المثل ولا يراعى شبه منه ولا منها، وألف ألزما للتثنية أي ألزما معا بالحلف وثبوت النكاح هو الأصح وفي فسخه قولان وعلى كل من القولين فلها صداق مثلها، وفي التوضيح: فإن اختلفا في الجنس بعد البناء فحكى المتيطي واللخمي ثلاثة أقوال: الأول: أنهما يتحالفان ويفسخ النكاح إن كان تنازعهما قبل كان مما يصدقه النساء أم لا، وإن كان بعد البناء ثبت النكاح وترد المرأة إلى صداق المثل ما لم يكن فوق ما ادعت أو دون ما ادعى الزوج، إلا أن يرضى الزوج أن يعطيها ما ادعت وهذا كله قول مالك، ثم قال: وإذا قلنا بالتحالف ورد المرأة إلى صداق المثل فهل يثبت النكاح وهو المعروف في المذهب ورواه ابن وهب عن مالك، أو يفسخ وهو الذي في الجلاب؛ انتهى. وإلى هذا الفقه بعينه أشار الناظم بقوله: وإن هما تخالفا لخ. قاله الشيخ ميارة.
ولا كلام لسفينهة يعني أنه لا كلام للسفيهة في فصل من فصول التنازع وإنما الكلام لوليها، وكذا لا كلام للسفيه الذكر في فصل من فصول التنازع وإنما الكلام لوليه، ولو قال المص: ولا كلام لمحجور لكان أشمل. قاله الشبراخيتي. وسواء كان التنازع في أصل النكاح أو جنس المهر أو قدره أو صفته، والمراد بالولي الولي الشامل للحاكم ولمن يقوم مقامه كجماعة المسلمين وتتوجه اليمين على الولي، وكذا لا كلام لصغير ولا لصغيرة، ويحلف الولي عنهما ويجري فيه ما مر من قوله: "حلفا وفسخ" وغير ذلك، وهذا في السفيه والسفيهة والصغير والصغيرة، وإنما وجب أن يحلف الولي دون الزوجة التي إلى نظره بكرا كانت أو ثيبا؛ لأنه فيما ولي من أمرها مفرط بترك الإشهاد فهو دافع للغرم عن نفسه؛ لأن كل أمين ضيع أمانته غرم فلا يرد أن القاعدة لا يحلف أحد ليستحق غيره. والله سبحانه أعلم.
ولو أقامت بينة على صداقين في عقدين لزما يعني أن المرأة إذا ادعت على رجل واحد أنه تزوجها بألفين جريا في عقدين وكذبها وأقامت البينة على ما ادعته فإن الصداقين يلزمانه؛ أي لزم نصف كل منهما حيث طلقها الآن، وأما إن لم يطلقها فلها صداق ونصف، فإن أثبتت أن الطلاق بين العقدين بعد البناء فلها صداقان هذا هو المناسب لما يأتي. قاله محمد بن الحسن. وقوله: "أقامت" بصيغة الرباعي، وفي نسخة: قامت بالفعل الثلاثي وهو يناسب ما قرر به في التوضيح من أن الزوج ادعى قدرا أو جنسا وادعت هي خلافه، وأقام كل منهما البينة على دعواه
стр. 4167
وعينت كل بينة زمانا غير الذي عينته الأخرى، فإنه يلزمه الصداقان ويحمل على أنه طلقها، وقيد ابن عبد السلام لزوم الصداقين بما إذا أقامت المرأة بالنكاحين معا، وأما إذا أقامت بأحدهما فلا يمكن أن تأخذ مجموع الصداقين. انتهى. وكأنه أي الزوج لما أقام بينة على خلاف ما أقامت هي عليه البينة قالت المرأة حينئذ: ما شهدت به بينة الزوج صحيح أنه عقد علي عقدين، أما لو اتحد زمن البينتين لسقطتا. هذا الذي يظهر. والله أعلم. قاله الحطاب. وهذا التقرير الأخير للمص وابن عبد السلام، والأول لابن عرفة وابن فرحون كلاهما عن ابن شأس. انظر الحطاب، وعلى التقرير الأول فلا فرق بين أن ينكر الزوج النكاح أصلا أو يقول: ما تزوجتها إلا مرة واحدة كما صرح به الشبراخيتي.
وقدر طلاق بينهما يعني أن الشرع يقدر وقوع طلاق بين العقدين ليتحقق العقد الثاني، وكلفت بيان أنه بعد البناء يعني أنه يلزمه للنكاح الأول نصف الصداق، بناء على أن الطلاق يقدر قبل البناء وحينئذ فعليها البينة أنه طلقها بعد البناء، فإذا أتت ببينة لزم في النكاح الأول الصداق كله وهذا هو مقتضى المذهب. كما قاله ابن عرفة. وقيل إن الطلاق يقدر بعد البناء فيلزمه الصداق كله للنكاح الأول إلا أن يأتي ببينة تشهد له أن الطلاق وقع قبل البناء، ويلزمه صداق النكاح الثاني كله إن لم يطلقها كما مر.
وقوله: "وكلفت بيان أنه بعد البناء" أي لأن الزوج غارم والأصل عدم البناء، والقول قول الزوج فيهما اتفاقا، ولو قلنا بوجوبه كله بالعقد وعلى هذا فما ذكره المص يجري على الأقوال كلها؛ أي سواء قلنا إنها تملك بالعقد النصف أو الجميع أو لا تملك شيئا، وهذا يخالف ما مر من أن الزوج يكلف بيان أنه قبل البناء وفيه نظر؛ أي في كون الزوج يكلف بيان أنه قبل البناء؛ لأن الذمة لا تلزم إلا بمحقق والمحقق بتقديره قبل البناء النصف والنصف الآخر مشكوك فيه، فتكلف هي بيان أنه بعد البناء فصح أن ما قاله المص يجري على الأقوال الثلاثة، أما على أنها تملك بالعقد الجميع فإن الطلاق يشطره، وكذا على أنها لا تملك بالعقد شيئا وأما على أنها تملك بالعقد النصف فذلك واضح.
стр. 4168
وإن قال أصدقتك أباك فقالت أمي حلفا وعتق الأب يعني أنه إذا تزوج رجل بامرأة وهو يملك أبويها وأصدقها واحدا منهما وتنازعا فيمن وقع عليه العقد منهما فقال هو أصدقتك أباك فكذبته هي، وقالت بل أصدقتني أمي وحفظت البينة العقد ولم تحفظ على أيهما وقع سقطت الشهادة، ثم إن كان التنازع قبل البناء وما في حكمه من موت أو طلاق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان؛ لأنه اختلاف في صفة الصداق، ويعتق الأب لإقرار الزوج بأنه حر وولاؤه لها ونكولهما كحلفهما: ويقضى للحالف على الناكل فإن حلف الزوج فقط ثبت النكاح وكان الأب الصداق، وإن حلفت هي فقط ثبت أيضا وكانت الأم الصداق، ويعتق الأب لإقرار الزوج والأم لملك الابنة لها، ولهذا قال: وإن حلفت دونه عتقا يعني أن الابنة إذا حلفت ونكل الزوج فإن أبويها يعتقان وهذا شامل لما قبل البناء وما بعده.
والحاصل أنهما إذا اختلفا قبل البناء فإن الصور أربع: حلفا: فسخ النكاح. نكلا: فسخ أيضا، حلف هو دونها كان الأب الصداق ولم تعتق الأم بل تبقى في ملكه، حلفت هي دونه: كانت الأم الصداق. فهذه أربع صور يعتق الأب في جميعها وتعتق الأم في صورة واحدة وهي ما إذا حلفت الزوجة ونكل الزوج، فإن النكاح يثبت في صورتين حلفه دونها وحلفها دونه، ويفسخ في صورتين حلفهما معا، ونكولهما معا، والفسخ بطلاق إن قلنا يفتقر إلى حكم وهو الأصح، وبغير طلاق على الآخر ولا يرجع عليها بشيء في مسألتي الفسخ، وإن نكلت وحلف دونها ثبت النكاح كما علمت، فإن طلق قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته، وإن حلفت هي دونه وطلق قبل البناء رجع عليها بنصف قيمة الأم، وإن كان الاختلاف بعد البناء فإن القول قول الزوج مع يمينه ويدفع إليها أباها ولا إشكال في عتقه عليها، وإن نكل فيعتقان معا. الأب على الزوج أي لإقراره والأم على الابنة بعد يمينها على المشهور، وقيل بغير يمين. قاله في المتيطية.
وإذا عتق الأب لإقرار الزوج فلا رجوع له على الزوجة بشيء من قيمته؛ لأنه إنما عتق بإقراره أنه حر، فإن مات الأب عن مال أخذ الزوج قيمة الأب وكان ما بقي للابنة وهي الزوجة، وهذا جار فيما قبل البناء كما أنه ثابت فيما بعد البناء. انظر الحطاب. وفهم من قوله عتق الأب لإقرار الزوج أنه لو عتق عليها هي وطلق قبل البناء كما لو حلف دونها فإنه يرجع عليها بنصف قيمته
стр. 4169
كما مر. انتهى ملخصا من الحطاب، وعبد الباقي والشبراخيتي. وقال عبد الباقي: لو مات الأب بعد عتقه لإقرار الزوج وترك مالا أخذ الزوج منه قيمته، والباقي للزوجة نصفه بالإرث ونصفه بالولاء لا كله بالولاء، ويلغز بها من وجهين: أحدهما شخص مات ولا دين عليه ولا وصية ولا جناية وأخذ شخص من ماله قدرا، ثانيهما شخص مات فأخذت بنته جميع ماله بعد أخذ شخص قدرا منه ووارث كل في جميع ما مر كهو. انتهى.
وولاؤهما لها يعني أن ولاء الأم والأب في جميع ما مر للابنة أي الزوجة أي لها ولاؤهما فيما إذا عتقا معا، ولها ولاء الأب فيما إذا عتق بانفراده وقد مر توضيح ما يعتقان فيه معا وما يعتق فيه الأب فقط فراجعه إن شئت، ولا شك أن هذه المسألة من الاختلاف في صفة المهر فأجرها على ما مر يا فتى من غير فرق، وإنما أفردها بالذكر مع تقَدُّم حكمها لينبه على أنه تارة يعتق الأب وتارة يعتقان معا، وعلى من له الولاء، وأفاد بقوله: "حلفا" أن هذا قبل البناء إذ بعده إنما يحلف أحدهما كما مر.
وقال الشبراخيتي عن الأجهوري: والحاصل أنه إذا كان التنازع قبل البناء والطلاق والموت فإنه يثبت بما حلف عليه أحدهما فقط، ويرجع الزوج فيما إذا طلق قبل البناء بنصف قيمة ما ثبت به النكاح، وإذا حلفا أو نكلا في هذه الحالة فسخ النكاح وعتق الأب، ولا رجوع لأحدهما على الآخر بشيء، وأما إذا حصل التنازع بعد البناء أو قبله وبعد الموت أو الطلاق ولا يتصور حلفهما حينئذ فإنه يثبت النكاح بما قاله الزوج أو ورثته وحلف عليه، فإن نكل هو أو ورثته وحلفت هي أو ورثتها ثبت النكاح بما حلفت عليه وعتقا، فإن نكل كل ثبت النكاح بما قاله الزوج أو ورثته، فحيث حلفت المرأة فقط سواء كان التنازع قبل الدخول أو بعده فإنهما يعتقان، لكن عتق الأب لإقرار الزوج وعتق الأم لثبوت كونها صداقات وحيث عتق الأب لإقراره وذلك فيما إذا حلفا أو نكلا وإنما يكون ذلك قبل الدخول أو بعده وقد نكل، فإن مات عن مال أخذ الزوج القيمة والباقي للابنة بالولاء والميراث، وقول بعض الشارحين: وتأخذ البنت الباقي بالولاء غير ظاهر. انتهى.
وفي قبض ما حل قوله: "وفي قبض" معطوف على قوله في الزوجية؛ يعني أن الزوجين إذا تنازعا في قبض ما حل من الصداق أصالة أو ما كان مؤجلا وحل، فقال هو قبضته، وقالت هي لم
стр. 4170
أقبضه، فإن كان تنازعهما قبل البناء بها فالقول قولها إنها لم تقبضه، أما إن كان تنازعهما بعده أي البناء، فالقول قوله هو إنها قبضته بيمين فيهما يعني أنه إذا لم يبن بها فإن القول قولها إنها لم تقبضه بيمين أي هي مصدقة في ذلك بيمينها، وأنه إذا بنى بها فإنه يصدق بيمين أنها قبضت الصداق الحال أصالة أو ما كان مؤجلا وحل قبل البناء.
واحترزت بقولي: وحل قبل البناء عما لو حل بعد البناء فلا يصدق في دفعه، لا قبل حلوله ولا بعده كما في الشبراخيتي، ومفهوم قوله: "وفي قبض ما حل" أن المؤجل ليس كذلك وهو كذلك، قال ابن فرحون. والقول قولها فيما لم يحل، وسواء وقع التنازع فيه قبل البناء أو بعده. انتهى. نقله الحطاب.
وقال في المدونة: وإن نكح على نقد ومؤجل فادعى بعد البناء أنه دفع المؤجل وأكذبته، فإن بنى بعد الأجل صدق وإن بنى بها قبل الأجل صدقت، كان المؤجل عينا أو حيوانا، مضمونا مع الأيمان فيما ذكرناه. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "بيمين" الباء بمعنى مع، وقوله: "قولها" قال الحطاب: خبر مبتدأ محذوف أي فالقول قولها، قال: وكذا قوله: "وقوله بيمين فيهما" قال الحطاب: انظر إذا نكل مَنِ القول قوله عن اليمين.
قال جامعه عفا الله عنه: الظاهر من قواعدهم أن من نكل منهما يكون القول للآخر إن حلف، فإن نكل فالنكول بعد النكول تصديق للناكل الأول. والله سبحانه أعلم. التوضيح: وجعل في المدونة ورثة كل واحد من الزوجين يتنزل منزلة موروثه سواء ماتا معا أو أحدهما، قال في المدونة: وإن قال ورثة الزوج في المدخول بها قد دفعه أو لا علم عندنا فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثتها عليهم العلم حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع أو لا علم عندنا ولا شيء عليهم ولا يمين على غائب، ومن يعلم أنه لا علم عنده. انتهى.
قوله في المدونة: لا شيء عليهم: خلاف سماع القرينين، ونقله ابن عرفة. وقوله فيها: من يعلم أنه لا علم عنده، قال ابن ناجي: العلم هنا بمعنى الظن. انتهى. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وورثة كل كهو فيما إذا مات أحدهما أو ماتا معا. ابن ناجي: ويحلف منهم من يظن به
стр. 4171
العلم، وتردد شيخنا في الزمن الذي يعتبر فيه ظن العلم هل هو يوم العقد أو الموت أو الحكم، والصواب عندي من العقد إلى دخوله. انتهى.
قلت وذكر في التوضيح في مسألة "وإن ادعيت قضاء على ميت لم يحلف إلا من يظن به العلم من ورثته" أن المعتبر ظن العلم يوم الموت، وينبغي أن يكون ما هنا كذلك. انتهى. وقوله: "في قبض ما حل" لخ اعلم أن محل كلام المص حيث لم تقم بينة وإلا عمل بها، وقوله: "بيمين فيهما" أي على المالك أمره منهما وإلا فوليهما وإن نكل وليها غرم لها، قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: واعلم أنه إنما يكون القول قولها مع يمينها إن كانت رشيدة، قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: إن كان التنازع قبل البناء حلفت المرأة إن كانت رشيدة وإلا حلف أبوها أو وصيها إن ادعى الزوج الدفع إليه. انتهى.
وقال المتيطي: وإن اختلفا في دفع المعجل قبل البناء حلفت المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها وادعى دفع ذلك إليها، أو حلف من زوجها من أب أو وصي أو ولي إن كانت محجورا عليها وادعى دفع ذلك إليهم، فإن حلف من وجب عليه الحلف منهم دفع الزوج العجل ثانية ودخل بأهله، وإن صرفت اليمين عليه حلف وبرئ منه إن كانت ذات أب أو وصي أو مالكة أمر نفسها، ووجب على الأب أو الوصي غرم ذلك لها ولا يبرأ منه إن كانت يتيمة بكرا ذات ولي، ويلزمه دفعه ثانية ويتبع به الولي الذي حلفه، وإن دفع ذلك إليها -يريد المولى عليها- قبل البناء أو بعده لم ينتفع بذلك ولا يجب عليها يمين إن أنكرته ولا يبرأ منه إن أقرت له لأنها سفيهه لا يجوز إقرارها ولا قبضها إلا أن يدعي دفع ذلك إليها بعد عام من دخوله، فتجب له اليمين عليها لأنها بتمام العام تخرج من سفهها وتنفذ أمورها على المختار من الخلاف. انتهى. قاله الحطاب.
قوله: بعد عام من دخوله، سيأتي في الحجر إن شاء الله أن التي يحكم برشدها بعد مضي عام من دخولها إنما هي المهملة التي لا يعرف رشدها من سفهها. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولا يبرأ منه إن كانت يتيمة لخ، قال مقيد هذا الشرح: هذا قسيم قوله: إن كانت ذات أب أو وصي أو مالكة لأمر نفسها، ومعنى ذلك أنه إذا ادعى دفع الصداق لولي
стр. 4172
لها كأخ مثلا ولم يكن وصيا وكذبه الأخ في ذلك وكان التنازع بعد البناء، فإنه يحلف له أنه دفع إليه الصداق، وإذا حلف لا يبرأ منه بالنسبة لها فيغرمه لها ثانية، ويرجع على الولي الذي ليس بوصي لأنه مصدق في أنه دفع الصداق بعد البناء. والله سبحانه أعلم.
وقيد القاضي عبد الوهاب كون القول للزوج بعد البناء بما إذا لم يكن الصداق مكتوبا بكتاب فقال: القول قول الزوج في قبض ما حل حيث تنازعا في القبض بعد أن بنى بها، إلا أن يكون الصداق مكتوبا بكتاب فيكون القول للزوجة إنها لم تقبضه بلا يمين، ومعنى ما قاله القاضي عبد الوهاب أن الصداق إذا كان مكتوبا بكتاب يكون القول قول المرأة إنها لم تقبض الصداق مطلقا، سواء كان التنازع قبل البنا، أو بعده، وقيد القاضي إسماعيل أبو إسحاق قبول قول الزوج فيما إذا كان التنازع بعد البناء أيضا بأن لا يتأخر قبض الصداق عن البناء عرفا بأن جرى عرفهم بتقديمه قبل البناء أو لا عرف لهم، وأما إن جرى العرف بتأخير قبض ما حل من الصداق لما بعد البناء، فإن القول قول المرأة بيمين؛ لأن العرف كالشاهد بخلاف تقييد عبد الوهاب، فإن القول قول المرأة بلا يمين كما مر.
وقيد القاضي عياض قبول قول الزوج بعد البناء أيضا بأن يدعي الزوج بعد البناء أنه دفع الحال من الصداق قبل البناء، فإن ادعى دفعه بعد البناء فإن القول للمرأة، وقيده يحيى أيضا بما إذا لم يكن بيدها رهن عليه، وأما إن كان بيدها رهن عليه وتنازعا بعد البناء فلا يكون القول قول الزوج إنها قبضت الصداق، بل يكون القول قولها مع يمينها واختاره اللخمي، والمذهب أن ما قاله هؤلا، الأربعة تقييد لا خلاف. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي: والمذهب أن كلام القضاة تقييد يعني القاضيين اللذين ذكر المص والقاضي عياض، وقد مر أن وارث كل كهو وأنه لا يحلف إلا من يظن به العلم من الورثة، فلا يحلف غائب ولا من يعلم عدم علمه، ولابن عاصم ﵀:
وإن هما قبل البناء اختلفا … في القبض للنقد الذي قد وصفا
فالقول للزوجة واليمين … أو الذي في حجره تكون
стр. 4173
قال في التهذيب: وإذا ادعى الزوج أنه دفع الصداق وأنكرت الزوجة وزعمت أنها لم تقبضه، أو مات الزوج فادعت الزوجة أنها لم تقبض صداقها، أو مات الزوجان وتداعى ورثتهما في دفع الصداق فلا قول للمدخول بها ولا لورثتها، وإن لم يدخل صدقت هي أو ورثتها. انتهى. وله أيضا ﵀:
والقول قول الزوج بعد ما بنى … ويدعي الدفع لها قبل البنا
وهو لها فيما ادعى من بعد أن … بنى بها والعرف رعيه حسن
مشى في هذين البيتين على تقييد القاضي إسماعيل، وقد تقدم أنه المذهب، وهذه المسألة الأولى في هذين البيتين قالوا: من باب ارتفاع أصل بغالب؛ لأن الدخول بالزوجة دليل عندهم لصحة دعوى الزوج أنه دفع نقد الهر قبله؛ لأنه (١) الغالب عادة فارتفع به أصل عمارة الذمة، بخلاف دعواه الدفع بعد البناء فلا غالب معه حينئذ فيجب البقاء مع الأصل إذ لا معارض له. انتهى. نقله الشيخ ميارة. ولابن عاصم ﵀:
والقول واليمين للذي ابتنى … في دفعه الكالئ قبل الابتنا
إن كان قد حل وفي الذي يحل … بعد بنائه لها القول جعل
ثم لها امتناعها أن يدخلا … أو تقبض الحائن مما أجلا
يعني أن الزوج إذا بنى بزوجته وادعى أنه دفع لها أو لحاجرها الكالئ قبل البناء وأنكرت ذلك، فإنه إن كان قد حل عليه قبل البناء فالقول قوله مع يمينه، وإن كان لم يحل إلا بعد البناء
стр. 4174
فالقول قولها مع يمينها، وإلى هذا أشار بالبيتين الأولين، وأشار بالبيت الثالث إلى أن الكالئ إذا حل قبل البناء فللمرأة أن تمتنع من الدخول حتى تقبضه لأنه صار من جملة الحال.
وفي النوادر: من كتاب ابن المواز عن رواية أشهب: من تزوج بعاجل وآجل فله البناء بدفع المعجل، فإن لم يدخل حتى حل المؤجل فلها منعه حتى تقبض جميعه. قاله الشيخ ميارة.
وفي متاع البيت فللمرأة المعتاد للنساء يعني أن الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت فادعى هو شيئا وادعته هي ولم تقم بينة فإنه يكون للمرأة المعتاد للنساء كالحلي، وسواء كان تنازعهما قبل البناء أو بعده، وسواء كانا مسلمين أو كافرين أو مسلما مع كتابية حرين أو عبدين أو مختلفين في العصمة أو بعدها، حصلت فرقة بلعان أو طلاق أو إيلاء أو فسخ.
ابن عرفة: ويكفي رفع أحد الكافرين إلينا لأنها مظلمة، ومحل ما ذكره المص حيث لم تكن فقيرة ولم يكن المتنازع فيه في حوزه الأخص، فإن كان في حوزه الأخص أو كانت فقيرة فلا يقبل قولها إلا بمقدار صداقها، وينبغي جريان مثل هذا في الرجل فلا يقبل منه فيما لا يشبه أنه ملكه لفقره مما هو للرجل عند التنازع.
فقط أي إنما تستحق عند التنازع في متاع البيت ما هو معتاد للنساء وحدهن -لا ما هو معتاد للرجال فقط أو لهم وللنساء- بيمين؛ يعني أنها لا تستحق المعتاد للنساء فقط إلا بعد أن تحلف أنه لها وقوله: "المعتاد للنساء فقط" قال الشبراخيتي: كالحلي والوشاحين (١) والحجال، وفسر بالستور وبالبيت الذي يزين بالثياب والأسرة والستور، ومنه قول بعضهم:
وأنت التي حببت كل قصيرة … إلي ولم يشعر بذاك القصائر
عنيت قصارا للحجال ولم أرد … قصار النسا شر النساء البحاتر
فقصيرة فعيلة بمعنى مفعولة أي كل مقصورة في محلتها لا تبرح منها، فالأول من القصر بفتح القاف وسكون الصاد، والثاني من القصر بكسر القاف وفتح الصاد، ثم إن كلام المص مقيد بما إذا
стр. 4175
لم تكن فقيرة وادعت ما يزيد على صداقها وإلا فلا يقبل قولها في الزائد على صداقها، ومثل قدر صداقها قدر ما اشترط أو اعتيد، وينبغي أن يجري مثل ذلك في الرجل، فإذا ادعى مالا يشبه أن يملك لفقره مما هو للرجل عند التنازع فإنه لا يقبل قوله.
وإلا فله بيمين يعني أنه إذا لم يكن المتاع معتادا للنساء فقط بل كان معتادا للرجال فقط أو لهم وللنساء ولو مما يحرم على الرجال، كخاتم ذهب حيث عرف باستعماله، فإن المتاع يكون للرجل ولكن لا يستحقه إلا بيمين، ومحل كونه للرجل ما لم يكن في حوزها الأخص، وإلا فالقول قولها والعمدة فيما يعرف للرجال أو النساء أو لهما على ما جرت به العادة، حتى إن الشيء الواحد في الزمن الواحد والمكان الواحد يكون من متاع الرجل بالنسبة إلى قوم ومن متاع النساء بالنسبة إلى آخرين، فإذا كان هو ممن اعتيد فيهم أن السرير للرجال فقط أو لهم وللنساء، وهي من قوم اعتيد فيهم أن السرير للنساء فقط فإنه يكون للرجل بيمين ووارث كل كهو، ويكون على المرأة اليمين فيما اعتيد للنساء فقط، ولو ادعت أنه وديعة عندها، وعليه اليمين فيما اعتيد للرجال أو للرجال والنساء إلا أن يدعي أنه وديعة عنده فيصدق بلا يمين.
والفوق بينهما أن البيت بيته قوله: "متاع البيت": عطف على الزوجية، وسواء في جميع ما ذكر كان التنازع قبل البناء أو بعده، كان الزوجان مسلمين أو كافرين، أو كافرة تحت مسلم حرين أو عبدين أو مختلفين، كانت في العصمة أو بعدها، حصلت فرقة بلعان أو طلاق أو إيلاء أو فسخ.
ابن عرفة: ويكفي رفع أحد الكافرين إلينا لأنها مظلمة، ومثل الزوجين في التفصيل المذكور رجل ساكن محرمه يتنازع معها في متاع البيت ولا بينة لهما، وأم الولد بعد موت سيدها تتنازع مع [ورثته (١)] فلها المعتاد للنساء من ثياب وحلي وغطاء ووطاء بشرط اليسارة في ذلك، لا إن كثر إلا لبينة بهبة سيدها لها ما في بيتها حائزة له ولو مجملا فيعمل بها، فإن ادعى الورثة أنه انتزعه بعد ذلك منها حلفت وبقيت على اختصاصها به ولها رد اليمين عليهم.
стр. 4176
وفي المدونة: والمتاع الذي يعرف للنساء مثل الطست والتور والأسرة والفرش والوسائد وجميع الحلي، إلا الخاتم والمنطقة فإنهما للرجال وكذا السيف والرقيق ذكرانا وإناثا، وأما أصناف الماشية وما في المرابط من خيل وبغال وحمير فلمن حاز ذلك. انتهى. والضابط في ذلك العرف كما مر، وإذا كان الأمر في هذا وما شابهه مبينا على العرف فلا ينظر فيه إلى كلام المتقدمين المبني على عوائد مخالفة لعادة من يفتي بعدهم، ولهذا لا أطيل هنا بذكر ما هو مستغنى عنه. قوله: طست، ويقال طس وطسيسة بفتح الطاء في الجميع وتكسر، وقد تضم والفتح أفصح والتاء في الطست بدل من السين ويرد إلى الأصل في التكسير والتصغير، فيقال طسيس وطسوس وهو إناء مبسوط القعر معطوف الأطراف يعمل في الغالب من النحاس. انظر الحطاب. وشرح ميارة.
ولها الغزل يعني أن الزوجين إذا تنازعا في الغزل الذي في البيت، فقال الزوج هو لي وقالت المرأة هو لي، فإنه يقضى به للمرأة لأنه من فعل النساء، ولا بد من حلفها. إلا أن يثبت أن الكتان له يعني أن محل كون الغزل للمرأة إنما هو حيث لم يثبت الرجل ببينة أن الكتان له، وأما إن أثبت ببينة أن الكتان له أو أقرت هي بذلك فهما شريكان هو بقيمة كتانه وهي بقيمة غزلها، ولو كان الزوج من الحاكة وأشبه غزله غزلها فالغزل للزوج يختص به، وإلا فهو لمن أشبه غزله منهما.
وإن نسجت كلفت بيان أن الغزل لها يعني أن المرأة إذا كانت صنعتها النسج فقط وادعت أن غزل الشقة لها وادعى هو أن الغزل له وأنها إنما نسجتها، فإن القول قوله فتكون الشقة له، وحينئذ فتكلف أن تأتي ببينة تشهد لها أن الغزل لها، قال عبد الباقي: فإن أتت ببينة تشهد لها أن الغزل لها اختصت بالشقة وإلا اختص بها، ويدفع لها أجرة نسجها على المشهور. انتهى. وقال محمد بن الحسن: مقتضى ما مر في الغزل أنهما شريكان وهو الذي في نقل المواق عن ابن القاسم ونصه: سئل مالك عن النسج تنسجه المرأة فيدعي زوجها أن المشقة له، قال: على المرأة البينة أن الكتان كان لها، وقال ابن القاسم: النسج للمرأة وعلى الزوج البينة أن الكتان والغزل كان له، فإن أقام البينة كانت شريكته فيها بقدر قيمة نسجها، وهو بقيمة كتانه وغزله. انتهى.
стр. 4177
قال عبد الباقي: وأما لو كانت صنعتها النسج والغزل معا فالشقة لها دون بينة تكلفها إلا أن يثبت أن الكتان له فشريكان بقيمة ما لكل، وإلا أن تكون صنعته هو أيضا الغزل والنسج معا فالقول قوله بيمين حيث أشبهت صنعته فيهما صنعتها، وإلا فهو لمن انفرد بالشبه. انتهى. فإن قيل قوله: "وإن نسجت" يخالف قوله: "ولها الغزل" لخ، فالجواب أن الأول محمول على من صنعتها الغزل، وما هنا على أنه غير صنعتها وأن صنعتها النسج كما أشرت إليه في أول الحل، أو أن الأول فيمن صنعتها الغزل وما هنا على أن الغزل صنعتها وصنعة الرجل، وأجاب الشارح بأن ما مر قول ابن القاسم وما هنا قول مالك.
وقوله: "وفي متاع البيت" سواء كانت الدار للزوج أو للزوجة، وقد تقدم أن المرأة تحلف ولا بد من ذلك ولو كان الورثة أولادها وليس هذا من دعوى الولد إنما هي المدعية، وقد حكمت السنة بأن تحلف، وانظر إذا اختلفا في الدجاج قيل إنه يقضى به للزوج مع يمينه، وانظر لو نكل من توجهت عليه اليمين من الزوج أو الزوجة في جميع ما مر من قوله: "وفي متاع البيت": قاله الحطاب.
والظاهر أنه إذا نكل (١) تتوجه اليمين على الآخر، فإن حلف قضي له عليه والنكول بعد النكول تصديق للناكل الأول، قاله جامعه عفا الله عنه. ثم رأيت لميارة أنه إن نكل حلف صاحبه واستحق، قال: لأن نكول المدعي كالشاهد فيحلف الدعى عليه ويستحق، وسيأتي كلامه. إن شاء الله. واعلم أنه قد قيل إنه لا يد للمرأة مع الزوج فالقول قوله إذا اختلفا في متاع البيت، وإن كان ذلك من متاع النساء. قاله الحطاب.
واعلم أن كل واحد من الزوجين يتنزل وارثه منزلته، فما يعرف للرجال يقضى به لورثة الرجل مع يمينهم، وكذا ما يعرف للرجال والنساء يقضى به لورثة الرجل مع يمينهم وما يعرف للنساء يقضى به لورثة المرأة مع يمينهم أنه لها.
стр. 4178
وإن أقام الرجل بينة على شراء مالها حلف وقضي له به يعني أن المعتاد للنساء فقط إذا أتى الزوج ببينة تشهد له أنه اشتراه من زوجته أو من غيرها، فإن الرجل يقضى له به ويحلف مع بينته أنه اشتراه لنفسه ويقضى له به ويزيد في يمينه، وأنها لم تعطه ثمنه إذا ادعت عليه ذلك ويجمعهما في يمين واحدة، ومحل حلفه إذا اشتراه من غيرها لا منها، ومحل حلفه أيضا في اشترائه من غيرها مع البينة إن شهدت البينة أنه اشتراه فقط، وأما إن شهدت أنه اشتراه لنفسه فيقضى له به دون يمين.
كالعكس يعني أنه إذا كان المتنازع فيه مما يعرف للرجال كالسيف ونحوه، فادعته المرأة وأقامت بينة على شرائه قضي لها به.
وفي حلفها تأويلان يعني أنه لم يذكر في المدونة يمين المرأة حيث أقامت بينة على شراء ما للرجل بعد أن ذكر أن الرجل يحلف إن أقام بينة على شرائه مالها، فاختلف الأشياخ هل سكوته عن يمينها اجتزاء بما ذكره من يمين الرجل إذ لا فرق بينهما، أو لكونها لا تحتاج إلى يمين لكون المرأة لا تشتري للرجل عادة بخلاف العكس، وقاله بعض القرويين، فإن شهدت بينتها بشراء ما يعرف لهما أو على إرثه لها من أبيها أو على هبته لها مثلا كان لها بغير يمين فيما يظهر، فمحل التأويلين فيما ادعته مما هو خاص بالرجل لا ما يعرف لهما فلا يمين عليها على ما يظهر، وورثة كل كهو ولكن يحلفون على نفي العلم لا على البت.
وذكر علي الأجهوري في باب الهبة عند قول المص "كتحلية ولده" ما نصه: بخلاف زوجته فلا تختص بما حلاها به عن الورثة. نقله عبد الباقي. وإذا طلقها وعليها ثياب وطلبته بالكسوة فقال لها: ما عليك فهو لي، وقالت: بل هو لي أو عارية عندي، فقال ابن الفخار: القول قول الزوج وقيل القول قول المرأة. قاله ابن دحون. وقال المشاور: إن كانت من كسوة البذلة فالقول قوله مع يمينه وإلا فقولها مع يمينها، فإن حلفت كساها وإذا اشترى لزوجته ثيابا فلبستها في غير البذلة ثم فارقها وادعى أنها عارية وأنكرته وكان مثله يشتري ذلك لزوجته على وجه العارية فالقول قوله مع يمينه وإلا فقولها. قاله في التوضيح. قاله الحطاب.
стр. 4179
وقال الشبراخيتي عند قوله "تأويلان": والفرق على التأويل الثاني بينها وبين الرجل أن الله جعل الرجال قوامين على النساء ولم يجعل النساء قوامات على الرجال، وانظر إذا كان عرف قوم أن النساء قوامات على الرجال كالبدو عندنا بمصر، فهل يكون حكم نسائهم في هذه المسألة حكم رجال غيرهن وهو الظاهر؛ لأن هذا الحكم مبناه العرف أم لا؟ انتهى. ولابن عاصم ﵀:
وإن متاع البيت فيه اختلفا … ولم تقم بينة فتقتفى
فالقول قول الزوج مع يمين … فيما به يليق كالسكين
وما يليق بالنساء كالحلي … فهو لزوجة إذا ما تأتلي
وإن يكن لاق بكل منهما … مثل الرقيق حلفا واقتسما
ومالك بذاك للزوج قضى … مع اليمين وبقوله القضا
وهو لمن يحلف مع نكول … صاحبه من غير ما تفصيل
قال الشيخ ميارة: يعني أنه إذا اختلف الزوجان في متاع البيت وأثاثه وادعاه كل واحد منهما لنفسه فإنه يفصل في ذلك، فما كان منه يليق بالرجل كالسكين والرمح والفرس والكتاب فيحكم به للرجل مع يمينه ما لم تقم له بينة فلا يمين عليه، وما يليق بالمرأة كالحلي وما لا يلبسه الرجال فيحكم به للمرأة مع يمينها ما لم تقم لها بينة أيضا، فلا يمين عليها وعلى هذا الحكم إذا لم تقم بينة نبه بقوله: ولم تقم بينة فتقتفى، وما يليق بكل منهما كالرقيق والثياب التي يلبسها الرجال والنساء ففيه قولان، أحدهما أنهما يتحالفان ويقسم بينهما، الثاني وهو المشهور أنه يحكم به للزوج مع يمينه، وبهذا القول الحكم والقضاء، وإلى هذين القولين أشار بالبيت الرابع والخامس، وأشار بالبيت السادس إلى أن من ادعى من الزوجين ما يليق به ولا بينة له، وقلنا القول قوله مع يمينه فنكل عن اليمين وحلف الآخر فإن ذلك يكون للحالف؛ لأن نكول
стр. 4180
المدعي كالشاهد عليه فيحلف المدعى عليه ويستحق، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وعلى ذلك نبه بقوله من غير ما تفصيل. انتهى.
وقد مر الخلاف فيما يليق بكل منهما، وإذا فرعنا على المشهور من أنه للرجل فهل بيمين وهو قول ابن حبيب. ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة عندهم، أو لا يحتاج إليها وهو قول سحنون، ورأى صاحب البيان أنه لا يختلف في توجه اليمين، وذكروا في البسط أنها مما يعرف للنساء، وفي شرح الشيخ ميارة أن ذلك جار على العرف بمصر في أن المرأة تأتي بها، وأما إن طال الأمر فالرجل هو الذي يخلفها ويقضى للمرأة بجميع الحلي إلا السيف والمنطقة والخاتم فإنه للرجل، وللرجل جميع الرقيق ذكرانا وإناثا، وأما أصناف الماشية وما في الحوائط من خيل أو بغال فلمن حاز ذلك قبل وإن لم يكن حوز فالمركوب كله للرجل. انتهى.
تنبيه في أجوبة الشيخ أبي الحسن: وقد سئل عن رجل سافر مع زوجته إلى صهره أبيها وأتاه بهدية فحل من البقر وكانت ملكا للزوج، فلما رجعا من عند الصهر أعطاها بقرة على عادة الثواب ثم إنها تناسلت بعد ذلك، فقال الزوج هي لي وقالت الزوجة أعطاها لي أبي: أنها للزوجة لأن المعتبر أنه ملكها الفحل وملكها العوض، وهذا بحكم العادة لأنهم يقولون سافرت زوجة فالأن بكذا ولا يقولون سافر فلان بكذا. انظر الرهوني.
стр. 4181
فصل: في الوليمة وهي طعام العرس خاصة، ولا تقع على غيره إلا بقيد مشتقة من الولم وهو الاجتماع؛ لاجتماع الزوجين أو الناس فيها، ومنه أولم الغلام إذا اجتمع عقله وخلقه. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: قال في الاستذكار: الوليمة في اللغة طعام العرس والإملاك، والإعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفر، والخرس طعام النفاس، والمأدبة طعام الدعوة، والوكيرة طعام بناء الدور، وزاد غيره: والعقيقة طعام الولادة، والحذافة طعام حفظ القرآن، وقال في الذخيرة: المأدبة هي الطعام الذي يعمل للجيران للمودة، ولعله مراد من قال إنها طعام الدعوة. انتهى. وقال بعضهم: الدعوة بالفتح الرجل يناديك، وبالكسر الرجل الذي يدعي إلى قوم ليس منهم، وبالضم الدعاء إلى طعام مجتمع مثل الولائم، والمأدبة بضم الدال وفتحها. انتهى. وصانعها الآدب، قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى … لا ترى الآدب فينا ينتقر
والجفلى بالتحريك والأجفلى: الدعوة العامة، والخاصة: النقرى. قال الشبراخيتي: وقد نظم الشارح الأطعمة المتقدمة، فقال:
ثمانية أسماء أطعمة أتت … لدى العرب نقلا لا ترى بقياس
وليمة عرس ثم إعذار خاتن … نقيعة سفر ثم خرس نفاس
ومأدبة في دعوة ووكيرة … لأجل بناء محكم بأساس
عقيقة مولود كذاك حذاقه … إذا حذقة حاذى وقيت من البأس
وأشار المص إلى حكم الوليمة بقوله: الوليمة مندوبة يعني أن الوليمة وهي طعام العرس مندوبة على المذهب، فلا يقضى بها لأن الأمر في قوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة (١)) محمول على الندب عند ابن القاسم كما تقدم، وحمل أبو الأصبغ بن سهل الأمر على الوجوب، فقال: الصواب القضاء بها لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: (أولم)،
стр. 4182
وقول ابن سهل ضعيف، وتحصل بأي شيء أطعمه ولو بمدين من شعير، (لما في الصحيح: أولم ﷺ على بعض نسائه بمدين من شعير وعلى بعض بالخبز والتمر (١))، وفيه أيضا: (أولم على زينب بشاة (٢))، ونقل عياض الإجماع أعمى أنه لا حد لأقلها، وأنه بأي شيء أولم حصلت السنة ولا تسقط عند الشافعية بموت الزوجة أو طلاقها ولا بطول زمن على الأوجه كالعقيقة، والمشهور من مذهبنا أن العقيقة تفوت بالسابع الأول، فلا يتم القياس عندنا، قال الأذرعي الشافعي: ولو تعددت الزوجات وقصدها عنهن أي بوليمة واحدة كفت إن كان ما صنعه لو قسمة حصل به الوليمة لكل واحدة، وكذا إن لم يكن نظرا إلى أنه وليمة واحدة، واعترض بأنها كالعقيقة وتتعدد بتعددهن مطلقا، ومال بعضهم إلى ندبها للتسري بعد أن ذكر أنهم سكتوا كن ذلك.
قلت: بل ذكره الأذرعي، فقال: (صح أنه ﷺ أولم على صفية وقالوا إن حجبها فهي امرأته (٣)) ففيه دليل على اتخاذ الوليمة للتسري؛ إذ لو اختصت بالزوجات لما ترددوا في أنها زوجة. انتهى. وانظر ما يناسب مذهبنا في ذلك. قاله الشيخ سالم. نقله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال مالك: كان ربيعة يقول إنما يستحب الطعام في الوليمة لإثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون، قال ابن رشد: يريد أن هذا هو المعنى الذي من أجله أمر رسول الله ﷺ بالوليمة، وحض عليها بقوله لعبد الرحمن بن عوف: (أولم ولو بشاة)، ولما أشبه ذلك من الآثار، وقوله صحيح يؤيده ما روي (أن النبي ﷺ مر هو وأصحابه ببني زريق فسمع غناء ولعبا: فقال: ما هو؟ فقالوا: نكح فلان يا رسول الله، فقال: كمل دينه، هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح حتى يسمع دف أو يرى دخان (٤)). وبالله التوفيق. انتهى.
стр. 4183
وقوله: الوليمة مندوبة"، قال محمد بن الحسن: قال في الشامل: وأما طعام إعذار لختان ونقيعة لقادم من سفر وخرس لنفاس ومأدبة لدعوة وحذقة لقراءة صبي ووكيرة لبناء دار فيكره الإتيان له، وتقدم حكم العتيقة. انتهى. وهو خلاف ما في المقدمات من استحباب الإتيان للمأدبة وإباحة ما عداه مما ذكر، وأن المكروه ما يقصد به الفخر والمحمدة، والمحرم هو ما يفعل لمن تحرم الهدية له كما نقله الحطاب، والخرس بضم الخاء المعجمة وسكون الراء. انتهى. وذيل الأجهوري الأبيات المتقدمة للشارح على ما له بقوله:
ويكره إتيان لكل سوى التي … لعرس ومولود بعيد نفاس
فيندب في الثاني الحضور له وفي الـ … ـوليمة أوجب لا تكون بناس
وقال ابنُ رشد بل يباح لكلها … سوى عُرُسٍ أو مأدباتِ أناس
إذا فعلت لا للفخار وإن له … فيكره فأت فاجن طيب غراس
ومأدبة للجار قصد مودة … ففيها أتى ندبا حضورُ مُواسِ
وسيأتي كلام الحطاب في ذلك إن شاء الله عند قول المص: "وتجب إجابة من عين"
بعد البناء يعني أن الوليمة إنما تندب بعد البناء هذا هو المشهور، قال في العارضة قال ابن حبيب: قد كان النبي ﷺ يستحب الطعام على النكاح عند عقده وعند البناء انتهى وليس كما زعم ما أطعم قط إلا بعد البناء. انتهى. وقال فيها أيضا: ليس في الوليمة على بعض النساء أكثر من الوليمة على غيرها ما يخرج عن العدل بينهن كما فعل النبي ﷺ ؛ لأن ذلك لم يكن قصدا وإنما كان بقدر الوجد. انتهى. وهذا إذا كان كذلك فواضح، وأما إن كان بقصد فالظاهر كراهته ولا يحرم. والله أعلم.
وقال أيضا: والوليمة في السفر مطلوبة كالحضر. قاله الحطاب. وقال محمد بن الحسن عند قوله "بعد البناء": هذا هو المشهور وهو قول مالك: أرى أن يولم بعد البناء وقيل قبل البناء أفضل، وقال عبد الباقي عند قوله "بعد البناء": فما فعل قبله حصل له ندبها وفاته ندب وقتها كما
стр. 4184
يفيده الأبي، فلو أدخل واوا على بعد البناء لأفاد المندوبين، وقول أحمد: "بعد البناء": ظرف لمقدر أي ووقتها بعد البناء فلا يكفي كونها وقعت قبل وقتها، وعليه فلا تجب الإجابة إذا دعى لها. انتهى. خلاف مفاد الأبي، واستظهر علي الأجهوري وجوب الإجابة فيما قبل البناء. انتهى.
وقال الأمير: وندب وليمة وبعد البناء فهو مندوب ثان. انتهى. وقال الخرشي عند قوله. "بعد البناء": هو ظرف لمقدر أي وقتها بعد البناء كما عبر به ابن الحاجب وعلى هذا فلو وقعت قبل البناء فلا تكفي لكونها وقعت قبل وقتها، وعليه أيضا فلا تجب الإجابة إذا دعي لها، وإن جري عرف بذلك لأنه عرف فاسد، وفي كلام الأبي ما يفيد أن كونها بعد البناء مستحب ففعلها في غيره فعل لها في غير وقتها المستحب، وظاهر كلام المؤلف استحبابها ولو ماتت المرأة أو طلقت. انتهى.
وقال الشارح عند قوله "بعد البناء": هكذا قال في الجواهر وهو ظاهر المذهب؛ (لأنه ﵇ أولم على صفية بعده) وهو ظاهر حديث عبد الرحمن؛ لأن فيه (أنه ﵇ لما رأى عليه أثر الصفرة، قال ما هذا؟ قال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال بارك الله لك. أولم ولو بشاة (١)): وقال ابن يونس: تستحب عند العقد وعند البناء. انتهى.
وعلم مما مر أنه على القول بأنها لا تندب إلا بعد البناء لا تكفي إذا فعلت قبله، ولا تجب الإجابة إذا دعي لها.
يوما يعني أن الوليمة تندب يوما واحدا، قال الباجي: المختار منها يوم واحد، والمراد باليوم قطعة من الزمن يقع فيها الاجتماع لأكلة واحدة، ومفهوم قوله: "يوما" أن الزيادة على اليوم تكره، قال عبد الباقي: وكره تكرارها لأنه سرف، إلا أن يكون المدعو ثانيا غير المدعو قبل ذلك لا تكرار الطعام بعدها لا بقصدها فلا يكره. (٢) انتهى. وقال الشبراخيتي: ويكره أكثر حيث فعله بقصد أنه وليمة، وأما لو فعله لا على قصد أنه وليمة فلا يكره. انتهى. وقال الشارح عند قوله
стр. 4185
"يوما" ما نصه: هو كقول صاحب المنتقى: هو يوم واحد؛ لأن الزيادة على ذلك سرف، قال: ويكره استدامة ذلك، وعن ابن حبيب يولم من له المقدرة ثمانية أيام لما فيه من إظهار النكاح والتوسعة على الناس. انتهى. وقال الأمير: وكره تكرارها إلا لآخرين. انتهى.
وتجب إجابة من عين يعني أن من دعي إلى الوليمة تجب عليه الإجابة يوما واحدا بشرط أن يكون معينا، قال عياض: لم يختلف العلماء في وجوب إجابتها، وقوله: "عين" ولو بكتاب أو رسول ثقة ولو مميزا غير مجرب في كذب، والتعيين أن يقول: ادع لي فلانا أوأهل محلة كذا وهم محصورون لأنهم معينون حكما لا غير محصورين، كادع لي من لقيت أو العلماء أو المدرسين وهم غير محصورين، فإن تنازع الرسول والمدعو في تعيينه بالشخص والوصف صدق الرسول بيمين مع قرينة على صدقه فيما يظهر، والظاهر أيضا ندبها ووجوب الإجابة إن صنعها للزوج كاخيه من مال نفسه. قاله الشيخ عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: عين صريحا بكتابة أو رسالة لمعين مع ثقة أو مميز لم يجرب عليه الكذب، كادع لي أهل محلة كذا وهم محصورون، لا إن قال ادع من لقيت. انتهى. وقال الشارح: المشهور أن الإجابة واجبة. ابن القصار: مستحبة، والأول مقيد كما قال بأن يقول له الزوج تأتي عندنا وقت كذا يا فلان، أو يقول لشخص: ادع لي فلانا ونحو ذلك، قال الباجي وغيره: فإن قال ادع من لقيت لم تجب الإجابة لعدم التعيين. انتهى. وقال الإمام الحطاب: يعني أن الإجابة تجب يوما واحدا على من دعي معينا، ومراده سواء كان سابعا أو غير سابع، قال ابن عرفة: ابن رشد: إن جعل الوليمة والسابع معا وجبت إجابته لأنه دعي لحق ومن دعي للسابع بخلافه؛ لأنه لم يدع لحق بل لمعروف، وكذا من ترك الوليمة وفعل السابع وإن أخر الوليمة للسابع، فقال مالك: يجيب وليس كالوليمة لأنه ربما جعل الوليمة والسابع، ووجه تعليله تخفيف الإتيان بما قال هو أنه لما كان الرجل قد يجمعهما احتمل عنده أنه لم يؤخر الوليمة إلى اليوم السابع بل تركها وعمله، ولو كانت عادة الناس بالبلد أنهم لا يولمون إلى اليوم السابع لوجبت الإجابة. انتهى.
стр. 4186
وقال في جامع الذخيرة: مسألة فيما يؤتى من الولائم، قال صاحب المقدمات هي خمسة أقسام: واجبة الإجابة إليها وهي وليمة النكاح، ومستحبة الإجابة وهي المأدبة وهي الطعام يعمل للجيران للوداد، ومباحة الإجابة وهي التي تعمل من غير قصد مذموم كالعقيقة للولد والنقيعة للقادم من السفر والوكيرة لبناء الدار والخرس للنفاس والإعذار للختان ونحو ذلك، ومكروه وهو ما يقصد به الفخر والمحمدة لا سيما أهل الفضل والهيئات؛ لأن إجابة مثل ذلك يخرق الهيئة، وقد قيل ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له، ومحرمة الإجابة وهو ما يفعله الرجل لمن تحرم عليه هديته كأحد الخصمين للقاضي. انتهى.
وقد مر كلام الشامل، ومن كلام ابن رشد: الدعوة في الختان ليست بواجبة عند أحد من أهل العلم ولا مستحبة وإنما هي من قبيل الجائز الذي لا يكره ولا يستحب. انتهى. قوله: "وتجب إجابة من عين" دليله الحديث الصحيح أنه ﵊، قال: (شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله (١))، وإذا اجتمع داعيان أجاب الأسبق فإن استويا فأقربهم (٢) دارا فإن استويا أقرع بينهما. وإذا دعي الرجل إلى الوليمة أو غيرها وقيل له ائت بمن تحب معك فلا بأس أن يستصحب من إخوانه من شاء. قاله في رسم الخلع من سماع أصبغ من كتاب الجامع.
ابن رشد: هذا بين أنه يستصحب من شاء ولا يجب على المستصحب إلا أن يشاء إذا لم يقصد صاحب الوليمة إلى دعائه فلا يلزمه الإتيان إليها. والأصوب أن الواجب عدم الإجابة لوليمة الكافر؛ لأن في إجابته إعزازا له، والمطلوب إذلاله قال في العتبية في رسم الأقضية من سماع أشهب، سئل عن النصراني يختن ابنا له فيدعوا مسلما أترى أن يجيبه؟ فقال إن شاء أجابه ليس عليه في ذلك ضيق إن جاءه فلا بأس به، قال ابن رشد معنى قوله: لا إثم عليه في ذلك ولا حرج إن فعله، وذلك إذا كان له وجه من قرابة أو جوار وما أشبه ذلك، والأحسن أن لا يفعل لا سيما إذا كان ممن يقتدى به لما في ذلك من [التودد (٣)] إلى الكفار، وقد قال الله : ﴿لَا تَجِدُ
стр. 4187
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾.
وقال ابن عرفة: في طرر ابن عات: لا بأس أن يحضر وليمة اليهودي ويأكل منها، قال بعض أصحابنا: بعد أن يحلفه أنه لم يتزوج أخته ولا عمته ولا خالته. قلت: الأصوب أن الواجب عدم الإجابة لأن في إجابته إعزازا له والمطلوب إذلاله، وقوله: بعد أن يحلفه فيه نظر؛ لأن ذلك مباح في ملتهم. نقله الحطاب.
وإن صائما يعني أنه يجب على المدعو في الوليمة أن يجيب الداعي، وإن كان المدعو صائما إلا أن يعين (١) المدعو وقت الدعوة للداعي أنه صائم، فلا يجب عليه الحضور حينئذ حيث كان الاجتماع والانصراف قبل الغروب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: ظاهر كلام الأبي في كتاب الصيام أن الصائم إذا أخبر أنه صائم لا يلزمه الحضور، وقيده النووي بأن يسامح في ذلك. والله أعلم. وقال الشارح عند قوله: "وإن صائما" ما نصه: هكذا روي عن مالك وقال أصبغ ليس ذلك بالوكيد ولا يبعد كون القولين مبنيين على وجوب الأكل وعدمه. انتهى. وقال غير واحد من الشراح: والتعيين بأن يقول صاحب العرس أو وكيله لمعين: تأتي وقت كذا أو أسألك الحضور أو تجملني (٢) بالحضور إلا إن قال احضر إن شئت إلا لقرينة تأدب أو استعطاف مع رغبة في حضوره. وأشار إلى شروط وجوب الإجابة بقوله: إن لم يحضر من يتأذى به شرط في قوله: "وتجب إجابة من عين" لخ يعني أنه يشترط في وجوب الإجابة على المدعو المعين شروط، أحدها أن لا تحصل له عند الوليمة إذاية وأما إن كان يحصل له ما يؤذيه عند الوليمة فإنه لا يلزمه الإتيان إليها، كسفلة تزري به مجالستهم إذ لا يؤمن معهم على دين، فلو كان تأذيه بهم لحظ نفس لم يبح له التخلف إلا أن يخشى بمجالسته لهم اغتيابه أو إذايته.
تنبيهات: الأول: قال مالك بلغني أن أبا هريرة ﵁ دعي إلى وليمة وعليه ثياب دون فأتى ليدخل فمنع ولم يؤذن له، فذهب فلبس ثيابا جيادا ثم جاء فأدخل، فلما وضع الثريد بين
стр. 4188
يديه وضع كميه فقيل له ما هذا يا أبا هريرة؟ فقال: إنما هي التي أدخلت وأما أنا فلم أدخل قد رددت إذ لم تكن علي ثم بكى، وقال: ذهب حبيبي ولم ينل من هذا شيئا وبقيتم تهدبون بعده، قال ابن رشد: هذه الوليمة التي رد فيها أبا هريرة من لم يميزه من حجاب باب الوليمة؛ إذ ظنه فقيرا لما كان عليه من الثياب الدون، وأدخله بعد ذلك من رآه من حجابها في صفة الأغنياء بالثياب الحسان هي التي قال فيها رسول الله ﷺ : (شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله (١))، ويروى: بئس الطعام ويريد أنه بئس الطعام لمطعمه إذ رغب عما له في الحظ أن لا يخص بطعامه الأغنياء دون الفقراء، فالبأس في ذلك عليه لا على المدعو، لقوله في الحديث نفسه: (ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله)، وبكى ﵁ شفقا من تغير الأحوال على قرب المعهد بالنبي ﷺ ورغبة الناس عما ندبوا إليه في ولائمهم من عملها على السنة (٢) وترك الرياء فيها والسمعة. وبالله التوفيق. نقله الإمام الحطاب.
الثاني: قال ابن العربي في العارضة: روي عن ابن عمر ﵄ أنه دعا في وليمة الأغنياء والفقراء، فعزل الفقراء عنهم وقال نطعمكم مما يأكلون لا تفسدوا عليهم ثيابهم وهذا مما لم يثبت فلا تعولوا عليه. انتهى المراد منه. قاله الحطاب.
الثالث: قال محمد بن الحسن: قال ابن العربي: كان ﵊ يجيب كل مسلم فلما فسدت مكاسب الناس والنيات كره العلماء لذي المنصب أن يتسرع للإجابة إلا على شروط، هذا وليس في السنة إجابة من يطعم مباهاة وتكلفا، بل جاء النهي عن ذلك لكن في الإحياء أنه إنما يحرم الرياء بالعبادات لا بالدنيا كالتجمل للناس، قال في الإحياء: انصراف الهمم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ولا يوصف بالتحريم، فعلى هذا نقول تحسين الثوب الذي يلبسه عند خروجه إلى الناس مراءاة وليس بحرام لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم، ثم قال: فإذن المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة وقد تكون طاعة وقد
стр. 4189
تكون مذمومة وذلك على حسب الغرض المطلوب، ولذلك نقول إن الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة لكن ليعتقد الناس أنه سخي فهذه مراءاة وليست بحرام وكذلك أمثاله. انتهى.
قال سيدي عبد الرحمن الفاسي عقبه: وانظره مع ما في (حديث مسلم (١)) في باب: من قاتل للرياء والسمعة وكذا من أنفق رياء وسمعة وليقال جواد، من كونه يؤمر به فيسحب على وجهه ويلقى في النار وكذا تحريم المباهاة. انتهى. من خطه انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
ثانيها أشار إليه بقوله: ومنكر يعني أنه يشترط في وجوب الإجابة أيضا أن لا يكون عند الوليمة مستنكر شرعا لا يقدر على تغييره، قال ابن العربي في العارضة: اتفق العلماء على أنه إذا رأى منكرا أو خاف أن يراه أنه لا يجيب، وقال أيضا بعد حكايته الخلاف في وجوب الإجابة: أما الذي يصح في هذا كله عند النظر أن إجابة الدعوة واجبة إذا خلصت نية الداعي لله وخلصت وليمته عما لا يرضي الله، ولما عدم هذا سقط الوجوب عن الخلق بل حرم عليهم كما سيأتي بيانه، فلا معنى للإطناب في ذلك. انتهى.
وقال القرطبي في شرح مسلم: وهذا كله ما لم يكن في الطعام شبهة أو تلحق فيه منة أو رؤية منكر فلا يجوز ولا الأكل ولا يختلف فيه. انتهى. وقال الأبي: يأتي لابن حبيب وغيره من السلف زيادة مانع آخر وهو أن لا يخص بالدعوة الأغنياء، قال: فإن خصهم سقط الوجوب. انتهى. وقال القرطبي: ومعنى قوله ﷺ : (شر الطعام طعام الوليمة) اختصاص الأغنياء بالدعوة، واختلفوا فيمن فعل ذلك هل تجاب دعوته أم لا، فقال ابن مسعود: لا يجاب ونحا نحوه ابن حبيب من أصحابنا، وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة. والله أعلم. انتهى. قاله الحطاب.
وقال الشبراخيتي: وكذا يباح التخلف إذا خص بالدعوة الأغنياء كما ذكره الأبي وظاهره عن الأغنياء وغيرهم، وحكم اختصاص الدعوة بالأغنياء الكراهة كما صرح به القرطبي. انتهى. ثم ذكر
стр. 4190
الحديث المتقدم عن أبي هريرة، وقال في آخره وبقيتم تهدبون بعده. انتهى. وتهدبون بفتح التاء وسكون الهاء وكسر الدال بعدها موحدة، ففي القاموس في باب الباء الموحدة: هدب الثمرة اجتناها تجنون الثمار من رؤوس الشجر.
ومثل المص للمنكر بقوله: كفرش حرير يعني أنه يشترط في وجوب إجابة المدعو المعين أن لا يكون عند الوليمة مستنكر شرعا لا يقدر على تغييره، ومثلوا للمنكر بفرش الحرير يجلس هو أو رجاك غيره عليه مع رؤيته ولو من فوق حائل؛ لأن النظر للمعصية معصية ودخل بالكاف وجود كلب لا يحل اقتناؤه وآنية ذهب وفضة مقتنيين، وكسماع ما يحرم سماعه كما لو كان ذلك في جوار بيته ولا يلزمه التحول وإن بلغة الصوت، وأما منكر بغير محل حضوره كبيت آخر من الدار فلا يمنع الوجوب حيث لم يسمع، وخرج بمنكر ستر الجدران بحرير من غير مماسة المدعو لها فلا حرمة فلا يباح التخلف. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ولو من فوق حائل، قال محمد بن الحسن: ذكر البرزلي أن المرجاني كان يجلس على فرش الحرير إذا جعل عليها الحائل، وأجراها البرزلي على مسألة المغشى وعلى مسألة ما إذا فرش على النجس ثوب طاهر وصلي عليه. نقله الشيخ أبو زيد.
ومثل عبد الباقي للمنكر برؤية الغلمان بالحلية المحرمة على البالغين، قال محمد بن الحسن: يعني إذا قلنا بحرمة تحليتهم بها، وقد مر أول الكتاب ذكر الخلاف، وقوله: "كفرش حرير" وكذا مسانيد الحرير يستند إليها وكذا مبخرة من نقد يبخر بها أي شأنها ذلك.
وصور على كجدار عطف على "فرش حرير"؛ يعني أنه يشترط في وجوب الإجابة على المدعو أن لا يكون عند الوليمة ما يستنكر شرعا، وأما إن كان ذلك عندها كصور على جدار أي صور لحيوان فوق سمت الحائط لا في عرضه -لأنه لا ظل لها- فإن ذلك يسقط الوجوب، وقوله: "وصور على كجدار". الشبراخيتي: واعلم أن التمثال إن كان لغير حيوان كالشجر جاز وإن كان لحيوان فعا له ظل ويقيم كما إذا كان من حجر فهو حرام بالإجماع، وكذا إن لم يقم كالعجين والطين والشمع خلافا لأصبغ لما (ثبت أن المصورين يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما كنتم
стр. 4191
تصورونه (١))، وما ليس له ظل فإن كان غير ممتهن كالذي في الحائط فهو مكروه، وإن كان ممتهنا كالذي في البسط والحصر فتركه أولى، الشيخ أبو الحسن: وهذا في الصور الكاملة، وأما إن نقصت الصورة عضوا من أعضائه الظاهرة فلا يحرم النظر إليها، ونظمها شيخنا فقال:
وتمثال ذي ظل إذا دام حرموا … وما لم يدم أيضا وأصبغ خالفا
وما ليس ذا ظل وصاحب مهنة … فترك له أولى وُقِيت المخالفا
وإن يَعرُ عنها فهْو يكره ثم ذا … بغير تماثيل الجمادات فاعرفا
فأما بتمثال الجماد فجائز … كناقص عضو من سواه بلا خفا
قال في كتاب البركة: ولا بأس بنصب [الأرجوحة (٢)] واللعب عليها للرجال والنساء. نص على ذلك القرافي في فتاويه والنووي والقاضي عياض وغيرهم، قال القرافي أيضا: وحكي عن بعض العلماء أن الأرجوجة تنفع لوجع الظهر والحديث في الأمر بفعلها مرسل، ذكره البيهقي وذكر الحكيم الترمذي إباحتها للصغار مطلقا وللكبار للتداوي لغرض صحيح، وحمل منعها على من اتخذها للهو واللعب، وقد ذكر في الروضة أن الرقص الذي لا تكسر فيه لا يحرم، ولكن ترد الشهادة بالمداومة عليه لإخلاله بالمروءة، فإن كان به تثن وتكسر فهو حرام على الرجال والنساء. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "وصور": مجسدة كحيوان عاقلٍ أو غيره كامل الأعضاء الظاهرة ولها ظل منقوشة على كجدار أي فوق سمته لا في عرض حائطه لأنه لا ظل لها، ولذا لم يقل على حائط فعلم أن تصوير صورة حيوان عاقل أم لا كامل الأعضاء الظاهرة ولها ظل يدوم حرام إجماعا، وكذا إن لم يدم خلافا لأصبغ كما في توضيحه كتصوير غزال من قشر بطيخ حال طراوته، فإن له ظلا ما دام طريا يقف به، فإذا جف سقط مع بقاء هيئة صورته لا إن نقص بعض [أعضائه (٣)] فيباح، وانظر لو غطي العضو بشيء، ولا غير ذي ظل فيكره في غير ممتهن كفعله
стр. 4192
بحائط أو ورق، وأما في ممتهن كفعله بحصر أو بسط فخلاف الأولى، وأما تصوير صورة شجر أو جماد كصورة جامع أو مدينة فجائز ولو كان له ظل ويدوم، ويستثنى من المحرم تصوير لعبة على هيئة بنت صغيرة لتلعب بها البنات الصغار فإنه جائز، ويجوز بيعهن وشراؤهن لتدريب البنات على تربية الأولاد كما في الحطاب. انتهى.
وقال ابن شأس: وكذلك إن كان على جدران الدار صور أو ساتر ولا بأس بصور الأشجار. انتهى. وبحث فيه ابن عرفة بقوله إن أراد الصور المجسدة فصواب وإلا فلا أعرفه عن المذهب، ثم قال: وقول ابن شاس: أو ساتر إن أراد بغير ثياب الحرير، فلا أعرفه لغيره في المذهب، وإن أراد بالحرير فإن كان بحيث يستند إليه فصواب، وأما ما لا يستند إليه وما هو إلا مجرد الزينة فالأظهر خفته ولا يصح كونه مانعا من وجوب الإجابة. انتهى.
ابن رشد: والذي لأهل العلم بعد تحريم ما له ظل قائم أربعة أقوال: الأول إباحة ما عدا ذلك ولو كان التصوير في جدار أو ثوب منصوب، والثاني: تحريم جميع ذلك، والثالث: تحريم ما في جدار أو ثوب منصوب وإباحة ما في الثوب المبسوط، والرابع: تحريم ما بالجدار وإباحة ما في الثوب المنصوب والمبسوط.
ابن عرفة: ظاهر المذهب أن في صور الثياب قولين: الكراهة وهو ظاهر المدونة، والإباحة وهو قول أصبغ، وقد مر قول ابن عرفة إن أراد الصور المجسدة، وذكر أبو عمر ذلك عن غير أهل المذهب محتجا برجوعه ﵊ عن بيت فاطمة لفراش رآه في ناحية البيت فانصرف وقال: (ليس لي أن أدخل بيتا فيه تصاوير أو قال بيتا مزوقا (١)) (وبرجوع أبي أيوب وأبي مسعود لمثل ذلك (٢)).
لا مع لعب مباح معطوف على محذوف أي يترك الإجابة مع منكر لا مع لعب مباح. قاله الشيخ عبد الباقي؛ يعني أنه يجب على المعين إذا دعي إلى الوليمة أن يجيب ولو كان عند الوليمة من يلعب لعبا مباحا خفيفا، كدف يضربه الرجال فقط أو النساء فقط. واحترز بقوله: "مباح" عن
стр. 4193
غير المباح، كمشي على حبل وجعل خشبة على جبهة إنسان ويركبها آخر فإنه يبيح التخلف. قاله في سماع أشهب. وكذا مع لعب غير خفيف، وقال ابن رشد: اللعب في الوليمة هو من ناحية ما رخص فيه من اللهو، وقد اختلف فيما رخص فيه من ذلك هل الرخصة فيه للنساء دون الرجال؟ أو للنساء والرجال فقال أصبغ في سماعه من كتاب النكاح إن ذلك يجوز للنساء دون الرجال وإن الرجال لا يجوز لهم عمله ولا حضوره وهو ظاهر ما في الرواية، والمشهور أن عمله وحضوره جائز للرجال والنساء وهو قول ابن القاسم في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح، ومذهب مالك خلاف قول أصبغ، إلا أنه كره لذي الهيئة أن يحضر اللعب. نقله الحطاب.
ومن قواعد عز الدين ما معناه أن صلاح القلوب بالأحوال المحمودة مطلوب، ومن الناس من لا تكون له هذه الأحوال إلا بالاجتلاب وبسبب خارج، ومنهم من تحضره هذه الأحوال الحميدة بسماع القرآن وهؤلاء أفضل أهل السماع، ومنهم من تحضره عند الوعظ والتذكير ومنهم من تحضره عند الحداء والنشيد، وفيها نقص من جهة ما فيه من حظ النفس، ومنهم من تحضره هذه المعارف والأحوال المبنية على سماع المطربات المختلف في تحليلها كالشبابة، فهذا إن اعتقد تحريم ذلك فهو مسيء بسماعه محسن بما حصل له من المعارف والأحوال، وإن اعتقد تحليل ذلك تقليدا لمن قال بها من العلماء فهو تارك للورع بسماعها محسن بما حضره من المعارف والأحوال الناشئة عنها.
واللعب المباح الخفيف لا يباح لأجله التخلف ولو حصل اللعب المباح في حضرة ذي هيئة ويصح أن تكون في بمعنى مع أي ولو كان اللعب المباح مع حضور ذي هيئة وهذا التقرير للشبراخيتي. ابن العربي: ليس الغناء بحرام (لأن النبي ﷺ حضر ضرب الدف (١)) ولا يصح أن يكون ذو الهيئة أعظم منه ﷺ .
стр. 4194
وأشار بقوله على الأصح لقول القاضي أبي بكر: إنه الحق، ورد المص به ما رواد ابن وهب: لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعا فيه لهو.
وكثرة زحام يعني أنه يشترط في وجوب الإجابة على المدعو المعين أيضا أن لا يكون هناك كثرة زحام، وأما إن كان هناك كثرة زحام فإن ذلك مما يبيح التخلف لأن فيه إذاية، وقوله: "وكثرة زحام" الظاهر في دخول أو جلوس أو أكل. قاله الشبراخيتي. وقوله: "وكثرة" معطوف على فاعل يحضر مضمنا معنى يوجد أي إن لم يوجد من يتأذى به، وكثرة زحام أو معمول مقدر معطوف على يحضر أي ويكن كثرة زحام. قاله الشبراخيتي. وإغلاق باب دونه يعني أنه يشترط في الوجوب أيضا أن لا يغلق الباب عند حضوره، فإن علم أن الباب يغلق عند حضوره أبيح له التخلف، وقوله: "وإغلاق باب دونه" ظاهره ولو للمشورة عليه، فإن أغلق لا لحضوره بل للطفيلية ونحوهم لم يبح له التخلف، والمسألة لابن عبد الغفور، وبقي من شروط الوجوب أن لا يبعد مكان الوليمة بحيث يشق على المجيب الإتيان، وللشافعية أن شدة الحر والبرد تبيح التخلف وأولى مرض أو حفظ مال أو خوف عدو، وأن لا يكون بالطريق شدة وحل أو مطر قياسا على الجمعة، وأن لا يخص بالدعوة الأغنياء فإن خصهم سقط الوجوب عن الأغنياء، وقد صرح الحطاب بكراهة اختصاص الدعوة بالأغنياء لا بالحرمة، وأن لا يكون على رؤوس الآكلين من ينظر إليهم. كما نقله الأقفهسي. وأن لا يفعل طعامها لقصد المفاخرة والمباهاة والعرض فقط لا للأكل، فلا ينبغي حضوره فضلا عن الإكثار من أكله، فإن حضر لضرورة فلا يأكل إلا قدر ما يطيب خاطر صاحبه، وأن لا يكون مدعوا لأكل ما له رائحة كريهة تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة إلا إن قدر على إزالتها فيجب قياسا عليهما.
قال بعض الشافعية: وأن لا يكون بسطح الدار ومرافقها نساء ينظرن إلى الرجال أو يختلطن بهم. انتهى. والاختلاط يوافق مذهبنا وأما علوهن بسطح الدار فمبني على مذهبهم من حرمة نظر المرأة للرجل، وأن لا يكون الداعي فاسقا أو شريرا طالبا للمباهاة والفخر، قال الأذرعي: من جاز هجره لا تجب إجابته ولو كان الداخل في كل ما مر أعمى أو في ليل مظلم؛ لأن الحضور عند المنكر حرام إلا أن يحضر ليمنع من فعله فيجب الحضور للدعوة ولإزالة المنكر، بل يجب حضوره
стр. 4195
بدونها حيث قدر على المنع، وأن لا تكون الداعية امرأة غير محرم إلا أن يكون معها محرم له أنثى يحتشمها، والظاهر أن الخنثى كالأنثى.
ومن مبيح التخلف كون المدعو لها أمرد يخاف منه ريبة أو تهمة، ويظهر أن يكون الداعي كذلك، ومن شروط وجوب الإجابة أن لا يسبق الداعي غيره، فإن تعدد الداعي أجاب الأسبق، فإن استويا فذو الرحم فإن كانا ذوي رحم فأقربهما رحما، فإن استويا فأقربهما دارا فإن استويا أقرع. قاله عبد الباقي. وقوله: "وإغلاق" قال عبد الباقي: وعبر في الجواهر بغلق، والمسألة لابن عبد الغفور، وأنكر ابن عرفة فقهه ولفظه: والكمال لله، فأما فقهه فقد علمته، وأما لفظه فالاسم الثلاثي مسموع باتفاق وفي مصدريته خلاف، والفعل الثلاثي مهجور في الفصحى، ولذا قال أبو الأسود الدؤلي:
ولا أقول لقدر القوم قد غليت … ولا أقول لباب الدار مغلوق
أي أنه فصيح لا ينطق إلا بالمستعمل، وقيل أراد أنه عفيف لا يتطفل، قلت ولذا عدل المص عن الاسم الثلاثي إلى الرباعي. قاله الشيخ سالم. وبقي من شروط الإجابة أن تكون الوليمة لمسلم إلى آخر كلامه، ولا يجوز الحضور إذا كان في الطعام المدعو إليه شبهة أي شبهة توجب تحريم الأكل منه. قاله الشبراخيتي. وقال (١) قول ابن عرفة: إن قول ابن شأس: ولا غلق باب دونه لا أعرف فقهه ولا لفظه والصواب إغلاق. انتهى. فيه نظر لما علمت من أن فقهه موافق لما لابن عبد الغفور، وأما لفظه فالاسم الثلاثي مسموع باتفاق وفي مصدريته خلاف فقد ثبت ما أنكر ابن عرفة على ابن شاس.
وفي وجوب أكل المفطر تردد مبتدأ وخبره المجرور قبله؛ يعني أنه إذا دعي إلى الوليمة وهو مفطر فقد تردد الباجي في وجوب الأكل عليه وندبه، فقال: لم أر لأصحابنا فيه نصا جليا وفي المذهب مسائل تقتضي القولين. انتهى. واعترضه ابن عرفة برواية محمد: عليه أن يجيب وإن لم يأكل،
стр. 4196
وابن ناجي بقول الرسالة: وأنت في الأكل بالخيار، قال الإمام الحطاب: ولا شك أن الثاني نص في ذلك، وأما الأول ففيه نظر فتأمله، وفي العتبية: وسئل مالك عن الإتيان إلى الوليمة؟ فقال: أرى أن يأتيها، فقيل له: ربما كان الزحام فيكره ذلك لوضعه، فقال: إن كان الزحام فإني أرى له سعة، فقيل له فيجيب وإن كان صائما؟ قال: نعم أرى أن يجيب أكل أو لم يأكل، قال ابن رشد: قوله أرى أن يجيب أكل أو لم يأكل يريد أن الإجابة تلزمه كان صائما أو مفطرا، فإن كان صائما صلى كما جاء في الحديث أي دعا، وإن كان مفطرا فليس عليه بواجب أن يأكل وإنما يستحب له ذلك ويندب إليه؛ لأن أمر النبي ﷺ بالأكل فيما روي عنه من قوله: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل) محمول على الندب عند مالك ﵁، بدليل قول النبي ﷺ في حديث آخر: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك)، وأهل الظاهر يوجبون عليه الأكل لظاهر الحديث الأول، وما ذهب إليه مالك من استعمال الحديثين أولى من طرح أحدهما. نقله الحطاب. وقال البرزلي في مسائل الهبة والصدقة: وما يفعل من الأطعمة في بعض الأعراس والولائم والأعياد من طعام رفيع أو حلاوة وقصد الناس بها المفاخرة وعرضه أي الطعام فقط لا أكله، فلا ينبغي أن يحضر فضلا عن أن يكثر من أكله، فإن حضر لضرورة فلا يأكل منه إلا قدر ما تطيب به نفس صاحبه على العادة، ولا يجوز الإفراط في الأكل منه إذ لم يصنع لذلك. انتهى.
وقال قبله: إذا قدم الطعام لضيافة أو لغيرها فلا يأكل منه إلا قدر ما يأتي بين يديه، ولا يتعدى إلى جاره في نصيبه إلا بطيب نفس منه، وكذا إذا كان الطعام كثيرا وأكل أكلا خارجا عن المعتاد لابد له من استئذان رب الطعام ولا سيما على القول إنه لا يملك إلا بالازدراد فلا يأخذ منه إلا ما جرت به العادة من باب تخصيص العموم بالعادة ولا يطعم منه هرا ولا غيرها إلا بإذن ربه، وعلى القول بأنه يملك بالتمكين فيجوز أن يطعم الهر ونحوها ويحتمل أن لا يعطي شيئا من ذلك كله لأنه إنما ملك الانتفاع في نفسه خاصة لا عموم منفعة الطعام في كمال التصرف كما في بعض مسائل الحبس.
стр. 4197
وبلغني عن الشيخ الصالح أبي عبد الله الرماح شيخ عصره في بلده أنه أكل معه بعض أهل البادية طعاما فجاوز العادة فخاف البدوي الفضيحة، فقال يا سيدي: يقول الناس من راءا في أكله راءا في دينه، فقال له: اسكت من راءا في أكله ستر دينه.
قال جامعه عفا الله عنه: علم مما مر أن المعتمد ندب أكل المفطر لا وجوبه، ولهذا قال الشيخ الأمير: وندب أكل المفطر. انتهى. والله سبحانه أعلم.
ولا يدخل غير مدعو يعني أن من لم يدع إلى الوليمة يحرم عليه أن يدخل إلى محل الوليمة أكل أو لم يأكل، إما لتأديته إلى الوقوع في عرضه إن كان من ذوي الأقدار، وإما لنسبته لخسة نفس وسقاطة. قاله الشبراخيتي. إلا بإذن يعني أن محل المنع إنما هو حيث لم يأذنوا له في الدخول، وأما إن أذنوا له في الدخول فإنه يجوز له الدخول إلى محل الوليمة مع حرمة مجيئه لكونه غير مدعو، وقوله: "ولا يدخل غير مدعو" ظاهره حرمة ذلك ولو تابع ذي قدر عرف عدم مجيئه وحده لوليمة أو غيرها. وكره نثر اللوز والسكر يعني أنه يكره نثر اللوز والسكر ونحوهما لينتهب ما ذكر وانتهابه مكروه، وإذا أحضر لينتهب فهما مكروهان. انظر الرهوني. وهذا إذا كان أحدهم لا يأخذ شيئا مما بيد صاحبه وإلا فهو حرام، وكذا يحرم انتهابه إذا نثره ربه لا لينتهب، ومعنى نثره إحضاره وليس المراد ما يعطيه ظاهره من أنه نشره وتفريقه والقول قول من ادعى أنه للنهبة وكذا يظهر. قاله عبد الباقي. ومقتضى المصنف أن نثره لينتهب مكروه لأنه وسيلة مكروه. قاله جامعه. والله تعالى أعلم. ومعنى الانتهاب التخاطف، والله سبحانه أعلم.
قال مالك فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم: وفي العرائس فتكون فيه النهبة، فقال: لا أحب أن يوكل منه شيء إذا كان ينتهب، قال ابن رشد: كرهه مالك بكل حال لظواهر الآثار الوادرة عن النبي ﷺ في ذلك، من ذلك نهيه عن النهبة، قال: (النهبة لا تحل (١)) وأنه قال: (من انتهب فليس منا (٢)) وفي ذلك تفصيل، أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب فانتهابه حرام لا يحل ولا يجوز؛ لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في
стр. 4198
أكله على وجه ما يؤكل فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل مع أصحابه على وجه الأكل فقد أخذ حراماة وأكل سحتا لا مرية فيه ودخل تحت الوعيد، وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه فقد كرهه مالك وأجازه غيره، وتأول أن النهي عن الانتهاب إنما معناه انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه بدليل ما روي عن عبد الله بن قرط، قال: قال رسول الله ﷺ : (أحب الأيام إلى الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر (١) فقرب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست (٢) فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفيفة لم أفهمها، فقلت للذي كان في جنبي: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: قال: (من شاء اقتطع (٣))، وما روي من أن صاحب هدي رسول الله ﷺ ، قال يا رسول الله: كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال رسول الله ﷺ : (انحرها ثم ألق قلائدها في دمها وخل بين الناس وبيننها يأكلونها (٤))، وقال في جامع الكافي في طعام النهبة إذا أذن فيه صاحبه وذلك نحو ما ينثر على رؤوس الصبيان وفي الأعراس والختان اختلف في كراهته، والتنزهُ عنه أولى. قاله الحطاب.
لا الغربال يعني أن الغربال أي الطار وهو الطبل المغشى بجلد من جهة واحدة لا يكره في الوليمة، قال عبد الباقي: ولو بصراصير، قال محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن الذي نقله الحطاب عن القرطبي وصاحب المدخل وغيرهما حرمة ذي الصراصير وهو الصواب لما فيها من زيادة الإطراب. والنص والحديث يدلان على ندب الغربال والمص لا يفهم منه ذلك، والغربال والدف مترادفان، قال التلمساني في شرح الرسالة: اتفق أهل العلم على إجازة الدف وهو الغربال، وفي المدخل: ومذهب مالك أن الطار الذي فيه الجراس محرم وكذا الشبابة، وقال الشيخ جعفر الأدفوي الشافعي: وذهب طائفة إلى إباحة الدف في العرس والعيد وقدوم الغائب وكل سرور حادث، وهذا ما أورده الغزالي في الإحياء والقرطبي المالكي في كشف القناع لما ذكروا أحاديث
стр. 4199
تقتضي المنع. قال: وقد جاءت أحاديث تقتضي الإباحة في النكاح والسرور فتستثنى هذه المواضع من المنع المطلق، وقال ابن رشد في المقدمات: ولا يجوز تعمد حضور شيء من اللهو ولا من آلة الملاهي ورخص في الدف في النكاح.
ولو لرجل يعني أن الغربال يجوز ضربه في العرس للنساء اتفاقا وللرجال على المشهور، ورد بلو قول أصبغ القائل بمنعه للرجال، قال: لا يكون الدف إلا للنساء ولا يكون عند الرجال. وفي الكبر والمزهر يعني أنه اختلف في ضرب الكبر بالتحريك والمزهر في العرس على ثلاثة أقوال: أحدها يجوز فيهما وهو لابن حبيب قياسا على الغربال، ثانيها لأصبغ لا يجوزان في العرس ولا في غيره، ثالثها يجوز الضرب في الكبر دون المزهر أي لا يجوز ضرب المزهر لرجل ولا لامرأة وهو لابن القاسم، والكبر هو الطبل الكبير الدور المجلد من وجهين.
وفي شرح الشيخ عبد الباقي عن الأدفوي: لعله الطبل (١) خانه قال محمد بن الحسن: خانه طبلان متلاصقان أحدهما أكبر من الآخر، وقال الشيخ ميارة: الكبر طبل صغير طويل العنق مجلد من جهة واحدة. والمزهر كمنبر عود ينفصل بعضه من بعض يركب ويغشى من الجهتين. قاله الفقهاء. والمعروف في اللغة أنه العود ولم يذكروا خلافه. قاله الأبي. وإنما قال بالمنع في المزهر دون الكبر لأنه أشد في اللهو وما كان كذلك كان ألهى عن ذكر الله.
وقال: ابن كنانة: تجوز الزمارة والبوق جوازا مستوي الطرفين في العرس إذا كانا لا يلهيان كل اللهو، فعلى المص الدرك في إسقاط هذا المقيد. قاله الشبراخيتي. وقال: وقوله: "وتجوز" لخ ضعيف. انتهى. وقوله: "تجوز الزمارة والبوق" يعني جوازا مستوي الطرفين على المشهور كما قررت، وقيل من الجائز الذي تركه خير من فعله فهو مكروه. قاله الحطاب. عن ابن رشد. ولا يخالف ما مر عن الشبراخيتي؛ لأن هذا في تعيين مراد ابن كنانة. والله أعلم. قاله جامعه.
وقوله: "وتجوز الزمارة والبوق". ابن عرفة: قيل معناه في البوقات والزمارات التي لا تلهي كل اللهو، وانظر حكم الغيطة والظاهر أنها لا تلهي كل اللهو فلا تحرم. قاله محمد بن الحسن.
стр. 4200
والزمارة والبوق من آلات اللهو وكذا الغيطة، وما تقدم من عدم الجواز في الكبر والمزهر وهو قول أصبغ عليه يأتي ما في سماع سحنون عن ابن القاسم أن الكبر إذا بيع يفسخ بيعه ويؤدب أهله؛ لأنه إذا قال ذلك في الكبر فأحرى أن يقوله في المزهر لأنه ألهى منه، ويأتي على القول الثالث ما في سماع عيسى أن السارق يقطع في قيمة الكبر صحيحا.
وفي الشامل: وترد شهادة المغني والمغنية والنائح والنائحة وسامع العود على الأصح إلا في عرس أو صنيع -أي ولادة أو ختان- ليس فيه شراب مسكر، فإنه يكره فقط. وغير العود من بقية الآلات التي بها أوتار مثله، وقد تقدم أن المشهور جواز الدف للرجال وأن أصبغ قال: لا يجوز للنساء، قال: ولا يجوز إلا للنساء غير الدف والكبر ولا غناء معهما ولا برابط ولا مزمار وذلك حرام محرم في الفرح وغيره إلا ضربا بالدف والكبر هملا وبذكر الله وتسبيحا وحمدا على ما هدى أو برجز خفيف مثل الذي جاء في جواري الأنصار:
أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمرا … ء لم نحلل بواديكم
وما أشبه ذلك ولا يعجبني مع ذلك الصفق بالأيدي وهو أخف من غيره: قال: وقد أخبرني عبد الله بن وهب أن عمر بن عبد العزيز كتب بقطع اللهو كله إلا الدف وحده في العرس وحده، قال: وما كان من الباطل فمحرم على المؤمنين اللهو، والباطل قال رسول الله ﷺ : (كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا ثلاثا (١))، قال القاسم بن محمد: إذا جمع الحق والباطل يوم القيامة كان الغناء من الباطل والباطل في النار، قال أصبغ: والباطل محرم على المؤمنين. قال الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، والثلاثة التي أبيح اللهو فيها في الحديث المذكور هي: (ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه). وبالله تعالى التوفيق. انظر الحطاب.
стр. 4201
وفيه عن النوادر أن الحسن دعي إلى عرس هو وجماعة فأكلوا ثم غسل يده ثم جيء بمجمر بيد جارية، فأجمرته ثم أدخلت يدها تحت ثيابه فلم يمنعها ودهنت لحيته بيدها فلم يمنعها. والله أعلم. انتهى. وقوله: وقال ابن رشد بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة في الكبر والمزهر وبعد أن ذكر ما قال ابن كنانة من جواز الزمارة والبوق ما نصه: واختلف في جواز ما أجيز من ذلك، فقيل: هو من قبيل الجائز الذي يستوي فعله وتركه في أنه لا حرج في فعله ولا ثواب في تركه وهو المشهور في المذهب، وقيل: هو من قبيل الجائز الذي تركه أحسن من فعله فيكره فعله لما في تركه من الثواب، لا أن في فعله حراما أو عقابا. انتهى.
وقال أصبغ: وقد أخبرني ابن وهب: سئل مالك عن ضرب الكبر والمزمار أو غير ذلك من اللهو ينالك سماعه وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس أو غيره، قال مالك: أرى أن يقوم من ذلك المجلس. انتهى. نقله الحطاب. وقال أصبغ: وقد أخبرني ابن وهب عن أبي بكر بن مضر عن عمر بن الحارث أن رجلا دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة، فلما جاء سمع لهوا فرجع فلقيه الذي دعاه، فقال له: ما لك رجعت ألا تدخل؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله (١)) وقال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن خالد بن حميد عن يحيى بن أبي أسيد أن (٢) الحسن البصري كان إذا دعي إلى وليمة يقول: أفيها برابط؟ فإن قيل نعم، قال: لا دعوة لهم ولا نعمة عين. انتهى. قاله الحطاب. وفيه عن الأدفوي أن القرطبي المالكي وإبن الجوزي من الحنابلة استثنيا طبل الحرب. ولما أنهى الكلام على أركان النكاح ختمه بالكلام على أحد أركانه وهو الزوجة إذا تعددت ماذا يجب لها من القسم وتوابعه، فقال:
стр. 4202
فصل: ذكر فيه حكم القسم وأحكام النشوز، فقال: إنما يجب القسم للزوجات في المبيت يعني أن القسم -أي التسوية- إنما يجب للزوجات في المبيت والحصر منصب على الجزءين أي إنما تجب التسوية للزوجات لا الإماء الموطوءات بالملك، وإنما تجب التسوية بين الزوجات في المبيت لا في النفقة والكسوة والوطء كما يأتي، فيجب على الزوج العاقل البالغ الحاضر أن يسوي بين زوجاته في المبيت؛ بأن يبيت عند كل واحدة منهن ليلة مع يومها ولا يزيد على ذلك إلا برضاهن، وأفاد بالحصر أن السراري وأمهات الأولاد لا يجب لهن القسم فيما بينهن ولا بينهن وبين الزوجات، وأفاد به أيضا أن القسم لا يجب لهن إلا في المبيت لا في غيره من نفقة وكسوة ووطء كما يأتي: ولا في المحبة والتعهد والإقبال والنظر والمفاكهة بالكلام. قاله الشبراخيتي.
ولا فرق في وجوب القسم على الزوج بين أن يكون ذا آلة وبين أن يكون خصيا أو مجبوبا، وسواء كان صحيحا أو مريضا وسواء كان حرا أو عبدا، وإنما يجب القسم للزوجات المطيقات مسلمات كن أو كتابيات أو مختلفات كن حرائر أو إماء أو مختلفات، وقوله: "للزوجات" أي المدخول بهن لا غير؛ لأنها إذا لم توطأ لم يكن لها تشوف، وقوله: "إنما يجب القسم" لخ قال الأمير: إن أراده وله ترك الكل بلا ضرر. انتهى.
وعلم مما قررت أن القسم لا يجب بين الزوجات والسراري، فله أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضر بالزوجة. قاله في المدونة. قال الحطاب: وهو أن لا يزيد على الحرة، وقد علمت أن القسم لا يجب بين المملوكات لكن الأولى العدل، وله أن يطأ إماءه في أيام الزوجات، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط (١)). رواه الحاكم والترمذي وأبو داوود، ولفظه: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل (٢))، ورواه غيرهم من الأئمة. ولفظ الشبراخيتي عن الترمذي: (من تزوج امرأتين فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط (٣))، وفي الحديث أيضا: (إن
стр. 4203
المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا (١)).
واعلم أن القسم واجب على الزوج المكلف إجماعا، وسئل أبو عمر عمن يجور بين نسائه ولا يعدل هل ذلك جرحة له؟ قال: نعم إن تابع ذلك وداوم عليه، ومفهوم الجمع في قوله: "للزوجات" أي أو للزوجتين أن الزوجة الواحدة لا يجب البيات عندها إلا لخوف ضرر كما يأتي بأتم مما هنا إن شاء الله. واحترزت بقولي: العاقل من غير العاقل، فإنه سيأتي للمص "وعلى ولي المجنون إطافته"، وما تقدم من تقييد الزوجات بالمطيقات تبعت فيه غير واحد، ونقل الشبراخيتي عن الأجهوري أنه قال: ولا يلتفت لتقييد بعض الشيوخ في وجوب القسم بالطيقة للوطء.
وقوله: "للزوجات" قال الشبراخيتي: أل فيه للجنس، وأل الجنسية إذا أدخلت على الجمع أبطلت منه معنى الجمعية وصار المقصود منه مطلق التعدد في ذلك الجنس، فيصدق بالاثنين فأكثر، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولخبر: (من تزوج امرأتين فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط).
وعلم مما قررت أن المراد بالقسم في المبيت أن يكون لكل واحدة يوم وليلة، وأما الزيادة على ذلك فلا تكون إلا برضى جميع من معه، وينبغي أن يكون النقص عنه كذلك وهذا إذا كانتا في بلد واحد أو بلدين في حكم البلد الواحد. قاله الشبراخيتي. قال: وأما إن كانتا في بلدين ليسا في حكم البلد الواحد فله أن يزيد على ذلك، ولكن مع التساوي فله أن يقسم جمعة وجمعة وشهرا وشهرا على قدر ما يندفع به الضرر في الذهاب والإياب، وليس له أن يزيد في مدة إحداهما على مدة الأخرى إلا لمصلحة من تجارة أو ضيعة -بالضاد المعجمة- ينظر فيها ونحوها.
والظاهر أن المراد بكون البلدين في حكم البلد الواحد أن يحصل ارتفاق أهل كل بلد بأهل الأخرى كما ذكروا نحوه في صلاة القصر، فقد بان أن هنا مقامين جواز الزيادة في القسم على يوم وليلة مع المساواة في المدة، وجواز الزيادة في القسم أيضا مع جواز زيادة مدة إحداهما على مدة الأخرى،
стр. 4204
وإذا وطئ إحداهما في بلدها ثم ذهب للأخرى في بلدها في ذلك اليوم فله وطؤها في بقيته كذا في الشرح، بل الظاهر أن كونهما في حكم البلد أن لا يلحقه في الذهاب إلى الأخرى الضرر، قاله الشبراخيتي: قاله: والحصر منصب على الجزءين، وإن كان الغالب انصبابه على الأخير.
وقوله: "إنما يجب القسم للزوجات في المبيت" أي إذا أراد المبيت وإلا فله أن يعتزل الجميع ما لم يتجاوز مدة الإيلاء، (وقد غاضب رسول الله ﷺ بعض نسائه فاعتزل جميعهن شهرا (١))، ولا بأس بالشرب والتوضئ بماء إحداهما في بيت الأخرى، وعلم مما قررت أن المراد بالقسم هنا حقيقة التسوية، فلو عبر بها وافق المراد كما قاله الشيخ إبراهيم. وسئل اللخمي عمن يميل إلى سريته دون زوجته هل هو حرام أم لا؟ فأجاب: الرواية جوازه والقياس منعه وهو ظلم للحرة، وقوله: "في المبيت". قال الحطاب: أشار به لقوله في المدونة: ويعدل في المبيت، قال ابن ناجي: قال شيخنا: إن العدل في الليل آكد منه في النهار؛ لأنهم إذا تكلموا في الدخول لحاجة إنما يخصونه بالنهار، وكنت أجيب بأن كلامهم أعم، قال ابن الحاجب: ولا يدخل على ضرتها في زمانها إلا لحاجة. انتهى.
قال محمد بن الحسن عند قوله "للزوجات": أي لا للسراري، وله أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار بالزوجة. قاله في المدونة. قال الحطاب: وهو أن لا يزيد على الحرة ابن عرفة: ابن شأس: لا يجب بين المستولدات وبين الإماء ولا بينهن وبين المنكوحات، إلا أن الأولى العدل وكف الأذى. انتهى. ولما كان المقصود من المبيت عندهن الأنس لا المباشر وجبت التسوية فيه بينهن للممتنع وطؤها وغيرها، ولهذا قال: وإن امتنع الوطء يعني أن القسم واجب للزوجات في المبيت، ولا فرق في وجوب التسوية بينهن فيه بين المتنع وطؤها وغيرها، وسواء امتنع وطؤها شرعا أو طبعا أو عادة، ومثل لمن امتنع وطؤها شرعا بقوله: كمحرمة بحج أو عمرة أو بهما وحائض ونفساء، ومظاهر منها عطف على قوله: "كمحرمة" فهو مثال ثان للممتنع وطؤها شرعا، ومثل لها بمثالين ليعلم أنه لا فرق بين أن يكون سبب الامتناع منها كالإحرام، وبين أن يكون منه كالظهار. قاله غير واحد. وإذا كان القسم يجب للمحرمة والظاهر منها مع حرمة الاستمتاع
стр. 4205
منهما بالكلية فما ظنك بالحائض والنفساء؟ فإنهما إنما يحرم وطؤهما وما عداه يجوز إما اتفاقا وإما على المتعارف. والله سبحانه أعلم. قاله مقيد هذا الشرح عفا الله عنه ومثال الممتنع طبعا الجذماء والمجنونة.
وأما قوله: ورتقاء فهو مثال لمحذوف وهو الممتنع وطؤها عادة كما قررت، وليس مثالا لمن يمتنع وطؤها طبعا؛ لأن الرتقاء لا يمتنع وطؤها طبعا بل ربما يميل الطبع إلى وطئها، ولا مثالا لمحذوف تقديره أو عقلا لأن العقل يجوز حتى وطء الحجر الصلد. فتأمله قاله محمد بن الحسن. وقد علمت أن القسم يجب للمولى منها والمظاهر منها فلهما أن يمنعاه من وطء غيرهما حتى ينحل عنه الظهار والإيلاء، والتلذذ كالوطء وعليه أن ينحل منهما إن قامت التي لم يظاهر منها والتي لم يول منها. قاله عبد الباقي. وقوله: وعليه أن ينحل منهما قبل تمام الأجل لأن لهما أن يمنعاه من وطء غيرهما حتى ينحل منهما، قاله محمد بن الحسن. ابن عرفة: من آلى منها أو ظاهر فهما على حقهما في الكون عندهما، وأن لا يصيب البواقي إلا أن ينحل عنه الإيلاء والظاهر وعليه أن ينحل منهما إلا إن قامت بحقها التي لم يول منها ولم يظاهر، ومحل آية الإيلاء على من كان خلوا من غيرها، فإن كان له نسوة فلها مطالبته بالعدل في الإصابة إلا أن يعتزل جميعهن، (وقد غاضب رسول الله ﷺ بعض نسائه فاعتزلهن شهرا). أخرجه البخاري ومسلم. وإنما اعتزلهن إرادة العدل بينهن، وأصل ما ذكره ابن عرفة للخمي، ونقله الحطاب. قاله محمد بن الحسن.
وقال الحطاب: قال اللخمي: إن كانت إحداهن مريضة أو صغيرة أو رتقاء أو حائضا أو نفساء أو محرمة أو مجنونة أو مجذومة كان القسم بينهن سواء، وكذلك إن آلى من واحدة أو ظاهر فهي على حقها والكون عندها، وأن لا يصيب البواقي إلا أن يتحلل من الإيلاء والظهار، وعليه أن يتحلل من ذلك إلا إذا قامت بحقها التي لم يول منها ولا تظاهر، ومحمل الآية في الإيلاء على من كان خلوا من غيرها، فإن كان له نسوة كان لها أن تطالبه بالعدل في الإصابة حسب ما تقدم إلا أن يعتزل جميعهن، وقد غاضب رسول الله ﷺ بعض نسائه فاعتزل جميعهن شهرا لإرادة العدل. خرجه البخاري ومسلم.