← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

ادعى كل منهما الضرر وتكررت منهما الشكوى، فالمص شامل لهاتين المسألتين، والفرع الأول لابن سهل والثاني لابن الهندى، وينبغي أن يجري هذا أيضا فيما إذا تكررت منه الشكوى وعجز عن إثبات الدعوى، ومحل نقلها لمن تقبل شهادتهم في المسألتين إنما هو حيث لم تكن بينهم، وأما إن كانت بين قوم صالحين فإن الحاكم لا يلزمه نقلها إلى غيرهم، ولا يفهم من كلام المص قيد التكرار، وقد يقال: كون تسكينها بين قوم صالحين غاية مقدور الحاكم بعد زجره أو زجرهما قبل ذلك مفيد للتكرار؛ لأن الحاكم يزجره بمجرد الدعوى من غير ثبوت، ويكون الزجر حينئذ بالوعظ والأمر بالكف كما مر، ففي ابن الهندي: وإذا لم تقم بينة وادعى كل واحد إضرار صاحبه زجرا معا، وإن تكرر ترادهما أمره القاضي أن يسكنها بين قوم صالحين، ويتضح هذا بجعل الواو لعطف اللاحق بالنسبة لزجر الزوج حيث كانت هي ذات الشكوى كما في الألفية: واعطف بواو لاحقا أو سابقا … في الحكم أو مصاحبا موافقا وقال محمد بن الحسن: ليس في كلام المص ما يفيد أنه يزجره قبل التسكين؛ إذ الواو لا ترتب فالصواب أن قيد التكرار بقي على المص. انتهى. وقد علمت أن الواو تعطف اللاحق، وبه يجاب عما أورده بناني. والله سبحانه أعلم. وعلم مما أشرت إليه من تقرير المص أن المرأة لها التطليق بالضرر ولو لم تشهد البينة بتكرره، ولها أن تقيم مع الضرر ويزجره الحاكم بوعظ فضرب كما يظهر من كلام غير واحد. وإن أشكل بعث حكمين يعني أن الحاكم إذا أسكن المرأة بين قوم صالحين -وهم من تقبل شهادتهم- واستمر إشكال أمرهما مع ذلك وعمي عليه خبرهما ولم يتبين له الظالم منهما ولم يقدر على الإصلاح بينهما، فإنه يبعث حكمين ينظران في أمرهما. قال اللخمي: إذا اختلف الزوجان وخرجا إلى ما لا يحل من المشاتمة والوثوب كان على السلطان أن يبعث حكمين ينظران في أمرهما أي الزوجين، وإن لم يترافعا ويطلبا ذلك منه ولا يحل له أن يتركهما على ما هما عليه من الإثم وفساد الدين، وإذا بعث الحكمين فإنهما يدخلان على الزوجين المرة بعد المرة ولا يلازمانهما، وظاهر المص أنه ليس بين البعث والتسكين مرتبة وهو

стр. 4237

ظاهر قوله في توضيحه: ظاهر المذهب وهو الظاهر في النظر أنه لا يعمل بالأمينة بل بالحكمين، وفي التتائي: وإن عمي عليه خبرهما ورأى إسكانهما مع ثقة تتفقد أمرهما أو إسكان ثقة معهما فعل، حكاه ابن عرفة قائلا: هذا معنى ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ. انتهى. ونحوه لابن غازي وابن ناجي، وذكر أن القول بالأمينة قول الأكثر، ويجمع بينهما كما يفيده تفسير ابن ناجي بأن قوله: قول الأكثر أي أكثر الموثقين، وقول التوضيح: ظاهر المذهب أي أهله المتقدمين، فلا منافاة بينهما وإنما كان هو الظاهر في النظر لأنه ظاهر نص القرآن. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله "وإن أشكل بعث حكمين": ما نصه وإن لم يترافعا ويطلبا ذلك منه، ولا يحل له أن يتركهما على ما هما عليه من الإثم وفساد الدين. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وإن أشكل بعث حكمين" أي وإن لم يعلم الإضرار ممن صدر وكل منهما ينسبه لصاحبه ولا بينة فإن الإمام يبعث لهما حكمين، معناه إن لم يقدر على الإصلاح وإلا أصلح بينهما. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أشكل الأمر على الإمام وادعى كل إساءة صاحبه عليه ولا بينة، قال في الحاشية: أي بعد تسكينها بين قوم صالحين فهنا إشكالان إشكال حال الرفع وإشكال بعد تسكينها بين قوم صالحين إن لم يتضح الأمر، فإن اتضح الحال فعل ما قدمناه من الزجر والتأديب لمستحقه، قال الشيخ إبراهيم: ثم إن بعث الحكمين إنما يكون إذا تعذر الإصلاح بينهما. وإن لم يدخل بها يعني أن الحاكم يبعث حكمين سواء دخل الزوج بالمرأة أو لم يدخل لعموم الآية؛ لأنهما قد يكونان جارين فلا يستبعد تكرر الشكوى منهما أو منها قبل الدخول، وقوله: "وإن لم يدخل بها" قال الشارح: هكذا نص عليه في المدونة وغيرها، ولكن الغالب في مثل هذا إنما يكون بعد الدخول. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولما كان الغالب أن الشقاق إنما يكون بعد الدخول بالغ على غير الغالب بقوله: "وإن لم يدخل بها" لأن الآية عامة في الدخول بها وغيرها، وفيه حجة لابن لبابة فيمن تزوج امرأة وشرط لها في العقد أن لا يضربها فأقامت بينة

стр. 4238

بذلك قبل الدخول أن لها الأخذ بشرطها، وخالفه بعض معاصريه: وقال: ليس لها الأخذ بذلك، لا يكون الحكمان ملازمين للزوجين وإنما يدخلان عليهما المرة بعد المرة. من أهلهما إن أمكن يعني أنه يتعين كون الحكمين من أهلهما أي الرجل والمرأة، فيبعث حكم من أهله وحكم من أهلها كما قال : ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، ومحل هذا إنما هو حيث أمكن كون الحكمين من أهلهما، فلا يجوز كونهما أجنبيين مع الإمكان أي مع إمكان كون الحكمين من أهل الزوجين، فإن حكم القاضي أجنبيين مع وجود الأهل فقال المص في توضيحه: ظاهر الآية أن كونهما من الأهل مع الوجدان واجب شرطا، فإن لم يمكن كونهما من أهلهما بل واحد فقط من أهل أحدهما ضم له أجنبي عند اللخمي، وفي ابن الحاجب: يتعين كونهما أجنبيين، ومعنى الإمكان أن يوجد رجل من أهله ورجل من أهلها على الصفة الآتية هذا معنى الإمكان فيهما، ويفهم منه معنى الإمكان في أحدهما، وفي المدونة: فإن لم يكونا في الأهلين أولا أهل لهما فمن المسلمين، وقال الشبراخيتي عند قوله: "من أهلهما إن أمكن"؛ لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطيب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهما، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة (١) والفرقة، وظاهر كلام المص أنه شرط صحة. وندب كونهما جارين يعني أنه يستحب كون الحكمين المذكورين جارين للزوجين، كان الحكمان قرىيبين من الزوجين أو أجنبيين، ويتأكد الندب في الأجنبيين وندب كون الحكمين جارين لأن الجيران لا يخفى عليهم حال الزوجين غالبا، وعبارة الشبراخيتي: لأن المجاورة توجب مزيد علم بحال الزوجين، وعلم مما قررت أنه ليس المراد أن الجارين مقدمان على غيرهما ولو كانا أجنبيين على أهلين غير جارين؛ لأنه متى أمكن الأهلان وجب البعث منهما مطلقا. قاله الشيخ إبراهيم. وأشار إلى ذكر الشروط بذكر أضدادها، فقال: وبطل حكم غير العدل يعني أنه يشترط في نفوذ حكم كل من الحكمين أن يكون عدلا، فلا يصح حكم غير العدل بل يبطل، فلا يصح حكم صبي

стр. 4239

ولا مجنون ولا عبد ولا كافر ولا فاسق. وسفيه عطف على "غير"؛ يعني أنه يشترط في حكمهما أن يكون كل منهما رشيدا، فيبطل حكم السفيه وعطف السفيه على غير العدل من عطف الخاص على العام، والسفيه هو المبذر لماله في الشهوات ولو مباحة، وإنما كان عطف السفيه على غير العدل لمن عطف الخاص على العام لما سيذكر المص من قوله: "العدل حر مسلم عاقل بلا فسق وبلا حجر" ثم قال بعد ذلك: "وسفاهة" إن حملت السفاهة على أن المراد بها السفاهة في حق المهمل، لكن في الحطاب إنما عطف هؤلاء لأن السفيه قد يكون عدلا وكذا المرأة وكذا غير الفقيه بحكم هذا الباب. والله أعلم. فيفيد أن عطف السفيه عطف مغايرة، قال عبد الباقي: وذلك حيث لا ولي له ولا يحسن التصرف في المال، وأما المولى عليه فسيذكر المص في الشهادات أنه غير عدل. انتهى. وامرأة يعني أنه يشترط في صحة الحكم أيضا أن يكون المحكم رجلا فلو كان المحكم امرأة بطل حكمها، وغير فقيه بذلك يعني أنه يشترط في صحة الحكم أيضا أن يكون المحكم فقيها بأحكام النشوز بأن يعرف ما يجب لكل منهما على الآخر، ويعرف ما يترتب على من خالف ذلك ويعرف أن عليه الإصلاح، (١) ويعرف ما يلزمه إن تعذر الإصلاح، وعبارة الشبراخيتي عند قوله: "بذلك" أي بباب ضرر الزوجين، وإنما اشترط في الحكمين أن يكونا فقيهين بأحكام النشوز؛ لأن كل من ولي أمرا يشترط معرفته بما ولي عليه فقط إلا أن يشاور العلماء، وأعاد المص لفظ غير إشارة إلى أن "سفيها وامرأة" معطوفان على "غير"، لا على "العدل". وعلم مما قررت أن المص أشار للشروط بذكر الأضداد؛ أي يشترط في المحكم المذكورة والعدالة والرشد والفقه بما حكما فيه، فيبطل حكم الصبي والمجنون والعبد والفاسق والسفيه والمرأة وغير الفقيه بأحكام النشوز كان ما حكموا به بقاء أو طلاقا بعوض أو بغيره. قوله: "وبطل حكم غير العدل وسفيه وامرأة" إلخ قاله في المدونة، قال: ولو بعثهما الإمام لأن ذلك خارج عما أمر الله به من الإصلاح، وقال عبد الملك: تحكيم العبد والمرأة العارفين المأمونين جائز

стр. 4240

ويلزم حكمهما ما لم يكن خطئا بينا، وقيل يجوز تحكيم الصبي الذي يعقل، وقال محمد: يمضي تحكيم المسخوط، واتفق على منع تحكيم النصراني والصبي الذي لا يعقل. قاله الشارح. وقال عند قوله: "وغير فقيه بذلك" أي بما يحتاج إليه في هذا الباب لا عموم الفقه، وقيل هذا من شروط الكمال. ونفذ طلاقهما يعني أن الحكمين إذا حكما بالطلاق عند تعذر الإصلاح فإن حكمهما ينفذ ويقع الطلاق بائنا، وقوله: "ونفذ" عبر بنفذ مع أنه يجوز ابتداء ولا يفتقران في نفوذ حكمهما إلى إذن الزوج وحكم الحاكم لأنهما حكمان، وهذا هو الصحيح، وقيل: وكيلان، وقيل: شاهدان، وعلى أنهما حكمان فينفذ ما حكما به من طلاق أو خلع. وإن لم يرض الزوجان بعد إيقاع الطلاق، وأما قبله فسيقول المص: "ولهما إن أقاماهما الإقلاع". والحاكم يعني أنه ينفذ ما حكما به وإن لم يرض به الزوجان ولا الحاكم فلا فرق بين رضى الثلاثة فيه وعدمه، فإنه نافذ بكل حال، وقوله: "والحاكم" أي ولو كان ما حكما به مخالفا لمذهبه. ولو كانا من جهتهما يعني أن الحكمين يمضي ما حكما به ولو كان الزوجان هما الذين أقاماهما أي الحكمين دون أن يبعثهما الحاكم فهما حكمان ولو كان المقيم لهما الزوجين، ورد بلو قول من قال: إنهما إذا أقيما من جهة الزوجين دون أن يبعثهما الحاكم وكيلان فلا ينفذ ما حكما به. لا أكثر من واحدة أوقعا يعني أن الحكمين إذا أوقعا أكثر من طلقة واحدة فإن الزائد على الواحدة لا ينفذ وتنفذ واحدة، وقوله: "أكثر" عطف على فاعل "ئفذ" فهو مرفوع، وأوقعا في موضع الصفة له والعائد محذوف أي لا ينفذ أكثر من واحدة أوقعاه، وكأنه نبه بالصفة على أن هذا بعد الوقوع: وأما ابتداء فلا يجوز أن يوقعا أكثر من واحدة كما مرح به المتيطى، وكذا هو في المدونة واللخمي، وقال أحمد: يصح نصب أكثر عطفا على معمول طلاقهما؛ لأنه بمعنى التطليق أي تطليقهما واحدة لا أكثر، وجره بالفتحة عطفا أيضا على معمول طلاقهما لأنه بمعنى التطليق أي تطليقهما بواحدة لا أكثر، ونصبه في هذه الحالة عطفا على محل الجار والمجرور. انتهى. نقله عبد الباقي.

стр. 4241

فرع: قال في المقدمات: وحكم الحكمين بين الزوجين لا إعذار فيه إلى أحدهما أي الزوجين لأنهما لا يحكمان بالشهادة القاطعة: وإنما يحكمان بما خلص إليهما من علم أحوالهما بعد النظر والكشف. انتهى. ولابن عاصم ﵀: وإن ثبوت ضرر تعذرا … لزوجة ورفعها تكررا فالحكمان بعد يبعثان … بينهما بمقتضى القرآن إن وجدا عدلين من أهلهما … والبعث من غيرهما إن عدما وما به قد حكما يمضي ولا … إعذار للزوجين فيما فعلا وقوله: "لا أكثر من واحدة أوقعا" أي لأنه خارج عن معنى الإصلاح. قاله في المدونة. وعن ابن القاسم في الموازية: يلزم ما أوقعا ولو ثلاثا إذا اجتمعا على ذلك. وقاله أصبغ. وعن مالك: إذا اجتمعا على أكثر لم يلزم الزائد ولا غيره؛ لأنهما قضيا بغير المشروع. قاله الشارح. وتلزم إن اختلفا في العدد يعني أن الحكمين إذا اتفقا على إيقاع الطلاق واختلفا في العدد؛ بأن قال أحدهما: أوقعت واحدة، وقال الآخر: أوقعت اثنتثن فإن اللازم من ذلك طلقة واحدة، وكذا الحكم لو قال أحدهما أوقعنا معا واحدة وقال الآخر أوقعنا معا ثلاثا أو اثنتين، ونص على هذا بعد قوله: "لا أكثر من واحدة أوقعا" للرد على من يقول: لا يلزم شيء لاختلافهما فلا يستغنى عنها بما قبلها، وفهم من قوله "في العدد" ومن التي قبلها أنه لو انفرد أحدهما بالطلاق لم ينفذ. قاله عبد الباقي. وقوله: "وتلزم" فاعله ضمير يعود على واحدة من قوله: "لا أكثر من واحدة"، وفهم من قوله: "وتلزم واحدة إن اختلفا في العدد" ومما قبله أنه لو قال أحدهما: أوقعنا اثنتين أو أوقعت اثنتين، وقال الآخر: أوقعنا ثلاثا أو أوقعت ثلاثا فإنه تلزم واحدة ويبطل ما زاد عليها. والله سبحانه أعلم.

стр. 4242

ولها التطليق بالضرر يعني أن المرأة لها أن تطلق نفسها بالضرر تطليقة واحدة وتكون بائنة، ومن الضرر قطع كلامه وتحويل وجهه في الفراش عنها وإيثار امرأة عليها وضربها ضربا مؤلما، وليس من الضرر منعها من الحمام وتأديبها على ترك الصلاة والتسري عليها والتزويج عليها. ابن القاسم: وليس من الإضرار البغض لها وإنما هو الأذى بضرب أو إيصال شتم في غير حق أو أخذ مال أو المشارة. قاله في التوضيح. وقوله: "ولها التطليق بالضرر" أي ولابد أن تشهد البينة بأصله، ولا يشترط أن تشهد بينة بتكراره، ولهذا قال: ولو لم تشهد البينة بتكرره يعني أنه لا يشترط في تطليقها بالضرر أن تشهد بينة بوقوع الضرر منه لها أكثر من مرة، وإنما يشترط أن تشهد بوقوعه منه لها ولو مرة واحدة، وقيل ليس لها التطليق بالضرر حتى تشهد البينة بتكرره. قاله الشارح. وقوله: "ولها التطليق بالضرر" هو أن لا يعاشرها بالمعروف. واعلم أن المعاشرة بالمعروف من حقها عليه كما أن ذلك من حقه عليها، وقوله: "ولها التطليق بالضرر" أي لها ذلك مطلقا سواء اشترط عليه في العقد أن لا يضربها أو لم يشترط ذلك عليه، لكن إن اشترطت ذلك عليه في العقد كان لها تطليق نفسها من غير رفع للحاكم وإن لم يكن مشترطا في العقد، ففي افتقار تطليقها نفسها للرفع للحاكم وعدم افتقاره قولان، قيل لها ذلك من غير رفع كما لو اشترطته في ضقد نكاحها، وقيل لا تطلق نفسها إلا بعد الرفع للحاكم، وعلى أنه لابد من الرفع للقاضي فإن الحاكم يزجره ابتداء بما يقتضيه اجتهاده من توبيخ أو سجن أو غيره، فإن عاد لمضارتها قضي عليه بالطلاق، وإلى كهذا أشار في التحفة بقوله: وحيثما الزوجة تثبت الضرر … ولم يكن لها به شرط صدر قيل لها الطلاق كالملتزم … وقيل بعد رفعها للحكم ويزجر القاضي بما يشاؤه … وبالطلاق إن يعد قضاؤه وقوله: ويزجر بالنصب عطفا على قوله رفعها للحكم من باب قوله: وإن على اسم خالص فعل عطف … نصبه أن ثابتا أو منحذف

стр. 4243

أي قيل: لها أن تطلق نفسها من غير رفع كمن التزم لها ذلك عند العقد، وقيل إنما تطلق نفسها بعد الزجر والرفع معا، فإن عاد لإضرارها طلقت عليه، وقوله: كالملتزم أي كالتي التزم الزوج لها في العقد أنها تطلق إن أضر بها. والله سبحانه أعلم. ويثبت الضرر بشهادة البينة المعاينة له، وبالسماع الفاشي المستفيض على ألسنة الجيران والخدم وغيرهم، قال في التحفة: ويثبت الإضرار بالشهود … أو بسماع شاع في الوجود وذكر المص هذا في باب الشهادات، وقال عبد الباقي عند قوله "ولو لم تشهد البينة بتكرره" بل شهدت بأنه حصل لها منه مرة واحدة فلها التطليق بها على المشهور لخبر: (لا ضرر ولا ضرار (١))، ولا يخالف هذا قوله: "وبتعديه زجره الحاكم" لأن الزجر حيث اختارت البقاء وما هنا حيث اختارت الفراق، ولهذا يعلم أنه لابد من إقامة البينة على الضرر هناك. قاله أحمد. أي ويجري هنا هل يطلقها الحاكم أو يأمرها به ثم يحكم قولان، ودل قوله: "لها" أن لها الرضى به ولو محجورة ولو غير بالغ دون وليها، وكذا كل شرط فيه أمرها بيدها ليس لوليها قيام به إن رضيت. ذكره ابن عرفة. وقال الحطاب: وليس من الضرر منعها من الحمام والنزاهة، ثم قال: وقد تقدم الاختلاف فيمن يوقع هذا الطلاق هل الحاكم أو الزوجة في فصل العيوب. وكذلك إن أوقع أكثر من واحدة والله أعلم وسيأتي عند قول المص في باب الخلع: "ورد المال بشهادة سماع على الضرر" الكلام على شهادة السماع على الضرر. انتهى. وعليهما الإصلاح يعني أن الحكمين يجب عليهما الإصلاح بين الزوجين قبل النظر في الطلاق؛ بأن يجتمع كل واحد من الحكمين بقريبه ويسأله عما نقم وما كره من صاحبة، ويقول له إن كانت لك حاجة في صاحبك رددناه إلى ما تختار منه ويكون ذلك منهما المرة بعد المرة ولا يلازمانهما، وعليهما أن يجتهدا في الإصلاح ما استطاعا قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، قال ابن عباس: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بين الزوجين، وقيل يريد الزوجان.

стр. 4244

انتهى. فإن أصلحا بينهما وردا بعضهما إلى بعض ووفق الله بين الزوجين فقد حصل المقصود، وإن تعذر على الحكمين الإصلاح بين الزوجين فلا بد من أحد أمور ثلاثة، إما أن يكون هو المسيء، وإما أن تكون هي المسيئة، وإما أن يسيئا معا ويظهر ذلك أو يلتبس الأمر. فإن أساء الزوج طلقا بلا خلع يعني أن الحكمين إذا نظرا في أمر الزوجين وتعذر عليهما الإصلاح بينهما ووجد الزوج هو المسيء بأن كان هو الذي حصل منه الإضرار لها فقط، فإنهما يطلقانها عليه مجانا أي بلا عوض يدفعانه له من عندها لا صداق ولا غيره، هذا إن أحبت الفراق. قاله عبد الباقي. وبالعكس ائتمناه عليها أو خالعا له بنظرهما يعني أنه إذا كانت هي المسيئة فقط فإن الحكمين يأتمنان الزوج على الزوجة أي يقرانه عليها حيث كان صالحا؛ بأن كان لا يتجاوز فيها الحق بعد ائتمانه عليها أو يخالعان له بنظرهما بأن يعطياه شيئا من مالها ولو زاد على قدر الصداق بنظرهما في قدر المخالع به وفي أصل الخلع، وهذا إن أحب الزوج الفراق واستوت المصلحة في الفراق والبقاء، فإن تعينت المصلحة في فعل أحدهما وجب فعله. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله "بنظرهما" ما نصه: راجع لهما أي أنه إن كان النظر الائتمان فعلاه وإن كان النظر المخالعة خالعا له. انتهى. وقال الحطاب عند قوله "أو خالعا له بنظرهما" ما نصه: هذا زاده اللخمي، قال في تبصرته: وإن كان الظلم منها وكان لا يتجاوز الحق فيها اتتمناه عليها وأقرت عنده إلا أن يحب هو الفراق فيفرق ولا شيء لها من الصداق. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وهذا صريح في أن محل قوله: "أو خالعا له بنظرهما" إنما هو حيث أحب الزوج الفراق، فإن لم يحبه فهو قوله: "ائتمناه عليها" حيث لم يجاوز فيها الحق وإلا خالعا له بنظرهما، فالأقسام ثلاثة. والله سبحانه أعلم. وإن أساءا يعني أنه إذا أساء الزوجان بأن حصلت الإساءة من كل منهما تساوت إساءتهما أم لا، وفي حكم إساءتهما معا ما إذا استمر الإشكال فلم يعلم المسيء منهما، فعليهما أن يصلحا بين الزوجين فإن أصلحا بينهما ووفق الله بينهما فالأمر ظاهر، وإن عجزا عن الإصلاح ورأيا الفراق نظرا، فهل يتعين عليهما الطلاق بلا خلع؟ أي مجانا بلا عوض تدفعه له وهو الذي تأول أبو عمران وغيره المدونة عليه، وليس مراده أن الطلاق يتعين عليهما وإنما المراد إذا أرادا أن يطلقاها

стр. 4245

فلا يوقعاه إلا مجانا. قاله الشارح وغيره. أو لا يتعين عليهما ذلك بل لهما أي للحكمين أن يخالعا للزوج بأن يجعلا له عليها شيئا خفيفا من الصداق بالنظر؛ أي يفعلان ذلك على وجه النظر والسداد، وهو الذي تأول عليه الأكثر من الشيوخ المدونة. وقوله تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وأشار اللخمي إلى أن الإساءة إن كانت منهما على السواء أخذا له نصف الصداق ومنها أكثر أخذا أكثره ومنه أكثر فأقله، ويلغز بها فيقال: امرأة طلقت قبل الدخول في نكاح صحيح وكان لها ربع الصداق أو زيادة عليه أو أقل من النصف أو دون الربع. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي عند قوله "تأويلان": وجميع ما للمص هنا يفيد أنه يجوز لهما الطلاق ابتداء ويعارض ما يأتي في القضاء من أن المحكم لا يحكم في الطلاق ابتداء؟ وجوابه أن هذا في حكمين بعثهما الحاكم للنظر في هذا الأمر الخاص بخلاف ما يأتي. انتهى. ولا يقدح في ذلك قوله بعد: "وللزوجين" إلخ فإن الحاكم لم يبعث لأن ما هنا الطلاق ليس مقصود بالذات بل أمر جر إليه الحال، وإنما المقصود بالذات الإصلاح وما يأتي الطلاق فيه مقصود بالذات، وفي الشبراخيتي: الجواب عن ذلك بأن ما يأتي في غير ما هنا لوروده بنص القرآن. انتهى. وأتيا الحاكم فأخبراه ونفذ حكمهما يعني أن الحكمين إذا أكملا حكمهما فإنهما يأتيان الحاكم فيعلمانه بما ظهر لهما وما حكما به، وإذا أتياه وأعلماه بذلك فإنه ينفذ حكمهما أي يمضيه من غير تعقب له، ولابد له من أن ينفذه ولو (١) خالف مذهبه، وفائدة التنفيذ مع أنه ينفذ وإن لم يرض الحاكم رفع الخلاف، ولما جرى خلاف في رفع حكم الحكمين للاختلاف، (٢) واتفق على أن حكم الحاكم يرفعه ظهرت فائدة تنفيذه ليصير رافعا للخلاف اتفاقا ويراد بتنفيذه حكمهما قوله: حكمت بما حكمتما به، وأما إن قال نفذت ما حكمتما به فلا يرفع (٣) الخلاف. قاله القرافي. قاله الشيخ عبد الباقي.

стр. 4246

وللزوجين إقامة واحد على الصفة قد مر أن الحاكم يبعث حكمين صفتهما ما مر من قوله: "وبطل حكم غير العدل وسفيه وامرأة؛ إلخ وغير ذلك وكذا الزوجان كما يفيده قوله: "ولو كانا من جهتهما"؛ وأشار بهذا إلى أن للزوجين أن يقيما حكما واحدا ويكون على الصفة المتقدم ذكرها في قوله "وبطل حكم غير العدل وسفيه وامرأة" إلخ، ويكون فعله كفعل الحكمين، وقوله: "وللزوجين" إلخ أي لهما ذلك من غير رفع للحاكم، وإنما جاز هنا واحد ولم يجز في الصيد إلا اثنان مع ورود النص باثنين فيهما؛ لأن جزاء الصيد حق لله فلم يجز إسقاطه وهذا حق الزوجين فلهما إسقاطه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عن التوضيح: وقد علمت أن فعله كفعلهما فيجري فيه قوله: "وإن أساء" إلخ، ويجري فيه أيضا قوله: ونفذ طلاقهما وإن لم يرض الزوجان". إلى غير ذلك. وفي الوليين والحاكم تردد يعني أنه اختلف هل يجوز للوليين أن يقيما واحدا على الصفة المتقدمة كما للزوجين ذلك أو ليس لهما ذلك، وكذلك اختلف هل للحاكم أن يقيم حكما على الصفة المتقدمة أو ليس له ذلك وإلى الجواز فيهما أي في الوليين والحاكم ذهب اللخمي، وإلى المنع فيهما أي في الوليين والحاكم ذهب الباجي، وعلى المنع لو أقيم واحد وحكم لم ينقض، ومحل التردد فيما إذا كان المقام أجنبيا من الزوجين، قال عبد الباقي: وكذا فيما يظهر إن كان قريبا لهما قرابة مستوية، وأما إن كان قريبا لأحدهما فقط أو لأحدهما أقرب فيمنع اتفاقا، وكذا إن كان قريبا للحاكم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي جواز إقامة الوليين إذا كان الزوجان محجورين، ومعناه إذا قامت الزوجة بالضرر ولو رضيت سقط مقال وليها ولو كان أبا، ثم قال: وعلى القول بمنع إقامة الواحد لو أقيم وفعل لم ينقض حكمه كما في الحطاب عن عبد الملك. انتهى. وقال الحطاب عند قول المص "وللزوجين إقامة واحد على الصفة وفي الوليين والحاكم تردد" ما نصه: فهم من هذا أن للجميع إقامة الحكمين وهو كذلك على المشهور. انتهى. وقال الشبراخيتي: ابن عرفة: قلت: ففي منع الاقتصار على بعث واحد مطلقا وجوازه إن كان أجنبيا مطلقا ثالث الطرق: يجوز مطلقا

стр. 4247

للزوجين معا فقط لابن فتحون واللخمي والباجي، وقول ابن الحاجب: ويجوز أن يقيم الزوجان أو الوليان خاصة واحدا على الصفة لا على غير الصفة غير الجميع (١)). انتهى. حاصل مفاد كلام ابن عرفة أنه يجوز للزوجين إقامة واحد على الصفة حيث كان أجنبيا باتفاق الطريقة الثانية والثالثة، وصريح كلامه أنه يجوز للزوجين على الثالثة إقامته ولو قريبا، فقد اتفق طريقان على جواز إقامة الزوجين واحدا على الصفة حيث كان أجنبيا ولم يقع اتفاق طريقين على جواز إقامة الوليين والحاكم واحدا ولو أجنبيا، وعلى هذا فلا يتوجه على المص أن يقال لم اقتصر في الزوجين على جواز إقامة واحد وحكى التردد في الوليين والحاكم، وهو مخصوص بما إذا كان المقام أجنبيا، فإن كان قريبا فاتفقت الثلاثة على المنع إن كان المقيم غير الزوجين، وقوله: غير الجميع؛ أي غير الطرق الثلاثة أي خارج عن النقل وليس في المذهب غير الطرق الثلاثة، واقتصر المص على جواز إقامة الزوجين واحدا على الصفة لموافقته لنص المدونة. انتهى. وقد مر جواب التوضيح عن جواز إقامة واحد على الصفة هنا وعدم جوازه في جزاء الصيد مع ورود نص القرآن باثنين فيهما، وأجاب اللخمي بأن حاكم الزوجين بإقامة القاضي وحاكم الصيد بإقامة المطلوب، فلزم تعدده لنفي تهمته ولأن المحكوم له في الزوجين له خصم ليس هو في الصيد، وقوله: "وللزوجين إقامة واحد" إلخ قال الإمام الحطاب: وأما الأمينة فلا يحكم بها على المشهور. انظر التوضيح. وقال في الشامل: ولا يعمل بأمينة على المشهور. انتهى. وقال ابن عرفة: ولا يقضى بإسكان أمينة معهما. ورأيت لقرعوس بن العباس أنه يقضى بذلك والأول أظهر وأشهر إلا أن يتفق الزوجان عليها وتكون نفقتها عليهما. انتهى. قاله الحطاب. وقال: قال ابن عرفة: إنما يبعث الحكمين الحكام أو الزوجان أو آباؤهما إن كانا محجورين، ثم قال قلت: معنى البعث والزوجان محجوران أن الزوجة قامت بالضرر، ولو رضيته سقط مقال وليها ولو كان أبا، قال ابن فتوح: وكذا كل شرط [فيه فأمرها] (٢) بيدها. انتهى.

стр. 4248

ولهما إن أقاماهما الإقلاع يعني أن الزوجين إذا أقاما الحكمين من جهتهما فلهما أن يرجعا عن تحكيمهما وكذا لأحدهما ذلك، وإنما يكون لهما ذلك ما لم يستوعبا أي يستكملا الكشف عن أمر الزوجين حتى علماه، ويعزما على الحكم بوقوع الطلاق، وأما إن استوعبا الكشف وعزما على أنهما يحكمان بالطلاق فإنه ليس لأحدهما، ولا لهما معا أن يرجعا عن التحكيم ولو رضيا بالبقاء، وقال ابن يونس: ينبغي إذا رضيا معا بالبقاء أن لا يفرق بينهما، وأما لو كان الحكمان موجهين من جهة السلطان فليس للزوجين الرجوع عن تحكيمهما وإن لم يستوعبا الكشف كما في المواق. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولهما على تقدير مضاف أي ولأحدهما وأحرى هما، ثم قال: ومفهوم الظرف وهو ما من قوله: "ما لم يستوعبا" إلخ أنهما لو استوعبا الكشف وعزما على الحكم أنه ليس لأحدهما الإقلاع أي الرجوع، وأما هما معا فلهما ذلك، وقوله: "ولهما" إلخ مبني على أحد الترددين الآتيين في باب القضاء من أنه يشترط دوام الرضى في التحكيم للحكم، فكلامه مجمل يفصله ما سيأتي. انتهى. فإن طلقا يعني أن الحكمين إذا اتفقا على أنهما يوقعان الطلاق، ولكن اختلفا في المال فقال أحدهما طلقت بمال وقال الآخر طلقت بغير مال، أو قال أحدهما طلقنا معا بمال وقال الآخر بغير مال: فإن التزمت المرأة المال وقع الطلاق كما نص عليه الجواهر، وإن لم تلتزمه أي المال المرأة فإنه يعود المال كما كان ولا طلاق، وأما اختلافهما في الجنس والصفة فخلع المثل إلا أن يزيد عنهما أو ينقص فأقربهما له. قاله الشيخ الأمير. وقال الشيخ عبد الباقي: واختلافهما في القدر يوجب له خلع المثل، ولو حكم أحدهما بالطلاق والآخر بالبقاء لم يلزم شيء، وفي الحطاب: وإذا حكم أحدهما بالفراق ولم يحكم الآخر لم يلزم شيء. قاله في المدونة. وقوله: "فإن لم تلتزمه فلا طلاق" أي لأن مجموعهما قائم مقام الحاكم، ولا وجود للمجموع مع انتفاء بعض أجزائه.

стр. 4249

رب يسر ولا تعسر … يا ميسر كل عسير باب: في الطلاق وأصله في اللغة الانطلاق والذهاب، مأخوذ من قولك: أطلقت الناقة فطلقت إذا أرسلتها من عقال، فكأن ذات الزوج موثقة عند زوجها فإذا فارقها أطلقها من وثاق، ويدلك على ذلك قول الناس هي في حبالك إذا كانت تحتك، وقال الجوهري: وطلق الرجل امرأته تطليقا وطلقت هي بالفتح تطلق بضم اللام طلاقا فهي طالق وطالقة، قال الأخفش: لا يقال طلقت بالضم. انتهى. وأما حقيقته في الشرع فقال ابن عرفة: الطلاق صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجب تكررها للحر مرتين ومرة لذي رق حرمتها عليه قبل زوج. وفي الحديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق (١))، وفيه: إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات أي السريع النكاح السريع الطلاق، واستشكل الحديث الأول بإباحة الله تعالى له وبفعله ﵊، فكيف يوصف بالبغض فضلا عن كونه أبغض؟ وأجيب: بأن محمل كونه أبغض أنه أقرب الحلال إلى البغض فنقيضه أبعد عن البغض، فيكون أحل من الطلاق، (وثبت عنه ﷺ أنه طلق حفصة بنت عمر ثم راجعها (٢))، وطلق العالية بنت ظبيان وهي كان يقال لها أم المساكين، ونكحت في حياته قبل أن ينزل عليه تحريم نسائه. وأول من طلق إسماعيل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، واعلم أن الأصل في الطلاق الجواز، ومنه إذا كانت الزوجة غير مؤدية حقه عند اللخمي، وقال ابن بشير: يندب في هذه الحالة كما إذا كانت غير صينة ولم تتعلق بها نفسه، ويكره إن كان كل منهما مؤديا حق صاحبه، ويجب إن فسد ما بينهما ولا يكاد يسلم دينه معها، ويحرم إن خيف من وقوعه ارتكاب كبيرة، ووقوع الطلاق منه ﷺ لسبب رجحه كالتشريع. وقال الشبراخيتي: الطلاق لغة إزالة القيد كيف كان، ومنه لفظ مطلق ووجه طلق بكسر اللام وسكونها وطليق وحلال طلق بكسر الطاء وانطلقت بطنه وأطلق من السجن وانطلق إلى كذا، وشرعا قال ابن عرفة صفة حكمية ترفع حلية إلخ.

стр. 4250

واعلم أن الطلاق على نوعين: طلاق بعوض وطلاق بغير عوض، والطلاق بعوض هو الخلع، ولما جرى ذكر الخلع في فصل القسم أعقبه المص بذكر الخلع، والخلع لغة: النزع، مأخوذ من خلع الثوب بفتح الخاء؛ لأن كلا من الزوجين لباس للآخر في المعنى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، فكأنه بمفارقته الآخر نزع لباسه وضم مصدره تفرقة بين الحسي والمعنوي. وأول خلع وقع في الإسلام بين حبيبة بنت سهل الأنصاري وبين زوجها ثابت بن قيس، جاءت إلى النبي ﷺ ، فلما خرج لصلاة الغداة وجدها عند بابه، فقال من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل: فقال: ما شأنك؟ فقالت: لا أنا ولا ثابت ابن قيس؛ أي لا أنا أوافقه ولا هو يوافقني، وفي رواية أنها قالت: يارسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها، ولولا مخافة الله لبزقت في وجهه، وفي رواية أنه كان ضربها وكسر يدها فلما جاء زوجها للمسجد، (قال له ﵊: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر، فقالت حبيبة يارسول الله صلى الله عليك وسلم: كل ما أعطاني عندي، فقال له رسول الله ﷺ : خذ منها، وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال لها: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما وجلست في أهلها (١)). انتهى. وأشار المؤلف إلى حكم الخلع بقوله: جاز الخلع يعني أن الخلع جائز من غير كراهة على المشهور خلافا لابن القصار القائل بكراهته والحجة للمشهور قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، قال الشارح: المذهب جوازه يعني الخلع كما قال، ونقله اللخمي وابن يونس والباجي وابن زرقون وغيرهم عن مالك، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولما في الموطأ من (حديث حبيبة زوجة ثابت بن قيس) فلولا أنه جائز لما أباح له ﵇ الأخذ منها، وذهب ابن القصار إلى أنه مكروه وهو ظاهر كلام ابن رشد في المقدمات؛ إذ ذكره في قسم الطلاق البدعي. انتهى. وعرف المؤلف الخلع بقوله: وهو الطلاق بعوض يعني أن الخلع هو أن يطلق الزوج وتعوضه المرأة مالا على طلاقها، والطلاق في الشرع حل عقدة التزويج، وقد تقدم تعريف ابن عرفة له، والطلاق

стр. 4251

لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره، ومحل جواز الخلع ما لم تلجأ المرأة إلى الفداء بسبب إضراره بها وإلا فلا يجوز له أخذ الفداء حينئذ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، ولم يعرف ابن عرفة الخلع، قال الرصاع: وقع لبعض الشيوخ من قال وهذه أنه عرفه بقوله: عقد معاوضة على البضع تملك به المرأة نفسها ويملك به الزوج العوض، قال: وهذا صواب جار على قاعدة الشيخ في رسم العقود، ثم ذكر أن الأنسب بتعريفه الطلاق الأعم من الخلع أن يقال في رسم الخلع هنا: صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بسبب عوض على التطليق، ولكون الخلع يطلق على معنيين على المعنى الناشئ عن العقد وعلى العقد صح حده على المعنيين. واعلم أن كلا من التعريفات الثلاث للخلع أعني تعريف المص وتعريف بعض الشيوخ من تلامذة ابن عرفة يرد عليه عدم شمول كل منها للطلاق بلفظ الخلع، وأجاب ابن عاشر بأن العوض فيه تقديرا لأنهم عللوها بأن الخلع يستلزم عوضا لكنه لم يطالبها به على معنى الهبة، قال: ويحتمل أن تكون هذه المسألة ذات عوض محقق؛ لأن من لازم كونها خلعا جريان أحكام الخلع فيه ومن جملتها سقوط النفقة أيام العدة، وأجيب أيضا عن المص بأنه حذف منه أو بلفظ الخلع بعد قوله: بعوض بقرينة ما يأتي. انظر الشبراخيتي. واعلم أن الرسم يجب اطراده وانعكاسه أي كونه مانعا جامعا، وفي كلام عبد الباقي عن أحمد نظر، وقوله: "وهو الطلاق بعوض" يشمل ما إذا كان العوض من مالها وما إذا كان من حق لها عليه من صداق ونفقة حمل وكراء مسكن العدة، فأطلق لفظ الخلع على ما يشمل المبارأة والفدية والخلع، وفي المدونة ما الخلع وما المبارأة وما الفدية، قال مالك: المبارئة التي تباري زوجها قبل البناء تقول خذ الذي لك وتاركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تعطيه بعض الذي لها وكلها سواء ولا مشاحة في الاصطلاح، ولابن عاصم ﵀: والخلع جائز والافتداء … فالافتداء بالذي تشاء والخلع باللازم في الصداق … وحمل أو عدة أو إنفاق

стр. 4252

وليس للأب إذا مات الولد … شيء وذا به القضاء في المدد قال الشيخ ميارة: فسر الافتداء بأنه افتداء الزوجة ببعض مالها، وفسر الخلع بأنه الافتداء باللازم في الصداق وبمؤنة حمل وخروج عدة وإنفاق على ولد، وهذا الفرق مجرد اصطلاح لأهل كتب الأحكام، ومعنى قوله: وليس للأب إذا مات إلخ أنه إذا مات الولد الذي التزمت الزوجة الإنفاق عليه قبل انقضاء المدة التي التزمت النفقة فيها فلا يجب لأبيه بعد موته شيء على ما جرى به القضاء في هذه الأزمنة، قال في القرب: قلت له فما المبارأة وما الخلع وما الفدية؟ قال: المبارأة أن تقول المرأة لزوجها قبل البناء خذ ما أعطيتني واتركني، والخلع أن تختلع بكل الذي لها، والمفتدية أن تفتدي ببعض وتمسك بعضا. انتهى. وقوله: "وهو الطلاق" هذا هو المشهور أن الخلع طلاق وقيل فسخ، قال ابن عرفة: كان شخص يقال له النحاس له في امرأته طلقتان فخالعها ثم ردها قبل زوج بناء على أن الخلع فسخ ففرق بينهما ولم يحد للشبهة. انتهى. نقله الحطاب. تنبيه: للزوج إن شتمته الزوجة مثلا أن يؤذيها لتفتدي لا إن زنت وندب فراقها. قاله الشيخ الأمير. وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وبلا حاكم يعني أن الخلع يجوز عند الحاكم وغيره فلا يحتاج إلى حكم حاكم، قال في المدونة: والخلع المبارأة عند السلطان وغيره جائز. انتهى. قال أبو الحسن: خلافا للحسن وابن سيرين. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وبلا حاكم" عطف على محذوف تقديره بحاكم وهو حال من الخلع؛ أي جاز الخلع حال كونه كائنا بحاكم وبلا حاكم، ونص عليه ردا لقول ابن سيرين: إنه إنما يكون عند الحاكم كما مر. والله سبحانه أعلم. وبعوض من غيرها يعني أنه لا فرق في العوض الذي يأخذه الزوج عن إرسال العصمة بين أن يكون من الزوجة وبين أن يكون من غيرها، أجنبيا أو وليا، وقوله: "بعوض" عطف على قوله: بعوض، ويقيد بكونه منها أي أن الخلع هو الطلاق بعوض من المرأة وبعوض من غيرها، وهو من

стр. 4253

تمام التعريف أي لا فرق بين المسألتين فكل منهما خلع. قاله غير واحد. ولو اقتصر على قوله: "وهو الطلاق بعوض" أغناه عن هذا. والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: أركان الخلع خمسة: القابل والموجب والعوض والمعوض عنه والصيغة، فالقابل الملتزم العوض، والموجب زوج أو ولي صغير، والعوض الشيء المخالع به، والمعوض عنه بضع الزوجة، والصيغة خالعتك ونحوه. الثاني: نبه بقوله "بعوض" على أنه معاوضة لا عطية فلا يحتاج إلى حوز، فلو أحال عليها الزوج فماتت أخذ من تركتها على المشهور. قاله الشبراخيتي. وقوله: فلو أحال عليها إلخ هذا ليس بشرط فله أن يرجع في تركتها ولو لم يحل عليها أحدا لأنها معاوضة كما قال. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. الثالث: قد مر أن قوله: "هو الطلاق بعوض" يشمل المبارأة والفدية والخلع صرح بذلك الشبراخيتي، قال: ونبه بقوله "الطلاق" على خلاف ابن عباس وغيره أنه فسخ، ولهذا لو خالع بعد طلقتين ثم تزوجها قبل زوج لا يحد لخلاف ابن عباس. إن تأهل يعني أنه يشترط في دافع المال الذي وقع عليه الخلع زوجة أو غيرها أن يكون متأهلا لالتزام المال بأن يكون غير محجور عليه، قال ابن عرفة: باذل الخلع من صح معروفه. والحاصل أنه يشترط في لزوم العوض لدافعه أن يكون غير محجور عليه، فالشرط في الحقيقة إنما هو في لزوم المال لدافعه لا في البينونة كما ستقف عليه إن شاء الله، وظاهر المص كغيره لزوم العوض للأجنبي المخالع، سواء قصد مصلحة أو درء مفسدة أو قصد إسقاط نفقة المرأة في المعدة عن الزوج أو لم يقصد ذلك وهو ظاهر المدونة أيضا، فيلزم المال الخالع به ولا يرد، ولو كان الأجنبي قصد ضرر الزوجة بذلك بأن قصد إسقاط نفقة عدتها، قال ابن عبد السلام: ولا ينبغي أن يختلف في منع هذا ابتداء، وفي انتفاع الطلق به بعد وقوعه نظر، قال الإمام الحطاب: أما المنع من ذلك ابتداء فلا إشكال فيه، وأما إذا وقع الطلاق فالظاهر لزومه وسقوط النفقة؛ إذ لا إشكال في بينونته وأهل المذهب كلهم مصرحون في باب النفقة بأن البائن لا نفقة لها، قال في المدونة: وكل مطلقة

стр. 4254

لها السكنى وكل بائنة بطلاق بتات أو خلع أو مبارأة أو لعان ونحوه فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة إلا في الحمل البين، فذلك لها ما أقامت حاملا خلا الملاعنة. انتهى. قال أبو الحسن: لأن النفقة إنما هي عوض عن الاستمتاع فلما عدم لم تكن لها نفقة، ووجبت نفقة الرجعية لأنه لما كان متمكنا من الرجعة أشبه من هو متمكن من الوطء. انتهى. وقال ابن عرفة: باذل الخلع من صح معروفه والذهب صحته من غير الزوجة مستقلا، قلت: ما لم يظهر قصد ضررها بإسقاط نفقة العدة فينبغي رده، كشراء دين العدو، وفيها: من قال لرجل طلق امرأتك ولك علي ألف درهم ففعل لزم ذلك الرجل. انتهى. نقله الحطاب. وقال قول ابن عرفة: ينبغي رده إن أراد قبل أن [يقع] (١) الطلاق فظاهر وإطلاق الرد مجاز وإن أراد بعد وقوع الطلاق وأنه يرتفع الطلاق فغير ظاهر. والله سبحانه أعلم. انتهى. وقال الأمير: وجاز من الغير من ماله ظاهر المشهور ولو قصد إسقاط نفقتها وقيل يعامل بنقيض القصد في ذلك. انتهى. والحاصل من كلامهم هنا أن الخلع ماض والعوض لازم للأجنبي مطلقا وتسقط النفقة، وهذا شامل لما إذا خالعها ليتزوجها وكلام عبد الباقي هنا غير صحيح. والله سبحانه. أعلم. فرع: قال أبو الحسن: إذا أتى الأجنبي إلى الزوج قبل أن يطلق، فقال له: لا تفعل فقد بدالي فذلك له. قاله الحطاب. وأشار المؤلف إلى مفهوم قوله: "إن تأهل" بقوله: لا من صغيرة أفاد بهذا وما بعده عدم اختصاص شرط التأهل بالأجنبي؛ يعني أن الخلع لا يجوز ولا يصح من الصغيرة أي التي لم تبلغ، بمعنى أنه لا يملك الزوج ما خالعته به بل يرده الزوج لها. وسفيهة: يعني أن السفيهة إذا خالعت زوجها فإن ذلك لا يجوز ولا يصح، بمعنى أنه لا يملك ما خالعته به بل يرده لها فعدم الجواز مستفاد منه بجعله مقابلا للجائز، وكونه لا يصح مستفاد من قوله: "ورد المال" أشار له الشبراخيتي. قال الإمام الحطاب: أما السفيهة المولى عليها فالمنصوص فيها ما ذكره المص، وأما المهملة فذكر فيها في التوضيح ثلاثة أقوال، قال الرجراجي في شرح المدونة: المشهور أن ذلك لا يجوز ولذلك -والله أعلم- أطلق في السفيهة أي سواء كانت ذات أب أو وصي أو مقدم القاضي أو مهملة لا يصح خلعها، وهذا إذا صالحت دون إذن وصيها، أما إن أذن لها وصيها فيصح الخلع. انتهى. وقال

стр. 4255

الشارح: وما ذكره المص في الصغيرة هو المشهور. المتيطى: وبه العمل. ابن اللباد: وهو المعروف، ولابن القاسم إن بنى بها وكان الذي أخذه منها مما يصالح به مثلها نفذ الخلع وإلا فلا، قال في الطرر: وبه العمل واختار اللخمي الإمضاء إن كان الفراق لها أحسن وإلا رد المال ونفذ الطلاق. واختلف في خلع السفيهة غير المولى عليها هل يمضي أم لا؟ بناء على [أن] (١) الرد للحجر أو للسفية، ولسحنون يمضي خلع السفيهة المبالغة دون الصغيرة. انتهى. قوله: واختلف في خلع السفيهة غير المولى عليها، قال الشبراخيتي: فيه نظر لأن الخلاف بين ابن القاسم ومالك في الذكر خاصة، وأما الأنثى فلابد من دخول الزوج بها وشهادة العدول على صلاح حالها. وذي رق يعني أنه لا يجوز للزوج أن يطلق زوجته الأمة على مال تدفعه له بغير إذن سيدها، ولا يصح إن وقع بمعنى أنه يرد المال كما تراه قريبا إن شاء الله تعالى، وقوله: "وذي رق" أي شخص ذي رق فيصدق بالأنثى، وقوله: "ذي رق" أي من ينتزع مالها فللسيد رده فيها لا فيمن لا ينتزع مالها كمدبرة وأم ولد خالعتا في مرض السيد فيوقف ما خالعتا به، فإن مات من مرضه ذلك صح في أم الولد وكذا المدبرة إن خرجت حرة، وإن صح فله رده فيهما وصح خلع المعتقة لأجل مع قرب الأجل لا إن بعد فللسيد رده. وقد مر الكلام على بيان قرب الأجل عند قول المص: "أو يقرب الأجل" وإذا اختلعت المكاتبة بكثير رد ولو أذن لها السيد في ذلك إذ لا يعتبر إذنه لتأدية خلعها بكثير لعجزها، فإن اختلعت بيسير بإذنه مضى وبغير إذنه وقف، فإن أدت صح وإن عجزت فله رده، وللمأذون لها في التجارة خلع بإذنه وإلا فله رده على الراجح، خلافا لمن قال إن إذنها في التجارة إذن لها في الخلع ولا يضمنه سيد بإذن في خلع كما في التتائي عن ابن شأس، وقياسا على قوله: "ولا يضمنه سيد بإذن التزويج"، وعدل عن ذات رق لذي رق باعتبار كونه صفة لشخص للاختصار، ولا يشمل الذكر حتى يعترض به على المص؛ لأن الكلام في الزوجات، وأما المبعضة فقال الأمير: ما ملكته ببعض الحرية يمضي إذ ليس للسيد انتزاع في ذلك. انتهى.

стр. 4256

ومقتضاه أن ما ملكته بالبعض الآخر للسيد انتزاعه فله رده. والله سبحانه أعلم. وهو خلاف ما قدمته عن الشبراخيتي عن ابن الحاجب من أن صداق المبعضة لها لا بينها وبين سيدها، بخلاف أرش جناية عليها فبينهما. انتهى. وانظر الكلام على من ينتزع ماله من الرقيق ومن لا ينتزع عند قول المص: "وتمتع بغير دبر". وانظر الكلام أيضا هناك على من يباح للسيد الاستمتاع بها من الإماء ومن لا يباح. وقال الشبراخيتي: والظاهر أن الخلع من المبعضة يمضي إذ ليس للسيد تسلط على مالها، وأما المأذون لها في التجارة فليس لها المخالعة لعدم انتفاع السيد بذلك، وحكى الأبياني الاتفاق عليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: والحاصل أن ذات الرق إذا خالعت بإذن سيدها مضى الخلع إلا المكاتبة إذا خالعت بكثير فإن إذنه لها بالمخالعة كعدمه، فيرد إن اطلع عليه قبل أدائها وإن خالعت بغير إذنه، فإن كان ينتزع مالها كالقن التي ليس فيها شائبة حرية وأم الولد والمدبرة إذا لم يمرض السيد فيهما والمعتقة لأجل إذا لم يقرب الأجل فإنه ليس لها المخالعة ويبطل الخلع، وإن كان لا ينتزع مالها فإن كانت معتقة لأجل وقرب الأجل أو كانت مبعضة فلا كلام للسيد فيما فعلاه (١))، وإن كانت أم ولد أو مدبرة ومرض سيدهما فإنه يوقف ما وقع به الخلع، فإن مات السيد صح الخلع لكن في المدبرة إن خرجت حرة وإن صح السيد فله رده، وإن كانت مكاتبة فإن كان (٢) ما خالعت به يسيرا وقف ما فعلته أيضا، فإن أدت مضى فعلها وإن عجزت فللسيد الرد، وإن كان كثيرا فلها رده والظاهر أن سيدها كذلك، وأما المأذون لها في التجارة فليس لها خلع إلا بإذن السيد، فإن فعلت بغير إذنه فله رده على الراجح، ويبقى النظر فيما إذا وقع الخلع ممن ذكر ولم يطلع السيد على ذلك حتى قرب الأجل في المعتقة لأجل ومرض السيد في أم الولد والمدبرة، فهل يعتبر وقت الخلع أو وقت الاطلاع؟ انتهى. كلام الشبراخيتي.

стр. 4257

ورد المال يعني أن الزوج إذا خالعته زوجته الصغيرة أو السفيهة أو ذات الرق على مال على ما مرت فإن ذلك الخلع لا يجوز ويرد المال الذي خالعن به أي يقضى على الزوج برد المال الذي أخذه عن إرسال العصمة في الصغيرة والسفيهة وذات الرق. وبانت يعني أن كلا من الثلاث تبين مع وجوب رد المال ولا تتبع به الأمة إن عتقت، فإن راجع في إحدى هذه الثلاث ظانا أنه رجعي أو مقلدا لمن يراه رجعيا فرق بينهما ولو بعد الوطء وهو وطء شبهة، وهذا ما لم يحكم بصحته حاكم يرى هذا الطلاق رجعيا وإلا صح؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ومحل البينونة في الثلاث حيث لم يعلق الطلاق على صحة البراءة بأن لم يعلق أصلا أو علق بعد وقوع الخلع، وأما إن قال لصغيرة أو سفيهة أو ذات رق إن صحت براءتك لي فأنت طالق، فقالت أبرأتك فلا يقع عليه طلاق حيث لم يُجِز وليها براءتها، بخلاف ما لو قال بعد أن خالعها إن لم يتم لي ما خالعت به لم يلزمني خلع فلا ينفعه ذلك على المذهب؛ لأنه رافع بعد وقوع الخلع خلافا للبرزلي، ولو قال للمالكة أمر نفسها أي الرشيدة: أنت طالق إن أبرأتني من كذا فأبرأته لزم الطلاق ووقع بائنا ولا رجوع لها عن إبرائها، ومن صالح زوجته على شيء واشترط عليها أنه إن لم يكن أصل هذا الصلح جائزا فله الرجعة عليها، ثم تبين أن ذلك الصلح لا يجوز فيبطل الشرط ولا رجعة له عليها، وإنما بطل الشرط لأن الشرع قد حكم أن المرأة تبين من زوجها بالصلح كان جائزا أو غير جائز، فاشتراطه أن تكون له الرجعة عليها إن لم يكن الصلح جائزا لا يجوز له؛ لأنه مخالف حكم الشرع، مثال ذلك ما لو صالحها على أن ترضع ولده سنتين وتكفله أربع سنين بعد ذلك فإن ماتت فأبوها ضامن لنفقته، واشترط عليها إن لم يكن أصل هذا الصلح جائزا (١) فله الرجعة فهذا باطل ولا يصلح في صلح رجل وامرأة أكثر من الرضاع، ومن خالع زوجته على أنها إن كانت حاملا فلا خلع لها وإن لم يكن حمل فذلك خلع، قال الإمام مالك: بانت منه كانت حاملا أو غير حامل، ومن خالعها في سفر على أنه إن مات قبل أن يبلغ بلده فما أخذ رد فمات في سفره فالشرط باطل والصلح ماض ولا يتوارثان، ومن خالع زوجته على أنها إن طلبت ما أعطته أو خاصمته عادت زوجته لم ينفعه ولا رجعة، وإن

стр. 4258

ظنا أن ذلك يلزم فعادت تحته بذلك ووطئها فليفارقها ولها ما رد إليها صداقا، ولو صالحته بعد ذلك بشيء أعطته وقد حملت أو على براءته من نفقة الحمل والرضاع فهذا الصلح باطل ويرد لها ما أخذ ولها النفقة وله أن يتزوجها بعد أن تضع وإن لم تحمل فبعد الاستبراء. قاله الحطاب. وفي الحديث: (من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط (١)). نقله الحطاب. وجاز من الأب عن المجبرة يعني أن الأب يجوز له أن يخالع عن ابنته التي لو تأيمت لجبرها. فيخالع لها من مالها حيث كانت المصلحة في خلعها متعلقة بالمال، وما تقدم من أن النظر لها فإنما هو فيما يتعلق بضرر ذاتها ولوازم عصمتها، ومثل الأب السيد في مجبرته، ومفهوم قوله: "عن المجبرة" أن غير المجبرة لا يجوز للأب أن يخالع عنها إلا بإذنها وهو كذلك. بخلاف الوصي يعني أن الوصي غير المجبر لا يجوز له أن يخالع عمن أوصي عليها من مالها بغير إذنها. وأما بإذنها. فيجوز وهذا في التي لو كان لها أب وتأيمت لجبرها، وأما الوصي المجبر فيجوز له أن يخالع عنها من مالها بغير إذنها. وفي المدونة: وللأب أن يخالع عن ابنته الصغيرة وإن كان على إسقاط جميع المهر، وليس للوصي أو غيره أن يخالعها من زوجها بخلاف مبارأة الوصي عن يتيمه، والفرق بينهما أن الوصي يزوج يتيمه ولا يستأمره ولا يزوج يتيمته إلا بإذنها، وكذا له أن يبارئ عن يتيمه ولا يستأمره ولا يبارئ عن يتيمته إلا بإذنها. انتهى. وظاهر كلام الرجراجي أنه لا خلاف في جواز خلعه عنها برضاها، وقال ابن عرفة: وفي خلع الوصي عن يتيمته دون إذنها ثالثها إن لم تبلغ ثم قال: فالأرجح عقده على الوصي برضاها لا عليها بإذنه. انتهى. ويتحصل من كلامهم هنا أن قوله: "وجاز من الأب عن المجبرة" هو فيمن لو تأيمت لجبرها وذلك البكر غير المرشدة والثيب الصغيرة، وأن قوله: "بخلاف الوصي" جار في البكر والثيب الصغيرة، فيجري فيمن لو تأيمت وكان لها أب لجبرها هذا إذا لم يكن الأب أمره بالجبر، وأما لو أمره بالجبر فيخالع عنها بغير إذنها لجبره لها لو تأيمت، فلو قال: وجاز من المجبر عن مجبرته لكان أحسن لشموله للأب والسيد والوصي. والله سبحانه أعلم.

стр. 4259

قال في المتيطية: قال ابن لبابة: ولو كان الأب فوض إلى الوصي العقد قبل البلوغ وبعده لوجب أن يبارئ عنها في قياس قوله. انتهى. قاله الحطاب. ومر أن الوصي يخالع عنها برضاها، وأما الرشيدة فلا كلام لأحد معها أبا أو وصيا أو غيرهما، وأما الثيب البالغة السفيهة فسيأتي أن في خلع الوصي عنها برضاها روايتين. انظر حاشية الشيخ بناني. هذا هو تحرير المسألة والله أعلم. ونقل الحطاب أن السيد لا يجوز له أن يفعل بعبده فعلا يؤدي إلى فسخ نكاحه. وفي خلع الأب عن السفيهة خلاف يعني أن الشيوخ اختلفوا في جواز خلع الأب عن الثيب البالغ السفيهة بغير إذنها من مالها وهو قول ابن أبي زمنين وابن لبابة: جرت الفتوى من الشيوخ بجواز ذلك ورأوها بمنزلة البكر ما دامت في ولايته على المشهور. اللخمي: وهو الجاري على قول مالك في المدونة وَمَنَعَ خلعه عنها وهو لابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، قالوا: لا يجوز ذلك إلا بإذنها. ابن رشد: وهو المعمول به. ابن عبد السلام: وهو أصل المذهب ومحل الخلاف في خلع الأب عنها من مالها بغير رضاها، وأما من مال لأب أو من مالها برضاها فجائز وليس من محل الخلاف، ومحل الخلاف أيضا فيمن في ولايته، وأما من ليست في ولايته كما لو طرأ عليها السفه بعد الرشد فليست من محل الخلاف. والله تعالى أعلم. وكما اختلف في خلع الأب عن السفيهة الثيب البالغ من مالها بغير رضاها اختلف في خلع الوصي عنها برضاها، وفي ذلك روايتان لابن القاسم والقياس المنع في الجميع، ولابن عاصم ﵀: والبكر ذات الأب لا تختلع … إلا بإذن حاجر وتمنع وجاز إن أب عليها أعمله … كذا على الثيب بعد الإذن له ولو عقد الخلع على يتيمة أو غيرها ولي أو أجنبي ودفعا العوض من مالها فلها الرجوع على زوجها والطلاق ماض، وهل يرجع الزوج على الذي عقد معه الخلع إذا لم يضمن ذلك أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يرجع عليه وإن لم يضمن له لأنه أدخله في الطلاق وهو قول ابن

стр. 4260

القاسم وروايته عن مالك في كتاب الصلح من المدونة وقول أصبغ في الواضحة والعتبية، الثاني أنه لا رجوع له عليه إلا أن يلتزم له الضمان وهو ظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك في كتاب إرخاء الستور من المدونة وقول ابن حبيب، الثالث أنه إن كان أبا أو ابنا أوأخا أو له قرابة للزوجة فهو ضامن وإلا فلا وهو قول ابن دينار. قاله الحطاب. وقال: الظاهر من كلامهم أنه لا خلاف في وقوع الطلاق بائنا، فلو راجعها الزوج معتقدا أن ذلك الطلاق رجعي أو مقلدا لمن يراه من أهل المذهب رجعيا، ثم دخل بها ووطئها ولم يحكم بصحة الارتجاع حاكم يرى ذلك، ثم رفع لحاكم مالكي يرى أن الأول بائن فالظاهر أن للحاكم أن يحكم بالبينونة ويكون وطؤه وطء شبهة. انتهى. ونظم بعضهم الأقوال الثلاثة فقال: إن عقد الخلع مضى فترجع … على يتيمة وغيرها فع وهل له الرجوع قالوا مسجلا … أو بضمان أو قريبا فاقبلا وإن عقدت المرأة الخلع وضمن للزوج وليها أو غيره ما يلحقه من رد في الخلع المذكور ثم ظهر ما يسقط التزامها من ثبوت ضرر مثلا، ففي ذلك قولان: أحدهما أن الضامن يغرم للزوج ما التزمه، والثاني أنه لا شيء عليه وكذلك في البيع الفاسد. انتهى. قاله الحطاب. وسيأتي أن البالغ من سفيه أو عبد لا يخالع عنه الولي أو السيد؛ لأن الطلاق بيد من يرفع الساق. وبالغرر يعني أن الخلع يجوز بما فيه غرر، فقوله: "بالغرر" أي بما فيه غرر كما قاله الشبراخيتي، وذلك كثمرة لم يبد صلاحها وآبق وجنين أئي إذا كانت تملك أمه، فإن انفش الحمل أو خرج ميتا أو كانت في ملك الغير بانت ولا شيء له، وإنما لم يكن له شيء في انفشاشه أو موته لأنه مجوز لذلك، وإذا أعتق الجنين المخالع به وهي تملك أمه صار حرا ببطن أمة، وقوله: "جنين" لأمة أو بهيمة. وغير موصوف عطف على قوله: "جنين" فهو من أفراد الغرر يعني أنه يجوز الخلع على غير موصوف من حيوان أو عرض، ويدخل في العرض غير الموصوف اللؤلؤ ولا تجوز به الكتابة فالخلع أوسع منها وأوسع من الرهن؛ لأنه لا يجوز رهن الجنين ولو كان الراهن يملك أمه، وإذا

стр. 4261

تخالعا على غير موصوف فله أي للزوج الوسط مما خالعته به لا مما يخالع به الناس، ولا يراعى في ذلك حال المرأة. وفي كتاب الشيخ الأمير: وبغير موصوف كعبد وله الغالب أو الوسط. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأشار المص إلى الغرر الذي لا يقدِرَان على رفعه بقوله: "كجنين" وإلى الغرر الذي يقدران على رفعه بقوله: "وغير موصوف" لأنه لا فرق بينهما على المذهب. انتهى. وللشيخ علي الأجهوري: عطية إبراء ورهن كتابة … وخلع ضمان جاز في كلها الغرر وفي الرهن يستثنى الجنين وخلعها … به جائز إن ملك أم لها استقر ابن عرفة: والخلع بذي غرر قد يجب عليها يومًا مَّا جائز لنقل ابن رشد: يجوز على مجرد رضاع الولد اتفاقا، وإن كان فيه غرر لاحتمال موته قبل تمام أمده ولوجوبه عليها في عدم الأب وفيما لا يجب ثالثها فيما لا يقدر على إزالته كالآبق والجنين والثمرة قبل بدو صلاحها، لا فيما يقدر على إزالته كالخلع على التزام نفقة الولد بعد الرضاع أعواما للقدرة على إزالته، بشرط أن لا تسقط النفقة عنها بموته، وتحصل أن في المسألة -أعني مسألة ما لا يجب- ثلاثة أقوال: أحدها أن الخلع بالغرر جائز كان الغرر مما يقدر على إزالته أم لا وهو قول المخزومي في المدونة وقول سحنون هنا، ثانيها أن ذلك لا يجوز مطلقا قدر على إزالته أم لا وهو قول ابن القاسم، ثالثها التفرقة بين ما لا يقدر على إزالة غرره كالآبق والبعير الشارد والجنين والثمرة قبل بدو صلاحها فيجوز الخلع به وما يقدر على إزالته فيمتنع الخلع به، كالخلع على التزام نفقة الولد بعد الرضاع أعواما للقدرة على إزالة الغرر بشرط أن لا تسقط النفقة عنها بموته، ولذا لو شرطوا عدم سقوطها بموته لجاز لارتفاع الغرر. واختلف على القول بأن الخلع بالغرر لا يجوز إذا ألزم الزوج الطلاق وأبطل ما خالع به، هل يرجع على المرأة بشيء أم لا؟ فقوله في المدونة هنا: إنه لا رجوع له عليها بشيء والثاني أنه يرجع عليها إذا بطل الجميع بخلع المثل، وإذا بطل البعض بمقدار ذلك الجزء من خلع المثل

стр. 4262

وأما المخالعة على رضاع الولد خاصة فلا خلاف في جواز ذلك وإن كان فيه غرر؛ إذ قد يموت الولد قبل انقضاء أمد الرضاع؛ لأن الرضاع لما كان قد يتوجه عليها استخف الغرر فيه، ولا رجوع للأب عليها بشيء إذا مات الولد قبل انقضاء أمد الرضاع، وإذا خالعها على نفقته إلى الحلم على القول بجوازه فبلغ مجنونا أو زمنا عادت نفقته إلى الأب، ولو قال: إلى سقوط النفقة عن الأب لزمت المرأة النفقة حينئذ. قاله الحطاب. وقال: وسيتكلم المص بعد هذا على خلع الزوج بشرط نفقة ولدها مدة الرضاع، فاقتضى كلامه هناك أنه مشى على خلاف قول المخزومي ومن وافقه من أن الخلع بالغرر يجوز مطلقا، سواء قدر على إزالته أم لا، ونبه على ذلك ابن غازي هناك. والله أعلم. انتهى. ونفقة حمل إن كان يعني أنه يجوز للمرأة أن تختلع من زوجها على أن تنفق على نفسها بمدة حملها إن كان أي على تقدير أن يظهر بها حمل، فمعنى كان ظهر وإن تخلص الماضي للاستقبال، ومعنى ذلك أنه وقع هذا اللفظ في صيغة عقد الخلع وأولى في الجواز إن خالعها على نفقة الحمل الظاهر يوم الخلع، فإن أعسرت أنفق عليها ويرجع عليها إن أيسرت. قاله عبد الباقي. وإن انفش الحمل الذي وقع الخلع على نفقته فلا شيء للزوج لأنه مجوز لذلك. وبإسقاط حضانتها يعني أنه يجوز أن تختلع المرأة من زوجها على أن تسقط له حضانة ولدها منه، وينتقل الحق للأب حينئذ على المشهور وهو مذهب المدونة كما في التوضيح، لكنه خلاف ما به العمل من انتقالها لمن يليها كما في الحطاب عن المتيطى، وقال في الفائق: إنه الذي به الفتوى وجرف به عمل القضاة والحكام، وقاله غير واحد من الموثقين، واختاره أبو عمران، ولو خالعها على إسقاط حضانة حملها فالظاهر لزومه. قاله الحطاب. ويشمله كلام المص بحسب ظاهره وعلى المشهور الذي هو مذهب المدونة، إذا ماتت الأم في مسألة المص أو تلبست بمانع فظاهر كلام جمع أن الحضانة تستمر للأب لأنها ثبتت له بوجه جائز، وإذا مات الأب فالظاهر أن الحضانة تعود للأم وإذا خالعها على تسليم ولدها إليه وأنها إن طلبت أخذه ليس لها ذلك إلا أن تلتزم نفقته كان خلعا تاما لازما. ولزمتها نفقته إن أخذته. وسئل مالك عن رجل صالح امرأته وهي حامل وشرط عليها أن لا نفقة عليه حتى تفع حملها، فإذا وضعت حملها أسلمته إلى أبيه، فإن طلبته فنفقته ورضاعه عليها حتى تفطمه، فإن لم تستقم

стр. 4263

له بذلك فهي امرأته؟ قال مالك: الصلح جائز إلا ما اشترط أنها ترجع إليه فليست ترجع إليه وقد بانت منه. ابن رشد: وهذا كله كما قال لأن ما شرط عليها حق لها فجائز أن يشترط عليها حاشا الرجعة، وقال الشبراخيتي: وبإسقاط حضانتها للأب من الولد وينتقل الحق للأب لأنه قام مقامها، وهذا دليل لأحد القولين أن من ترك حقه في الحضانة إلى من هو في ثالث درجة أن لا يكون للثاني القيام، قال التتائي: وهو المشهور وقيده ابن الحاجب بما إذا لم يخش على المحضون ضرر، إما بعلوقه بأمه أو لأن مكان الأب غير حصين فلا يسقط حينئذ ذلك اتفاقا، وقيده بعضهم بأن لا يكون الأب على صفة من لا يستحق الحضانة لمانع قام به وتركه المص. انتهى. ومع البيع يعني أنه يجوز اجتماع الخلع مع البيع؛ كأن تدفع له عبدا مثلا نصفه عن إرسال العصمة ونصفه يدفع لها فيه دنانير مثلا أو عرضا، سواء زادت قيمة ما دفعته من عبد ونحوه على ما دفع الزوج لها أو نقصت أو ساوت فيقع الطلاق بائنا في الأوجه الثلاثة، وقيل يقع الطلاق رجعيا فيما إذا نقصت قيمة ما دفعته عما دفع لها؛ لأنه كمن طلق وأعطى والأول هو الراجح لأنه طلاق قارنه عوض في الجملة، واستحسنه اللخمي وبه القضاء لأنه قد يعطي في العبد فوق قيمته لغرض له فيه، هذا إذا كان البيع الواقع مع الخلع نافذا، وإلا فهو ما أشار إليه بقوله: وردت لكإباق العبد معه نصفه اللام في قوله: "لكإباق" لام العلة؛ يعني أنها لو خالعته على نصف عبد آبق أو ثمرة لم يبد صلاحها ودفع لها في النصف الآخر عشرة مثلا، فإنه يفسخ من الذي فيه الغرر مناب العشرة التي دفع لها وهو نصف العبد أو الثمرة مثلا، ويتم للزوج مناب الخلع فترد له جميع العشرة لا نصفها فقط، ويرد عليها نصف العبد المبيع ويمضي نصفه في الخلع، فقوله: "معه" أي مع رد المبيع من يدها للزوج وهو جميع العشرة في المثال المذكور، وقوله: "نصفه" أي ترد النصف المبيع من يد الزوج إلى يدها، وإنما يكون المبيع نصف العبد إذا عينا ذلك أو دفعته في مقابلة الدراهم والعصمة معا؛ لأن القاعدة في ذلك حيث لم يمين ما في مقابلة المعلوم أن للمعلوم النصف وللمجهول النصف، وأما لو عينت للمعلوم قدرا من العبد لعمل به نصفا أو ثلثا أو غيرهما. قاله غير واحد.

стр. 4264

وبها قررت علم أن "نصفه" مفعول "ردت" أي ردت نصف العبد من يد الزوج إلى يدها مع أنها ترد ما في مقابلة ذلك النصف وهو العشرة في المثال المذكور إلى الزوج، وكالأم المص صحيح ولكنه لو قال. ورد لكإباق العبد بيع نصفه لكان أوضح: وقوله: "نصفه" أي نصف العبد. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وأدخلت الكاف البعير الشارد والجنين والثمرة التي لم يبد صلاحها والسمك في الماء والطير في الهواء والغائب الذي لم ير ولم يوصف، والذي عند نداء الجمعة. انتهى. وهذا الذي قاله المص من أنها تترك النصف في مقابلة العصمة وتأخذ منه النصف المبيع وترد له ثمنة حيث دفعت له العبد في مقابلة الدراهم والعصمة ولم يعينا شيئا هو قول ابن القاسم؛ لأن كل معلوم ومجهول عند ابن القاسم يجعل المجهول مساويا للمعلوم، وقال محمد: إنما يكون للزوج من العبد ما زاد على ما أعطاها بتقويمه بعد أن يوجد. قاله الشارح. محمد: وكذا الجنين يوم خروجه والثمرة يوم تجذ، قال في الجواهر: وهو المشهور، وقال أصبغ: القيمة في الآبق يوم الخلع والثحرة يوم الصلح إن كانت مؤبرة، وإلا فقيمتها يوم تؤبر ووافق في الجنين أن قيمته يوم ولد. قاله في التوضيح. وعجل المؤجل بمجهول يعني أنها إذا خالعته على مال مؤجل بأجل مجهول كما لو خالعته بمائة مؤجلة بقدوم زيد مثلا أو بموت فإنها تعجله له، قال في المدونة: وإن خالعها على مال إلى أجل مجهول كان حالا كمن باع إلى أجل مجهول فالقيمة فيه حالة مع الفوات، واختلف الأشياخ في فهم المدونة، فمنهم من أبقاها على ظاهرها من أنها تدفع له جميع ما خالعته به ووجهه أن المال في نفسه حلال، وكونه لأجل مجهول حرام فيبطل الحرام ويعجل المال، ومن الأشياخ من اعترض هذا بأنه ظلم للمرأة. وقال: إنما يلزمها قيمته على الغرر وتدفعها له حالة، وإليه أشار بقوله: وتؤولت أيضا بقيمته الباء بمعنى على أي تؤولت المدونة على أنها تدفع له قيمة المؤجل على الغرر وتكون حالة. ابن عبد السلام: وهو أقرب إلى التحقيق. قاله الشارح. وقال الأمير: وعجل مجهول الأجل والقول بتقويمه مشكل مع جهل الأجل. انتهى. قال مقيد هذا الشرح: والظاهر ما فعله الأمير من

стр. 4265

اقتصارة على القول الأول؛ لأن القول الثاني إحالة على مجهول لا تتعقل معرفته. والله سبحانه أعلم. وردت دراهم ردية يعني أن الزوج إذا خالعته زوجته على دراهم أو دنانير فظهر أنها ردية فإن للزوج أن يردها لها ويأخذ بدلها، وسواء أرته إياها عند الخلع أم لا، ولو قال المص: ورد ردي مخالع به لكان أشمل. قاله الخرشي وغيره. إلا لشرط يعني أن محل ما ذكر من الرد إنما هو حيث لم تشترط عليه أنه لا يردها لها، وأما إن اشترطت عليه ذلك فلا، كما لو قالت له: خذها وهي زيوف، أو قالت له لا أعرف أكانت زيوفا أم لا، أو قالت له خذها دون تقليب فهذا كله يشمله قوله: "إلا لشرط"، وقوله: "وردت دراهم" أي وله أن يأخذ بدلها كما في المدونة، وبه قررت المص، قال بعض الأشياخ: "إلا لشرط" كما قال المص. وقيمة كعبد استحق يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بعبد معين أو حيوان معين ونحو ذلك ثم استحق ذلك العين الذي خالعته به، وسواء استحقه شخص آخر أو استحق بحرية فإنه يرجع عليها بقيمة ذلك المعين، وقيل لا شيء له إذا استحق بحرية، قال الحطاب: وأما الموصوف فيرجع بمثله. والحاصل أن الصور ثمان: علما معا بأن الشيء المخالع به ملك لغيرها، علمت دونه، علم دونها، جهلا معا، فتلك أربع وفي كل: إما أن يكون الشيء المستحق معينا، أو موصوفا، فإن علما معا أو علم دونها فلا شيء له وبانت، وإن جهلا معا رجع بقيمة المقوم في العين وبالمثل في الموصوف وإن علمت دونه: فإن كان معينا فلا خلع أي لم يقع طلاق، وإن كان موصوفا رجع بمثله. والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ بناني. وقوله: "وقيمة كعبد استحق" هذة إحدى المسائل السبع التي يرجع فيها بقيمة القوم إذا استحق وهي هذه المسألة، ومن نكح بمقوم معين فاستحق أو صالح عن دم العمد بعبد أو باع السيد قطاعة مكاتب له بعبد أو كان العبد عوضا عن العمرى أو صلحا عن إنكار أو باع السيد عبده من نفسه بعبد، ونظمها الشارح فقال:

стр. 4266

إذا ما استحق العبد تلزم قيمته … لدافعه في سبعة من فروعنا ففي الخلع والإنكاح والصلح عن دم … إذا كان عمدا كالقطاعة عندنا تباع لعبد للمكاتب والذي … يرى عوض العمرى إذا ما تعينا وفي صلح إنكار ومبتاع نفسه … بعبد من المولى سلمت من الخنا ونظمها غيره فقال: نكاح وخلع صلح عمد قطاعة … وعمرى وصلح النكر مبتاع نفسه بعرض في الاستحقاق أقض بقيمتهْ … على دافع أبقِهْ على حكم أمسه قاله الشبراخيتي. والحرام يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بشيء حرام حرمة أصلية، كخمر وخنزير وحر وعارضة كمغضوب وأم ولد فإن ذلك الحرام يرد أي لا يجوز للزوج تملكه حيث كان حراما كله، بل وإن كان الحرام منه بعضا فيرد الشرع الحرام كلا أو بعضا، ولا شيء له يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها بحرام فإنه يرد ولا شيء له في مقابلة هذا الحرام الذي رد كلا أو بعضا وهذا مجمل، أما المحرم حرمة أصلية كالخنزير والخمر فلا شيء له فيهما ويقع الطلاق بائنا هذا حيث علم وحده أو معها أو جاهلين (١))، فإن علمت دونه لم يقع طلاق، وأما الحر فإن علمت دونه لم يقع طلاق ولو جهلا لرجع بالقيمة كما مر، وقيل لا شيء له أما لو قال لها إن أعطيتني هذا وأشار إلى حر وهو يعلم أنه حر فأنت طالق فأعطته له فإن الطلاق يقع رجعيا، وأما المغصوب

стр. 4267

فأجره على ما مر في قوله: وقيمة كعبد استحق من غير فرق يا فتى، وكذا أم الولد فأجرها عليه كما يفيده كلامهم. وتوضيح ما مر أن الحرام الذي لا يملك بحال كالخمر والخنزير إذا تخالعا عليه يقع الطلاق بائنا، ولا شيء له حيث كانا عالمين أو جاهلين أو علم هو دونها فإن علمت دونه لم يقع طلاق، وأما الحر فيقع الطلاق رجعيا فيما إذا اختلعا عليه وهو معين حيث علم هو وحده بحريته أو علما معا، فإن علمت دونه لم يقع طلاق وأما إن كانا جاهلين فإنه يرجع بقيمته كما مر، وقيل لا شيء له كالخمر والخنزير ويقع الطلاق بائنا، وأما لو خالعها على ما هو محرم حرمة عارضة كمغصوب وأم ولد فهو من أفراد ما إذا استحق المخالع به ففيه الصور الثمانية المتقدمة: علما أنه ملك للغير، جهلا، علمت دونه، علم دونها، وفي كل إما أن يكون المستحق معينا أو موصوفا، فإن علما معا أو علم دونها بانت ولا شيء له، وإن جهلا معا رجع بالقيمة في المقوم المعين ومثل المثلي والموصوف، وإن علمت دونه فإن كان معينا فلا خلع أي لم يقع طلاق وإن كان موصوفا رجع بمثله. والله أعلم. وعلم من هذا أنه لو خالعها على عبد موصوف ودفعت له من يعتقد أنه عبد فاستحق بحرية أنه يرجع بالمثل حيث جهلا معا، فإن علمت دونه رجع بالمثل أيضا وبانت في هاتين، وإن علم هو دونها أو علما معا بانت ولا شيء له. والله سبحانه أعلم. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وقد مر أن الحرام من الخمر والخنزير يرد وهل يقتل الخنزير أو يسرح قولان، قال عبد الباقي: وهل تكسر أواني الخمر وعليه الشارح والتتائي أو لا خلاف وتراق، فإن تخللت فللزوج ولو ذمية. انتهى. وقوله: وهل تكسر أواني الخمر إلخ، قال محمد بن الحسن: الذي في المدونة أنها تراق وهو يقتضي عدم كسر آنيتها لأنها مال مسلم. انظر مصطفى. انتهى. وقوله: "وإن بعضا" قال ابن الحاجب: ولو خالعها على حلال وحرام سقط الحرام. انتهى. قال في التوضيح: كما لو خالعته بسلعة وزق خمر فإن له السلعة ولا شيء له في زق الخمر. انتهى. والظاهر أو المتعين أن الخلع إذا وقع بقلة خل فإذا هي خمر فإنه يكون للزوج مثله. قاله عبد الباقي. ووقع الرد في

стр. 4268

المص هنا على ثلاثة أقسام: الأول قوله: "وردت دراهم ردية" والمراد فيها الزوج يرد المقبوض ليبدل، الثَّانِي قوله: "وقيمة كعبد استحق" والمراد فيها الزوجة، والرد فيها بمعنى التأدية، الثالث قوله: "والحرام" والمراد فيه الشرع ومعنى الرد فيه فسخ العقد، وقد مر بيان ذلك والله سبحانه أعلم. كتأخيرها دينا عليه يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها على أن تؤخره بدينها الحال عليه بأن تنظره شهرا مثلا فإن ذلك التأخير يرد أي يبطل ويقع الطلاق بائنا، دلها أن تأخذ منه المال حالا وإنما بطل تأخيرها له لأن المؤخر لما في الذمة يعد مسلفا، كمن عجل ما أجل فهو سلف بمعنفعة رالنفع هنا ملكها لعصمتها، وكذا يبطل سلفها له ابتداء على أن يطلقها فالتشبيه في قول المص: "كتأخيرها دينا عليه" بقوله: "والحرام" فهو تشبيه في الرد والبينونة، وفصله بكاف التشبيه ولم يعطفه بالواو؛ لأن الحرمة في الشبه ليست باتفاق وفي الشبه به هي باتفاق؛ وأما طلاقه هو مع تأخيرها دينا له عليها فرجعي لأنه كمن طلق وأعطى ويجوز إن لم يكن له نفع في التأخير وإلا منع وبانت. قاله عبد الباقي. وقال: إن التشبيه في قوله "بخلاف الوصي" وقال بناني: فيه نظر لأن خلع الوصي كما لا يجوز لا يمضي بخلاف الخلع على هذه الأمور فإنه نافذ بعد الوقوع والطلاق فيه بائن مع رد ما وقع به الخلع، فالحق أنه مشبه بقوله: "والحرام". انتهى. وخروجها من مسكنها عطف على قوله: "كتأخيرها" يعني أنه لا يجوز للزوج والزوجة أن يتخالعا على أن تخرج من مسكنها الذي هي ساكنة فيه وقت الخلع وتعتد في غيره لأن ذلك حق لله تعالى لا يجوز لأحد إسقاطه، قال جل من قائل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، ولذا لو خالعها على أن تدفع له أجرة المسكن جاز لأنه حق آدمي، فإن وقع ذلك بأن تخالعا على خروجها من المسكن وأنها تعتد في سواه فإنه يقع الطلاق بائنا ويردها الإمام إلى مسكنها الذي طلقت فيه وتعتد فيه دون شيء تدفعه للزوج. وتعجيله لها ما لا يجب قبوله يعني أن المرأة إذا كان لها على زوجها دين لم يحل أجله، فاختلعت منه على أن يعجل لها ذلك الدين الذي لها عليه فإن ذلك لا يجوز إن كان الدين الذي لها عليه لا يجب عليها قبوله قبل أجله، والدين الذي لا يجب على رب الدين قبوله هو الدين

стр. 4269

من بيع إلا العين فيبطل التعجيل ويرد المال إلى أجله، ويأخذ منها ما أعطاه لها ويقع الطلاق بائنا: وإنما امتنع التعجيل المذكور لما فيه من حط الضمان. وأزيدَك فالزوجة قد حطت عنه الضمان وزادها العصمة، قوله: "وتعجيله" مصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: "لها" متعلق به وما مفعوله. وهل كذا إن وجب يعني أن الأشياخ اختلفوا في قول المدونة: إن كان لأحد الزوجين على الآخر دين مؤجل فتخالعا على تعجيله قبل محله جاز الخلع ورد الدين إلى أجله، فمنهم من حملها على إطلاقها فقال: لا فرق في المنع بين الدين الذي لا يجب قبوله كالعرض من بيع والذي يجب قبوله كدين القرض مطلقا والعين من بيع، وإنما منع الخلع به لأنه عجل ليسقط عن نفسه سوء الخصومات وسوء الاقتضاءات، فيقع الطلاق بائنا على هذا القول ويرد المال إلى أجله ويأخذه منها إن كان دفعه لها. أولا أي أو ليس كذلك يعني أن من الأشياخ من حمل المدونة على التفصيل بين ما لا يجب قبوله فيمتنع الخلع على تعجيله وبين ما يجب قبوله فيجوز الخلع على تعجيله، في ذلك تأويلان وعلى تأويل الجواز يكون الطلاق رجعيا لأنه كمن طلق وأعطى وبانت يعني أن المختلعة بائنة لا يصح ارتجاعها، سواء وقع طلاقها بلفظ الخلع أو بغيره حيث أخذ الزوج من المرأة عوضا، بل ولو بلا عوض لكن إذا لم يكن عوض إنما تبين بشرط أشار إليه بقوله: نص عليه يعني أنه إذا لم يكن عوض إنما تبين بشرط أن يقع الطلاق بلفظ الخلع. والحاصل أنه إن حصل لفظ الخلع بانت حصل عوض أم لا، وإذا حصل العوض بانت سواء نص على الرجعة أم لا، وإلى هذا أشار بقوله: أو على الرجعة فهو معطوف على قوله: "بلا عوض" أي وبانت ولو نص على الرجعة روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: إن قال هي طالق طلاق الخلع فهي واحدة بائنة، وكذلك إن قال خالعت امرأتي أو باريتها أو افتديت مني. أصبغ: إن قال لها أنت صلح أو طالق طلاق الصلح أو قد صالحتك، أو يقول: اشهدوا أني قد صالحت امرأتي وهي غائبة أو حاضرة راضية أو كارهة أخذ منها عوضا أو لم يأخذ فهي طلقة باتنة، وكذلك قوله: أنت مبارية أو طلقتك طلاق المباراة أو قد باريتك رضيت أو لم ترض، قال في المدونة: ولا بأس بالمباراة على أن لا تعطيه ولا تأخذ منه شيئا وهي طلقة بائنة. وفي معين

стр. 4270

الحكام: ويكره للرجل أن يطلق طلقة مباراة أو خلع أو صلح دون أخذ أو إسقاط لوقوعها خلاف السنة، فإن فعل ففيها ثلاثة أقوال: ورهب ابن القاسم أنها طلقة بائنة وبه القضاء وتملك المرأة نفسها بهذا الطلاق ولا يجبر على رجعتها إن كانت حائضا أو نفساء، والقول الثاني أنها طلقة رجعية، والقول الثالث يلزمه الثلاث وعلى القول الثاني رد المص بلو في قوله: "ولو بلا عوض" ورد بلو في قوله: "أو على الرجعة" باعتبار العطف القول الذي صدر به ابن الجلاب، ونصه: ولو خالعها على أن له الرجعة إليها لصحت رجعته، وقيل لا يكون له رجعة وشرطه باطل. انتهى. وقال الشارح: إذا صرح بلفظ الخلع ولم يذكر عوضا فهو بائن عند مالك وابن القاسم ورجعي عند مطرف وأشهب وابن عبد الحكم، وأخذ به ابن حبيب وقيل هو ثلاث. انتهى. وقال الشارح أيضا: وكذا يقع الطلاق بائنا إذا وقع النص على الرجعة يريد مع العوض، فإذا أعطته شيئا ليطلقها طلقة رجعية ففعل ذلك فالمشهور أنها بائن لأن حكم الطلاق على العوض البينونة فلا ينتقل عنه، وروي عن مالك أنها رجعية عملا بالشرط وأخذ به سحنون. انتهى. ولابن عاصم ﵀: وفي المملك الخلاف والقضا … بطلقة بائنة في المرتضى قوله: وفي المملك، المملك هو الطلاق بلفظ الخلع من غير عوض بهذا فسره غير واحد كولد الناظم وميارة وغيرهما، وقال محمد بن الحسن: الصواب أن مراد الناظم هذه الصورة وهي أنت طالق طلقة تملكين بها نفسك وسيأتي كلامه عند قول المص: "لا إن شرط نفي الرجعة بلا عوض"، وقوله: "أو على الرجعة" أي إذا حصل العوض أو لفظ الخلع تبين ولو نص فيهما على الرجعة" ولو قال لها: أنت طالق طلقة تملكين بها نفسك فإنها رجعية وقيل بائن والأول أرجح. قاله الشيخ إبراهيم. كإعطاء مال في العدة على نفيها يعني أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقا رجعيا ثم إنها أعطته وهي في العدة مالا على نفي الرجعة فإنها تبين بذلك، وقوله: "على نفيها" أي الرجعة شامل لصورتين: الأولى ما إذا أعطته مالا على أن لا يرتجعها، الثانية ما إذا أعطته مالا على أنه لا رجعة له فيها، أما إذا أعطته مالا على أن لا يرتجعها، فقال ابن وهب: يقع الطلاق الرجعي

стр. 4271

بائنا فلا يلزمه إلا طلقة واحدة بائنة، وقال مالك وابن القاسم: إنه خلع فتلزمه طلقتان الأخيرة منهما تبين بها؛ لأن ما أنشأه الآن غير المتقدمة، وقول ابن وهب هو ظاهر كلام المص، وبقول مالك وابن القاسم قرره الشارحان وتقريرهما هو المعتمد، ولا يشكل هذا إذا وقع القبول باللفظ وكذا لو وقع بغير اللفظ لقول المص: "وكفت المعاطاة" وأما لو أعطته مالا على أن لا رجعة فهو خلع بطلقة ثانية اتفاقا هذا الذي يفيده كلام ابن رشد قاله محمد بن الحسن. لكنه حكى عن ابن عرفة ما نصه: أخذه مالا منها في العدة على أن لا رجعة في كونه خلعا بالأولى أو بالأخرى، ثالثها إن ارتجع رد المال الأول لابن وهب والثاني (١) لمالك وابن القاسم. والثالث لأشهب. انتهى. واعترضه بأنه حكى الخلاف في موضع الاتفاق، ثم قال: وقد رأيت لابن يونس مثل ما لابن عرفة فلعلهما طريقان. والله أعلم. انتهى. كبيعها يعني أن الزوج إذا باع زوجته فإنها تبين بذلك وسواء باعها لمسغبة أو غيرها، ويرجع المشتري على الزوج بالثمن، قال السوداني: ومثل البيع الهبة وانظره مع ما يأتي من أن وهبتك لأهلك ثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى في المدخول بها، أو تزويجها يعني أن الزوج إذا زوج زوجته للغير فإنها تبين بذلك ففي بيعها طلقة بائنة، وكذلك تزويجها فيه طلقة واحدة بائنة، وكذا إن بيعت أو زوجت بحضرته وسكت. قاله عبد الباقي. وقال: وسواء في جميع ذلك كان هازلا أو جادا وينكل نكالا شديدا ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف توبته وصلاحه مخافة بيعها ثانية. قاله مالك في البيع. ومثله في تزويجه لها (٢) لا إن أنكر بعد عقد النكاح فلا تطلق عليه كما في أبي الحسن على المدونة، وينبغي أن البيع مثله لأن التزويج أقوى منه دلالة على الخروج من العصمة، وانظر إذا علم بالعقد وسكت ولم يحضره والظاهر أنه لا يكون طلاقا، فإن ادعى بعد ما باعها أو زوجها هو أنه غير عالم بأنها زوجته ولم تقم قرينة بكذبه فالظاهر تصديقه وعذره؛ إذ هذه ليست من المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل. انتهى. وقوله: "وسواء في جميع ذلك كان هازلا" إلخ قال محمد بن الحسن: فيه نظر لنقل المواق عن المتيطى، قال ابن القاسم: من باع امرأته أو زوجها هزلا فلا شيء عليه، قال ابن القاسم: ويحلف

стр. 4272

في التزويج أنه لم يرد طلاقها ومثله في العتبية، وقوله: لا إن أنكر بعد عقد النكاح إلخ راجع لما إذا بيعت أو زوجت بحضرته؛ أي فإن وقع ذلك بحضرته ثم أنكره فلا تطلق عليه ذكره أبو الحسن. انتهى. وقيل إن البيع والتزويج لا يقع بهما طلاق، وإلى ذلك أشار بقوله: والمختار نفي اللزوم فيهما يعني أن اللخمي اختار من الخلاف نفي اللزوم فيهما أي اختار القول بأن الزوج لا يلزمه طلاق في بيعه لزوجته ولا في تزويجه إياها، والمذهب القول باللزوم في المسألتين أي لزوم الطلاق في مسألتي البيع والتزويج، قال السوداني: والقول الذي للخمي من نفي اللزوم في البيع والتزويج كائن في الهبة، وانظرة مع ما قدمته قريبا. والله سبحانه أعلم. وطلاق حكم به يعني أن كل طلاق حكم به أي بإنشائه يكون بائنا سواء أوقعه السلطان أو أوقعته الزوجة لكعيب (١) أو نشوز أو إضرار أو إسلام، وأما لو حكم بلزومه فإنه يبقى على أصله من بائن أو رجعي، ولو تشاجر الزوج مع زوجته في شيء فرفعته لقاض فطلقها الزوج لذلك لكان رجعيا إلا لإيلاء، مستثنى من قوله: "وطلاق حكم به" يعني أن كل طلاق حكم به يكون بائنا كما عرفت وهذا في غير المولي والمعسر بالنفقة، وأما المولي إذا طلق عليه لعدم الفيئة فإن طلاقه يكون رجعيا، وسيأتي معنى الفيئة في باب الإيلاء. أو عسر بنفقة يعني أن من طلق عليه لعدم النفقة له الرجعة إن وجد في المعدة يسارا يقوم بواجب مثلها كما يأتي. والحاصل أن كل طلاق حكم الحاكم بإنشائه يكون بائنا إلا الطلاق الذي يوقعه الحاكم على المولي لعدم الفيئة وإلا الطلاق الذي يوقعه الحاكم على المعسر بالنفقة، فإن كلا منهما رجعي كما يأتي إن شاء الله. وقوله: "عسر بنفقة" حقيقة كالمعدم أو حكما كمن غاب زوجها عنها غيبة بعيدة وهو موسر ولا مال له ببلدها تنفق منه ولم تجد من تتداين منه وطلق الحاكم عليه وقدم قبل انقضاء العدة فرجعي. ولما أنهى الكلام على أسباب البينونة أخرج منها قوله: لا إن شرط نفي الرجعة يلا عوض يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق طلقة ينوي لا رجعة فيها، أو قال ذلك، فإنه تكون له الرجعة فيها ويبطل الشرط، هذا إذا لم يكن عوض على الطلاق، وأما لو حصل العوض فقد مر

стр. 4273

أنها تبين بذلك، وقوله: "شرط" مبنى للمفعول فيشمل شرطه وشرطها، ولو قال لها أنت طالق طلقة تملكين بها نفسك فإنها رجعية على الأرجح وقيل بائنة وقيل ثلاث. قاله عبد الباقي. قال: وقول ابن عاصم: وفي الملك الخلاف والقضا … بطلقة بائنة في المرتضى ليس هو هذه الصورة التي قلنا الراجح فيها أنه رجعي، وإنما مراده به كما (١) في شرح ولده الطلاق بلفظ الخلع بغير عوض. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر أن هذه الصورة هي مراد ابن عاصم، وأشار بقوله: والقضا بطلقة بائنة إلخ إلى قول ابن سلمون في قوله: (٢) طلق فلان زوجته بعد البناء طلقة واحدة ملكت أمر نفسها دونه إنه طلاق بخلاف السنة، ثالث الأقوال فيه قول مالك وابن القاسم إنها طلقة واحدة بائنة وبه القضاء. انتهى. هذا هو الظاهر من (٣) كلامه، وإن كان شارحه حمله على مسألة الخلع وتبعه الشيخ ميارة. انتهى. وقوله: "بلا عوض" أي ولا غيره من أسباب البينونة كالطلاق بلفظ الخلع. أو طلق يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وأعطاها شيئا فإنها تكون رجعية وليس ذلك بخلع، وروي أنها واحدة بائنة، قال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب: وفيها فيمن طلق وأعطى أكثر الرواة رجعية. انتهى. قال في التوضيح: لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب والأسدية والموازية فيمن صالح وأعطى ليس فيمن طلق وأعطى، قال في النكت وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء. انتهى. أو صالح وأعطى يعني أن الزوج إذا قال لزوجته صالحيني على أن أعطيك مائة دينار، أو خالعيني على أن أعطيك مائة مثلا أو يقول لها خذي هذه الألف واتركي مهرك وأنا أطلقك ونحو

стр. 4274

ذلك، فإن الطلاق يكون رجعيا هذا هو الذي شرحه به الحطاب، ولفظه: أما إذا طلق وأعطى فتصوره ظاهر. وأما إذا صالح وأعطى فمعناه والله أعلم أن يلفظ بالصلح، فيقول صالحيني على أن أعطيك مائة دينار أو خالعيني على أن أعطيك فإن الصلح والخلع يطلق على ما لم يكن فيه إعطاء من الزوجة، أو يقول لها خذي هذه الألف واتركي مهرك وأنا أطلقك ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى. وبما قررت علم أن قوله: "وأعطى" راجع للمسألتين، ويأتي ما يفيد أن الراجح البينونة فيما إذا صالح وأعطى. وهل مطلقا أو إلا أن يقصد الخلع تأويلان يعني أنه إذا طلق وأعطى لا يكون ذلك بينونة كما عرفت، واختلف الشيوخ هل ذلك على إطلاقه سواء قصد بذلك الخلع أو لا؟ أو هو رجعي إلا أن يقصد بذلك فتبين المرأة حينئذ؟ وظاهر المص أن التأويلين في المسألتين وإنما هما في الأولى، وأما الثانية ففيها قولان، قال ابن وهب عن مالك: وإذا صالحها على أن أعطاها شيئا من ماله جهلا وظنا أنه وجه الصلح قال هي طلقة وله الرجعة، ثم رجع فقال لا رجعة له عليها إذا كان منهما على وجه الصلح، وقال ابن يونس: أكثر الرواية إذا خالع وأعطى أنها غير بائن لأنه إنما يختلع بما يؤخذ منها فتلزمه بذلك سنة الخلع، وإذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. قال جامعه عفا الله عنه: ولا خفاء في أن الراجح من التأويلين البينونة، بل الذي يظهر أن الراجح فيما إذا صالح وأعطى أنها تكون بائنا؛ لأنهم صرحوا بأن الراجح في الطلاق بلفظ الخلع البينونة وإن لم يكن عوض، ولهذا قال ابن عرفة فيها لمالك: من قال أخالعك على أن أعطيك مائة دينار فقبلتها فهي طلقة بائنة وكذا لو لم يعطها. انتهى. وقد مر كلام ابن يونس: إذا خالع وأعطى أنها غير بائن لأنه إنما يختلع بما يؤخذ منها فتلزمه بذلك سنة الخلع، وإذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. ابن المواز: إن جرى ذلك بينهما بمعنى الخلع والصلح فهي واحدة بائنة. ابن يونس: كمن خالع على ما لا يصح تملكه، قال ابن المواز: وأما إن لم يجر على ذلك فله الرجعة. ابن يونس: كمن طلق بغير عوض. قال جامعه عفا الله عنه: ويشهد لما ذكرته قول الإمام الحطاب: في جعل المص إذا طلق وأعطى مثل إذا صالح وأعطى، نظر لأن المذكور فيه الخلاف في المدونة وابن الحاجب وغيرهما ما إذا طلق

стр. 4275

وأعطى، قال في إرخاء الستور من المدونة: وإن لم يكن لها عليه مهر ولا دين فخالعها على أن أعطاها شيئا أو لم يعطها فذلك خلع ولا رجعة له، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة وليس بخلع، وروي عنه أنها واحدة بائنة وأكثر الروايات على أنها غير بائن؛ لأنه إذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. انتهى. وقال محمد بن الحسن: الذي يدل عليه كلام ابن عرفة أن محل التأويلين فيمن طلق وأعطى لا فيمن صالح وأعطى؛ لأنه قال في الموازية فيمن طلق وأعطى: إن جرى الأمر فيهما بمعنى الخلع والصلح فهي بائنة وإلا فهي رجعية. انتهى. وما أفادة هو الظاهر فتأمله والله أعلم. انتهى. وقال محمد بن الحسن: التأويل الثاني لابن الكاتب جعل تفصيل ابن المواز موافقا للمدونة والأول لغيره. انتهى. يعني أن ظاهر قول المدونة فيمن طلق وأعطى أنه رجعي سواء قصد الخلع أولا. والله سبحانه أعلم. وموجبه زوج مكلف الضمير في موجبه لطلاق الخلع؛ يعني أن الذي يوقع طلاق الخلع وشبهه إنما هو الزوج المكلف ومثل الزوج نائبه، والمكلف هو العاقل البالغ الطائع، واحترز بالمكلف عن الصبي والمجنون فلا طلاق لهما، فقوله: "موجبه" أي موقع الطلاق ومثبته، وقوله: "زوج" سيأتي للمص: "وطلاق الفضولي كبيعه" وبالغ على أن الزوج المكلف هو الذي يوقع الطلاق ويثبته بقوله ولو كان الزوج المكلف الوقع لطلاق الخلع سفيها فإنه ينفذ لأن له أن يطلق بغير عوض فبه أولى وكمل له خلع المثل إن خالعته بدونه. قاله اللخمي. قال بعض الشيوخ: تكميله مخالف للمذهب، وأشار بلو لقول ابن الحاجب: وفي خلع السفيه قولان. انتهى. ونحوه في الجواهر زاد وإذا صححناه فلا يبرأ المختلع بتسليم المخالع به إليه بل إلى وليه. ابن عرفة: وقول ابن شأس: اختلف في صحة خلع السفيه لا أعرفه وذكر أنه يجب صرف الخلاف الذي ذكره ابن شأس لتكميل خلع المثل لارتفاع دفع الطلاق، وظاهر كلام الموثقين كالمتيطى وابن فتوح براءة المختلع بدفع الخلع للسفيه دون وليه ويلزم جري مثله في صلحه عن قصاص، ولا يعارضه قوله: "إلا كدرهم لعيشه" لحمله على ما كان من ماله الأصلي.
следующие страницы →