ولم ير لباقيهن أثر. وفي رواية أنه قال من قال حين يركب البحر: بسم الله الملك لله يا من له السماوات خاضعة، والأرضون السبع طائعة، والجبال الشامخة خاشعة، والبحار الزاخرة خاضعة، احفظني فأنت خير حافظا، وأنت أرحم الراحمين، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين، وقال اركبوا فيها الآية. ثم التفت ابن عباس إلى أصحابه وقال: إن غرق قائلها أو عطب فعلي ديته. وعن عبد الله بن عمر قال: أمان من الغرق والتعب أن يقول من ركب البحر: بسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره الآية: وقال اركبوا فيها بسم الله الآية، فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك الآية، إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا الآية، إني توكلت على الله ربي وربكم الآية، والله من ورائهم محيط الآية: قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي.
ودخول وضده لمنزل يعني أن التسمية تشرع أي تندب عند دخول المنزل، وكذلك تشرع أي تندب عند الخروج من المنزل: فقوله: "وضده" مراده به الخروج من المنزل. وقوله: "لمنزل" راجع للأمرين، وهما الدخول والخروج. والله سبحانه أعلم. ويزيد في الدخول: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا. وفي الخروج: توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إني أعوذ بك أن أضل أوأضل، أو أزِل أو أزَل، أو أظلِم أو أظلَم، أو أجهل أو يُجهل علي، بسم الله التكلان على الله لا حول ولا قوة إلا بالله. قاله الشبراخيتي وقوله: "لمنزل" الظاهر أنه ظرف مستقر في موضع الصفة لما قبله. والله سبحانه أعلم ومسجد عطف على قوله "لمنزل"؛ يعني أن التسمية تشرع عند الدخول في المسجد أي تندب، وكذلك تشرع أي تندب عند الخروج منه، ويزيد في الدخول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وكذا في الخروج لكن يقول: أبواب فضلك، اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده، قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. ويقول أيضا عند دخول المسجد: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 422
ولبس بضم اللام؛ يعني أن التسمية تندب عند لبس الثوب، وكذا تندب عند نزعة. وفي الشامل: ولبس ثوب ونزعه. قاله الإمام الحطاب. ومثل الثوب نحوه من رداء وعمامة، ويزيد عند اللبس: اللهم إني اسألك من خيره وخير ما هو له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له، الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، وإن كان جديدا قال: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه اسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، قاله الشيخ إبراهيم. وجاء من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قالد الشيخ عبد الباقي.
وغلق باب يعني أن التسمية تندب عند غلق الباب وكذا فتحه فيما يظهر. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي. وإطفاء مصباح يعني أن التسمية تشرع أي تندب عند إطفاء المصباح، وكذا وَقِيده كما استظهره الشيخ أحمد الزرقاني. وقال الإمام الحطاب: وأما عند إغلاق الباب وإطفاء السراج ففي الحديث أنه يقول: بسم الله، فإن اقتصر عليه أجزأه، وانظر هل الأولى إضافة الرحمن الرحيم إلى ذلك في هذا الموضع الخاص، أو الاقتصار على ما يفهم من الحديث المذكور. انتهى ووطء يعني أن التسمية تندب عند الوطء المباح، وأما الوطء المحرم أو المكروه فهل تحرم فيهما، أو تكره فيهما، أو تحرم في المحرم وتكره في المكروه؟ أقوال ثلاثة، ومثلوا للوطء المكروه بوطء الجنب: ثانيا قبل غسل فرجه، ومنه وطؤه المؤدي إلى انتقاله للتيمم على ما يأتي في قوله: "ومنع مع عدم ماء تقبيل متوض وجماع مغتسل". وإذا قلنا إن التسمية في الوطء المباح مندوبة فيزيد معها: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ويقرأ قبله الإخلاص ثلاثا، ويسبح ويهلل ويكبر ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللهم ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدا يخرج من صلبي، ويُجْرِي على قلبه وقت الإنزال: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، ولا يتلفظ به. وروى ابن عباس عنه ﷺ أنه قال: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقيض بينهما ولد لم يضره
стр. 423
الشيطان أبدا (١)). عياض: قيل المراد به أنه لا يصرعه الشيطان، وقيل لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره، ولم يحمل على العموم في جميع الصور لوجود الوسوسة والإغراء؛ يعني الحمل على فعل المعاصي. انتهى. وهذا التأويل الأخير يرده الحديث الذي فيه أنه لا ينجوا من ذلك إلا عيسى ابن مريم وأمه صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢))، وقال الداوودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر.
وصعود خطيب منبرا يعني أن التسمية تندب للخطيب عند صعوده للمنبر، وكذا تندب في التلاوة: والنوم: وابتداء الطواف، وصلاة نافلة، ودخول خلاء، وخروج منه: ولا تشرع في حج، وعمرة، وأذان، وذكر، وصلاة فرض، ودعاء.
وتغميض ميت يعني أنه يندب لمن يغمض الميت أن يقول عند تغميضه بسم الله، ويزيد: وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه. قاله الشبراخيتي. وفي الحصن الحصين: عن مسلم (وإذا غمضه و (٣) دعا لنفسه بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما يقول اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة وفيه أيضا عنه: (اللهم اغفر لفلان وارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوره فيه (٤)).
ولحده يعني أنه يندب لمن يضع الميت في لحده أن يقول عند لحده؛ أي إلحاده؛ أي وضعه في اللحد: بسم الله قال أشهب: يستحب أن يقول بسم الله، وعلى ملة رسول الله (٥))، وإن دعا بغير ذلك فحسن. انتهى قاله الحطاب. وفي الحصن الحصين عن الحاكم في المستدرك: وإذا وضع في القبر قال: منها خلقنكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى، بسم الله، وفي سبيل الله،
стр. 424
وعلى ملة رسول الله (١)). وفي الحديث: لا وضوء لمن لم يسم الله (٢)). ابن حبيب: يعني بالتسمية أن ينوي طهر الصلاة، فمن لم ينو ذلك لم تجزه الصلاة، وإن كان سابغا مثل أن يتوضأ تنظفا وتبردا، وكذلك قال مالك. قاله الحطاب. ويقال مع التسمية عند إلحاده أيضا: اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت عنه فأنت أهل للعفو، أنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر [حسنته (٣)]، واغفر سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. نقله الشيخ إبراهيم. وفي الرياض أنه ليس يصحب المؤمن في قبره شيء خير من الاستغفار الكثير، وفيه أن عذاب القبر من ثلاثة أشياء: من الغيبة، والنميمة، والبول، وفيه: وليتعاهد قراءة تبارك الذي بيده الملك في كل ليلة، فإنه جاء (أنها المانعة من عذاب القبر (٤)).
ولا تندب إطالة الغرة يعني أن إطالة الغرة؛ وهي الزيادة في مغسول الوضوء على محل الفرض لا تندب، بل هي مكروهة؛ لأنها غلو في الدين. قاله ابن مرزوق. وأما خبر الصحيحين: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل (٥)) لا حجة فيه للمخالف؛ لأن قوله: فمن استطاع مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة كما نقله ابن تيمية وابن القيم وابن جماعة عن جمع من الحفاظ. وقال الحافظ بن حجر: لم أر هذه الزيادة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة؛ وهم عشرة، ولا من رواه عن أبي هريرة غير زيادة نعيم بن عبد الله هذه. انتهى؛ أي فهي شاذة، ولو سلم عدم الإدراج وعدم الشذوذ فلم يصحبه عمل أهل المدينة وهو عندنا من أصول الفقه، والمراد بالإطالة في الحديث: إدامة الوضوء
стр. 425
والمواظبة عليه لكل صلاة فتقوى غرته بتقوية نور أعضائه، والمنفي عندنا الزيادة على محل الفرض، وندب الوضوء لكل صلاة معلوم من باب التجديد، ولا يعلم من المصنف عين الحكم، وقد علمت أنه الكراهة. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عبد السلام: ينبغي عَدُّ إطالة الغرة من الفضائل لا ثبت فيها. قاله الشيخ إبراهيم، وقال هو وغيره: إن هذه الزيادة مما انفرد بها أبو هريرة، ولم يذكرها أحد ممن وصف وضوءه ﵊. انتهى. وقد مر الكلام على الغرة والتحجيل أول الفصل فراجعه إن شئت.
ومسح الرقبة يعني أن مسح الرقبة لا يندب في الوضوء، بل يكره لعدم وروده في وضوئه ﵊، وقال أبو حنيفة: إنه مندوب لخبر أبي نعيم عن أبي هريرة: (من توضأ ومسح يديه على عنقه أمن من الغل (١)). وترك مسح الأعضاء يعني أنه لا يندب للمتوضئ ترك مسح الأعضاء أي لا يندب له ترك تنشيفها بخرقة، بل يجوز خلافا للشافعية في استحبابهم ترك ذلك وكراهتهم له، وفي المدونة: لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء: وقيل لمالك: أيفعل ذلك قبل غسل رجليه ثم يغسل رجليه بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعله، وظاهر الجلاب منعه قبل تمامه لتفريق الطهارة من غير عذر، ولا حجة لندب عدم المسح في خبر ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوضا: (من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به: ومن لم يفعل فهو أفضل؛ لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال (٢))؛ لأنه ضعيف الإسناد: ولا حجة أيضا فيما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أنه كَرِهَ المنديل بعد الوضوء، وقال هو يوزن؛ لأنه قول مجتهد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: قيل لمالك أيفعل ذلك الخ أبو الحسن: إنما توهمه لما فيه من الشغل عن الوضوء وتفريقه، وقد جوز في الصلاة الشغل اليسير: وعفي عنه فيها، فكيف بالوضوء؟ وقد قالوا فيما يتعلق بالجبهة والكفين من التراب في الصلاة: إن له أن يزيل ذلك داخلها وأحرى خارجها: وقيل إنما يزيل ذلك خارج الصلاة، والأول شهره ابن ناجي، وفيها: ومن كثر التراب بجبهته أو كفيه فله مسحه. انتهى، فظاهرها مطلقا. قاله الثسيخ محمد بن الحسن.
стр. 426
وإن شك في ثالثة ففي كراهتها قولان يعني أن من تيقن غسلتين، وشك في الثالثة من غسلات وضوئه، فقد اختلف في كراهة الإتيان بغسلة لدفع الشك، والعلة في الكراهة احتمال كونها رابعة، وهي مكروهة أو ممنوعة كما مر، وعدم الكراهة فتكون باقية على الأمر بالإتيان بها كما في الصلاة فإنه قال: يصلي ما شك فيه؛ لأن الذمة لا تبرأ إلا بيقين. والقول بالكراهة قال ابن ناجي: هو الحق عندي، وبه أدركت كل من لقيته يفتي. قاله الإمام الحطاب. وقال في الشامل: هو الظاهر قاله الخرشي.
وعلم مما قررت أن الشك بين ثالثة ورابعة، وأما لو كان بين ثالثة وثانية فلا إشكال في إتيانه بها، وأن قوله: وهل تكره الرابعة أو تمنع في الرابعة المحققة قال كشكه في يوم عرفة يعني أن الإمام المازري قال من عند نفسه، يتخرج على هذين القولين المنصوص عليهما في الثالثة المشكوك في كونها رابعة قولان فيمن شك في يوم من ذي الحجة هل هو اليوم التاسع منه؟ وهو يوم عرفة، فيندب صومه، أو اليوم العاشر؟ وهو يوم النحر، فيمنع صومه. وحاصل هذا أنه إذا شك في اليوم التاسع من ذي الحجة أن يكون هو يوم النحر يجري في صومه قولان بين المنع والندب قياسا على الغسلة التي يشك في كونها ثالثة أو رابعة، فإن الشيوخ اختلفوا فيها على قولين بين الندب والكراهة وبما قررت علم أن مقابل الندب هنا المنع، وفي السابقة مقابل الندب الكراهة، خلاف ما قرره به الإمام الحطاب من أن مقابل الندب في مسألة الصوم الكراهة. وقوله: "في يوم عرفة" في بعض النسخ في صوم بزيادة لفظ "صوم" بين في ويوم عرفة، وهي غير ظاهرة لإيهامها أن الشك متعلق بالصوم لا باليوم، وبين المصنف حقيقة الشك بقوله هل هو العيد أي أن من شك في يوم هل هو العيد أو عرفةُ يجري فيه ما سبق. قال الشيخ عبد الباقي: ولو قال: كشكه في يوم هل هو عرفةُ أو العيد لسلم من إيهامه؛ لأن الحكم بأنه يوم عرفة ينافي الشك فيه، إلا أن يراد بالحكم بأنه يوم عرفة باعتبار ما أشيع عند الناس. وقال البرزلي: من توضأ في ظلمة كفاه غلبة ظنه أن الماء أتى على ما يجب تطهيره، ولا تندب إعادة الصلاة. قاله عز الدين. قاله الشيخ عبد الباقي. ويقبل إخبار الغير بكمال الوضوء والصوم كما في ابن عرفة، وينبغي تقييده بعدل رواية، وظاهره عدم قبول خبره ولو عَدْلَ رواية بأصل الوضوء أو بأصل الصوم والصلاة ليست كالوضوء فمن
стр. 427
أخبرته زوجته؛ وهي ثقة، أو أخبره عدل بأنه قد صلى، أو بأنه قد أتم أربعا، وليس المخبر مأمومه لم يرجع، لقوله: إلا المستنكح، لموافقته لما يبني عليه من الكمال في الثانية، ويرجع المستنكح لقول من ذكر. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 428
فصل يذكر فيه آداب قضاء الحاجة، وما يتعلق به من استنجاء واستجمار وغيرهما، وذلك ثلاثة أقسام: قسم عام في الفضاء والكنيف، وقسم خاص بالفضاء، وقسم خاص بالكنيف. وبدأ بالأول فقال: ندب لقاضي الحاجة جلوس؛ يعني أن الذي يريد قضاء حاجة البول يندب له الجلوس إذا كان الموضع رخوا طاهرا والرخو مثلث الراء الهش من كل شيء، وندب الجلوس؛ لأنه أقرب إلى الستر. وقال الشيخ محمد بن عبد الباقي: وبجواز البول قائما من غير كراهة قال عمر وابنه عبد الله ﵄، وزيد بن ثابت، وابن المسيب، وابن سيرين، والنخعي، وأحمد، وقال مالك إنه إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإلا كره. وكرهه تنزيها عامة العلماء ثم نَقَل عن الإمام ابن حجر أنه قال: وقد ثبت عن عمر وابنه وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياما، وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عنه شيء. انتهى.
ومنع برخو نجس هذه المسألة عكس التي قبلها في الطهارة؛ يعني أن الموضع إذا كان رخوا نجسا فإنه يمنع قضاء الحاجة فيه للجالس؛ أي حاجة البول، ويتعين عليه القيام، ومعنى المنع الكراهة؛ لأن غاية ما فيه التضمخ بالنجس، والمعتمد فيه الكراهة، وأما الموضع الصلب فإن كان طاهرا تعين الجلوس به؛ أي تأكد ندبه، وإن كان نجسا تنحى عنه قياما وقعودا؛ أي تأكد ندب تنحيه. وهذه الأقسام الأربعة إنما هي في البول من الذكر الفحل، وأما الغائط فلا يجوز إلا جالسا، ومثله بول المرأة، والخصي، والخنثى الشكل حيث بال من الفرج، والمراد بعدم الجواز في هذه: الكراهة الشديدة؛ لأن غاية ما يلزم في المخالفة التضمخ بالنجس، وهو مكروه على الراجح إلا لضرورة، وقول غير واحد: يجوز البول قائما؛ لأنه ﵊ فعله (١)). انتهى. معناه عدم الحرمة فلا ينافي أنه مكروه أو خلاف الأولى لا ما استوى طرفاه، وفي المدخل: اختلف في البول قائما فأجيز وكره، والمشهور الجواز إذا كان في موضع رخو لا يمكن الاطلاع عليه، فإنه يُسْتَشفى به من وجع الظهر، وعلى ذلك حملوا ما ورد عنه ﵊ (أنه أتى سبَاطَةَ
стр. 429
قوْم فبال قائما، رواه الشيخان وأبو داوود (١)). فمراده بالجواز نفي الكراهة الشديدة لا الجواز المستوي الطرفين لما علمت. وتؤول أيضا ما ورد عنه ﷺ على أن الموضع رخو نجس، وتعذر الانتقال عنه فإن القيام حينئذ مطلوب. قاله بناني. وقال مجاهد: ما بال ﷺ قائما إلا مرة واحدة. وقيل إنما فعله ﷺ قائما لقرب الناس منه، والبول قائما يؤمن معه خروج الصوت، والسباطة مَوْضِع طَرْحِ الكناسة. قال الشيخ عبد الباقي. والظاهر أن الاستشفاء لا يتقيد بكونه في موضع رخو وإنما أمر الأشياخ باجتناب الصلب النجس؛ لأنه إن قام خاف أن يتطاير عليه البول، وإن جلس خاف أن يتلطخ بنجاسة الموضع. انظر الحطاب.
قال جامعه عفا الله عنه: مقتضى هذا أنه لو كانت نجاسة الموضع الصلب حكمية لكان كالطاهر، فيتأكد ندب الجلوس به كما هو الظاهر، ويفيده قول الباجي: وإن كان الموضع دمثا، وهو مع ذلك قذر بال البائل فيه قائما لا جالسا؛ لأن جلوسه يفسد ثوبه ويأمن تطاير البول إذا وقف. اهـ. وندب الجلوس بالرخو الطاهر؛ لأنه أقرب للستر كما مر، وتعين الجلوس بالصلب الطاهر؛ لأنه يامن التلطخ بالنجاسة إن جلس، ولا يأمنها إن قام، وتعين القيام بالرخو النجس؛ لأنه يأمن التطاير في قيامة، وإن جلس خاف التلطخ.
وحاصل هذا أنه يجتنب النجاسة، ويفعل ما هو أقرب إلى الستر واجتناب النجاسة آكد من الستر إذا كان بموضع لا يرى فيه. قاله الإمام الحطاب. وما تقدم من أنه يتأكد ندب الجلوس بالصلب الطاهر، وأنه لا يجتنبه بالكلية كالصلب النجس خلاف ظاهر المص فيما يأتي، فإنه ذكر أن الصلب يتقى ولم يقيده بالنجس. قال ابن غازي: ولا أعرفه إلا لأبي حامد الغزالي. قال الحطاب: ذكر في الذخيرة عن الجواهر أن من الآداب أن يجتنب الموضع الصلب احترازا من الرشاش، وأطلق في ذلك، ولا شك أنه يخشى من تطاير البول فيه مطلقا سواء كان طاهرا أو نجسا فينبغي تجنبه ولكني لم أقف على ما ذكره عن الجواهر فيها، والذي رأيته فيها: وإن كان نجسا
стр. 430
صلبا اجتنبه وعدل إلى غيره. وفي العمدة والإرشاد أن من الأدب أن يطلب موضعا رخوا. قال شراحه: لا صلبا. وصرح بذلك ابن معلى في منسكه فقال: واتقاء الأرض الصلبة. وفي الشبراخيتي أنه يتقى في البول الروث والعظم فكما لا يستجمر بروث، ولا بعظم، لا يبول عليهما. والله سبحانه أعلم وللوانشريسي ﵀ ناظما للأقسام الأربعة المتقدمة:
بالطاهر الصلب اجلس … وقم برخو نجس
والنجس الصلب اجتنب … واجلس وقم إن تعكس
وقوله: "لقاضي الحاجة" هو من الكنايات المستحسنة.
واعلم أن ما مر من كراهة القيام في بول الفحل، أو كونه خلاف الأولى يقيد بغير القيام حيث كان المحل رخوا نجسا وتعذر الانتقال عنه، فإن القيام فيه مطلوب كما مر. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن بنَّانِي.
واعتماده على رِجْلٍ؛ يعني أن قاضي الحاجة يندب له أن يعتمد في حال قضاء الحاجة على رجله اليسرى؛ بأن يجعل معظم قوته على رجله اليسرى بأن يستوطئها، ويتوكأ على ركبته اليسرى، ويرفع عرقوب رجله اليمنى على صدرها؛ لأن هذه الصفات أسرع في خروج الحدث، وهذا إذا كان جالسا، لا إن بال قائما. كما في الشبراخيتي وفي الخرشي أنه يستحب الاعتماد المذكور بال قائما أو جالسا. والله سبحانه أعلم. وقالت الشافعية: إذا بال قائما فرج بين رجليه واعتمدهما معا. وظاهر المص كانت الحاجة بولا أو غائطا كذا يفيده الش في الكبير وابن العربي، ونحوه للشافعية. وخصه التتائي بالغائط، فلا يندب له ذلك إذا بال على ما للتتائي واسْتِنجاءٌ بيَد يعني أنه يستحب الاستنجاء باليد اليسرى، والاستنجاء إزالة ما في المحل بماء أو حجر؛ فإن الاستنجاء يطلق على إزالة ما في المحل بغسل أو مسح كما نص عليه غير واحد. وبما قررت علم أن قوله: يسريين صفة لرِجلٍ ويدٍ تابعة للفظ.
واستشكل بعدم التبعية لاختلاف الجارين وقد قال ابن مالك:
стр. 431
ونعتَ معمولي وحيدي معنى … وعمل أتبع بغير استثنا
فإن مفهومه امتناع الإتباع فيما إذا اختلف العاملان كما هنا. وأجيب بأن المسألة ذات خلاف، فما هنا مبني على أحد القولين؛
وأجيب أيضا بأنه نعت مقطوع عن التبعية منصوب بفعل تقديره: أعني واعترض بأن المنعوت هنا نكرة، وأجيب بأن محل المنع إنما هو في القطع الاختياري، لا في القطع الحاجي الذي لا مندوحة عنه كما هنا. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. وحيث كان الاستجمار باليد اليسرى فأمر الغائط واضح، وكذا حدث المرأة من قبلها، وأما الرجل فيمسك الحجر ونحوه بيمينه، وذكره بيسراه، ويحرك الذكر بيسراه إلى الحجر الذي هو ممسك له بيمينه، وإمساك الحجر بيمينه بمنزلة صب الماء في الاستنجاء، فلا يرد أنه إنما حصل بهما. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي شرح الشيخ ميارة عن المازري: يأخذ المستجمر ذكره بشماله يمسح به الحجر. عياض: إن لم يمكنه أمسك الحجر بيمينه، وحرك بشماله ذكره إليه. انتهى. وفي التتائي ويجعل الحجر في اليمنى، ويمسح ذكره بيده اليسرى حتى يجف. وقيل يجعل الحجر بين رجليه، ويضع ذكره عليه وقتا بعد وقت حتى يجف. وسيأتي صفة المسح عند قوله: "ووتره" وقوله: "واستنجاء بيد" لخ هو واضح إن كانت اليد تصل للمحل، فإن لم تصل كما لو كانت المرأة من السمن بحيث لا تصل إلى موضع النجاسة منها، فلا يجوز لها أن تترك غيرها يغسل لها ذلك من جارية أو غيرها ولا يجوز أن يكشف عليها غير زوجها، فإن أمكن زوجها أن يغسل لها ذلك فبها ونعمت، وله الأجر في ذلك والثواب الجزيل، وإن أبى فليس ذلك واجبا عليه، وتصلي هي بالنجاسة، ولا يكشف عليها أحد؛ لأن ستر العورة واجب اتفاقا، وإزالة النجاسة في الصلاة مختلف فيها على أربعة أقوال: أحدها الاستحباب، وما اختلف فيه فارتكابه أيسر من الذي لم يختلف فيه، وأما الرجل فإن كان لا يصل إلى ذلك بيده، فإنه يتعين عليه إن قدر أن يشتري جارية تلي ذلك منه، وإن تطوعت الزوجة بغسله لم يجب عليه شراء الجارية، ولا يحل له أن يكشف على عورته غير من ذكر، فإن لم يجد فصلاته بالنجاسة أخف من كشف عورته، وهذا
стр. 432
كله على مذهب الإمام مالك ﵀. نقله الحطاب. واعلم أنه يقال لليسرى يسار بالفتح والكسر، ويقال جلس على يَسرته ويَمنته بفتح أولهما وسكون ثانيهما؛ أي جلس على يساره أو يمينه.
وبَلّها قبلَ لقي الأَذى يعني أنه يستحب للمستنجي بالماء أن يبل يده قبل ملاقاتها للأذى؛ أي يبل ما يلاقي الأذى منها؛ وهو الخنصر والبنصر والوسطى كما نص عليه الشبراخيتي، فيبلها قبل غسل قبله ودبره كما في الرسالة والجواهر وغيرهما. قاله الحطاب. وفي شرح الشيخ ميارة ومنها أي من آداب قضاء الحاجة: أن يفرغ الماء على يده قبل أن يلاقي بها الأذى، وقوله: "لقي" بضم اللام وكسر القاف وتشديد المثناة التحيتة؛ أي ملاقاة، والأذى هنا شامل لنجاسة القبل والدبر، وندب بلها ليلا يقوى بها علوق الرائحة، فإذا بل ما يلاقي الأذى منها؛ وهي الأصابع الثلاثة الذكورد قبل أن يلاقي بهن الأذى لم يقوَ بهن علوق الرائحة فيسهل زواله، وإذا لاقت النجاسة وهي جافة تعلقت الرائحة باليد وتمكنت منها.
وغسلها بكتراب بعده أي بعد لقي الأذى؛ يعني أنه يندب للمستنجي أن يغسل يده بعد ملاقاتها للأذى بما يزيل علوق الرائحة منها من تراب أو رمل أو طين أو أشنان بضم الهمزة وكسرها كما في القاموس أو اذخر أو صابون أو نحو ذلك والباء للاستعانة، والندب منصَبٌّ على قوله: "بكتراب" وأما غسلها فعلى حكم النجاسة. وقوله: "وغسلها بكتراب بعده" هو فيما إذا استجمر بها ابتداءً، وفيما إذا استنجى بها من غير استجمار بلَّها فيهما قبل لقي الأذى، أم لا؟ وأما إذا استجمر بغيرها ثم استنجى بها فلا يندب غسلها بكتراب بعده؛ لأنه إنما لاقى بها حكم الأذى ويفيد المص هذه الصور الثلاث بجعل الضمير في قوله: "بعده" للقي الأذى وستر إلى محله أي محل قضاء الحاجة، ومعنى قوله: "ستر" إدامة ستر، يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يديم ستره؛ أي يترك ثوبه مسدولا عليه إلى أن يجلس في المحل الذي يريد فيه قضاء الحاجة، ولا يحمل على ظاهره أنه إذا وصل إلى محل قضاء الحاجة لم يطلب بعد ذلك بالستر، بل هو مطلوب به إلى الجلوس، فيستحب أن يديم الستر في حال انحطاطه إلى الجلوس حتى يجلس، لكونه أبلغ في الستر. ابن عبد السلام: يستحب أن يديم الستر إلى الجلوس إذا كان الموضع لا
стр. 433
يخشى على الثياب فيد من النجاسة، وإلا جاز كشف العورة قبل الجلوس، وفي الجواهر: وأن يديم الستر حتى يدنو من الأرض إن أمن نجاسة ثوبه. وذكر صاحب الطراز والقرافي عن الترمذي (أنه ﵊ كان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (١))؛ وقوله: "وستر إلى محله" محل الندب إذا كان لا يراه الناس، وإلا فالستر واجب. قاله الحطاب وغيره. وفي الحديث: (إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوا منهم وأكرموهم (٢))، وروي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ﵇ (إن استطعت أن لا تنظر عورتك الأرض فافعل). فاتخذ السراويل. وقوله: "إلى محله" قد تقدم أن الضمير عائد إلى قضاء الحاجة. ويحتمل أن يعود على الأذى؛ أي إلى محل خروج الأذى، فيفيد أنه يندب له إدامة ستر العورة إلى الجلوس، هذا حكم الجلوس لقضاء الحاجة. وأما القيام من محل قضاء الحاجة: فمذهب الشافعية أنه يندب له أن يرخي الستر شيئا فشيئا حتى يتم قيامه ما لم يخف تنجس ثوبه. فإن خافه رفع قدر حاجته. نقله الحطاب. قال: ولم أقف فيه على نص للمالكية. انتهى. قال جامعه عفا الله تعالى عنه: وقد نصوا على أن من لم يجد لإمامه كلاما في مسألة، يعمل فيها بكلام غيره من الأئمة إن وجده، ولا يخرج عن أقوال العلماء. وإعداد مزيله يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يُعِدَّ أي يهيئ أي يُحضر ما يزيل به عنه النجاسة مائعا كان أو جامدا، والضمير في مزيله؛ للأذى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: المندوب إعدادهما معا لا أحدهما فقط، ففي قواعد عياض: من آداب الأحداث أن يعد الماء والأحجار عنده. انتهى. ودليل ما ذكره المصنف قوله ﷺ : (اتقوا الملاعن وأعدوا النبل (٣)) جمع نبلة كغرفة وغرف والمحدثون يفتحون النون والباء. قاله في النهاية. وفي القاموس: النبل محركة عظام الحجارة وصغارها ضد، والحجارة يستنجى بها كالنبل كصرد. انتهى. وقال
стр. 434
المطرز: النبل بالضم والفتح حجارة الاستنجاء، والضم اختيار الأصمعي: وأما النبل بضم النون وسكون الموحدة فهو الفضل كما قال:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ … كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
ووتره يعني أنه يندب إيتار المزيل من ثلاث إلى سبع، فإذا لم ينق إلا بثمان فلا يطلب التاسع، والاثنان أفضل من الواحد، ومحل ندب الإيتار حيث أنقى بالشفع، وإلا وجب الوتر، ومحل الندب أيضا حيث كان المزيل جامدا، وأما الماء فلا يطلب فيه ذلك، ويحصل فضل الإيتار بحجر له شعب ثلاث، خلافا لابن شعبان وأبي الفرج القائلين: لابد من ثلاثة أحجار، وعلى ما لهما فهل يجب لكل مخرج ثلاث، أو تكفي الثلاث لهما معا؟ قولان. وصفة المسح قال ابن عرفة: وفي مسح المحل بكل حجر منها، أو لكل صفحة حجر والثالث لهما، ثالثها الثالث للمسربة للباجي مع الأكثر والأخفش والدارقطني لرواية حديثه انتهى وفي التتائي: وصفته؟ يعني المسح في الدبر أن يمسح الصفحة اليمنى بحجر، واليسرى بالثاني، والثالث للوسط. وقيل يمسح الجميع بكل واحد منها، وفي القبل لابد من تعميم المحل بالثلاثة. ذكره ابن فرحون.
وتقديم قبله يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يقدم قبله في الإنقاء استنجاء واستجمارا، وقيد بما إذا لم يقطر بوله عند مس دبره، وبما إذا لم يخش بتقديم قبله فوات الرفقة. قاله الشبراخيتي. وفي الحطاب عند قوله: "وتقديم قبله" قال سند هذا ما لم يكن ضرر يمنع ذلك كمن يحصل له قطر البول عند ملاقاة الماء لدبره، فإنه يغسل الدبر أولا، ثم القبل. انتهى.
وتَفريجُ فَخذيه أي يندب لقاضي الحاجة عند البول والغائط والاستنجاء أن يفرج بين فخذيه، لأنه أبلغ في استفراغ ما في المحل من الأذى، وليلا يتطاير عليه شيء من النجاسة لا يشعر به. انظر الشبراخيتي. واسترخاؤه يعني أنه يندب للمستنجي أن يسترخي في حال الاستنجاء، ويكون الاسترخات قليلا كما في الرسالة، وندب الاسترخاء ليلا ينقبض المحل على ما فيه من الأذى؛ وربما أدى الانقباض إلى الشك في طهارة الحدث لاحتمال خروجه من المخرج بعد الوضوء، وهذا يوجب نقض الطهارة. وعلله في المدخل بأنه يؤدي إلى الصلاة بالنجاسة، وقد شاع
стр. 435
أن الشيخ أبا محمد ريئ في النوم بعد موته؛ فقيل له ما فعل الله بك، فقال: غفر لي بقولي في الرسالة: ويسترخي قليلا، فإني لم أشق إليه، وهو منقول عن بعض الأصحاب لكنه اشتهر بإيداعه في الرسالة عند الصغار والكبار، فكأنه لم يسبق إليه أشار له العلامة ابن مرزوق، وكان على المصنف أن يقيد الاسترخاء بالقلة كما في الرسالة، وكذا في الغسل، فإنه يقيد بالقلة أيضا.
وَتَغطيةُ رأسه يعني أنه يندب لقاضي الحاجة حال قضاء الحاجة ومتعلقها كاستنجاء أن يغطي رأسه، وهل المراد أن لا يكون مكشوفا؟ وهو ما يفهم من الأبي وغيره، أو برداء ونحوه زيادة على المعتاد لما كان يفعله الصديق، طريقان: والطريق الأول لا يقتضي تغطية لحيته، بخلاف الثاني غالبا: والتغطية على الأول آكد ندبا منها على الثاني. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وتغطية رأسه بما يقي الشعر من علوق الرائحة، ولو بكمه أو طاقيته، بدليل أنه يكره أن يذهب للخلاء حاسرا عن رأسه: وأما قول الصديق ﵁ وهو يخطب: أيها الناس استحيوا من الله إذا خلوتم إني لأذهب لقضاء حاجتي مقنعا رأسي بردائي حياء من ربي، فإنما كان علي سبيل البالغة في الستر. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "وتغطية رأسه" ذكره ابن العربي في العارضة، ونقله عنه ابن عرفة، وعده أيضا في المدخل من الخصال المطلوبة. قال: وكذلك عند الجماع، ونقله الأبي عن الغزالي؛ ونصه: أن لا يدخل حاسر الرأس، قيل خوف أن تعلق الرائحة بشعر رأسه، وقيل لأن تغطية الرأس أجمع لمسام البدن وأسرع لخروج الحدث. انتهى. وقال الدميري الشافعي: ويندب أن لا يدخل حاسر الرأس، بل يستره ولو بكمه تخوفا من الجن. انتهى. كلام الحطاب. وقال الخرشي: ومن الآداب تغطية الرأس ولو بكمه خوفا من علوق الرائحة بالشعر، أو لأنه أسرع لخروج الحدث. انتهى وقال الشيخ محمد بن الحسن: وتغطية رأسه؛ أي حياء، وقيل خوف علوق الرائحة؛ ولأول هو المنصوص. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وتغطية الرأس لأنه أعون وأحفظ لمسام الشعر عن الرائحة. انتهى. فتحصل من هذا أن ندب تغطية الرأس معلل بخوف علوق الرائحة، وهو خلاف النصوص أنه يغطي حياء كما مر عن السيد الصديق ﵁؛ وقيل: لأنه أعون وأحفظ لمسام الرأس، وقيل: تخوفا من الجن، فتلك أربعة أقوال.
стр. 436
وعدم التفاته يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بعد جلوسه للحاجة ومتعلقها وهو الاستنجاء، أن لا يلتفت، وأما قبل جلوسه فيندب له أن يلتفت يمينا وشمالا، وندب أيضا عدم نظره للسماء، وعدم العبث بيده، وعدم نظر الفضلة، وأن لا يشتغل بغير ما هو فيه. قيل: من أدام النظر إلى ما يخرج منه ابتليَ بصفرة الوجه، ومن تفل على ما يخرج منه ابتليَ بصفرة الأسنان، ومن تمخط عند قضاء الحاجة ابتليَ بالصمم. وفي كتاب الشيخ الأمير: وترك الالتفات والكلام، ويورث الصمم فلا يشمت ولا يحمد ولا يجيب مؤذنا ولا مسلما ولا بعد الفراغ على الأظهر كالمجامع بخلاف الملبي والمؤذن، ويرد المصلى بالإشارة. انتهى. وقوله: "وعدم التفاته" قد علمت أنه بعد القعود، وأما قبله فيندب التفاته يمينا وشمالا كما مر. قال الإمام الحطاب: وذلك -والله أعلم- ليلا يكون هناك شيء يؤذيه، فإذا رآه بعد جلوسه قام وقطع عليه بوله، وربما نجس عليه ثيابه. وفي الزاهي: ولا يجلس حتى يلتفت يمينا وشمالا؟ ونحوه لابن العربي. وعد في المدخل من الآداب أن لا يقعد حتى يلتفت يمينا وشمالا انتهى.
وذكر ورد بعده يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يقول بعد الفراغ من قضاء الحاجة الذكر المأثور عن رسول الله ﷺ : (اللهم غفرانك الحمد لله الذي سوغنيه طيبا وأخرجه عني خبيثا (١))، وبذلك سمي نوح عبدا شكورا. ذكره ابن مرزوق. قاله الشيخ عبد الباقي. وروى الحاكم وصححه ابن خزيمة عن سلمان قال: (كان نوح إذا لبس ثوبا أو طعم طعاما حمد الله فسمي عبدا شكورا (٢))، ولعل الحمد على إخراجه خبيثا دون مجرد إخراجه، لأن خروجه غير خبيث يدل على المرض. وقوله: غفرانك؛ أي أسألك، أو اغفر غفرانك. ونقل الإمام الحطاب أنه ﷺ كان يقول إذا خرج من الخلاء: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (٣))، وربما قال: (غفرانك (٤)). رواه أبو داوود. وقال في الرسالة: وعند الخلاء يقول: الحمد لله الذي رزقني لذته، وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته، واستحب بعض الشافعية تكرير غفرانك
стр. 437
مرتين؛ وهي بالنصب أي أسألك غفرانك، أو اغفر غفرانك، ووجه سؤال المغفرة هنا، قال ابن العربي: هو العجز عن شكر النعمة في تيسر الغذاء؛ وإيصال المنفعة، وإخراج فضلته. وقال غيره: إنما ذلك لتركه الذكر حال الخلاء، فإنه ﷺ كان لا يترك الذكر إلا عليه، فرَآه تقصيرا. قال في الطراز: فيه نظر؛ لأنه إذا كان منهيا عن الذكر في تلك الحال، فإنه يثاب بتركه؛ وهذا مما يجب الحمد عليه لا الاستغفار، ونظر في الأول أيضا. لأن نعم الله لا تحصى، فكان يجب أن يستغفر متى أتته نعمة. وإنما الوجه أنه ﷺ كان يكثر الاستغفار حتى إنه ليُعدُّ له في المجلس الواحد مائة مرة، فجرف على عادته؛ لأن من كان دأبه الاستغفار تجدد عند حركاته وتقلباته يستغفر الله تعالى. انتهى.
وقبله يعني أنه يندب لمريد قضاء الحاجة أن يأتي بالذكر الذي كان النبي ﷺ يقوله قبل محل قضاء الحاجة؛ فإنه كان إذا دخل الخلاء، وفي رواية إذا أراد أن يدخل الخلاء، وفي أخرى إذا دخل الكنيف؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث الرجس النجس الضال المضل الشيطان الرجيم، والخبث بضم الباء جمع خبيث. ويروى بسكونها كما قاله الشيخ إبراهيم. والمراد بهم ذكران الشياطين والخبائث جمع خبيثة والمراد بها إناث الشياطين. واعلم أن التسمية تشرع عند دخول الخلاء؛ وضده، وتقدم على الاستعاذة عند الدخول، والظاهر تقديمها أيضا على الوارد بعده. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب: ويجمع مع هذا الذكر التسمية؛ فقد تقدم أن من المواضع التي تشرع فيها التسمية الدخول للخلاء والخروج منه؛ ويبدأ بالتسمية كما صرح به في الإرشاد. انتهى. ولفظ الإرشاد: ويقدم رجله اليسرى قائلا: (بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث (١)): وكان ﷺ معصوما من الشياطين؛ حتى الموكل، وقال ﷺ : (ستر ما بين الجن وبين عورة بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله (٢))؛ وكان ﷺ بعد نزول: والله يعصمك من الناس معصوما حتى من الإذاية في ظاهر الجسم. فهو معصوم من الناس بلا شرط الاستعاذة، ومغفور له بلا شرط الاستغفار؛
стр. 438
واستعاذته ﷺ واستغفاره لتعليم أمته، وقد ثبت أن الموكل به أسلم. قاله الشيخ عبد الباقي. ويقرأ النِّجس بكسر النون وسكون الجيم موافقة للرجس. قاله الشيخ ايراهيم. وحكمة تقديم هذا الذكر ما روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله (١)). قال الإمام الحطاب: والخلاء بالفتح والمد: الموضع الذي ليس فيه أحد، ثم نقل لموضع قضاء الحاجة، والستر هنا بكسر السين، وخص هذا الموضع بالاستعاذة لوجهين: أحدهما أنه خلاء، وللشيطان بعادة الله وقدرته تسلط بالخلاء ليس له في الملإ، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: (الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب (٢)). ثانيهما أنه موضع قذر ينزه ذكر الله فيه عن جريانه على اللسان؛ فيغتنم الشيطان عدم ذكره: لأن ذكر الله يطرد الشيطان، فأمر بالاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج. قاله الإمام الحطاب. قال غير واحد: وأخر المصنف قوله: "وقبله" ليرتب عليه قوله: فإن فات ففيه يعني أنه إذا فات الذكر الذي يقال قبل الدخول في موضع قضاء الحاجة، فإنه يقوله في المحل الذي يريد قضاء الحاجة فيه، ومعنى الفوات أن يدخل موضع الخلاء، والحال أنه لم يقله، وهذا ما لم يخرج منه شيء فيمنع منه حينئذ؛ أي يكره كما عليه اللخمي فيفعله ولو جلس. واقتصر عليه البرموني؛ والزرقاني. ولابن هارون أنه يفعله ما لم يجلس لقضاء الحاجة، واقتصر عليه الحطاب وبعض الشراح. قاله الشيخ إبراهيم. وإنما يقول الذكر القبلي إذا فات؛ بأن دخل موضع قضاء الحاجة إن لم يعد أي حيث لم يكن الموضع معدا لقضاء الحاجة كالكنيف، ومفهوم المصنف أنه إذا كان الموضع معدا لقضاء الحاجة لم يقله إن فات؛ أي دخل بجميع بدنه، أي يكره، وكذا برجل واحدة وإن لم يعتمد عليها فيما يظهر، وأمر بالاستعاذة في البناء المعد لقضاء الحاجة؛ لأنه منزل الشياطين، وفي الصحراء، لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي. وقيل إنه يقول الذكر القبلي بعد وصوله لموضع الخلاء، وإن كان معدا لقضاء الحاجة. حكاه ابن الحاجب فإنه قال:
стр. 439
وفي جوازه في المعد قولان، كالاستنجاء بالخاتم فيه ذكر. انتهى شبه الخلاف بمسألة الخاتم. والمعروف في الخاتم المنع، والرواية بالجواز منكرة، والمنع في الخاتم أقوى من الذكر لمماسة النجاسة له؛ قاله الإمام الحطاب. وفهم من كلام المصنف أنه يقول الذكر القبلي قبل وصوله إلى محل الحدث سواء كان معدا أم لا، وصرح بذلك في الجواهر، فقال: ويقدم الذكر قبل وصوله إلى محل الحدث. قاله الإمام الحطاب. انتهى
وسكوت يعني أنه يندب للمحدث في حال قضاء الحاجة ومتعلقها من استنجاء واستجمار ترك الكلام بالكلية ذكرا كان أو غيره، فإن الكلام في الخلاء يورث الصمم إلا من ضرورة، فلا يرد سلاما؛ ولا يجيب مؤذنا، ولا يشمت عاطسا، ولا يحمد إن عطس خلافا لما في المواق، وكذا الواطئ؛ ولا يردان السلام بعد الفراغ ولو بقي المسلم، بخلاف المؤذن والملبي فيردان بعد الفراغ. وجوبا فيما يظهر، وإن لم يبق المسلم قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الترمذي (أنه ﷺ مر عليه رجل وهو يبول؛ وسلم عليه فلم يرد عليه (١))؛ لأن ذلك المحل مما يطلب ستره وإخفاؤه؛ والكلام فيه يقتضي ضد ذلك، (وورد النهي عن الحديث على الغائط (٢)) إلا لمهم يعني أن محل ندب السكوت لقاضي الحاجة حيث لم يَنُبهُ أمر مهم، وأما إن نابه أمر مهم فلا يندب له السكوت، بل يجوز له التكلم كتعوذ لارتياع، أو يندب كطلب مزيل، أو يجب كخوف تلف نفس أو مال له بال.
ولما تكلم على الآداب المشتركة بين الفضاء والكنيف، ذكر الآداب المختصة بالفضاء فقال: وبالقضاء تستر يعني أنه يستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء -زيادة على ما مر- أن يستتر أي يختفي عن الناس بجثته بتمامها بأن يستتر بكشجرة أو جدار أو كثيب أو مكان منخفض وليس المراد به خرقة يجعلها على رأسه لا تواري جثته، لأن الفضاء كاشف. وروى أبو داوود وصححه ابن حبان أنه ﵊ قال: (من أتى الغائط فليستتر، وإن لم يجد
стр. 440
إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستتر به، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم (١))، وقوله: "وبالفضاء" معطوف على مقدر عام؛ أي ندب لقاضي الحاجة كذا وكذا بكل مكان، وندب له مع ذلك بالفضاء تستر قاله الشبراخيتي. وأمر ﷺ بالسترة ليلا يقع عليه بصر أو تهبَّ عليه ريح فتصيبه نجاسة، وكذا كل من لعب به الشيطان وقصده بالأذى. ومعنى قوله ﷺ : يلعب بمقاعد بني آدم أنه يحضرها ويرصدها بالأذى.
وبعد يعني أنه يستحب للمتخلي أن يبعد عن الناس في الغائط بحيث لا يرى له شخص، ولا يسمع له صوت، ولا تشم له رائحة، وفي البول بحيث يستتر، ويامن سماع الصوت. قال عياض: من آداب الأحداث إبعاد الذاهب إلى الغائط في الصحراء، وحيث تتعدد الجدران بحيث لا يرى له شخص، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له ريح. القباب: وللبول بحيث يستتر ويأمن سماع الصوت. نقله الشيخ ميارة. وقد صح عنه ﷺ (أنه كان إذا أراد الغائط أبعد (٢))، وفي حديث أبي داوود والترمذي (أنه ﷺ كان إذا أراد البراز أبعد حتى لا يراه أحد (٣))، البراز بفتح الباء: الفضاء الواسع، كنَّوا به عن موضع قضاء الحاجة كما كنوا عنه بالخلاء. انظر الشبراخيتي. وفي التيسير: البراز بفتح الباء موضع قضاء الحاجة، وإنما لم يكتف المصنف بالتستر عن البعد، لأنه قد يستتر بشيء، ولا يكون بعيدا بحيث يسمع ما يخرج منه، فيندب له البعد بحيث لا يسمع له صوت؛ ولا تشم له رائحة، وأما ما ورد عنه ﷺ (أنه كان بمكة إذا أراد قضاء الحاجة ذهب نحو الميلين) فمحمول على قصد تعظيم الحرم لا للتستر. قاله غير واحد. وقوله: "وبعد" قال الشيخ عبد الباقي، وبعد عن الناس حتى لا يسمع ما يخرج منه على الوجه الغالب مما يخرج من الناس، وبعد جدا فيمن يظن خروج شيء منه بصوت قوي زائد عن عادة الناس؛ كذا يظهر. انتهى.
стр. 441
(واتقاء جُحْر) بضم الجيم قبل الحاء المهملة الساكنة، الثقب المستدير، ويلحق به المستطيل، ويسمى سربا بفتح السين؛ يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتقي الجحر، (لأنه ﷺ نهى عن ذلك (١)) رواه أبو داوود والترمذي. قاله الإمام الحطاب. وفي الشبراخيتي عند قوله: "واتقاء جحر" لخبر: (لا يبولن أحدكم في جحر (٢))؛ وإنما طلب اتقاؤه خوفا من خروج الهوام فتؤذيه على أحد قولين، والآخر أن علة النهي كونه مسكن الجن. وقد قيل إن سبب موت سيدنا سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه بالشام: بوله في جحر. وقيل إنه كان بالشام فقام ليلا فبال قائما، فلم تمض له جمعة حتى مات ﵁. وقوله: "واتقاء جحر" هذا إذا لاقاه بعين الذكر: واختلف إذا بال بعيدا عنه: ويصل إليه بوله، فقيل مكروه، وقيل يباح لبعده عن الحشرات. وهو قول ابن حبيب، وعليه ابن عرفة، وعلى الأول ابن عبد السلام: ورده ابن عرفة بأن حركة الجن في فراغ المهواة لا في سطح محيطها، وظاهر المصنف العموم في البول والغائط. وظاهر ابن عرفة اختصاصه بالبول. ونقل أحمد عن الشيخ زروق عن بعض الشافعية: ينبغي أن يعِدَّ ما يبول فيه ليلا، فإن لم يكن فلا يبول في مرحاض ونحوه حتى يضرب برجله مرتين أو ثلاثا لتنفير الهوام مخافة أن تؤذيه وعد في المدخل من الخصال المطلوبة أن لا يستنجي في موضع قضاء الحاجة؛ وفي الترمذي أنه ﵊ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه (٣)) قال الدميري من الشافعية: هذا إذا لم يكن مسلك يذهب فيه البول، وهذا في الاستنجاء بالماء، وأما إذا استنجى بغير الماء فلا يندب له ذلك أيضا؛ قاله الشافعية أيضا، وهو ظاهر. قاله الإمام الحطاب.
وريح يعني أند يندب لقاضي الحاجة أن يتقي مهاب الريح، ولو ساكنة في البول والغائط الرقيق: ومن جملة مهب الريح المراحيض التي فيها منفذ يدخل منه الريح ويخرج من آخر، فينبغي أن يبول في وعاء، ثم يفرغه في المرحاض أو يبول على الأرض بالقرب من المرحاض بحيث يسيل
стр. 442
إليه. قاله الشيخ إبراهيم. وندب اتقاء الريح مخافة من رد الأذى عليه فيتنجس. وذكر القرطبي في تفسيره ما نصه: قال العلماء الريح يحرك الهواء، وقد يشتد ويضعف، فإذا حركت الهواء من تجاه القبلة ذاهبة إلى ورائها قيل لتلك الريح الصبا، وإذا حركته من وراء القبلة ذاهبة إلى تجاهها قيل لتلك الريح الدبور، وإذا حركته عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها قيل لتلك الريح الجنوب، وعكسه ريح الشمال ولكل واحدة طبع فتكون منفعتها بحسب طبعها، فالصبا حارة يابسة، والدبور باردة رطبة، والجنوب حارة رطبة، والشمال باردة يابسة. وكل ريح بين ريحين فحكمها حكم الريح التي تكون في هبوبها أقرب إلى مكانها، وتسمى النكباء، وذكر أيضا أنه روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الرياح ثمان (١)) أربع منها عذاب، وأربع منها رحمة فالعذاب منها العاصف والصرصر والعقيم والقاصف، والرحمة منها الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات فيرسل الله المرسلات فتثير السحاب، ثم يرسل الناشرات فتنشر ما أراده. انتهى. نقله الشبراخيتي.
ومورد يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا أن يتقي المورد؛ أي يتجنبه بقضاء الحاجة فيه، والمورد طريق الشرب، والاستقاء من الماء. وقال الحطاب: المورد موضع الورود من الأنهار والآبار والعيون. انتهى. قال: وقال في الإكمال الورد ضفَّة النهر، ومشارع المياه، وإذا اتقى المورد فالماء نفسه أحرى، ويوجد التصريح به في بعض النسخ، ولا حاجة إليه. وفي حديث مسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (٢))، قال القاضي عياض: هو نهي كراهةٍ وإرشاد، وهو في القليل أشد؛ لأنه يفسده. وقيل النهي للتحريم، لأن الماء قد يفسد لتكرر البائلين، ويظن المار أنه تغير من قراره، ويلحق بالبول التغوط فيه، وصب النجاسة. قاله الإمام الحطاب. ابن ناجي: الجاري على أصل المذهب أن الكراهة على التحريم في القليل؛ إذ قد يتغير منه فيظن أنه من قراره، وعزاه عياض لبعضهم. وأما الكثير فعلى بابها، قال بعض الشافعية: ولو قيل بالتحريم لم يكن بعيدا، والضفة بكسر الضاد المعجمة جانب النهر، وضفتاه جانباه. قاله في الصحاح. وحكى
стр. 443
صاحب النهاية: فيه الفتح. نقله الإمام الحطاب. وفي بعض النسخ: وشط وماء دائم بعد قوله: "ومورد" والشط للنهر؛ والبحر: والدائم الراكد؛ وظاهره ولو كثر، وبه صرح ابن عرفة. وفي التلقين: إلا أن يكثر جدا كالمستبحر وصرحوا بجوازه في الجاري ولا حاجة إلى هذه النسخة إن فسر المورد بما يمكن منه الورود لا إن فسر بما عتيد للورود. قاله غير واحد.
وطريق يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا -وهو أشد- أن يتقي الطريق. قال في النوادر: ويكره أن يتغوط في ظل الجدار؛ والشجر، وقارعة الطريق، وضفة الماء، وقربه. انتهى. وروي أبو داوود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق: والظل (١)). انتهى. والملاعن جمع ملعنة: وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها كأنه مظنة للعن، ومحل له؛ لأن الناس إذا مروا به لعنوا فاعله. قاله في النهاية. وقال ابن راشد: جمع ملعن اسم مكان، وقوله: البراز بكسر الباء على ما استصوبه النووي؛ وهو الغائط، والموارد جمع مورد وقد تقدم بيانه؛ وروى أبو داوود أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : (اتقوا اللاعنين قالوا وما اللاعنان؛ قال: الذي يتخلى في طرق الناس أو ظلهم (٢)). قال في النهاية: اتقوا اللاعنين؛ أي الأمرين الجالبين للَّعن الباعثين للناس عليه؛ فإنه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وليس كل ظل، وإنما هو الظل الذي يستظل به الناس كما يأتي قريبا إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: اتقوا الملاعن. قال في الذخيرة: سميت ملاعن من باب تسمية المكان بما يقع فيه كتسمية الحرم حرما، والبلد آمنا لما حل فيهما من تحريم الصيد. وأمنه. وفي حديث بلفظ (اللعانين (٣)) بصيغة المبالغة، قالوا: يا رسول الله وما اللعانان؟ الحديث. قوله: "وطريق" هو أعم مما قبله؛ لأن المورد طريق النهر، وطريق العين، وطريق البير فذكره تبركا بالحديث. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 444
وظل يعني أنه يندب لقاضي الحاجة بولا أو غائطا أن يتقي بحدثه الظل الذي يستظل به الناس، ويتخذونه مقيلا ومناخا، وكذا مجلسهم بشمس أيام الشتاء، أو قمر، (وقد قضاها ﷺ تحت حائش (١))، أي نخل ملتف؛ ومعلوم أن له ظلا. وفي الحديث (أنه كان أحب إليه ما استتر إليه حائش نخل أو حائط (٢)) والحائش هو النخل الملتف، كأنه يحوش بعضه إلى بعض، وهو بالحاء المهملة والشين المعجمة. وقال في المدخل في آداب الاستنجاء: أن يتجنب بيَعَ اليهود؛ وكنائس النصارى ليلا يفعلوا ذلك بمساجدنا. كما نهي عن سب الآلهة المدعوة من دون الله ليلا يسب الله؛ ويكره البول في الأواني النفيسة، ويحرم في أواني الذهب والفضة لحرمة اتخاذها واستعمالها. قاله الإمام الحطاب.
وصلب يعني أنه يندب لقاضي الحاجة أن يتقيَ الصلب، وظاهره الإطلاق، وهم قيدوه بالنجس. وأما الطاهر الصلب فيتأكد ندب الجلوس به، وما ذكره المصنف من الإطلاق، قال ابن غازي: لا أعرفه إلا لأبي حامد الغزالي. قاله الحطاب. وقال ذكر في الذخيرة عن الجواهر أن من الآداب أن يتجنب الموضع الصلب احترازا من الرشاش وأطلق في ذلك، ولا شك أنه يخشى من تطاير البول فيه مطلقا سواء كان طاهرا أو نجسا فينبغي تجنبه، ولكني لم أقف على ما ذكره عن الجواهر فيها، والذي رأيت فيها وإن كان نجسا صلبا اجتنبه وعدل إلى غيره. وفي العمدة والإرشاد أن من الآداب أن يطلب موضعا رخوا. قال شراحه: لا صلبا، وصرح بذلك ابن معلى في منسكه، فقال: واتقاء الأرض الصلبة. انتهى. والصلب بضم الصاد وسكون اللام، الموضع الشديد، ويقال أيضا بفتح الصاد وبضم اللام وبضم الصاد وفتح اللام مشددة.
وبكنيف نحى ذكر الله هذا هو القسم الخاص بالكنيف، يعني أنه إذا كان يريد قضاء الحاجة بكنيف فإنه لا بد له من أن ينحى؛ أي يبعد ذكر الله عن الكنيف كان الذكر نطقا بأن يسكت؛ أو غيره بأن يكون مصاحبا له مكتوبا عنده في شيء خاتما أو رقا أو غيرهما، فيزيله ويبعده فيترك
стр. 445
النطق بالقرآن وجوبا في الكنيف، والمكتوب فيه ندبا كغير القرآن مطلقا، وهذا إذا لم يكن المكتوب بساتر، وإلا جاز، والمراد بالساتر ما يكنه من جلد وغيره، والظاهر أن الجيب لا يكفي؛ لأنه ظرف متسع. قاله الرماصي. نقله بناني. والكنيف بفتح الكاف الموضع العد لقضاء الحاجة، ويسمى: المذهب، والمرفق، والمرحاض: والحُش، والمستراح، وبيت الراحة. وفي حديث أبي أيوب: (وجدنا مرافقهم قد استقبل بها القبلة (١))؛ يعني مراحيضهم، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس. والمرحاض مأخوذ من الرحض، وهو الغسل، وفي الصحاح رحضت يدي وثوبي أرحضه رحضا عسلته، والحش بفتح الحاء وجمعه حشوش بضم الحاء، وأصله من الحش بضم الحاء وفتحها؛ وهو النخل المجتمع كانوا يستترون به عند قضاء الحاجة. أو من الحش بالفتح، وهو الدبر؛ لأنه يكشف عند الكنيف، والمحشة أيضا الدبر. وفي الحديث: (نهى رسول الله ﷺ عن محاش النساء (٢))، ويقال لموضع قضاء الحاجة الخلاء بالمد، وأصله المكان الخالي: وأورد فيه حديثا. وقيل إنه يتخلى فيه؛ أي يتبرز فيه، وجمعه أخلية والكرياس الكنيف بياء مثناة تحتية من الكرس للبول، والبعر المتلبد. وفي حديث أبي أيوب: (وما أدري ما يصنع بهذه الكراييس (٣))؛ وهي مراحيض تكون في السطوح، والبراز بالكسر ثفل الغذاء، وبالفتح اسم للفضاء الواسع. وفي الحديث: (كان إذا أراد البراز أبعد (٤)). وفي الحديث أيضا: (اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق (٥)). وفي الحطاب: قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة: البراز بالكسر ثفل الغذاء، وهو الغائط، وأكتر الرواة عليه، فيتعين المصير إليه ولأن المعنى عليه ظاهر، ولا يظهر معنى الفضاء الواسع هنا إلا بكلفة فإذا لم تكن الرواة عليه لم يصر إليه. انتهى. بخلاف الحديث الأول فإنه يتعين فيه الفتح كما تقدم عن النهاية. قاله الحطاب. ولابد من الرجوع لتوضيح كلام المنصف. قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: محصل ما في الحطاب وغيره أن
стр. 446
المعتمد حرمة قراءة القرءان في الكنيف، وأما الذكر فيه أو الدخول بما فيه ذكر أو قرءان فمكروه، وما يفهم من كلام التوضيح، وابن عبد السلام، والشارح من التحريم غير ظاهر، وأطلق الحطاب كراهة الدخول بما فيه قرءان فظاهره سواء كان كاملا أم لا. واستظهر الشيخ علي الأجهوري التحريم في الكامل. انتهى. ومقابل المعتمد يقول بجواز ذلك، وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد، ومن كلام عياض في الإكمال، ومن كلام صاحب الطراز، ومن كلام البرزلي، وعلى هذا فيحمد إذا عطس وهو يبول كما أجاب به ابن القاسم من سأله عن ذلك؛ فقال له: نعم، والدليل لابن القاسم من جهة الأثر أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث (١))، وما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله في أحيانه (٢))، ومن طريق النظر أن ذكر الله يصعد إلى الله فلا يتعلق به من دناءة الموضع شيء، قال الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فلا ينبغي أن يمنع من ذكر الله إلا بنص ليس فيه احتمال، وما روي عن ابن عباس من تأويل إذا دخل الخلاء على معنى إذا أرادكما هو موجود في بعض الآثار، فإن ثبت فأكثر ما فيه ارتفاع النص على الجواز لا المنع، وإن لم يثبت المنع وجب أن يبقى على الأصل في جواز الذكر عموما، وما روي من أنه ﷺ سلم عليه رجل وهو يبول فقال: (إذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم فإنك إن فعلت لم أرد عليك (٣)) لا دليل فيه، فقد يحتمل أن عدم رده في تلك الحالة بعد أن نهاه أدب له على مخالفته، ولكونه على غير طهارة على ما كان عليه في أول الإسلام أنه لا يذكر الله إلا على طهارة حتى نسخ ذلك انتهى. قاله الحطاب.
واعلم أنه لا ينبغي أن يختلف في استحباب ترك الذكر والقراءة من غير ضرورة في ذلك الموضع، ولا في استحباب ترك النزول إليه بكل ما فيه ذكر، وأن الجواز إذا أطلق في ذلك فالمعنى أنه
стр. 447
ليست فيه كراهة شديدة لا أنه مستوي الطرفين أعني فعله وتركه؛ لأن السكوت عن كل كلام مستحب. قاله الحطاب.
واعلم أن القراءة في الطرق مكروهة. واعلم أن الذكر عند نفس قفاء الحاجة، ونفس الجماع لا يكره بالقلب إجماعا، وأما الذكر باللسان حالته فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه ولا نقل عن أحد من الصحابة، بل يكفي في هذه الحالة الحياء والمراقبة. وذكر نعم الله تعالى في إخراج هذا القذر المؤذي الذي لو لم يخرج لقتل صاحبه، وهذا من أعظم الذكر، ولو لم يكن باللسان. قاله الحطاب. وقد كره مالك أن تعطى الدراهم فيها أسماء الفه تعالى اليهودَ والنصارى، والحامل من كلامهم في مسألة الاستنجاء بالخاتم الذي فيه ذكر الله ثلاثة أقوال: التحريم؛ وهو الذي يفهم من كلام التوضيح وابن عبد السلام وابن العربي وصاحب المدخل، وهو الراجح لملاقاة اسم الله للقذر، وليس كدخول الكنيف به للعلة المذكورة. والكراهة والجواز؛ وهو غير ظاهر، وهي رواية منكرة. قال في الدخل: هي رواية منكرة عند أهل المذهب من آخرهم، ومثل هذا لا ينبغي أن ينسب إلى آحاد العلماء فضلا عن الإمام مالك. انتهى. وفي المدخل: ولم يمنع الشارع من ذكر الله تعالى في حال من الأحوال إلا في موضع الخلاء فإنه يكره، ولا بأس بذكر الله هنالك للارتياع وما يشبهه، وليس بمكروه. انتهى. ويجوز نقش اسم الله تعالى في الخاتم على المشهور وهو الصحيح، وقيل لا يجوز، وقد روي عن ابن عباس أنه يكره ذكر الله على حالتين على خلائه، وهو يواقع أهله. البرزلي: وأما قراءة القرآن أو الذكر في المواضع الدنِسَة بنجاسة أو قذارة فينبغي أن ينزه ذكر الله عن ذلك، وقال مالك ﵀: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله فيعطاها نجسا فأعظم ذلك إعظاما شديدا، وكرهه وفي آخر كتاب الفروق أنه يكره الدعاء في مواضع النجاسات والقاذورات. قاله الحطاب.
وعلم مما قررت أن قوله: "وبكنيف نحى ذكر الله" لا فرق بين كونه مكتوبا في رقاع أو منقوشا في خاتم ونحوه كما في الشارح. وفي الحديث أنه ﷺ : (كان إذا دخل الخلاء نزع
стр. 448
خاتمه (١))، وقال الشيخ عبد الباقي ومفهوم قوله: "بكنيف" عدم وجوب وندب تنحية ما ذكر بموضع أحدث فيه غير كنيف، وفي كراهة قراءته بعده به وحرمتها قولان. واتفق على المنع حال نزول خبث واستبراء بغير كنيف. انتهى. وفيه: ومنع أيضا استنجاء بيد فيها خاتم فيه اسم الله واسمُ نبي من الأنبياء كاسم الله على الأصح. وفيه: أنه يجوز الدخول بالقرءان لارتياع أو خوف ضياع مستورا فيهما كالتحرز ببعضه فقط بساتر لا بجميعه فيما يظهر.
ويقدم يسراه دخولا يعني أنه يستحب لقاضي الحاجة عند دخول الكنيف أن يقدم رجله اليسرى في دخوله للكنيف. وقوله: "دخولا" منصوب على نزع الخافض أي في الدخول. ويمناه خروجا يعني أنه يستحب لقاضي الحاجة أن يقدم يمينه في خروجه من الكنيف، وبما قررت علم أن التيامن مندوب في حالة الخروج من الكنيف، والتياسر مندوب في حالة دخوله فهما مندوبان. وفي الأمير عاطفا على ما هو مطلوب: وتياسر بالدخول وتيامن بالخروج. انتهى. وهذا الأدب خاص بالكنيف لقاعدة الشرع أن ما كان من باب التشريف يندب فيه التيامن كلبس سراويل، وخف، وترجيل شعر، وحلق رأس، وخروج من حمام، وفنادق، وما كان بضده ندب فيه التياسر كنزع نعل، وخف؛ وسراويل، وخروج من مسجد، ودخول فندق، وحمام، ومرحاض، وموضع ظلم، ومعصية، وسوق. واختلف في لبس خاتم، وإزالة أذى من أنفه وامتخاط، والراجح ندب التياسر في الثلاثة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الدميري من الشافعية: وهذا الأدب لا يختص بالبنيان عند الأكثر، بل يقدم اليسرى إذا بلغ موضع جلوسه من الصحراء، فإذا فرغ قدم اليمنى. وروى الترمذي الحكيم عن أبي هريرة ﵁ أنه من بدأ برجله اليمنى قبل اليسرى إذا دخل الخلاء ابتلى بالفقر، ولو قطعت رجله، واعتمد على عصا فالمتجه إلحاقها بالرجل. قاله الأسنوي. قاله الحطاب.
стр. 449
عكس مسجد إما: منصوب بفعل محذوف على كلام البساطي؛ أي يفعل ذلك عكس مسجد؛ أو مرفوع خبر مبتدإ محذوف على كلام التتائي، أي وذلك عكس فعل مسجد. قاله الخرشي؛ يعني أن المسجد عكس الكنيف فيما مر، فإنه يندب له أن يقدم اليمنى في دخوله للمسجد، واليسرى في الخروج منه؛ ويضع يسراه على ظاهر نعله ليقدم اليمنى في اللبس عند الخروج، ويخلع يسراه قبل يمناه؛ ويجعلها على ظاهر النعل، ثم يخلع اليمنى فيدخل بها قبل اليسرى.
والمنزل يمناه بهما يعني أن اليمنى تقدم في الدخول في المنزل والخروج منه. وقوله: "والمنزل" مبتدأ وخبره محذوف، والباء بمعنى في، أي والمنزل يقدم يمناه في خروجه منه ودخوله له، ويغلب جانب المسجد المتصل بمنزل، ويغلب أفضل المسجدين، والأشد حرمة فإن استويا خير، وليس من الأفضل الجامع الأزهر بالنسبة للجوهرية، أو الطيمرسية أو الابتغاوية باعتبار ذاته نعم إن ثبت أن الأفضلية له باعبتار ما يتلى به من قرآن أو تدريس علم فظاهر. وأطبق المشايخ في فتواهم على حرمة فتح باب الجوهرية، وما ذكر معها في الجامع الأزهر؛ لأن فيه هدم حائط السجد.
وجاز بمنزل وطء يعني أن المنزل أي المسكن بمدن أو قرى يجوز الوطء فيه مع استقبال القبلة واستدبارها. وبول يعني أنه يجوز للشخص أن يبول بالمنزل حال كونه مستقبلا للقملة ومستدبرا لها. وغائط يعني أنه يجوز للشخص أن يتغوط حال كونه مستقبلا للقبلة ومستدبرا لها. فقوله: مستقبل قبلة أي مواجها لها؛ والقبلة هي المسجد الحرام. ومثل المنزل الخيم للحاج يجعل فيها محلا لقضاء حاجته. قاله الخرشي.
ومستدبرا أي موليا دبره للقبلة راجع للوطء والبول والغائط كما قررت، وهذه النسخة بزيادة.
وغائط هي التي في شرح الشيخ عبد الباقي. وفي الحطاب والشبراخيتي بدونها، وقال الشبراخيتي: ولو قال وفضلة لكان أشمل، وقوله: مستقبل قبلة ومستدبرا ألجي إلى ذلك بأن لا يتأتى له قضاء الحاجة إلا مستقبلا أو مستدبرا، ويعسر عليه التحول عن جهة القبلة أو أمكن التحول من غير عسر؛ ولهذا قال وإن لم يلجأ بأن يمكنه التحول من غير عسر كفضاء المدن، ومراحيض السطوح وأول بالساتر يعني أن المدونة تؤولت على أن ما ذكر من الوطء والفضلة إنما يجوز مع استقبال القبلة أو استدبارها، حيث كان بينه وبين القبلة ساتر، وأما إن لم يكن
стр. 450
بينه وبين القبلة ساتر فلا يجوز كمرحاض السطح، وهذا حيث لم يلجأ بأن يمكنه التحول عن استقبال القبلة واستدبارها بسهولة، وأما إن ألجئ بأن عسر عليه التحول الذكور فيجوز ما ذكر في حالة الاستقبال، وفي حالة الاستدبار للقبلة وأول بالإطلاق يعني أن المدونة تؤولت على أن ذلك يجوز مع الاستقبال أو الاستدبار مطلقا؛ أي سواء كان بينه وبين القبلة ساتر أم لا، ومحل التأويلين إنما هو حيث لم يلجأ لا فيما إذا ألجئ إلى ذلك فيتفقان على الجواز حينئذ، قال في التنبيهات: ظاهر الكتاب في استقبال القبلة واستدبارها في المدائن والقرى: الجواز في المراحيض، وغيرها من غير ضرورة لقوله: إنما عني بذلك الصحاري والفيافي؛ ولم يعن المدائن والقرى بدليل جواز مجامعة الرجل زوجته إلى القبلة، ولا مشقة في الانحراف عنها وهو تأويل اللخمي، وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو الوليد. قاله الحطاب. وما قررت به المصنف هو ظاهره؛ وهو ما قرره به ابن مرزوق، فإنه جعل محل التأويلين حيث لا ساتر كان بمرحاض أولا. قال الشيخ محمد بن الحسن:
اعلم أن صور المنزل أربع؛ لأنه إما في مرحاض، أوْ لا، وفي كل إما بساتر أولا، والذي في الحطاب وهو الحق أن محلهما، أي التأويلين في المرحاض بلا ساتر، وظاهره كان في السطح أو في فضاء المدن، وإطلاق الحطاب في السطح وغيره هو الظاهر، وإن كان لفظ المدونة هو الجواز في المراحيض التي على السطوح فحملها اللخمي وعبد الحق وعياض على الإطلاق. وحملها بعض شيوخ عبد الحق على التقييد بالساتر، ثم قال: وأما إذا كان ساتر بلا مرحاض ففيه قولان، وظاهر المدونة الجواز وهو الراجح كما في الحطاب عن المازري. ومثله إذا لم يكن ساتر ولا مرحاض، وأما الرابعة وهي: مرحاض بساتر فتجوز اتفاقا، وينبغي للمجامع أن يستتر هو وأهله بثوب سواء كان مستقبل القبلة أو غير مستقبلها. وفي المدخل: وينبغي أن لا يجامعها وهما مكشوفان بحيث لا يكون عليهما شيء يسترهما؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك وعابه. وقال فيه: (كما يفعل العيران (١)) وإن كان في برية أو على سطح فلا يجامع مستقبل القبلة ولا مستدبرها، وإن كان في بيت فيختلف فيه بالجواز والكراهة، والمشهور الجواز. انتهى نقله
стр. 451
الحطاب. قال: وما ذكره في السطح غير ظاهر. وقوله: "وإن لم يلجأ" لو عبر بلو لرد ما في الواضحة من أنه لا يجوز إلا إذا ألجئ لكان أولى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
لا في الفضاء يعني أن ما ذكر من الوطء والفضلة يحرم في الفضاء بغير ساتر في حالة الاستقبال أو الاستدبار للقبلة؛ ولفظ المدونة: الكراهة، وهي على التحريم؛ لأن رواية أبي عمر: لا يجوز؛ ورواية المازري: المنع: وأصرح منه قول النووي. مذهب مالك والشافعي أنه حرام في الفلوات. انتهى قاله الإمام الحطاب. والأصْلُ في هذا قوله ﵊: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط أو البول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه (١)). انتهى. قال محمد بن عبد الباقي: وقيس علي ذلك الوطء على أن مثار النهي كشف العورة فيطرد في كل حال تكشف فيها العورة. وبستر قولان يعني أن الشيوخ اختلفوا هل يجوز البول والغائط والوطء مع الاستقبال والاستدبار في الفضاء مع الساتر: أولا يجوز على قولين، والراجح الجواز، والقولان المذكوران تحتملهما المدونة، واعترض الرماصي المص بأن كلام الأيمة ظاهر في أن القولين في المدائن والقرى فقط، وأن الفضاء مع الساتر لا خلاف في منع الاستقبال والاستدبار فيه كالفضاء بدون ساتر. قال الشيخ محمد بن الحسن. وفيه نظر، فإن ابن رشد نص في المقدمات على الجواز في الفيافي مع الساتر، فقال بعد أن ذكر النهي في الصحاري ما نصه: فالمعنى على هذا في النهي من أجل أن لله عبادا يصلون له من خلفه فإذا استتر في القرى والمدائن في الأبنية ارتفعت العلة، وكذلك على هذا لو استتر في الصحاري لجاز أن يستقبل القبلة. وقد فعله عبد الله بن عمر ﵄ واستقبل بيت المقدس. واستتر براحلته، وقال: إنما نهي عن ذلك في الفضاء، وفي التنبيهات أن الخلاف في الوطء مبني على أن العلة تعظيم القبلة، فيمنع من ذلك في الجميع، أو لحق المصلين خلفه فيباح إذا كان ساتر، وكلامه يتناول الفضاء والمنزل وما قلناه هو ظاهر ابن عرفة انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
стр. 452
والمختار الترك يعني أن المختار عند اللخمي من القولين ترك الاستقبال والاستدبار في الوطء، والفضلة في الصحاري مع الساتر، أي يمنع ما ذكر في الفضاء ولو مع ساتر لحق من يصلي في الصحاري من الملائكة الساعين في الأرض وصالحي الجن، كما علل به في المدونة، أو تعظيما لجهة القبلة ورجحه في التلقين. وبما قررت علم أن اختيار اللخمي جار في الوطء والفضلة كما قال المنصف خلاف ما قال أحمد من أن اختيار اللخمي في الوطء الجواز. وعلم أيضا أن اختياره خاص بالصحاري خلاف ما قاله الحطاب ومن تبعه، أما الأول فقال محمد بن الحسن بناني: ظاهر اللخمي كظاهر المص في استواء الوطء والحدث، ونص اللخمي على نقل ابن مرزوق، وقال ابن القاسم: لا بأس بالجماع للقبلة كقول مالك في المراحيض، والجواب عن ذلك في المدائن والقرى؛ لأنه الغالب، والشأن في كون أهل الإنسان معه فمع انكشافهما يمنع في الصحراء، ويختلف في المدن ومع الاستتار يجوز فيهما. انتهى. قال ابن مرزوق: عقبه وظاهر كلام اللخمي استواء الوطء والحدث كما ذكره المنصف. انتهى. قال أبو علي: وصدق في كون ذلك ظاهر اللخمي؛ لأن قوله: فمع انكشافهما يمنع في الصحراء، ظاهره سواء كان بساتر أم لا. وقوله: مع الاستتار الخ، إنما جوز الوطء مع الاستتار بثوبهما، ولم يجز الغائط إذا أسدل ثوبه خلفه؛ لأن الوطء أخف من قضاء الحاجة. انتهى. وأما الثاني فلا نسلم أن اختيار اللخمي جار في الفضاء وغيره، بل هو خاص بالفضاء خلافا للحطاب ومن تبعه، وذلك أن اللخمي بعد أن نقل عن مالك في المدونة أنه أجاز ذلك في المدن ومنعه في الصحراء، ذكر أنه اختلف في علة المنع في الصحراء هل لحق المصلين في الصحاري من الملائكة وغيرهم ليلا ينكشف لهم، أو لحرمة القبلة وهذا يستوي فيه الصحاري والمدن، أي هذا التعليل الثاني الذي هو مختار اللخمي تستوي فيه الصحاري والمدن فمقتضى القياس المنع فيهما لكن أبيح ذلك في المدن للضرورة كما دل عليه كلامه قبله، وبقي ما عدا المدن على عدم الجواز لعدم الضرورة. قاله أبو علي. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن. وتلخيص ما في الحطاب أن الصور كلها جائزة إما اتفاقا أو على الراجح إلا في صورة واحدة وهي الاستقبال أو الاستدبار في الصحراء بغير ساتر فممنوعة اتفاقا في الوطء والفضلة، فلو
стр. 453
قال: وجاز بغير فضاء استقبال وضده بوطء أو فضلة كبه بساتر وإلا منع لَوفى بهذا، واستغنى عن قوله: وجاز بمنزل إلى قوله الترك. وينسب للشيخ علي الأجهوري:
يجوز فضلة ووطء في الفضا … بساتر لقبلة في المرتضى
وفي سواه فالجواز مطلقا … هذا الذي أفاده من حققا
وقال الشيخ الأمير: وجاز بغير الفضاء استقبال واستدبار بالوطء والحاجة وإن لم يلجأ، وإن كان الأدب البعد مع الإمكان كبه؛ أي الفضاء بساتر عرفا. النووي: أقله طولا ثلثا ذراع، وبعده عنه ثلاثة أذرع فدون: وعرضا بقدر ما يستر وإلا منع. انتهى.
واعلم أنه ورد عن النبي ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (١))، وقال جابر: (رأيته ﷺ قبل أن يقبض بعام مستقبلها (٢))، وقال عبد الله بن عمر ﵄: (رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة (٣))، فحملوا النهي على الفلوات، وفعله على الكنف والمدن حرصا على الجمع ما أمكن. ومختار المنصف وغيره كأبي سعيد البرادعي: مساواة الوطء للبول في الحكم بناء على أن علة النهي في البول العورة؛ وهي موجودة فيهما لا الخارج لفقده في الوطء فلا يساوي البول كما هو رأي بعضهم ممن جوز الاستقبال والاستدبار بالوطء مطلقا. قاله الشبراخيتي. وينبغي للشخص أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها مطلقا لا في مسند البزار عنه ﷺ (أنه قال: من جلس يبول قبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له (٤)). قال الإمام الحطاب: فينبغي للشخص أن لا يفعل ذلك إلا لضرورة للحديث، وما ذكره النووي في السترة جار على مذهبنا أخذا من السترة. قاله ابن ناجي. انتهى.
стр. 454
وقد مر عنه أنه يكون بينه وبينها ثلاثة أذرع فما دونها، فإن زاد فهو حرام كالصحراء. انظر الحطاب. لا القمرين يعني أنه لا يمنع استقبال القمرين ولا استدبارهما في الحدث والوطء؛ أي يجوز ذلك، والأولى الاتقاء كما نص عليه الأمير، ونص غير واحد على نفي الكراهة، ولا يفهم ذلك من المص. والله سبحانه أعلم. وإنما جاز استقبال القمرين واستدبارهما في الحدث والوطء لعدم ورود النهي عنه، وقال في المدخل في آداب الاستنجاء: أن لا يستقبل الشمس والقمر، فإنه ورد أنهما يلعنانه، ومقتضى كلامه أنه في الذهب. وعلم من كلام صاحب المدخل أن المنهي عنه في القمرين إنما هو استقبالهما لا استدبارهما، وصرح بذلك الدميري من الشافعية، وعَدَّ ابن معلى في منسكه في الآداب أن لا يستقبل الشمس ولا يستدبرها، [وقال المواق: الجزولي: (١)]، [من (٢)] آداب الأحداث أن لا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "لا القمرين"؛ يعني ما لم يكونا في جهة القبلة، والقمران الشمس والقمر غلب في التثنية القمر لأنه مذكر، وفيه تثنية المتخالفين؛ وهي نادرة، ومنها قوله:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم … والعمران أبو بكر ولا عمر
وكذا الأسودان للماء والتمر، ووجه التغليب في القمرين الخفة فقط، ووجهه في الأسودين حيث غلب الأسود؛ وهو التمرُ على الماء، وهو أبيض إشعار الأبيض بما يكره؛ وهو البرص. وبيت المقدس يعني أنه لا يمنع استقبال بيت المقدس ولا استدباره في حدث أو وطء بل يجوز ذلك فيه، والقائل بالنهي في بيت القدس فسره بالصخرة؛ لأنها هي التي كانت قبلة، والقائل بالجواز يفسره بما هو أعم. ونص الأمير على أن اتقاء الاستقبال والاستدبار لبيت المقدس في ذلك أولى ووجب استبراء الاستبراء بمعنى طلب البراءة، يعني أنه يجب طلب البراءة من الحدث بولا أو غائطا، والبراءة هي التخلص، أي يجب على الشخص أن يطلب التخلص من الحدث
стр. 455
باستفراغ أخبثيه الباء للاستعانة أو للسببية، والاستفراغ بمعنى التفريغ فليست السين والتاء للطلب، والأخبثان البول والغائط، يعني أنه يجب على الشخص طلب التخلص من الحدث بتفريغ ما في المحلين من البول والغائط، ويحتمل أن تكون الباء في قوله: "باستفراغ" للتصوير على مذهب من أجاز ذلك، وتكون السين والتاء للطلب: والاستبراء والاستفراغ حينئذ بمعنى واحد. ومعنى المنصف على هذا أنه يجب الاستبراء، والاستبراء هو أن يستفرغ الشخص ما في المخرجين من الحدث. والله أعلم. والحاصل أنه لابد من إخلاء محل البول والغائط منهما؛ بأن يحس من نفسه أنه لم يبق شيء مما هو بصدد الخروج وهذا كاف في الغائط لقصر محله، بخلاف البول؛ أي بول الرجل لطول محله فلذا لابد أن يكون ذلك مع سلت ذكر أي يجب عليه أن يسلت ذكره؛ والسلت هو أن يجعله بين إصبعيه ماسكا له من أصله بالسبابة والإبهام أو غيرهما من اليد اليسرى. ثم يمشيهما لرأس الكمرة، ونتر أي أنه يجب عليه نتر ذكره مع سَلْتِهِ، ونتره جذبه: قال في النهاية: النتر جذب فيه قوة وجفوة؛ ومنه الحديث: (إن أحدكم يعذب في قبره فيقال إنه لم يكن يستنتر عند بوله (١)). والاستنتار الاستفعال من النتر يريد به الحرص عليه والاهتمام به؛ وهو بعث على التطهير بالاستبراء من البول. وقال النووي: النتر الجذب بجفوة، ومنه الحديث. (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات (٢)). انتهى. قال الحطاب: وكلهم ذكروه في مادة نتر بالمثناة الفوقية، ثم ذكروا بعده مادة نثر بالمثلثة. وفي الأمير: ونتر للإنقاء، وما شك فيه بعده كنقطة فعفو فإن فتش ورآها فحكم الحدث والخبث. انتهى. فإن لم يخرج منه شيء بعد سلته ونتره، ولا رأى بللا أول مرد في رأسه كفاه ذلك، وإلا أعاده حتى لا يبقى شيء، ولا حد في عدد ذلك عندنا بل الجفاف في مرة أو ما زاد خلافا للشافعية، إلا أنه ينبغي أن يطلب التعجيل بقدر الإمكان. ويحذر التطويل واستقصاء الأوهام، فإن ذلك يؤدي إلى الوسوسة فيحار في زوالها وعلاجها بعد تمكنها: ويفوت صاحبها من الخير ما لا يحصى، ويقع في أنواع من الشر. نسأل الله السلامة والعافية. وقوله: "باستفراغ" الخ والمرأة تجعل يدها على سرتها مما يدر البول. قاله
стр. 456
الخرشي خفا؛ يعني أن السلت والنتر يكونان خفيفين، بأن لا يكونا قويين، ويقلل زمنهما؛ لأن قوة السلت والنتر توجب استرخاء العروق بما فيها، فلا يقطع المادة، ويضر بالمثانة بضم الميم، كما في الخرشي، وربما أبطل الإنعاظ أو أضعفه؛ وهو من حق الزوجة. وتقد أنه يحذر التطويل فيه واستقصاء الأوهام، فيفيد أنه يستقصي ما فيه الظن كالشك إلا أن يكون مستنكحا، وإذا طال عليه الأمر فينبغي له أن يهمز بإصبعه بين السبيلين، فإنه يدفع الحاصل ويمنع الواصل. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن النتر وإن كان في الأصل الجذب بقوة المأمور به في الاستبراء منه إنما هو النتر الخفيف، وما تقدم من أن النتر والسلت واجبان هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من أهل المذهب. وفي المختصر وليس على الذي يستبرئ من البول أن ينتفض ويتنحنح، ويقوم ويقعد، ولا يمشي ويستبرئ بغير ذلك. وفي المدخل: ولا يسلت ذكره إلا برفق، فإن ذلك يؤدي إلى أن يصلي بالنجاسة؛ لأن المحل كالضرع إن طالما أنت تسلته يعطي، فيكون ذلك سببا لعدم التنظف وقال في المدخل: يتفقد نفسه في الاستبراء فيعمل على عادته فرب شخص يحصل له التنظف عند انقطاع البول عنه، وآخر لا يحصل له ذلك إلا بعد أن يقوم ويقعد، وذلك راجع إلى اختلاف الناس في أمزجتهم، وفي مأكلهم، واختلاف الأزمنة عليهم، فقد يتغير حاله بحسب اختلاف الأمر عليه، وهو يعهد من نفسه عادة فيعمل عليها فيخاف عليه أن يصلي بالنجاسة أو يتوسوس في طهارته فيعمل على ما يظهر له في كل وقت من حال مزاجه وغذائه وزمانه، فليس الشيخ كالشاب، ولا من أكل البطيخ كمن أكل الخبز، وليس الحر كالبرد. وإذا استنجى فليكن الإناء بيده اليمنى يسكب بها الماء، ويده اليسرى على المحل يعركه، ويواصل صب الماء ويبالغ في التنظيف خيفة أن يبقى معه شيء من الفضلات فيصلي بالنجاسة، وعذاب القبر من هذا الباب. وليس للشخص ذكرا أو أنثى غسل ما بطن من المخرجين، وفي المدخل: وإذا قام يستبرئ فلا يخرج بين الناس وذكره في يده، وإن كانت تحت ثوبه فإن ذلك شوهة ومثلة، وكثيرا ما يفعل بعض الناس هذا، وقد نهي عنه، فإن كانت له ضرورة في الاجتماع بالناس إذ ذاك فليجعل على فرجه خرقة يشدها عليه ثم يخرج، فإذا فرغ من ضرورته تنظف، ويكره أن يشتغل بغير ما هو
стр. 457
فيه من نتف إبط وغيره ليلا يبطأ في خروج الحدث، والمقصود الإسراع في الخروج من ذلك المحل، بذلك وردت السنة، قال الإمام أبو عبد الله القرشي: إذا أراد الله بعبد خيرا يسر عليه الطهارة. وذكر ابن ناجي في جواز القراءة لمن يتنشف ثلاثة أقوال: الجواز والمنع، والثالث الجواز إن لم يبق بيده رطوبة، ذكر هذا الفرع عن بعض أصحابه، قال: ولا أعرفه لغيره، والأقرب المنع، ولا ينبغي أن يختلف فيه. وقال؛ أي بعض أصحابه: وأما الاستنشاف في المسجد فإن لم يتحقق السلامة حرم وإن تحقق السلامة جاز، والأولى أن لا يفعل. قال ابن ناجي: قلت الصواب التحريم؛ لأن فيه إهانة المسجد وهو عندي أشد من دخول النجاسة ملفوفة، وفيها قولان. انتهى تنبيهات الأول: فهم مما تقدم أن السلت والنتر إنما هما لإخراج ما بقي، فإذا تحقق خروجه بغير ذلك كمكثه مدة طويلة بعد البول بحيث تحقق أنه لم يبق فيه شيء يخرجه السلت فإن ذلك يكفي؛ والعلة ترشد إلى ذلك وهو معقول المعنى، وليس من التعبد قاله الشيخ علي الأجهوري. الثاني: إنما وجب الاستبراء اتفاقا من غير جريان القولين المتقدمين في إزالة النجاسة، لأن به يحصل الخلوص من الحدث المنافي للطهارة التي هي شرط من غير قيد اتفاقا، وأما النجاسة فلأنها لمنافية لطهارة الخبث، إذ في وجوبها المقيد بالذكر والقدرة وسنيتها خلاف. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. الثالث: ينبغي للإنسان عند قضاء الحاجة أن يعتبر بما يخرج منه كيف صار حاله فإنه كان طيبا يغالى فيه ويزاحم عليه ويشتهى، فبمجرد مخالطته للآدمي تقذر وصار نجسا يهرب منه ويعاف، وكذلك كل ما يخالطه الآدمي من الثياب النظيفة والروائح الطيبة عن قليل يتقذر ويعاف، وينتبه من ذلك إلى أنه يحذر من مخالطة من لا ينفعه في دينه لأنه يخاف عليه آثار الخلطة؛ وإلى أنه إذا خالطه أحد من المسلمين أن يغير أحدا منهم بسبب خلطته كما يغير كل ما خالطه من الطعام وغيره، وينتبه أيضا إلى أنه لابد أن يرجع هو كذلك، لأنه إذا دفن أكله الدود ثم يرميه من جوفه قذرا منتنا، إلا أن ثمَّ قوما لا يأكلهم الدود وهم الأنبياء، والعلماء: والشهداء، والمؤذنون المحتسبون. فالدرجة الأولى لا سبيل إليها، فيجتهد في تحصيل إحدى الدرجات الباقية. نقله الإمام الحطاب. الرابع: قد مر حديث المعذب في قبره الذي قيل فيه إنه لم يكن يستنتر عند بوله. قال ابن زكري إنه ﷺ (أتى بقيع
стр. 458
الغرقد فوقع على قبرين تربين فقال أدفنتم فلانا وفلانا، أو قال فلانا وفلانة قالوا نعم يا رسول الله، قال قد أقعد فلان الآن فضرب، ثم قال والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع؛ ولقد تطاير قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الجن والإنس ولولا تمريج في قلوبكم وترديدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، قالوا يا رسول الله وما ذنبهما قال أما فلان فإنه كان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه يأكل لحوم الناس، قالوا يا نبي الله حتى متى يعذبان قال غيب لا يعلمه إلا الله (١)). وهذا الحديث روي من طرق كثيرة مشهورة في الصحاح وغيرها، وفي أكثرها أنهما يعذبان في النميمة والبول، والظاهر أنه اتفق مروره بقبرين يعذبان أحدهما في الغيبة والآخر في البول، ومرة أخرى مر بقبرين يعذب أحدهما في النميمة والآخر في البول. والله أعلم. وفي رواية البخاري ومسلم: (مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير، أما أحدهما فإنه كان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله (٢))، وفي مسلم: (فدعا بعسيب نخل فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا ثم قال لعله أن يخفف عنهما (٣)). ويحتمل أن يراد بالغيبة؛ الغيبة التي توجد في بعض صور النميمة؛ وهو أن يذكره في غيبته بما يسوءه قاصدا بذلك الإفساد فيحتمل أن يكون الذي يعذب في قبره كان ذلك وقوله: وما يعذبان في كبير؛ يعني في شاق تركه، وقيل في كبير عندكم وهو عند الله كبير، وقيل يعني بكبير: أكبر أي وما يعذبان في أكبر الكبائر، وفي رواية لا يستنزه من النزاهة؛ وهي البعد عن الشر، وفي رواية لا يستنتر؛ وهو الجذب، ومعنى لا يستبرئ أي لا يستكمل استبراءه، إذ قد يخرج ما ينقض وضوءه فيصلي بغير وضوء. عياض: وفيه أن قليل النجاسة وإن كان مثل رءوس الإبر كالكثير وهو قول مالك والكافة إلا ما خففوه من قليل الدم. انتهى.
واعلم أن النميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد. وقال الإمام النووي: هي كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكناية أو
стр. 459
بالرمز أو بإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان ذلك المنقول عيبا ونقصانا من المنقول عنه أو لم يكن. فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، وكل ما رآه الإنسان من أحوال الناس فينبغي أن يسكت عنه إلا أن يكون في حكايته فائدة للمسلمين، أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به لحق المشهود له، فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء سر، فإن كان ما ينم به نقصانا وعيبا في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة، والباعث على النميمة إما إرادة السوء بالمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي له، أو التفرج بالحديث، أو الخوض في الفضول. وفي الحديث: (لا يدخل الجنة قتات (١)؛ أي نمام رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والمنذري. وقيل النمام الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم وهم يعلمون: والقتَّات الذي يستمع إليهم وهم لا يعلمون، والراجح اتحادهما. والحديث يحتاج إلى التأويل فيحمل على المستحل أوأنه لا يدخلها ابتداء. انتهى. وهذه خصال أذكرها لتحترز منها فإنها تورث سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى. ذكرها في النسرين فقال:
ست خصال أورثت لذي اتسام … بكلها أو بعضها سوء الختام
إدامة الغيبة والنميمه … وكذب على كريم الشيمه
عمدا كذا إدامة الإذايه … للخلق وادعاؤه الولايه
والانتساب قبل تحصيل المنى … إلى شيوخة وإدمان الزنى
وقوله وكذب على كريم الشيمة؛ يعني به النبي ﷺ ، وسيأتي الكلام على الغيبة عند قول المص: وذكر المساوي، وعلى الكذب عند قوله: أو كثير كذب إن شاء الله تعالى. وندب جمع ماء وحجر يعني أن الجمع في الاستنجاء بين الماء والحجر أوما في معناه مستحب، فإن لم يجمع بينهما بأن أراد الاقتصار على أحدهما فإن الماء هو الأفضل، وإلى ذلك أشار بقوله ثم ماء
стр. 460
والمراتب خمس جمع الماء والحجر، ثم جمع الماء مع يابس غير حجر، ثم ماء، ثم حجر، ثم يابس غير حجر. قاله الشيخ الأمير. وكلام المص فيما يباح الاستجمار به مع الاقتصار عليه، وأما ما لا يباح الاستجمار به مع الاقتصار عليه، بل مع الماء بعده فلا يثبت له هذا الحكم. قاله الشيخ عبد الباقي. يعني فلا يكون جمعه مع الماء أفضل من الماء وحده هذا مراده، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان جمعه مع الماء جائزا كما نقله الحطاب فيما يأتي عن الشيخ زروق، فالظاهر أن يكون أفضل من الماء وحده. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وكلام المنصف فيما يكتفى فيه بالحجر وهو الدبر مطلقا والقبل من الرجل، وأما ما يتعين فيه الماء فلا يندب فيه جمع الماء والحجر. قاله الشيخ عبد الباقي. وذلك كالمذكورات الآتية، وبول الخصي المقطوع الذكر، والمجبوب؛ ومعتاد خرج من مخرج غير معتاد كثقبة تحت المعدة ولم يستمر، فإن استمر فيصير كالعادة قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: كالعادة؛ أي يصير كالمخرج المعتاد فيكفي فيه الحجر. والله سبحانه أعلم. واقتضى كلامهم أن المقطوع الأنثيين وذكره قائم يكفي في بوله الحجر. والله سبحانه أعلم. وإنما كان الماء هو الأفضل لأنه يزيل العين والحكم. وقوله: "وندب جمع ماء وحجر" كيفية ذلك أن يبدأ بالحجر فيزيل العين، وقد مر كيفية الاستجمار، وبعد الحجر يغسل المحل بالماء، وهو الذي مدح الله به أهل مسجد قباء فسألهم النبي ﷺ عن التطهر الذي مدحهم الله به؛ يعني قوله : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فقالوا كنا نعتقب الحجر بالماء، فقال: (هو ذاك فعليكموه (١)). انتهى. وشذ بعض الفقهاء فمنع الاستنجاء بالماء العذب؛ قال: لأنه طعام، وقال: لا يجوز الوضوء به وهو قول غريب مخالف للإجماع. قاله الحطاب. وقد مر أن الحجر لا يزيل الحكم وإنما المحل بعده من المعفوات، وظاهر كلام البساطي أنه يزيله.
وتعين في مني يعني أن المني يتعين فيه الماء، ولا يكفي فيه الحجر ونحوه، وهذا فيمن فرضه التيمم لمرض، أو عدم ماء كاف، وخرج على غير وجه السلس أو به، ونقض الوضوء فيما يظهر،