عند الرمي بالتكبير وغيره، وقوله: "والافتخار" الخ، هذا جار في قتال العدو، وفي القتال الجائز بين المسلمين.
لا حديث ذكر الله؛ أي لا يجوز عند الرمي أن يتكلم بغير ما مر، بل إما حرام إن كانت فيه فاحشة وإلا فمكروه، فقوله: "حديث" بالإفراد، وما شرحته به هو لعبد الباقي: ومقتضاه أن قوله: "لا حديث"، معطو على فاضل "جاز". انتهى. وقال الشيخ إبراهيم: أي أن ذكر الله أحب من كلامه بالألفاظ المسابقة، وليس المراد بالحديث على هذه النسخة الحديث المروي عنه ﷺ . انتهى. ومقتضاه أن قوله: "لا حديث"، عطف على قوله: "ذكر الله"، وفي نسخة: لأحاديث بالجمع، ولام الجر الدالة على التعليل، وهي متعلقة بجاز؛ أي وجاز الافتخار وما معه لأجل الأحاديث الواردة في الرمي.
حكاية: روى ابن الجوزي بسنده إلى ميسرة. قال: غزونا بعض الغزوات: فإذا بين الصفوف شاب يحمل على اليمنة ثم حمل على القلب ثم قال:
أحسن بمولاك سعيد ظنا … هذا الذي كنت له تمنى
تنح يا حور الجنان عنا … لا فيك قاتلنا ولا قتلنا
لكن إلى مليككن اشتقنا … قد علم السر وما أعلنا
ثم حمل وهو يقول:
قد كنت أرجو ورجاءي لم يخب … أن لا يضيع اليوم للرب التعب
يا من ملا تلك القصور باللعب … لولاك ما طبنا ولا طاب الطرب
ثم حمل حتى قتل منهم عددا كثيرا ورجع فحمل وهو يقول:
يا لعبة الخلد قفي واستمعي … لا فيك قاتلنا فكفي وارجعي
ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي … لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي
стр. 3572
ثم حمل فقاتل حتى قتل. نقله الشيخ إبراهيم. لكنه حكى البيت الخامس بهذه الرواية: لكن إلى سيدنا اشتقنا.
ولزم العقد؛ يعني أن عقد المسابقة إذا وقع بجعل يلزم بين المتسابقين والمتناضلين، فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر. كالإجارة؛ يعني أن لزوم العقد هنا كلزوم عقد الإجارة، فيتوقف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. ولو سلم أحدهما للآخر أنه منضول، فإن كان قبل الرمي ما يتبين في مثله أنه منضول فليس على مناضله قبول ذلك، وكأنه كره أن يسمى منضولا، وإن كان بعد تبين أنه منضول جاز إن قبله الآخر، ويمنع من شرط أن من ترك الرمي اختيارا فهو منضول. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: وأتى بقوله: كالإجارة، ليفيد أن لزومه يتوفف على رشد العاقد وتكليفه. انتهى. وإلى ذلك أشرت في الحل، وقال الشارح: ومعنى ذلك أن العقد إذا جرى بين المتسابقين أو الراميين فليس لأحدهما حله عن نفسه إلا برضى الآخر كالحكم في عقد الإجارة. انتهى.
ولما أنهى الكلام على الجهاد وما يتعلق به وما يتقوى به عليه، شرع يتكلم على ذكر مسائل تختص بسيدنا محمد ﷺ ، وفيها بعض ما يتعلق بالجهاد، كإباحة الخمس وصفي المغنم فقال:
стр. 3573
باب: ذكر فيه مسائل من خصائصه ﷺ
ولم يتعرض المص لذكر الخصائص التي لا تتعلق بالأحكام، وها أنا أذكر بعضا من خصائصه الفردية من مناقبه الأولية، فأقول ومن الله تعالى أستمدّ في حصول المأمول: سيدنا ونبينا وحبيبنا ومولانا وقرة أعيننا ووسيلتنا إلى ربنا محمد بن عبد الله العربي القرشي الهاشمي رسول الله ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي يستظل إبراهيم خليل الرحمن تحت لواثه يوم العرض، وهو أول من يجلس على سرير الرضاء: وهو أول من يتيه في رياض الدرة البيضاء، وهو أول من يفيق من الخلق، ويلوح نوره عليهم في عرصات الحشر كما يلوح البرق، وهو أول من ينادى بأبي وأمي؛ أين النبي الأمي؟ وهو أول من يبدو في الميعاد نوره وجماله، وهو أول من يتجلى له الرب ﷻ ، وهو أول من يرتدي برداء الكرامة، وهو أول من يقضى لأمته يوم القيامة، وهو أول من يشفع فيشفع لفصل القضاء بين العباد، وهو أول من يجوز على الصراط بأمته يوم التناد، وهو أول من يقول فيسمع، وهو أول من يشفع فيشفع، وهو الذي يرد النار بخطامها عن أمته، ويزجرها عن أهل ملته ومحبته، وهو الذي تطيعه النار وتمتثل أمره، حين لم يكن في الموقف من تقله قدماه غيره؛ ويناديه خازن النار، ما تركت في أمتك من نقمة لغضب الجبار، ويكسوه الله يوم القيامة حلة خضرا، يعرفه بها العباد طرا، ويحشر راكبا على البراق يوم القيامة ولا أحد راكب سواه، وجميع الخلائق يلوذون بحماه، ينادون: يا محمداه يا محمداه يا محمداه، وهو أول من يسجد تحت العرش يوم اللقا، وهو أول من يأخذ بحلقة دار البقا، وهو أول من يقرع باب الجنان، وهو أول الخلق قدوما على رضوان، وهو أول من يتحلى بحلة الإيمان، وهو أول من يتلقاه الحور الحسان والولدان، وهو أول من يلقى تحية وسلاما، وهو أول من يتمثل له الخلق في الجنة قياما تعظيما لقدره وإكراما.
وهو أول من يطأ الفرش المهده (١))، وهو أول من تفتح له القصور المشيدة، وهو أول من يرتقي في الغرفات والدرجات، وهو أول من يتحف بالنعم والكرامات، وهو أول من يسمع غناء
стр. 3574
الحور، وهو أول من يجلس على كثبان المسك والكافور، وهو أول من يلبس تاج البهاء والمحاسن، وهو أول من يشرب من الماء غير الآسن، وهو أول من يشرب من الرحيق المختوم، وهو أول من يقوم بين يدي الحي القيوم، وهو أول من يشرب بكأس الصفا، وهو أول من يشرب من أنهار من عسل مصفى، وهو أول من يسئل فيعطى، وهو أول من تفتح له أبواب النوال والعطا، وهو أول من ينصت لكلامه وخطابه، وهو أول من يحط بساحة جاهه وجنابه، وهو أول من ينال الأجر والثواب، وهو أول من يوفى أجره بغير حساب، وهو أول من يجني ثمرات التوحيد والاستقامة، وهو أول من يروى من منهل الأمن والسلامة، وهو أول من يلتحف ببهجة الأمن والسرور، وهو أول من يشتمل برداء البركة والحبور، وهو أول من يتحلى بحلة التصدير والتقديم، وهو أول من تجري في وجهه نضرة النعيم، وهو أول من تحتفل به المحافل، وهو أول من تزين له القباب والمنازل، وهو أول من يتجلى على قبة (١) الفردوس وقبابه، وهو أول من يسعى بين أصحابه، وأنصاره في حلله وثيابه، وهو أول من توضع بين يديه أواني الفضة والمذهب، وهو أول من يدخل بيوت القصب، التي لا صخب فيها ولا نصب، تقر عليه خَلعَةُ الرسالة، وهو أول من توضع عليه هيبة الجلالة، وهو أول من ينزل المنزل المقرب الراقي، وهو أول من يُطيف به النديم والساقي، وهو أول من يلحظ بعين العناية، وهو أول من يحمل على كاهل المبرة والرعاية.
وهو أول من يسلك به ذات اليمين، وهو أول من يحلى بحلية الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والمرسلين، وهو أول من تقاد إليه أزمة المفاخر، وهو أول من تساق إليه النعم والذخائر، وهو أول من يقوم مقام الشرف العالي، وهو أول من يطرز بطراز الكمال والمعالي، وهو أول من يتقلد قلائد التكريم والتعظيم، وهو أول من يزف إلى النعيم المقيم، وهو أول من يقتعد غارب السيادة، وهو أول من يمتطي معراج الخيرات والزيادة، وهو أول من يجلس على بساط الحق جل وعلا، وهو أول من يطلع على عجائب الملكوت الأعلى، وهو أول من تقفوه الرسل والأنبيا، وهو أول من يطأ مراتب المكانة العليا، وهو أول من يعطى نفوذ الفعل
стр. 3575
والقول، وهو أول من يحضر محاضر الفخر والطول، وهو أول من يدعى باسمه الكريم، في جنة النعيم، ولا يبقى على صورته في الآخرة من الأنام إلا أهل دار السلام، وهو أول من يكشف شدائد الأزمات، وهو أول من يدفع عظائم الغمرات، عن أهل الغفلات، وهو أول من إليه في الميعاد يلتجا، وهو أول من تمد إليه أكف الآمال والرجا، وهو أول من يتطاول إليه بالأعناق، وهو أول من تشخص إليه الأحداق، يوم يكشف عن ساق، وهو أول من يركب نجائب السرور والنور، عند البعث من القبور، وهو أول من تعنوه الوجوه، لدفع الكرب والمكروه، وهو أول من يتمسك الخلق بأذياله، خوفا من عذاب الله ونكاله، وهو أول من تحيط به العصاة، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وهو أول من يتصدر في محافل التصدير والتمكين، لتفريج هموم المذنبين.
وهو أول من يلوذ به القريب والقاصي، من أهل الذنوب والمعاصي، وهو أول من تحف به أهل الجلالة، يبتغون رأيه وأقواله، وهو أول من يطاف بمنزلة وخيامه، تمسكا بعلو جاهه ومقامه، وهو أول من يخاطبه الرب الغفور، يوم ينفخ في الصور، وهو أول من يرى في المحشر الملائكة بأمته إلى الجنة سالكه، وهو أول من تطير به ملائكة الجنان، بأجنحة مرصعة بالدر والمرجان، وهو أول من يحمد على مكارم الأخلاق، من جميع الخلق على الإطلاق، وهو أول من يثاب من المرسلين، على تبليغ الرسالة للعالمين، وهو أول من يقابل بالرضا والرضوان، وهو أول من يعامل بالجود والإحسان، وهو أول من تدفع إليه المراكب المحثوثة، وهو أول من تبسط له الزرابي المبثوثة، وهو أول من يحث إلى زيارة المولى، وهو أول من تفتح له الدرجات العلا، وهو أول من يرفع عن أمته مخاوف الوعيد، وهو أول من يسرع به إلى عرصات دار المزيد، وهو أول من ينال جزيل الخيرات، وهو أول من يبتكر شوامل البركات، وهو أول من يقوم بحمل الشهادة، وهو أول من يوفيه الله قصده ومراده، وهو أول من يوفى له بجميل وعده، وهو أول من يقام له بكمال فضله ومجده، وهو أول من يعانق الحور الحسان، في روضات الجنان، وهو أول من تهتز قلوب الأكابر، شوقا إلى نوره الباهر، وهو أول من تدخل عليه الملائكة من أعلى القصور والغرف، بالهدايا والتحف، وهو
стр. 3576
أول من تصفف له الصحاف والأواني، وهو أول من تقر عينه بالقصور والأماني. قاله صاحب التنبيه.
وتعرض المص ﵀ لذكر شيء من الخصائص التي لها تعلق بالأحكام؛ لأنه بصدد بيان الأحكام وفائدة ذكره -وإن كان أكثرها مضى حكمه- التنبيه على خصوصها به ﷺ ليلا يعتقد فيها أنها مشروعة لنا مع ما في ذكرها من التنويه بعظيم فضله وشريف قدره، فذكرها مطلوب إما ندبا أو وجوبا وهو الظاهر. قاله الحطاب.
والذي خص به ﷺ خمسة أنواع، الأول: ما وجب عليه ﷺ دون غيره تشريفا له وتكثيرا لثوابه، قال بعض العلماء: ثواب الواجب يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة، قال المحلي: هو مأخوذ من حديث رواه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان. انتهى. قال محمد بن الحسن بناني: ذكر ابن أبي شريف أن الحافظ بن حجر ضعفه في كتاب تخريج أحاديث الرافعي، وحينئذ فلا ينبغي الاستدلال به مع ضعفه، وكان يكفيه أن يقول: بأن ثواب الواجب أفضل من ثواب المندوب، للحديث القدسي في البخاري: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه (١)). الثاني: ما وجب له ﷺ على غيره، الثالث: ما حرم عليه ﷺ دون غيره تشريفا له، الرابع: ما حرم على غيره لأجله ﷺ ، الخامس: ما أبيح له ﷺ دون غيره. فإن قيل: التعظيم والتشريف إن اقتضى التشديد فلم أبيح له ما لم يبح لغيره؟ وإن اقتضى التسهيل ولم وجب عليه ما لم يجب على غيره وحرم عليه ما لم يحرم على غيره؟ فالجواب أن التشريف يوجب جميع ذلك بحسب ما يقتضيه المقام، فبعض الأشياء سومح فيها غيره خشية أن لا يقدر على القيام بها، ولوفور قوته ﷺ كلف بها، وبعض الأشياء حرمت على الغير ليلا يتجاوز الحد المأذون فيه، كصفي المغنم ونحوه، أو أن لا يقوم بالواجب عليه كزيادة على أربع وهو ﷺ مأمون منه ذلك.
стр. 3577
فائدة: اعلم أنه لا يجوز على الأنبياء جنون وإن قل زمنه، ولا إغماء طويل فيما جزم به البلقيني: ولا عمى كما ذكره السبكي فلم يعم نبي قط، وما روي في شعيب لم يثبت، ويعقوب كان به غشاوة وزالت، أو أنه استحال السواد بياضا كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾، وكان يدرك بهما. فقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾؛ أي عن حالة البياض. قاله الشيخ عبد الباقي.
واعلم أن المص ﵀ أتبع الجهاد بالنكاح لأنه يشاركه في معناه لغة وهو الجهد والمشقة، لخبر: (إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صلاة ولا صوم ولا جهاد إلا السعي على العيال (١))، أو كما قال ﷺ ، وافتتحه بذكر شيء من الخصائص؛ لأن النبي ﷺ خص في باب النكاح بخصائص متعددة لم يجتمع مثلها في باب من أبواب الفقه، وبدأ المص بذكر الواجب عليه، فقال:
خص النبي ﷺ بوجوب الضحى؛ يعني أن النبي ﷺ خص عن أمته أي انفرد عنها بجميع هذه الخصائص فلم يشاركوه في فرد من أفرادها، ويحتمل خص عن غيره من الأنبياء بكلها ويشاركونه في بعضها، وبدأ المص من الأقسام الخمسة بالواجب عليه دون غيره، فمما خص النبي ﷺ بوجوبه الضحى أي الصلاة في وقت الضحى، والواجب عليه أقل الضحى وهو ركعتان، لخبر: (كتب الله علي ركعتي الضحى وهما لكم سنة (٢))، ولخبر: (ثلاثة هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى (٣))، وأكثر ما روي عنه منها ثمان ركعات، وروي أنه صلاها أربعا، وأما اثنتا عشرة فلم ينقل، وقوله: "بوجوب الضحى"، هو خلاف مذهب الجمهور، ومذهب الجمهور أنها مستحبة له ﷺ لا واجبة عليه، قال الشيخ عبد الباقي عند قوله "بوجوب الضحى" ما نصه: شاذ، والجمهور أنه مستحب. انتهى. وقال الشيخ
стр. 3578
إبراهيم: لم يقل به - يعني وجوب الضحى - إلا من شذ من العلماء، والجمهور على أن الضحى في حقه ﷺ مستحبة. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن الحسن: إن الحديثين المتقدمين في وجوب الضحى لا حجة فيهما لضعفهما. واعلم أنه لا يلزم من عدم نقل الاثنتي عشرة عن فعله ﷺ أنه لم يرغب فيها، فقد روي أن من صلاها كذلك بنى الله له بيتا في الجنة. النووي: وأفضلها ثمان وأكثرها اثنتا عشرة، قوله: وأفضلها؛ أي لنا، ففرق بين الأفضل والأكثر، ومن فوائد الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان وهي ثلاثمائة وستون كما في رواية مسلم، (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى (١))، وما اشتهر بين العوام أن من صلاها ثم قطعها يعمى فصار كثير من الناس يتركها أصلا، فليس لما قالوا أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.
والأضحى؛ يعني أنه مما خص به ﷺ وجوب الأضحى، وقوله: "الأضحى"، جمع أضحاة، وتجمع أيضا على أضاح. نقله الحطاب. والدليل على وجوب الضحية عليه قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، الجمهور على أن المراد نحر الضحية، وخبر الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس: (الأضحى علي فريضة وعليكم سنة (٢))، وهذا حيث لم يكن حاجا، فإن كان حاجا فهو كغيره في المخاطبة بالهدي. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. أي فالهدي يسن في حقه كغيره. والله سبحانه أعلم.
والتهجد؛ يعني أنه ﷺ يجب عليه التهجد دون غيره من أمته وهو الصلاة بعد العشاء أو الصلاة بعد النوم أو النوم ثم الصلاة، ويقال: تهجد إذا نام، وتهجد إذا سهرت وروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن رجل من الأنصار أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: لأنظرن كيف يصلي النبي ﷺ ، قال: فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات
стр. 3579
من آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. الآيات. ثم أهوى بيده إلى القربة فأخذ سواكا فاستن به، ثم توضأ ثم صلى ثم نام ثم استيقظ فصنع كصنعه أول مرة، ويرون أنه التهجد الذي أمره الله به. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾. وليس في الآية ما يدل على عدم الوجوب؛ إذ يحتمل أنه ﷺ زيد عليه دون غيره وجوب التهجد كما قال ابن عبد السلام. وفي المسألة أقوال: جمهور العلماء على أن الأمر بقيام الليل أمر ندب لجميع الناس، وقيل: بالوجوب على جميع الناس ثم نسخ، وقيل: كان فرضا على النبي ﷺ خاصة وبقي كذلك حتى توفي، وقيل: غير ذلك، ذكر ذلك ابن عطية وغيره. والله أعلم. قاله الحطاب. الثعلبي في قوله تعالى ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: أي قم بعد نومك وصل، قال المفسرون: لا يكون التهجد إلا إذا نام. انتهى. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله "والتهجد": نفل الليل، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ في أي زيادة لك على الفرائض. قاله التتائي. انتهى. أي فليس فيه دليل لعدم وجوبه وهو صلاة بعد نوم على المختار. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "والتهجد": هو صلاة الليل.
قال الأقفهسي: واختلف في صفة التهجد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه النوم ثم الصلاة، الثاني: أنه الصلاة بعد النوم، الثالث: أنه الصلاة بعد العشاء. انتهى. والمختار أنه الصلاة بعد العشاء وبعد النوم، ثم قال: وكان التهجد أولا واجبا عليه وعلى أمته حولا كاهلا، ثم نسخ وجوبه. انتهى. والفرق بين القول الأول والثاني في كلام الأقفهسي واضح كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم.
والوتر؛ يعني أنه ﷺ مخصوص بوجوب الوتر؛ فيجب عليه دون غيره من أمته، وقلى تقدم دليله وهو حديث: (ثلاث علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى (١))، وقوله: "والوتر"، قال الشبراخيتي: ولم ينسخ على الأصح؛ يعني وجوب الوتر،
стр. 3580
وأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة وأدنى الكمال لم يتعرضوا له، والظاهر أن مرادهم الجنس. انتهى. أي أن الواجب واحد من هذه الثلاثة لا بعينه. انتهى.
بحضر، راجع للثلاثة أي الضحى والتهجد والوتر؛ يعني أن وجوب الضحى والتهجد والوتر عليه ﷺ محله حيث كان بحضر لا إن كان بسفر؛ لأنه ﷺ (كان يوتر على راحلته ويتهجد عليها (١)). والسواك؛ يعني أنه ﷺ مخصوص بوجوب السواك عليه لكل صلاة كما في التتائي والأمير، وفي الحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٢)). وقال الشبراخيتي: وبوجوب السواك لكل صلاة فرضا أو نفلا كما قاله الشافعية، ثم نقل عن بعضهم ما نصه: في سنن أبي داوود (أنه ﵊ أمر بالسواك لكل صلاة)، قال العسقلاني: وسياق الحديث يخصصه بالمفروضة.
وتخيير نسائه فيه؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يجب عليه أن يخير نساءه في المقام معه طلبا للآخرة، وفي مفارقته طلبال للدنيا، والأصح أن من اختارت الدنيا يطلقها النبي ﷺ بعد ذلك، لقوله تعالى: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. قاله الشيخ بناني. وقال الإمام الحطاب: قال الأقفهسي: اختلف العلماء فيمن اختارت منهن الدنيا هل تبيين بنفس الاختيار أم لا؟ أصح القولين أنها تبين، والذي في الصحيح أن آية التخيير نزلت وعنده تسع نسوة وهن اللواتي توفي عنهن، وذكر ابن إسحاق أن آية التخيير نزلت وكانت فاطمة بنت الضحاك في عصمته ﷺ ، فاختارت الدنيا ففارقها ﷺ فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: هي الشقية اختارت الدنيا. قال أبو عمر: هذا عندنا غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروي عن عروة عن عائشة ﵂ (أنه ﷺ بدأ بها فاختارت الله ورسوله وتابعها بقيتهن على ذلك). انتهى. وعائشة ﵂ هي التي قالت: (أفيك أستشير
стр. 3581
أبوي؟) وليس المراد بتخيير نسائه الذي يوقعن فيه الثلاث كما ظنه قوم وهو ظن سوء به ﷺ ، وبقي مما يجب عليه أن يقول إذا رأى ما يعجبه: لبيك إن العيش عيش الآخرة. وأن يؤدي فرض الصلاة كاملة لا خلل فيها وإتمام كل تطوع شرع فيه، وأن يدفع بالتي هي أحسن، وكلف من العلم وحده ما كلف الناس بأجمعهم، وكان مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع مشاهدة الناس بالنفس والكلام، وأن يتوضأ لكل صلاة، ولا يرد سلاما ولا يتكلم إذا أحدث حتى يتوضأ، لكن نسخ هذا الذي ذكر من قوله: وأن يتوضأ لخ. قاله الشيخ عبد الباقي.
وأشار إلى القسم الثاني وهو الواجب علينا له ﷺ ، بقوله: وصلاق مرغوبته؛ يعني أنه ﷺ مخصوص بأنه يجب على من تحته منا امرأة ورغب فيها ﷺ أن يطلقها لأجل رغبته فيها تشريفا له ﷺ ، وله نكاحها بعد انقضاء عدتها، وقول من قال: له نكاحها في المعدة، قال ابن الصلاح: منكر غلط؛ لكن لم يقع منه ﷺ رغبة في نكاح امرأة غيره، وأما تزوجه زينب بعد طلاقها فواقع لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. الأمير: ولم يرغب في زوجة أحد، وغاية ما في زينب إخبار الله تعالى بأنه يتزوجها وكتمه. انتهى. وقال السنوسي: رغبته ﷺ إنما كانت في بقائها تحت زيد، والذي أخفاه إنما هو أمر الله بتزوجها إذا فارقها زيد، فكان يخفي ذلك الإيحاء عن الناس خشية تطرق الألسنة إليه بأنه تزوج زوجة ابنه؛ لأنه ﷺ كان تبنى زيدا فكان لهذا الموجب يقول له: أمسك عليك زوجك خشية وجوب تزوجها عليه إذا طلقها زيد، وأن قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ - معناه ليلا يجب عليه زواجها إذا طلقها لا محبتها مع قوله ذلك؛ أي وقال له ذلك حين شكا زيد له منها كما في سيرة الشامي - ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ما أمرت به من تزوجها بعد طلاق زيد لا حبها ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ أي مظهره بعد ذلك بوجوب تزوجك إياها، ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أن يقولوا:
стр. 3582
تزوج زوجة ابنه، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما أراد من إبطال ما كان في الجاهلية من حرمة تزوج زوجة من تبناه الواحد منهم. نقله عبد الباقي.
وقوله: لا محبتها، الظاهر أنه عطف على قوله: أمر الله، قال عبد الباقي بعد نقله كلام السنوسي: ونحوه للسيد في شرح المواقف وكذا في شرح المقاصد، وزاد: ولا خفاء أن إخفاء عزيمة تزوج زينب أمر دنيوي خوفا من أعداء الدين، ليس من الصغائر فضلا عن الكبائر، وكذا ميلان القلب في غير هذه القصة أن لو وقع. انتهى.
واعلم أنه يحرم خطبة خلية رغب فيها، وقال النووي: وإن كانت خلية لزمتها الإجابة على الأصح وحرم على غيره خطبتها. القرطبي: أبيح له ﷺ أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه التلف لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ويجب على كل أحد أن يقي النبي ﷺ بنفسه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾. قاله الحطاب.
وإجابة المصلي، هذا من القسم الثاني أيضا؛ يعني أنه يجب علينا لرسول الله ﷺ أن يجيبه المصلي منا إذا دعاه وغير المصلي منا أحرى، وفي الموطأ ومسلم: لما دعا أبيا وهو في الصلاة ولم يجبه، قال له ﷺ : (ألم يقل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١)؟ ومثله في (البخاري مع أبي سعيد رافع بن المعلى (٢)). ولا تبطل صلاة المجيب. قاله الشارح والأقفهسي. وظاهره ولو أجاب بنعم أو بنحو ما فعلت الشيء الفلاني ونحو ذلك. وقال الشافعي: في حديث أبَيٍّ [دليل] (٣) على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا يبطلها، قال الحطاب: ونقله القرطبي وأقره، وفيه حجة لقول الأوزاعي: إن المصلي لو أبصر غلاما يريد أن يسقط في بير فصاح وانتهره وانصرف إليه لم يكن بذلك بأس. انتهى. قوله: "وإجابة
стр. 3583
المصلي"، قال الشيخ سالم: ويشاركه في هذه الخصوصية غيره من الأنبياء، قال العجماوي: مثل الإجابة في عدم البطلان ما إذا ابتدأه المصلي بالخطاب، فقال: السلام عليك أو سلام عليك. قاله النووي. قال علي الأجهوري: والظاهر حينئذ قصره على ما فيه ذكر كما عبر به النووي، لا ما كان كلاما أجنبيا، ومعنى الوجوب اعتقاد أن الله تعالى أوجب له على أمته إجابته إذا نادى أحدا منهم في صلاته في حياته ﵊، كما وقع ذلك لأبي، وانظر إن وقع ذلك بعد وفاته لبقاء خصوصية الحياة له ﷺ ، والظاهر البطلان لأن الكلام في حياته الأصلية. قاله عبد الباقي.
والمشاورة. هذا من القسم الأول؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بوجوب المشاورة عليه لذوي الأحلام من الصحابة في الآراء والحروب تطييبا لخواطرهم وتأليفا لهم، لا ليستفيد منهم علما، وأما الشرائع والأحكام فلا يشاور فيها لأنه ليس أحد أعلم منه ﷺ بما أنزل إليه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ولا يرد مشاورته في الأذان وفعله قبل الوحي به؛ لأنه قبل أمر الله تعالى له بالمشاورة إذ قصته في السنة الثانية من الهجرة أو الأولى قولان، رجح الحافظ ابن حجر الثاني، وأما الأمر بالمشاورة بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ففي السنة الثالثة اتفاقا. قاله الشيخ عبد الباقي. ويشاركه ﷺ في وجوب المشاورة الولاة؛ أي مشاورتهم للعلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ويجب على الولاة أيضا مشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحروب، ومشاورة وجوه الناس فيما بتعلق بالمصالح، ومشاورة وجوه الكتاب والعمال والوزراء في ما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.
ابن عطية: الشورى من قواعد الدين وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم فعزله واجب، وهذا مما لا خلاف فيه. انظر الحطاب. قال الشبراخيتي: وعلى هذا فلا يصح عده في الخصائص. انتهى. وقال عبد الباقي: فالخصوصية له ﷺ كونه كامل العقل والمعرفة وتجب عليه المشاورة. انتهى. ولما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 3584
وسلم: (إن الله ورسوله لغنيان عنها (١))؛ يعني المشاورة. والله سبحانه أعلم. (لكن جعلها الله رحمة لأمتي). نقله الشيخ إبراهيم.
وقضاء دين الميت المعسر؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يجب عليه أن يقضي دين الميت المسلم من ماله الخاص به بشرطين، أحدهما: أن يعجز عن الوفاء به، وحو معنى المعسر، ثانيهما: أن يتداينه في غير معصية أو فيها وتاب منها. وأحاديث الحبس عن الجنة منسوخة اتفاقا بوجوب القضاء من بيت المال على الولاة بالقيدين المذكورين، وإنما كان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات، فيأثم منهم من لم يفعل إن كان حق الميت منهم في بيت المال؛ يعني بقدر ما عليه من الدين وإلا سقط، وفي الحديث: (من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي) (٢)؛ أي فعلي قضاؤه وإلي كفاية عياله، قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين، وقوله: "الميت"، قال غير واحد: لا مفهوم له بل الحي كذلك، قال الشيخ بناني: قوله: لا مفهوم له، نحوه في الخرشي، ولم أر من ذكر أن الحي هنا كالميت، وظاهر نصوصهم وظاهر الأحاديث التي في الحطاب أنه خاص بالميت، ونحوه في المواق ككلام المؤلف.
وعلم مما مر أن الخصوصية في قوله: "وقضاء دين الميت" لخ، كون ذلك من مال النبي ﷺ الخاص به، وأما من بيت المال فيشاركه جميع الولاة في وجوب ذلك بالقيدين المتقدمين كما قاله عبد الباقي، وقال الإمام الحطاب: اختلف العلماء هل كان القضاء واجبا عليه ﷺ أو تطوعا؟ وهل كان يقضيه من خالص مال نفسه أو من مصالح المسلمين؟ وظاهر كلام ابن بطال أنه كان يقضيه من المصالح، وأنه واجب عليه وعلى من بعده من الأئمة.
وإثبات عمله؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يجب عليه إذا عمل عملا من أعمال البر أن يزبته أي يداوم عليه، والمراد بالمداومة عليه أنه لا يقطعه حتى يعد
стр. 3585
تاركا له لا المداومة عليه أبدا؛ لأنه ورد أنه (كان يصىلي الضحى حتى نقول لا يدعها ويتركها حتى نقول لا يصليها)، وورد أيضا: (كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم (١)).
تنبيه: ررى أبو داوود أنه ﷺ ، قال: (اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا (٢))، ولمسلم: (إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (٣))، وقال ﵊: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة (٤)). خرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ﵁. وهو معدود من جوامع الكلم. قوله: يسر، معناه ذو يسر، وجعله يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم: فمن ذلك أن توبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم وتوبة من قبلهم كانت بقتل أنفسهم وقوله: الدين، منصوب على المفعولية، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى. قال في الفتح: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل والمبالغة في القطع المفضي إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح إلى خروج الوقت المختار أو إلى أن تطلع الشمس، وقوله: فسددوا؛ أي الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل، وقوله: وقاربوا؛ أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه، وقوله: وأبشروا أي بالثواب على العمل المستمر وإن قل؛ أو المراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل: لأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيما وتفخيما له، وقوله: واستعينوا
стр. 3586
بالغدوة أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة بالفتح سير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين الغداة إلى طلوع الشمس، ومعنى الغدوة في الحديث قال الشيخ زروق: يعني ذكر ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس، والدلجة بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل؛ يعني به الذكر والعبادة في آخر الليل، وعبر فيها بالتبعيض لأن عمل الليل أشق من عمل النهار، وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنه ﷺ خاطب مسافرا إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا انقطع وعجز، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه العبارة الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون للبدن في العبادة. نقله ابن زكري.
ومصابرة العدو الكثير؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يجب عليه أن يصابر العدو الكثير، أتي يجب عليه أن يقاتلهم ويحرم عليه أن يفر عنهم ولو زادوا على الضعف، ولو أهل الأرض؛ لأنه موعود بالعصمة، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، أي من قتلهم، فلا ينافي أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته. قاله الشيخ عبد الباقي.
ومن خصائصه ﷺ أنه فئة للمسلمين ولو كان مقيما بالمدينة، فيجوز للجيش أن ينحاز إليه ولا يكون ذلك فرارا، بخلاف غيره من الأئمة فإنما يكون فئة إذا برز مع الجيش فيكون فئة لمن خرج من السرايا. والله أعلم. ذكره ابن رشد في أول رسم من سماع ابن القاسم. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله "ومصابرة العدو الكثير": الزائد على الضعف ولو مع الخوف لأنه موعود بالعصمة، وأما ما وقع له من شج رأسه ونحوه فكان قبل نزولها، أو أن قوله: من الناس؛ أي من قتلهم، ولم ينقل أن المصطفى ﷺ انهزم في موطن قط. انتهى. كيف؟ وهو ﷺ ما ولى العدو ظهره قط، قال الشبراخيتي: وسيأتي أن من زعم أنه انهزم يقتل. انتهى. وقوله: "العدو الكثير"، قد علمت أنه يجوز لأمته الفرار إن لم يبلغوا نصف العدو.
стр. 3587
وتغيير المنكر؛ يعني أنه ﷺ مخصوص بأنه يجب عليه تغيير المنكر وجوبا عينيا من غير شرط، بخلاف أمته فكفاية بالشروط المتقدمة. قوله: "وتغيير المنكر"، يشاركه فيه غيره من الأنبياء.
وعلم مما قررت أن الخصوصية في هذا كونه فرض عين عليه من غير شرط. السيوطي: ووجه الخصوصية فيه من وجوه أنه في حقه من فرائض الأعيان، وفي حق غيره من فرائض الكفاية، وأنه يجب عليه إظهار الإنكار ولا يجب الإظهار على أمته، وأنه لا يسقط عنه للخوف بخلاف غيره. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قوله: "وتغيير المنكر" ما نصه: قولا أو فعلا ولو صغيرة وهو فرض عين، ولا تعتبر شروطه في حقه أي إظهار تغيير المنكر أي إزالته في الظاهر، ولا يكفي تغييره بقلبه لأن فيه الإقرار عليه، وإقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه. انتهى.
وأشار إلى النوع الثالث بقوله: وحرمة الصدقتين عليه؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بحرمة الصدقتين عليه، أما الصدقة المفروضة فلا خلاف في حرمتها عليه ﷺ ، وأما صدقة التطوع فأكثر أهل العلم على تحريمها عليه أيضا، وقالت طائفة: كان يتنزه عنها ولم تكن محرمة عليه. قاله الحطاب. والواجبة كالزكاة والكفارة والنذر. قاله عبد الباقي. وحرمتا عليه صيانة لنصبه الشريف لإنبائهما عن ذل الآخذ وعز المعطي؛ وأبدل بهما الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لإنبائه بعكس ذلك. قاله غير واحد.
وعلى آله؛ يعني أن الصدقتين حرام على آل رسول الله ﷺ ، أما الصدقة المفروضة فلا خلاف أنها حرام على بني هاشم الذين هم آله على المشهور، وأما صدقة التطوع فالمشهور على ما في التوضيح عن ابن عبد السلام حرمتها عليهم، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون والمنافع، فلذلك جزم به المص هنا، ومذهب ابن القاسم أنها لا تحرم عليهم. ابن عبد البر: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم وهو الصحيح عندنا، وصرح القرطبي أيضا في سورة براءة بأنه الصحيح. قاله الحطاب. وحرمة الصدقتين على آله ولو من بعضهم لبعض وزوجاته كآله. ويحرم كون آله عمالا على الزكاة في الأصح، وفي كون مواليه
стр. 3588
كآله أو كمواليهم فتجوزان لهم خلاف، المواق: إذا لم يعط آله ﷺ من بيت المال وأضر بهم الفقر أعطوا من الزكاة، وإعطاؤهم أفضل من إعطاء غيرهم. الباجي: إنما يعطون من الزكاة إن أبيحت لهم الميتة. وكلام الباجي ظاهر لأنه لا ينتقل من حرمة إلى حل إلا عند الضرورة. قاله الشيخ عبد الباقي. ويحرم أن يوقف عليه ﷺ معين أي بعينه، بخلاف آله؛ لأن الوقف صدقة تطوع، ومفهوم معين أن الصدقات العامة كالمساجد ومياه الآبار لا تحر عليه، ويحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع الله به الناس، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. الآية. وأبيحت له ﷺ الهدية، قال الإمام السهيلي: أمواله ﷺ من ثلاثة أوجه: من الصفي، والهدية تهدى إليه في بيته لا في الغزو من بلاد الحرب، والثالث: خمس الخمس. قاله الحطاب. وقال الأمير: وبحرمة الصدقتين عليه إلا الأحباس العامة والواجبة على آله إلا لضرورة، وما في الأصل من تحريم التطوع على الآل ضعيف.
وأكله كثوم؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه أن يأكل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل وغيرهما، وقوله: "كثوم"؛ إذا كان نيا؛ لأنه ﷺ يناجي الملائكة، فإن طبخ جاز (لما صح أنه ﷺ أكل طعاما طبخ ببصل (١)). نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي عند قوله: "كثوم": بضم الثلثة أي وبصل وفجل وسائر ما له رائحة كريهة، وهذا كله إذا كان نيا، وأما إن طبخ فيجوز (لما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن أكل البصل؟ فقالت: آخر طعام أكله رسول الله صلى الله عليه وهلم فيه بصل)، زاد البيهقي أنه كان مشويا في قدر أي مطبوخا، والظاهر أن ما في حكم المطبوخ كالبصل المنقوع في المخل حتى تذهب رائحته كذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يجوز فيما يظهر بصل نقع في خل حتى تذهب رائحته. انتهى.
стр. 3589
أو متكئا؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه أن يأكل متكئا، لحديث البخاري: (أما أنا فلا آكل متكئا (١))؛ أي متربعا كما للخطابي وعياض: فإنه قال: الاتكاء هو التمكن من الأرض والتقعدد في الجلوس كالتربع، وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها على ما تحته فإنه يستدعي الإكثار من الأكل؛ ورسول الله ﷺ إنما كان جلوسه جلوس المستوفز، وقال: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد (٢)). انتهى كلام عياض. وفسر الفاكهاني الاتكاء في الحديث بأنه الميلان على الشق، فإنه قال: التحقيق أنه -يعني الاتكاء- الميل على الشق لأنه الذي يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء؛ لأن الاتكاء غير الجلوس، ولذلك قال الراوي في الحديث: وكان متكئا فجلس، ويلزم على ما قال عياض أن يكون معنى الكلام: وكان جالسا فجلس. انتهى. وأقر البيهقي تفسير عياض والخطابي وأنكره عليه ابن الجوزي وفسره بما قال الفاكهاني. قاله الحطاب. واعتمد الشبراخيتي تفسير عياض والخطابي وفسر الاتكاء في الحديث أيضا بأنه الاستناد من غير ميل لشق، نقله عبد الباقي. وفي الشبراخيتي: وأحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الركبتين، ثم الجثي على الركبتين وظهور القدمين، ثم نصب رجله اليمنى والقعود على اليسرى. انتهى. وقوله: "متكئا"؛ بالنصب حال معطوف على "كثوم". كما قاله الشبراخيتي.
فائدة: روى الإمام أحمد والبيهقي عن ابن عباس: (كلوا في القصعة من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها (٣))، وروى أبو داوود عن عبد الله بن بسر: (كلوا من حواليها وذروا ذروتها يبارك فيها (٤)). رواهما السيوطي في الجامع الصغير. وفيه عن واثلة: (كلوا بسم الله من جوانبها وأعفوا رأسها فإن البركة تأتيها من فوقها (٥))، وفيه: (كلوا التمر
стр. 3590
على الريق فإنه يقتل الدود (١))، وفيه: (كلوا البلح بالتمر وكلوا الخلق بالجديد فإن الشيطان إذا رآه غضب وقال عاش ابن آدم حتى أكل الخلق بالجديد (٢)). انتهى.
وإمساك كارهته؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه أن يمسلث في عصمته كارهة بقائها في العصمة معه لا لذاته بل للغيرة التي لا صبر للنساء عليها ولا قدرة لهن على تركها لكونها جبلة منهن، لخبر العائذة القائلة: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد استعذت بمعاذ الحقي بأهلك (٣)). رواه البخاري. ومعاذ بفتح الميم أي تحصنت بملاذ وملجإ، وبضمها أي الذي يعاذ به، وألحقي بقطع الهمزة وكسر الحاء من ألحق رباعيا، وبفتح الحاء من لحق. نقله التاودي. وفي حديث مرسل: كان إذا خطب فرد لم يعد. قال الشيخ عبد الباقي: والأصح أن اسم المرأة المذكورة أميمة بنت النعمان بن شرحبيل، وقيل: مليكة الليثية، فإن كرهته لذاته - والعياذ بالله تعالى - كفرت فبانت. وفي الشبراخيتي: أنها -أي المستعيذة- بنت الجون بفتح الجيم وبعد الواو الساكنة نون: وأن اسمها أميمة بنت النعمان بن شرحبيل، والحقي بأهلك بكسر الهمزة وفتح الحاء وقيل بالعكس، قال المناوي؛ إن نساء لقنها أن تقول ذلك، وقلن لها: إنه كلام يعجبه. انتهى.
وتبدل أزواجه؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه أن يبدل أزواجه؛ يعني اللواتي خيرهن فاخترنه؛ أي لا يحل له أن يطلق امرأة منهن وينكح غيرها، لقوله تعالى، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ وهذا لم ينسخ كما نص عليه الشيخ بناني. والله تعالى أعلم. واختلف في تفسير الآية على ثلاثة أقوال أصحها قول ابن عباس: أنه لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك وتنكح غيرها وهو الذي قدمته، والثاني: لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة. قاله مجاهد. والثالث: لا تعطي زوجتك في زوجة أخرى، كما كانت تفعله الجاهلية. انتهى. من أحكام ابن العربي. قاله الحطاب.
стр. 3591
وقال أول الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾: واختلف في معناها على أقوال أصحها قإل ابن عباس أيضا: إن معناه لا يحل لك النساء من بعد من عندك منهن: وقال الأقفهسي: واختلف هل نسخ هذا التحريم أم لا؟ وحمل كلام المص على هذا الأخير؛ أعني قوله: لا يحل لك النساء من بعد، والظاهر أن المراد الأول. والله أعلم. قاله الحطاب. وعلى القول بأن قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ قد نسخ، فهو منسوخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ لتكون له المنة بترك التزويج عليهن وهو من خصوصيته قبل النسخ.
ونكاح الكتابية؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه نكاح الكتابية الحرة، وأما الأمة الكتابية فيشاركه في تحريمها غيره، وخص ﷺ بذلك لأنه ﷺ أشرف من أن يضع نطفته الشريفة في رحم كافرة، ولأنه تكره صحبتهم ولخبر: (سألت ربي أن لا أتزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني (١)) قال الإمام الحطاب؛ وكذا يحرم عليه وطء الأمة الكتابية بملك اليمين على ما اختاره ابن العربي، وقال الشارح: إن التسري بها حلال على الأصح، وقال الشبراخيتي: ونكاح الكتابية؛ لأنه أشرف من أن يباشر كافرة أعم من أن تكون المباشرة بوطء أو غيره، ولقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، ولا يجوز أن تكون الكافرة أم المؤمنين، ولحديث: (زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنة) (٢): والجنة حرام على الكافر، وأما الكافرة غير الكتابية فلا يحل نكاحها للنبي ﷺ ولا لغيره.
والأمة؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحرم عليه نكاح الأمة المسلمة؛ لأن نكاحها إنما يجوز لخوف العنت وعدم الطول، وكلاهما منتف في حقه ﷺ ، أما خوف العنت فلعصمته، وأما عدم الطول فلأنه ﷺ له أن يتزوج بغير مهر، بخلاف غيره فإنه لابد في نكاحه من المهر إما ابتداء أو انتهاء كما في
стр. 3592
نكاح التفويض، وأما وطء الأمة المسلمة بملك اليمين فحلال له ﷺ كما نص عليه غير واحد.
وأشار إلى القسم الرابع بقوله: ومدخولته لغيره؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه تحرم على غيره زوجته التي دخل بها وتوفي عنها، وحرمة هذه مجمع عليها، واللام في لغيره بمعنى على، وكذا التي مات عنها قبل البناء على المذهب، فلا مفهوم لمدخولته بالنسبة للموت، بخلاف مطلقته قبل البناء بعد الموت، لِهَمِّ عُمَر برجم المستعيذة منه ﷺ إذ تزوجت بعد وفاته الأشعث بن قيس، فتركها حين أخبر بمفارقته أي النبي ﷺ لها قبل البناء، وهل كذا قبل موته وهو ظاهر القرطبي أم لا؟ لأن فيه إيذاء له كما هو المشاهد فينا، وكذا لا تحرم مطلقته بعد البناء وقبل المسيس كما عليه القزويني الشافعي، كالتي وجد في كشحها بياضا. وفي الحطاب: الصحيح لا تحرم مدخولته التي طلقها كما للقرطبي وابن شاس، وظاهره حتى التي مسها، وينبغي حمله على التي دخل بها ولم يمسها وهو الذي تطمئن إليه النفس. قاله الشيخ علي الأجهوري. عن شيخه البدر، وتحرم السرية التي فارقها بموت أو عتق أو بيع. نقله الحطاب. عن بعض الشافعية.
قال الحطاب: قلت: وهو ظاهر: وإذا حرمت موطوءته فأحرى أم ولده، وقد قال ابن القطان من أصحابنا في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع: اتفقوا على أن إبراهيم بن رسول الله ﷺ خلق حرا أمه مارية أم ولد رسول الله ﷺ محرمة على الرجال بعده غير مملوكة، وأنه ﵇ كان يطؤها بعد ولادتها، وأنها لم تبع بعده ولا تصدق بها، وأنها كانت بعده حرة، قال الإمام الحطاب: وقع بحث بين بعض طلبة العلم في أم ولده إبراهيم ﵇، هل هي من أمهات المؤمنين أم لا؟ والذي يظهر لي أنها ليست من أمهات المؤمنين لما في صحيح البخاري أنه ﷺ لما بنى بصفية قال أصحابه: هل هي (إحدى أمهات المؤمنين؟ أو مما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي
стр. 3593
من أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه (١)). فتأمله. وانظر شراحه. والله أعلم. انتهى.
وفي بقاء نكاحه وانقطاعه خلاف، وعلى انقطاعه ففي وجوب المعدة ونفيها خلاف، منشؤه هل هن متوفى عنهن وهي عبادة أو لا؟ إذ لا ينتظرن الإباحة كالتي لم يمت عنها، لما ورد أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ويحجون. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي.
وحكى القرطبي في كون نسائه ﵊ كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر أو في الحرمة فقط قولين، الظاهر منهما الثاني، فقد ذكر القاضي عياض وغيره أن من خصائصه ﷺ تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر تكريما له، ولذا لم يكن يصلي على أمهات المؤمنين إذا ماتت الواحدة منهن إلا محارم ليلا يرى شخصها في الكفن حتى اتخذت القبة على التابوت.
ووجبت نفقة أزواج النبي ﷺ في ماله بعد وفاته إلى أن متن لقوله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة (٢))، ولقوله: (ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة (٣)): ولأنهن كن محبوسات عليه بعد موته، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾، ويحرم علينا فعل كل شيء يؤذيه وإن كان مباحا لولا إذايته ﷺ ؛ فمتى أدى إلى إذايته ارتفعت الإباحة وحصل التحريم، بخلاف ما لو أدى إلى إذاية غيره ﷺ . وفي الحديث: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها. انظر الحطاب. ونظم بعضهم أسماء اللاتي مات عنهن رسول الله ﷺ بقوله:
توفي رسول الله عن تسع نسوة … إليهن تعزى المكرمات وتنسب
стр. 3594
فعائشة ميمونة وصفية … وحفصة تتلوهن هند وزينب
جويرية مع رملة ثم سودة … ثلاث وست نظمهن مهذب
ونزع لأمته؛ يعني أن من خصائصه ﷺ إذا لبس لأمة الحرب وهي آلته أنه يحرم عليه نزعها حتى يحكم الله بينه وبين محاربه بقتال أو غيره، ولهذا كان صواب قوله: حتى يقاتل، أن يقول: حتى يحكم الله بينه وبين محاربه؛ إذ هو قسيم ما هنا، وبهذا ظهر لك أن حكم الله بينه وبين محاربه أعم من القتال، وكان لا يرجع إذا خرج للحرب ولا ينهزم إن لقي العدو ولو كثر العدو عليه. قاله الحطاب. وقوله: "ونزع لأمته" لخ، يشاركه في ذلك غيره من الأنبياء، واللأمة بالهمزة جمعها لأم كتمرة وتمر، وقوله: "حتى يقاتل"؛ أي إن احتيج لذلك كما قال الشبراخيتي، وقال: وكان الأولى أن يسقطه لأنه قد ينهزم العدو بعد الملاقاة من غير قتال، وأجيب بأنه أتى به تبركا بالحديث، وهو قوله صلى الله خليه وسلم: (لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل (١))، أو أن قوله: "حتى يقاتل"؛ أي حقيقة أو حكما، فإذا لم يقع قتال بالفعل فهو في حكم وقوعه.
والمن ليستكثر؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يحرم عليه أن يمن ليستكثر وهو قريب من لفظ الآية: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، وفي معناه ستة أقوال، الأول: لا تعط عطية لتطلب أكثرمنها، الثاني: لا تعط الأغنياء فتصيب منهم أضعافها، الثالث: لا تعط عطية تنتظر ثوابها، الرابع: لا تمنن بعملك على ربك، الخامس؛ لا تمنن على الناس بالنبوءة وتأخذ منهم أجرا عليها، السادس: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وزيد سابع وهو أن المعنى: لا تعط عطية مستكثرا لها أي تعدها كثيرة أي لا تستكثر ما تمن به. وهو ظاهر ما قاله بناني.
стр. 3595
وخائنة الأعين؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه تحرم عليه خائنة الأعين، وهي أن يظهر خلاف ما أبطن أو ينخدع عما يجب. قاله في الجواهر. والأول في غير الحروب، وحديث: (إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم (١)) هو كالحرب من حيث المعنى، ونبش بفتح المعين من باب علم، وقد أبيح له ذلك إذا أراد سفرا لغزوٍ أن يوري بغيره، ولا تحرم خائنة الأعين على غيره إلا في محظور، والذي كان يقع منه في الحروب إنما هو إذا أراد أن يذهب إلى محل سأل عن سهولة طريق محل آخر وحزونتها وكيف ماؤه؟ ونحو ذلك مما يوهم الذهاب إلى غيره. قاله الأجهوري. وهذا تورية قطعا. والله سبحانه أعلم.
والحكم بينه وبين محاربه؛ هو من تتمة قوله: "حتى يقاتل"، فهو من عطف المصدر الصريح على المصدر الأول، فكان حقه أن يوصله به؛ يعني أنه يحرم عليه ﷺ إذا لبس لأمة الحرب أن ينزعها حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين محاربه، وقد مر أن صواب العبارة أن يقول: ونزع لأمته حتى يحكم الله بينه وبين محاربه. قال ابن غازي: صواب العبارة ونزع لأمته حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين محاربه، وهو كذلك في بعض النسخ ولا يصح غيره. قاله الشيخ إبراهيم. وفسر الحطاب المص بما قال في المقصد الجليل، أي حرم على غيره أن يحكم بينه ﷺ وبين محاربه، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. انتهى. قال الحطاب: ويكون المراد بالمحارب من بينه وبين النبي ﷺ خصومة، قال مجاهد في تفسير الآية: لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله.
ورفع الصوت عليه؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه لا يجوز لأحد أن يرفع صوته عليه لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وأما خبر ابن عباس وجابر أن نسوة كن يكلمْنَه عالية أصواتهن فالظاهر أنه قبل النهي بقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ويحرم رفع الصوت على حديثه أيضا؛ لأن حرمته ميتا
стр. 3596
كحرمته حيا، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية، وكلامه من الوحي: وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا في معان مستثنيات.
ويكره رفع الصوت في مجالس العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، ويكره رفع الصوت عند قبره الشريف، ويكره قيام قارئ حديثه لأحد، بل قيل: تكتب عليه خطيئة. قاله الحطاب وغيره.
وندائه من وراء الحجرات؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه لا يجوز لأحد أن يناديه من وراء الحجرات أي المحل المحجور، وهو الموضع الذي يحتجب فيه عن الناس بحائط ونحوه؛ لأنه إنما كان يحتجب عنهم في أشغاله المهمة، فإزعاجه عن تلك الحالة سوء أدب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وما تقدم من التعليل يفيد أن نداءه من وراء الحجرات إذا لم يكن على الوجه المذكور لا يحرم، كأن يناديه من لا يحصل له بندائه إزعاج كخادمه. انظر شرح عبد الباقي.
وباسمه؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه لا يجوز لأحد أن يناديه باسمه غير مقترن بما يدل على التعظيم، فيقول: يا محمد، بل يقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وحرمته ﷺ ميتا كحرمته حيا، فلا ينادى باسمه بعد موته غير مقترن بالتعظيم عند قبره أم لا، فإن اقترن بما يدل على التعظيم جاز، ففي خبر ابن فديك: بلغنا أن من وقف عند قبره ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ صلى الله عليك يا محمد سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليك وسلم يا فلان لم تسقط لك اليوم حاجة. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وانظر هل مثل ذلك الشفاعة يا محمد أم لا؟ ومثل ندائه باسمه نداؤه بكنيته كما قال ابن حجر أخذا من قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وحينئذ فلا يقال للكنية: تعظيم، فالأوجه جواز ندائه بكنيته لأنا نقول: مقتضى الآية الكريمة أن لا ينادى بكنيته لأنهم كانوا يدعون بها بعضهم بعضا. قاله غير واحد.
стр. 3597
وإباحة الوصال؛ هذا من القسم الخامس؛ يعني أنَّ من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أباح له الوصال أي صوم يومين فأكثر دون فصل بينهما بفطر، قال القاضي عياض: كركعه مالك والجمهور لغير النبي ﷺ ، لنهيه ﷺ عن الوصال، وأجازه جماعة قالوا: والنهي رحمة وتخفيف فمن قدر فلا حرج؛ وأجازه ابن وهب وأحمد وإسحاق إلى السحر، وقال الخطابي هو من خصائصه وحرام على أمته. النووي: والأصح عندنا أن النهي على التحريم، وقيل: على الكراهة، وكرهه مالك ولو إلى السحر، واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث: (من واصل فليواصل إلى السحر (١)) وهو لابن وهب وأحمد وإسحاق كما مر، وقول أشهب: من واصل أساء، ظاهره التحريم. انظر الحطاب. وفي الصحيحين (أنه ﷺ نهاهم عن الوصال، فقيل: إنك تواصل، فقال: إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى) (٢)؛ أي أعطى قوة الطاعم والشارب. قاله الشيخ إبراهيم. قال. وأما الوصال في حق غيره فهو مكروه لأنه موجب للضعف والملل من المواظبة على كثير من وظائف العبادات والقيام بحقها. انتهى.
ودخول مكة بلا إحرام؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أباح له أن يدخل مكة بلا إحرام بحج أو عمرة من غير عذر كحصر عدو، وأما لعذر فلا خصوصية له ﷺ بذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وبقتال؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أباح له القتال بمكة شرفها الله تعالى، وتقدم في الحج أن في جواز قتال الحاصر ترددا فراجعه إن شئت، وقوله: "بقتال"؛ أي بخلاف غيره، وقوله في الحديث: (وإنما أحلت لي ساعة من نهار (٣))، الساعة التي أحلت له من أول النهار للزوال. قال الشيخ إبراهيم. قال: كما في شرح شيخنا لألفية العراقي: وذكر في الشرح هنا أنها من طلوع الشمس إلى العصر. انتهى. ولبعض الشعراء:
стр. 3598
ومكة أرض ما يحل حرامها … من الناس إلا اللوذعي الحلاحل
يعني النبي ﷺ .
وصفي المغنم؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أباح له أنه يصطفي من الغنيمة قبل أن تقسم؛ أي يختار منها ما أراد وينفق منه على نفسه وأهل بيته وعياله، ومنه كانت صفية ﵂، فلا حق للإمام من رأس الغنيمة، والصفي مخصوص به ﷺ بإجماع العلماء إلا أبا ثور، فإنه قال: أمر الصفي بعد رسول الله ﷺ لإمام المسلمين، وكان أمر الصفي أنه ﵊ إذا غزا مع الجيش اختار من الغنيمة قبل القسم سهما وضرب له بسهم مع المسلمين، فإن قعد ولم يخرج مع الجيش ضرب له بسهم ولم يكن صفي. نقله الإمام الحطاب. وقال السهيلي في شرح غزوة حنين: كان في الجاهلية المرباع أي ربع الغنيمة، والصفي أي ما يصطفى للرئيس، فنسخ الرباع بالخمس وبقي الصفي. قاله الحطاب.
والخمس؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أن الله تعالى أباح له الخمس، قال ابن غازي: قال الهروي: إن أعطيتم الخمس وسهم النبي ﷺ والصفي فأنتم ءامنون. ابن العربي: من خواصه ﷺ صفي المغنم والاستبداد بخمس الخمس أو الخمس، ومثله لابن شأس وكأنه إشارة إلى القولين، فاقتصر المص على الثاني، ولو اقتصر على الأول كان أولى لأنه أشهر عند أهل السير. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: كان الأولى أن يقول: وخمس الخمس؛ لأنه المشهور وينفق منه ﷺ على أهله وعياله، ثم قال: وشذ من قال باستبداده بالخمس. انتهى. وفي سماع أصبغ: إنما والي الجيش كرجل منهم له مثل الذي لهم وعليه مثل الذي عليهم. ابن رشد: لا حق للإمام في الخمس إلا الاجتهاد في قسمة، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الخمس مقسوم على الأصناف المذكورين بالسواء، وأن سهمه ﵇ للخليفة بعده. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشيخ بناني: ابن العربي: من خواصه ﵊ صفي المغنم والاستبداد بخمس
стр. 3599
الخمس أو الخمس، ومثله لابن شأس وكأنه إشارة إلى قولين، والثاني منهما: الاستبداد بجميع الخمس: واقتصر المص على الثاني منهما، ولو اقتصر على الأول كان أولى؛ لأنه أشهر عند أهل السيرة، قال ابن غازي: وقد مر أنه كان في الجاهلية الرباع أي ربع الغنيمة فنسخ المرباع بالخمس.
ويزوج من نفسه؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يزوج المرأة من نفسه ولو لم ترض هي ووليها ويتولى الطرفين، ولكن إذا كرهت الإقامة بعد ذلك حرم عليه إمساكها كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن شاء؛ يعني أنه يباح له ﷺ أن يزوج المرأة ممن شاء من الرجال بغير إذنها ولا إذن وليها: وكذا له أن يزوج من شاء من الرجال بغير إذنه، والأشبه من الوجهين عند الشافعية أنه لا يدخل فيمن شاء الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأما بين الأم وابنتها أو الأخت وأختها فلا. قاله الشيخ إبراهيم. ونحوه للشيخ عبد الباقي. وفسر الأشبه بأنه الراجح. وبلفظ الهبة؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يزوج بلفظ الهبة من غير ذكر صداق، وظاهره لنفسه ولغيره. وقوله: وبلفظ الهبة أي من جهة المرأة. وزائد على أربع؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكذا غيره من الأنبياء، وقد مر أنه ﷺ توفي عن تسع.
وبلا مهر؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بلا مهر أي صداق يدفعه لها ابتداء وانتهاء، بخلاف غيره فلا بد مند ابتداء أو انتهاء كما في نكاح التفويض. وبلا ولي؛ يعني أنه من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يعقد نكاحه ونكاح غيره بلا مهر وبلا ولي معا. وبلا شهدود، أي بلا واحد من عذه الثلاثة أي يجوز له ذلك عند انتفائها بالكلية، وأولى لو كان المنتفي بعضها لا كلها، وإنما تشترط الشهود في جانبه ﷺ ؛ لأن القصد من حضورهم خوف الجحد وهو مأمون منه ﷺ ، وجحدها غير مفيد لها بل تكذيب وحكمه معلوم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ويزوج من نفسه، تكرار مع قوله: بلا مهر وولي وشهود.
стр. 3600
وبإحرام؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه يباح له أن يتزوج بإحرام ولو منه ومن المرأة ومن الولي لخبر ابن عباس: (أنه نكح ميمونة وهو محرم (١))، وأكثر الروايات حلال، وخص رسول الله ﷺ عند مالك بجواز جعل عتق الأمة صداقها، خلافا ولشافعي. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب.
وبلا قسم؛ يعني أنه ﷺ مخصوص بأنه يباح له أن لا يقسم بين نسائه، فله أن يفضل بعضهن على بعض في المبيت والكسوة والنفقة بخلاف غيره في المبيت، وخص ﷺ بإباحة المكث في المسجد جنبا، وبجواز خلوته بالأجنبية، وقال جلال الدين السيوطي: واختص ﷺ بإباحة النظر للأجنبيات والخلوة بهن وإردافهن، وبإباحة المكث في المسجد جنبا والعبور فيه عند المالكية، وأنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم ولا باللمس في أحد الوجهين، وهو الأصح، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه وقاعدا، وبجواز الصلاة على الغائب عند أبي حنيفة، وعلى القبر عند المالكية. انتهى. نقله الحطاب. قال: وكذا على الغائب عند المالكية، وذكر ابن العربي أنه اختص بإباحة الكلام لأمته في الصوم وكان محرما على من كان قبلنا عكس الصلاة، وذكر السيوطي أنه ﷺ اختص بوجوب ركعتي الفجر الحديث في المستدرك وغيره (٢))، وغسل الجمعة ورد في حديث واه، وأربع عند الزوال ورد عن سعيد بن المسيب، وبالوضوء لكل صلاة، وبالوضوء إذا أحدث، قيل: ولا يكلم أحدا ولا يرد سلاما حتى يتوضأ، ثم نسخ. قيل: وبالاستعاذة عند القراءة، وأن يقول إذا رأى ما يعجبه: لبيك إن العيش عيش الآخرة، وإتمام كل تطوع شرع فيه، وأن يدفع بالتي هي أحسن. وحرم عليه ﷺ الخط وتعلم الشعر، وذكر النقاش أنه ﷺ ما مات حتى كتب، والأول هو المشهور، والصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا ﷺ . انتهى. ويحكم ﷺ وهو غضبان بخلاف غيره، ففي صحيح البخاري أنه عليه
стр. 3601
الصلاة والسلام حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه أي أغضبه؛ إذ قال له: [أن] (١) كان ابن عمتك. ابن غازي: ليس ما قيل باختصاصه ﷺ محصورا فيما ذكر، وذكر شئيا مما مر ثم قال: إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
ويحكم لنفسه؛ يعني أن رسول الله ﷺ مخصوص بأنه يحكم لنفسه على غيره للأمن فيه ﷺ مما يخشى من حكم الشخص لنفسه: وولده، أي من خصائصه ﷺ أنه يحكم لولده على غيره لعصمته ﵊، وظاهره أنه لا فرق بين العدو وغيره وهو كذلك. قاله الشيخ إبراهيم. وكما يحكم لنفسه وولده يشهد لهما وهذا لازم للحكم لهما، ويحمي له؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أن يحمي لنفسه مواتا من الأرض يختص به دون غيره لترعى فيه ماشيته، وقد ثبت أنه حمى النقيع بالنون لكنه لم يحمه لنفسه، وقال عمر ﵁: والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شيئا، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (لا حمى إلا لله ورسوله (٢))، فلعل القائل بالاختصاص حمله على ظاهره وهو خلاف ما فسره به الباجي؛ إذ قال: يريد أنه ليس لأحد أن ينفرد عن المسلمين بمنفعة تخصه، وإنما الحمى لحق الله ولرسوله أو من يقوم مقامه من خليفة وذلك إنما هو في سبيل الله والنظر في دينه. قاله الحطاب. قال عبد الباقي: وانظر هل يحمي لولده أم لا؟ انتهى. وقال الشبراخيتي: وثبت أنه ﷺ حمى النقيع وحمى ثلاثة أميال بالربذة للقاحه ﷺ ، وأما غير النبي ﷺ فلا يحمي إلا بشروط ستأتي، وهي أن يكون قليلا وعافيا ومحتاجا إليه وكونه لكغزو. انتهى.
ولا يورث؛ يعني أن من خصائصه ﷺ أنه لا يورث، وإنما ذكر هذا في قسم التحليل أي الإباحة؛ لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض لم يبق له إلا الثلث، وبقي ملكه ﷺ بعد موته. نقله الحطاب عن ابن العربي. فيباح له أن يوصي بجميع
стр. 3602
ماله وينفذ وإن بهبة جميعه. الأقفهسي: اختلف هل ما تركه باق على ملكه ينفق على أهله منه كحياته أو سبب له سبيل الصدقات؟ والصواب أنه صدقة لقوله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (١)). قاله ابن غازي. ونقله الحطاب، قال: وتقدم ما يخالف ما صوبه، وقوله: "ولا يورث" يشاركه في ذلك الأنبياء، وقالت الرافضة: إن الأنبياء يورثون، والحكمة في كونهم لا يورثون عليهم الصلاة والسلام خشية أن يتمنى وارثهم موتهم فيكفرت فإن تمني موت النبي كفر. ابن غازي: ليس كل ما هنا مشهورا، بل فيه أشياء ما قال بها إلا من شذ، كوجوب الضحى واستبداده بجميع الخمس. انتهى. قاله الحطاب. قلت: وفيه نظر؛ لأنه قد قال به جماعة، وقوله: في الحديث: صدقة بالرفع لا بالنصب على الحال كما فهم الرافضة أبعدهم الله تعالى، وقوله: "ولا يورث" مفهومه أنه يرث وهو كذلك على الراجح لما ثبت أنه ﷺ ورث من أبيه أم أيمن بركة الحبشية وبعض غنم وغيره، وقلى ينازع في تسمية ذلك إرثا لأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وقد يجاب بأن الله لا عصمه مطلقا كان ما يحصل منه قبل الشرع موافقا لما بعده. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الذخيرة: ورأيت كلاما للعلماء يدل ظاهره على أنهم لا يرثون. انتهى. قاله الحطاب. قال: والحكمة في كونهم لا يرثون على القول به خشية أن يتوهم الموروث أنهم يحبون موته فيبغضهم لذلك. انتهى. وقال الأمير: وترث الأنبياء ولا تورث بل ما تركوه صدقة فلهم الوصية بالجميع.
стр. 3603
باب: في النكاح
وقد مر ذكر مناسبة إتيانه بالنكاح عقب الجهاد وافتتاحه بمسائل من الخصائص، وفي بعض النسخ: فصل، والنكاح في اللغة التداخل، يقال نكح البذر الأرض والحصا أخفاف الإبل والنعاس المعين؛ إذا دخل فيها، قال الشاعر:
أنكحت صم حصاها خف يعملة … تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
قال ابن راشد: ولا خلاف أنه حقيقة في الوطء عند أهل اللغة، وقيل للتزويج نكاح من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب فهو حقيقة في الوطء ومجاز في العقد هذا هو الصحيح، وقال الفراء: النكح بضم النون: البضع أي الفرج، فمعنى نكحها أصاب نكحها، وقال الزجاجي: - هو يعني النكاح في كلام العرب - بمعنى الوطء والعقد جميعا، وسئل الفارسي خن ذلك فقال: فرقت العرب بينهما فرقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان أو أخته أو فلانة فمرادهم العقد عليها، وإذا قالوا نكح زوجته أو امرأته فمرادهم المجامعة؛ لأن ذكر زوجته أو امرأته يغني عن العقد. انتهى. وفي العرف يستعمل مرادا به العقد على المرأة وقلما يراد به الوطء ويستعمل في الشرع مرادا به الوجهان، والصحيح أنه في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء لكثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد، ولا يرد مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة.
وعرف ابن عرفة النكاح بقوله: عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر، فيخرج عقد تحليل الأمة إن وقع ببينة، ويدخل نكاح الخصي والطارئين لأنه ببينة صدقا فيها ولا يبطل عكسه نكاح من ادعاه بعد ثبوت وطئه بشاهد واحد أو فشو بنائه باسم النكاح، لقول ابن رشد: عدم حده للشبهة لا لثبوت نكاحه. انتهى. قوله: عقد جنس، وأصل العقد في اللغة الربط ومنه عقد إزاره وقد يستعار للمعاني كهذا، وعبر بالعقد هنا لأن النكاح فيه إيجاب وقبول من الجانبين، فالعقد فيه لزوم العاقد على نفسه أمرا من الأمور.
стр. 3604
قاله ميارة. وقوله: على مجرد متعة لخ، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل على متعة التلذذ المجردة، ومعنى المجردة أنها هي المقصودة من غير إضافة شيء إليها، فخرج بالمتعة البيع والكراء، وبالتلذذ المتعة المعنوية كالجاه والولاية، وبالمجردة العقد على شراء الأمة للوطء.
وعلم من هذا أن التمتع يكون أعم من التلذذ؛ لأن التمتع يكون حسيا ومعنويا كمتعة الجاه والولاية والأكل والشرب والركوب، والتلذذ يكون في الأمور الحسية، ثم أخرج المعنوية بقوله: التلذذ، ثم أخرج من الحسية التلذذ بالطعام والشراب بقوله: بآدمية. قاله الشيخ ميارة. فقوله: بآدمية، أخرج به التلذذ بالطعام والشراب كما علمت، وزعم بعض المشايخ أنه أخرج به العقد على الجنية وفيه بعد. قاله الرصاع. وذكر ابن العربي أن نكاح الجنية مع الإنس جائز عقلا، فإن نقل فبها ونعمت وإلا بقينا على أصل الجواز العقلي، وقوله: ببينة، حال من التلذذ أخرج به صور الزنى، وخرج بقوله: غير عالم العقد على من يعلم حرمتها مما حرمه الكتاب كالأخت والعمة ونحوه ما فليس بنكاح ولا يلحق به الولد، وهل مثل ذلك ما حرمه الإجماع كالجمع بين المرأة وعمتها أولا؟ وهو المشهور، ولذا قال: إن حرمها الكتاب قاله الشيخ بناني. وقوله: أو الإجماع، ارتضاه بعضهم ومنع زيادة الواو بعد أو لأنه يقتضي أن ما حرمه الكتاب ليس فيه ما أجمع على تحريمه وبعضهم أوجبها. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن النكاح تعتريه الأحكام الخمسة، فيجب لراغب فيه إن خشي العنت ولم يمكنه التسري ولم يكفه الصوم، وخير فيه وفي تسر قدر عليه فإن كفه الصوم وجب أحد الثلاثة والنكاح أولى، اللخمي: وقد يبدأ بالصوم إن لم يقدر على التسري ولم يجد للحرائر طولا؛ لأن في تزويج الأمة إرقاق ولده، فإن لم يقدر على نكاح الأمة تعين عليه الصوم، فإن رغب فيه ولم يخنتى العنت ندب له رجا النسل أم لا ولو قطعه عن عبادة غير واجبة، وغير الراغب إن خاف قطعه عن عبادة غير واجبة كره له رجا النسل أم لا، وإن لم يخف ورجا النسل ندب له فإن لم يرجه أبيح له، وكل قسم من المندوب والجائز والمكروه مقيد بما إذا
стр. 3605
لم يوجد موجب تحريم وإلا منع، كضرر بامرأة بعدم وطء أو نفقة أو من كسب محرم ولو لراغب لم يخش عنتا وهذا المنع مقيد بما إذا لم تعلم المرأة بعجزه عن الوطء وإلا جاز النكاح إن رضيت وإن لم تكن رشيدة وكذلك الرشيدة في الإنفاق. وفي شرح الشيخ عبد الباقي أنه إذا خشي العنت يجب عليه النكاح ولو مع إنفاق عليها من حرام أو مع وجود بعض مقتضي التحريم. انتهى. قال محمد ابن الحسن: هذا ربما يفيده قول ابن بشير ويحرم على من لم يخف العنت، وكان يضر بالمرأة لعدم قدرته على الوطء أو على النفقة أو يكتسب من موضع لا يحل، ومثله قول الشامل: ومنع المضر بامرأة لعدم وطء أو نفقة أو لكسب محرم ولم يخف عنتا، واعترضه ابن رحال بأن الخائف من العنت مكلف بترك الزنى لأنه في طوقه كما هو مكلف بترك التزويج الحرام، فلا يحل فعل محرم لدفع محرم، وإنما يصار لمثل هذا عند الإكراه كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها [إلا لمن يزني بها] (١).
واعلم أن المرأة في التقسيم المتقدم المشتمل على الأقسام الخمسة كالرجل، وزاد ابن عرفة وجها آخر في وجوبه عليها وهو عجزها عن قوتها وسترها بغيره. قاله الشيخ عبد الباقي. والظاهر أن العقم لا يجب إخبار المرأة به لأنه ليس بعيب يوجب الخيار، ولأنه لا يقطع به فلعله يولد له من هذه وإن لم يولد له من غيرها. قاله الحطاب.
ندب لمحتاج؛ يعني أن المحتاج وهو الراغب في النكاح الذي تتوق نفسه إليه يندب في حقه النكاح رجا النسل أم لا، قال عبد الباقي: وكذا غير راغب ورجا النسل فيندب له لأنه محتاج للنكاح حكما. انتهى. وقال أبو علي: فإن لم يحتج لم يندب له عند اللخمي وغيره بل يباح ولو رجا النسل، خلافا لابن رشد القائل: يندب له إذا رجا النسل.
ذي أهبة؛ يعني أن المحتاج إنما يندب له النكاح إذا كان ذا أهبة أي قدرة على مؤن النكاح من مهر ونفقة وكسوة، فإن أضر بالمرأة في واحد من هذه حرم وقد مر هذا بأبسط مما هنا، وقوله: "لمحتاج"، خرج به قسم المباح والمكروه، وقوله: "لمحتاج"، يريد ولم يخش العنت،
стр. 3606
والأهبة هي المراد بقوله ﷺ فيما رواه الشيخان: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١)). انتهى. وقال النووي: قال أهل اللغة: المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر وكذا ما أشبهه، والشباب جمع شاب ويجمع على شبان وشببة، والباءة فيها أربع لغات حكاها القاضي: الفصيحة المشهورة الباءة بالمد والهاء: الثانية: البأة بلا مد، والثالثة: الباء بالمد بلا هاء، والرابعة: بهاءين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتق من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها. قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين: أحدهما المراد بها الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، القول الثاني أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته. انتهى. ومن الباء بلا تاء قول الشاعرة:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أميمة إذ للباء يعتلجان
كما غادر الصباح بعد خبوه … فتائل قد سيطت له بدهان
قوله: وجاء بالمد وكسر الواو: خصاء، قال في الذخيرة: والصوم يقطع النكاح لإضعافه القوة وتخفيفه الرطوبة التي يتولد منها المني، وقد يزيد في النكاح في حق المرطوبين فيقربون من الاعتدال فيقوى عندهم بالصوم لكنه قليل في الناس. نقله الحطاب.
نكاح بكر؛ مصدر مضاف إلى مفعوله وهو نائب عن الفاعل، قوله: "نكاح بكر". مندوب ثان، فالأولى أن يقول نكاح وبكر. قاله غير واحد. وقال الشيخ أبو علي: القادر على الأبكار لا يستحب له نكاح الثيبات، وعليه يحمل المص فلا يحتاج إلى زيادة واو. انتهى.
стр. 3607
واعلم أن الأقسام الخمسة في النكاح تجري في الاكتفاء بوطء الملك أيضا، وقوله: "تدب"، هو قول مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: مباح، وقال أهل الظاهر: واجب. واعلم أن في النكاح فوائد أربعا: دفع غوائل الشهوات، والتنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة؛ لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أنه إذا عمل الخير نال ما هو أعظم سارع في الخيرات لما هو أحسن من جنس تلك اللذة ولما هو أعظم وأتم وأبقى وهو اللذة بالنظر إلى وجه مولانا الكريم والمسارعة إلى تنفيذ إرادة الله ببقاء الخلق إلى يوم القيامة، ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح وإرادة رسوله لقوله: (تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة (١))، وبقاء الذكر، ورفع الدرجات بدعاء الولد الصالح لخبر: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث (٢)). الحديث. ومن الثلاثة الولد الصالح يدعو له بالخير،
وللسيوطى رحمه الله تعالى:
إذا مات ابن ادم ليس يجري … عليه من فعال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل … وغرس النخل والصدقات تجر
وراثة مصحف ورباط ثغر … وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يآوي … إليه أو بناء محل ذكر
وتعليم لقرآن كريم … فخذها من أحاديث بحصر
وقوله: "نكاح بكر" الأصل فيه حديث: (عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها وأنتق أرحاما وأطيب أخلاقا (٣)) ومعنى أنتق أرحاما أقبل للولد، وفي الحديث: (عليكم بشواب النساء فإنهن أطيب أفواها وأنتق بطونا وأسخن أقبالا (٤)). رواه الشيرازي. نقله في الجامع الصغير.
стр. 3608
ويستحب نكاح الولود لخبر: (سوداء ولود خير من حسناء عقيم (١))، وقال في النوادر: ورغب ﷺ في نكاح الولود، وقالت عائشة ﵂: بنت الخمسين لا تلد، وقال عمر: بنت عشر سنين تسر الناظرين، وبنت عشرين لذة المعانقين، وبنت ثلاثين ذات شحم ولين وبنت أربعين ذات بنات وبنين، وبنت خمسين عجوز في الغابرين، وفي الحديث، (لا تنكح المرأة لجمالها ولا لمالها فلعل جمالها لا يأتي بخير [ولعل مالها لا يأتي بخير] (٢) وعليكم بذوات الدين فاتبعوهن حيثما كن (٣)). انظر الحطاب. وعن زيد بن حارثة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا زيد تزوج تزدد عفة إلى عفتك ولا تتزوج خمسة لا شهبرة ولا كهبرة ولا نهبرة ولا هبدرة ولا لفوتا (٤))، أما الشهبرة فهي الزرقاء البذية؛ والكهبرة الطويلة المهزولة، والنهبرة القصيرة الدميمة، والهبدرة العجوز المدبرة، واللفوت ذات الولد من غيرك. نقله الشيخ إبراهيم. وفي القاموس: النهبرة الطويلة المهزولة أو المشرفة على الهلاك.
ونظر وجهها وكفيها؛ يعني أنه يندب لمن يريد نكاح امرأة أن ينظر قبل الخطبة أو بعدها كما صرح به أبو علي وجهها وكفيها أي يديها لكوعيها ظاهرهما وباطنهما، فيستدل بالوجه على الجمال وبالكفين على خصب البدن أي نعومته فلا حاجة إلى ما وراء ذلك. ومحل ما ذكره المص إن لم يقصد لذة وإلا حرم، ويشترط كما قال الشيخ بناني أن لا يعلم عدم الإجابة بأن علم الإجابة أو لم يعلم شيئا، فإن علم عدم الإجابة حرم عليه النظر إن خشي فتنة وإلا كره، وإن كان نظر وجه الأجنبية وكفيها جائزا لأن فعل هذا مظنة قصد اللذة فقط يعني أنه إنما ينظر الوجه والكفين لا غيرهما لأنه عورة، فلا يجوز النظر إليه. قال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر المص أن النظر مستحب والذي في عبارة أهل المذهب الجواز، ولم يحك ابن عرفة الاستحباب إلا عن ابن القطان. انتهى. ومقتضاه أن القول بالندب ليس بالقوي وهو
стр. 3609
خلاف ما للشيخ أبي علي، فإنه قال: إن الندب الذي ذكره المص في هذا النظر هو المذهب. انتهى. قوله: ظاهر المص بل صريحه. بعلم؛ يعني أنه لا ينظر إليها إلا بعلم منها ولا يحتاج لإذنها في ذلك، ويكره أن يستغفلها أي ينظر إليها بغير علمها عند ابن القاسم ليلا يتطرق أهل الفساد إلى محارم الناس ويقولون نحن خطاب، وفي القسطلاني: ولكل أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذن له اكتفاء بإذن الشارع سواء خشي الفتنة أم لا، وفي ابن فجلة الزرقاني ما يوافقه كما نقله أبو علي وهو خلاف ما مر، وأشعر قوله: "نظر"، أنه لا يمس وهو كذلك قال عبد الباقي عن التتائي: وانظر هل يدخل في الوجه ما يفعله بعض المصريين من فتح فمها ونظر أسنانها؟ انتهى. قال علي الأجهوري: وينبغي جواز ذلك بالأولى من الوجه إذ هو يتلذذ به أقوى من الأسنان إلى آخر كلامه. قوله: وينبغي جواز ذلك بالأولى لخ، قال الشيخ بناني: فيه نظر؛ إذ لم يجوزوا النظر إلا لما ليس بعورة وهو الوجه والكفان، وما عدا ذلك عورة فلا سبيل للنظر له على كل حال، وقد اعترضه الشيخ أبو علي بذلك فانظره.
قال مقيد هذا الشرح: وصريح هذا أن الأسنان عورة لا يسوغ النظر إليها. والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله: "ونظر وجهها وكفيها" إلخ، أنها هي لا يندب لها ذلك، قال الشيخ أبو علي: وهو مذهبنا حسب ما يظهر مما قدمناه؛ لأن المطلوب من الرجال غير الحسن. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وأما نظرها لوجهه وكفيه فلا نص فيه عندنا والظاهر ندبه وفاقا للشافعية. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الشيخ عبد الباقي: له توكيل رجل أو امرأة في نظرها وندب لكل نظر وجهها وكفيها كالخاطب، فأما نظر المرأة الوكيلة زائدا على وجه المخطوبة وكفيها فيباح من حيث كونها امرأة لا مندوب من حيث كونها وكيلة عن رجل، وجواز التوكيل صرح به الحطاب عن البرزلي، ولا ينافي ما للشادلي في باب جمل بعد قول الرسالة، وقد أرخص في ذلك أي في النظر للشابة للخاطب نفسه إلى أن قال: وقيدنا بنفسه احترازا من الخاطب لغيره فإنه لا يجوز له النظر اتفاقا. انتهى. لإمكان حمله على ما إذا وكل رجلا في الخطبة فقط: وحمل ما للبرزلي على ما إذا وكله فيها مع النظر أو في النظر فقط. انتهى.
стр. 3610
قال الشيخ محمد بن الحسن: نص البرزلي: انظر هل يفوض له في النظر إليها على حسب ما كان له والظاهر الجواز ما لم يخف عليه مفسدة من النظر إليها؟ انتهى. واعترضه بعض الشيوخ بأن نظر الخاطب مختلف فيه، فكيف يسوغ لوكيله؟ انتهى وهو ظاهر. والله أعلم. انتهى. وفي نقل أبي علي ما نصه: قال بعض أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة تنظر إليها وتخبره قبل الخطبة. انتهى. وروي أنه ﷺ بعث أم سليم تنظر إلى امرأة، وقال لها: (شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبيها (١)).
الثاني: قال ابن القطان: ولها أن تتزين للناظر بك لو قيل إنه مندوب ما كان بعيدا، ولو قيل إنه يجوز لها التعرض لمن لا يخطبها إذا سلمت نيتها في قصد النكاح لم يبعد، وهل يجوز للخاطب أن يتعرض للمخطوبة بمحاسنه التي لا يجوز إبداؤها لها إذا لم تكن مخطوبة ويتصنع بلبسه وكحله وخضابه ومشيته؟ أو لا يجوز له إلا ما كان جائزا لكل امرأة؟ والظاهر جوازه إن لم يتحقق في المنع إجماع أما إن لم يخطب فلا يجوز له ذلك التعرض لأنه تعرض للفتن وتعريض لها. قاله الحطاب.
الثالث: مقتضى كلام القباب أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء، فإنه قال: مسألة: ليس من الضروريات احتياجها إلى أن تبيع أو تبتاع أو تستصنع، وقد روي عن مالك أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم ولا تترك الشابة تجلس إلى الصانع، وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده فلا بأس بذلك وهو كله صواب، فقد تصنع وتستصنع وتبيع وتشتري وهي مستترة ولا يمنعن من الخروج والمشي في حوائجهن ولو كن معتدات، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين بل يخرجن وهن متلفعات ولا يخرجن في مشي الطرقات بل يلتصقن بالجدرات.
وفي التوضيح: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد والطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره. انتهى. زاد الأقفهسي: في المواضع التي يجوز النظر فيها البيع والشراء. انتهى. نقله الحطاب. وهو