والأهبة هي المراد بقوله ﷺ فيما رواه الشيخان: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١)). انتهى. وقال النووي: قال أهل اللغة: المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر والشيوخ معشر والأنبياء معشر والنساء معشر وكذا ما أشبهه، والشباب جمع شاب ويجمع على شبان وشببة، والباءة فيها أربع لغات حكاها القاضي: الفصيحة المشهورة الباءة بالمد والهاء: الثانية: البأة بلا مد، والثالثة: الباء بالمد بلا هاء، والرابعة: بهاءين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتق من المباءة وهي المنزل، ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها. قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين: أحدهما المراد بها الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، القول الثاني أن المراد بالباءة هنا مؤن النكاح، سميت باسم ما يلازمها وتقديره من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطعها فليصم ليدفع شهوته. انتهى. ومن الباء بلا تاء قول الشاعرة:
بني هاشم قد غادرت من أخيكم … أميمة إذ للباء يعتلجان
كما غادر الصباح بعد خبوه … فتائل قد سيطت له بدهان
قوله: وجاء بالمد وكسر الواو: خصاء، قال في الذخيرة: والصوم يقطع النكاح لإضعافه القوة وتخفيفه الرطوبة التي يتولد منها المني، وقد يزيد في النكاح في حق المرطوبين فيقربون من الاعتدال فيقوى عندهم بالصوم لكنه قليل في الناس. نقله الحطاب.
نكاح بكر؛ مصدر مضاف إلى مفعوله وهو نائب عن الفاعل، قوله: "نكاح بكر". مندوب ثان، فالأولى أن يقول نكاح وبكر. قاله غير واحد. وقال الشيخ أبو علي: القادر على الأبكار لا يستحب له نكاح الثيبات، وعليه يحمل المص فلا يحتاج إلى زيادة واو. انتهى.
стр. 3607
واعلم أن الأقسام الخمسة في النكاح تجري في الاكتفاء بوطء الملك أيضا، وقوله: "تدب"، هو قول مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي: مباح، وقال أهل الظاهر: واجب. واعلم أن في النكاح فوائد أربعا: دفع غوائل الشهوات، والتنبيه باللذة الفانية على اللذة الدائمة؛ لأنه إذا ذاق هذه اللذة وعلم أنه إذا عمل الخير نال ما هو أعظم سارع في الخيرات لما هو أحسن من جنس تلك اللذة ولما هو أعظم وأتم وأبقى وهو اللذة بالنظر إلى وجه مولانا الكريم والمسارعة إلى تنفيذ إرادة الله ببقاء الخلق إلى يوم القيامة، ولا يحصل ذلك إلا بالنكاح وإرادة رسوله لقوله: (تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة (١))، وبقاء الذكر، ورفع الدرجات بدعاء الولد الصالح لخبر: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث (٢)). الحديث. ومن الثلاثة الولد الصالح يدعو له بالخير،
وللسيوطى رحمه الله تعالى:
إذا مات ابن ادم ليس يجري … عليه من فعال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل … وغرس النخل والصدقات تجر
وراثة مصحف ورباط ثغر … وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يآوي … إليه أو بناء محل ذكر
وتعليم لقرآن كريم … فخذها من أحاديث بحصر
وقوله: "نكاح بكر" الأصل فيه حديث: (عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها وأنتق أرحاما وأطيب أخلاقا (٣)) ومعنى أنتق أرحاما أقبل للولد، وفي الحديث: (عليكم بشواب النساء فإنهن أطيب أفواها وأنتق بطونا وأسخن أقبالا (٤)). رواه الشيرازي. نقله في الجامع الصغير.
стр. 3608
ويستحب نكاح الولود لخبر: (سوداء ولود خير من حسناء عقيم (١))، وقال في النوادر: ورغب ﷺ في نكاح الولود، وقالت عائشة ﵂: بنت الخمسين لا تلد، وقال عمر: بنت عشر سنين تسر الناظرين، وبنت عشرين لذة المعانقين، وبنت ثلاثين ذات شحم ولين وبنت أربعين ذات بنات وبنين، وبنت خمسين عجوز في الغابرين، وفي الحديث، (لا تنكح المرأة لجمالها ولا لمالها فلعل جمالها لا يأتي بخير [ولعل مالها لا يأتي بخير] (٢) وعليكم بذوات الدين فاتبعوهن حيثما كن (٣)). انظر الحطاب. وعن زيد بن حارثة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (يا زيد تزوج تزدد عفة إلى عفتك ولا تتزوج خمسة لا شهبرة ولا كهبرة ولا نهبرة ولا هبدرة ولا لفوتا (٤))، أما الشهبرة فهي الزرقاء البذية؛ والكهبرة الطويلة المهزولة، والنهبرة القصيرة الدميمة، والهبدرة العجوز المدبرة، واللفوت ذات الولد من غيرك. نقله الشيخ إبراهيم. وفي القاموس: النهبرة الطويلة المهزولة أو المشرفة على الهلاك.
ونظر وجهها وكفيها؛ يعني أنه يندب لمن يريد نكاح امرأة أن ينظر قبل الخطبة أو بعدها كما صرح به أبو علي وجهها وكفيها أي يديها لكوعيها ظاهرهما وباطنهما، فيستدل بالوجه على الجمال وبالكفين على خصب البدن أي نعومته فلا حاجة إلى ما وراء ذلك. ومحل ما ذكره المص إن لم يقصد لذة وإلا حرم، ويشترط كما قال الشيخ بناني أن لا يعلم عدم الإجابة بأن علم الإجابة أو لم يعلم شيئا، فإن علم عدم الإجابة حرم عليه النظر إن خشي فتنة وإلا كره، وإن كان نظر وجه الأجنبية وكفيها جائزا لأن فعل هذا مظنة قصد اللذة فقط يعني أنه إنما ينظر الوجه والكفين لا غيرهما لأنه عورة، فلا يجوز النظر إليه. قال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر المص أن النظر مستحب والذي في عبارة أهل المذهب الجواز، ولم يحك ابن عرفة الاستحباب إلا عن ابن القطان. انتهى. ومقتضاه أن القول بالندب ليس بالقوي وهو
стр. 3609
خلاف ما للشيخ أبي علي، فإنه قال: إن الندب الذي ذكره المص في هذا النظر هو المذهب. انتهى. قوله: ظاهر المص بل صريحه. بعلم؛ يعني أنه لا ينظر إليها إلا بعلم منها ولا يحتاج لإذنها في ذلك، ويكره أن يستغفلها أي ينظر إليها بغير علمها عند ابن القاسم ليلا يتطرق أهل الفساد إلى محارم الناس ويقولون نحن خطاب، وفي القسطلاني: ولكل أن ينظر إلى الآخر وإن لم يأذن له اكتفاء بإذن الشارع سواء خشي الفتنة أم لا، وفي ابن فجلة الزرقاني ما يوافقه كما نقله أبو علي وهو خلاف ما مر، وأشعر قوله: "نظر"، أنه لا يمس وهو كذلك قال عبد الباقي عن التتائي: وانظر هل يدخل في الوجه ما يفعله بعض المصريين من فتح فمها ونظر أسنانها؟ انتهى. قال علي الأجهوري: وينبغي جواز ذلك بالأولى من الوجه إذ هو يتلذذ به أقوى من الأسنان إلى آخر كلامه. قوله: وينبغي جواز ذلك بالأولى لخ، قال الشيخ بناني: فيه نظر؛ إذ لم يجوزوا النظر إلا لما ليس بعورة وهو الوجه والكفان، وما عدا ذلك عورة فلا سبيل للنظر له على كل حال، وقد اعترضه الشيخ أبو علي بذلك فانظره.
قال مقيد هذا الشرح: وصريح هذا أن الأسنان عورة لا يسوغ النظر إليها. والله سبحانه أعلم. ومفهوم قوله: "ونظر وجهها وكفيها" إلخ، أنها هي لا يندب لها ذلك، قال الشيخ أبو علي: وهو مذهبنا حسب ما يظهر مما قدمناه؛ لأن المطلوب من الرجال غير الحسن. انتهى. وقال الإمام الحطاب: وأما نظرها لوجهه وكفيه فلا نص فيه عندنا والظاهر ندبه وفاقا للشافعية. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الشيخ عبد الباقي: له توكيل رجل أو امرأة في نظرها وندب لكل نظر وجهها وكفيها كالخاطب، فأما نظر المرأة الوكيلة زائدا على وجه المخطوبة وكفيها فيباح من حيث كونها امرأة لا مندوب من حيث كونها وكيلة عن رجل، وجواز التوكيل صرح به الحطاب عن البرزلي، ولا ينافي ما للشادلي في باب جمل بعد قول الرسالة، وقد أرخص في ذلك أي في النظر للشابة للخاطب نفسه إلى أن قال: وقيدنا بنفسه احترازا من الخاطب لغيره فإنه لا يجوز له النظر اتفاقا. انتهى. لإمكان حمله على ما إذا وكل رجلا في الخطبة فقط: وحمل ما للبرزلي على ما إذا وكله فيها مع النظر أو في النظر فقط. انتهى.
стр. 3610
قال الشيخ محمد بن الحسن: نص البرزلي: انظر هل يفوض له في النظر إليها على حسب ما كان له والظاهر الجواز ما لم يخف عليه مفسدة من النظر إليها؟ انتهى. واعترضه بعض الشيوخ بأن نظر الخاطب مختلف فيه، فكيف يسوغ لوكيله؟ انتهى وهو ظاهر. والله أعلم. انتهى. وفي نقل أبي علي ما نصه: قال بعض أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة تنظر إليها وتخبره قبل الخطبة. انتهى. وروي أنه ﷺ بعث أم سليم تنظر إلى امرأة، وقال لها: (شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبيها (١)).
الثاني: قال ابن القطان: ولها أن تتزين للناظر بك لو قيل إنه مندوب ما كان بعيدا، ولو قيل إنه يجوز لها التعرض لمن لا يخطبها إذا سلمت نيتها في قصد النكاح لم يبعد، وهل يجوز للخاطب أن يتعرض للمخطوبة بمحاسنه التي لا يجوز إبداؤها لها إذا لم تكن مخطوبة ويتصنع بلبسه وكحله وخضابه ومشيته؟ أو لا يجوز له إلا ما كان جائزا لكل امرأة؟ والظاهر جوازه إن لم يتحقق في المنع إجماع أما إن لم يخطب فلا يجوز له ذلك التعرض لأنه تعرض للفتن وتعريض لها. قاله الحطاب.
الثالث: مقتضى كلام القباب أنه لا يجوز النظر إليهن للبيع والشراء، فإنه قال: مسألة: ليس من الضروريات احتياجها إلى أن تبيع أو تبتاع أو تستصنع، وقد روي عن مالك أرى أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم ولا تترك الشابة تجلس إلى الصانع، وأما المتجالة والخادم الدون ومن لا يتهم على القعود عنده فلا بأس بذلك وهو كله صواب، فقد تصنع وتستصنع وتبيع وتشتري وهي مستترة ولا يمنعن من الخروج والمشي في حوائجهن ولو كن معتدات، وإنما يمنعن من التبرج والتكشف والتطيب للخروج والتزين بل يخرجن وهن متلفعات ولا يخرجن في مشي الطرقات بل يلتصقن بالجدرات.
وفي التوضيح: يجوز النظر للشابة الأجنبية الحرة في ثلاثة مواضع: للشاهد والطبيب ونحوه وللخاطب، وروي عن مالك عدم جوازه للخاطب، ولا يجوز لتعلم علم ولا غيره. انتهى. زاد الأقفهسي: في المواضع التي يجوز النظر فيها البيع والشراء. انتهى. نقله الحطاب. وهو
стр. 3611
خلاف ما قدمه عن القباب. وفي الحطاب ما نصه: من أبيح له النظر فلا يجوز له قصد اللذة وكذلك النظر إلى الأمرد لا يجوز فيه قصد اللذة. والله أعلم.
رحل لهما حتى نظر الفرج، أصل الفرج في اللغة الشق، قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، وهو عند الفقهاء يطلق على القبل والدبر. قاله الشيخ أبو علي. ومعنى كلام المص أنه يحل بعقد النكاح الصحيح اللازم لكل منهما أي الزوج والزوجة نظر جميع بدن صاحبه حتى أنه يباح له نظر فرجه؛ فيباح له هو نظر فرجها وأحرى غيره من سائر بدنها، ويباح لها هي نظر فرجه وأحرى غيره من سائر بدنه، وسواء في ذلك حالة الجماع وغيرها، وسواء في ذلك القبل والدبر؛ وعبارة الشبراخيتي عند قوله: "نظر الفرج": من قبل أو دبر وفاقا للبرزلي خلافا للأقفهسي والبساطي. انتهى. وفاعل حل ضمير يعود على النظر ونظر مرفوع معطوف بحتى ويحتمل أن تكون حتى جارة، ورد المص بالإغياء حديث: (إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها لأن ذلك يورث العمى (١))، قال ابن الجوزي: هو موضوع، وقال الذهبي، موضوع لا أصل له، وقال ابن حبان: هو موضوع، وقال ابن حجر عن أبي حاتم إنه موضوع، ووقع النهي في الحديث المذكور حالة الجماع لأنه مظنة النظر فأحرى غيرها. وقوله: "وحل لهما حتى نظر الفرج"، فيه تصريح بالجواز من غير كراهة، قال الشيخ عبد الباقي، وعبر بحل دون جاز لأن الجواز يجامع الكراهة بخلاف حل. انتهى. وفي الحطاب: أجاز المالكية النظر إلى فرج المرأة وفيه عن أصبغ أنه لا بأس به وليس بمكروه، وفيه وقد روي عن مالك أنه: قال لا بأس أن ينظر إلى الفرج حال الجماع، وزاد في رواية ويلحسه بلسانه وهو مبالغة في الإباحة، وليس ذلك على ظاهره. أبو الوليد بن رشد: كثير من العوام يعتقدون أنه لا يجوز أن ينظر الرجل إلى فرج امرأته في حال من الأحوال، ولقد سألني عن ذلك بعضهم واستغرب أن يكون جائزا، ومثل ذلك مذهب الحنفية وللشافعية قولان الإباحة والمنع، والنظر عندهم إلى داخله أشد. قاله الغزالي.
стр. 3612
وأعرف لأبي إسحاق منهم أنه قال: يكره النظر إليه لأنه سخافة ودناءة ولا يحرم. انتهى. رقال الشيخ زروق. هو وإن كان متفقا عليه لكن كرهوا ذلك للطب لأنه يؤذي البصر ويورث قلة الحياء في الولد. والله أعلم. وقال في النصيحة: ويكره نظر أحد الزوجين إلى فرج صاحبه لأنه يؤذي البصر ويذهب بالحياء وقد يرى ما يكره فيؤدي إلى البغضاء، وقالت عائشة ﵂: (ما رأيت ذلك من رسول الله ﷺ ولا رأى مني وإن كنا لنغتسل من إناء واحد تختلف أيدينا فيه (١)). وقوله: "حتى نظر الفرج"، قال البساطي: في كلامه: ما يشر بأنه يجوز نظر الدبر وفيه نظر. انتهى. وقال الأقفهسي: المراد بالفرج القبل لا الدبر؛ لأنه لا يجوز التمتع به فلا يجوز النظر إليه. والفرج حيث أطلقته العرب فلا يريدون به إلا القبل. انتهى. نقله الحطاب. ونقل عن البرزلي ما يخالف هذا، وقال بعد أن ذكره عنه: وما قاله اربرزلي أظهر من كلام الأقفهسي، وسيأتي توجيه ما للبرزلي قريبا إن شاء الله تعالى. واحترزت بقولي الصحيح من العقد الفاسد، فلا يباح به نظر ولا تمتع وباللازم من نكاح السفيه والعبد ونحوهما بغير إذن الولي فلا يباح به شيء من ذلك، وقوله: "وحل لهما حتى نظر الفرج"، منع ذلك بعضهم خارج المذهب، واستدل بعموم قوله ﷺ : (لا تنظر إلى فرج حي أو ميت (٢))، وحجة المذهب ما خرجه النسائي عن معاوية: (احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك (٣)).
كالملك يعني أنه يحل لكل من المالك ومملوكته نظر جميع بدن الآخر حتى فرجه، فيباح له نظر فرجها من قبل أو دبر كما يباح لها نظر فرجه من قبل أو دبر، وتمتع بغير دبر يعني أنه يحل لكل من الزوجين والسيد وأمته أن يتمتع بالآخر بكل وجه من وجوه الاستمتاع ما عدا الوطء في الدبر أي في داخله، وأما ظاهره فيجوز لكل من الزوج والسيد أن يتمتع به ولو بوضع الذكر عليه وهو الذي قاله البرزلي، قال: ووجهه عندي أنه كسائر جسد المرأة وجميعه مباح إذ لم يرد ما يخص بعضه عن بعض بخلاف باطنه. انتهى. قال الشيخ بناني:
стр. 3613
واعتمده الحطاب واللقاني خلافا للتتائي تبعا للبساطي والأقفهسي. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: يجوز التمتع بظاهر الدبر من غير استمناء. انتهى. وقال الشيخ بناني: فيه نظر بل ظاهر كلام البرزلي وابن فرحون كما في الحطاب خلافه. انتهى. وفي الحطاب قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل أيكلم الرجل امرأته وهو يطؤها؟ قال: نعم، ويُفَدِّيها لا بأس بذلك. انتهى. وقال أصبغ: قال ابن القاسم: حدثنا الداودي عمن حدثه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أنه سئل عن النخير عند ذلك فقال: إذا خلوتم فاصنعوا ما شئتم. ابن رشد: تكليم الرجل امرأته عند الوطء لا إشكال في جوازه ولا وجه لكراهته، وأما النخير بالخاء كما قاله أبو علي عند ذلك فقبيح ليس من أفعال الناس، وترخيص القاسم فيه على معنى أن ذلك ليس بحرام. والله أعلم. قاله الحطاب.
وفي الشارح: ظاهر ما في البيان كراهة النخير، وبذلك صرح الشيخ سيدي أبو عبد الله بن الحاج انتهى. وقوله: "وتمتع بغير دبر" اعلم أنه نسب لمالك إباحة التمتع بالدبر في كتاب السر وهو مجهول عند الأشياخ لا يعرف وحاشاه من أن يكون له كتاب السر، وعن ابن وهب: سألت مالكا، فقلت: إن الناس يحكون عنك ذلك، فقال: معاذ الله. وروي عنه أيضا أنه قال: كذبوا علي ثلاثا، قال ابن فرحون: وقفت على كتاب السر وفيه من الغض من الصحابة والقدح في دينهم خصوصا عثمان ﵁ ومن الحط على العلماء والقدح في دينهم ونسبتهم إلى قلة الدين مع إجماع أهل العلم على فضلهم خصوصا أشهب ما لا أستبيح ذكره. وفي النسائي عنه ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء ولا تأتوا النساء في أدبارهن (١))، وفي أبي داوود عنه ﷺ : (ملعون من أتى امرأة في دبرها) (٢)، وفي النسائي عنه ﷺ : (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر (٣))، قال الشارح بعد أن جلب أنقالا عن الإمام في إنكار نسبة إباحة ذلك له: فهذا
стр. 3614
مالك قد صرح بكذب الناقل عنه في ثلاث روايات، فكيف يحل نسبة ذلك إليه بعد هذا؟ انتهى. البرزلي: والرواية أن من فعله فإنه يؤدب، وقوله: "وتمتع بغير دبر" يعني في غير زمن الاعتكاف والصوم والإحرام والحيض والنفاس إلا ما استثنوه. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: قوله: "كالملك" يشمل القن والمدبرة وأم الولد، وأما المكاتبة والمبعضة والمعتقة لأجل فلا يباح التمتع بهن، ومحل جواز التمتع في الثلاث الأول حيث لم يكن مانع وإلا فلا يحل التمتع بهن ومن الموانع المحرمية والخنوثة والتزويج، وأما الإخدام والإجارة فقال الشيخ عبد الباقي عند قول المص "وإخدام سنين": وفي كلام المص إشعار بمنع وطء المخدمة ولو قل زمن الخدمة، وبه صرح أبو الحسن في العتق الثاني قائلا في تعليله: إما لأنه يبطل حوز الهبة أو لأنها قد تحمل من أول وطئه فيؤدي إلى استخدام أم الولد. انتهى. واعتمد بعض الشراح على ما نقله ابن عرفة عن ابن الماجشون: من أخدم أمته سنة لم تحرم عليه، فلا تباح له أختها، وقوله: لم تحرم عليه ضعيف، والمعتمد قول أبي الحسن إنها تحرم عليه وإن كانت لا تحل له أختها، وكثيرا ما يقع تمليك زوج منفعة أمته لزوجته أو يجعل لها بعضها ثم يطؤها وهذا لا يجوز، أما إذا ملكها المنفعة فالأمر واضح، وأما إن ملكها بعضها فالعلة تقتضيه، وأما إن كانت تخدم زوجته من غير تمليك لمنفعتها ولا لبعضها فهذه جائزة الوطء، فإن قلت حيث حرم وطء الخدمة فلم لم تحل به الأخت ولو كانت مدته قليلة كسنة؟ قلت: لعله مراعاة لمن يقول إنها لا تحرم حيث قلت مدته وهو ضعيف وإن اعتمده بعض الشراح كما قد مر، فإن قلت ما الفرق بين منع وطئها وبين جواز وطء السيد للمؤجرة كما في معين الحكام؟ وظاهره كما قال أحمد طالت المدة أم لا، وحينئذ فلا يكفي إيجارها في حلية الأخت، قلت: لعله أن المؤجرة إذا حملت انفسخت الإجارة كما في أحمد عن معين الحكام، وسقط عن المستأجر الأجرة فلا ضرر عليه بخلاف الخدمة فإنه يبطل حقه من خدمتها إذا حملت من سيدها، وإن وجب عليه أن يخدمه مثلها إن أيسر كما في المدونة، ويحرم على الخدم بالفتح وطؤها ويحد. قاله بعض الشراح. وقال أصبغ: لا حد عليه في قليل الخدمة وكثيرها للشبهة. انتهى كلام الشيخ عبد الباقي. وذكري هنا
стр. 3615
للمخدمة والزوجة لأجل إفادة الحكم وإن كان المانع فيهما قد يزول، وسيأتي الكلام على المشتركة في باب الشركة وأنه لا يجوز وطؤها. والله سبحانه أعلم.
الثاني: اعلم أنه يجوز للسيد انتزاع مال القن كالمدبر والمعتق لأجل إن لم يمرض السيد أو يقرب الأجل في المعتق لأجل وإلا فلا، وفي حده بشهر أوأشهر قولا مالك وأصبغ، وأما الكاتب فقد أحرز نفسه وماله فليس للسيد انتزاع ماله، وأما المبعض فما ملكه ببعض الحرية فليس للسيد انتزاعه، وإلا فمقتضى كلام الأمير أن له انتزاعه وهو خلاف ما نقله الشبراخيتي عن ابن الحاجب عند قول المص: "وأخذه وإن قتلها"، ونصه: هذا إذا كانت ممن ينتزع مالها وصداق المبعضة لها لا بينها وبين سيدها، بخلاف أرش جناية [عليها] (١) فبينهما، وفرق بينهما بفروق انظرها. انتهى. والله أعلم. وأما أم الولد فإنها كالمدبر كما يأتي للمص في أم الولد. والله سبحانه أعلم.
الثالث: أشعر اقتصار المص على الزوجة والأمة بأنه لا يجوز التلذذ بغيرهما من حيوان لا يعقل أو شجر أو أرض أو رحل أو أجنبية أو رجل ذكر أو خنثى أو غير ذلك وهو كذلك، ويدخل في الممنوع الاستمناء باليد ونحوه من جسد نفسه فإنه حرام عند جمهور العلماء، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، وأنشد فيه الغبريني:
وناكح الكف بخطب يبلى … يأتي بها يوم القيام حبلى
وعده البلالي من الصغائر، قال المص في شرح الرسالة: يعني من صغائر الخسة. والله أعلم. وفي قوت القلوب: وقد جاء في كراهة الاستمناء وتحريمه والتغليظ فيه أخبار شديدة، وروينا أن الله تعالى أهلك أمة من الأمم كانوا يعبثون بمذاكيرهم، وعن مجاهد: كان بعض من مضى يأمر به شبابهم ليستعفوا عن الزنى، ورخص فيه الحسن للرجل والمرأة بأن تدخل المرأة
стр. 3616
شيئا في فرجها لتستمني به فيردها عن الزنى، وقال أبو بكر بن العربي: ليت شعري لو كان فيه نص بالجواز صريح؛ أيرضى ذو همة به لنفسه؟ وقال ابن عباس لشاب استفتاه عنه وقد خاف على نفسه العنت: أف لك وتف نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنى، وهذا يدل على استقباحه لذلك واستهجانه له لما فيه من الخسة ودناءة الهمة وقلة الحياء، وقال أحمد: هو كالحجامة، ومن عمل به لغير خوف الزنى عزر، وكان أحمد يجيزه وأنشد فيه:
إذا حللت بواد لا أنيس به … فاجلد عميرة لا داء ولا حرج
وعميره الاستمناء، والذي في كتب الحنابلة أنه يعزر. قاله ابن زكري.
وخطبة بخطبة؛ يعني أنه تندب الخطبة بضم الخاء عند الخطبة بالكسر والخطبة بالضم، قال الشبراخيتي. هي كالأم مشتمل على حمد الله تعالى وصلاة على نبيه وآية مناسبة مشتملة على الوصية بالتقوى كـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ثم يقول: أما بعد فإن فلانا خطب فلانة ورغب فيكم وانضوى إليكم وهو بالضاد المعجمة أي أوى إليكم وانضم إليكم كما يفيده كلام الصحاح وفي بعض النسخ انطوى إليكم وهي ظاهرة، وفرض لكم من الصداق كذا وكذا فأنكحوه، ويجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من حمد الله إلى آخره. ثم يقول: أجبناك. انتهى.
والخطبة بالكسر قال القرطبي: فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول انتهى وفي التوضيح أنها عبارة عن استدعاء النكاح وما يجري من المحاورة. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: هي التماس التزويج والمحاورة عليه صريحا مثل إن فلانا يخطب فلانة أو غير صريح كيريد الاتصال بكم والدخول في زمرتكم. انتهى. وقال عبد الباقي: هي التماس التزويج. انتهى. ويقال خطب فلان فلانة يخطبها بالضم استدعى نكاحها.
وعقد؛ يعني أن الخطبة بالضم كما تندب عند التماس النكاح تندب عند العقد أي عقد النكاح، قال الإمام الحطاب: والخطبة بالضم واحدة الخطب وهي مشروعة في الخطبة وفي
стр. 3617
العقد، قال مالك: ما قل منها أفضل، قال في التوضيح قال بعض الأكابر: أقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله زوجتك على كذا، ويقول الزوج: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قبلت نكاحها، وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد: وتستحب الخطبة بالضم التي هي الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه وقراءة آية مناسبة عند الخطبة بالكسر، قال مالك: وما خف أحسن. وقال الشارح: والخطبة في استدعاء النكاح مشروعة، قال مالك في كتاب محمد هي مستحبة وهي من الأمر القديم وليست بواجبة وعلى ذلك جميع الفقهاء إلا داوود فقال بوجوبها، ودليل الجمهور حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للذي لم يجد خاتما من حديد: (ملكتكها بما معك من القرآن (١)).
وصفة الخطبة ما رواه الترمذي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، زوجتك فلانة ابنتي أو أختي أو بنت فلان أو أنكحتكها) ونحوه. واعلم أن الخطب أربع وهي مستحبة، فتستحب من الخاطب ومن المجيب له قبل إجابته، ومن المزوج ومن المتزوج. وفي الحطاب بعد جلب أنقال: فتحصل من هذا أن الخطبة بضم الخاء تستحب من الخاطب ومن المجيب له قبل إجابته ومن المزوج ومن المتزوج، وحكى ابن عرفة في استحباب خطبة المجيب في الخطبة قولين، أحدهما عدم استحبابها والثاني استحبابها، وعزا الأول لظاهر قول محمد والثاني لابن حبيب، وهو الذي تقدم في كلام التوضيح واقتصر عليه في المقدمات، قال: ويستحب إخفاء خطبة النكاح، وأن يبدأ الخاطب قبل الخطبة بالحمد لله والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ، ويجيب المخطوب بمثل ذلك قيل الإجابة. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "بعقد" بأن يأتي الولي بما سبق من الحمد وما معه، ويقول: زوجتك فلانة ابنتي أو أختي أو بنت فلان أو أنكحتكها،
стр. 3618
ويجيبه الزوج بمثل ذلك ويقول قبلت، وعلى هذا فهي أربع خطب، خطبتان عند الطلب من الخاطب والولي، وخطبتان عند العقد من الولي والخاطب، وينبغي أن يبدأ الزوج عند الخطبة. انتهى.
ثم قال: وإذا كانت الخطب أربعا فقوله: "وخطبة"، المراد به الجنس ويستحب أن يكون العقد والابتناء في شوال؛ لأنه ﷺ عقد على عائشة وبنى بها في شوال، ويستحب أن يكون العقد يوم الجمعة بعد العصر لقربه من الليل، ويكره صدر النهار لما فيه من التفرق والانتشار. انتهى. وعلم مما مر أنه يبدأ الخاطب بالخطبة عند الخطبة، وأنه يبدأ الولي بالخطبة عند العقد أي على جهة الندب كما يفيده كلامهم. والله سبحانه أعلم. وصرح عبد الباقي أيضا بأن الخطب أربع، وقد حكي أنه ﷺ كان يحب النكاح في رمضان، وما قدمته عن الشبراخيتي أصح. والله سبحانه أعلم.
وتقليلها؛ يعني أنه يستحب تقليل الخطبة بالضم قال إمامنا مالك: ما قل منها أفضل، قال بعض الأكابر: أقلها أن يقول الولي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله زوجتك على كذا، ويقول الزوج الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله قبلت نكاحها، وهاتان خطبتا العقد، وأما خطبتا التماس النكاح ففي الواضحة: كانوا يستحبون أن يحمد الله الخاطب ويصلي على نبيه ثم يخطب المرأة ثم يجيبه المخطوب إليه بمثل ذلك من الحمد والصلاة على نبيه ﷺ ثم يذكر إجابته: وذكر ذلك أيضا في النوادر. قاله الشارح في الكبير. وقال محمد: وقد خطب عند (١) ابن عمر مولاته فلما فرغ الخاطب من كلامه لم يزد ابن عمر على أن قال: وقد أنكحتك على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. نقله الشارح في الكبير.
وإعلانه؛ يعني أنه يستحب إظهار النكاح وإشهاره، وكذا يستحب أيضا إطعام الطعام عليه لما روي من قوله ﵊: (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال (٢))، وهو الدف
стр. 3619
المدور قيل وهو مغشى من جهة واحدة. قاله الشارح. وفي الترمذي والنسائي عنه ﷺ : (أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف (١))، وروي أنه ﷺ قال: (فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت (٢))، وروي أنه ﷺ مر بدار فسمع لعبا فقال: (ما هذا)، فقيل له الوليمة، فقال: (هذا نكاح وليس بسفاح اعقدوه في المساجد واضربوا فيه بالدف). قاله الحطاب.
وفي شرح أبي علي ما نصه: وسننه أي النكاح ثلاث: إظهاره والوليمة والدخان. انتهى. فاعلم قوله: ثلاث، وقوله "وإعلانه" نص على استحبابه غير واحد. قاله الحطاب. قال: وأما العقد في المسجد فعده المص وغيره من الجائزات، ولم أر من صرح من أهل المذهب باستحبابه. والله أعلم. انتهى. ونقل أبو علي عن الشارح أن العقد في المسجد استحسنه جماعة. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وإعلانه"؛ أي النكاح أي العقد، وأما الخطبة بالكسر وحعي التماس النكاح فيندب إخفاؤها كالختان، قال الشيخ زروق: ويستحب كتمان الأمر إلى العقد. انتهى. وفي المقدمات: ويستحب إخفاء خطبة النكاح. انتهى. قاله الحطاب. ونحوه للشبراخيتي، قال: ولعل وجهه سعي أهل الفساد في إبطال الخطبة لحديث: (استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان (٣)).
وتهنئته؛ يعني أنه يستحب تهنئته أي العرس ذكرا أو أنثى أي إدخال السرور عليه بتصويب فعله عند العقد والبناء على غير وجه الدعاء، نحو سرنا ما فعلت، ما فعلت إلا خيرا، أحييت السنة، النكاح من سنة المرسلين، وفي الشبراخيتي ما نصه: أي إدخال السرور على كل من الزوجين لأن التهنئة إظهار الفرح والسرور والاستبشار بذلك، كفرحنا لكم وسرنا ما فعلتم. انتهى. وفي الشامل: وتهنئة عروس عند عقد ودخول. انتهى. والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة. قاله في الصحاح. قاله الحطاب.
стр. 3620
والدعاء؛ يعني أنه يستحب الدعاء لكل من الزوجين عقب العقد كما في الشارح وبعد البناء، وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لعبد الرحمن حين أخبره أنه تزوج: (بارك الله لك))، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ وبه أثر صفرة، فقال: (ما هذا)؟ قال: إني تزوجت امرأة صلى وزن نواة من ذهب، فقال له النبي ﷺ : (بارك الله لك أولم ولو بشاة (١))، قوله: وبه أثر صفرة من خلوق وهو طيب من زعفران وغيره تعلق به من زوجته فهو غير مقصود، وإلا فالتزعفر منهي عنه عند الشافعية والحنفية، وقال المالكية: يجوز في الثوب دون البدن، ونقله إمامهم ﵁ عن علماء المدينة وفيه حديث أبي موسى موقوفا: (لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق) قوله: وزن نواة من ذهب في معناه قولان، أحدهما أن المراد نواة من نوى التمر وهو قول مرجوح، والثاني عبارة عن قدر عندهم من الدراهم وهو دون خمسة دراهم، ثم في المعنى وجهان أحدهما أن يكون الصدق ذهبا وزنه خمسة دراهم الثاني أن يكون المصدق دراهم بوزن نواة من ذهب، فعلى الأول يتعلق قوله: من ذهب بوزن، وعلى الثاني فهو صفة لنواة. قاله القسطلاني. وفي الصحيح أنه قال لجابر حين أخبره أنه تزوج: (بارك الله عليك (٢))، وفي صحيح البخاري عن عانشة ﵂ قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ فأتتني أمي فأدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر أي حظ ونصيب (٣))، كما في القسطلاني. وفي السنن لأبي داوود والترمذي وابن ماجه أنه ﵊ كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج يقول: (بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير (٤))، قال الترمذي: حديث حسن صحيح والأحاديث في ذلك كثيرة.
ابن حبيب: واستحبوا تهنئة الناكح والدعاء له وكان مما يقال له: بالرفاء والبنين بارك الله لك والرفاء بكسر الراء والمد الملاءمة، وذكر النووي إمام الشافعية في الأذكار أنه يكره بالرفاء
стр. 3621
والبنين ولم أر كراهته لأحد من المالكية. قاله الإمام الحطاب. وقال القسطلاني عن رجل من بني تميم قال كنا نقول في الجاهلية: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام علمنا نبينا فقال قولوا: (بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم (١))، وقد علمت أن الرفاء هو الالتئام والموافقة وأصله الهمز من رفأت الثوب أرفؤد رفئا لاءمت بين خرقه. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره قال الحطاب: وإن شئت كان معناه بالسكون فيكون أصله غير الهمز، يقال: رفوت الرجل إذا سكَّنته قال الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع … فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
ابن حبيب: وقد روي عن النبي ﷺ فيمن ابتنى بزوجته أن يأمرها أن
تصلي ثم يأخذ بناصيتها ويدعوا بالبركة، وفي الأذكار للنووي: يستحب أن يسمي الله ويقول: بارك الله لكل منا في صاحبه، ويقول ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داوود عن الزبي ﷺ : (إذا تزوج أحدكم أو اشترى خادما فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه (٢)). نقله الإمام الحطاب.
وإشهاد عدلين غير الولي بعقده الباء في بعقده بمعنى في أو بمعنى عند. قاله الشيخ أبو علي. يعني أنه يستحب إشهاد عدلين عند العقد فالندب منصب على مصاحبة الإشهاد للعقد؛ إذ لا يصح النكاح إلا بالشهود فالندب هو الإشهاد عند العقد وإشهاد عدلين قبل التلذذ شرط في صحة عقد النكاح.
واعلم أن الولي لا تصح شهادته في النكاح لوليته ولا بتوكيلها ولو مع غيره لأنه يتهم في الستر عليها فشهادته لا تجوز ولا تدرأ الحد ولو كان غير عاقد، قال في المدونة: وإن وجد رجل وامرأة في بيت فشهد أبوها بعقدها لم يجز نكاحه ويعاقبان، قال أبو الحسن: وفي
стр. 3622
كتاب الحدود في القذف: وإن ثبت الوطء حد. انتهى. نقله الحطاب. وفهم من المص اشتراط العدالة عند تحمل الشهادة في النكاح وهو المذهب وشهادة غير العدلين فيه كالعدم، قال في المدونة: وإن نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز، فإن لم يدخلا أشهدا الآن مسلمين، قال أبو الحسن: ويفرق بينهما بعد الدخول بطلقة ويحد على ما تقدم إن ثبت الوطء.
وقال القرطبي: مقتضى الآية أعني: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية، أن الفاسق لا يقبل خبره رواية كان أو شهادة وهو مجمع عليه في غير المتأول ما خلا ما حكي عن أبي حنيفة من حكمه بصحة عقد النكاح الواقع بشهادة فاسقين. انتهى. فعزاه لأبي حنيفة، وفي القوانين: تشترط عدالة الشاهدين فيه خلافا لأبي حنيفة في قوله: يجوز بشهادة غير العدول. قاله الحطاب. ونقل أيضا عن السيوري أن من طلقت ثلاثا وتزوجت بعد ذلك بشهادة غير العدول ودخل بها ثم طلقت وتزوجها الأول لا تبقى مع زوجها ولا تحل له بهذا النكاح إذا كانا غير عدلين، ولو حضرت جماعة كثيرة عقد النكاح فقد أجيب عنه في غير هذا. انتهى. قال الشيخ يوسف بن عمر في شرح قول الرسالة وشاهدين: وشرطهما أن يكونا عدلين فإن لم يوجد العدول استكثر الشهود مثل الثلاثين والأربعين، وعلم من المص أنهما إن أشهدا غير عدلين لم يأتيا بالمندوب ولو عدلا عند البناء وهو كذلك وقوله: "وإشهاد عدلين" لخ، قال الشيخ عبد الباقي: ويكفي في صحة النكاح شهادة الشاهدين وإن لم يشهداهما كما يفيده ابن عرفة. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال الزرقاني: إنما لم يقل وشهادة عدلين مع أن شهادتهما من غير علم بذلك كافية لأن الكلام في الاستحباب ولا يحصل ذلك إلا بإشهادهما، وكذا في جانب الوجوب لو لم يحصل إشهاد لكان الواجب متروكا حين الدخول، فيأثم الأولياء بذلك لتركهم الواجب انتهى المراد منه.
وقال الحطاب: قال البرزلي في مسائل النكاح: السيوري: لا يشهد في النكاح إلا العدول يعني في توكيل المرأة الثيب من يعقد نكاحها وفي العقد، غير أنه إن نزل ما ذكر يعني من شهادة غير العدول عليها في الوكالة على العقد، وعلم منها الرضا والدخول بعد علمها مضى النكاح، وقال ابن المنير: ونحن نشترط في جواز الدخول تقدم الإشهاد على النكاح ولو دخل قبل أن يشهد حد
стр. 3623
ولابد من الفسخ وفيه أنه نكاح السر ثم إنا نجوز شهادة المساتير على إذن المرأة وهي ركن في العقد للضرورة، والمراد بالولي الذي لا تصح شهادته من له ولاية العقد ولو تولاه غيره بإذنه، البرزلي: سئل اللخمي عمن زوج أخته البكر بإذن وصيها هل يتم النكاح بشهادة الوصي لعدالته؟ فأجاب: لا تجوز شهادة الوصي في النكاح إذ هو المنكح. قاله الحطاب. وسيأتي الكلام على شهادته في الثيب عند قول المصنف: "وهو في الثيب ولي" لخ، إن شاء الله تعالى. وقد علمت أن ولي المرأة لا تصح شهادته، وأما شهادة ولي الرجل فمقتضى التعليل أنه كذلك. البرزلي: وفي الطرر شهادة الخاطبين لا تجوز لأنهما خصمان، وقيل إنما ذلك إذا أخذا على ذلك أجرا، فإن لم يأخذا جازت شهادتهما لأنهما لا يجران لأنفسهما شيئا وكانت الفتيا تجري على هذا، وقال ابن رشد شهادة الشاهد في النكاح الذي كان خاطبا فيه جائزة: إذ ليس فيه وجه من وجوه التهمة القادحة في الشهادة، ولابن رشد في نوازله أن شهادة الشرف لمن له الإشراف عليه جائزة إذ ليس بيده قبض ولغيره أنها ضعيفة لأن له مطلق النظر. قاله الحطاب.
وقال الشيخ يوسف بن عمر: وأجرة كاتب الوثيقة على من جرت العادة بها من الزوج والولي، فإن لم تكن هناك عادة فعليهما معا لأن ذلك حق لهما ولا تجوز الأجرة على الشهادة باتفاق، ولكن العمل جرى بذلك. قال بعض الشيوخ: لا أدري من أين أخذوه، وقد كان قبل هذا الزمان كاتب الوثيقة معلوما ولا يعمل إلا وضع شهادته ولا يأخذ شيئا، وقال الجزولي نحوه، ثم قال: قال صاحب المناهج: وأما الأجرة على الشهادة فلا تجوز من غير خلاف، ويا عجبا لمن يفعل هذا من أين له في ذلك كتابا أو سنة. انتهى. فعلم منه أن الأجرة الجائزة إنما هي أجرة كتب الشاهد شهادته في الوثيقة، وأما أخذ الأجرة على الشهادة نفسها فهي غير جائزة بلا خلاف. والله سبحانه أعلم.
وفسخ إن دخل بلاء؛ يعني أن محل ندب إشهاد عدلين غير الولي إنما هو عند العقد كما مر، وأما شهادة عدلين قبل الدخول فلا بد منها فلذلك لابد من فسخ النكاح الذي حصل فيه الدخول بلا شهادة عدلين، وإن طال الزمان فالإشهاد شرط في الدخول لا في العقد. ابن بشير: ولم أر أحدا من أصحابنا خالف في هذا، واشتراط الأئمة الثلاثة ذلك في العقد لقوله ﷺ : (لا
стр. 3624
نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل (١)). وفي المدونة أنه قد ذكر عنه ﷺ فعل ذلك ولم يشهد، وفعل ذلك ابن عمر. قاله الشارح. وأجيب عن الحديث المتقدم بأنه نفي دائر بين العقد والدخول، ونحن نحمله على الدخول إذ هو الحقيقة فيه أو يحمل النفي على ما هو المتفق عليه وهو الكمال، ويؤيده ذكر الصداق وهو معتبر في الكمال بدليل التفويض. انتهى. وقوله: "وفسخ إن دخل بلاه"، إنما فسخ هذا النكاح سدا للذريعة إذ لا يشاء اثنان أن يجتمعا على فساد في خلوة إلا فعلا وادعيا سبق عقد بغير إشهاد، فيؤدي إلى ارتفاع حد الزنى وقوله: "وفسخ" أي بطلقة وتكون بائنة وإنما فسخ بطلقة لأنه عقد صحيح باعتبار إقرارهما. قاله الشيخ أبو علي. ولابد من عقد جديد بعد الاستبراء إن أراد تزوجها ويبقى له فيها طلقتان، وإن عقد بغير إشهاد ولقيا مجتمعين عدلين وأشهداهما كفى ذلك ولو لم يكونا مجتمعين فلا بد من إشهاد أربعة اثنان من جهة الولي واثنان من جهة الزوج في المجبرة وستة في الثيب، والظاهر أن مثلها البكر غير المجبرة، وتسمى هذه الشهادة شهادة الأبداد مأخوذ من التبدد وهو التفرق ولو أشهد كل منهما أو منهم الشاهدين اللذين أشهدا في غيبته لكفى ذلك ولا تسمى حينئذ شهادة أبداد.
والحاصل أنه لا بد أن ينقل عن كل اثنان كانا هما اللذان شهدا أو لا أو غيرهما، فاشتراط الأربعة أو الستة إنما هو حيث لم يشهد من شهد أولا، ولا تعمل شهادة الأبداد إذا شهد كل واحد منهم بغير نص ما شهد به صاحبه، وإن كان معنى شهادتهم واحدا حتى يتفق شاهدان على نص واحد. قاله الحطاب مع شيء من كلام محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. وقوله: "بلاه" يحتمل أن الضمير متصل أتى به بعد لا، أو منفصل أصله هو حذفت واوه وأتى به كذلك اختصارا، وكلاهما خاص بالضرورة. قاله الشيخ إبراهيم.
ولا حد إن فشا؛ يعني أنه إذا دخل بلا شهادة عدول فإن النكاح يفسخ كما علمت ولكن لا حد على الزوجين فيما إذا ثبت الوطء بأربعة عدول كبينة الزنى أو بإقرار بشرط أن يحصل فشو أي يظهر ويشتهر بين الناس أن فلانا تزوج فلانة، وكذا لو كان على العقد أو على ابتنائهما باسم النكاح شاهد واحد وهو بمنزلة الفشو. قاله عبد الباقي. وغيره. وهو صحيح مدعم بالنقل في شرح
стр. 3625
أبي علي وغيره كالشارح والحطاب. فلا معنى لإنكاره. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولو علم معناه أنه إذا حصل الفشو وما في معناه لا حد عليهما بسبب الوطء ولو علم كل منهما حرمة الدخول قبل الإشهاد وانتهكا ذلك كما قاله الإمام مالك، ورد بلو على ابن القاسم القائل إذا لم يعذرا بالجهالة حدا، وإن كان أمرهما فاشيا ولم أجد من يقول ذلك. انتهى. قاله الشارح.
قال: والحاصل أنه لا خلاف في عدم الحد إذا كان النكاح فاشيا وكانا جاهلين، ولا في ثبوته إذا لم يكن فاشيا ولم يعذر بالجهل، واختلف إذا انتفى أحد الوصفين، قوله: "وإشهاد عدلين غير الولي" لخ، ولو في تزويج السيد عبده من أمته، وقوله: "ولا حد إن فشا" مثل الفشو أن يجيئا مستفتيين فلا يحدان حينئذ كما نص عليه غير واحد، وقوله: "ولا حد إن فشا" مشتمل على أربع صور، اثنتان منطوقا وهما الفشو مع العلم أو الجهل، واثنتان مفهوما وهما عدم الفشو مع الجهل أو العلم، وفيهما الحد كما علمت، والقول بالحد مع جهل حكم الشهادة هو قول ابن الماجشون وابن حبيب. وعلم مما مر أنه إن لم يثبت الوطء لا بإقرار ولا بينة ولكن حصلت الخلوة فإنهما لا يحدان ولكن يعاقبان، ولو اعترف أحدهما وأنكر الآخر حد المعترف وعوقب الآخر. أبو الحسن: يقوم من هنا أن الهاربين يعاقبان وإن ثبت الوطء حدا، ولا يرفع حكم الخلوة من يكون معهم لأنهم أشرار. انتهى. نقله الحطاب.
وحرم خطبة راكنة لغير فاسق؛ يعني أن المرأة إذا ركنت لغير فاسق فإنها تحرم خطبتها، والركون هو ظهور الرضا. الشيخ زروق: المشهور أن الركون هو التقارب بوجه يفهم منه إذعان كل واحد لشرط صاحبه وإرادة عقده، واشتمل كلام المص بحسب منطوقه على ست صور؛ لأنها إذا ركنت لغير فاسق، فإما أن تركن إلى صالح والخاطب أحد الثلاثة، وإما أن تركن إلى مجهول حال والخاطب أحد الثلاثة فتلك ست تحرم خطبتها فيها بلا استثناء، وأما إن ركنت لفاسق وهو مفهوم المص ففيه ثلاث تجوز الخطبة في اثنتين منها وهما ما إذا كان الخاطب صالحا أو مجهول حال، وتمنع في واحدة وهي ما إذا كان الخاطب فاسقا فتلك تسع، وهذا في ركونها لأحد الثلاثة والخاطب أحدهم، وباعتبار الذمي تصير الصور ست عشرة صورة. وقالوا في الذمي إنه كغير الفاسق فتحرم ولو لصالح خطبة كتابية راكنة لذمي و (أخيه) في الحديث خرج مخرج الغالب
стр. 3626
خلافا للأوزاعي، ومنعت خطبة راكنة لذمي بخلاف راكنة لفاسق؛ لأن الفاسق لا يقر شرعا على فسقه بخلاف الذمي فإنه يقر بالجزية على كفره، وإن ركنت المرأة إلى رجل ولم يركَنْ هو لها بأن بعثت إليه تخطبه وركنت إليه دون أن يركن هو لها ففي كلام صاحب الإكمال ما يدل على أنه يجوز لغيره خطبتها، وللحنابلة فيها قولان نقله الحطاب، وقال أبو علي: التحقيق هو الجواز لعدم التراكن من الجانبين. انتهى
ويتحصل من كلام غير واحد أن ركون المجبر كاف في الحرمة ولو ظهر ردها، وكذا ركون الولي غير المجبر ما لم يظهر ردها، وأن ركون غير المجبرة كاف في الحرمة ولو ظهر رد وليها، وأن كل من يقوم مقامها كأمها كاف في الحرمة ما لم يظهر ردها. انتهى. وهو خلاف ما لأبي علي فإنه قال: وأما غير الراكنة فلا تحرم خطبتها على المذهب؛ لأن غير المجبر إن ركن فلا عبرة به لأن الركون المعتبر هو الذي لم يبق معه إلا العقد أو أمر تافه، وأما المجبر فالمعتبر ركونه هو. انتهى. وشرط الرد الذي تنتفي به الحرمة أن يكون لا بسبب خطبة الثاني وإلا لم تنتف الحرمة، فإن تزوجت الثاني وادعت هي أو مجبرها أنها كانت رجعت عن الركون للأول قبل خطبة الثاني وادعى الأول أن الرجوع بسبب خطبة الثاني ولا قرينة لأحدهما فالظاهر أنه يعمل بقولها وقول مجبرها؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهتهما وهو موجب للصحة، وذكر إبراهيم اللقاني أنه لا بد من الإشهاد على الرجوع لا لخطبة الثاني. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولو لم يقدر صداق؛ يعني أن المرأة إذا أظهرت الرضا بالرجل وركنت إليه وركن إليها فإنه يحرم على غيره أن يخطبها وإن لم يتفقا على صداق؛ لأن النكاح ينعقد بغير تسمية الصداق في نكاح التفويض. قاله ابن حبيب عن ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ومطرف وابن الماجشون وشهره غير واحد. قاله الشارح. ورد بلو قول ابن نافع: له أن يخطب ما لم يتفقا على صداق وهو ظاهر الموطإ، وفي المواق: مقتضى نقل ابن عرفة أن كلا القولين مشهور. انتهى. قال محمد بن الحسن: فكان على المص أن لو عبر بخلاف. والله سبحانه أعلم.
قال جامعه عفا الله عنه: يعلم مما مر عن الشارح رجحان القول الأول فلذا اقتصر عليه المص والله سبحانه أعلم.
стр. 3627
تنبيهات: الأول: قال الإمام الحطاب: هل لمن ركنت له امرأة وانقطع عنها الخُطَّاب بركونها إليه أن يتركها أو يكره والظاهر أنه مكروه؟ انتهى.
الثاني: قال أبو بكر بن العربي: إذا كان الخاطب الأول غير مشاكل للمخطوبة جاز للمشاكل أن يخطب على خطبة غير المشاكل، وهذا مما لا ينبغي أن يكون فيه خلاف. نقله الشيخ أبو علي. الثالث: قوله: "وحرم خطبة راكنة لغير فاسق" الأصل فيه قوله ﷺ : (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه (١))، قال مالك في الموطإ: وتفسير ذلك فيما نرى [أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقان على صداق وقد تراضيا وأجل معلوم (٢)] فهي تشترط عليه لنفسها، فتلك التي نهي الرجل أن يخطبها على خطبة أخيه ولم يعن بذلك إذا خطب الرجل المرأة ولم يوافقها أمره ولم تركن إليه أن لا يخطبها أحد فهذا فساد يدخل على الناس، واشترط الركون لكونه ﷺ أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة وقد كان خطبها معاوية وأبو جهم: قال ابن عبد البر: بنحو تفسير مالك فسر الشافعي وأبو عبيد وعليه جماعة الفقهاء وهو المعمول به عند السلف والخلف. انتهى. نقله الشارح. ابن القاسم: ومعنى النهي في رجلين صالحين، والظاهر أن مراد ابن القاسم بالصالح من ليس بفاسق، فيشمل مجهول الحال كما يدل عليه كلام الحطاب فيوافق ما قالوه وإن كان لفظ الحطاب فيه ما ينافي ما ذكرت، وقد رأيت نقد أول كلام الحطاب بطرة على هامشه قال صاحبها ليوافق آخر كلامه. انتهى. وما قاله ظاهر. والله سبحانه أعلم.
الرابع: قال الإمام الحطاب: قال في التوضيح: وللمرأة ولمن قام لها فسخ نكاح الفاسق.
الخامس: قال الإمام الحطاب: وفي سماع ابن أبي أويس: أكره لمن بعث خاطبا أن يخطب لنفسه وأراها خيانة وما سمعت فيه رخصة، قلت: هذا إذا خص نفسه بالخطبة لفعل عمر ﵁، فقد خطب لجماعة هو أحدهم فذكرهم وأثنى عليهم ثم ذكر نفسه فزوجوه ولم يتغير عليه واحد منهم. انتهى.
стр. 3628
أبو عمر عن ابن وهب: طلب جرير ابن عبد الله البجلي عمر ﵁ أن يخطب له امرأة من دوس ثم طلبه مروان بن الحكم بذلك لنفسه ثم ابنه عبد الله كذلك، فدخل عليها عمر فأخبرها بهم الأول فالأول ثم خطبها لنفسه، فقالت: أهازل أم جاد؟ فقال: بل جاد فنكحته وولدت له ولدين. نقله الحطاب. وفي الإرشاد: يباح النظر لإرادة النكاح وخطبة جماعة امرأة مجتمعين أو متفرقين. انتهى نقله الحطاب. وقال في الجلاب: ولا بأس أن يخطب جماعة امرأة مجتمعين أو متفرقين ما لم توافق واحدا منهم وتسكن إليه، فإن وافقت واحدا منهم وسكنت إليه لم يجز لغيره أن يخطبها حتى يعدل عنها ويتركها، فإن فعل فسخ نكاحه قبل الدخول وبعده، ولها المهر وعليها المعدة إن فسخ بعد الدخول وإن فسخ قبله فلا مهر لها ولا عدة.
وعلم مما مر أنها إن ركنت لأحد وأرسل إليها رسولا أنه لا يجوز للرسول خطبتها وإن لم تركن إليه جاز للرسول أن يخطبها، ولو وكل رجل رجلا أن يزوجه امرأة وتزوجها الوكيل فهي له بخلاف الوكيل على شراء سلعة ففيه خلاف، ولو وكل رجل على تزويج امرأة ففعل وأظهر أنه الزوج وأشهد في الباطن أن العقد للآمر لم تكن زوجة الوكيل، ولها الخيار بين أن ترضى بزوجية الآمر وأن تفسخ النكاح. قاله الحطاب.
وفسخ إن لم يبن؛ يعني أنه إذا اقتحم النهي وعقد على من ركنت لغير فاسق فإن نكاحه يفسخ قبل الدخول حيث استمر الركون أو كان الرجوع لأجل خطبة الثاني وإلا لم يفسخ، وكذا لا يفسخ إن حكم بصحته حاكم يراه، وأما إن دخل فإن النكاح يمضي وبيس ما صنع وهذا هو المشهور عن مالك.
ابن زرقون: وروي عنه أنه يفسخ على كل حال، وروي مالك وأن المشهور منها الفسخ قبل البناء لا بعده. قاله الشارح. وقوله: "وفسخ إن لم يبن" ظاهره سواء كان الثاني عالما بخطبة الأول أم لا، وقوله: وفسخ إن لم يبن، قال البساطي: والفسخ بعنه أنه لا يفسخ أصلا وإن كان عاصيا، وهكذا قال ابن عبد السلام إن الأقوال الثلاثة مروية عن طلاق، وسواء قام الخاطب بحقه أو ترك وهو ظاهر. انتهى. وقال أيضا: وحيث استمر النكاح فإنه يعزر. قاله الحطاب، وصحح صاحب
стр. 3629
الإرشاد القول بأنه لا يفسخ، ونصه: والصحيح أنه لا يفسخ لكنه يتحلل منه منه، فإن أبى استغفر الله انتهى.
واقتصر في الجلاب على أنه يفسخ قبل البناء وبعده. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وفسخ" قال عبد الباقي: وجوبا وإن لم يقم بحقه، ونحوه للشبراخيتي وما قالاه هو الحق الذي لا شك فيه وما للبناني منتقد جدير بالنقد.
وصريح خطبة معتدة يعني أنه يحرم صريح خطبة المعتدة كانت معتدة من وفاة أو غيرها، وسواء كانت بائنا أو رجعية والتصريح هو التنصيص والإفصاح بالمراد. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: هو ما لا يحتمل غير المراد، كأريد أن أتزوجك. انتهى. ومحل ذلك ما لم تكن معتدة من طلاقه وإلا فله تزويجها حيث لم يكن الطلاق ثلاثا، وقوله: "صريح خطبة معتدة" أي لأن الله تعالى لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه، وهذا وإن كان من باب الاستدلال بالمفهوم فهو متفق على صحته هنا أبو عمر: ويحرم التصريح إجماعا. ابن عطية: اجتمعت الأمة على أن ذلك لا يجوز، واجتمعت على أن الكلام معها بما هو رفث، وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز.
ومواعدتها؛ يعني أنه تحرم مواعدة المعتدة بالنكاح بأن يعدها وتعده بالتزويج فهي كالمقابلة والمضاربة لا تكون إلا من اثنين، وهي التي نهى الله عنها بقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، والتقييد في الآية بالسر إما جرى على الغالب لأن الغالب في المواعدة أن تكون سرا، أو أن سرا مفعول به أي نكاحا، وقد سأل نافع بن الأزرق عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ فقال: السر الجماع، أما سمعت قول امرئ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني … كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي
قاله الشبراخيتي، وفسر السر بالنكاح في قول الشاعر:
أرعت مراتع مدراها على وهل … صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا
وشعشعت بالغراب الخمر وامتنعت … من سر كل نجيب مشعر جلدا
стр. 3630
والمراد بالغراب في البيت شيء من شعر رأسها.
ابن حبيب: لا تجوز المواعدة في العدة. اللخمي: النكاح والمواعدة في العدة ممنوعان والمنع هو ظاهر الآية، وظاهر كلام ابن رشد الكراهة، فإنه قال: تكره المواعدة في العدة ابتداء إجماعا، وقال الحطاب: ويمكن حمل الكراهة في كلام ابن رشد على المنع، ومفهوم قوله: "ومواعدتها" أن العدة لمن جانب واحد ليس حكمها كذلك فلا تحرم، والحكم فيها أنها مكروهة كما سيصرح المص بذلك. وقوله: "ومواعدتها" من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول، وإن وقع العقد بعد العدة فلا فسخ إجماعا، وفي المواعدة يفسخ على رواية أشهب لا على رواية ابن وهب، وعلى رواية أشهب إن لم يعثر عليه حتى وطء، فروى أشهب عن مالك عدم التأبيد وروى عيسى عن ابن القاسم التأبيد. قاله أبو علي. وسيأتي أن المشهور عدم التأبيد وعدم الفسخ.
كوليها؛ تشبيه في حرمة التصريح والمواعدة؛ يعني أنه يحرم صريح خطبة المرأة عند وليها وكذا مواعدته من الجانبين إن كان مجبرا، وإلا فقد قال ابن رشد: إن واعد وليها بغير علمها وهي مالكة أمر نفسها فهو وعد لا مواعدة فلا يفسخ به النكاح؛ ولا يقع به التحريم إجماعا أي أن مواعدة الولي غير المجبر كالعدة من أحدهما والحكم فيها الكراهة، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام المص ولا يحمل على ظاهره من المنع، وإن قال به ابن حبيب، والمنع هو ظاهر المدونة عند أبي الحسن وابن عرفة، وصرح الشيخ زروق بأن المشهور الكراهة، وقال ابن أبي حفص بالجواز. فتحصل أن في مواعدة الولي غير المجبر ثلاثة أقوال، وأن المشهور الكراهة لحكاية ابن رشد الإجماع عليه، ولتصريح الشيخ زروق بأنه المشهور. انتهى. ملخصا من عبد الباقي وحاشيه البناني.
كمستبرأة من زنى؛ يعني أنه يحرم خطبة المستبرأة من الزنى ومواعدتها كوليها في الأمرين من غير فرق، ولو قال وإن من زنى لكان أولى ليشمل الغصب وغيره، ولا فرق بين كونها مستبرأة من زناه أو زنى غيره، وفي النوادر: ومن زنى بامرأة ثم تزوجت قبل الاستبراء فالنكاح يفسخ أبدا وليس فيه طلاق ولا ميراث ولا عدة وفاة، والولد بعد عقد النكاح لاحق فيما حملت به بعد حيضة إن
стр. 3631
أتت به لستة أشهر من يوم نكحها، وما كان قبل حيضة فهو من الزنى لا يلحق به. قاله الحطاب.
وسئل ابن رشد عن رجل وامرأة زنيا ثم إنهما تناكحا بغير استبراء من الماء الفاسد وتوالدا أولادا، ثم إنهما تفارقا بطلاق وتراجعا بعد الطلاق ثم تفارقا ثانية بطلاق ثان ثم إنهما اتهما أنفسهما وأنكرا فعلهما وسألا عن ذلك أهل الفتوى، فأفتوهما بفساد أفعالهما وأنها كانت على غير استقامة وأن أولادهما لغير رشدة، ثم إن الرجل مات في خلال ذلك فلم يرث الأولاد منه قليلا ولا كثيرا، وفرقت تركته على المساكين؟ فأجاب: النكاح الأول فاسد لا يلحقه فيه طلاق، والنكاح الثاني صحيح يلحق فيه الطلاق، فإن وقع قبل الدخول وجب لها نصف الصداق ولا ميراث لها، وإن وقع الطلاق بعد الدخول وجب لها جميع الصداق والميراث إن مات قبل انقضاء العدة إلا أن يكون الطلاق بائنا، وأما الأولاد فلاحقون به على كل حال يجب لهم الميراث منه ويلزم من تسور عليه فتصدق به ضمانه ولا ضمان على المفتين إذ لم يكن منهم أكثر من الغرور بالقول، وإنما الضمان على من تسور على ميراثهم بفتوى المفتين فتصدق به دون تثبت ولا أمر واجب. انتهى. قال البرزلي بعد نقله كلام ابن رشد: يريد الشيخ: النكاح الثاني صحيح إذا كان بعد مدة الاستبراء من الزنى. انتهى. قال هذا الشارح: وأما النكاح الأول الذي حصل قبل الاستبراء فلا إشكال في فساده، فقوله إن الأولاد فيه لاحقون على كل حال يرد عليه ما مر عن النوادر أن لحوق الولد بالنكاح بعد الزنى إنما هو إذا كان بعد حيضة، أما إذا كان قبل حيضة فإن الولد لا يلحق بالنكاح بل هو من الزنى، فحكمه كما إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم النكاح. والله أعلم.
تنبيه: من زنت زوجته فوطئها في ذلك الماء فلا شيء عليه إلا أنه لا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء كما يأتي عند قوله: "وحرم في زمنه الاستمتاع".
وتأبد تحريمها بوطء الضمير في "تحريمها" عائد على المحبوسة بسبب العدة أو الاستبراء يعني أن من وطئ المحبوسة بالعدة أو الاستبراء - غير الرجعية والمستبرأة من مائة الفاسد - يتأبد عليه تحريمها حيث كان وطؤها مستندا لنكاح بأن يعقد عليها في العدة ويطأها فيها، بل وإن
стр. 3632
بشبهة؛ يعني أنه لا فرق في تأبيد تحريمها عليه بين أن يكون وطؤه لها في العدة مستندا لنكاح وبين أن يكون مستندا لشبهة نكاح؛ بأن يطأها في العدة من غير عقد يظنها زوجته فإنها تحرم عليه بذلك تأبيدا. ابن الحاجب: والمعتدة من نكاح أو شبهته إذا وطئت بنكاح أو شبهته حرمت عليه للأبد على المشهور لقضاء عمر من غير مخالف. انتهى.
وشمل كلام المص عشر صور وهي أن يطأها بنكاح وهي: معتدة من نكاح غيره أو شبهته أو شبهة ملك غيره أو غصب غيره أو زنى غيره أو يطأها بشبهة نكاح وهي معتدة من نكاح غيره أو شبهته أو شبهة ملك غيره أو غصب غيره أو زنى غيره، ولا تدخل فيه المحبوسة بملك ليلا يتكرر مع قوله: "كعكسه". وقد تقدم أن المستبرأة من مائة الفاسد لا تحرم بذلك وتأبيد التحريم في المحبوسة بزنى الغير هو قول مالك ومطرف وهو ظاهر المص، والقول بعدمه لابن القاسم وابن الماجشون وقد مر ذلك.
ولو بعدها؛ يعني أن التي عقد نكاحها في العدة أو الاستبراء ووطئها الرجل العاقد بعد العدة أو الاستبراء مستندا لذلك العقد يتأبد تحريمها عليه، فالمنكوحة في العدة يتأبد تحريمها بالوطء المستند لذلك العقد الواقع في العدة سواء كان الوطء في العدة أو بعدها، ورد المص بلو قول المغيرة لا يحرم عليه نكاحها إلا بالوطء في العدة، والمبالغة راجعة لقوله: "بوطء" أي بنكاح، لا لقوله: "وإن بشبهة"؛ لأن من وطئ امرأة ليست في عدة معتقدا أنها زوجته لا يتأبد عليه تحريمها، ولو انضم إلى ذلك خطبته إياها في العدة. قاله الشيخ إبراهيم. وقولي: غير الرجعية والمستبرأة من مائة الفاسد، أما المستبرأة المذكورة فقد قدمت أنه لا يتأبد عليه تحريمها بذلك، وأما الرجعية فظاهر كلام المص تأبيدها بذلك، والظاهر أنه أطلق لقول ابن عبد السلام الأقرب في الرجعية التحريم. والله أعلم. والذي يظهر من أبي الحسن عدم التأبيد في الرجعية، وقال في الشامل: إنه الأصح، ولزوجها أن يرتجعها قبل الفسخ وبعده ووجهه أنها زوجة للغير، ومن تزوج متزوجة لا يتأبد تحريمها عليه، ومن عقد على امرأة وهي في عصمة زوج ثم وطئها في عدة وفاته أو طلاقه البائن تتأبد عليه، خلافا لابن المواز ففي تنظير عبد الباقي قصور كما قاله بناني. والله تعالى أعلم. ولو عقد رجل على رجعية ووطئها وهو يعلم أنها رجعية ففي الشارح ما يدل على أنه يحد، قال عبد
стр. 3633
الباقي: وهو ظاهر لما تقرر أنها زوجة للغير، وانظر هل يؤبد التحريم وطء الصبي كالبالغ أو لا؟ كالإحلال والإحصان. والفرقة في النكاح الواقع في العدة فسخ بغير طلاق. واعلم أن الناكح في العدة غير عالم بالتحريم حرمت عليه اتفاقا ولا حد عليه، وإن علم بالتحريم فالمشهور حرمتها تأبيدا والولد لاحق به والحد ساقط عنه، وقيل زان وعليه الحد ولا يلحق به الولد ولا يتأبد تحريمها، ومن تزوجت في العدة ثم تزوجت بعد خروجها من العدة قبل بناء الأول بها فالنكاح ثابت للثاني والأول لغو لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. قاله الحطاب.
تنبيهات: الأول: لا يصح حمل كلام المص على ما إذا خطب في العدة أو واعد فيها ثم تزوجها بعد العدة ووطئها فإنها لا تحرم بذلك على المشهور، وحمل الشارح في الكبير والأوسط كلام المص على هذا وهو بعيد مخالف للمشهور. قاله الحطاب.
الثاني: قال ابن عرفة: لو قال تزوجتها بعد عدتها وقالت فيها فالقول قوله. نقله الحطاب. وقال قبله: إذا تزوج شخص امرأة ثم ادعت أنه تزوجها في العدة، فإن ثبت أنها تعلم أن العدة ثلاث حيض واعترفت قبل الزواج أنها قد انقضت عدتها، فقال البرزلي: ظاهر المذهب أنها لا يقبل قولها لأنها تريد فسخ النكاح وما سبق دليل كذبها في دعواها إلا أن يصدقها الزوج في دعواها فكأنه التزم فسخ النكاح على الوجه المذكور، قال ابن عرفة: لو قال لخ ما مر.
الثالث: سئل ابن رشد عمن استراب في امرأة أنه نكحها قبل تمام عدتها فما زال يسألها حتى اعترفت أنه تزوجها بعد حيضتين، وقد كانت قبل ذلك حذرت وخوفت في أن تتزوج قبل تمام عدتها من رجل آخر خطبها فيها فاعتزلها وشاور العلماء فأفتوه بطلاقها وأنها لا تحل له وشهد عليه عدلان بذلك وعلى اعترافها بذلك، وقد كانت اعترفت قبل تزويجه إياها بانقضاء عدتها لامرأة سألتها فقام الزوج يطلب الصداق وقامت له شهادة نساء أنهن عرفنها أن ذلك لا يجوز وأنه لا بد من تمام العدة، جوابها: إذا لم يثبت أن المرأة لما حذرت أعلمت أن العدة ثلاث حيض واعتقدت أن العدة أقل فأرى أن تحلف أنها ما علمت أن العدة ثلاث حيض ولا تزوجت إلا وهي تظن أن عدتها من الأول قد انقضت، فإن حلفت على ذلك في الجامع فلا يجب عليها رد شيء من الصداق، وإن نكلت ردته إلا قدر ما تستحل به. وبالله تعالى التوفيق. نقله الحطاب.
стр. 3634
وبمقدمته؛ بالإفراد فيها أي العدة يعني أنه إذا عقد على المرأة في زمن حبسها ثم فعل بها شيئا من مقدمات الجماع في العدة كالقبلة والمباشرة فإنها تتأبد عليه، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها لا تتأبد بذلك.
وبما قررت علم أن قوله: "وبمقدمته فيها" يجري في المحبوسات الست أي: المعتدة من نكاح أو شبهته أو ملك أو شبهته والمستبرأة من غصب أو زنى فيتأبد تحريمها بالمقدمة الواقعة في العدة المستندة لنكاح دون المستندة لشبهته، كمن قبل معتدة من غيره معتقدا أنها زوجته، وكذا تتأبد بمقدمة الملك محبوسة من نكاح أو شبهة نكاح من غيره، ولا تأبيد بمقدمة مستندة لشبهة نكاح أو مستندة لشبهة ملك، واحترز بقوله: "فيها" عما إذا لم يحصل في العدة أو الاستبراء إلا مجرد العقد ثم قبلها أو باشرها بعد انقضاء العدة أو الاستبراء فإنها لا تحرم بذلك اتفاقا عند ابن رشد وقد حكى عبد الوهاب رواية أنها تحرم بمجرد العقد فكيف بالمباشر والقبلة بعد العدة.
وتحصل مما مر أنه لا أثر لمقدمة النكاح بعد العدة ولا لمقدمة الشبهة مطلقا كانت شبهة نكاح أو ملك، وأن مقدمة الملك في زمن الحبس إنما تؤبد في المعتدة من نكاح أو شبهته وأنه لا إرث لها بعد انقضاء زمن الحبس واعلم أن من نكح في زمن الحبس وأرخى عليه الستر حرمت للأبد ولو أنكرا المسيس جميعا. قاله الحطاب. انتهى.
أو بملك؛ عطف على المبالغة. قاله عبد الباقي؛ يعني أن المعتدة من نكاح أو شبهته وهي أمة يتأبد تحريمها على من وطئها بملك اليمين وهي في عدتها، وكذا تتأبد معتدة من نكاح أو شبهته بوطء شبهة الملك بأن وطئها يظنها أمته حيث لم تكن عدة النكاح أو شبهته بسببه، وهذه أربع صور يتأبد فيها التحريم أيضا، ورد بالمبالغة القول بعدم التأبيد. حكاه الشارح. قال: وقال ابن عبد السلام: الأول أقرب. انتهى. كعكسه؛ أي الفرع الذي قبله؛ يعني أن من وطئ أمة مستبرأة من وطء سيدها وطئا مستندا لنكاح أو شبهة نكاح فإنها تحرم عليه بذلك تأبيدا وهاتان صورتان، فصور تأبيدها بوطء ست عشرة صورة خارجة عن صور تأبيدها بالمقدمات الثمانية. قاله الشيخ عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: يعني في خصوص الوطء في العدة ولو روعيت صور الوطء بعدها فالمجموع اثنان وعشرون صورة. انتهى. وهو ظاهر لأنه إذا عقد في العدة ووطئ بعدها فلا
стр. 3635
تخلو من أن تكون محبوسة بنكاح أو شبهته أو ملك أو شبهته أو غصب أو زنى. والله أعلم. وقولي: أمة مستبرأة أي مستبرأة من وطء سيدها، خصصته بذلك لأنه هو المفهوم من قوله: "كعكسه" وكذا المستبرأة من وطء غير سيدها كنكاح أو شبهته أو غصب أو زنى كما مر. والله أعلم.
لا بعقد يعني أن مجرد العقد على المعتدة أو المستبرأة لا يؤبد التحريم بل لابد معه من وطء أو مقدمته أو إرخاء ستر وهو قول مالك في المدونة. ابن الحاجب: فإن لم توطأ ففي التأبيد قولان، واستظهر ابن عبد السلام عدم التأبيد فاعتمد المص هنا هذا الاستظهار. قاله محمد بن الحسن. أو بزنى يعني أن وطء الزنى في زمن الحبس لا يؤبد التحريم، سواء كانت محبوسة من نكاح أو شبهته أو ملك أو غصب أو زنى، وشمل كلامه الغصب فله تزوجها بعد تمام ما هي فيه، وذلك لأنه لم يرد بالزنى تعجيل شيء، وإنما قدم على الحرام مع قطع النظر عن شيء يتعجله أو يقصده في الأجل. قاله الشارح. فيفهم منه أن التأبيد فيما تقدم لأجل القاعدة المقررة: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
أو بملك عن ملك يعني أن من وطئ أمة بملك وهي مستبرأة من ملك أو شبهته أو غصب أو زنى لا تتأبد عليه، وكذا لو وطئها بشبهة الملك بأن وطئها وهو يظنها أمته فإذا هي غيرها وهي مستبرأة من ملك أو شبهته أو غصب أو زنى، وهذه ثمان صور ولم يقع التأبيد فيما ذكر لأن الملك المقصود منه الاستخدام دون الوطء فضعفت آثار الوطء فيه، ألا ترى أنه لا يجب القسم للسراري؟ قاله البناني. وهذه الصور الثمانية قبلها اثنتا عشرة صورة وهي صور الغصب والزنى فتلك عشرون صورة لا يتأبد التحريم فيها بالوطء، وصور التأبيد به اثنتان وعشرون صورة فتلك اثنتان وأربعون صورة خارجة عن الصور المتقدمة الثمانية المؤبدة وصور العقد الست غير المؤبدة، وبقي من الصور التي لا تتأبد فيها غير هذه كما عرفت، وأما صور التأبيد فلا تزيد على ما ذكر. والله سبحانه أعلم.
أو مبتوتة قبل زوج يعني أن من بت امرأة ثم تزوجها قبل زوج ووطئها بذلك النكاح فإنها لا تتأبد عليه، سواء تزوجها في عدتها منه أو تزوجها بعدها، وإنما لم يتأبد عليه تحريمها حيث تزوجها في عدتها منه لأن الماء ماؤه ولأن حرمتها عليه لا لأجل العدة وهذا هو المشهور، ومقابله
стр. 3636
لابن نافع أن من نكح مبتوتة في عدتها منه ووطئها تحرم عليه أبدا قياسا على الأجنبي، والأول مروي عن ابن القاسم وقاله غير واحد من أصحاب مالك، ووجهه أنه لم يكن ممنوعا منها لأجل العدة، وإنما منع منها لكونها لم تتزوج بعده. قاله الشارح والله سبحانه أعلم. ولو نكح المبتوتة في عدتها غير من بتها فأجره على ما مر يا فتى، ولو نكحها هو بعد أن تزوجت غيره وهي في عدة فأجره أيضا على ما مريا فتى من قوله: "وتأبد تحريمها" لخ كما صرح به الشارح وهو ظاهر، وقوله: "أو مبتوتة قبل زوج" يريد أنه يحد إن تزوجها عالما بالتحريم ولا يلحق به الولد، فإن لم يعلم به فلا حد عليه ويلحق به الولد، فإن أقر بعد النكاح أنه كان عالما قبله بالتحريم ولم يثبت ذلك بالبينة فإنه يحد لإقراره ويلحق به الولد، وهذه إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد ولحوق الولد. نظمها صاحب المنهج فقال:
ونسب والحد لن يجتمعا … إلا لزوجات ثلاث فاسمعا
مبتوتة خامسة ومحرم … وأمتين حرتين فاعلم
بشرط علم في جميع ما ذكر … ونفي تسويغ ببت فادَّكِر
وذيلها من قال:
وذاك في الثبوت بالإقرار … لا غيره فلتسمعن يا قاري
ومراده بقوله: وأمتين ما إذا أقر بعد وطء الأمة بأنه عالم بحرمتها أو بأنها ممن تعتق عليه. والله أعلم، قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: ونفي بالخفض عطف على علم والباء في ببت للظرفية والتسويغ في المبتوتة كأن يتزوجها بعد زوج على الشروط المعلومة. قاله المنجور.
كالمحرم؛ بفتح اليم والراء والمراد به من لا يدوم تحريمها كأخت الزوجة؛ يعني أن من وطئ بنكاح محرم زوجته وهي في عصمته كأختها وعمتها وخالتها فإنها لا تتأبد عليه بذلك، فله أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها منه وبينونة أختها ويحتمل أن يضبط بضم الميم وفتح الراء المشددة
стр. 3637
وهي أولى لشمولها لغير ما مرَّ أيْ كالوطء لمحرمة بحج أو عمرة وخامسة وبالاوليٍّ، وجمع بين محرمتي الجمع بنكاح أو ملك أو هارب بامرأة أو مفسدها على زوجها، وقيل يتأبد التحريم في الهارب وفيمن أفسد امرأة على زوجها والمشهور عدم التأبيد فيهما، ووقعت الفتوى بتأبيد التحريم خلاف المشهور، ولذا قال في العمليات:
وأبدوا التحريم في مخلق … وهارب سيان في محقق
نقله الشيخ بناني. وفي الشبراخيتي عن التتائي أن المحرم بحج أو عمرة يتزوج في إحرامه ويطأ لا تحرم تأبيدا على المشهور من روايتين ذكرهما في الجلاب. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا ينافي ما تقدم من مشهورية عدم التأبيد ما نقل فيها الأبي في شرح مسلم عن ابن عرفة من أن من سعى في فراق امرأة فتزوجها فإنه لا يمكن من التزويج، واستظهر أنه إن تزوجها فسخ قبل وبعد لأن استظهاره فسخه بعد معاملة له بنقيض مقصوده لا يقتضي تأبيدها عليه. انتهى.
وجاز تعريض يعني أنه يجوز التعريض للمعتدة بالخطبة بالكسر وهو ضد التصريح، مأخوذ من عرض الشيء وهو جانبه والتعريض أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على المقصود وغيره إلا أن إشعاره بالمقصود أتم ويسمى تلويحا، والكناية هي التعبير عن الشيء بلازمه كقولنا في كرم الشخص وطوله هو طويل النجاد وكثير الرماد، والنجاد بكسر النون حمائل السيف. نقله الحطاب وغيره. ومحل جواز التعريض في غير الرجعية، وأما الرجعية فيحرم التعريض لها إجماعا لأنها كالزوجة، وإنما يجوز التعريض لمن يميز بين التعريض والتصريح فيجوز التعريض حينئذ، وحاصل ذلك أربعة أقسام أحدها أن يكونا عالمين بالفرق بين التعريض والتصريح فيجوز التعريض حينئذ، ثانيها أن يكونا جاهلين، ثالثها هو جاهل فقط، رابعها هو عالم فقط، فيمنع التعريض في هذه الثلاثة الأخيرة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
كفيك راغب هذا مثال للتعريض؛ يعني أن من التعريض قول الرجل للمرأة المعتدة: إني بك لمعجب وفيك راغب ولك محب وهذا من أقوى التعريض. قاله القاضي أبو بكر. نقله الشارح. وكقوله: الله سائق إليك الخير وإن يقدر الله أمرا يكن وإني لأرجو أن أتزوجك وإن النساء من
стр. 3638
شأني وإنك علي لكريمة وإذا حللت فآذنيني وإن يقدر الله خيرا يكن. قال الإمام الحطاب: ومن أعظم التعريض قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: (كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك (١)). الباجي. عن إسماعيل: إنما يعرض بالخطبة ليفهم مراده لا ليجاب، وفي المقدمات: يجوز التعريض من كل منهما للآخر معا. القاضي أبو إسحاق: إنما يعرض ليفهم مراده لا ليجاب، ولو أجابته بتعريض يفهم منه الإجابة كره ذلك ودخل في باب المواعدة. انتهى. والذي في المقدمات من جواز التعريض من كل منهما يشير به. والله أعلم. لقوله فيها: الذي يجوز هو التعريض بالعدة أو المواعدة وهو القول المعروف الذي ذكره الله في كتابه. قاله الحطاب. ويجوز للرجل أن يمدح نفسه للمعتدة ويذكر مآثره. قاله الحطاب.
وقال القرطبي: وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز. قاله الحطاب. ابن عبد السلام: والمذهب جواز التعريض في كل معتدة سواء كانت في عدة وفاة أو طلاق، وأجازه الشافعي في عدة الوفاة ومنع منه في عدة المطلقة طلاقا رجعيا، واختلف قوله في عدة الطلاق الثلاث وعدة المختلعة. انتهى. وقبله في التوضيح. قاله الحطاب.
والإهداء؛ يعني أنه يجوز للرجل أن يهدي للمعتدة هدية لأنها كالتعريض وأما الإنفاق عليها فمحرم فإن أهدى أو أنفق ثم تزوجها لم يرجع عليها بشيء، وفي التوضيح أن غير المعتدة مثلها في عدم الرجوع عليها، وذكر الشمس اللقاني عن البيان أن ذلك إذا كان المانع منه فإن كان من قبلها رجع بما أعطاها لأن الذي أعطى لأجله لم يتم ولعل ذلك كله إلا لشرط أو عرف وكل ذلك قبل العقد. قاله الشيخ عبد الباقي. فإن أهدى أو أنفق ثم طلق قبل البناء فسيأتي في كلام المص: "وفي تشطر هدية بعد العقد وقبل البناء" لخ، فلا وجه لتنظير عبد الباقي في ذلك كما قاله محمد بن الحسن: وما ذكره اللقاني أجاب به صاحب المعيار لما سئل عن المسألة وصححه ابن غازي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. فيفيد اعتماده والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: والراجح لا رجوع له مطلقا، وقوله: "والإهداء" قال في الشفاء: ولا بأس أن يهدي إليها الهدية فيما رواه ابن
стр. 3639
حبيب عن مالك، ولا أحب أن يفتى به إلا من يحجزه التقوى عما وراءه. قاله الشارح. ونحوه في التوضيح، وعزاه -أي هذه المسألة- ابن عرفة للخمي وابن حبيب مع أنها في المدونة، قاله الحطاب. وفي البرزلي عن أحكام الشعبي: من تزوج امرأة فأخرج دينارا وقال اشتروا به طعاما واصنعوه ووقع الشراء وانفسخ النكاح بعد الشراء، فإن جاء من فعلهم ضمنوا له الدينار والطعام لهم، وإن كان من قبل الزوج فليس له إلا الطعام إن أدركه، قلت: فهو كأعوان القاضي إن ظهر اللدد من المطلوب فالأجرة عليه وإلا كانت الأجرة على الطالب، وظاهر ما تقدم لابن رشد أنه من الزوج مطلقا إن فقد ذلك أو تلف. قاله الحطاب.
وتفويض الولي العقد لفاضل يعني أنه يجوز لولي المرأة أن يفوض عقد نكاح وليته إلى فاضل صالح ترجى بركته، وإذا جاز للولي فأولى الزوج، وجعل المص هذا جائزا، ولفظ الواضحة يقتضي أن الولي والناكح يفوضان للفاضل وأنه يتولى الطرفين، وأن التفويض يندب لقوله وكان يفعل فيما مضى، ونصها: قال ابن الماجشون: ولا بأس أن يفوض الناكح وولي المرأة للرجل الصالح أو الشريف أن يعقد النكاح وكان يفعل فيما مضى، وقد فوض إلى عروة في ذلك فخطب واختصر فقال: الله حق ومحمد رسوله وقد خطب فلان فلانة وقد زوجته إياها على كتاب الله وشرطه. قال ابن حبيب: وشرط الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب. وأما تفويض العقد لغير فاضل فخلاف الأولى. قاله غير واحد.
وذكر المساوي يعني أنه يجوز لغير الولي أن يذكر عيوب كل من الزوجين ما لم يسئل عن ذلك وإلا وجب. قاله عبد الباقي. وفي الشارح: ذكر مساوي الزوج وأما مساوي الزوجة فتعرض لها بقوله: "وللولي كتم العمى" لخ، قال عبد الباقي: وفيه نظر لأن ذكر المساوي هنا ليس من الولي. انتهى. قال محمد بن الحسن: استظهر الشيخ ابن رحال ما في الشارح قائلا: لا فرق في الزوجة بين الولي والأجنبي إذ لو وجب على الأجنبي لوجب على الولي أو يكون الولي أحرى لأنه كالبائع. انتهى. والفرق بين الزوج والزوجة على ما للشارح وابن رحال أن الزوج بيده الطلاق بخلافها كما قاله ابن رحال. والدّ سبحانه أعلم. وقوله: "وذكر المساوي"، وهذه إحدى المواضع التي تجوز فيها الغيبة.
стр. 3640
واعلم أن الغيبة قد تجب وقد تندب وقد تجوز، فالواجب ذكر جرح الشاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته؛ وجرح المحدث الذي يخاف أن يعمل بحديثه أو يروى عنه وهذه أمور ضرورية في الدين معمول بها مجمع عليها من السلف الصالح، ونحو ذلك ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته، فهذا يجب عليه الإعلام بما يعلم من هيئاته عند الحاجة إلى ذلك على جهة الإخبار، كما قال النبي ﷺ : (أما معاوية فصعلوك (١)). الحديث. والمندوب قد يكون من هذين النوعين كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم، وكتحذير من لم يسئل مخافة معاملة من يجهل حاله، والجائز كغيبة المعلن بالفسق المعروف به فيجوز ذكره بذلك لأنه لا يكرهه ولا يتأذى به لا بغير معا لا يكون مشهورا به، لقوله ﵊: (بئس أخو العشيرة (٢))، ولقوله ﵊: (لا غيبة في فاسق (٣))، ولقوله ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٤)). قاله القرطبي. ثم قال: وحيث حكمنا بوجوب النص على العيب فإن ذلك إذا لم يجد بدا من التصريح فأما لو أغنى التعريض لحرم التفسير والتصريح، فإن ذلك ضروري والضروري مقدر بالحاجة. وفي الجزولي: ما يخالف بعض ما تقدم إن استشير جاز إن كان هناك من يعرف حال المسئول عنه وإلا وجب لأنه من باب النصيحة. الشيخ: ظاهر الكتاب أنه يذكر حاله إذا سئل عنه وإلا فهو غيبة والغيبة حرام. انتهى. نقله الحطاب.
وقال أبو علي: قال غير واحد من شيوخ القرويين وغيرهم: إن الغيبة في الفاسق لا تجوز، وحديث: لا غيبة في فاسق لم يصح. انتهى. وقوله: لأنه من باب النصيحة، أشار به إلى الحديث الذي عليه مدار الدين وهو قوله ﵊: (الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولرسوله وكتابه وعامة المسلمين وخاصتهم) (٥) انتهى.
стр. 3641
تنبيهات: الأول: الغيبة ذكرك أخاك بما فيه مما يكره أن لو سمعه، وهي حرام كتابا وسنة وإجماعا، وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما يكره، قيل أرأيت إن كان فيه ما يقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهَتَّه (١)). قوله: أخاك، يخرج الكافر لأنه لا حرمة له، لكن حديث النصرانيين الذين قال فيهما رسول الله ﷺ : (لولا الغيبة لأخبرتكم أيهما أطب (٢)). ظاهره منع غيبة الكافر، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أخاك خرج مخرج الغالب أو يخرج الكافر بأنه لا غيبة له بكفر لا بغيره.
واعلم أن الغيبة تحصل بكل مفهمها فلا فرق بين المذكر اللساني وما يقوم مقامه في التفهيم، فالفعل كالقول والتعريض كالتصريح، وكذا الإشارة والإيماء والغمز والرمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام، ومن ذلك قول السيدة عائشة ﵂: (دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة فقال ﵊ قد اغتبتها (٣)). ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد من الغيبة، ولما رأى رسول الله ﷺ عائشة ﵂ حكت قال: (ما يسرني أني حكيت ولي كذا وكذا (٤))، وكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوي إنسان يحرم أن تحدث نفسك بذلك فسوء الظن حرام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
والحاصل أن ما يحصل به الإفهام حرام، كأن يقول بعض من مر بنا اليوم كذا إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا، فأما إذا لم يفهم عنه جاز فإن رسول الله ﷺ (كان إذا كره من إنسان شيئا، قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) ولا يعين، وما مر من أن سوء الظن حرام المراد به عقد القلب وحكمه على الغير بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء. وقوله: بما يكرهه، سواء كان نقصانا في نفسه أو
стр. 3642
عقله أو ثوبه أو فعله أو قوله أو نسبه أو داره أو دابته أو شيء مما يتعلق به، حتى قولك واسع الكم أو طويل الذيل، وقد ذكر عند رسول الله ﷺ رجل فقيل ما أعجزه: فقال: (قد اغتبتموه (١)). والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاة لاشتقاقها والصورة المحترز عنها بهتان، كما يقول المص: البهتان ذكر ما في المرء المسلم في وجهه لخ، وقيل لا تختص بحال الغيبة، وفي الحديث (أنها أشد من ثلاثين زنية في الإسلام). وذكر صلى الله عليه وسلبم أمر الربا وعظم شأنه وقال: (إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم (٢)). وقال ﷺ : (إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنى، إن الرجل قد يزني فيتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه (٣)). وقال ﷺ : (الربا اثنان وسبعون بابا أدناه مثل أن يطأ الرجل أمه وأربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه (٤)).
وفي الكتاب العزيز ذمها وتشبيهها بأكل لحم الميت كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، وهو تمثيل بما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغة الاستفهام المقرر وإسناد إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول أخا وميتا، وتعقيب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته، قيل ووجه الشبه بين الميت والمغتاب أن الميت لا ينتصر لنفسه فكذا الغائب، وقال أبو هريرة: من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فيكلح، وكأن المص يشير بهذا إلى أنها كبيرة.
وفي الأبي: القرطبي: الغيبة كبيرة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ولما في أبي داوود: (إن من الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم (٥))، وحديث: (مررت ليلة أسري بي بقوم
стр. 3643
لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم (١)). وفي العلقمي ذكر النووي تبعا للرافعي أنها من الصغائر وتعقبه جماعة، ونقل القرطبي الإجماع على أنها من الكبائر لأن حد الكبيرة صادق عليها لأنها ما ثبت الوعيد الشديد فيه. وقال تقي الدين السبكي: هي من الصغائر لعموم البلوى بها يريد إذا وقعت فلتة لأن ذلك لا يخلو عنه الصالحون وإلا فالتمادي عليها كبيرة كسائر الصغائر.
الثاني: اعلم أن الغيبة على أنواع وأعظمها ما يترتب عليه حكم لو ثبت، كأن تكون بقذف أو سرقة أو يقول هو قاذف أو قاتل نفس أو يقول إنه يحلف بالطلاق والعتاق واليمين الغموس ثم ما يترتب عليه إثم فيعتقد السامعون أنه آثم من غير أن يتضمن حكما كالأفعال المخلة بالمروءة، كوصفه بتطفيف حبة ولعب محرم بحمام ونحو ذلك من الصغائر القادحة في المروءة ولا تقدح في الدين مع عدم التمادي، وكوصفه بالأفعال المخلة بالدين وكونه متهاونا بالصلاة والزكاة أو لا يحسن الركوع والسجود ولا يتحرز عن النجاسة أو ليس بارا بوالديه أو لا يحرس صومه من الرفث والغيبة، ثم ما يكون صفة للشخص مما لا يترتب عليه إثم المأكول لحمه ولا حكم عليه كالعرج والعور ونحو ذلك مما يعرف بدونه، بخلاف ما إذا لم يكتف بدونه وكان المقام للتعريف فيسوغ ولا يجوز إطلاقه على وجه التنقيص، ثم ما يكون راجعا لتعلقاته الخارجة عنه كبيته يصفه بأنه مظلم أو ضيق مثلا مع كراهته لذلك، وكلبه بأنه عقور أو جبان مثلا ودابته يصفها بأنها ثقيلة المشي مثلا، ونسبه بأن يقول إنه ابن حجام أو جزار أو قبيلة كذا مما يكرهه وثوبه كوسخ أو هو طويل الذيل أو واسع الكم مما يكرهه إلى غير ذلك كعبده وبستانه وسلعته وحانوته ونحو ذلك مما لا ينحصر.
وتباح الغيبة إذا دعت إليها ضرورة، فتباح في الرواية والشهادة تجريحا، والمراد بالإباحة الإذن فتجب إذا خيف أن يمضي الحكم بشهادة الشاهد المجرح أو يعمل بحديثه، وتندب كفعل المحدثين عند تعريفهم بالمحدثين الضعفاء خوف الاغترار بروايتهم، ومن هذا ما يقع من بعض
стр. 3644
الشيوخ في الرد على غيره، كأن يقول في كلامه قصور أو ضعف لأن القول في كلامه ذلك نصب نفسه لبيان أمر فلم يف به، وهذا إذا قصد بيان الحق من غير أن يكون هناك غرض في تنقيص القائل بإظهار خطئه وقلما يتفق ذلك، فالحذر الحذر من خدع النفس.
وتجب الغيبة في المشاورة تحذيرا وتحريرا، فيجب أن تفصح بعيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته أي حيث لم يكن بد من التصريح كما مر، وتندب في تعريف من لم يسئل إذا خاف معاملة من يجهل حاله ومن النصيحة أن يرى من يشتري شيئا معيبا لا يعلم بعيبه فيجب أن يعلمه أو يرى فقيها يتردد إلى مبتدع أو فاسق لأخذ العلم عنه أو يرى في ولاية من لا يقوم بها على وجهها أو لعدم أهليته فيذكره لمن له عليه ولاية ليعرف حاله فلا يغتر به، والمباح هو القدر المحتاج إليه دون زيادة فإذا كانت المشاورة في النكاح لم يجز أن يذكر عيوب الشركة والاستقراض ونحو ذلك، وتباح الغيبة أيضا في الاستفتاء فيذكر حال ظاله للمفتي، كأن يقول ظلمني فلان بكذا فما طريق دفع ظلمه عني وما يباح لي فيه، ويقتصر فيه على القدر الذي تدعو إليه الضرورة، وتباح أيضا في الخصومات بأن يقول لخصمه أنت ظالم ماطل أنت آكل أموال الناس بالباطل وهذا مبني - والله أعلم - على أنه لا فرق في الغيبة بين حضور القول فيه وغيبته وهو قول مرجوح، وتباح الغيبة أيضا في التظلم بأن يذكر ظلمه عند ذي سلطان أو من يقدر على إنصافه منه. وفي الحديث الصحيح: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (١)) عرضه يعني شكايته وعقوبته يعني سجنه، واللي بفتح اللام المطل، والواجد الغني من الجدة، وتباح أيضا في حق المجاهر بالبدع وفي صاحب بدعة يخفيها فإذا ظفر بأحد ألقاها إليه، وتباح أيضا في حق المجاهر بالكبائر فيما جاهر به بحيث لا يستنكف أن يذكر بها، وفي إطلاق الغيبة على هذا تجوُّز إذ هي ذكر أخيك بما يكره وحيث أبيحت فالتعريض أحسن حيث كان التصريح أتم في إفادة الغرض، فإن أغنى التعريض عن التصريح حرم التصريح والصحيح أن ما يخفيه الفاسق لا يجوز ذكره به، وتباح أيضا لضرورة التعريف كالأعمش والأعرج وأبي الزناد بكسر الزاء وكان يغضب من تلك الكنية فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسليمان عن الأعمش.
стр. 3645
قال المص في شرح الرسالة: وتباح في التعريف الذي لا تمكن المعرفة إلا به أو تكون الشهرة جارية كالأعرج والأعمش والأعور وذي اليدين والشمالين وهذا كله جائز. انتهى. وقال في الإحياء: ولو وجد معدل عنه وأمكن التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، وقال ابن حجر: وإن كان اللقب لا يعجب الملقب فهو حرام أو مكروه إلا أن يتعين طريقا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ويحرم ذكر الظالم عند من لا يقدر على الدفع ولا يستعان به عليه ولا يفيد خوفه ولا التحذير من فعله.
ومن أنواع الغيبة ذكر عيب أخيك بإظهار الشفقة عليه، فيحصل المقصود من الغيبة فيقول مسكين فلان لقد ساءني حاله وغمني ما هو عليه وهو كاذب في دعوى الاغتمام ولو صدق لستر عيب أخيه، قال ابن زكري: واشتمل ما ذكرته على المواطن الخمسة عشر التي تباح فيها الغيبة وهي: غيبة الفاسق المعلن بفسقه، وصاحب بدعة يدعو إليها، وصاحب بدعة يخفيها فإذا ظفر بأحد ألقاها إليه، والغيبة عند الحاكم لخصمه، وإذا سأل الحاكم عن أحد فغيبته جائزة، وعند العالم للفتوى، وعند من يرجى تغيير ذلك على يديه، وعند الخطبة، وعند المرافقة في السفر، وكذلك في الشركة، وكذلك فيمن يشتري دارا فسأل عن جارها، والتجريح عند الحاكم، والمشاورة في أمر مَّا من أمور المخالطة أو المجاورة أو المصاهرة، وتجريح المحدثين للرواة، وذكر الرجل باسم قبيح مشتهر به. ولبعضهم:
ألا إن اغتياب الناس ذنب … عظيم الوصف من أردى المناكر
تجنب غيبة إلا قليلا … لبيت جاء عن بعض الأكابر
تظلم واستغث واستفت حذر … وعرف بدعة فسق المجاهر
الغزالي: من ستر معصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، وإذا توارى فاسق تحت ذيله لم يجز أن يكشف عنه، نعم لو أخبر عدلان ابتداء من غير استخبار بأن فلانا في داره خمر