تنبيهات: الأول: الغيبة ذكرك أخاك بما فيه مما يكره أن لو سمعه، وهي حرام كتابا وسنة وإجماعا، وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما يكره، قيل أرأيت إن كان فيه ما يقول؟ قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهَتَّه (١)). قوله: أخاك، يخرج الكافر لأنه لا حرمة له، لكن حديث النصرانيين الذين قال فيهما رسول الله ﷺ : (لولا الغيبة لأخبرتكم أيهما أطب (٢)). ظاهره منع غيبة الكافر، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أخاك خرج مخرج الغالب أو يخرج الكافر بأنه لا غيبة له بكفر لا بغيره.
واعلم أن الغيبة تحصل بكل مفهمها فلا فرق بين المذكر اللساني وما يقوم مقامه في التفهيم، فالفعل كالقول والتعريض كالتصريح، وكذا الإشارة والإيماء والغمز والرمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام، ومن ذلك قول السيدة عائشة ﵂: (دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة فقال ﵊ قد اغتبتها (٣)). ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل أشد من الغيبة، ولما رأى رسول الله ﷺ عائشة ﵂ حكت قال: (ما يسرني أني حكيت ولي كذا وكذا (٤))، وكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوي إنسان يحرم أن تحدث نفسك بذلك فسوء الظن حرام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
والحاصل أن ما يحصل به الإفهام حرام، كأن يقول بعض من مر بنا اليوم كذا إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا، فأما إذا لم يفهم عنه جاز فإن رسول الله ﷺ (كان إذا كره من إنسان شيئا، قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) ولا يعين، وما مر من أن سوء الظن حرام المراد به عقد القلب وحكمه على الغير بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء. وقوله: بما يكرهه، سواء كان نقصانا في نفسه أو
стр. 3642
عقله أو ثوبه أو فعله أو قوله أو نسبه أو داره أو دابته أو شيء مما يتعلق به، حتى قولك واسع الكم أو طويل الذيل، وقد ذكر عند رسول الله ﷺ رجل فقيل ما أعجزه: فقال: (قد اغتبتموه (١)). والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاة لاشتقاقها والصورة المحترز عنها بهتان، كما يقول المص: البهتان ذكر ما في المرء المسلم في وجهه لخ، وقيل لا تختص بحال الغيبة، وفي الحديث (أنها أشد من ثلاثين زنية في الإسلام). وذكر صلى الله عليه وسلبم أمر الربا وعظم شأنه وقال: (إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم (٢)). وقال ﷺ : (إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنى، إن الرجل قد يزني فيتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه (٣)). وقال ﷺ : (الربا اثنان وسبعون بابا أدناه مثل أن يطأ الرجل أمه وأربى الربا استطالة المسلم في عرض أخيه (٤)).
وفي الكتاب العزيز ذمها وتشبيهها بأكل لحم الميت كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾، وهو تمثيل بما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغة الاستفهام المقرر وإسناد إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان وجعل المأكول أخا وميتا، وتعقيب ذلك بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تقريرا وتحقيقا لذلك، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته، قيل ووجه الشبه بين الميت والمغتاب أن الميت لا ينتصر لنفسه فكذا الغائب، وقال أبو هريرة: من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فيكلح، وكأن المص يشير بهذا إلى أنها كبيرة.
وفي الأبي: القرطبي: الغيبة كبيرة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ولما في أبي داوود: (إن من الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم (٥))، وحديث: (مررت ليلة أسري بي بقوم
стр. 3643
لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم (١)). وفي العلقمي ذكر النووي تبعا للرافعي أنها من الصغائر وتعقبه جماعة، ونقل القرطبي الإجماع على أنها من الكبائر لأن حد الكبيرة صادق عليها لأنها ما ثبت الوعيد الشديد فيه. وقال تقي الدين السبكي: هي من الصغائر لعموم البلوى بها يريد إذا وقعت فلتة لأن ذلك لا يخلو عنه الصالحون وإلا فالتمادي عليها كبيرة كسائر الصغائر.
الثاني: اعلم أن الغيبة على أنواع وأعظمها ما يترتب عليه حكم لو ثبت، كأن تكون بقذف أو سرقة أو يقول هو قاذف أو قاتل نفس أو يقول إنه يحلف بالطلاق والعتاق واليمين الغموس ثم ما يترتب عليه إثم فيعتقد السامعون أنه آثم من غير أن يتضمن حكما كالأفعال المخلة بالمروءة، كوصفه بتطفيف حبة ولعب محرم بحمام ونحو ذلك من الصغائر القادحة في المروءة ولا تقدح في الدين مع عدم التمادي، وكوصفه بالأفعال المخلة بالدين وكونه متهاونا بالصلاة والزكاة أو لا يحسن الركوع والسجود ولا يتحرز عن النجاسة أو ليس بارا بوالديه أو لا يحرس صومه من الرفث والغيبة، ثم ما يكون صفة للشخص مما لا يترتب عليه إثم المأكول لحمه ولا حكم عليه كالعرج والعور ونحو ذلك مما يعرف بدونه، بخلاف ما إذا لم يكتف بدونه وكان المقام للتعريف فيسوغ ولا يجوز إطلاقه على وجه التنقيص، ثم ما يكون راجعا لتعلقاته الخارجة عنه كبيته يصفه بأنه مظلم أو ضيق مثلا مع كراهته لذلك، وكلبه بأنه عقور أو جبان مثلا ودابته يصفها بأنها ثقيلة المشي مثلا، ونسبه بأن يقول إنه ابن حجام أو جزار أو قبيلة كذا مما يكرهه وثوبه كوسخ أو هو طويل الذيل أو واسع الكم مما يكرهه إلى غير ذلك كعبده وبستانه وسلعته وحانوته ونحو ذلك مما لا ينحصر.
وتباح الغيبة إذا دعت إليها ضرورة، فتباح في الرواية والشهادة تجريحا، والمراد بالإباحة الإذن فتجب إذا خيف أن يمضي الحكم بشهادة الشاهد المجرح أو يعمل بحديثه، وتندب كفعل المحدثين عند تعريفهم بالمحدثين الضعفاء خوف الاغترار بروايتهم، ومن هذا ما يقع من بعض
стр. 3644
الشيوخ في الرد على غيره، كأن يقول في كلامه قصور أو ضعف لأن القول في كلامه ذلك نصب نفسه لبيان أمر فلم يف به، وهذا إذا قصد بيان الحق من غير أن يكون هناك غرض في تنقيص القائل بإظهار خطئه وقلما يتفق ذلك، فالحذر الحذر من خدع النفس.
وتجب الغيبة في المشاورة تحذيرا وتحريرا، فيجب أن تفصح بعيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته أي حيث لم يكن بد من التصريح كما مر، وتندب في تعريف من لم يسئل إذا خاف معاملة من يجهل حاله ومن النصيحة أن يرى من يشتري شيئا معيبا لا يعلم بعيبه فيجب أن يعلمه أو يرى فقيها يتردد إلى مبتدع أو فاسق لأخذ العلم عنه أو يرى في ولاية من لا يقوم بها على وجهها أو لعدم أهليته فيذكره لمن له عليه ولاية ليعرف حاله فلا يغتر به، والمباح هو القدر المحتاج إليه دون زيادة فإذا كانت المشاورة في النكاح لم يجز أن يذكر عيوب الشركة والاستقراض ونحو ذلك، وتباح الغيبة أيضا في الاستفتاء فيذكر حال ظاله للمفتي، كأن يقول ظلمني فلان بكذا فما طريق دفع ظلمه عني وما يباح لي فيه، ويقتصر فيه على القدر الذي تدعو إليه الضرورة، وتباح أيضا في الخصومات بأن يقول لخصمه أنت ظالم ماطل أنت آكل أموال الناس بالباطل وهذا مبني - والله أعلم - على أنه لا فرق في الغيبة بين حضور القول فيه وغيبته وهو قول مرجوح، وتباح الغيبة أيضا في التظلم بأن يذكر ظلمه عند ذي سلطان أو من يقدر على إنصافه منه. وفي الحديث الصحيح: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (١)) عرضه يعني شكايته وعقوبته يعني سجنه، واللي بفتح اللام المطل، والواجد الغني من الجدة، وتباح أيضا في حق المجاهر بالبدع وفي صاحب بدعة يخفيها فإذا ظفر بأحد ألقاها إليه، وتباح أيضا في حق المجاهر بالكبائر فيما جاهر به بحيث لا يستنكف أن يذكر بها، وفي إطلاق الغيبة على هذا تجوُّز إذ هي ذكر أخيك بما يكره وحيث أبيحت فالتعريض أحسن حيث كان التصريح أتم في إفادة الغرض، فإن أغنى التعريض عن التصريح حرم التصريح والصحيح أن ما يخفيه الفاسق لا يجوز ذكره به، وتباح أيضا لضرورة التعريف كالأعمش والأعرج وأبي الزناد بكسر الزاء وكان يغضب من تلك الكنية فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسليمان عن الأعمش.
стр. 3645
قال المص في شرح الرسالة: وتباح في التعريف الذي لا تمكن المعرفة إلا به أو تكون الشهرة جارية كالأعرج والأعمش والأعور وذي اليدين والشمالين وهذا كله جائز. انتهى. وقال في الإحياء: ولو وجد معدل عنه وأمكن التعريف بعبارة أخرى فهو أولى، وقال ابن حجر: وإن كان اللقب لا يعجب الملقب فهو حرام أو مكروه إلا أن يتعين طريقا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، ويحرم ذكر الظالم عند من لا يقدر على الدفع ولا يستعان به عليه ولا يفيد خوفه ولا التحذير من فعله.
ومن أنواع الغيبة ذكر عيب أخيك بإظهار الشفقة عليه، فيحصل المقصود من الغيبة فيقول مسكين فلان لقد ساءني حاله وغمني ما هو عليه وهو كاذب في دعوى الاغتمام ولو صدق لستر عيب أخيه، قال ابن زكري: واشتمل ما ذكرته على المواطن الخمسة عشر التي تباح فيها الغيبة وهي: غيبة الفاسق المعلن بفسقه، وصاحب بدعة يدعو إليها، وصاحب بدعة يخفيها فإذا ظفر بأحد ألقاها إليه، والغيبة عند الحاكم لخصمه، وإذا سأل الحاكم عن أحد فغيبته جائزة، وعند العالم للفتوى، وعند من يرجى تغيير ذلك على يديه، وعند الخطبة، وعند المرافقة في السفر، وكذلك في الشركة، وكذلك فيمن يشتري دارا فسأل عن جارها، والتجريح عند الحاكم، والمشاورة في أمر مَّا من أمور المخالطة أو المجاورة أو المصاهرة، وتجريح المحدثين للرواة، وذكر الرجل باسم قبيح مشتهر به. ولبعضهم:
ألا إن اغتياب الناس ذنب … عظيم الوصف من أردى المناكر
تجنب غيبة إلا قليلا … لبيت جاء عن بعض الأكابر
تظلم واستغث واستفت حذر … وعرف بدعة فسق المجاهر
الغزالي: من ستر معصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، وإذا توارى فاسق تحت ذيله لم يجز أن يكشف عنه، نعم لو أخبر عدلان ابتداء من غير استخبار بأن فلانا في داره خمر
стр. 3646
فله الدخول عليه ابتداء من غير استئذان، فإن أخبره عدل وعبدان ففيه نظر والأولى المنع إذ لا يسقط حق إلا بعدلين، وهذا كله في ذنب يختص بالعبد لا يتعداه، ثم قال عن الماوردي: فإن كان ذلك في انتهابات يفوت استدراكها كأن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها جاز التجسس والبحث، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر فليس عليه أن يكشف عن الباطن، وليحذر المغتاب وليتق ربه فقد ذكر المنذري عن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ صعد المنبر فنادى بصوت رفيع: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله (١)). ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. انتهى كلام ابن زكري.
قال الشيخ العارف بالله تعالى زروق في النصيحة الكافية قدس الله تعالى سره: وذكر رجلين ما اطلعا عليه من عيب رجل ليس بغيبة. انتهى. قال شارحها ابن زكري رحمه الله تعالى: كونه غير غيبة لا يستلزم نفي الإثم، وجلب من الكلام ما يقوي أن فيه الإثم، وقد اعترضه بعضهم بأنه صادق عليه حد الغيبة، قال الشيخ زروق: وكذا ذكر غير معين لا محصور. انتهى؛ يعني أن غير المعين لا غيبة فيه إذا لم يكن محصورا، فقد ذكروا في حديث أم زرع أن ما ذكرته عائشة ﵂ للنبي ﷺ من ذم النسوة لأزواجهن ليس بغيبة لعدم التعيين، وإنما الغيبة لمعين حي أو ميت وإذا كان غير المعين محصورا فهو كالمعين كأهل سوق كذا أو طراز كذا وهم محصورون، فإن حصرهم يفضي إلى تعريفهم، فإن لم يتعين عند التكلم والسامع فظاهر، وإن تعين عند المتكلم دون السامع فقال بعض الشافعية: قواعد مذهب الشافعي تقتضي حرمة الغيبة فيه حتى قال بحرمة الغيبة في القلب، وقال في شرح الجوهرة: من تأمل كلام القاضي في الإكمال وأنصف فهم ميله إلى الحرمة كما تقتضيه ظواهر كلامهم. انتهى.
стр. 3647
الثالث تقدم قوله ﷺ : (الدين النصيحة قالوا لمن يارسول الله؟ قال لله ولرسوله وكتابه وعامة المسلمين وخاصتهم (١)). انتهى. قوله: الدين النصيحة أي عماد الدين النصيحة، والنصيحة من نصحت العسل إذا صفيته لأن الناصح بالقول يصفي قَولَه من الغش وقوله لله نصيحة الله تعالى الإيمان به وبما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حقه والتزام تكاليفه والعمل بها على الوجه المطلوب من إخلاص وغيره، وبدأ بالله لأن الدين له حقيقة ونصيحة الله تعالى إنما ترجع للعبد لأن منفعتها له والله تعالى غني عن نصح الناصحين، وقوله: ولرسوله، نصيحته ﷺ التصديق برسالته والوقوف عند أمره ونهيه ونصرته حيا ببذل المال والنفس دونه، وميتا بالذب عن سنته ونشرها والدعاء إليها والتخلق بأخلاقه الكريمة ومحبة أهل بيته وإكرامهم؛ إذ محبتهم وموالاتهم فرض ومحبة أصحابه وتجنب من ابتدع في سنته والشفقة على أمته. وثنى بالرسول قبل الكتاب لأن الكتاب إنما تلقي بواسطته فنصيحته فرع نصيحة الرسول الآتي به.
وقوله: وكتابه، نصيحة الكتاب التصديق بأنه من عند الله تعالى وأن ما فيه حق وأنه معجزة رسول الله ﷺ وتفهم معانيه والوقوف عند حدوده وتلاوته على الوجه الذي ينبغي والذب عنه بدفع شبهة الزائغين وتحريف البطلين، وثلث بالكتاب لأنه المتضمن لأحكام الدين وشرائعه، وقوله: وعامة المسلمين، نصيحتهم إرشادهم لصالح دينهم ودنياهم وعونهم على ذلك وتعليم جاهلهم وتنبيه غافلهم والذب عنهم وعن أعراضهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وسد خلتهم وترك حسدهم وغشهم وجلب النفع إليهم ودفع الضرر عنهم ونصرتهم ظالمين أو مظلومين، والنصرة للظالمين بالأخذ على أيديهم يعني كما في الحديث قدمت نصيحتهم على الخاصة من باب الأسهل في الأغلب وإن سهلت نصيحة الخاصة استحقت التقديم لأهميتها ولتلك الأهمية قدمت في بعض الروايات.
стр. 3648
وقوله: وخاصتهم، هم الأمراء والعلماء فنصيحة الأمراء من الخلفاء وولاتهم طاعتهم في الحق وإعانتهم عليه وأمرهم به وتذكيرهم الله تعالى وإعلامهم بما لم يبلغةم من أمر المسلمين وتألف القلوب لطاعتهم والصلاة خلفهم والجهاد معهم ودفع الصدقة لهم والدعاء لهم بالصلاح وأن لا يغروا بالثناء الكاذب، ونصيحة العلماء قبول روايتهم وتقليدهم في الأحكام وحسن الظن بهم. وهذا الحديث عليه مدار الدين.
ومن التزام تكاليف الله الذي هو نصيحة الله تعالى نصرة دينه بالجهاد والأمر بالمعروف والقيام بموجبات بقائه من علم وعمل أي حرف مهمة والتسليم له في حكمه وتدبر آيات الكتاب واتباع مأموراته وتحسين تلاوته كلها نصيحة لله ولرسوله ولكتابه، وقد مر أن نصيحة الأمراء بالطاعة لهم أي إلا في محرم مجمع عليه، وأن نصيحة العلماء تقليدهم أي إلا فيما لا يهدي إليه العلم بأن لا يكون موافقا لمقتضى الكتاب والسنة. ومن نصيحة الخاصة التسليم للفقراء فيما لا يجب إنكاره فإن وجب إنكاره أنكر عليهم مع اعتقاد كما لهم. وقوله : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، نصر العبد لربه هو اتباع أمره واجتناب نهيه فإذا فعل ذلك كان سببا لنصرة الله تعالى له وأمنه مما يخاف. قاله ابن زكري.
وكره عدة من أحدهما؛ يعني أنه يكره أن يعد الرجل المعتدة بالنكاح فقط أو تعده هي فقط وتمنع المواعدة من الجانبين كما مر، وقوله: "وكره عدة من أحدهما" هذه الكراهة حكى عليها ابن رشد الاتفاق وإن رقعت عدة من أحدهما ثم تزوجها بعد انقضاء العدة مضى ولا يفسخ ولا يقع به تأبيد تحريم إجماعا، وأما إن وقع التزويج بعد العدة مع المواعدة من الجانبين فإنه لا يقع به التأبيد على المشهور وقيل يقع به وقد مر ذلك.
وتزويج زانية؛ يعني أنه يكره تزويج زانية أي متجاهرة بالزنى فإن تزوجها فإنه يستحب له فراقها، والمراد بالزانية من شأنها ذلك بأن يعرف ذلك منها ثبت بالبينة أم لا، وأما من تكلم فيها وليس شأنها ذلك فلا كراهة. ابن حبيب: يستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، فإن ابتلي بحبها فله أن يحبسها لأنه ﵊ قال لهلال: (أربعة وإلا فحدّ في ظهرك (١))،
стр. 3649
ولم يقل له لا يحل لك البقاء معها، وفي الحديث دليل على جواز نكاح الزانية. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: وتزويج زانية أي متجاهرة بالزنى لا من ثبت عليها الزنى. قاله علي الأجهوري. أي لحدها وإلا فهي أولى أو أن من ثبت عليها يحرم تزويجها حيث لم تتب ولم تحد.
تنبيه، يكره للولي أن يزوج وليته من الدميم والشيخ الكبير، وفي الحديث: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (١)). انظر المنجور.
أو مصرح لها بعدها يعني أنه يكره لمن صرح بخطبة معتدة أن يتزوجها بعد انقضاء عدتها، فقوله: "بعدها" متعلق "بتزويج" مقدرا. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وندب فراقها يعني أنه يندب لمن تزوج زانية أو مصرحا لها في العدة بعد العدة أن يفارقها، وحكى في المنتقى وجوب فراق المصرح لها بالخطبة في العدة وتزوجها بعد انقضاء العدة، وعبارة الأمير: وكره تزوج زانية ومخطوبة في العدة بعدها وندب فراقهما. انتهى.
وعرض راكنة لغير عليه؛ قد تقدم أن الراكنة لغير فاسق تحرم خطبتها، فإذا تزوجها أحد فإنه يندب له أن يعرضها على من ركنت إليه قبله، فإن حلله ثبت عليها وإن أبى فليفارقها فإن نكحها الأول وإلا فلهذا الثاني أن يأتنف نكاحها، وقوله: "وعرض راكنة عليه" علم من الاستحباب أنه لا يقضى عليه بالفراق وهذا واضح إن كان الزوج بنى بها أو لم يبن بها بناء على أن الفسخ مندوب كما قدمته عن أبي عمر، وإلا فلا يأتي إلا على القول بأنه يمضي مطلقا قبل البناء وبعده وهو قول مرجوح مقابل لما مر عليه المص.
وركنه المراد بالركن هنا ما لا توجد حقيقة النكاح الشرعية إلا به؛ يعني أن أركان النكاح خمسة أولها: ولي يعني أن الولي وسيأتي بيانه ركن من أركان النكاح فلا يصح بدونه لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، والعضل: المنع من النكاح، فلو كان عقد المرأة على نفسها جائزا لم تكن معضولة، وسبب نزول الآية ما في الصحيح عن معقل بن يسار أنها نزلت
стр. 3650
فيه، قال: زوجت أختي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وقربتك وأكرمتك فطلقتها ثم نجئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. الآية، فقلت الآن أفعل يا رسول الله، قال (فزوجها إياه (١))، زاد البزار: فأمرني أن أكفر عن يميني وأزوجها. وفي الدارقطني عنه ﷺ : (لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) (٢)، قال حسن صحيح وقال عبد الحق: هو صحيح. وخرج أبو داوود عن النبي ﷺ ، قال: (لا نكاح إلا بولي (٣)).
وبما قررت علم أن المص أراد بالركن ما لا توجد حقيقة النكاح الشرعية إلا به؛ لأن العقد لا يتصور إلا من عاقدين وهما شرعا الولي والزوج، ومن معقود عليه وهو الزوجة والعوض فلا بد من وجوده وإن لم يجب ذكره ولا يتصور العقد إلا بصيغة وقد خصصه الشرع بما ذكر. والله سبحانه أعلم. والركن عندهم هو الداخل في الماهية وتنعدم بانعدامه، والشرط عندهم تنعدم بانعدامه لكنه خارج عن الماهية، ومذهب مالك والشافعي والجمهور اشتراط الولي في النكاح، وذكر أبو بكر بن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وخالف في هذا أبو حنيفة ﵀، واحتج بالقياس على البيع وخصص عمومات الحديث بهذا القياس، وقد أجاز الأصوليون تخصيص العموم به، واشترط ابن شريح كون القياس جليا.
وفي الحديث الكريم (الأيم أحق بنفسها من وليها (٤))، ومعناه أنه ليس للولي أن يجبرها على النكاح وإنما له أن يزوجها بإذنها ممن ترضاه، وليس لها أن تباشر العقد بنفسها لأن أفعل التفضيل يوجب الاشتراك فحقها أكثر فهي أحق في تعيين الزوج وقدر المهر وعدم الجبر والحق له في تولي العقد. قاله ابن هلال.
стр. 3651
وثانيها صداق؛ يعني أن الصداق من أركان النكاح فلا يصح بدونه، لكن لا يشترط ذكره عند العقد لجواز نكاح التفويض فلو تراضيا على إسقاطه لم يصح النكاح، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، ولقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾، وقال ﵊: (لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل (١))، فالزوج لا يستبيح الفرج إلا بصداق ولا خلاف في اعتباره في النكاح، وإنما الخلاف في قدره وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وثالثها ورابعها محل يعني أن المحل من أركان النكاح ينعدم بانعدامه، والمحل هو زوج وزوجة معلومان خاليان من الموانع الشرعية، كالإحرام والخنوثة وغيرهما.
وخامسها صيغة؛ يعني أن الصيغة من أركان النكاح ينعدم بانعدامها والصيغة هي اللفظ الذي ينعقد به النكاح وهو لفظ يدل على تأبيد النكاح بينهما مدة الحياة. قاله ابن الحاجب. ونحوه في ابن شأس ومقتضاهما أنه لا ينعقد بالكتابة والإشارة وهو مقتضى كلاهه في الإشراف، وكذلك قال في الاستذكار: النكاح يفتقر إلى [التصريح] (٢) ليقع الإشهاد عليه، وكلام ابن عبد السلام أيضا يقتضي أنه لا يقع بالكتابة والإشارة، وفي اللباب: الصيغة من الولي لفظ إلى آخره. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: فإن قلت الضمير في ركنه عائد على النكاح وهو مفرد، وقوله: "ولي" لخ خبر عن ركنه فيلزم عليه الإخبار بالجمع عن الفرد، أجيب بأن الركن مفرد مضاف إلى معرفة فيعمّ، ونحوه لعبد الباقي، وعزاه الشبراخيتي لابن الحاجب.
بأنكحت الباء للتصوير يعني أن الصيغة من الولي صورتها أن يقول الولي: أنكحتك ابنتي أو أختي أو نحوهما ممن له ولاية عليها. وزوجت يعني أن النكاح كما ينعقد بأنكحت ينعقد بزوجت، قال الشارح: لا أعلم خلافا في انعقاد النكاح بهاتين الصيغتين لما في حديث: (قد أنكحتكها بما معك من القرآن (٣))، ولقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وفي
стр. 3652
الحديث: (زوجتكها (١)). الباجي: ولا ينعقد النكاح بغير هذين اللفظين، وقال الإمام الحطاب: ولا خلاف في المذهب في انعقاد النكاح بهذين اللفظين كما قاله في التوضيح وقاله غيره. انتهى.
وفي التوضيح: ولا فرق بين الماضي والمضارع، وبحث اللقاني في ذلك قاتلا: فيه نظر لأن بينهما فرقا اتفاقا في العقود؛ إذ لا تنعقد إلا بالماضي دون المضارع. انتهى.
وأجاب بناني عن بحث اللقاني بما في أبي الحسن عند قول المدونة: ومن قال لامرأة إذا مضى شهر فأنا أتزونجك فرضيت ووليها فهذا نكاح باطل لا يقام عليه. انتهى. وما لأبي الحسن: الشيخُ يؤخذ منه أن لفظ المستقبل في النكاح كالماضي بخلاف البيع. انتهى.
وبصداق وهبت؛ يعني أن النكاح ينعقد بوهبت مقترنا بلفظ الصداق حقيقة كوهبتها لك بصداق كذا أو حكما كوهبتها لك تفويضا، فإن لم يسم صداقا حقيقة ولا حكما لم ينعقد كما في المدونة، وذكر الشيخ ابن رحال عن غير واحد من المحققين أنه مهما ظهر قصد النكاح فهو كاف عن ذكر الصداق، قال: وكأن المصنف سكت عن هذا لوضوحه وعليه فلا خصوصية للتفويض، قال محمد بن الحسن: قلت وهو مخالف لما جزم به الزرقاني بعد هذا من قوله ولا يكفي في هذه إرادة النكاح بدون لفظ صداق وما تقدم من اشتراط اللفظ، وأنه لا تكفي الكتابة والإشارة مقيد بغير الأخرس، وأما الأخرس فتكفي فيه الإشارة من جانب أو جانبين. أبو عمر: إشارة الأخرس كافية إجماعا. قاله الحطاب. وكذا الكتابة وتكفي أيضا الإشارة من قادر جوابا من الزوج لقول الولي: أنكحتك أو زوجتك أو وهبتك ابنتي بصداق أو جوابا من الولي لقول الزوج أنكحني أو زوجني، لا إن بدأ الزوج بواحد من غيرهما فلا يكفي جواب الولي بالإشارة. ولبعضهم:
تكفي إشارة من الزوج إذا … بدا الولي ولو ببيع فادر ذا
ومن ولي إن بدا الزوج بما … فيه نكاح أو زواج فاعلما
وكل ذا لقادر أن ينطقا … لا عاجز فجوزنه مطلقا
стр. 3653
وقوله: ولو ببيع؛ أي على شق التردد الآتي، ولو قال الولي: قبلت أو فعلت وما أشبهة جوابا لقول الزوج زوجني أو أنكحني انعقد النكاح ولم يذكر في ذلك خلافا.
والحاصل أنه إن بدأ الولي أو الزوج بما فيه نكاح أو زواج فأجابه الآخر بما يدل على القبول صح النكاح، وصيغة العقد مع الوكيل أن يقول الولي للوكيل زوجت من فلان ولا يقول زوجت منك، وليقل الوكيل قبلت لفلان ولو قال قبلت لكفى إذا نوى بذلك موكله.
وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعت تردد يعني أنه اختلفت طرق الشيوخ في نقل المذهب فيما عدا أنكحت وزوجت ووهبت بصداق، فذهب ابن القصار وعبد الوهاب والباجي وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد أي من جهة ولي المرأة بكل لفظ يدل على التأبيد ويدل على تمليك الذات كملكت وبعت وتصدقت وأعطيت، وذهب صاحب المقدمات إلى أنه لا ينعقد بما عدا أنكحت وزوجت إلا لفظ الهبة، فاختلف فيه قول مالك واستدل للأول بما في الصحيح من قوله ﵊: (ملكتكها بما معك من القرآن (١))، وهو الذي عليه أكثر أهل المذهب، قال الشارح بهرام: والذي رأيت عليه الأكثر الانعقاد بذلك، وفي شرح عبد الباقي أن الراجح عدم الانعقاد، وفيه أيضا أن محل التردد حيث قصد النكاح أو سمى الصداق فإن لم يقصده ولا سمى صداقا لم ينعقد اتفاقا، وقال الحطاب: ظاهر كلامهم أنه لا يشترط تسمية الصداق، وفي الخرشي أن التردد جار ذكر مهر أم لا وما ذكره لا يخالف ما لعبد الباقي. والله تعالى أعلم.
والحاصل أن أنكحت وزوجت ينعقد بهما، قال الشارح: ولا أعلم في ذلك خلافا، وقال غير واحد: ولا خلاف في ذلك في المذهب، وأن وهبت مقترنا بالصداق ينعقد به على المشهور وإن لم يقترن بالصداق فهو مما فيه التردد المذكور، وجميع ما عدا هذه الألفاظ الثلاثة أي أنكحت وزوجت ووهبت بصداق داخل في التردد فيدخل فيه تصدقت وغيره مما عدا الثلاثة، وأن محل التردد إنما هو فيما يقتضي تمليك الذات، وخرج عن محل التردد قسم لا ينعقد النكاح به بلا
стр. 3654
خلاف ولو نوى به النكاح واقترن بلفظ الصداق وهو لفظ الوقف والحبس والعمرى والإجارة والرهن والعارية والوصية لانحلالها كما أشار المصنف إلى ذلك بقوله: "كبعت".
واعلم أن هذه الصيغ كلها لا تكون إلا من ولي المرأة، فقول عبد الباقي: ولا بد من كون لفظ وهبت من ولي الزوجة لا منها لا خصوصية للفظ وهبت بذلك؛ لأن المرأة لا تزوج نفسها كما لا يخفى، وقد تقدم أن التردد لابن القصار وابن رشد وأن ابن القصار هو القائل بالانعقاد، وأن قوله هو الذي عليه الأكثر من أهل المذهب، ولكن الإحلال والإباحة والإطلاق لم يقل بانعقاد النكاح بها إلا بعض أصحاب ابن القصار، ونقل أبو عمر الإجماع على عدم الانعقاد بها. انظر الحطاب. ولما ذكر الإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي المعقود به النكاح ذكر الصيغة الصادرة من الزوج وتسمى قبولا تقدمت أو تأخرت، فقال: وكقبلت؛ يعني أن الصيغة المطلوبة من الزوج هي كل ما دل على قبوله، كقبلت ورضيت واخترت ونحوها مما يدل على القبول وهو معطوف على أنكحت، فإذا قال الولي: أنكحت فلانة فلانا، وقال الزوج: قبلت، فقد تم عقد النكاح بين الزوجين، وأشعر اقتصار المصنف على قبلت أنه لا يشترط أن يقول قبلت نكاحها وهو كذلك كما في ابن شأس. الشيخ زروق: أبو عمر: إشارة الأخرس كافية إجماعا.
والحاصل أن خلو النكاح عن الصيغة لا يصح النكاح معه وكونها من إحدى الجهتين كاف. انتهى. قال الحطاب: ويعني الشيخ - والله أعلم - الصيغة المخصوصة التي فيها الإنكاح والتزويج. وصيغة العقد مع الوكيل أن يقول الولي للوكيل زوجت من فلان ولا يقول زوجت منك، وليقل الوكيل قبلت لفلان، ولو قال قبلت لكفى إذا نوى بذلك موكله.
ولما لم يكن تقديم الإيجاب على القبول شرطا في صحة النكاح بل مندوب فقط ذكر انعقاده بتقديم القبول على الإيجاب فقال: ويزوجني فيفعل يعني أن النكاح ينعقد بالاستيجاب، والإيجاب كأن يقول الرجل لولي المرأة زوجني فيفعل الولي بأن يقول زوجتك أو أنكحتك أو نحو ذلك مما مر مستوفى، والاستيجاب طلب الإيجاب بقوله: زوجني أو أنكحني، فيقول الولي زوجتك أو فعلت، وأشعرت الفاء باشتراط الفور بين القبول والإيجاب: وصرح به في القوانين ولا يضر التفريق اليسير عند مالك أي بغير الخطبة، ولم يجزه الشافعي مطلقا أي بغير الخطبة فلا يضر عنده
стр. 3655
التفريق بها لندبها من المبتدئ وكراهتها فقط من المجيب ولا يضر التفريق بها، ولو اجتمع مندوبها ومكروهها في العقد كذا أفاده بعض الشافعية، وأجاز أبو حنيفة التفريق مطلقا كثر أو قل، والكثير يضر عند مالك إلا في مسألة الإيصاء الآتية فلا يضر للإجماع. قاله الشيخ عبد الباقي. وما قاله في القوانين نقله الإمام الحطاب، وقال هو ظاهر جار على قول ابن القاسم، وقال الشيخ محمد بن الحسن: اعترض ما في القوانين شيخ شيوخنا أبو عبد الله المسناوي بما في المعيار مما يقتضي الاتفاق على صحة النكاح مع تأخر القبول عن الإيجاب من الولي المجبر، قال: ومثله قول الشيخ أبي محمد بن أبي زيد في الرجل يقول زوجت ابنتي فلانا إن رضي أن له الرضا بإجماع، قال ابن غازي في تكميل التقييد بعد نقله: وقد قبل ما قاله أبو محمد ابن رشد وغيرُه، وهو موافق لما قاله الباجي. انتهى. وبذلك أفتى العبدوسي والقوري، قال المسناوي: فما للحطاب عن القوانين وقلده فيه علي الأجهوري وأتباعه عار عن المستند غير معزو إلى أحد مخالف مع ذلك لما ذكر من الإجماع فوجب طرحه بلا نزاع، إلا أن يتأول بأن المراد الفور بين القبول وعلم الإيجاب أي العلم به فيرجع لما قاله الجماعة. انتهى. قال محمد بن الحسن: ما في الحطاب عن القوانين مثله نقله الحفيد بن رشد في نهايته عن مذهب مالك، ونصه: وأما تراخي القبول في العقد من الطرفين فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير، وممن منعه مطلقا الشافعي وأبو ثور، وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه، والتفرقة بين الأمد الطويل والقصير لمالك. انتهى. وهو نص في ما قاله الحطاب وبه يبطل دعوى الإجماع، ومتل ما للحفيد في المعيار اللهم إلا أن يتأول بما ذكر من أن المراد الفور بين القبول وعلم الإيجاب ليحصل الوفاق فلا يبعد ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
وحاصل الرهوني تقوية ما في القوانين والحطاب غاية، وأنه يجب طرح ما للمسناوي.
تنبيه: مما يحسن إيراده هنا مسألة الأنكحة الغريسية وذلك أنه جرت عادة بلد غريس أن يوجه الرجل من يخطب له فيجاب بالقبول ويتواعدون للعقد الشرعي في ليلة البناء ثم، يبعث للمرأة أو وليها حناء وحوائج تتزين بها وهدايا في المواسم ويولول النساء عند الخطبة ويسمع الجيران أن فارنا تزوج فلانة ويشتهر عندهم، فما الحكم إذا طرأ قبل البناء والعقد تنازع وتنافر بينهم أو موت
стр. 3656
أحد الزوجين، فهل تثبت الزوجية وأحكامها من الإرث وغيره أم لا؟ اختلفت في ذلك آراء الشيوخ فأفتى الشريف المزدغي بثبوت النكاح وترتب آثاره، وأفتى الشيخ الغنثي بأنه لا بد من الإشهاد ولا يكفي عنه ما دل على العقد مما جرت به العادة من التهنئة والهدية والحنا بعد الرضى والمواعدة للعقد، وقال بقول كل منهما جماعة، لكن قال الشيخ ميارة: الظاهر ما أفتى به الشريف من لزوم النكاح، وأجاب الشيخ سيدي إبراهيم بن عبد الرحمن بجواب أصاب فيه، فقال ما معناه: إن كان ذلك عندهم جاريا مجرى العقد المصطلح عليه عند أهل التوثيق ويثبت عندهم بذلك وأن الإشهاد الواقع بينهم ليلة الدخول ليس هو إلا للتحصين من النزاع في قدر المهر ونحو ذلك فالنكاح صحيح لازم، وإن كان ذلك توطئة للعقد وأمارة على ميل كل للآخر فلا إشكال في عدم اللزوم، وإن جهلت العادة بحيث يقع ذلك منهم كما وصف، فإن سئلوا عن عادتهم لم يحرروا شيئا فهو محل الإشكال، ولعل هذا هو محل الخلاف، ولصاحب العمليات:
وفي النكاح إن بدا القبول … والوعد للعقد هو المقول
وسمع الجيران مع ما يبعث … فهو ثبوت ما لديه عبث
ولزم؛ يعني أن النكاح يلزم بين الزوجين بتمام الصيغة، فإذا قال الولي المجبر أو الفوض إليه إنكاحها زوجتك، فقال الزوج قبلت أو قال للولي زوجني وقال الولي زوجتك أو فعلت فقد لزم النكاح بين الزوجين.
وإن لم يرض؛ يعني أنه يلزم النكاح بين الزوجين بتمام الصيغة وإن لم يرض كل من الزوجين بعد ذكر الصيغة بل قصد الهزل أولا قصد له لأن هزل النكاح جد وهذا هو المعتمد، ولو قامت قرينة على إرادة الهزل من الجانبين، وكذا الطلاق والرجعة، والقول بأن اللاعب لا شيء عليه خلاف المشهور. وفي الحديث: (ثلاث هزلهن جد وجدهن جد: النكاح والطلاق والرجعة (١)) وفي رواية: العتق وكان في الجاهلية يناكح ويقول كنت لاعبا وكذا في الطلاق والعتاق فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
стр. 3657
وروى عن مالك أن النكاح لا يجوز منه إلا ما كان على وجه الجد وهو خلاف المشهور، فما ذكره غير واحد أنه إذا علم الهزل ابتداء لا يلزم واقتصر عليه المشدالي والشيخ أبو الحسن الصغير خلاف المشهور كما علمت انظر الحطاب، واختلف في تمكينه منها مع إقراره على نفسه بعدم قصد النكاح حين الهزل، فقيل يمكن منها وقيل لا يمكن والقول بأنه يمكن منها هو الجاري على قوله وليس إنكار الزوج طلاقا، وقوله: "ولزم وإن لم يرض" سواء ادعى الهزل بعد الرضا أو ادعاه ابتداء.
ولما فرغ من الصيغة التي بدأ بها لقلة الكلام عليها شرع في بقية الأركان على ترتيبها في المتن، فقال: وجبر المالك أمه وعبدا؛ هذا شروع منه ﵀ في بيان الولي وهو المالك والأب ووصيه وغيرهم على ما سيذكره؛ يعني أن السيد يجبر عبيدة على النكاح وبدأ به لقوته لأنه يجبرهم على النكاح ذكورا أو إناثا صغارا أو كبارا، كانت الأنثى ثيبا أو بكرا كان المالك ذكرا أو أنثى.
بلا إضرار؛ يعني أن المالك إنما يكون له الجبر إذا لم يكن في جبره ضرر بالعبيد ومثل المالك الأب والوصي ومقدم القاضي فلهم الجبر لرقيق المحجور إماء أو عبيدا على وجه النظر؛ لأنه قد يهرب فإذا زوجة لم يهرب وتسقط نفقة الإماء، وقال مالك فيمن أخدم أمته ومرجعها إلى حرية بعد الأجل: لا يزوجها إلا برضاها يريد ورضى المخدم. انتهى. ففهم منه أنه إذا أخدمها مدة ومرجعها إليه فليس له أن يزوجها إلا برضى المخدم والله سبحانه أعلم. قاله الحطاب.
لا عكسه أي عكس ما ذى من قوله: "وجبر المالك"، ومن قوله: "بلا إضرار" يعني أن السيد لا يجبر عبده مع الإضرار كتزويج أمة رفيعة من عبده الأسود وتزويج عبده بمن لا خير فيها وتزويجهما من ذوي عاهة كجذام وبرص، وهل يفسخ ولو ولدت الأولاد؟ وكذا لا يجبر العبد والأمة السيد على التزويج ولو حصل لهما الضرر ولو قصده بمنعهما النكاح كما لمالك وابن رشد، لكن يندب له أن يزوجهما أو يبيعهما لمن يزوجهما كما قال ابن رشد، قال عبد الباقي: إلا أن يخشيا الزنى فيجبر على البيع أو التزويج فيما يظهر لخبر: (لا ضرر ولا ضرار). انتهى.
стр. 3658
وفي التوضيح: الظاهر أنه يؤمر بالتزويج أو البيع لقوله ﵇: (لا ضرر ولا ضرار (١)) وقال الشارح: ابن عبد السلام: وقد اختلف المذهب هل يجب على الولد أن يزوج أباه إذا طلب ذلك الأب؟ وهل يلحق النكاح بالأقوات؟ وللشافعية في ذلك تفصيل، ونص بعض المتأخرين منهم على الوجوب حتى قال في الحيوان البهيمي: يجب إرسال الذكر على الإناث زمن الضراب، وعمدة أهل المذهب قوله ﵊: (للمملوك طعامه وشرابه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق (٢)). الحديث خرج مخرج بيان حق المملوك على سيده ولم يتعرض للنكاح، فإن قيل قوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار (٣)) يدل على وجوب النكاح إذ لا ضرر على المسلم أشد مما يحمله على الوقوع في الزنى، قلنا الضرر هو أن يمنع الإنسان مما هو واجب له أو يكلف ما ليس بواجب عليه وهذا هو أصل المسألة. انتهى.
وقال الأمير: ولا يجبر على زواجه أو بيعه ولو تضرر بعدم الزواج. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا يجبر العبد والأمة المالك على أن يزوجهما ولو حصل لهما بترك التزويج الضرر كما هو مفاد كلام الشارح والتتائي، بل يفهم من كلامهم ومن كلام مالك وابن رشد أنهما لا يجبران السيد على تزويجهما ولو قصد بذلك إضرارهما. انتهى.
وقال الحطاب: قال في التوضيح: قال مالك في الموازية: وإن تبين أن العبد والمكاتب محتاجان إلى النكاح وأن السيد ضارٌ بهما فلا يقضى على السيد بنكاحهما. عبد الحميد: واختلف الناس في هذه المسألة وكان بعض الشيوخ يقول: الصواب عندي أن القول قول العبد لاشتداد الضرر به إذ ذاك ضرر في الدين، وكان بعض المذاكرين يقول انظروا إلى ما قاله ابن خويزمنداد في الحر إذا كان لا قدرة له على التسري وله حاجة إلى النكاح يخاف منها العنت أن النكاح يجب عليه، وإذا كان واجبا عليه فالعبد يشاركه فيها، ولأن بعض أصحابنا أوجبه للأب من ابنه. انتهى. والظاهر أنه يؤمر بالتزويج أو البيع لقوله ﵊: (لا ضرر ولا ضرار). انتهى. كلام الحطاب.
стр. 3659
وسئل مالك عن العبد يشكو العزبة [فيسأل] (١) سيده أن يبيعه لذلك ويقول وجدت موضعا؟ قال: ليس ذلك على سيده [أن يبيعه] (٢) ولو جاز ذلك لقال ذلك الخدم. قال ابن رشد: وهذا كما قال أنه ليس على الرجل واجبا أن يبيع عبده ممن يزوجه إذا سأله ذلك وشكا العزبة، وإنما يرغب في ذلك ويندب، وليس امتناعه من الضرر الذي يجب به بيعه عليه كما ليس عليه أن يزوجه واجبا إذا سأله ذلك لأن قول الله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ليس هو على الوجوب إنما هو أمر بالإنكاح على سبيل الحض والترغيب، وإنما يباع عليه إذا تبين ضرره في تجويعه وتعريته وتكليفه من العمل ما لا يطيق وضربه في غير حق إذا تكرر ذلك منه وكان شديدا منْهِكًا وهذا مما لا أعلم فيه اختلافا. انتهى. والنهك المبالغة في العقوبة قال في الصحاح: نهكهَ السلطان عقوبة ينهكه نهكا ونهكة إذا بالغ في عقوبته. انتهى. والله أعلم. قاله الحطاب.
فرع: قال الشيخ أبو الحسن ولا يجوز لأحد أن يزوج الأمة لطول غيبة سيدها أو لعضلها انتهى قاله الحطاب.
ولا مالك بعض؛ يعني أن ما تقدم من أن المالك يجبر الأمة والعبد إنما هو بالنسبة إلى مالك الجميع، وأما مالك البعض فلا جبر له سواء كان الجزء الآخر يسيرا أو كثيرا، وسواء كان حرا أو ملكا لغير، فإذا اتفق مالكان فأكثر على الجبر فلهما أولهم ذلك كحكم المالك الواحد.
وله الولاية والرد يعني أن مالك البعض وإن انتفت عنه الولاية الخاصة التي هي الجبر له الولاية العامة؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فإذا تزوج العبد أو الأمة بغير إذنه فله الرد والإجازة في العبد ويتحتم الرد في الأمة على المشهور. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: هذا في المشتركة ظاهر، وأما في المبعضة فجزم الحطاب بتحتم الرد فيها كالمشتركة، وأخذه من قول ابن الحاجب وشارحيه: مالك البعض كمالك الجميع في الولاية والرد قائلا إذ غايتها أن تكون كأحد الشريكين في الأمة، واعترضه الرماصي بأن كلامهم لا يؤخذ منه ذلك وأن قوله إذ
стр. 3660
غايتها إلى آخره فيد نظر إذ المشتركة فيها الجبر عند اجتماع الشركاء عليه والمعتق بعضها لا جبر فيها أصلا، قال فلا المتيطية: وإن كان نصفها حرا ونصفها رقا لم تزوج إلا بإذن سيدها، ولا لسيدها أن يزوجها إلا بإذنها وأن ظاهر كلامهم عدم تحتم الرد فيها، وقد نص عليه في المدونة في الكاتبة فأحرى المبعضة: ولم يذكر في المدونة تحتم الرد إلا في الأمة المشتركة يزوجها أحد الشريكين. انتهى. وفيه نظر، لأن قولهم كمالك الجميع ظاهر فيما قاله الحطاب؛ لأن مالك الجميع يجبر فإذا تزوجت أمته أو زوجت بغير إذنه وجب الفسخ ولا دليل له فيما نقله من كلام المتيطية، ولا نسلم ما ادعاه من الأحروية لأن المكاتبة أحرزت نفسها فهي أقوى من المبعضة. انتهى. قوله "وله الولاية والرد" لا يخفى أن الرد ليس فيما للولاية بل هو قسم منها، وقسمها الآخر الإجازة، ولم يكتف عن الرد بذكر الولاية لأنه لا يلزم من الولاية الرد كما يأتي في قوله: "وبأبعد مع أقرب"، قال في المدونة: فإن عقد للأمة أحد الشريكين بصداق مسمى لم يجز وإن أجازه السيد الآخر ويفسخ وإن دخلت، ويكون بين السيدين الصداق المسمى إن دخلت، فإن نقص عن صداق المثل أتم للغائب نصف صداق المثل إن لم يرض بنصف التسمية وقد علمت أن تحتم الفسخ في الأمة هو المشهور، ومقابل المشهور الجواز والمشهور ومقابله روايتان. انظر الحطاب. وعلى المشهور أنه لا بد من فسخه فإن فسخ قبل البناء سقط الصداق عن الزوج ورجع به إن استهلكته أو بما نقص إن تجهزت به ولم يساوه الجهاز على الذي زوجة إن غره ولم يعلمه أنه شريك، يريد ويأخذ الجهاز، وإن فسخ بعده فإن أجازه الشريك فإنما له نصف المسمى، وإن لم يجزه أو أجازه ولم يرض بالصداق فالمشهور أن له الأكثر من المسمى وصداق المثل، ويرجع الزوج بالزائد على الذي زوجة إن غره بأن قال هي حرة أو هي لي وحدي، والشاذ لأشهب إنما له نصف المسمى.
ابن المواز: ولا شيء للعاقد من الصداق إن غره، بأن قال: هي حرة أو قال هي لي وحدي، قال الشيخان أبو محمد وأبو الحسن: وإذا رجع على الغار بما دفع إليه ترك له ربع دينار، وقيل لا يترك له شيء وهذا إذا رضي الشريكان بقسم المال، وإن أبى أحدهما فعلى الزوج أن يكمل لها
стр. 3661
صداق المثل على المشهور ويكون بيدها، فإذا اقتسماه رجع على الذي زوجة منها بما استفضل في نصفه إن لم يكن غره وبجميع الزيادة وإن غره كما ذكرنا. انتهى. قاله الحطاب.
والمختار ولا أنثى بشائبة؛ يعني أنه اختلف هل للسيد أن يجبر من فيه عقد حرية بتدبير أو كتابة أو عتق لأجل أو استيلاد؟ فقيل له إجبارهم وقيل ليس له إجبارهم وقيل ينظر إلى من ينتزع ماله فيجبرهم ومن لا فلا وقيل له إجبار المذكور دون الإناث، قال اللخمي: والصواب منعه من إجبار المكاتب والمكاتبة بخلاف المدبر والمعتق لأجل إلا أن يمرض السيد في المدبر أو يقرب الأجل في المعتق لأجل ويمنع من إجبار الإناث كأم الولد والمدبرة والمعتقة لأجل. قاله الشيخ محمد بن الحسن وغيره. واعتُرِضَ قوله: "المختار"؛ لأن هذا اختيار له من عند نفسه وليس واحدا من الأقوال الأربعة، وأجيب بأن تفصيل اللخمي لما كان غير خارج عن الأقوال الأربعة عبر بالاسم لذلك. انظر حاشية الشيخ بناني. ووجه القول الأول أنهم على الرق ولم يصيروا إلى الحرية بعد ووجه القول الثاني الشبهة التي لهم من الحرية بالعقد الذي عقد لهم، ووجه القول الثالث أنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله فأحرى أن لا يعقد عليه فيما يتعلق بالجسم، ووجه القول الرابع أن المذكور بأيديهم الطلاق فيحلوا عن أنفسهم إذا صاروا إلى العتق ما عقد عليهم بخلاف الإناث، وقوله: من لا ينتزع ماله كالمكاتب والمكاتبة مطلقا وأم الولد والمدبر والمدبرة إذا مرض السيد في الثلاثة والمعتق لأجل والمعتقة إلى أجل إذا قرب الأجل. انظر الشارح. في كبيره هنا. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف "والمختار ولا أنثى بشائبة": ومكاتب وحيث انتفى إجبار السيد عنهم فلا تنتفي ولايته عنهم. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله "ولا أنثى بشائبة": من حرية غير التبعيض كأم ولد ويتحتم رد نكاحها بتزويجه لها جبرا أو زوجها غيره بغير إذنه على المذهب. وقوله: في باب أم الولد: وكره له تزويجها وإن برضاها، الواو للحال. انتهى. قوله: ويتحتم رد نكاحها، قال الشيخ بناني: هذا على إحدى الروايتين في أم الولد بعدم الجبر، قال في المتيطية: وحكى عبد الوهاب في إجبارها أي أم الولد روايتين إحداهما الجبر ونحوه في المدونة والأخرى نفيه، ورواه يحيى عن ابن القاسم، والفتيا: أنه إذا أنكحها من غيره مضى ولم يفسخ. انتهى. ونحوه لصاحب المعيار وابن عرفة، فقد ظهر أن الجبر في أم الولد أرجح وبه الفتوى
стр. 3662
وعليه درج المؤلف في أم الولد فلا تكون الواو للحال، وإن كان درج هنا على مختار اللخمي انتهى، وقوله: "والمختار" مبتدأ حذف خبره أي المختار ما يذكره عقبه. انتهى. قاله أحمد. قاله عبد الباقي. وقوله: "ولا أنثى بشائبة"، قال الشيخ عبد الباقي: بالرفع معطوف على "مالك". انتهى. قال الشيخ بناني: لا يصح هذا إلا بتقدير مضاف أي ولا مالك أنثى. انتهى. وقال عبد الباقي: ويصح في أنثى وما عطف عليه الجر إما بالعطف على المضاف إليه أي ولا مالك أنثى ومكاتب، وجعل الولي مالكا باعتبار ما كان أو بطريق التغليب، وإما على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره أي ولا ولي أنثى، فإن قلت لم قدم قوله: "والمختار"، ولم لما ذكره عقب المخرج والمخرج منه، وقال على المختار؟ فالجواب أنه لو أخره لاقتضى ذلك أن الاختيار في المخرج فقط وليس كذلك. انتهى.
ومكاتب؛ يعني أن المختار عند اللخمي أن المكاتب المذكر كالأنثى ذات الشائبة فلا يجبره لأنه أحرز نفسه وما له، ولا يدخل في قوله: بشائبة المبعضة لتقدم الكلام عليها بل هي داخلة في قوله: ولا مالك بعض. بخلاف مدبر؛ يعني أن اللخمي اختار في المدبر المذكر أن للسيد جبره، وأما المدبرة الأنثى فقد تقدم أن اللخمي قال: الصواب أنها لا تجبر فهي داخلة في قوله: "ولا أنثى بشائبة"، فقول عبد الباقي شخص مدبر ذكرا أو أنثى غير صحيح لما عرفت.
ومعتق لأجل؛ يعني أن اللخمي اختار أن السيد يجبر المعتق لأجل المذكر على النكاح، وأما الأنثى المعتقة لأجل فقد تقدم أن اللخمي قال: الصواب أنها لا تجبر فهي داخلة في قول المصنف: "ولا أنثى بشائبة"، فقول عبد الباقي: وشخص معتق لأجل ذكرا أو أنثى غير صحيح. كما قاله الشيخ بناني. وقال الشيخ الأمير: لا فرق بين المذكر والأنثى على التحقيق. انتهى؛ يعني في المدبر والمعتق لأجل. والله أعلم. وهذا وإن كان هو التحقيق على قول الأمير لا يوجب صحة ما لعبد الباقي هنا.
إن لم يمرض السيد؛ يعني أن محل كون السيد يجبر المدبر إنما هو حيث لم يمرض السيد مرضا مخوفا وإلا فلا يجبره على ما اختاره اللخمي. أو يقرب الأجل؛ يعني أن محل جبر السيد للذكر المعتق لأجل إنما هو حيث لم يقرب الأجل أي الزمن الذي يتحرر عنده، وإلا فلا يجبره على ما
стр. 3663
اختاره اللخمي، وبقي على المصنف شرط آخر صرح به اللخمي من جملة اختياره وهو أن لا يجعل عليهما من الصداق ما يضر بهما في المطالبة إذا عتقا، وفي حد قرب الأجل بالأشهر أو الشهر قولا مالك وأصبغ وهو يقتضي ترجيح الأول لعزوه لمالك، ومنع اللخمي الجبر في الإناث المتقدمة لأن عقد نكاحهن بيع لما يكون من الاستمتاع الآن وبعد العتق، وما بعد العتق لا حق له فيه وليس لهن حل ذلك العقد إذا صرن إلى الحرية، واختار الجبر فيمن ينتزع ماله من الذكور كالمدبر والمعتق لأجل ما لم يمرض السيد أو يقرب الأجل؛ لأن الطلاق بأيديهما إذا صارا إلى الحرية، وليس لأحد من جميع من ذكر أن ينكح إلا بإذن سيده، فلو تزوج المكاتب بغير إذن مكاتبه فلسيده الرد والإمضاء وكذا المكاتبة.
ثم أب عطف على فاعل جبر وهو المالك؛ يعني أنه إذا لم يكن سيد فإن الكلام يكون للأب إن كان، فتارة يكون له الجبر وتارة لا يكون له الجبر وإنما تكون له الولاية، ولا كلام له مع وجود السيد على كل حال، قال عبد الباقي: وإنما يكون له الجبر إذا كان رشيدا وإلا فالمجبر وليه، فإن لم يكن له ولي جرى في ابنته الخلاف الذي سيذكره في باب الحجر بقوله: "وتصرفه قبل الحجر محمول على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم" كذا ينبغي. انتهى. قوله: وإلا فالمجبر وليه الخ، مثله في الخرشي وفيه نظر ويأتي في قوله: "وعقد السفيه" لخ أنه لا جبر لوصي الأب بل يجبر السفيه ابنته إن كان ذا عقل ودين. وإن كان ناقص التمييز خص بالنظر في تعيين الزوج وصية وتزوج ابنته كيتيمة، واختلف فيمن يلي العقد هل الوصي أو الأب ولو عقد حيث يمنع نظر فإن حسن إمضاؤه أمضاه وإلا فرق بينهما. قاله البناني. وقوله: فإن لم يكن له ولي جرى الخ مخالف لما في الطرر من أنه إذا لم يكن مولى عليه وهو ذو رأي لا خلاف في أنه يجوز له أن يزوج ابنته البكر قبل البلوغ وأخته ومولاته. انظر الرهوني. وللرشيد جبرها ولو لقبيح منظر أو أعمى أو أقل حالا منها أو مالا أو بما يحل به البضع وإن كان صداقها ألف دينار ولا كلام لها ولا لغيرها. رواه ابن حبيب عن مالك. ويفيده الاستثناء الآتي وليس غيره من الأولياء مثله، ولا يعارض هذا ما يأتي من أنه يجوز الرضى بدونه للوصي قبل الدخول لأن ما هنا قبل العقد وما يأتي بعده.
стр. 3664
وجبر المجنونة هذا بيان لمن للأب جبرها؛ يعني أن الأب يجبر المجنونة المطبقة التي لا تفيق بكرا كانت أو ثيبا ولو ولدت الأولاد ولو كان لها ولد؛ لأن الولد لا يجبرها وتزوج بالمصلحة ولا تزوج من المجنون لأن المجنونين لا يجتمعان. قاله أبو علي. فإن كانت تفيق انتظرت إفاقتها حيث كانت ثيبا بالغا وإلا فلا تنتظر إفاقتها. ابن عبد السلام: ولا ينبغي خصوصية الأب بالجبر بل مثله القاضي في ذلك بعد موته، وفي شرح العمدة لمصنفها: ولا يزوج غير الأب من الأولياء إلا بالإذن ومن لا إذن لها كالمجنونة لا يزوجها إلا من له ولاية الإجبار أو الحاكم، والبلوغ المعتبر في الإذن بلوغ المحيض أو بلوغ ثمان عشرة سنة، واختلف في الإنبات فاعتبره ابن القاسم في المحتاجة لدفع الضرر ولم يعتبره ابن حبيب، وقال: إن زوجت فسخ وإن بنى بها، وقال غيره: لا يفسخ لأنه مختلف فيه. قاله الإمام الحطاب.
والبكر يعني أن الأب له أن يجبر ابنته البكر ويستحب للأب استئذانها، قال ابن العربي: بواسطة لأنها إن استحيت من ذكر النكاح مرة استحيت من ذكره مع أبيها مرارا وقال فيها قوله في الحديث (آمروا النساء في بناتهن (١)) هذا غير لازم بالإجماع وإنما هو مستحب فربما يكون عند أمها رأي صدر عن علم بها أو بالزوج ولأنها إذا كان برضاها حسنت صحبة زوج ابنتها. قاله الإمام الحطاب.
وفي كبير الشارح: لا خلاف عندنا أن الأب يجبرها إذا كانت صغيرة. قاله صاحب المنتقى. واستدل على ذلك بما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين، ومكثت عنده تسعا. ابن عبد البر: ولها الخيار عند العراقيين إذا بلغت ولا خيار لها عند فقهاء الحجاز، قال: وأما البالغ فلا يختلف أصحابنا أنه يملك عليها الإجبار وهذا مذهب أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك جماعة وقالوا: ليس له جبرها ولكل من الفريقين حجج من السنة تمسك بها. ففي الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الثيب أحق بنفسها من وليها
стр. 3665
والبكر تستأمر وإذنها سكوتها (١))، فقال الجمهور: المراد بالبكر هنا اليتيمة لما خرجه أبو داوود من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (تستأمر اليتيمة فإن سكتت فهو إذنها فإن أبت فلا جواز عليها (٢))، فهو مبين لحديث ابن عباس، وقال الآخرون: لا إجمال في الأول بل هو باق على عمومه فلا يحتاج إلى تفسير. والثاني جاء في بعض صور الأول ولم يتعرض لبعضها بنفي ولا إثبات، ورجحوا ذلك بأن طريق ابن عباس مما خرجه مسلم: (يستأمرها أبوها في نفسها (٣))، وأجيب بأن أبا داوود لما ذكر الحديث قال أبوها ليس بمحفوظ وتقييده في رواية أبي هريرة الاستيمار باليتيمة يدل على نفي الحكم عما عداها.
ولو عانسا يعني أن الأب له أن يجبر ابنته البكر ولو كانت عانسا وهي رواية محمد عن مالك، وروى ابن وهب عنه أنه لا يجبرها وبرواية محمد القضاء وعليها العمل. قاله المتيطي. قاله الشارح. والعانس هي التي طالت إقامتها عند أهلها وعرفت مصالح نفسها قبل الزواج، وهل سنها ثلاثون سنة أو ثلاث وأربعون أو خمس وأربعون أو أربعون أو خمسون؟ أقوال بل يجبرها ولو زادت على حد التعنيس المذكور، ويجبرها في غير ما يستثنية لكل أحد ولو لغير لائق ولو أضر بها ذلك لأن شأن الأب الحنان ولو لم يوجد بالفعل، بخلاف السيد في أمته ولذا قال هناك: "بلا إضرار"، وقال هنا: إلا لكخصي يعني أن ما ذكر من كون الأب يجبر البكر عانسا أم لا مشروط بعدم الضرر الذي يثبت به الخيار، فأما إن كان في ذلك ضرر موجب له كما إذا زوجها من مجبوب أو خصي أو عنين فلا يجبرها ولها الخيار إن جبرها، وهذا قول سحنون وهو الأصح كما قال: على الأصح يعني أن هذا القول صححه الباجي واختاره اللخمي أيضا، فلو قال: على المختار والأصح لكان أولى. قاله الشيخ بناني. ومقابله لابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ يلزمها ذلك إذا كان على وجه النظر علمت به أو لم تعلم. قاله الشارح. والخصى هو مقطوع الذكر قائم الانثيين أو مقطوع الانثيين قائم الذكر، وقيد مقطوع الانثيين قائم الذكر بأن لا يمني وأما إن
стр. 3666
كان يمني فله جبرها عليه. قاله الشارح. عبد الباقي: ودخل بالكاف كل عيب يوجب الخيار فلا يجبرها لمن هو متصف به، وظاهره ولو كانت بها ذلك. وانظر ما قاله هنا مع قوله وللأم التكلم في تزويج الأب الخ. قاله الحطاب.
والثيب إن صغرت يعني أن الأب يجبر الثيب الصغيرة ثيبت بنكاح صحيح أو فاسد، وأما بعارض أو بحرام فيجبرها إن بلغت كما سيذكره فإن ثيبت وتأيمت قبل البلوغ ثم بلغت قبل النكاح فلا تجبر. قاله ابن القاسم وأشهب. واستحسنه اللخمي وصوبه، ومقابله لسحنون يجبرها مطلقا. قاله الشيخ بناني. وقوله: "والثيب إن صغرت". ابن شأس: ولاية الإجبار في الأب معلولة بعلتين: الصغر والبكارة، فيجبر الصغيرة وإن كانت ثيبا والبكر وإن كانت بالغا. قاله الشارح. وقوله: "والثيب إن صغرت" ما ذكره من أنه يجبر الثيب الصغيرة هو قول أشهب في كتاب محمد، وقال أبو تمام: لا يجبرها قاله الشارح.
أو بعارض يعني أن الأب كما يجبر الثيب الصغيرة يجبر الثيب البالغة التي ثيبت بعارض كوثبة أو عود دخل فيها ونحو ذلك من غير الجماع. ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافا. قاله الشارح. قال: وهذا لأن حياءها وجهلها بالمصالح باق على ما كان عليه قبل الثيوبة، ومنهم من منع تسمية هذه بالثيب. أو بحرام يعني أن الأب يجبر الثيب البالغة التي ثيبت بحرام من زنى أو غصب ولو ولدت، ويقدم الأب على الابن هنا والقول بجبر الثيب المبالغة التي ثيبت بالزنى هو مذهب المدونة، وعدم الجبر لابن الجلاب وحكاه في المنتقى عن ابن عبد الحكم. قاله الشارح. وقال عبد الوهاب: إن لم تكرر الزنى جبرها وإن كررته لم يجبرها لانكشاف جلباب الحياء عنها بتكرر الزنى. قاله الشارح.
وهل إن لم تكرر الزنى؛ يعني أنه اختلف الشيوخ في فهم المدونة، هل قول عبد الوهاب بعدم الجبر حيث كررت الزنى تفسير لها أو خلاف؟ ابن عبد السلام: والظاهر أنه خلاف. قاله الشارح. وقوله: تأويلان؛ مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وحينئذ فتقرير المصنف أن تقول: وهل قول المدونة باق على إطلاقه؟ أي سواء تكرر منها الزنى أم لا، فقول عبد الوهاب:
стр. 3667
خلاف، أو مقيد بما لعبد الوهاب. قاله غير واحد. قال الشيخ بناني: ظاهر المدونة الجبر مطلقا وصرح الفشتالي بأنه المشهور.
تنبيهات: الأول قد تقدم أن إجبار الأب معلل بعلتين: البكارة والصغر، فلذلك يجبر الثيب وإن صغرت والبكر وإن بلغت، وأما الثيب البالغ التي ثيبت بعارض فلأن حياءها وجهلها بالمصالح باق على ما كان عليه قبل الثيوبة كما مر، واختلف في علة إجبار من ثيبت بالزنى، فمنهم من يقول إن رفع الجبر بالثيوبة إنما هو لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر وهو منتف في الزني بها لأن الحياء يغلب عليها أشد من غلبته على البكر لقبيح ما ركبته أو للعار الذي يلحقها ويزهد في مثلها فوجب بقاء الإجبار. نقله ابن يونس عن القاضي عبد الوهاب. ابن محرز: وقيل لأنها تتهم أن تكون قصدت رفع ولاية الأب عنها بما أحدثت فلم تمكن من ذلك، وهذا ينتقض بما لو زوجت نفسها بغير ولي ودخل بها الزوج فإنها تتهم وترتفع ولايته عنها بذلك. قاله الشارح. الثاني: قال الشيخ عبد الباقي: إن مقتضى كلام الحطاب أن التأويلين فيمن كررت الزنى حتى اشتهرت به وحدت فيه، وكلام الفاكهاني يقتضي اعتبار كثرته منها جدا. قاله علي الأجهوري. أي وظاهره وإن لم تكن حدت فيه. انتهى. وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو ما نصه: قال في العارضة هذا إذا كانت مشهورة محدودة، وأما إذا كانت مستورة فلا يجوز أن يرتب نكاح على ما لم يثبت بل يجب الحد على من ذكره. والله أعلم. انتهى.
الثالث: بقي على المصنف ثيب كبيرة ثيبت بنكاح تجبر وهي التي ظهر فسادها وعجز وليها عن صونها فإن الأب يجبرها أيضا على النكاح، وكذا غيره من الأولياء لكن الأحسن رفع غيره من الأولياء للحاكم، فإن زوجها دون رفع مضى. ذكره التتائي عن ابن عرفة عن اللخمي. ولم يذكر ابن عرفة مقابله وظاهره اعتماده عليه قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وسيأتي عند قول المصنف: "وزوج الحاكم" ما يخالف هذا. انتهى. قوله: فإن زوجها دون رفع الخ قال الشيخ بناني: نحوه في المواق عن اللخمي عند قوله: "ثم لا جبر". انتهى.
стр. 3668
الرابع: إنما عدل المصنف عن الضمير إلى الظاهر حيث قال: وهل إن لم تكرر الزنى ولم يقل وهل إن لم تكرره لأن الحرام يشمل الغصب؟ فيوهم جريان الخلاف فيه وليس كذلك، فلذلك عدل عن الضمير إلى الظاهر إذ المغتصبة يجبرها من غير خلاف. قاله الشيخ إبراهيم.
لا بفاسد؛ عطف على قوله: "أو بعارض" يعني أن الثيب البالغ التي ثيبت بنكاح فاسد وفسخ نكاحها أو طلقت أو مات عنها الزوج لا تجبر على النكاح، سواء كان النكاح الفاسد مختلفا في فساده أو مجمعا عليه إن درأ الحد تنزيلا للفاسد منزلة الصحيح للحوق الولد فيه ودرء الحد وعدتها ببيت الزوج الذي كانت تسكنه. وإن سفيهة؛ يعني أنه لا يجبر الثيب السفيهة البالغة التي ثيبت بنكاح لأنه لا يلزم من ولاية المال والنظر فيه ولاية النكاح فحكم السفيهة وغيرها في ذلك سواء وهذا هو المعروف، وحكى المتيطي قولا بأنه يجبرها، وحكم النكاح الذي لا يدرأ الحد كحكم الزنى وقد تقدم.
وبكرا رشدت، قال الشيخ أبو علي بكرا بالنصب: عطف على مقدر أي لا ثيبا بفاسد وبكرا رشدت؛ يعني أن البكر التي رشدها أبوها بعد البلوغ بقوله أنت مرشدة أو أطلقت يديك أو رشدتك ونحو ذلك لا تجبر على النكاح ويثبت ترشيدها بإقرار أو بينة إذا أنكر وسيأتي أنه لا بد من نطقها. وقوله: "رشدت"، قال عبد الباقي: ولو قبل بلوغها. انتهى. قال بناني: هو غير صحيح إذ الرشد من لوازمه البلوغ، وقد قال الحطاب عند قوله الآتي: "كبكر رشدت": يعني بعد البلوغ. قاله في معين الحكام. انتهى. قال الشيخ الأمير عاطفا على من تجبر: وبكرا وإن مسنة ما لم يرشد بالغة. انتهى. قال في الشرح بأن يقول لها ولو قبل البلوغ أمرك لك مثلا. انتهى. معناه والله أعلم رشدها قبل وبلغت عند الزواج وهو مخالف لما مر. قاله مقيده. وقوله: "وبكرا رشدت" قال الشيخ الخرشي: وأما معاملتها فإنه يحجر عليها فيها، قال الشيخ بناني: وكتب عليه السناوي أنه غير صحيح لأن الرشد لا يتبعض فيكون في أمر دون أمر. انتهى. وما ذكره المصنف في البكر المرشدة هو المشهور كما قاله المتيطي فلا يجبرها أب ولا غيره من الأولياء، وقيل تجبر وصوبه الشيخ أبو عمر بن عبد البر لبقاء بكارتها وعلى المشهور فلا بد من نطقها وقيل إذنها صماتها. قاله الشارح.
стр. 3669
أو أقامت ببيتها سنة يعني أن المرأة إذا أقامت ببيتها الساكنة فيه مع زوجها مدة طويلة كسنة من دخول الزوج بها، ثم طلقها الزوج وهي بالغة فإنها لا تجبر على النكاح، وسواء أقرت بالمسيس ولو وافقها الزوج على ذلك، وحد بعضهم الطول بالعرف. قاله أبو علي. فقوله: وأنكرت أي المسيس أي وكذا لو أقرت بالمسيس بطريق الأحروية، وإنما قيد به ليفيد أنه لا يجبرها مع الإقرار بالمسيس فيما دون السنة، ويجبرها مع إنكار المسيس فيما دون السنة، وقيد في التوضيح الجبر فيما دون السنة بإقرارها بعدم المسيس قبل العقد، ولا يصدق في ذلك الأب ليلا يؤدي إلى إنكاح الأب الثيب بغير أمرها، وإقرارها بقرب العقد كإقرارها قبله كما في البيان، ومفهوم بيتها أنه إذا علم عدم الخلوة بها وعدم الوصول إليها فلا يرتفع إجبار الأب عنها ولو أقامت على عقد النكاح أكثر من سنة وهو كذلك كما في المدونة، وقوله: "أو أقامت ببيتها سنة" اشترط في المدونة أن تكون شهدت مشاهد النساء وأسقط هو ذلك كابن الحاجب، قال في التوضيح: لابد منه وكأنه رآه وقع في المدونة تفسيرا لأن طول الإقامة مظنة ذلك. قاله الشيخ بناني. والسر في السنة هو أن معاشرة الأزواج وما تحتاج النساء إلى معرفته من ذلك لا يحصل لهن دفعة واحدة ولا في فصل واحد من فصول السنة، ألا ترى أن المآكل واللابس أو أحوال النوم تختلف في السنة ولا بد للمرأة من معرفة ذلك؟ ورأى في المدونة أن السنة يرجع إلى التحديد بها في غير موضع، كالاعتراض والعهدة والشفعة وتأخير القصاص في الجرح وغير ذلك. قاله الشارح.
وجبر وصي أمره أب به لما أنهى الكلام على الأب أتبعه بالكلام على نائبه؛ يعني أن الوصي إذا أمره الأب بجبر بناته عنى النكاح فإن له أن يجبر تلك البنات التي أمره أبوهن بجبرهن، ومثل وصي الأب وصي وصية وإن بعد فالضمير في به يرجع على الجبر المدلول عليه بالفعل نحو ﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾ أي العدل ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي الشكر وقوله أمره أب به أي صريحا كاجبرهن أو ضمنا كزوجهن صغارا وكبارا أو زوجهن قبل البلوغ وبعده. قاله غير واحد. أو عين الزوج يعني أن الوصي له أن يجبر بنات الموصي بضم الميم وكسر الصاد على النكاح فيما إذا أمره الأب بالجبر كما علمت، وفيما إذا عين له أي للوصي الزوج، فإذا عين له زيدا مثلا فإن الوصي يجبر عليه بنت الموصي، ولو كان هذا الذي عين ذا زوجات أو سراري ولو طرأ ذلك وكان حين
стр. 3670
الإيصاء عزبا فيلزمها ويلزم الولي فلان المعين إن فرض هذا المعين مهر المثل ولم يكن فاسقا وإلا لم يلزمهما. وفي اللخمي والإجبار يختص بالأب أو بمن أقامه الأب في حياته أو بعد مماته إذا عين الأب الزوج الذي يزوج ابنته منه. قاله الشارح.
وإلا فخلاف يعني أن الوصي إذا لم يأمره الأب بالجبر ولا عين له الزوج فإنه اختلف هل له الجبر حينئذ أولا؟ هذا ظاهره، وقال الشيخ عبد الباقي شارحا للمصنف: وإلا يأمره بالجبر ولا عين له الزوج بل قال له زوجها ممن أحببت، أو زوجها أوأنت وصي على بناتي أو على بضع بناتي أو على بعض بناتي إذ البعض مبهم فخلاف في الجبر وعدمه في الصيغ الخمس، والراجح الجبر في الجميع إذا أتى في الصيغتين الأوليين بلفظ التزويج كما مر أو بلفظ الإنكاح وإلا لم يجبر، وإن قال وصي فقط أو على ما لي فلا جبر اتفاقا. قاله ابن عرفة. لكن لو زوج فالظاهر أنه يمضي: وهل مثل ذلك ما إذا قال وصي على كل شيء. أو يجبر وهو الظاهر؟ وانظر أيضا لو قال وصي على أولادي فهل كذلك أو لا جبر له؟ وأما إذا أوصاه على تركته أو قبض ديونه فليس له الجبر، لكن لو زوج صح كما يأتي. انتهى.
قوله: والراجح الجبر في الجميع، قال الشيخ بناني: فيه نظر، بل ظاهر كلامهم أن الراجح عدم الجبر وصرح بذلك الشيخ ابن رحال، وقوله: في الجبر وعدمه في الصيغ الخمس، قال الشيخ بناني: فيه نظر، فلم أر الخلاف في التشهير إلا في صورة واحدة مما ذكره وهي ما إذا قال زوجها ممن ترضاه، لترجيح القلشاني للجبر في زوجها ممن أحببت، وترجيح أبي الحسن لعدم الجبر في زوجها ممن ترضاه، ونص أبو الحسن على أنه لا جبر في وصي فقط أو وصي على بضع بناتي أو على تزويجهن، فيجب حمل كلام المصنف على هذه الصورة هنا فقط؛ يعني زوجها ممن أحببت بناء على أن الترجيح يكون به التشهير كما ذكره الحطاب في الخطبة، وقد ذكر ابن عرفة في أنت وصي على إنكاح بناتي قولين بالجبر لمحمد وعدمه لابن حبيب، لكن لعدم التشهير لا يصح إدخالها في كلام المصنف، وأما الخلاف الذي ذكره الشيخ سالم وهو قول اللخمي: المعروفُ من قول مالك الجبرُ، وقال عبد الوهاب: لا جبر إلى آخره، فقال الرماصي: إنما محله إذا أمر الأب بالإجبار نصا أو التزاما، كأن يقول له: زوجها قبل البلوغ وبعده كما
стр. 3671
أفاده كلام المتيطي وغيره، فلا يشرح به قوله: "وإلا فخلاف"، خلافا له. انتهى. والشيخ سالم تبع في ذلك الشارح. والله سبحانه أعلم.
وهو في الثيب ولي يعني أن الوصي في الثيب ولي من أوليائها يزوجها برضاها، وهو في مرتبة الأب يقدم على ابنها حيث كانت في حجر الوصي وإلا قدم ابنها عليه، فيها وإن زوج ولي الثيب جاز على الوصي كجوازه للأخ على الأب، وإن زوجها الوصي جاز على الولي.
تنبيهات: الأول: قوله: "وهو في الثيب ولي" ذكر الشيخ أبو علي في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها وهو المشهور لأنه قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين أنه بمنزلة الأب يقدم على الابن إلا أن تكون غير محجورة، الثاني أنه كأحد الأولياء، الثالث لا ولاية له. وقال الإمام الحطاب: وهل يقدم - يعني الوصي على الولي - أو يقدم الولي عليه قولان، والقول بتقديم الوصي قال فضل هو قول مالك وأصحابه المدنيين والمصريين. انتهى. وقال ابن سلمون: وصي الأب أولى من الأولياء في مذهب مالك وابن القاسم، ويشاور الولي. انتهى. وقال عبد الوهاب: وصي الأب مقدم في البكر البالغ بإذنها وفي الثيب إسوتهم، وقيل هو أحق من الأولياء وليس له جبر. قاله الشارح.
الثاني لو رشد الوصى المحجورة بقيت ولايته عليها قال في التحفة:
وإن يرشدها الوصي ما أبي … فيها ولاية النكاح كالأب
ونقل ابن الناظم أن المتيطي نقل ذلك عن سماع أصبغ وابن القاسم وأشهب معترضا بذلك على ابن رشد حيث لم يقف على الرواية، فإنه قال: لو رشدت محجورة فلا نص والظاهر بقاء ولايته. نقله الشيخ بناني.
وصح إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض يعني أن النكاح يصح في هذه المسألة وإن كان فيها الفصل بين الإيجاب والقبول بالزمن الكثير للإجماع على جوازها وصحتها، وهي ما إذا قال الأب في مرضه إن مت فقد زوجت ابنتي من فلان وقيل فلان بعد موت الأب المزوج، قال المصنف: لولا الإجماع لكان القياس المنع؛ لأن المرض قد يطول فيتأخر القبول عن الإيجاب السنة ونحوها، وهذه المسألة من وصايا المسلمين المجمع على إجازتها، وقوله: "بمرض" متعلق بقول مقدر كما
стр. 3672
قررت، وجملة الشرط وجوابها هي المقول، ومفهوم بمرض أنه لو قال ذلك بصحته لم يصح النكاح وهو قول ابن القاسم وأصبغ وابن المواز، وصوبه ابن رشد وأجازه أشهب، وقوله: "إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض"، محل الصحة حيث مات من مرضه الذي قال فيه ذلك، وأما إن صح من مرضه الذي قال فيه ذلك فتبطل وصيته، وفهم من التعليل بالإجماع أن السيد إذا قال ما ذكر في أمته بمرض ليس الحكم كذلك فتبطل الوصية، وهو كما أفهم فلا تقاس عليها لانتقال الملك للوارث. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقال الشيخ أبو علي: وقد اختلف إذا قال الرجل في حياته إن فعل كذا فقد زوجته ابنتي، فقال مالك في الذي يقول إن جاءني فلان بخمسين دينارا فقد زوجته ابنتي: لا يعجبني هذا النكاح ولا تزويج له وإن جاء بالخمسين دينارا بالقرب، ولأشهب في الذي يقول للخاطب إن فارقت امرأتك فقد زوجتك ابنتي أن النكاح يجوز فجعله ينعقد بنفدر الفراق، قال في البيان: وهذا الاختلاف عندي إنما يصح إن فعل ذلك بالقرب، ولو قال متى ما فارقت امرأتك فقد زوجتك أو متى ما أتيتني بخمسين دينارا فقد زوجتك لم يجز النكاح قولا واحدا. انتهى. وفي نوازل ابن الحاج في رجل أراد السفر إلى الحج مع أمه فقال له عمه اترك السفر مع أمك وأزوجك ابنتي وأعطيك عشرة مثاقيل فترك المسير مع أمه ثم قام على عمه بعد سبعة أشهر يطلب العدة، فأجاب بأنه يحكم على عمة بدفع العشرة وينكحه ابنته إلا أن يكون عقد نكاحها مع أحد فلا يحل النكاح. نقله الشيخ أبو علي.
وهل إن قبل بقرب موته يعني أن الأشياخ اختلفوا هل محل الصحة المذكورة حيث قبل الزوج النكاح بقرب موت الأب أي بعد موته بقرب وهو قول سحنون، أو الصحة المذكورة لا تقيد بقبول الزوج بعد موت الأب بقرب بل يصح النكاح مطلقا قرب أو بعد وهو ظاهر المدونة؟ وعلى قول سحنون إن لم يقبل إلا بعد موت الأب ببعد فلا يصح النكاح وهو ظاهر في الفقه لوجوب قرب القبول من الإيجاب في العقود ولا سيما في النكاح إلا أنه بعيد من اللفظ لا سيما مع كثرة وقوع المسألة للمتقدمين في الدواوين مجردة عن هذا التأويل، ولهذا ذهب يحيى بن عمر إلى أن ذلك
стр. 3673
يصح طال الأمر أو لم يطل، قال في البيان: وهو ظاهر العتبية، وقال ابن بشير: مذهب المدونة الصحة مطلقا وقول سحنون خلاف. قاله الش.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان في فهم المدونة، هل تبقى على ظاهرها فيكون قول سحنون خلافا وهو فهم ابن بشير؟ أو تقيد المدونة بقول سحنون فيكون قوله وفاقا وقوله: "بقرب موته" القرب بالعرف البرموني: لعل القول بعدم اشتراط قرب قبول الزوج من الموت مقيد بما إذا كان الزوج لا علم عنده بذلك قبل ثم علم به بعد طول فأجازه، وأما لو علم به وتراخى قبوله فينبغي أن يتفق التأويلان على عدم الصحة. انتهى. نقله غير واحد.
ثم بعد المالك والأب والوصي لا جبر يعني أنه إن لم يكن سيد ولا أب ولا وصي فإنه لا جبر لغيرهم من الأولياء، وأما هم فقد تقدم الكلام عليهم. فالبالغ بالنصب أي يزوج الولي البالغ بالبناء للفاعل أو بالرفع أي فيزوج البالغ بالبناء للمفعول يريد لا غير. قاله الزرقاني. ويقبل قولها في دعوى البلوغ كما ذكره البرزلي، وأما غير البالغ فلا تزوج ولو سفيهة. قاله الشبراخيتي. وإيضاح كلام المصنف أن الأولياء الذين لا جبر لهم بالكلية وهم من عدا الأشخاص الثلاثة لا يزوجون إلا البالغ، فليس لهم أن يزوجوا غير البالغ لأن إذن غير البالغ كلا إذن، وإنما يزوجون البالغ بإذنها. انتهى.
قال الإمام الحطاب: البلوغ المعتبر في التزويج هو الحيض أو بلوغ ثمان عشرة سنة، واختلف في الإنبات، ثم إن زوجت به فقال ابن حبيب: يفسخ قبل البناء وبعده. قاله في الجواهر. وقال الشيخ زروق: فأما الاحتلام والحيض والحمل فلا اختلاف في كونها علامات. انتهى. قال الحطاب: وسُئِلْتُ عن بكر غاب أبوها ودعيت إلى التزويج وادعت البلوغ فأجَبْتُ: إذا غاب الأب عن ابنته البكر غيبة انقطاع بمعنى أنه لا يرتجى قدومه، أو غاب غيبة طويلة وكانت المسافة بعيدة كالشهرين ونحوهما ودعت إلى التزويج فإن القاضي يزوجها إذا كانت بالغا، وللبلوغ خمس علامات: الاحتلام والإنبات والحيض والحمل والسن وهو ثمان عشرة سنة على المشهور، ويقبل قولها في ذلك إذا أشبه، وأما إذا كانت غير بالغ فلا تزوج إلا إذا خيف عليها الفساد أو احتاجت إلى النفقة. والله أعلم. انتهى.
стр. 3674
إلا يتيمة خيف فسادها هذا مستثنى من مفهوم قوله: "فالبالغ"، واليتيمة من لا أب لها، واليتم إنما هو قبل البلوغ؛ يعني أنه إذا كان الولي للمرأة غير الثلاثة الذين لهم الجبر فإنه يزوج البالغ ولا يزوج غيرها إلا أن يكون غير البالغ يتيمة فإنها تزوج بشروط، أحَدُهَا أن يخاف عليها الفساد في حاله -أي يخاف عليها من الزنى- ومالها (١))، وهذا الشرط يغني عن كونها محتاجة وظهور ميلها للرجال لدخول الأمرين فيه، ثانيها أشار إليه بقوله: وبلغت عشرا يعني أنه يشترط في جواز نكاح اليتيمة المذكورة أيضا أن تبلغ عشر سنين بأن تتمها ولا يكفي دخولها فيها، ثَالِثُهَا أشار إليه بقوله: وشوور القاضي؛ يعني أنه لا بد مع ما ذكر من مشاورة القاضي الذي يرى ذلك مالكيا أو غيره، بأن يرفع إليه أمر اليتيمة ليثبت عنده يتمها وفقرها وخلوها من زوج وعدة ورضاها بالزوج، وأنه كفؤها في الدين والحرية والنسب والحال والمال والصداق وأنه مهر مثلها، وأن الجهاز الذي جهزت به هنا مناسب لها فيأذن للولي بتزويجها، وبقي من الشروط أن تأذن بالقول، وكونها لا تزوج إلا برضاها هو في المواق عن اللخمي وعزاه ابن عرفة للمعروف من المذهب، وحكى عليه ابن رشد الاتفاق وسلمه ابن سلمون وهو الظاهر من ضد المصنف لها في الأبكار التي تعرب كالثيب. قاله الشيخ بناني. وفي بعض التقارير أنها تزوج بعشرة شروط وكلها مفهومة مما تقدم، وهي أن يخشى فسادها وأن تكون فقيرة وأن تبلغ عشر سنين وأن يكون لها ميل للرجال وأن يكون الزوج كفؤا لها وأن يصدقها صداق مثلها وأن تجهز جهاز مثلها وأن يثبت ذلك عند القاضي وأن ترضى بذلك وأن تأذن بالقول، والظاهرُ أنَّها إذا تزوجت بالشروط المذكورة ثم طلقت قبل البلوغ تَحْتَاج إليها في تزويجها ثانيا. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: وأن تكون فقيرة فيه نظر إذ التي يخاف عليها الفساء تزوج ولو كانت غنية فلو قال عقب قول المصنف "خيف فسادها": أو افتقرت لأجاد قاله الرهوني. وما مشى عليه المصنف في هذه المسألة جرى به العمل كما نص عليه ابن عبد السلام، وما جرى به العمل مقدم على المشهور ومقابله مذهب المدونة والرسالة أنها لا تزوج حتى تبلغ. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 3675
وما قررت به قول المصنف "خيف فسادها" في حالها ومالها. قاله عبد الباقي. وقال بناني ناقلا عن المتيطي: إن كانت الصغيرة تحت حاجة ملحة وهي في سن من توطأ فظاهر المذهب جواز نكاحها بإذنها وهو قول مالك في كتاب محمد في ابنة عشر سنين وعليه العمل وبه الفتيا. انتهى. وقال إن هذه الأخيرة تزوج وإن لم يخف عليها الفساد، ثم قال: والحاصل هما مسألتان، التي خيف عليها الفساد ونص على العمل فيها ابن عبد السلام، والمحتاجة هي التي نص على العمل فيها المتيطي، ولم يذكرها المؤلف، ومقتضى كلام المصنف أن غير البالغ إذا لم تكن يتيمة لا تزوج مطلقا.
وقال ابن حارث: لا خلاف أن غير البالغ إذا قطع الأب عنها النفقة وغاب وخشي عليها الضيعة أنها تزوج، والمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان أي أو من يقوم مقامه في ذلك لأنه حكم على غائب. انتهى. أي إذا كانت غيبة بعيدة، وظاهره وإن لم تبلغ عشرا ولا أذنت بالقول. قاله غير واحد. ومقابل المشهور أنه يزوجها الولي. قاله الشيخ أبو علي.
والأصح إن دخل وطال يعني أن هذه اليتيمة المذكورة إذا زوجت مع فقد الشروط أو بعضها فإن نكاحها يفسخ قبل وبعد حيث لم يدخل ويطل، وأما إن دخل وطال الزمن فإنه لا يفسخ، والطول الحاصل بعد الدخول الذي يثبت به النكاح هو مدة تلد فيها ولدين غير توأمين بالفعل أو قدرها؛ وعمدة المصنف في هذا قول المتيطي إنه المشهور، وقال أبو الحسن: المشهور هو الفسخ أبدا مهما اختل بعض الشروط وهو الذي ذكره ابن حبيب وعزاه لمالك وأصحابه، وإذا فسخ هذا النكاح فالفسخ فيه بطلاق، وفيه الميراث بينهما إن مات أحدهما قبل الفسخ، ويكون فيه جميع الصداق المسمى في الموت قبل الدخول وبعده ونصفه إن طلق قبل الدخول وقبل الفسخ. قاله الإمام الحطاب.
وروى في البيان عن ابن القاسم أنه لا يفسخ لقوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ معناه أن لا تعدلوا في تزويجهن وهو دليل على جواز العقد عليهن قبل البلوغ إذ البالغ لا يقال لها يتيمة. قاله الش. وقال الأمير: ولا تزوج إلا البالغ أو يتيمة خيف فسادها ولو بفقر أو لم تأذن فتجبر على ما ارتضاه المتأخرون، ولا يشترط بلوغ عشر ولا غيره متى خيف الفساد وإلا صح إن
стр. 3676
دخل وطال ووجب مشاورة القاضي والأصح ولو لم يطل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما خوف الضيعة بعدم النفقة عليها فهو موجب لتزويجها وإن لم يوجد شرط من باقي الشروط. انتهى.
وقدم ابن هذا تبيين منه ﵀ للأولياء غير المجبرين المشار إليهم بقوله: "ثم لا جبر" يعني أن الابن مقدم في ولاية النكاح على سائر الأولياء كان من عشيرتها أم لا، ويقدم ولو من زنى إن ثيبت بحلال ثم زنت فأتت بولد منه، فإن ثيبت ابتداء بزنى فأتت به أو كانت مجنونة أو سفيهة قدم الأب ووصيه عليه، وقيل لا ولاية للابن إن كان من غير عشيرة الأم، وقوله: "وقدم ابن" هو المشهور، وقيل يقدم الأب على الابن. قاله أبو علي.
فابنه؛ يعني أنه يلي ابن الصلب ابنه وإن سفل فيقدم على سائر الأولياء عند عدم أبيه الذي هو ابن الصلب، وقد علمت أن المشهور تقديم الابن على الأب وأن مقابله تقديم الأب على الابن وسبب الخلاف النظر إلى قوة التعصيب وهي للابن في الميراث والولاء أو النظر إلى العطف والحنان والنسب وذلك للأب، وهذان القولان روايتان وهذا الخلاف جار في الابن وابنه، وقوله: "وقدم ابن" محله كما مر قريبا إن لم تكن في حجر أبيها أو حجر وصي لها وإلا فالأب مقدم على الابن، وكذا الوصي ووصي الوصي.
فأب يعني أنه إذا لم يكن للمرأة ولد ذكر فإن الأب يكون وليا لها في النكاح ويقدم على غيره من الأولياء، والمراد بالأب الأب الشرعي لا مطلق من خلقت من مائة؛ لأن الأب الزاني لا عبرة به، وقد تقدم أن الوصي بمنزلة الأب عند عدمِهِ. فأخ يعني أن الأخ يلي الأب في النكاح فيقدم على سائر الأولياء عند فقد الابن وابنه وأبي المرأة، والمراد بالأخ الأخ الشقيق والأخ الذي للأب لا الأخ للأم فلا ولاية له، وقد قيل إنه ولي من أولياء النسب وهو رواية علي ابن زياد، وقيل إن الخال ولي من أولياء النسب. قاله الشيخ ميارة.
فابنه يعني أنه يلي الأخ للمرأة في ولاية النكاح ابن الأخ وإن سفل، فيقدم على سائر الأولياء عند فقد الابن وابنه والأب والأخ. فجد يعني أنه يلي من تقدم في المرتبة جد المرأة من قبل أبيها، وما ذكره المصنف من تقديم الأخ وابنه على الجد هو المشهور وظاهره وإن علا، وقيل يقدم الجد وأبوه وإن علا عليهما وهو للمغيرة، وفي المواق أن هذا في الجد دنية فإنه هو الذي يقدم على العم وابنه
стр. 3677
دون الجد الأعلى، فيقدم العم وابنه عليه ويقدم الأقرب من الأجداد فالأقرب، ويجري نحوه في قوله: "فابنه". وما أحسن قول الشيخ علي الأجهوري:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة … نكاح أخا وابنا على الجد قدم
وعقل ووسِّطْهُ بباب حضانة … وسَوِّهْ مع الآباء في الإرث والدم
قوله: وسوه مع الآباء؛ أي آباء أبناء الإخوة فالمراد بالآباء الإخوة.
فعم يعني أنه يلي من تقدم في ولاية النكاح العم فيقدم على سائر الأولياء إذا لم يوجد أب ولا ابن ولا ابنه ولا جد ولا أخ ولا ابنه، فابنه يعني أنه إذا لم يوجد من تقدم من الأولياء فإن الولاية تكون لابن العم، فيقدم وإن بعد على من بعده. وقدم الشقيق يعني أن الأخ الشقيق يقدم على الذي للأب ويجري ذلك في بني الإخوة وفي الأعمام وبنيهم، وما تقدم من تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب هو قول مالك وابن القاسم وغيرهما في الواضحة ورواية علي هما سواء. اللخمي: اختلف في الأخوين أحدهما شقيق والآخر لأب، ففي الكتاب من رواية علي هما سواء، وقال مالك وابن القاسم وغيرهما في الواضحة: الشقيق أولى، قال: ويجري الخلاف في أبنائهما وفي العمين وأبنائهما، واختار تقديم الشقيق ابن القاسم وسحنون وغيرهما من أصحاب مالك المصريين والمدنيين قياسا على الإرث والولاء والصلاة عليها، بل جزم سحنون بعدم صحة مقابله، ولذا قال: عفى الأء. قال اللخمي: وتقديم الشقيق أحسن، ولذا قال: والمختار فهو معطوف على الأصح. قاله الش.
وأما الأخ للأم فقد تقدم أنه لا ولاية له كالجد للأم إلا بولاية الإسلام ونحوها، وروى علي بن زياد: إن زوَّج أخ لأم مضى النكاح، وقوله: "فعم فابنه"، ثم عم الأب فابنه ثم عم الجد فابنه وعليه الدرك في إسقاط هذه المراتب الأربعة، وقول التتائي: واكتفى بذكر العم لدخول عم الأب والجد فيه فيه نظر؛ لأنه يلزم عليه استواء المراتب. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وقدم الشقيق" أي مع استواء المرتبة وإلا فالأقرب، فالأخ للأب مقدم على ابن الأخ الشقيق. قاله الشبراخيتي.
стр. 3678
فمولى يعني أنه يلي من تقدم الولى الأعلى وهو المعتق بكسر التاء ثم عصبته نسبا ثم عصبته ولاء كمعتقة بكسر التاء وتوكل كما يأتي، فإن كان المعتق ذكرا باشر العقد وإذا اختلف مذهب الولي والزوجة عمل بمذهب الولي كالزكاة. قاله الشيخ عبد الباقي. ومعنى ما أشار إليه أنه إذا كانت الزوجد مذهبها يجيز مباشرتها للعقد ومذهب وليها لا يجيز ذلك فإن المعتبر مذهب الولي. قاله جامعه. والله سبحانه أعلم.
ثم هل الأسفل يعني أنه اختلف في المولى الأسفل على قولين إذا لم يوجد للمرأة عصبة نسب ولا موالٍ أعلون أحدهما تنتقل له الولاية عند فقد من ذكر فيعقد نكاح من أعتقه. ابن عبد السلام: جميع شراح المدونة فسروا ما وقع لمالك من ذلك في النكاح الأول منها بأن المولى الأسفل أحد الأولياء، ولم يذهب واحد منهم إلى أنه لا ولاية له، وإلى ما ذكره ابن عبد السلام أشار بقوله: وبه فسرت أي لم تفسر المدونة إلا بهذا أي بثبوت ولاية النكاح للمولى الأسفل عند فقد من تقدم، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، قال ابن عبد السلام: والصحيح أن له ولاية. ثانيهما أشار إليه بقوله: أولا يعني أنه كما قيل بثبوت الولاية للمولى الأسفل قيل أيضا أنه لا ولاية له، قال في الجلاب: لا ولاية له، وقال في الكافي: لا ولاية له، قال: وقيل له ذلك وليس بشيء وهكذا نقل ابن شأس عن الشيخ أبي عمر أن قول من قال له ولاية ليس بشيء. قاله الشارح.
وصحح يعني أن القول بأنه لا ولاية للأسفل صححه ابن الحاجب، قال في توضيحه: وهو القياس وهذا الخلاف إنما هو في المولى الأسفل المذكر، وأما الأنثى فلا ولاية لها كما نص عليه غير واحدث وقوله: "ثم هل الأسفل" ظاهره وإن نزل، ونظر فيه عبد الباقي، وأما معتق أبيها بفتح التاء أوأمها، فقال الشيخ عبد الباقي: الظاهر أنه لا ولاية له قطعا. ابن القاسم: سألت مالكا عن قول عمر ﵁ أو ذي الرأي من أهلها؟ قال: الرجل من العشيرة وابن العم أو المولى، فإنكاحه إياها جائز إن كان له الفضل والصلاح، ومراده بالمولى هنا الأسفل. قاله الشيخ أبو علي. تنبيه: اعلم أن المعتمد من القولين أن المولى الأسفل ثابتة له الولاية، ولهذا قال الشيخ أبو علي بعد أن جلب كثيرا من النقول: وقد تحصل من هذا قوة كون الأسفل وليا غاية بل مقابل هذا قد يدعى أنه ليس بشيء وإن قاله من قاله فإن الحق يجب اتباعه على من أنصف، وبالحق اتصف. انتهى.
стр. 3679
فكافل يعني أنه يلي من تقدم في الولاية الكافل وهو القائم بأمور المحضونة ولو أجنبيا من المحضونة فيزوجها بإذنها بعد بلوغها، وليس المراد بالكافل الحاضن فقط أي من يستحق الحضانة شرعا، قال فيها: قيل لمالك فرجال من الموالي يأخذون صبيان الأعراب قد أصابتهم السنة يكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا وفيهم الجارية فيريد الكافل أن يزوجها؟ فقال: ذلك جائز ومن أنظر لها منه أي لا أحد أنظر لها منه. عياض: يريد بعد بلوغها ورضاها، وفي الواضحة: وذلك إذا مات أبوها وغاب أهلها، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة على أنها غير ذات أب، وذهب ابن العطار وابن زرب إلى أن له تزويجها في حياة الأب إذا كان غائبا برضاها. قاله الش. وفي بعض كتب الموثقين: وتأول المدونة عليه أنه بغير رضاها وهو وهم منه أو من النقلة عنه. قاله الش وقال الشيخ أبو علي: اختلف الشيوخ في مسألة الكافل على فريقين، فمنهم من قال يجبر الكافل وإليه ذهب ابن رشد وابن العطار، ومنهم من قال لا يزوج إلا بعد البلوغ برضاها، والقائلون بهذا اختلفوا على ثلاثة أقوال، فمنهم من جعل الولي أولى وهو المعلوم من المذهب، وقيل الكافل أولى، وقال ابن العطار: هو كأحد الأولياء، وهل يوكل الكافل على عقد النكاح؟ منع ذلك ابن سهل، وأجازه ابن رشد. انتهى.
مسألة: الرجل يعطي ابنته لرجل هبة فينفق عليها حتى إذا بلغت أراد أخذها، فإن كانت لا تحل له مثل العم والخال فلا يأخذها أبوها إلا على الإساءة إليها وضرر منه بها لأن هبته إنما هي لرجل حضانة وأيضا فقد ملكه الانتفاع بها بنفقته عليها، وهذا إذا لم يكن لها من هو أحق بالحضانة كأمها، وأما إن لم يكن ذا محرم لها فليس ذلك بحسن. انظر شرح الشيخ سيدي الحسن بن رحال أبي علي ﵀. وقال الشيخ أبو علي: قال ابن القاسم: هبة الرجل ابنته لمن يحضنها أو يكفلها لا بأس بها ولا لأمها مقال إن فعله نظرا كالفقير المحتاج، وقال قبل هذا في المطلقة: لها منعها لحق حضانتها إلا لعجزه عن نفقتها فلا منع لها إلا أن تنفقها. انتهى. وقول المصنف: "فكافل"؛ أي ذكر فلا ولاية للكافلة الأنثى على المذهب كما في شرح الشيخ عبد الباقي وغيره.
стр. 3680
وقال الش أحمد بن عبد الله الدميري بهرام: واختلف في المرأة الكافلة هل تقدم على عقد نكاح المكفولة من شاءت أم لا؟ انتهى.
وهل إن كفل عشرا يعني أنه اختلف في حد الزمن الذي يكون به الكافل وليا لمكفولته، فقيل إن كفل عشرة أعوام وهو لبعض الموثقين، وقيل يكون وليا لها إن كفلها أربعة أعوام، وإليه أشار بقوله: أو أربعا وهو لأبي محمد صالح، وقيل: لا يحدد الزمن الذي تحصل به الكفالة فيكون وليا للمكفولة بالسنين، بل الزمن الذي يكون به كافلا زمن يشفق أي لابد أن يكفلها زمنا يشفق أي تحصل به الشفقة بالفعل، وإليه أشار بقوله: أو ما أي زمنا أو الزمن الذي يشفق أي زمنا يعد به مشفقا، وهو لأبي الحسن نص على هذا غير واحد. وقوله: تردد مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تردد لهؤلاء المتأخرين، ولو تأيمت المكفولة بموت أو طلاق فقيل تعود الولاية للكافل وقيل لا تعود له، وقيل إن كان فاضلا دينا عادت لولايته وإلا فلا، وقيل إن عادت لكفالته عادت لولايته وإلا فلا، حكى ذلك ابن عبد السلام وغيره. وقياس قول مالك بجواز نكاح الكافل هنا أن يجوز بيعه له، لكن نص مالك في كتاب القسم أنه لا يجوز بيعه له ولا قسمه عليه، وفي كتاب القسم أجاز قسم ملتقط اللقيط عليه إذا كان اللقيط في حجره، ومنعه أصبغ وهو شبيه بما هنا. والله تعالى أعلم. قاله الش.
وذكر مقابل عموم قوله: "فكافل"، بقوله: وظاهرها شرط الدناءة يعني أن ما تقدم من عموم ولاية الكافل للدنية والشريفة عند فقد من تقدمه من الأولياء مخالف لظاهر المدونة، فإن ظاهر المدونة أنه يشترط في ولاية الكافل لمكفولته أن تكون دنية أي لا قدر لها، وأما من لها قدر وغنى فإن مالكا قال: لا يزوجها إلا وليها أو السلطان، قال الشيخ عبد الباقي: والمعتمد ظاهرها إذ هو عندهم كالنص وهو ظاهر كلام ابن أبي زيد كما في ابن عرفة، وقال شيخنا ق: والمذهب الأول. انتهى. ويعني بقوله شيخنا ق إبراهيم اللقاني كما أفاد ذلك في أول كتابه. والله سبحانه أعلم.
فحاكم يعني أن ولاية السلطان لعقد النكاح متأخرة عما تقدم من المراتب وتأخرت عن سبب الولاء لأن المولى الأعلى كالعصبة عند عدمها، وقال ﵊: (الولاء لحمة كلحمة