركية لخفتها أبعد من رمية العربية، فهو كالمسابقة بين فرسين يقطع بسبق أحدهما. قاله الشيخ عبد الباقي. وله ما شاء؛ يعني أنهما إذا تسابقا في السهام فإنه لا يلزم تعيين السهم ولا الوتر كما عرفت، فإن لم يعين ذلك فإن لكل منهما أن يأخذ أي وتر شاء وأي سهم شاء. ولا معرفة الجري؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المسابقة معرفة كل منهما لجري فرس صاحبه، بل يشترط أن يجهل كل واحد منهما جري فرس صاحبه وإلا كان قمارا، قال القرطبي في شرح مسلم: ومن شرط جوازها أن

стр. 3568

تكون الخيل متقاربة في النوع والحال، فمتى علم حال أحدهما أو كان مع غير نوعه كان السبق قمارا باتفاق. قاله الإمام الحطاب. وظاهر كلام المص أن معرفة الجري لا تضر وليس كذلك كما عرفت. والراكب؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة معرفة الراكب للخيل ولا الإبل. ولم يحمل صبي؛ يعني أنه يكره في المسابقة أن يحمل الصبي على الخيل والإبل، فتكره المسابقة بين الصبيان، وكذا بين الصبي وبالغ، والكراهة في حق ولي الصبي وفي حق البالغ المسابق له، فلا يحمل عليها إلا محتلم. قاله غير واحد. الشيخ الأمير: وهل السبق بتقديم الأذن أو الصدر أو الذنب على رأس الآخر؟ أقوال، فإن اشترط شيء أو اعتيد فهو. ولا استواء الجعل؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة استواء الجعل من الجانبين، بل يجوز أن يكون متفاوتا أو من جانب واحد كما سبق، كأن يقول متبرع: إن سبق فلان فله كذا، وإن سبق فلان فله كذا أقل أو أكثر، وكذا لو كان منهما كما مر، ومن ذلك ما لو أخرج أحدهما شاة والآخر بقرة. أو موضع الإصابة، بكسر المعين عطف على الجعل؛ يعني أنه لا يشترط في جواز المناضلة تساوقي المتناضلين في موضع الإصابة، بل يجوز أن يشترط أحدهما إصابة موضع من الغرض والآخر أعلى منه أو أدنى، ويرضى الآخر بالشرط، وقال الشيخ أحمد: إنه مرفوع على حذف مضاف أي واتحاد موضع الإصابة بحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى. وكلاهما صحيح. قاله الشيخ عبد الباقي. أو تساويهما، بالتثنية أي المتسابقين أو المتناضلين، عطف على "تعيين"؛ يعني أنه لا يشترط في المسابقة تساوي المتسابقين ولا المتناضلين في المسافة، ولا تساوي المتناضلين في عدد الإصابة، فيجوز أن يرمي أحدهما أو يجري من موضع إلى موضع والآخر من نصفه أو أبعد منه بقدر معلوم؛ ويجوز عدم التساوي في العدد بين المتناضلين، وإن كان لابد من بيانه كما مر. وإن عرض للسهم عارض؛ يعني أنه إذا عرض للسهم في طريقه عارض كبهيمة أو إنسان أو طير أو نحو ذلك فعطل سيره، فإنه لا يكون بذلك مسبوقا. أو انكسر؛ يعني أنه إذا انكسر سهم أحد المتناضلين فإنه لا يكون بذلك مسبوقا. أو للفرس ضرب وجه؛ يعني أن المتسابقين إذا ضرب وجه

стр. 3569

فرس أحدهما إنسان فعاقه فإنه لا يكون مسبوقا بذلك، أو نزع سوط؛ يعني أن المتسابقين إذا نزع شخص السوط من يد أحدهما تعديا أو أزاله عن الطريق فإنه لا يكون بذلك مسبوقا لعذره، وقوله: "أو نزع سوط"؛ أي أو حصل للفارس، ففيه حذف يدل عليه المقام، كما قاله الشيخ إبراهيم. وبما قررت علم أن قوله: لم يكن مسبوقا. جواب الشرط وهو قوله: "وإن عرض"، فهو راجع للمسائل الأربع. ابن عرفة: ومن عاقه عن الرمي فساد بعض آلته انتظره مناضله لتلافيه على ما عرف دون طول، فلو انقطع وترد ومعه آخر يبعد من وترد في الرقة والغلظ لم يلزمه الرمي به إلا أن يقاربه، وكذا السهم، ويرتفع لزوم الرمي بالغروب ولو كان في أثناء وجه ولو رميا بعد الغروب لزم إتمام الرشق، والمطر وعاصف الريح يمنعه. انتهى. قاله الحطاب. بخلاف تضييع السوط؛ يعني أن السوط إذا سقط من يد الفارس من غير أن ينزعه منه أحد فإنه يكون بذلك مسبوقا، أو حرن الفرس؛ يعني أن أحد المتسابقين يعد مسبوقا بحرن فرسه؛ وكذا بنفوره عن السرادق أي الخيمة، وكذا يعد أيضا مسبوقا بانقطاع اللجام: وقوله: "أو حرن الفرس"، بضم الحاء وسكون الراء. الجوهري: حرن الفرس يحرن ويحرن حرونا وحرنا بالضم. انتهى. وفي القاموس أن الفعل كنصر وكرم، وفي المصباح أنه من باب قعد. انتهى. ولما أنهى الكلام على المسابقة بجعل وأنها لا تجوز في غير ما مر، أشار إلى حكمها فيما إذا وقعت بغير جعل فيما عدا ما مر، فقال: وجاز فيما عداه مجانا؛ يعني أنه يجوز السبق فيما عدا ما مر مجانا أي بغير جعل، وما مر هو الخيل والإبل من الجانبين فيهما، والخيل من جانب والإبل من الجانب الآخر والسهام، فتجوز في السفن والطير لإيصال الخبر بسرعة، وعلى الأقدام ورمي الحجارة والصراع وغير ذلك بشرطين، أحدهما: أن تكون مجانا كما قال، ثانيهما: أن يقصد بها الانتفاع في نكاية العدو ونحو ذلك لا المغالبة، فإن اختل أحد الشرطين لم تجز، والشرط الثاني صرح به الإمام الحطاب وغيره، إلا أن لفظ الحطاب يشترط أن يكون فيه منفعة للجهاد. قاله في الجواهر. انتهى. وعبارة الشبراخيتي بحذف بعضها: فيما عداه أي المذكور إذا

стр. 3570

كانت المنفعة شرعية، كالارتياض للحرب والطير لإيصال الخبر بسرعة، ثم قال عند قوله: "مجانا": وأما للمغالبة فهو من فعل أهل الفسق، (وقد صارع ﷺ أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا وعاوده ثلاثا كل ذلك يصرعه، وصارع جماعة غيره (١)). انتهى. وقال الزناتي: واختلف فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين أو للمتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو غير ذلك مما لم ترد به سنة بالجواز والكراهة. نقله الإمام الحطاب. والافتخار عند الرمي؛ يعني أنه يجوز الافتخار عند الرمي أي ذكر المفاخر بالانتساب إلى أب أو قبيلة، ويجوز أيضا التبختر في المشي كفعل السيد أبي دجانة رضي الله تعالى عنه في الحرب، وكان ذلك سجية منه ﵁ لقوله ﷺ : (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع (٢))، وقوله: "والافتخار عند الرمي"؛ لأنه إغراء لغيره، كقوله ﵊: (أنا ابن العواتك من سليم (٣)). قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله ﷺ : (أنا ابن العواتك (٤)) أى: ذوات الروائح الطيبة. قاله الشيخ إبرهيم. والرجز؛ يعني أنه يجوز الرجز بين المتناضلين أو المتسابقين، وكذا في الحرب عند الرمي لقضية سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع (٥)). وروي أنه ﷺ يقول يوم حنين حين نزل عن بغلته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب (٦)). قاله الشيخ إبراهيم. والشيخ عبد الباقي. وانظر إتيانهما بهذا عند قوله: "والرجز". والتسمية؛ يعني أنه يجوز عند الرمي أن يسمي نفسه، نحو: أنا فلان ابن فلان، والصياح؛ يعني أنه يجوز الصياح أي رفع الصوت عند الرمي لما فيه من التشجيع واشتغال النفس عن التعب، والأحب ذكر الله؛ يعني أنه أولى من ذلك كله ذكر الله

стр. 3571

عند الرمي بالتكبير وغيره، وقوله: "والافتخار" الخ، هذا جار في قتال العدو، وفي القتال الجائز بين المسلمين. لا حديث ذكر الله؛ أي لا يجوز عند الرمي أن يتكلم بغير ما مر، بل إما حرام إن كانت فيه فاحشة وإلا فمكروه، فقوله: "حديث" بالإفراد، وما شرحته به هو لعبد الباقي: ومقتضاه أن قوله: "لا حديث"، معطو على فاضل "جاز". انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: أي أن ذكر الله أحب من كلامه بالألفاظ المسابقة، وليس المراد بالحديث على هذه النسخة الحديث المروي عنه ﷺ . انتهى. ومقتضاه أن قوله: "لا حديث"، عطف على قوله: "ذكر الله"، وفي نسخة: لأحاديث بالجمع، ولام الجر الدالة على التعليل، وهي متعلقة بجاز؛ أي وجاز الافتخار وما معه لأجل الأحاديث الواردة في الرمي. حكاية: روى ابن الجوزي بسنده إلى ميسرة. قال: غزونا بعض الغزوات: فإذا بين الصفوف شاب يحمل على اليمنة ثم حمل على القلب ثم قال: أحسن بمولاك سعيد ظنا … هذا الذي كنت له تمنى تنح يا حور الجنان عنا … لا فيك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى مليككن اشتقنا … قد علم السر وما أعلنا ثم حمل وهو يقول: قد كنت أرجو ورجاءي لم يخب … أن لا يضيع اليوم للرب التعب يا من ملا تلك القصور باللعب … لولاك ما طبنا ولا طاب الطرب ثم حمل حتى قتل منهم عددا كثيرا ورجع فحمل وهو يقول: يا لعبة الخلد قفي واستمعي … لا فيك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي … لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي

стр. 3572

ثم حمل فقاتل حتى قتل. نقله الشيخ إبراهيم. لكنه حكى البيت الخامس بهذه الرواية: لكن إلى سيدنا اشتقنا. ولزم العقد؛ يعني أن عقد المسابقة إذا وقع بجعل يلزم بين المتسابقين والمتناضلين، فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر. كالإجارة؛ يعني أن لزوم العقد هنا كلزوم عقد الإجارة، فيتوقف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. ولو سلم أحدهما للآخر أنه منضول، فإن كان قبل الرمي ما يتبين في مثله أنه منضول فليس على مناضله قبول ذلك، وكأنه كره أن يسمى منضولا، وإن كان بعد تبين أنه منضول جاز إن قبله الآخر، ويمنع من شرط أن من ترك الرمي اختيارا فهو منضول. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: وأتى بقوله: كالإجارة، ليفيد أن لزومه يتوفف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. وإلى ذلك أشرت في الحل، وقال الشارح: ومعنى ذلك أن العقد إذا جرى بين المتسابقين أو الراميين فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر كالحكم في عقد الإجارة. انتهى. ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به وما يتقوى به عليه، شرع يتكلم على ذكر مسائل تختص بسيدنا محمد ﷺ ، وفيها بعض ما يتعلق بالجهاد، كإباحة الخمس وصفي المغنم فقال:

стр. 3573

باب: ذكر فيه مسائل من خصائصه ﷺ ولم يتعرض المص لذكر الخصائص التي لا تتعلق بالأحكام، وها أنا أذكر بعضا من خصائصه الفردية من مناقبه الأولية، فأقول ومن الله تعالى أستمدّ في حصول المأمول: سيدنا ونبينا وحبيبنا ومولانا وقرة أعيننا ووسيلتنا إلى ربنا محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي رسول الله ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي يستظل إبراهيم خليل الرحمن تحت لواثه يوم العرض، وهو أول من يجلس على سرير الرضاء: وهو أول من يتيه في رياض الدرة البيضاء، وهو أول من يفيق من الخلق، ويلوح نوره عليهم في عرصات الحشر كما يلوح البرق، وهو أول من ينادى بأبي وأمي؛ أين النبي الأمي؟ وهو أول من يبدو في الميعاد نوره وجماله، وهو أول من يتجلى له الرب ﷻ ، وهو أول من يرتدي برداء الكرامة، وهو أول من يقضى لأمته يوم القيامة، وهو أول من يشفع فيشفع لفصل القضاء بين العباد، وهو أول من يجوز على الصراط بأمته يوم التناد، وهو أول من يقول فيسمع، وهو أول من يشفع فيشفع، وهو الذي يرد النار بخطامها عن أمته، ويزجرها عن أهل ملته ومحبته، وهو الذي تطيعه النار وتمتثل أمره، حين لم يكن في الموقف من تقله قدماه غيره؛ ويناديه خازن النار، ما تركت في أمتك من نقمة لغضب الجبار، ويكسوه الله يوم القيامة حلة خضرا، يعرفه بها العباد طرا، ويحشر راكبا على البراق يوم القيامة ولا أحد راكب سواه، وجميع الخلائق يلوذون بحماه، ينادون: يا محمداه يا محمداه يا محمداه، وهو أول من يسجد تحت العرش يوم اللقا، وهو أول من يأخذ بحلقة دار البقا، وهو أول من يقرع باب الجنان، وهو أول الخلق قدوما على رضوان، وهو أول من يتحلى بحلة الإيمان، وهو أول من يتلقاه الحور الحسان والولدان، وهو أول من يلقى تحية وسلاما، وهو أول من يتمثل له الخلق في الجنة قياما تعظيما لقدره وإكراما. وهو أول من يطأ الفرش المهده (١))، وهو أول من تفتح له القصور المشيدة، وهو أول من يرتقي في الغرفات والدرجات، وهو أول من يتحف بالنعم والكرامات، وهو أول من يسمع غناء

стр. 3574

الحور، وهو أول من يجلس على كثبان المسك والكافور، وهو أول من يلبس تاج البهاء والمحاسن، وهو أول من يشرب من الماء غير الآسن، وهو أول من يشرب من الرحيق المختوم، وهو أول من يقوم بين يدي الحي القيوم، وهو أول من يشرب بكأس الصفا، وهو أول من يشرب من أنهار من عسل مصفى، وهو أول من يسئل فيعطى، وهو أول من تفتح له أبواب النوال والعطا، وهو أول من ينصت لكلامه وخطابه، وهو أول من يحط بساحة جاهه وجنابه، وهو أول من ينال الأجر والثواب، وهو أول من يوفى أجره بغير حساب، وهو أول من يجني ثمرات التوحيد والاستقامة، وهو أول من يروى من منهل الأمن والسلامة، وهو أول من يلتحف ببهجة الأمن والسرور، وهو أول من يشتمل برداء البركة والحبور، وهو أول من يتحلى بحلة التصدير والتقديم، وهو أول من تجري في وجهه نضرة النعيم، وهو أول من تحتفل به المحافل، وهو أول من تزين له القباب والمنازل، وهو أول من يتجلى على قبة (١) الفردوس وقبابه، وهو أول من يسعى بين أصحابه، وأنصاره في حلله وثيابه، وهو أول من توضع بين يديه أواني الفضة والمذهب، وهو أول من يدخل بيوت القصب، التي لا صخب فيها ولا نصب، تقر عليه خَلعَةُ الرسالة، وهو أول من توضع عليه هيبة الجلالة، وهو أول من ينزل المنزل المقرب الراقي، وهو أول من يُطيف به النديم والساقي، وهو أول من يلحظ بعين العناية، وهو أول من يحمل على كاهل المبرة والرعاية. وهو أول من يسلك به ذات اليمين، وهو أول من يحلى بحلية الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والمرسلين، وهو أول من تقاد إليه أزمة المفاخر، وهو أول من تساق إليه النعم والذخائر، وهو أول من يقوم مقام الشرف العالي، وهو أول من يطرز بطراز الكمال والمعالي، وهو أول من يتقلد قلائد التكريم والتعظيم، وهو أول من يزف إلى النعيم المقيم، وهو أول من يقتعد غارب السيادة، وهو أول من يمتطي معراج الخيرات والزيادة، وهو أول من يجلس على بساط الحق جل وعلا، وهو أول من يطلع على عجائب الملكوت الأعلى، وهو أول من تقفوه الرسل والأنبيا، وهو أول من يطأ مراتب المكانة العليا، وهو أول من يعطى نفوذ الفعل

стр. 3575

والقول، وهو أول من يحضر محاضر الفخر والطول، وهو أول من يدعى باسمه الكريم، في جنة النعيم، ولا يبقى على صورته في الآخرة من الأنام إلا أهل دار السلام، وهو أول من يكشف شدائد الأزمات، وهو أول من يدفع عظائم الغمرات، عن أهل الغفلات، وهو أول من إليه في الميعاد يلتجا، وهو أول من تمد إليه أكف الآمال والرجا، وهو أول من يتطاول إليه بالأعناق، وهو أول من تشخص إليه الأحداق، يوم يكشف عن ساق، وهو أول من يركب نجائب السرور والنور، عند البعث من القبور، وهو أول من تعنوه الوجوه، لدفع الكرب والمكروه، وهو أول من يتمسك الخلق بأذياله، خوفا من عذاب الله ونكاله، وهو أول من تحيط به العصاة، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وهو أول من يتصدر في محافل التصدير والتمكين، لتفريج هموم المذنبين. وهو أول من يلوذ به القريب والقاصي، من أهل الذنوب والمعاصي، وهو أول من تحف به أهل الجلالة، يبتغون رأيه وأقواله، وهو أول من يطاف بمنزلة وخيامه، تمسكا بعلو جاهه ومقامه، وهو أول من يخاطبه الرب الغفور، يوم ينفخ في الصور، وهو أول من يرى في المحشر الملائكة بأمته إلى الجنة سالكه، وهو أول من تطير به ملائكة الجنان، بأجنحة مرصعة بالدر والمرجان، وهو أول من يحمد على مكارم الأخلاق، من جميع الخلق على الإطلاق، وهو أول من يثاب من المرسلين، على تبليغ الرسالة للعالمين، وهو أول من يقابل بالرضا والرضوان، وهو أول من يعامل بالجود والإحسان، وهو أول من تدفع إليه المراكب المحثوثة، وهو أول من تبسط له الزرابي المبثوثة، وهو أول من يحث إلى زيارة المولى، وهو أول من تفتح له الدرجات العلا، وهو أول من يرفع عن أمته مخاوف الوعيد، وهو أول من يسرع به إلى عرصات دار المزيد، وهو أول من ينال جزيل الخيرات، وهو أول من يبتكر شوامل البركات، وهو أول من يقوم بحمل الشهادة، وهو أول من يوفيه الله قصده ومراده، وهو أول من يوفى له بجميل وعده، وهو أول من يقام له بكمال فضله ومجده، وهو أول من يعانق الحور الحسان، في روضات الجنان، وهو أول من تهتز قلوب الأكابر، شوقا إلى نوره الباهر، وهو أول من تدخل عليه الملائكة من أعلى القصور والغرف، بالهدايا والتحف، وهو
следующие страницы →