بائنا فلا يلزمه إلا طلقة واحدة بائنة، وقال مالك وابن القاسم: إنه خلع فتلزمه طلقتان الأخيرة منهما تبين بها؛ لأن ما أنشأه الآن غير المتقدمة، وقول ابن وهب هو ظاهر كلام المص، وبقول مالك وابن القاسم قرره الشارحان وتقريرهما هو المعتمد، ولا يشكل هذا إذا وقع القبول باللفظ وكذا لو وقع بغير اللفظ لقول المص: "وكفت المعاطاة" وأما لو أعطته مالا على أن لا رجعة فهو خلع بطلقة ثانية اتفاقا هذا الذي يفيده كلام ابن رشد قاله محمد بن الحسن. لكنه حكى عن ابن عرفة ما نصه: أخذه مالا منها في العدة على أن لا رجعة في كونه خلعا بالأولى أو بالأخرى، ثالثها إن ارتجع رد المال الأول لابن وهب والثاني (١) لمالك وابن القاسم. والثالث لأشهب. انتهى. واعترضه بأنه حكى الخلاف في موضع الاتفاق، ثم قال: وقد رأيت لابن يونس مثل ما لابن عرفة فلعلهما طريقان. والله أعلم. انتهى.
كبيعها يعني أن الزوج إذا باع زوجته فإنها تبين بذلك وسواء باعها لمسغبة أو غيرها، ويرجع المشتري على الزوج بالثمن، قال السوداني: ومثل البيع الهبة وانظره مع ما يأتي من أن وهبتك لأهلك ثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى في المدخول بها، أو تزويجها يعني أن الزوج إذا زوج زوجته للغير فإنها تبين بذلك ففي بيعها طلقة بائنة، وكذلك تزويجها فيه طلقة واحدة بائنة، وكذا إن بيعت أو زوجت بحضرته وسكت. قاله عبد الباقي. وقال: وسواء في جميع ذلك كان هازلا أو جادا وينكل نكالا شديدا ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف توبته وصلاحه مخافة بيعها ثانية. قاله مالك في البيع. ومثله في تزويجه لها (٢) لا إن أنكر بعد عقد النكاح فلا تطلق عليه كما في أبي الحسن على المدونة، وينبغي أن البيع مثله لأن التزويج أقوى منه دلالة على الخروج من العصمة، وانظر إذا علم بالعقد وسكت ولم يحضره والظاهر أنه لا يكون طلاقا، فإن ادعى بعد ما باعها أو زوجها هو أنه غير عالم بأنها زوجته ولم تقم قرينة بكذبه فالظاهر تصديقه وعذره؛ إذ هذه ليست من المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل. انتهى.
وقوله: "وسواء في جميع ذلك كان هازلا" إلخ قال محمد بن الحسن: فيه نظر لنقل المواق عن المتيطى، قال ابن القاسم: من باع امرأته أو زوجها هزلا فلا شيء عليه، قال ابن القاسم: ويحلف
стр. 4272
في التزويج أنه لم يرد طلاقها ومثله في العتبية، وقوله: لا إن أنكر بعد عقد النكاح إلخ راجع لما إذا بيعت أو زوجت بحضرته؛ أي فإن وقع ذلك بحضرته ثم أنكره فلا تطلق عليه ذكره أبو الحسن. انتهى.
وقيل إن البيع والتزويج لا يقع بهما طلاق، وإلى ذلك أشار بقوله: والمختار نفي اللزوم فيهما يعني أن اللخمي اختار من الخلاف نفي اللزوم فيهما أي اختار القول بأن الزوج لا يلزمه طلاق في بيعه لزوجته ولا في تزويجه إياها، والمذهب القول باللزوم في المسألتين أي لزوم الطلاق في مسألتي البيع والتزويج، قال السوداني: والقول الذي للخمي من نفي اللزوم في البيع والتزويج كائن في الهبة، وانظرة مع ما قدمته قريبا. والله سبحانه أعلم.
وطلاق حكم به يعني أن كل طلاق حكم به أي بإنشائه يكون بائنا سواء أوقعه السلطان أو أوقعته الزوجة لكعيب (١) أو نشوز أو إضرار أو إسلام، وأما لو حكم بلزومه فإنه يبقى على أصله من بائن أو رجعي، ولو تشاجر الزوج مع زوجته في شيء فرفعته لقاض فطلقها الزوج لذلك لكان رجعيا إلا لإيلاء، مستثنى من قوله: "وطلاق حكم به" يعني أن كل طلاق حكم به يكون بائنا كما عرفت وهذا في غير المولي والمعسر بالنفقة، وأما المولي إذا طلق عليه لعدم الفيئة فإن طلاقه يكون رجعيا، وسيأتي معنى الفيئة في باب الإيلاء. أو عسر بنفقة يعني أن من طلق عليه لعدم النفقة له الرجعة إن وجد في المعدة يسارا يقوم بواجب مثلها كما يأتي.
والحاصل أن كل طلاق حكم الحاكم بإنشائه يكون بائنا إلا الطلاق الذي يوقعه الحاكم على المولي لعدم الفيئة وإلا الطلاق الذي يوقعه الحاكم على المعسر بالنفقة، فإن كلا منهما رجعي كما يأتي إن شاء الله. وقوله: "عسر بنفقة" حقيقة كالمعدم أو حكما كمن غاب زوجها عنها غيبة بعيدة وهو موسر ولا مال له ببلدها تنفق منه ولم تجد من تتداين منه وطلق الحاكم عليه وقدم قبل انقضاء العدة فرجعي.
ولما أنهى الكلام على أسباب البينونة أخرج منها قوله: لا إن شرط نفي الرجعة يلا عوض يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق طلقة ينوي لا رجعة فيها، أو قال ذلك، فإنه تكون له الرجعة فيها ويبطل الشرط، هذا إذا لم يكن عوض على الطلاق، وأما لو حصل العوض فقد مر
стр. 4273
أنها تبين بذلك، وقوله: "شرط" مبنى للمفعول فيشمل شرطه وشرطها، ولو قال لها أنت طالق طلقة تملكين بها نفسك فإنها رجعية على الأرجح وقيل بائنة وقيل ثلاث. قاله عبد الباقي. قال: وقول ابن عاصم:
وفي الملك الخلاف والقضا … بطلقة بائنة في المرتضى
ليس هو هذه الصورة التي قلنا الراجح فيها أنه رجعي، وإنما مراده به كما (١) في شرح ولده الطلاق بلفظ الخلع بغير عوض. انتهى. قال محمد بن الحسن: فيه نظر، والظاهر أن هذه الصورة هي مراد ابن عاصم، وأشار بقوله: والقضا بطلقة بائنة إلخ إلى قول ابن سلمون في قوله: (٢) طلق فلان زوجته بعد البناء طلقة واحدة ملكت أمر نفسها دونه إنه طلاق بخلاف السنة، ثالث الأقوال فيه قول مالك وابن القاسم إنها طلقة واحدة بائنة وبه القضاء. انتهى. هذا هو الظاهر من (٣) كلامه، وإن كان شارحه حمله على مسألة الخلع وتبعه الشيخ ميارة. انتهى. وقوله: "بلا عوض" أي ولا غيره من أسباب البينونة كالطلاق بلفظ الخلع.
أو طلق يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وأعطاها شيئا فإنها تكون رجعية وليس ذلك بخلع، وروي أنها واحدة بائنة، قال في التوضيح في شرح قول ابن الحاجب: وفيها فيمن طلق وأعطى أكثر الرواة رجعية. انتهى. قال في التوضيح: لأنه بمنزلة من طلق وأعطى لزوجته المتعة، قال في التهذيب: وروي عن مالك أنها واحدة بائنة وهذا الاختلاف إنما هو في موطأ ابن وهب والأسدية والموازية فيمن صالح وأعطى ليس فيمن طلق وأعطى، قال في النكت وهذا هو الصحيح والنقل الذي في المدونة ليس بصحيح، ولا خلاف فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة لأنه إنما وهبها هبة وطلقها وليس من الخلع في شيء. انتهى.
أو صالح وأعطى يعني أن الزوج إذا قال لزوجته صالحيني على أن أعطيك مائة دينار، أو خالعيني على أن أعطيك مائة مثلا أو يقول لها خذي هذه الألف واتركي مهرك وأنا أطلقك ونحو
стр. 4274
ذلك، فإن الطلاق يكون رجعيا هذا هو الذي شرحه به الحطاب، ولفظه: أما إذا طلق وأعطى فتصوره ظاهر. وأما إذا صالح وأعطى فمعناه والله أعلم أن يلفظ بالصلح، فيقول صالحيني على أن أعطيك مائة دينار أو خالعيني على أن أعطيك فإن الصلح والخلع يطلق على ما لم يكن فيه إعطاء من الزوجة، أو يقول لها خذي هذه الألف واتركي مهرك وأنا أطلقك ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: "وأعطى" راجع للمسألتين، ويأتي ما يفيد أن الراجح البينونة فيما إذا صالح وأعطى.
وهل مطلقا أو إلا أن يقصد الخلع تأويلان يعني أنه إذا طلق وأعطى لا يكون ذلك بينونة كما عرفت، واختلف الشيوخ هل ذلك على إطلاقه سواء قصد بذلك الخلع أو لا؟ أو هو رجعي إلا أن يقصد بذلك فتبين المرأة حينئذ؟ وظاهر المص أن التأويلين في المسألتين وإنما هما في الأولى، وأما الثانية ففيها قولان، قال ابن وهب عن مالك: وإذا صالحها على أن أعطاها شيئا من ماله جهلا وظنا أنه وجه الصلح قال هي طلقة وله الرجعة، ثم رجع فقال لا رجعة له عليها إذا كان منهما على وجه الصلح، وقال ابن يونس: أكثر الرواية إذا خالع وأعطى أنها غير بائن لأنه إنما يختلع بما يؤخذ منها فتلزمه بذلك سنة الخلع، وإذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. قال جامعه عفا الله عنه: ولا خفاء في أن الراجح من التأويلين البينونة، بل الذي يظهر أن الراجح فيما إذا صالح وأعطى أنها تكون بائنا؛ لأنهم صرحوا بأن الراجح في الطلاق بلفظ الخلع البينونة وإن لم يكن عوض، ولهذا قال ابن عرفة فيها لمالك: من قال أخالعك على أن أعطيك مائة دينار فقبلتها فهي طلقة بائنة وكذا لو لم يعطها. انتهى. وقد مر كلام ابن يونس: إذا خالع وأعطى أنها غير بائن لأنه إنما يختلع بما يؤخذ منها فتلزمه بذلك سنة الخلع، وإذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. ابن المواز: إن جرى ذلك بينهما بمعنى الخلع والصلح فهي واحدة بائنة. ابن يونس: كمن خالع على ما لا يصح تملكه، قال ابن المواز: وأما إن لم يجر على ذلك فله الرجعة. ابن يونس: كمن طلق بغير عوض.
قال جامعه عفا الله عنه: ويشهد لما ذكرته قول الإمام الحطاب: في جعل المص إذا طلق وأعطى مثل إذا صالح وأعطى، نظر لأن المذكور فيه الخلاف في المدونة وابن الحاجب وغيرهما ما إذا طلق
стр. 4275
وأعطى، قال في إرخاء الستور من المدونة: وإن لم يكن لها عليه مهر ولا دين فخالعها على أن أعطاها شيئا أو لم يعطها فذلك خلع ولا رجعة له، وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق وأعطى أن له الرجعة وليس بخلع، وروي عنه أنها واحدة بائنة وأكثر الروايات على أنها غير بائن؛ لأنه إذا لم يأخذ منها فليس بخلع وهو رجل طلق وأعطى. انتهى.
وقال محمد بن الحسن: الذي يدل عليه كلام ابن عرفة أن محل التأويلين فيمن طلق وأعطى لا فيمن صالح وأعطى؛ لأنه قال في الموازية فيمن طلق وأعطى: إن جرى الأمر فيهما بمعنى الخلع والصلح فهي بائنة وإلا فهي رجعية. انتهى. وما أفادة هو الظاهر فتأمله والله أعلم. انتهى. وقال محمد بن الحسن: التأويل الثاني لابن الكاتب جعل تفصيل ابن المواز موافقا للمدونة والأول لغيره. انتهى. يعني أن ظاهر قول المدونة فيمن طلق وأعطى أنه رجعي سواء قصد الخلع أولا. والله سبحانه أعلم.
وموجبه زوج مكلف الضمير في موجبه لطلاق الخلع؛ يعني أن الذي يوقع طلاق الخلع وشبهه إنما هو الزوج المكلف ومثل الزوج نائبه، والمكلف هو العاقل البالغ الطائع، واحترز بالمكلف عن الصبي والمجنون فلا طلاق لهما، فقوله: "موجبه" أي موقع الطلاق ومثبته، وقوله: "زوج" سيأتي للمص: "وطلاق الفضولي كبيعه" وبالغ على أن الزوج المكلف هو الذي يوقع الطلاق ويثبته بقوله ولو كان الزوج المكلف الوقع لطلاق الخلع سفيها فإنه ينفذ لأن له أن يطلق بغير عوض فبه أولى وكمل له خلع المثل إن خالعته بدونه. قاله اللخمي.
قال بعض الشيوخ: تكميله مخالف للمذهب، وأشار بلو لقول ابن الحاجب: وفي خلع السفيه قولان. انتهى. ونحوه في الجواهر زاد وإذا صححناه فلا يبرأ المختلع بتسليم المخالع به إليه بل إلى وليه. ابن عرفة: وقول ابن شأس: اختلف في صحة خلع السفيه لا أعرفه وذكر أنه يجب صرف الخلاف الذي ذكره ابن شأس لتكميل خلع المثل لارتفاع دفع الطلاق، وظاهر كلام الموثقين كالمتيطى وابن فتوح براءة المختلع بدفع الخلع للسفيه دون وليه ويلزم جري مثله في صلحه عن قصاص، ولا يعارضه قوله: "إلا كدرهم لعيشه" لحمله على ما كان من ماله الأصلي.
стр. 4276
تنبيه: قال الشبراخيتي: يجوز خلع السفيه عن أمته بغير رضاها، وإذا رد السيد خلع الأمة لا تتبع إن عتقت لأن رد السيد رد إبطال. انتهى.
أو ولي صغير عطف على قوله: "زوج" يعني أن الذي يوقع طلاق الخلع ويثبته أحد شخصين: زوج مكلف أو ولي زوج صغير، سواء كان الولي أبا للزوج الحر الصغير أو سيدا للزوج العبد الصغير أو كان الولي غيرهما أي الأب والسيد كوصي وحاكم ومقدمه إذا كان خلع من ذكر على وجه النظر، ولا يجوز لهم الطلاق عليه بغير عوض عند مالك وابن القاسم، وولي المجنون إما الحاكم أو من يقيمه إن جن بعد بلوغه ورشده كما يدل عليه قوله في البيع: "وإن جن نظر السلطان": وإما الأب إن جن قبل بلوغه واتصل. قاله أحمد. وإنما بين الولي هنا بما ذكر مع أنه معلوم ليلا يتوهم أنه المجبر كما في خلع المجبرة. قاله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: ومثل الصغير المجنون والنظر لوليه كما أفتى به بعض شيوخنا، فالولي إما الحاكم إلى آخر ما مر عن عبد الباقي، وقال الحطاب: قال في الشامل: ولا يطلقون إلا بعوض على الأصح. انتهى. وتبع في حكاية الخلاف المص في التوضيح، وقال الرجراجي في كتاب إرخاء الستور: لا خلاف في أنه لا يجوز لوليه أن يطلق عليه إلا على مال. والله أعلم. وقال في الخلع من المدونة: وإذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له، وروى ابن نافع عن مالك فيمن زوج وصيفه وصيفته ولم يبلغا أنه جائز، فإن فرق السيد بينهما على النظر والاجتهاد جاز ذلك ما لم يبلغا: وقال ابن نافع: لا يجوز إلا ما كان على وجه الخلع. انتهى.
وقوله: "أو ولي صغير أبا أو سيدا أو غيرهما" قال محمد بن الحسن: الذي في الحطاب أن هذا متفق عليه ويرده ما لابن عرفة، ونصه: اللخمي: ويجوز أن يطلق على السفيه البالغ والصغير دون شيء يؤخذ له، وقد يكون بقاء العصمة فسادا لأمر جهل قبل نكاحه أو حدث بعده وكون الزوجة غير محمودة الطريق. انتهى. وقد غاب هذا النقل عن الحطاب. والله أعلم. انتهى.
لا أب سفيه يعني أن أبا البالغ السفيه ليس له أن يخالع عنه لأن الطلاق بيد من يرفع الساق وأحرى غير الأب من وصي ومقدم قاض، قال في التوضيح في شرح كلام ابن الحاجب: يعني
стр. 4277
وليس لولي السفيه ولو كان أبا أن يخالع عنه على المشهور لأن الطلاق بيد السفيه. انتهى. ومقابل المشهور أن الولي يخالع عن السفيه البالغ.
وسيد بالغ يعني أنه لا يجوز خلع سيد العبد البالغ عنه بغير إذنه وهو مذهب المدونة. قاله الشارح. وقال ابن بشير: وهل يجوز الخلع عن العبد والأمة بغير اختيارهما قولان؟ والمشهور جوازه والشاذ منعه، وقال في الشامل: ولسيد عن أمته وعبد صغير وإن كرها على المشهور، فقيد العبد بالصغير دونها وبحث في قول ابن بشير عن العبد إلا أن يكون مراده به الصغير، وقد نص في المدونة على أن العبد الكبير ليس للسيد أن يخالع عنه، قال في التوضيح: ولم أقف على القول بأن للسيد أن يخالع عنه وإن ثبت فمشكل. انتهى. وقال في المتيطية: وأما العبيد الكبار فحكم المذكور منهم كحكم السفيه البالغ يطلق بغير إذن سيده، وتختلع منه امرأته وينفذ ذلك إلا أن يكون الخلع على أن يعطيها من عند نفسه فيكون الخلع نافذا والمال إن رده السيد مردود. انتهى. وقال ابن عرفة: ابن بشير: ذو عقد حرية على عدم جبره على النكاح لا يخالع عنه وعلى جبره في الخلع عنه قولان. انتهى.
وقال في المسائل الملقوطة في (١) المسائل التي انفرد بها مالك: إذا اختلعت الأمة من زوجها على شيء بغير إذن سيدها فاسترجعه الولي (٢) منه فليس للزوج أن يرجع عليها بشيء إذا عتقت. انتهى. نقله الحطاب. ولابن عاصم:
وامتنع الخلع على المحجور … إلا بإذنه على المشهور
والخلع جائز على الأصاغر … مع أخذ شيء لأب أو حاجر
ثم قال:
ولا يطلق العبيد السيد … إلا الصغير مع شئ يرفد
стр. 4278
وكيفما شاء الكبير طلقا … ومنتهاه طلقتان مطلقا
لكن في الرجعي الامر بيده … دون رضى وليها وسيده
وقوله: على المشهور مقابله أنه يجوز للولي أن يخالع عن السفيه البالغ بغير إذنه، وقوله: العبيد منصوب بنزع الخافض أي على العبيد، والسيد فاعل يطلق، وقوله: الصغير أي إلا العبد الصغير فلسيده أن يطلق عليه بالخلع وليس له أن يطلق عليه إلا بشرط أن يأخذ له شيئا يرفد به أي يعان به، وقوله: كيفما شاء الكبير طلقا أي يطلق كيف شاء بخلع أو غيره واحدة أو أكثر، وقوله: مطلقا أي منتهى طلاقه طلقتان سواء أوقعهما معا في حال رقه أو طلق واحدة في رقه ثم عتق فلا يبقى إلا واحدة أما إن لم يطلق واحدة حتى عتق فهو كالحر بالأصالة يطلق ثلاثا سواء كانت زوجته حرة أو أمة.
ونفذ خلع المريض يعني أن الزوج المريض إذا تخالع مع امرأته فإن ذلك ينفذ ويصح له ما أخذ من الزوجة، ومثل المريض من في حكمه كحاضر صف قتال ومحبوس لقتل أو قطع خيف منه الموت، وعبر بنفذ دون جاز لأنه لا يجوز ابتداء إذ فيه إخراج وارث ولو لكافرة أو أمة إن كان مخوفا، فإن لم يكن المرض مخوفا جاز ولو لحرة مسلمة.
وورثته الضمير المستتر في ورثته عائد على زوجة المريض، والضمير البارز عائد على المريض يعني أن الزوج المريض إذا اختلعت منه امرأته وكان مرضه مخوفا ومات من مرضه المخوف الذي خالعته فيه، فإنها ترثه حتى مما خالعته به على المعروف.
والحاصل أن طلاق المريض وإن كان بائنا بل وإن كان بتاتا لا يمنع الزوجة الميراث، وأما غير ذلك من أحكام الطلاق فمرتب عليه، قال ابن الحاجب: وطلاق المريض وإقراره به كالصحيح في أحكامه وتنصيف صداقه وعدة الطلقة وسقوطها في غير المدخول بها، (١) إلا أنها لا ينقطع ميراثها هي خاصة قضى به عثمان ﵁ لامرأة عبد الرحمن، قال في التوضيح: وترثه سواء كان
стр. 4279
الطلاق بائنا أو رجعيا ثلاثا أو واحدة انقضت عدتها أم لا، وما تقدم من أنها ترث مما اختلعت به منه هو مذهب المدونة، وروي عن مالك أنها لا ترث منه وهو مقابل المعروف عند ابن الحاجب، وأنكره ابن عرفة. قاله الحطاب. وأما لو كان المرض غير مخوف كسعال ومات منه فإنها لا ترثه، وانظر لو كان حين الطلاق غير مخوف ثم صار مخوفا قبل الموت. انتهى. قاله عبد الباقي.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه والظاهر أنه لا يثبت لها الإرث لأنهم حكموا بجواز الطلاق ابتداء إذا كان المرض غير مخوف، والتي أثبتوا لها الإرث مع البينونة هي المطلقة في المرض المخوف. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وورثته" اعلم أن حكم الزوجة المطلقة في المرض المخوف أي مرض زوجها حكمها حكم الوارث الأصلي فلا تصح الوصية لها وإن قتلته خطئا ورثت من المال دون الدية، وإن قتلته عمدا عدوانا فإنها لا ترث من مال ولا دية. قاله الشبراخيتي. وقال: وقد طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته وهو مريض فجاءت إلى عثمان فقضى لها بالميراث. انتهى.
دونها أي دون موتها يعني أن المريض مرضا مخوفا إذا تخالع مع زوجته وماتت فإنه لا يرثها ولو كانت مريضة، وفي المدونة: إن جعل أمرها بيد رجل يطلقها متى شاء فلم يطلق حتى مرض الزوج فطلقها الوكيل في مرض الزوج لزمه الطلاق، وترثه كما ترثه المفتدية في مرضه، وفي الحطاب ما معناه: قال مالك لا يجوز طلاق المريض لأن فيه إخراج الوارث، وقد نهى ﵇ عن إخراج الوارث إلا أنه على هذا التعليل يجوز طلاق من لا يرث مثل الأمة والكتابية، وقيل لا يجوز ذلك إذ تعتق الأمة وتسلم الكتابية، وفي المتيطية: وطلاق المريض وخلعه جائز ويصح له ما أخذ من الزوجة، غير أنه إن مات من مرضه قبل ظهور صحته ورثته المرأة بائنا كان أو رجعيا، فظاهره أنه جائز ابتداء، ويمكن أن يحمل قوله: جائز على أن المراد لازم. والله أعلم. قاله الحطاب.
كمخيرة تشبيه في أنها ترثه دونها؛ يعني أن من خير امرأته وأوقعت الطلاق في مرضه المخوف الذي مات منه ترثه، بخلاف ما لو ماتت هي فإنه لا يرثها، وقوله: "كمخيرة" أي سواء خيرها
стр. 4280
في المرض أو في الصحة لكن لم توقع الطلاق إلا في مرضه المخوف الذي مات منه. والله سبحانه أعلم.
ومملكة يعني أن الزوج إذا ملك زوجته أمر نفسها وطلقت نفسها في مرضه المخوف الذي مات فيه فإنها ترثه دون موتها هي فإنه لا يرثها حيث كان طلاقها بائنا أو رجعيا وانقضت العدة على ما يأتي، وقوله: فيه راجع للمخيرة والمملكة وهو متعلق بمقدر، وتقديره أوقعت كل منهما الطلاق فيه أي في المرض المخوف الذي مات منه، قال مالك: من ملك امرأته في مرضه أو خالعها أو كان الطلاق في مرضه بائنا بأي وجه كان، فإنه لا يرثها إن ماتت وهي ترثه إن مات من مرضه ذلك، ومحل عدم إرثه للمخيرة والمملكة إن كان الطلاق الذي أوقعتاه بائنا، فإن كان رجعيا وماتت قبل المعدة ورثها كما ترثه، وأشار المص بقوله: "كمخيرة" إلخ إلى أنه لا فرق في ثبوت الميراث لها بين كون الفراق من الرجل وبين كونه من المرأة فسخا كما في اللعان أو طلاقا كما في غيره، تسببت المرأة في ذلك كما إذا أحنثته أم لا. وما ذكره المص في المخيرة والمملكة هو المشهور. وروى زياد أن المملكة لا ترث، وقاله المغيرة في المخيرة. قاله الشارح.
ومولى منها يعني أن الرجل إذا آلى من امرأته في الصحة أو في المرض وانقضى الأجل ولا وعد، ثم وقع عليه الطلاق في مرضه الخوف ومات منه بعد أن انقضت عدتها والحال أنه لم يرتجعها في حياته فإنه ترثه زوجته المولى منها.
وملاعنة يعني أن الزوج إذا لاعن زوجته في مرضه المخوف ثم مات منه فإنها ترثه ولا يرثها هو، ولو ارتد مريضا لم ترثه زوجة ولا غيرها، ولو عاد إلى الإسلام ورثته ورثته دون زوجته على مذهب ابن القاسم أن الردة طلاق بائن، وترثه على قول أشهب وعبد الملك. قاله اللخمي. قال الحطاب: وما قاله اللخمي غير ظاهر، ولذا قال ابن عرفة عقب نقله قلت: الأظهر أن ترثه زوجته على قول ابن القاسم وما قاله ابن عرفة ظاهر. انتهى. قاله الحطاب. ومحل كلام اللخمي فيمن لم يحصل منه قبل ردته طلاق بائن في المرض، وأما إن ارتد بعد ما حصل منه طلاق بائن في المرض ثم رجع للإسلام فإن زوجته ترثه كبقية الورثة، وألحق الشيخ أبو إسحاق بالردة ما إذا
стр. 4281
طلق عليه في المرض بسبب جنون أو جذام أو نشوز منها، وفي الباجي أن المطلقة بنشوز منها كالمخالعة والملاعنة في أن حكم الميراث باق خلافا لأبي حنيفة ولم يذكر في ذلك خلافا. انتهى.
أو أحنثته فيه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته في صحته أو في مرضه إن دخلت الدار فأنت طالق البتة، فدخلتها في مرضه الخوف الذي مات منه فإنه ترثه دونها، وقوله: "أو أحنثته فيه" وكذا لو أحنثته غيرها كما لو حلف ليقضين فلانا حقه في شهر كذا فمرض مرضا مخوفا وحنث في مرضه ذلك ومات منه. قاله الشبراخيتي. وقوله: "أو أحنثته فيه"، الباجي: وهذا هو المشهور، وعن مالك: لا ترثه. قاله الشارح. أو أسلمت يعني أن من تزوج كتابية ثم طلقها في مرضه المخوف الذي مات منه وأسلمت بعد طلاقه لها في ذلك المرض فإنها ترثه، ولو كان طلاقها بتاتا، وسواء حصل الإسلام في العدة أو بعدها كما ذكره المواق وغيره، وقوله: "أو أسلمت" هو قول ابن القاسم، وقال سحنون: لا ترث.
أو عتقت يعني أن من تزوج أمة ثم إنه مرض مرضا مخوفا وطلقها فيه ومات من مرضه ذلك وعتقت بعد طلاقه لها في ذلك المرض، فإنها ترثه سواء حصل العتق في المعدة أو بعدها كما ذكره المواق وغيره، وقوله: "أو عتقت" هو قول ابن القاسم. قاله الشبراخيتي. وقال سحنون: لا ترث. قاله الشارح. والفرق بين جزم المص هنا بمنع الطلاق في المرض كما هو ظاهره وبين حكاية الخلاف بين جواز النكاح في المرض ومنعه مع أن النهي عن إدخال وارث وإخراجه سواء؛ أَنَّ إخراجه أشد من إدخاله؛ إذ في إخراجه منعه من شيء ثابت له وإدخاله ليس فيه ذلك، وقد لا يوجب منعا على الورثة لاحتمال حصول حاجب أو مانع وتوريث الوارث المخرج ومنع الوارث المدخل معاملة لفاعل كل بنقيض قصده. قاله غير واحد.
أو تزوجت غيره يعني أن الزوج إذا طلق زوجته في مرضه المخوف الذي مات منه طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت العدة ثم مات فإنها ترثه، ولو كانت متزوجة غيره حين موته، والأحسن أن يقول: وإن تزوجت غيره لأن هذا الفرع ليس مباينا للخلع في المرض بل هو مرتب عليه، وهذه الأفعال معطوفة على قوله: "كمخيرة" وذلك سائغ كما أشار إليه بقوله في الألفية:
واعطف على اسم شبه فعل فعلا … وعكسا استعمل تجده سهلا
стр. 4282
وقوله: "أو تزوجت غيره" يريد سواء كانت في عصمة ذلك الزوج الذي تزوجها بعده أو لم تكن فيها كما سيقوله المص: وورثت أزواجا يعني أن ميراث المطلقة في المرض لا ينقطع بتزويجها من غير المطلق بل ترثه ولو تعددت الأزواج، ويمكن حينئذ أن ترث أزواجا بأن يموت كل واحد منهم قبل صحة بينة بعد ما طلقها وهو مريض مرضا مخوفا فترث جميعهم ولو كثروا، وإن في عصمة يعني أنه لا فرق في إرثها لمن طلقها في المرض المخوف الذي مات منه بين أن تكون في عصمة زوج آخر وبين أن تكون خالية فترثه اتحد أو تعدد، وقوله: "وورثت أزواجا وإن في عصمة" نحوه في المدونة والجواهر، ففي المدونة: لا تجوز الوصية لمطلقة في المرض وإن تزوجت أزواجا لأنها ترثه ولا يرفع إرثها إياه نكاحها غيره ولو تعدد، ولو طلقها كل منهم في مرضه ورثت الجميع ولو كانت لغيرهم وصحته بعده تصيره كطلاق صحيح. انتهى.
وإنما ينقطع بصحة بينة يعني أن إرث المطلقة في المرض ومن في حكمها لا ينقطع إلا بحصول صحة للزوج بينة أي ظاهرة عند أهل المعرفة، فإذا صح صحة بينة من مرضه ذلك فإنها ينقطع إرثها منه إلا في الرجعية التي لم تنقض عدتها، وقوله: "وإنما ينقطع بصحة بينة" أي فلا ينقطع بطول الزمن ولا بتزوجها، والصحة البينة هي التي لا يضيف أهل الطب الموت بعدها للمرض قبلها، بأن يقولوا: إنما مات من مرض ثان. انظر الشبراخيتي.
ولو صح ثم مرض فطلقها لم ترث إلا في عدة الطلاق الأول يعني أن الزوج إذا طلق زوجته في مرضه المخوف طلاقا رجعيا، ثم إنه صح صحة بينة ولم يرتجعها فمرض بعد ذلك فأردفها طلاقا بائنا في هذا المرض الأخير ومات منه، فإن زوجته لم ترثه إلا أن يكون موته قد حصل في بقية عدة الطلاق الأول الواقع في المرض الأول الذي صح بعده صحة بينة، والثاني لا عدة له وكذا لو طلقها حال صحته طلاقا رجعيا ثم مرض وأردفها فيه قبل انقضاء العدة طلاقا بائتا فلا ترث إلا في عدة الطلاق الأول، والثاني لا عدة له فلو لم تبق من عدة الطلاق بقية لم ترثه إلا أن يكون ارتجعها بعد صحته ثم مرض فطلقها رجعيا أو بائنا فترثه بعد موته من مرضه الثاني كما في المدونة وهو ظاهر، ولو طلقها في صحته البينة بعد الطلاق الرجعي السابق في المرض انقطع إرثها منه حيث كان طلاق الصحة بائنا مات في العدة أو بعدها. وقوله: "ولو صح ثم مرض" الخ إيضاح ما أشار
стр. 4283
إليه أن الطلاق المردف في المرض المخوف الذي مات الزوج منه على الطلاق الرجعي الواقع في المرض الذي صح منه صحة بينة لا تكون به كالمطلقة في المرض التي يثبت لها الإرث أبدا، فالدار في إرثها على وجود بقية من عدد الطلاق الأول أعني الرجعي الواقع في المرض الأول، سواء أردفها طلاقا في المرض الأخير أو لم يردفها طلاقا أصلا حيث لم يرتجعها، ولهذا قال الأمير: وإن صح بينا عرفا فكالمطلقة في الصحة لا ترث إلا في عدة الرجعي، ولو أردف عليه في مرض طرأ. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: "في عدة الطلاق الأول" بيان للواقع إذ المردف في العدة لا عدة له، ولو قال: لم ترثه إلا في العدة لكان أحسن كما قاله الشبراخيتي.
وعلم مما قررت أن الطلاق الواقع في المرض الأول رجعي؛ إذ لو كان بائنا لانقطع إرثها منه بالصحة البينة وكذا لو كان الواقع في المرض الأول رجعيا وأبانها في الصحة فإنه ينقطع إرثها منه، سواء مات في العدة أو بعدها، وسواء كان بعد أن ارتجعها أم لا. كما قاله الحطاب. وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
والإقرار به فيه كإنشائه يعني أن المريض إذا أقر في مرضه بطلاق أسنده إلى زمن سابق على المرض فحكمه حكم ما إذا أنشأ الطلاق في المرض، ولا عبرة بإسناده لزمن صحته فترثه زوجته حيث مات من مرضه ذلك، ولو انقضت عدتها على تقدير دعواه بل ولو تزوجت.
والعدة من الإقرار يعني أن المريض إذا أقر بطلاق مقدم على مرضه المخوف الذي مات فيه فإنه بمنزلة ما لو أنشأ الطلاق فيه فترثه أبدا، وتبتدأ عدتها من يوم الإقرار بالطلاق ولا تكون من يوم دعواه، فلو أقر أنه طلقها من مدة انقضت فيها العدة أو بعضها فلا يصدق؛ لأن العدة حق لله فلابد من ابتداء جميعها من يوم الإقرار، وقد علمت أنها ترثه أبدا وأما هو فقد قال الشبراخيتي: إنه يرثها في العدة المبتدأة من دعواه معاملة له بدعواه حيث كان الطلاق رجعيا، ونحوه للأمير ونصه: والإقرار والشهادة كالإنشاء والعدة من الآن إلا لتاريخ بينة، ولا يرث هو إن انقضت بدعواه. انتهى.
وأشعر قوله: "والإقرار به" أنه ليس للمريض بينة بما أقر به وهو كذلك وإلا عمل بمقتضاها، فتكون العدة من الوقت الذي قالت البينة إنه طلقها فيه، قال عبد الباقي: وكذا إن أنكر المريض
стр. 4284
طلاقها في الصحة فقامت في مرضه عليه البينة بوقوعه في زمن معين في صحته فالعدة من اليوم الذي أسندت البينة وقوع الطلاق فيه. انتهى. قال محمد بن الحسن: تأمله مع ما يأتي من أن العدة من يوم الحكم في قول المص: "وإن أشهد به في سفر" إلخ فإنه يأتي فيه أن العدة من يوم الحكم به. وقال الحطاب هناك عن أبي الحسن بعد كلام المدونة ما نصه: عياض: ظاهره أنها تعتد من يوم الحكم يعني في قوله: "وإن أشهد به في سفر" يدل عليه قوله: "ولا حد عليه" الشيخ: وفي طلاق السنة من العتبية فيمن شهدت عليه البينة أنه طلق زوجته منذ سنة فحاضت فيها ثلاث حيض، قال: عدتها من الطلاق، فقالوا يناقض قوله هنا، والفرق بينهما أن ما في العتبية مقر بالطلاق وما هنا منكر للطلاق. انتهى.
فتحصل أنه إن أقر بها شهدت به البينة فمن يوم الطلاق، وإن أنكر فمن يوم الحكم خلاف ما عند عبد الباقي من أن العدة من يوم الطلاق مطلقا، وقد رجع إلى هذا عند قوله: "ولو شهد بعد موته" إلخ انتهى كلام محمد بن الحسن.
قال جامعه عفا الله عنه: وفي الرهوني بعد جلب كثير من النقول: فتحصل مما سبق أن ما رجحه محمد بن الحسن من أن العدة من يوم الحكم إذا تمادى على إنكاره مطلقا، هو الراجح؛ لأنه المنصوص لابن المواز وابن محرز وهو مقتضى كلام القاضيين أبي الوليد الباجي وأبي بكر الأبهري، ونقل عياض أنه ظاهر المدونة وأقامه منها وهو مقتضى كلام ابن يونس لقوله: والعدة تعقب الطلاق المحكوم به، وبه صرح أبو إبراهيم الأعرج وأبو الحسن والوانوغي وابن ناجي وسلمه الحطاب، وما رجحه الزرقاني وأيده التاودي من أنها من يوم الطلاق إن اتفقا في التاريخ ومن آخرهما إن اختلفا فيه عزاه ابن يونس لأبي محمد بن أبي زيد، وعزاه ابن عرفة لنقل عياض عن المذهب وقد علمت ما في ذلك العزو، ولابن رشد في الأجوبة قول ثالث: إن اتفقا فمن (١) يوم الطلاق وإلا فمن يوم الحكم. فشد يدك على هذا التحصيل. والله أعلم. انتهى.
ونحو ما لعبد الباقي للأمير كما قدمته عنه، وسيأتي لمحمد بن الحسن عند قول المص: "وإن أقر بطلاق" إلخ أن في المسألة قولين، والمسألة الآتية مثل ما هنا إلا أن ما يأتي في إقرار الصحيح وما هنا في إقرار المريض، والحكم في المسألتين واحد إلا في أن المرأة هنا ترثه أبدا وما يأتي إنما ترث
стр. 4285
حيث لم تنقض العدة المبتدأة من الإقرار حيث كان الطلاق رجعيا. والله سبحانه أعلم. وسيأتي الكلام على المسألتين هناك بأتم مما هنا وما يأتي هو مفهوم قوله فيه ونصه في العدة: "وإن أقر - أي صحيح بطلاق متقدم استأنفت العدة من إقراره ولم يرثها إن انقضت على دعواه وورثته فيها إلا أن تشهد بينة له". انتهى.
ولو شهد بعد موته بطلاقه فكالطلاق في المرض يعني أن الزوج إذا شهدت عليه بينة بعد موته أنه كان طلق زوجته طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت العدة على حسب تأريخهم واستمر لموته يعاشرها معاشرة الأزواج، وكان تأخيرهم الشهادة لعذر كغيبتهم فإنه يكون كمن طلق في المرض فترثه زوجته أبدا، هذا هو وجه التشبيه، وتعتد عدة وفاة حيث كان الطلاق رجعيا وعدة طلاق حيث كان الطلاق بائنا، وهذا هو الذي أفادته شهادة الشهود؛ إذ لولا شهادتهم لاعتدت عدة وفاة، وتقدم أنهم أخروا الشهادة لعذر كغيبتهم، فلو كانوا حاضرين لبطلت شهادتهم بسكوتهم ولا يعذرون بالجهل فتعتد عدة وفاة، وإذا كانت العدة عدة وفاة تكون من يوم الوفاة، وإذا كانت العدة عدة طلاق لكون الطلاق بائنا فمن يوم الحكم فإنها تعتد عدة طلاق.
وقوله: "فكالطلاق في المرض" أي في أنها ترثه أبدا فإن قيل كيف ترثه مع انقضاء العدة على ما قالت البينة؟ فالجواب أنها إنما ورثته لاحتمال كونه يبدي مطعنا في شهادتهم لو كان حيا. قاله غير واحد. وقد مر أنه استمر لموته يعاشرها معاشرة الأزواج، فلو انفصلت عنه قبل موته وعلم ذلك لم ترثه، ولو شهدت بينة بعد موتها بطلاقها بائنا أو رجعيا وانقضت العدة لم يرثها، والفرق بين هذه ومسألة المص أن المشهود عليه وهو الزوج مات ففات الإعذار في مسألة المص، وفي هذه لم يفت فقد أعذر إليه فلا يرثها حيث لم يبد مطعنا، وما تقدم من أنها ترثه هو قول مالك وابن القاسم، وقال سحنون: لا ترثه كما لا يرثها. انتهى. وقد مر أنها تعتد عدة طلاق حيث كان الطلاق بائنا، وقال الشيخ علي الأجهوري: ظاهر كلام ابن القاسم أنها تعتد عدة وفاة ولو كان الطلاق بائنا لاحتمال طعنه في شهادتهم لو كان حيا.
تنبيه: إذا مات الزوج في غيبته ولم يبلغ زوجته خبر موته إلا بعد انقضاء العدة من يوم الموت حلت ولا إحداد عليها، وكذا الطلاق أي في أنها تحل، قال القائل:
стр. 4286
ألا قل لمن تأتيك تسئل عدة … بموت مغيب أو طلاق ولم تدر
فإن فات قبل العلم مقدار عدة … فحسبهَـ ذاك حل بضعهَـ عن خبر
وإن قل ما قد فات تمكث ما بقي … من العدد المذكور في محكم الذكر
وفي الحطاب بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه إذا كان الشهود حضورا فشهادتهم باطلة وترثه ويرثها يعني في المسألتين المتقدمتين: مسألةِ موته هو ومسألةِ موتها هي، وإن كانوا غيبا ثم قدموا فشهدوا بالطلاق، فإن كان بعد موته ورثته وهي مسألة المص وإن كان بعد موتها هي لم يرثها على قول مالك وابن القاسم، وقال سحنون ويحيى بن عمر: لا ترثه كما أنه لا يرثها. انتهى. قال مالك في الرجل يحلف بطلاق امرأته فيشك في يمينه فيسئل ويستفتي ثم يتبين له حنثه، قال مالك: تعتد من حين وقف عنها وليس من حين تبين له: قيل لابن القاسم: فإن مات قبل ذلك أيتوارثان؟ (١) قال: ينظر في يمينه فإن كان يحنث فيها لم ترثه وإلا ورثته. ابن رشد: قوله تعتد من حين وقفه صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن العدة من يوم الطلاق والطلاق إنما وقع عليه يوم الحنث.
وإن أشهد به في سفر ثم قدم وطئ وأنكر الشهادة فرق ولا حد يعني أن الزوج إذا أشهد بالطلاق أي بإنشائه أو بإقراره به ثلاثا أو دونها بائنا وكان إشهاده به في سفر ولا مفهوم له، فكذلك إن أشهد في الحضر ثم إن الزوج قدم من سفره ووطئ المشهود بطلاقها وأنكر الطلاق الذي أشهد به فإنه يفرق بينه وبين المرأة، وتعتد من يوم الحكم بشهادة البينة كما هو ظاهر المدونة لا من اليوم الذي أسندت إليه البينة الإشهاد المذكور، ولكونها تعتد من يوم الحكم بالفراق لا حَدَّ على الزوج في وطئه لها الحاصل بعد الإشهاد المذكور، فكأنه وطئ زوجته. ووجَّهَ المازري عدم الحد بأنه كمقر بزنى ثم رجع، وقيل إنه لم يحد لأنه يجوز أن يكون قد نسي ما أشهد به فلذا أنكر الشهادة. والله تعالى أعلم.
سحنون: ولو شهد أربعة أنه طلقها وأقر الزوج بالوطء بعد وقت الطلاق وجحد الطلاق حددته، ولو قالوا: نشهد أنه طلقها ثم وطئها حددته. ابن يونس: قول سحنون خلاف المدونة في الذي
стр. 4287
شهدت عليه البينة في سفره، وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في الأمة يعتقها في سفره وتشهد البينة على ذلك ثم يقدم فيطؤها ويستغلها، فاختلفا في الغلة واتفقا أن لا حد عليه ولا فرق بين هذه وبين الحرة. انتهى. قاله الحطاب. ونقل الشبراخيتي عن بعضهم أنه قال: واستشكل الشيوخ عدم الحد واختلفوا في الاعتذار عنه، فقال الأبهري: لأنهما على حكم الزوجية حتى يحكم بالفراق، ومحمد لأنها تعتد من يوم الحكم بالفراق وهو غير ما قبله؛ لأنه ليس فيه دلالة على أنهما على أحكام الزوجية والمازري كأنه مقر بزنى ثم رجع عنه وقيل إنه جوز عليه النسيان. وقول التتائي: إذا شهدت عليه أربعة بالطلاق فيه نظر لثبوته بشهادة اثنين. انتهى.
وقوله: "وإن أشهد به في سفر" إلخ قال في أواخر كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة: ومن طلق زوجته في سفر ثلاثا ببينة ثم قدم قبل البينة فشهدوا بذلك وهو منكر للطلاق ومقر بالوطء فليفرق بينهما ولا شيء عليه، قال يحيى بن سعيد: ولا يضرب، وروى عن علي عن مالك فيمن شهد عليه أربعة عدول أنه طلق امرأته البتة وأنهم رأوه يطؤها بعد ذلك وهو مقر بالمسيس أنه يفرق بينهما ولا حد عليه، قال سحنون: وأصحابنا يأبون هذه الرواية ويرون عليه الحد.
ولو أبانها ثم تزوجها قبل صحته فكالمتزوج في المرض يعني أن الزوج إذا أبان زوجته في مرضه الخوف ثم إنه تزوجها قبل صحته من مرضه الذي أبانها فيه فإن حكم نكاحه كحكم نكاح المتزوج في المرض، فيفسخ ولو ولدت الأولاد إلا أن يصح الزوج ولها الأقل من ثلاثة أشياء: المسمى، وصداق المثل، والثلث، وأما الإرث فثابت، قال عبد الباقي: فإن قلت العلة في منع نكاح المريض إنما هو إدخال وارث وهذه الصورة قد أمن فيها ذلك؛ لأن المطلقة في المرض لا ينقطع ميراثها؟ قلت: هذا النكاح الثاني قد يعرض له ما يصيره سببا للإرث لو سلم من الفسخ وذلك إذا صح بعده صحة بينة، فلذلك فسخناه مراعاة للطارئ وهذا على طريقة "ومنع نكاح النصرانية والأم". انتهى.
قال محمد بن الحسن: لا يخفى ما في هذا الجواب بل هو جواب ساقط، والظاهر التعليل بالغرر في المهر لأنه في الثلث فلا يدرى أيحمله أم لا، فلو تحمل بالمهر أجنبي لم يفسخ لثبوت المهر في مال الأجنبي والإرث بالنكاح الأول كما نقله المواق والتوضيح، وهذا التعليل فيه نظر لأنه يقتضي
стр. 4288
أنه إنما يفسخ قبل مع أنه يفسخ قبل وبعد كما علمت. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ولو أبانها ثم تزوجها" إلخ قال الشارح: يشير به إلى قوله في المدونة: وإذا طلق مريض زوجته قبل البناء ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه أي فيفسخ أيضا بعد البناء، وعن سحنون أنه يفسخ قبل البناء فقط. انتهى. والتعليل الذي نقله محمد بن الحسن إنما يتمشى على قول سحنون.
ولم يجز خلع المريضة يعني أن المريضة مرضا مخوفا يحرم عليها أن تختلع من زوجها وكذا يحرم عليه هو أيضا، فالحرمة متعلقة بهما فإن ارتكبا المحرم وتخالعا نفذ الطلاق قطعا فلا يتوارثان ولو ماتت قبل انقضاء العدة، وأما المال المخالع به فقال الإمام مالك في المدونة: إن اختلعت في مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها، وقال ابن القاسم: وأنا أرى لو اختلعت منه على أكثر من ميراثه منها لم يجز، وأما على مثل ميراثه منها فأقل فجائز ولا يتوارثان، اختلف الشيوخ هل قول ابن القاسم مخالف لقول الإمام وعليه فقول الإمام: "ولم يجز" معناه أنه يرد جميع المال المخالع به على كل حال سواء كان أكثر من قدر ميراثه منها أو قدره أو أقل ولو صحت بعد الرد فلا شيء له على هذا التأويل وهو تأويل الأقل؟ أو قول ابن القاسم ليس بمخالف لقول الإمام بل هو تفسير له وعليه فإنما يرد من المال المخالع به البعض المجاوز لإرثه منها لو ورث بتقدير أنه لم يخالع، وقوله: يوم موتها يحتمل أنه متعلق باسم الفاضل فيكون ظرفا لغوا ويحتمل أنه حال من المجرور فيكون ظرفا مستقرا وتأويل الوفاق هو تأويل الأكثر، وكان على المص أن يقتصر عليه. وعلى تأويل الوفاق اختلف هل يعتبر في قدر الميراث يوم موتها وهو الذي مشى عليه المص؟
ووقف يعني أنه إذا فرعنا على القول بأن المعتبر في قدر الميراث يوم موتها فإنه يوقف جميع المال المخالع به عينا أو عرضا إليلا أي إلى يوم موتها، فإن كان قدر ميراثه فأقل أخذه، وإن كان أكثر فقال ابن رشد: لا شيء له منه ولا إرث له بحال، وقال اللخمي: له منه قدر ميراثه ويرد الزائد، وأما إن صحت فيأخذ جميع ما خالعته به، ومعنى الموقف أنه ينزع منها فيجعل تحت يد أمين كما قاله في الجواهر. انظر الشبراخيتي. أو يعتبر في قدر ميراثه منها يوم الخلع وعليه فيتعجل الزوج الخلع إن كان قدر الميراث فأقل.
стр. 4289
قال جامعه عفا الله عنه: فلو كان أكثر من إرثه منها فمقتضى كلام ابن القاسم أنه يرد ولا شيء له وهو الذي قاله ابن رشد فيما إذا كان المعتبر فيما يرثه منها يوم موتها كما مر عنه قريبا. والله سبحانه أعلم.
تأويلان أي في ذلك تأويلان، تأويل بالخلاف وهو تأويل الأقل وتأويل بالوفاق وهو تأويل الأكثر، قال محمد بن الحسن: ومقتضى كلام المص أن التأويلين في الرد وعدمه مع الاتفاق على المنع وهو غير ظاهر، بل هما في الجواز وعدمه. انتهى. أي لأن الإمام مالكا قال: لا يجوز خلع المريضة، وابن القاسم قال: إذا اختلعت منه بقدر ميراثه فأقل جاز وإلا فلا فأحد التأويلين وهو تأويل الوفاق يقول بجواز الخلع على قدر ميراثه منها فأقل؛ أي أن الإمام يجيز ذلك كما أجازه ابن القاسم، وتأويل الخلاف وهو تأويل الأقل يقول إن الإمام لا يجيز ذلك وإنما يجيزه ابن القاسم.
وعلم مما قررت أنه على القول بأن المعتبر في قدر ميراثه منها يوم موتها يوقف جميع المال المخالع به، وقال التتائي: يوقف قدر ميراثه منها ونحوه لأحمد وهو غير صحيح؛ إذ حيث كان المعتبر يوم الموت فلا يعرف قدر الميراث إلا بالموت، فكيف يقال: يوقف قدر الميراث كما قاله محمد بن الحسن؟ قال: والمتعين قول أبي الحسن أنه يوقف جميع ما خالعت به عينا أو عرضا. انتهى.
واعلم أن في المسألة خمسةَ أقوال: أحدها: البطلان مطلقا وهو مذهب الموازية وأحد التأويلين، ثانيها: أن له ما خالعته به إن كان قدر ميراثه منها فأقل، ثالثها: الإمضاء مطلقا، الرابع: له خلع المثل، خامسها: يكون له ما خالعته به من الثلث. وقوله: "ووقف إليه" مذهب اللخمي أنه إن كان الخلع على دنانير أو دراهم لا توقف، وإن كان على عبد أو دار منعت من بيعه والتصرف فيه، فإن صحت أخذه وإن ماتت كان الورثة بالخيار بين أن يجيزوه أو يردوه ميراثا لأنهم شركاؤه، ويكون على حقه في الميراث. انظر التوضيح.
تنبيه: من توفيت وأوصت لزوجها وهو غائب بثلث مالها وقد تركت ولدا منه أو من غيره، فقيل لها: لا وصية لوارث، فقالت: إنه كتب إلي بالطلاق فسترت ذلك وقدم الزوج فصدقها فإنه لا يدفع له أزيد من إرثه منها إلا أن يصدقها الورثة. قاله غير واحد. ابن الحاجب: وصلح المريضة
стр. 4290
لا يمضي إلا على قدر ميراثه، ففي تعيين يوم الموت أو يوم الخلع قولان، وفائدته الرجوع له وعليه فلا يتوارثان، وقيل يمضي مطلقا وقيل خلع المثل. انتهى. قوله: وفائدته؛ أي وفائدة هذا الخلاف تظهر في اختلاف ما لها بين زماني الخلع والموت. قاله في التوضيح. وقوله: وقيل يمضي مطلقا أي يمضي خلعها مطلقا سواء كان قدر الميراث أو أكثر، وذكر في الجواهر أن هذا القول رواه ابن وهب عن مالك، والقول بأن له خلع المثل رواه ابن عبد الحكم، وقال عبد الوهاب: له ما خالعها عليه إن حمله ثلثها. قاله في التوضيح.
وإن نقص وكيله عن مسماه لم يلزم يعني أن الزوج إذا وكل وكيلا على الخلع وسمى له ما يخالع به كمائة مثلا فخالف ونقص له في الخلع عن القدر الذي سماه له بأن خالع له على أقل من مائة فإنه لا يلزم الزوج طلاق وتبقى زوجة له إلا أن تتمه هي أو الوكيل فتلزمه البينونة حينئذ. قاله غير واحد. ومفهوم قوله: "وإن نقص" أنه إن خالع بأكثر مما سمى له لزمه الطلاق وهو كذلك كما قاله الحطاب، فإنه قال: قال ابن عرفة: والتوكيل على الخلع جائز كالبيع لا كالنكاح فيجوز توكيل الزوج المرأة.
ابن شأس: لو قال خالعها بمائة فنقص لم يقع طلاق. انتهى. فإن خالع بما سماه أو زاد فلا شك في وقوع الطلاق البائن، وهو مفهوم قول المص: "وإن نقص". قاله الحطاب. قوله: "وإن نقص" قال في التوضيح: وهذا ظاهر في النقص الكثير، وأما اليسير فينبغي أن يختلف فيه كالبيع. انتهى. وكذلك قال ابن عرفة: والذي مشى عليه المص أن المخالفة في البيع في النقص اليسير لا تغتفر كما اختاره عبد الحق وابن يونس واللخمي والمتيطى. قاله الحطاب.
فرع: قال في الشامل: ولا ينفذ إن وكل اثنين إلا باجتماعهما. انتهى. ونقله ابن عرفة عن المدونة. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وظاهر المص ولو قل النقص والزوج بائع، وقد ذكر في الوكالة أنه لا يغتفر النقص في البيع حيث قال أو بيعه بأقل. انتهى.
أو أطلق له أو لها حلف أنه أراد خلع المثل يعني أن الزوج إذا أطلق لوكيله في المخالعة عن زوجته أو أطلق لزوجته في المخالعة عن نفسها بأن لم يقيد بخلع المثل ولا بقدر معين، بأن قال: إن دعوتني إلى صلح بالتنكير أو إن أعطيتني مالا بالتنكير أجبتك، أو قال للوكيل خالع عني ووقع الخلع في هذه الصور بدون خلع المثل، فإن الزوج يحلف بالله الذي لا إله إلا هو على أنه
стр. 4291
أراد خلع المثل، فإن حلف لم يلزم طلاق إلا أن تتم له هي أو الوكيل خلع المثل فيلزمه الطلاق حينئذ، وقوله: "حلف" إلخ قال الشبراخيتي وعبد الباقي: ومحل اليمين حيث لم يكن مستفتيا وإلا قبل قوله بلا يمين.
واعلم أن هذه المسألة على ثلاثة أقسام أحدها: أن يقول لها إن دعوتني إلى صلح بالتنكير أو إن أعطيني مالا بالتنكير فأنت طالق فإنه يحلف أنه أراد خلع المثل ولا يلزمه طلاق إلا بخلع المثل، أو يقول لها أخالعك أو يقول للوكيل خالع عني فيحلف أيضا أنه أراد خلع المثل ولا يلزمه طلاق إلا بخلع المثل، وما ذكرته في صلح ومال منكرين من أنه من باب الإطلاق فيحلف أنه أراد خلع المثل ولا يقع طلاق هو الذي يفيده الأمير والشبراخيتي في مال ويأتي كلامهما قريبا إن شاء الله، وأما خالعها أو خالع عني فقال الحطاب شارحا لكلام المص: قال ابن عرفة عن ابن شأس: ولو قال خالعها فنقص عن المثل قبل قوله إنه أراد المثل. ابن الحاجب: مع يمينه. انتهى. ولفظ ابن الحاجب: ولو قال خالعها فنقص عن المثل حلف أنه أراد خلع المثل، قال في التوضيح في الجواهر: القول قوله أنه أراد خلع المثل ولم يذكر يمينا ولم يذكرها أيضا مالك في المجموعة. ابن عبد السلام: ولا يكاد يوجد النص على اليمين، وظاهر الرواية سقوط اليمين كما في البيع، خليل: والظاهر أن اليمين تجري على الخلاف في أيمان التهم. انتهى. ثم قال الحطاب: ولم ينبه الشارح في شرحه على قوله: "أولها"، وقال البساطي بعد ذكره الإطلاق للوكيل: وكذلك إذا أطلق للزوجة. انتهى. وما قدمته في مال وصلح منكرين عن الأمير والشبراخيتي في مال خلاف ما صرح به عبد الباقي، فإنه قال وأما إذا قال: إن دعوتني إلى صلح بالتنكير أو إن خالعتني على مال فإند يلزمه ما دفعته له من كثير وقليل ولو تافها. انتهى.
ثانيها: أن يقول إن دعوتني إلى الصلح معرفا ولم أجبك فأنت طالق فله ما ادعى ولو فوق خلع المثل بيمين. قاله الأمير. وهو الذي يفيده كلام العتبية الذي نقله الحطاب، وحينئذ فلا يصح حمل قول المص "أولها" عليه كما قاله الحطاب، فإنه حمل قوله: "أولها" على الصلح معرفا وذلك غير صحيح؛ لأن مفاد كلام العتبية وشرحها أنه فيما إذا قال إن دعوتني إلى الصلح
стр. 4292
بالتعريف ولم أجبك فأنت طالق أنه إن أعطته قدرا ولو خلع المثل، وقال ما أردت إلا نصف مالك أي أو ما زاد عليه فإنه يحلف ولا يلزمه طلاق. كما قاله الشبراخيتي.
ثالثها: أن يقول لها إن أعطيتني ما أخالعك به فله خلع المثل بلا يمين، ولا يلزمه طلاق إن أعطته ما دون خلع المثل، وهي قوله "أو بتافه" في إن أعطيتني ما أخالعك به. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. وفي كتاب الأمير: وله بيمين ما ادعى في الصلح نحو أنت طالق إن أعطيتني الصلح وإن فوق خلع المثل وخلع المثل في صلح ومال منكرين بيمين كما أخالع به لكن بلا يمين. انتهى. وقال الشبراخيتي: والحاصل أنه لا يصح حمل قول المص: "أولها" على ما إذا قال لها إن أعطيتني ما أخالعك به؛ لأنه بمنزلة قوله: إن أعطيتني خلع المثل، وليس هذا من الإطلاق لها ولا على قوله: إن دعوتني إلى الصلح معرفا لما علمته يعني لأن القول قوله، ولو فوق خلع المثل كما مر ولا يصح حعله يعني قوله: "أولها" على ما إذا قال إن دعوتني إلى صلح فلم أجبك فأنت طالق فإنه يلزمه الطلاق بما دفعته من قليل أو كثير، ولا عبرة بما يقول ولو حلف عليه وحينئذ فيتعين حمله على ما إذا قال لها خالعيني على مال كما يفيده كلام المواق. انتهى.
قال مفيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظره فقد فرق بين مال وصلح منكرين، وقد تقدم عن الأمير تساويهما وهو الذي قدمته في حل المص. والله سبحانه أعلم.
وإن زاد وكيلها فعليه الزيادة يعني أن الزوجة إذا وكلت على الخلع وزاد وكيلها على ما سمت له في المخالعة أو على خلع المثل إن لم تسم بأن أطلقت له، فإن الخلع ينفذ فيلزم الزوج الطلاق البائن وتكون الزيادة على الوكيل أي الزيادة على ما سمته له أو على خلع المثل إن لم تسم، قال عبد الباقي: ولا ينظر لخلع المثل حيث سمت وإنما ينظر للزيادة على التسمية سواء أضاف الاختلاع لها أو لم يضفه لها ولا لنفسه، فإن أضافه لنفسه صح وغرم المسمى كما في أحمد عن الشامل، وينبغي قياسا على الزوج أن يحلفها الوكيل أنها أرادت خلع المثل عند إطلاقها للوكيل، وجزم حلولو بحلفها ولم يعزه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ظاهره يعني المص سواء أسند الوكيل الاختلاع إلى نفسه أو إليها أو لا إلى نفسه ولا إليها، وهو خلاف المنقول فيقيد بما إذا أسند الاختلاع إليها، كقوله: خالع فلانة على مائة دينار منها أو لا إلى نفسه ولا إليها، كقوله: خالعها على مائة دينار، وأما لو أسند الاختلاع إلى نفسه كقوله خالعها على ماتة دينار مني أو
стр. 4293
قال أشتري منك عصمتها بكذا فإنه يلزمه ما سماه للزوج. قاله صاحب الجواهر والبيان. وظاهر كلامهما أن هذا جار فيما إذا سمت له وفيما إذا أطلقت. انتهى كلام الشبراخيتي.
وقال في التوضيح شارحا لكلام ابن الحاجب: يعني فإن وكلت الزوجة من يخالع لها فكوكيل الشراء فإن خالع بخلع المثل فأقل لزمها الخلع ودفع العوض وإن خالع بأكثر لم يلزمها، ويفهم من قوله: كوكيل الشراء أن العوض وعهدته عليه إلا أن يشترط أن ذلك عليها. انتهى. وقوله: "وإن زاد وكيلها" ظاهره سواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، وقال في التوضيح: وينبغي أن تقيد هذه الزيادة بالزيادة الكثيرة، وأما اليسيرة فتلزمها كالوكيل على شراء سلعة. انتهى.
ورد المال بشهادة سماع على الضرر يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بعوض من مال أو رضاع ولدها أو نفقة حمل أو إسقاط حضانة، ثم إنها وجدت بينة تشهد لها شهادة سماع أن الزوج أضر بها، فإن ما خالعته به من ذلك يرد إليها ولا يمين عليها، وأولى لو شهدت لها بينة قطع، ولا يشترط في بينة السماع هنا أن تكون سمعت من الثقات وغيرهم، بل لو ذكرت أنها سمعت ممن لم تقبل شهادته كالخدم ونحوهم عمل بشهادتهم، والظاهر صحتها أيضا إذا أسندت للثقات فقط إذا كانوا من الجيران، ولو كان الدافع للخلع أجنبيا فقال الشيخ علي الأجهوري: ينبغي رد المال إن قصد فداء المرأة من ضرر زوجها وإلا فلا، وما قدمته من أنه لا يمين على المرأة هو لعبد الباقي ونحوه في الحطاب عن ابن رشد، ونصه: فإن شهد لها بالضرر شاهدان أو شاهد وامرأتان رد عليها مالها بغير يمين، وإن شهد لها به رجل واحد أو امرأتان حلفت مع شهادة الرجل أو مع شهادة المرأتين، واستوجبت أن يرد إليها ما أخذ منها ويجوز في ذلك شهادة شاهدين على السماع، فتأخذ ما أخذ منها بشهادتهما دون يمين. قاله في سماع أصبغ من كتاب الشهادات.
وأكثر من ذلك أحب إليه وابن الماجشون لا يجيز في شهادة السماع أقل من أربعة شهداء. وبالله تعالى التوفيق. انتهى. ونقل الحطاب عند قول المص: "ورد المال بشهادة سماع على الضرر" ما نصه: قال المتيطي: وتحلف مع بينتها أن فعلها ذلك كان للإضرار الذي أثبتته، ونصه بعد فصل الشروط: إذا أسقطت المرأة كالئها عن زوجها أو افتدت منه بمال زادته إياه من عند نفسها أو دفعت له بنيها منه وأسقطت الحضانة الواجبة لها ثم قامت بعد ذلك عند الحاكم وزعمت أن
стр. 4294
ما (١) أسقطته أو أعطته أو التزمته كان عن إضرار من الزوج وإكراه منه لها، وأكذبها الزوج وزعم أن ذلك كان من قبلها وأنه لم يزل محسنا لها، وأقامت بالضرر بينة استرعتهم أو لم تسترعهم وعجز الزوج عن الدفع فيهم أنفذ عليه الخلع وحكم بنقض (٢) ما التزمته وصرف ما أعطته بعد يمينها أن فعل ذلك كان للإضرار الذي أثبتت. انتهى. قال الإمام الحطاب بعد ما جلب كلام المتيطى وابن رشد ما نصه: فقول ابن رشد: إنه إذا قام لها شاهدان بالضرر أو شاهد وامرأتان أو شاهدان بالسماع على الضرر أنها لا تحلف معهما مخالف لما قال المتيطى، ولعل هذه اليمين التي نفاها ابن رشد غير اليمين التي أثبتها المتيطى. فتأمله. والله أعلم.
قال مقيد هذا الشرح: الذي يعطيه كلام ابن رشد أن هذه اليمين التي نفاها غير اليمين التي أثبتها المتيطى؛ لأن اليمين التي نفاها ابن رشد أتى بنفيها فيما إذا كمل النصاب بأن شهد بالضرر شاهدان أو شاهد وامرأتان وأتى بذلك في مقابلة ما إذا لم يكمل النصاب كما لو شهد شاهد واحد أو امرأتان فالأبد من يمين مكملة للنصاب يثبت بها الضرر؛ لأن الدعوى هنا في مال والطلاق بغير الشهادة المذكورة، وإذا كمل النصاب بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين فلا يحتاج للحلف على الضرر لثبوته بدونها، وأما اليمين التي أثبتها المتيطى فليست هي لإثبات الضرر الذي أثبته الشاهدان، وإنما هي على أن مفارقتها له بالخلع لأجل الإضرار الذي قامت عليه البينة وثبت بها، لا أنها تحلف على أن الضرر ثابت. والله سبحانه أعلم.
وقال محمد بن الحسن: قول الزرقاني من غير يمين نحوه في المواق والحطاب عن ابن رشد، وفي الحطاب عن المتيطى أنه لابد من اليمين، قال بعض الشيوخ: وهو الصواب. انتهى. وقوله: "على الضرر" قال في التوضيح: من الإضرار أن يمنعها من زيارة ولدها. ابن القاسم: وليس من الإضرار بها البغض لها وإنما الإضرار الأذى بضرب أو اتصال شتم في غير حق أو أخذ مال أو المشارة، ومن علم من امرأته الزنى فليس له أن يضارها حتى تفتدي. انتهى. وقال في الشامل: ورد العوض فقط بشهادة سماع أو يمينها مع شاهد مباشر أو امرأتين بضرره لها بضرب أو دوام شتم بغير حق أو أخذ مال أو مشارة أو إيثار غيرها عليها لا بغضه لها، وفي رده بيمينها مع شاهد سماع أو
стр. 4295
امرأتين بذلك يعني بالسماع كما في الحطاب قولان، أما إن استخفت به فأساءت عشرته أو نشزت أو خرجت بغير إذنه أو أذنت لمن يكره في بيته وأظهرت البغض له حل له الأخذ، ولو علم منها زنى أوأتت بفاحشة فليس له الإضرار لتفتدي. انتهى. قاله الحطاب.
ابن القاسم: وصفة الشهادة أن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا مستفيضا على ألسنة الناس والخدم والجيران: قال: ويكفي في ذلك عندي عدلان والعدول الكثير أحب إلي وهو المشهور المعمول به، وعنه أيضا أن السماع إنما يكون من العدول إلا في الرضاع فيجوز أن يكون على لفيف القرابة والأهلين والجيران وإن لم يكونوا عدولا كالنساء والخدم، وروى حسين بن عاصم: لا تجوز شهادة السماع إلا عن العدول إلا في الرضاع، فتجوز إن شهد العدول عن لفيف القرابة والجيران من النساء والخدم، قال أبو عمران: وهو حسن لأنه لا يحضره الرجال في الغالب، وفي سماع ابن وهب عن مالك أن الشهادة على السماع إنما تكون عاملة إذا سمع ذلك الرجال والنساء سماعا فاشيا، فإن شهد في ذلك النساء عند القاضي وحدهن لم يجز، وقال ابن الهندي: إذا شهد بالضرر صالحات النساء والخدم التي يدخلن إليها جاز. انتهى.
وبيمينها مع شاهد يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بمال ثم وجدت شاهدا واحدا بالقطع على إضرار الزوج بها فإنها تحلف مع شاهدها ويرد عليها المال الذي أخذه منها، أو امرأتين يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بمال ثم وجدت امرأتين تشهدان لها بالضرر على القطع فإن ما خالعته به من المال يرد إليها بعد أن تحلف معهما على الضرر، ومثل المال ما يؤول إليه وقصاص الجرح، وأما ما ليس بمال ولا آئل إليه كإسقاط الحضانة فلا يرد إلا بشاهدين، وقد مر أنه ليس من الضرر تأديبها على ترك الصلاة والغسل من الجنابة، فإن شاء أمسكها وأدبها على ترك ذلك وإن شاء خالعها ويحل له ما أخذ منها، وقد مر أنه لا تحل له مضارتها حتى تفتدي إذا علم منها الزنى، ولا يحل له ما أخذ منها إلا أن تشتمه أو تخالف أمره. وقوله: "أو بيمينها مع شاهد أو امرأتين" أي على القطع كما مر، وأما على السماع فقال في الشامل: وفي رده أي المال المخالع به بيمينها مع شاهد سماع أو امرأتين بذلك يعني بالسماع كما في الحطاب قولان، وظاهر ما يأتي في الشهادات ضعف القول الأول. قاله عبد الباقي.
стр. 4296
ولا يضرها إسقاط البينة استرعاهُ الاسترعاء في الأصل هو طلب الرعي أي الحفظ، فكأن المرأة استحفظتهم ضررها ليلا يبطل بإسقاطها له؛ يعني أن المرأة إذا أشهدت قبل عقد الخلع أنها متى افتدت من زوجها بشيء فليس عن طوع منها ولا التزام منها وإنما يحملها عليه الضرر والرغبة في الراحة من ضرره لها، وأنها متى حصلت لها النجاة منه ترجع عليه فخالعته بمال معترفة بالطوع وعدم الضرر وأسقطت عنه عند عقد الخلع تلك البينة التي أشهدتها على ذلك وهي بينة الاسترعاء، فإن ذلك الإسقاط لا يضرها بل ترجع على الزوج بالمال الذي افتدت به منه متى قامت لها بينة بالضرر.
واعلم أن هنا ثلاث صور إحداها: أن تعترف بالطوع في عقد الخلع وكانت استرعت فلها الرجوع باتفاق، ثانيها: أن تعترف في عقد الخلع بالطوع أيضا ولم تسترع فقامت لها بينة لم تكن علمت بنها فكذلك لها الرجوع، ثالثها: أن تعترف بالطوع أيضا ولم تسترع فقامت لها بينة قد علمت بها فالذي قاله ابن الهندي وابن العطار وغيرهما أن لها الرجوع.
وقوله: "ولا يضرها إسقاط البينة المسترعاة" اعلم أنها لا يضرها إسقاط البينة المسترعاة ولا غيرها، قال أبو الحسن: ولو كتب في الوثيقة طائعة غير مشتكية ضررا وأسقطت الاسترعاء في الاسترعاء إلى أبعد غايته وأقصى حدوده ونهايته فلا يسقطه ذلك؛ لأنها تقول لو لم أقل ذلك لما تخلصت منه. انظر تبصرة ابن فرحون. والاسترعاء في الاسترعاء هو أن يقول في استرعائه: متى أشهد على نفسه بإسقاط البينة المسترعاة فهو غير ملتزم لذلك. قاله بناني في باب الصلح.
واعلم أن الاسترعاء ينفع في كل تطوع كالعتق والتدبير والطلاق والتحبيس والهبة، ولا يلزمه إن فعل شيء من ذلك وإن لم يعلم السبب إلا من قوله مثل أن يشهد أني إن طلقت فإنما أطلق خوفا من أمر أتوقعه من جهة كذا أو حلف بالطلاق وكان أشهد إني إن حلفت بالطلاق فإنما هو لأجل إكراه ونحو ذلك، فهذا وما ذكر معه لا يشترط فيه معرفة الشهود السبب المذكور، وأما البيوع فلا يجوز الاسترعاء فيها إلا أن يرى الشهود الإكره على البيع والإخافة فيجوز الاسترعاء إذا انعقد قبل البيع، وتضمن العقد شهادة من يرى الإخافة والتوقع الذي ذكره.
стр. 4297
وعلم مما مر أن الاسترعاء هو أن يشهد قبل هذا الأمر الذي يريد أن يفعله أنه غير ملتزم له، وأنه إنما فعله لأجل أمر يتوقاه اقتضى ذلك، وقد تقدم أنه يجوز في التطوعات وإن لم يعاين الشهود السبب الذي حمله على ذلك الفعل، ونظم هذا بعضهم فقال:
وفي التطوعات الاشهاد كفى … إن كان قبل فعل ما قد وصفا
وفي المعاوضات الاسترعا يصح … إن علم الإكراه علما متضح
وفي المتيطى أنه إن قال في الاسترعاء: متى أشهدت بقطع الاسترعاء فإنما أفعل ذلك استجلابا لإقرار خصمي فله ولا يضره ما عقد عليه من إسقاط البينة المسترعاة، وإن قال إنه أسقط الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء لم ينتفع باسترعائه وقاله غير واحد من الموثقين. وفيه تنازع. وفي الطرر: ولو قال في استرعائه: ومتى أشهدت على نفسي أني قطعت الاسترعاء والاسترعاء في الاسترعاء إلى أقصى تناهيه فإنما أفعله للضرر فإن له ذلك، ولا يضره ما أشهد به على نفسه منه وهو أصح مما في المتيطى. قاله ابن فرحون. وقوله: "ولا يضرها إسقاط البينة المسترعاة" وقيل يضرها، والأول حكاه ابن راشد عن ابن الهندي وابن العطار، وقال هو الصواب لأن ضررها يحملها على الاعتراف بالطوع، ومن ابتلي بالأحكام يكاد يقطع بهذا، وإلى هذا أشار بقوله: على الأصح أي على القول الأصح أي لا يضرها إسقاط البينة المسترعاة على القول الأصح، وقوله: "ولا يضرها إسقاط" إلخ، وأولى إذا لم تسقط البينة المسترعاة وإنما اعترفت في عقد الخلع بالطوع، وقد مر أنه لا يضرها إسقاط البينة المسترعاة ولا إسقاط غيرها. والله سبحانه أعلم.
فرع: إذا خالعها وأخذ منها حميلا بالدرك، فقال ابن العطار: إذا ثبت (١) الضرر لا تسقط المتابعة عن الحميل لأنه غير مكره، وقد أدخل الزوج في زوال العصمة ولا يرجع الحميل على المرأة بشيء وإليه ذهب بعض الفقهاء الصقليين وبعض القرويين وذهب بعض القرويين، إلى أنه تسقط المتابعة
стр. 4298
عن الحميل؛ لأنه إذا سقط المال عن الأصل سقطت المطالبة عن الحميل. قاله في التوضيح. وذكر في الشامل القولين من غير ترجيح. قاله الحطاب.
وبكونها بائنا يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بعوض ثم ثبت أنها وقت عقد الخلع بائن فإن الزوج يلزمه أن يرد إليها ما خالعها به من مال وإسقاط حضانة وغير ذلك؛ لأن الذي تدفعه المرأة عوض عن العصمة، فإذا كانت بائنا فقد أخذ الزوج ما لا يستحقه لأن العصمة منحلة ليست بيده. قاله الشارح. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: ولملزومية الخلع العوض من الجانبين امتنع في فقد العصمة لا في ملكها الزوجةُ، فيمتنع في البائن والمرتدة والملاعنة كأجنبية لا في المخيرة لأنه منها رد. انتهى. ولا تعذر بالجهل. انتهى.
وقال الشبراخيتي: ورد المال بكونها بائنا عن عصمة الزوج كالمرتدة والملاعنة والمطلقة قبل البناء لا بكونها تملك العصمة كالمخيرة والمملكة، وتكون مخالعتها ردا لما جعل لها ولا [تعذر] (١) بجهل. قاله في سماع عيسى. انتهى. لا رجعية يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها ثم ظهر أنها وقت الخلع كانت مطلقة طلاقا رجعيا، فإن ما خالعت به الزوج لا يرد لأن الرجعية كالزوجة فيلحقها طلاق الخلع، ولو كانت مخالعته لها بعد انقضاء عدة الرجعية لكانت من أفراد قوله: "وبكونها بائنا". والله سبحانه أعلم.
وعطف على قوله وبكونها قوله: أو لكونه يفسح بلا طلاق يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها في نكاح فاسد متفق على فساده فإن الزوج يرد عليها ما خالعته به؛ لأن النكاح المتفق على فساده يفسخ بلا طلاق فلم يصادف الخلع محلا يقع عليه وذلك كالخامسة والمحرم والمعتدة ونحوها، ومفهوم قوله: "يفسخ بلا طلاق" أنه لو كان النكاح يفسخ بطلاق لكونه مختلفا في فساده فإن المرأة لا يرد لها ما خالعته به بل يبقى بيد الرجل، وقيل يرد لها وهما مبنيان على أن فسخ النكاح المختلف في فساده هل هو بطلاق فلا يرد ما خالعته به أو بغير طلاق فيرده لها؟ قال الإمام الحطاب: وقد علمت أن المشهور أنه يفسخ بطلاق فيكون الجاري عليه أنه لا يرد المال، ولهذا قال هنا: يفسخ بلا طلاق. والله أعلم. انتهى.
стр. 4299
أو لعيب خيار به يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها ثم ظهر أن بالزوج عيبا يوجب للمرأة الخيار فيه فإن الزوج يرد للمرأة ما خالعته به، قال عبد الباقي: وما ذكره المص هنا هو المعتمد، وقوله فيما مر: "ولو طلقها أو ماتا ثم اطلع على موجب خيار فكالعدم" ضعيف، أو يحمل ما مر على ما إذا كان العيب بالزوجة، وقوله: أو يحمل ما مر، قال محمد بن الحسن: هذا هو المتعين. أو قال إن خالعتك فأنت طالق ثلاثا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن خالعتك فأنت طالق ثلاثا ثم إنه خالعها فإنه يرد إليها ما أخذ منها لتقدير وقوع المعلق مع المعلق عليه في آن واحد، فلا يجد الخلع محلا، وكذا لو قال إن خالعتك فأنت طالق اثنتين وكان طلقها قبل ذلك واحدة فيرد للزوجة ما خالعته به، وكذا لو قال لغير مدخول بها إن خالعتك فأنت طالق قبله ثم خالعها بمال فإنه يرده إليها لبينونتها بالواحدة وبالثلاث. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المص هو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يرد على الزوجة في ذلك شيئا. ابن رشد: وقول أشهب هو الصحيح في النظر والقياس؛ لأنه إذا قال لامرأته أنت طالق البتة إن صالحتك فصالحها إنما يقع عليه الطلاق بالمصالحة التي جعلها شرطا لوقوعه، فكانت المصالحة هي السابقة للطلاق إذ لا يكون الشروط إلا تابعا للشرط، فإذا كانت المصالحة سابقة للطلاق صحت ومضت ولم يجب على الزوج رد ما أخذ منها، وبطل الطلاق واحدة كان أو ثلاثا لوقوعه بعد الصلح في غير زوجة، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم على ما فسره عيسى أنه جعل الطلاق سابقا للمصالحة وهذا منكر من قوله؛ إذ لو تقدم الطلاق المصالحة لوجب أن يقع عليه بالمصالحة طلقة ثانية إذا كان الطلاق واحدة في التي قد دخل بها، وهذا ما لا يقوله هو ولا غيره.
وجعل ابن القاسم في هذه الشرط تابعا للمشروط إنما بناه -والله أعلم- على قول مالك فيمن قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فباعه إنه حر على البائع وليس ذلك بصحيح؛ لأن قول مالك في هذه المسألة استحسان على غير قياس، والقياس فيها قول من قال إنه لا شيء على البائع لأن العتق إنما حصل من البائع بعد حصول العبد للمشتري بالشراء. انتهى من البيان. وقول ابن رشد: هذا ما لا يقوله هو ولا غيره، قال ابن عرفة عَقِبَه: اللخمي في المنتخب من قال أنت طالق إن صالحتك
стр. 4300
فصالحها حنث بطلقة اليمين ثم وقع عليها طلقة الصلح وهي في عدة منه. انتهى. فتبين أن قول المص: "أو قال إن خالعتك" إلخ هو قول ابن القاسم وهو معترض. قاله محمد بن الحسن.
لا إن لم يقل فلان يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن خالعتك فأنت طالق ولم يقل ثلاثا بل قال واحدة أو لم يزد على قوله أنت طالق ثم خالعها، فإنه لا يرد إليها ما أخذ منها في الخلع، ولزمه طلقتان يعني أنه إذا لم يقل لها ثلاثا بل قال لها إن خالعتك فأنت طالق واحدة أو لم يزد على قوله إن خالعتك فأنت طالق، فإنه يلزمه طلقتان ولا يرد لها ما أخذ منها في الخلع كما علمت، وقوله: "ولزمه طلقتان" واحدة بالخلع وواحدة بالتعليق، فإن قيد باثنتين لزمه ثلاث واحدة بالخلع واثنتان بالتعليق. وعلى ما مر عن ابن رشد لا يلزمه إلا طلقة واحدة بالخلع، وقوله: "لا إن لم يقل ثلاثا" قال محمد بن الحسن بعد جلب كلام: فتبين أن قول المص أو قال إن خالعتك إلخ هو قول ابن القاسم وهو معترض: وقوله: "لا إن لم يقل ثلاثا" إنما هو للخمي، وأنكره ابن رشد. والله أعلم انتهى.
وجاز شرط نفقة ولدها مدة رضاعه فلا نفقة للحمل يعني أنه يجوز أن يخالع الرجل امرأته وهي حامل على أن عليها أن ترضع ما في بطنها إن ولدته مدة رضاعه وهي سنتان وشهران، وإذا شرط عليها إرضاعه تلك المدة فإنها يلزمها أن تنفق على المولود مدة رضاعه ولا نفقة عليه لحملها، فيسقط عنه أمران: نفقة الحمل ونفقة الولد مدة رضاعه؛ أي ليس عليه أن ينفق عليها ما دامت حاملا، وإذا وضعت حملها ذلك فليس على الزوج أن ينفق عليه مدة الرضاع وهي سنتان وشهران، وإنما ذلك على المرأة. ويدخل في كلام المص أيضا ما لو خالعها على نفقة الولد مدة الرضاع بعد الوضع، ولا ينافيه قوله: "فلا نفقة للحمل" لأنه تفريع على أحد الأمرين المشتمل عليهما كلامه، وهما ما إذا خالعها على نفقة ما تلده وهي حامل أي على نفقته بعد وضعها له، وما إذا خالعها على نفقة ولد موجود حين الخلع مدة رضاعه وحينئذ فلا حاجة إلى تصويب عبد الباقي لكلام المص. انظر حاشية الشيخ بناني. وأما إن كان لها ولد ترضعه وهي حامل وخالعها على نفقة الولد الذي ترضعه مدة الرضاع فلا تسقط عنه نفقة الحمل، فلا تدخل هذه الصورة في كلامه.
стр. 4301
وقوله: "فلا نفقة للحمل" اعلم أن ما مشى عليه المص من أنه لا نفقة للحمل هو قول مالك، وقال ابن القاسم وابن الماجشون والمغيرة والمخزومي: لها نفقة الحمل. اللخمي: وهو أحسن لأنهما حقان أسقطت أحدهما وبقى الآخر. الصقلي: وقاله سحنون وهو الصواب. قاله التتائي. نقله عبد الباقي.
تنبيه: من طلق امرأته طلاقا رجعيا وهي حامل ثم بعد شهر مثلا خالعها على رضاع ما تلده رجعت عليه بنفقة الحمل بعد الطلاق الأول وقبل الخلع كما في سماع ابن القاسم، وعلله ابن رشد بأنه وجبت نفقتها عليه مدة الشهر فلا تسقط عنه إلا بما تسقط به الحقوق. انتهى. فقول المص: "فلا نفقة للحمل" أي من يوم الخلع، وإذا تحملت بالإنفاق سنتين دخلت الكسوة في النفقة، وأما الزيادة على سنتين فساقطة نفقة وكسوة كذا أفتى به الناصر اللقاني، ويأتي أول النفقات ما يفيده. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ولا تدخل الكسوة في النفقة في هذا الفرع كما يدل عليه كلام أبي الحسن، وأفتى الناصر اللقاني بدخولها، وأما الخلع على نفقة ولدها حولين غير مدة الرضاع فلا يجوز كما هو ظاهر المص، وإلا لقال: وجاز شرط نفقة ولدها حولين. اللخمي: إن شرط عليها نفقة الحمل وأعسرت أنفق عليها وتبعها؛ لأن عجزها عن نفقة الحمل يضر بالحمل. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولو خالعها على أن ترضع ولده وتنفق عليه حولين صح. قاله في التوضيح.
قوله: حولين أي حولي الرضاع وليس المراد حولين مطلقا، وقوله: صح أي الخلع ولا إشكال في ذلك. ونقل في التنبيهات عن ابن وهب أنه قال في المبسوط: إنما يجوز من ذلك صلحها في الحولين في الرضاع وحده، وأما على نفقته فلا يجوز (١) في الحولين ولا بعدهما. انتهى. وقوله: "فلا نفقة للحمل" قال في التوضيح عن الباجي: وليس لها أيضا أن تطلبه بالصداق. انتهى. وهذا غير ظاهر، فقد قال في آخر سماع ابن القاسم من كتاب التخيير: إن من طلق زوجته وهي حامل فأقام شهرا ثم بارأها على أن عليها رضاع ولدها فطالبته بنفقة ما مضى من المشهور إن ذلك لها، قال ابن رشد: أما ما مضى قبل المبارأة فبين أن ذلك كما قال؛ لأنها قد وجبت فلا تسقط عنه إلا بما
стр. 4302
تسقط به الحقوق. انتهى. وتقدم أيضا عن اللخمي في آخر باب الصداق ما يدل على عدم سقوطه، فتأمله. والله أعلم قاله الحطاب.
وسقطت نفقة الزوج يعني أنه إذا اشترط عليها مع نفقة ما تلده أن تنفق هي عليه تلك المدة أي اشترط الزوج عليها أن تنفق على ولده وعليه هو مدة رضاع الولد، فإن نفقة الزوج تسقط عنها ولا يلزمها إلا رضاع ولدها مدة الرضاع ونفقة نفسها حيث اشترط عليها ذلك قبل الموضع؛ أي اشترط عليها أن تنفق عليه وعلى ولده مدة الرضاع وهي حامل.
وبما قررت علم أن قوله: "نفقة الزوج" محله حيث كانت مضافة لمدة الرضاع، قال عبد الباقي: وما ذكرناه من أن نفقة الزوج مضافة لرضاع ولدها في الشرط يفيده الشارح في الكبير والتتائي، قال أحمد: وهو يقتضي أنها لازمة لها حيث كانت غير مضافة للرضاع. انتهى. وقول الشارح بعد تقريره المص وهو مذهب المدونة أي والحكم في المضافة بدليل ما في كبيره لا غير المضافة، فإنه لم يظهر من النقل سقوطها كما ادعى علي الأجهوري. انتهى.
أو غيره يعني أنه كما تسقط عنها نفقة زوجها المشترطة مع نفقة الولد مدة الرضاع، تسقط عنها أيضا نفقة غيره أي الزوج المشترطة مع نفقة الولد مدة الرضاع، سواء كان الغير ولدا كبيرا أو أجنبيا، وقال الشبراخيتي عند قوله "وسقطت نفقة الزوج أو غيره": ما ذكره المص في هذه المسائل هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقال غير واحد من الموثقين والعمل على غير قول ابن القاسم؛ لأن غاية ذلك أنه غرر وهو جائز في الخلع. انتهى. وقال الشبراخيتي أيضا: ويدخل في قوله: "أو غيره" نفقة ولده من غيرها.
وزائد شرط يعني أن الزوج إذا خالع زوجته على أن تنفق على ولدها أكثر من مدة الرضاع فإن ذلك الزائد يسقط ولا يلزم إلا مدة الرضاع ولا يجوز الإقدام على ذلك الشرط، وما وقع عليه العقد فهو مشترط وما كان بعد العقد فهو متطوع به، وقال عبد الباقي عند قوله "وزائد شرط": ثم ما ذكره المص من السقوط في هذه المسائل قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقال الأكثر لا يسقط عنها ما زاد على نفقة الولد وصوبه الأشياخ وبه العمل حتى قال ابن لبابة: الخلق كلهم على خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وذكره التتائي لكن بعد قوله: "وسقطت نفقة الزوج أو غيره"، ثم قال والظاهر أن قوله: "وزائد شرط" مغن عن قوله: "وسقطت نفقة الزوج أو غيره".
стр. 4303
والحاصل أن قوله: فلا نفقة للحمل هو قول مالك في المبسوطة، وقال ابن القاسم وعبد الملك والمغيرة: لها نفقة الحمل، واختاره اللخمي، وأن قوله: "وسقطت نفقة الزوج أو غيره وزائد شرط" هو قول ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك، وخالفه في ذلك المغيرة وعبد الملك وأشهب وابن نافع وسحنون، وقالوا بعدم السقوط في ذلك، وصوب قولهم جماعة الأشياخ حتى قال ابن لبابة: إن العمل على خلاف قول ابن القاسم؛ لأن الغرر في الخلع جائز. انتهى. هذا ملخص كلام غير واحد.
وقوله: "وزائد شرط" ولا يجوز الإقدام على اشتراط ذلك، ومحل سقوط الزائد وعدم جواز الإقدام على اشتراطه إن لم يشترط الأب نفقة المدة المذكورة عاش الولد أو مات، فيجوز عند ابن القاسم وغيره، قاله في التوضيح. وفي التحفة:
وجاز قولا واحدا حيث التزم … ذاك وإن مخالع به عدم
انظر حاشية الشيخ بناني، وقبل هذا البيت:
والخلع بالإنفاق محدود الأجل … بعد الرضاع بجوازه العمل
ويتصل به قوله: وجاز قولا واحدا إلخ، قال ميارة: يعني أن العمل على جواز الخلع على أن تنفق المرأة على الولد أجلا محدودا بعد حولي الرضاع ويلزمها ذلك، ومذهب المدونة سقوط نفقة الزاند على الحولين. التوضيح: وقال المغيرة والمخزومي وابن الماجشون وأشهب وابن نافع وسحنون: لا تسقط وهو الصواب عند جماعة الشيوخ، حتى قال ابن لبابة: الجل على خلاف قول ابن القاسم وروايته. المتيطى: قال غير واحد من الموثقين العمل على هذا القول ووجهه ظاهر لأن غايته [أنه] (١) غرر والغرر جائز هنا، وفي المسألة قولان آخران، الأول رواه زياد عن مالك أنه يجوز في العامين وما قاربهما لا فيما كثر، والثاني: قال أصبغ أكرهه ابتداء فإن وقع أمضيته. انتهى. قوله: وجاز قولا واحدا البيت منه يفهم أن ما قبله مختلف فيه وهو كذلك، وقد تقدم
стр. 4304
قريبا أن فيه أربعة أقوال، وأشار بهذا البيت إلى قوله في التوضيح إثر ما تقدم متصلا به، قال اللخمي وغيره: هذا الخلاف إنما هو إذا وقع الخلع على ذلك ولم يشترط إثبات ذلك إن مات الولد ولا سقوطه، وأما لو شرط الأب لنفقة الولد مدة معلومة عاش الولد أو مات فيجوز عند ابن القاسم وغيره، فإن مات الولد أخذ الأب ذلك منها مشاهرة حتى يتم الأجل وكذلك الأب، ومراد الناظم بالخالع به الولد، ومعنى عدم: مات، وفاعل جاز ضمير يعود على الخلع وذاك إشارة لنفقة الولد. انتهى.
وقال عبد الباقي: وإنما جاز الخلع على مدة الرضاع ولزم دون مدة غيرها معه أو مستقلة على ولدها الكبير مع وجود الغرر في الجميع لأن الرضيع قد لا يقبل غير أمه، ولأن رضاعه قد يجب عليها حيث مات الأب وهو معدم. انتهى. وقوله: "وزائد شرط" قال محمد بن الحسن: يجوز أن يحمل على ما هو أعم من النفقة كاشتراطه عليها أن لا تتزوج إلا بعد الحولين فإنه لغو، قال ابن رشد: وفاقا، وأما إلى مدة فثالثها إن كان يضر بالطفل وإلا فلا. انظر ابن عرفة. انتهى.
فرع: لو أعاد من خالعها على نفقة رضاع الولد عادت عليه النفقة ونفقة الحمل فإن طلقها قبل مضي المدة لم تعد عليها كما في التزام الحطاب ورجز ابن عاصم خلافا لفتوى الناصر اللقاني بالعود عليها قاله عبد الباقي.
فرع آخر: من تطوع لزوجته بنفقة ربيبه أو التزمها بعد العقد ما دامت زوجة فطلقها بائنا دون الثلاث ثم تزوجها ولو بعد أزواج عادت عليه ما بقي من العصمة الملتزم أو المتطوع فيها شيءٌ كما في رجز ابن عاصم، وأما إن شرطت عليه في العقد نفقة ولدها فيفسد قبل ويثبت بعد، ويلغى الشرط كما تقدم عند قوله: "أو على شرط يناقض". قاله عبد الباقي. واعلم أن ما ذكره المص من قوله: "فلا نفقة للحمل" والمعتمد عدم السقوط في ذلك، وعبارة الأمير: وإن خالعها على نفقة الحمل مدة لم تسقط نفقته حملا. انتهى. قال في الشرح: والأصل على خفائه ضعيف. انتهى. وفي التحفة:
ومن يطلق زوجة فتختلع … بولد منه له ويرتجع
ثم يطلقها فحكم الشرع … أن لا يعود حكم ذاك الخلع
стр. 4305
قال الشيخ ميارة: يعني أن من طلق زوجته على أن تحملت بنفقة ولدها منه إلى الحلم ثم راجعها من ذلك الطلاق فلا إشكال أن النفقة تعود على الأب، فإذا طلقها ثانية فلا تعود نفقة الولد عليها إلا أن تتحمل بها في الخلع الثاني، ففي طرر ابن عات: وفي مسائل ابن رشد في المرأة إذا خولعت على أن تحملت بنفقة ابنها من الزوج إلى الحلم ثم ارتجعها سقط عنها ما تحملت من نفقة ابنه ورجعت على الأب، ولا عود على المرأة إلا أن تتحمل بها ثانية. انتهى. ونحوه في ابن سلمون.
كموته تشبيه في السقوط يعني أنه إذا خالعها على نفقة الولد مدة رضاعه ومات الولد قبل تمام المدة المخالع بنفقة الولد فيها، فإنه يسقط عن أمه ما بقي حيث كانت عادتهم ذلك وإلا رجع عليها ببقية نفقة المدة، كذا يفيده أبو الحسن على المدونة، ومثل الموت استغناؤه في الحولين فيسقط عن أمه ما بقي من المدة بعد استغنائه. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. ولا يقال إن الكاف أدخلت الاستغناء في الحولين كما قاله عبد الباقي؛ لأن الكاف للتشبيه وكاف التشبيه لا تدخل شيئا كما قاله غير واحد، وصرح به الشبراخيتي هنا. وقوله: "كموته" ما ذكره من السقوط في موت الولد هو المشهور، وروى أبو الفرج عن مالك أنه يرجع عليها. قاله الشارح. وفي التوضيح: وإن مات الطفل فالمشهور وهو مذهب المدونة عدم الرجوع، والقول الثاني رواه أبو الفرج عن مالك في المدونة، ولم أر أحدا طلبه وكأنه سلم أن القياس الرجوع، إلا أن العرف عدم الرجوع فترك القياس لذلك. محمد: موجها لهذا القول أي القول بالسقوط بمنزلة من صالح على أن عليها نفقة الحمل ورضاعه فأسقطت فلا تتبع، ولا أعلم إذا مات الطفل ما يقوله المخزومي. انتهى.
وإن ماتت يعني أنه إذا خالعها على نفقة الولد مدة رضاعه وماتت أمه قبل تمام مدة الرضاع فإن نفقة الولد تكون في مالها، وقوله: "وإن ماتت" شرط وجوابه قوله الآتي: "فعليها" أي يؤخذ من تركتها مقدار ما يفي برضاع الولد الحولين؛ لأن ذلك دين ترتب في ذمتها ولا يدفع القدار المذكور للأب لاحتمال موت الولد بل يوقف، فكلما مضى أسبوع أو شهر دفع منابه من ذلك المقدار، فإن مات الولد فالظاهر رجوع المال لورثة أمه يوم موتها، فإن لم تخلف المرأة شيئا فإن نفقة الولد وأجرة رضاعه على أبيه، وفي التحفة:
стр. 4306
وان تمت ذات اختلاع وقفا … من مالها ما فيه للدين وفا
للأمد الذي إليه التزما … وهو مشارك به للغرما
قال الشيخ ميارة: يعني أن من خالع زوجته على أن تحملت له نفقة ولدها منه مدة معلومة ثم ماتت في أثناء تلك المدة، فإنه يؤخذ من مالها نفقة بقية المدة المعروفة، فإن كان على المرأة دين غير ما التزمته من النفقة فإن للزوج محاصة غرمائها بما التزمته من نفقة ولده.
قال في الوثائق المجموعة: قال سحنون: تلزمها النفقة وإن اشترطت عليها خمس عشرة [سنة] (١)، فإن مات الابن قبل انقضائها لا يكون للزوج رجوع فيما بقي لأنها إنما تحملت له رفع مؤنته عنه، ولو ماتت هي وقف من مالها قدر مؤنة الابن إلى انقضاء المدة التي التزمتها، فإن مات الابن قبل انقضائها رجع ما بقي مما وقف ميراثا إلى ورثة المرأة، وإن فلست رجع ذلك الموقوف إلى الغرماء إن كان بقي لهم شيء من ديونهم إذ للزوج محاصة الغرماء بالنفقة، وللأمد متعلق بوقفا ونانب التزم يعود على الإنفاق وما نائب وقف، وقوله: وهو أي الزوج مشارك للغرماء في متروكها فيحاص فيه بنفقة ولده والغرماء بديونهم. انتهى.
أو انقطع لبنها يعني أن المرأة إذا خالعها زوجها على أن تنفق على ولدها مدة الرضاع فإن نفقة الولد مدة رضاعه عليها كما عرفت، فإذا انقطع لبنها فإنها تستأجر من ينفق عليه فإن لم يكن لها مال أنفق الأب عليه واتبعها كما في المدونة، وقد صوب اللخمي أنه لا يتبعها وقد مر عن اللخمي أنها إذا خالعته على نفقة حملها منه وأعسرت أنه ينفق على الحمل ويتبعها. والله سبحانه أعلم. وعبارة التوضيح: إذا انقطع لبنها لزمها أن تشتري له لبنا. أو ولدت ولدين يعني أنه إذا خالعها على نفقة ما تلده مدة الرضاع فإنه يلزمها أن تنفق على من ولدته ولو ولدت توأمين فأكثر، فإن عجزت فعلى الأب ويتبعها إن أيسرت.
وبما قررت علم أن قول المص: فعليها جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث.
стр. 4307
تنبيه: اعلم أن من طلق امرأة وهي حامل ولم يخالعها فدفع إليها نفقة الرضاع لكان (١) ذلك براءة له من نفقة الحمل المتقدمة، وكذا من أكرى دارا مشاهرة فدفع كراءها شهر فذلك براءة للدافع مما قبل ذلك، وهذا فيه مناسبة مع قوله: "فلا نفقة للحمل".
وعليه نفقة الآبق يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها على آبق فإن نفقة العبد الآبق تكون على الزوج لأن ملكها له قد زال بمجرد الخلع ودخل في ملكه، والمراد بالنفقة مؤونة تحصيله وطعامه وشرابه من وقت وجدانه إلى وصوله له.
والشارد يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها على بعير شارد فإن نفقته تكون على الزوج لزوال ملك الزوجة عنه ودخل في ملك الزوج، وما قيل في نفقة الآبق يقال في البعير الشارد، وقوله: "وعليه نفقة الآبق والشارد" أي أجرة أو جعل تحصيلهما وطعامهما وشرابهما من وقت وجدانهما إلى وصولهما له؛ لأن ملكها قد زال عنهما بمجرد عقد الخلع ودخلا في ملكه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعليه أي الزوج نفقة العبد الآبق والبعير الشارد لمن أنفق عليهما بعد الوجدان أو جوعل على تحصيلهما قبل الوجدان أو بعده، وطعامهما وشرابهما من وقت وجدانهما إلى حين وصولهما للزوج، وإلا فالآبق والشارد قبل التحصيل يستحيل الإنفاق عليهما قبل علم المحل وبعده. انتهى.
وقال الحطاب: قال الشارح مراده بالنفقة عليهما الأجرة أي على طلب الآبق والشارد، قال: ويمكن أن يقال مراده أيضا النفقة عليهما في تلك المدة فإنه لو أمسكهما إنسان وأنفق عليهما ليرجع على سيدهما فإنه إنما يرجع على الزوج، كما أشار إليه ابن فرحون. انتهى. فنفقة الآبق والشارد تشمل الجعالة على تحصيلهما والنفقة عليهما بعد تحصيلهما، وقال ابن الحاجب: ونفقة الآبق والشارد على الزوج، قال في التوضيح: مراده بالنفقة الجعل على تحصيل الآبق والشارد وإلا فالنفقة عليهما مع الجهل بموضعهما أو مع عدم القدرة على تحصيلهما محال. انتهى.
إلا لشرط يعني أن الزوج إذا اشترط على الزوجة أن نفقة الآبق والشارد تكون عليها، فإنه يعمل بذلك الشرط فتكون النفقة المذكورة عليها ومثل الشرط العرف، وينبغي رجوعه لقوله: "وإن ماتت"
стр. 4308
وما بعده ويقدم الشرط على العرف عند تعارضهما. قاله الشيخ عبد الباقي. لا نفقة جنين يعني أن الزوجة إذا خالعت زوجها على جنين فإن نفقة أم الجنين لا تلزم الزوج، وقد مر أنه لا يجوز الخلع على الجنين إلا إذا كانت المرأة تملك أمه، وإنما كانت نفقته عليها لأن الجنين كالعضو من أمه.
إلا بعد خروجه استثناء منقطع لأنه لا يسمى جنينا بعد وضعه إلا بطريق التجوز؛ يعني أن نفقة الجنين المخالع به إذا وضعته أمه فإنها تكون على الزوج، والمراد بالنفقة أجرة رضاعه وكسوته، ففي المتيطى: على المرأة رعاية الغنم قبل ولادتها وهو نحو قول بعض شيوخ عبد الحق: النفقة عليها إلى خروج الجنين، وقوله: "إلا بعد خروجه" هو كذلك في بعض النسخ وفي بعض النسخ: إلا بعد وضعه ومعناهما واحد، إلا أن نسخة خروجه أعم لأن الجنين شامل لجنين من يعقل ومن لا يعقل، والخروج يقال للجميع بخلاف الوضع فإنه خاص بمن يعقل. قاله الشبراخيتي.
وأجبر على جمعه مع أمه يعني أن المرأة إذا خالعت زوجها على جنين في بطن أمتها، فإنه إذا ولدته أمه تجبر هي والزوج على جمع الجنين مع أمه في ملك واحد فيبيعانهما لشخص واحد أو يشتري أحدهما الذي بيد صاحبه، ولا يكفي جمعهما في حوز واحد لأن التفريق هنا بعوض، وقوله: "وأجبر" بالتركيب والظاهر أن النائب حرف الجر بعده لا ضمير يعود على الزوج لأنهما يجبران معا، قاله جامعه عفا الله عنه. وعبارة الشبراخيتي عند قوله "وأجبر: كل من الزوجين"، وقوله: "وأجبر على جمعه مع أمه": أي في ملك واحد فما يقال هذا عوض غير متمول، فيكفي فيه الجمع في الحوز لا يلتفت إليه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وأجبر على جمعه مع أمه" نحوه لابن المواز، فإنه قال وإذا خالعها على جنين في بطن أمه فهو له إذا خرج ويجبر على الجمع بينهما فيباع مع أمه. انتهى.
وفي نفقة ثمرة يبد صلاحها قولان يعني أن شيوخ عبد الحق اختلفوا فيما إذا خالعت المرأة زوجها بثمرة لم يبد صلاحها أو لم تظهر بالكلية، هل تكون نفقة تلك الثمرة على المرأة لتعذر التسليم شرعا أو على الزوج لأن ملكه قد تم ولا جائحة؟ وقوله: "قولان" مبتدأ وخبره "في نفقة" فإن بدا صلاحها ولم تحتج بعد بدوه لكلفة فعلى الزوج أجرة جذها إلا لشرط كذا يظهر. قاله
стр. 4309
الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "لم يبد صلاحها": أعم من أن تكون برزت أم لا، بأن قالت أخالعك على ثمرة شجري في هذا العام.
واعلم أن الأرجح من القولين كون النفقة على الزوج إلا لشرط أو عرف. قاله الشيخ الأمير. وكفت المعاطاة يعني أن الخلع ينعقد بالصيغة ولابد له منها، ولا يشترط أن تكون باللفظ فتكفي المعاطاة في عقد الخلع عن النطق به حيث فهم منها الخلع، مثل مسألة الحفر والدفن وهي أن تحفر حفرة ويملأها ترابا وعرفهم دلالة ذلك على الفراق كبعض البدو، وتدفع له مع ذلك عوضا حين الحفر ويقبله ويدفن الحفرة، فإن لم تدفع له عوضا كان رجعيا وكمن عرفهم أنه إذا حصل منه ما يغيظها وأخرجت سوارها من يدها ودفعته له وخرجت من الدار ولم يمنعها فطلاق، وكتركها مالا بذمته وتقصد به المباراة كبعض البدو.
قال عبد الباقي: وما يأتي من أن اللفظ من أركان الطلاق والفعل لا يقع به الطلاق ولو نواه به إنما هو في فعل مجرد عن العرف. انتهى. وتمثيل بعض الشراح للمعاطاة بقول المدونة: إن أخذ شيئا منها وانقلبت وقالت هذا بذاك ولم يسميا طلاقا فهو طلاق الخلع [انتهى (١)] فيه أنه ليس من المعاطاة؛ لأن فيه اللفظ، وقال ابن عرفة: ويتقرر بفعل دون قول لنقل الباجي، وروى ابن وهب: من ندم على نكاح امرأة فقال أهلها نرد لك ما أخذنا وترد لنا أختنا ولم يكن طلاق ولا كلمة فهي تطليقة، وسمع ابن القاسم إن قصد الصلح على أن أخذ متاعه وسلم لها متاعها فهو خلع لازم ولو لم يقل أنت طالق. انتهى. وهو يفيد أن ذلك لا يتقيد بالعرف خلاف ما في الزرقاني. قاله محمد بن الحسن.
وإن علق بالإقباض أو الأداء لم يختص بالمجلس يعني أن الزوج إذا علق الخلع على الإقباض كأن يقول لها إن أقبضتني كذا فأنت طالق أو بالأداء، كأن يقول لها إن أديت إلي كذا فأنت طالق فأقبضته ذلك أو الله إليه في المجلس الذي قال لها ذلك فيه أو بعد ذلك المجلس فإنه تلزمه البينونة، ولا يختص لزوم التعليق بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه، فمتى أقبضته أو أدت إليه ما طلبه وقع عليه الطلاق كان ذلك في المجلس أو بعده ما لم يطل ما بين قوله لها ذلك والإقباض
стр. 4310
أو الأداء بحيث يرى أن الزوج لا يجعل التمليك إليه أو يرى أن المرأة تاركة له كما نص عليه الشبراخيتي.
إلا لقرينة يعني أن في تقدم من أنه إذا علق بالإقباض أو بالأداء لم يختص ذلك بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه إنما هو حيث لا قرينة تدل على اختصاص ذلك بالمجلس، وأما إن قامت قرينة تدل على أن الزوج أراد اختصاص الإقباض أو الأداء بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه فإن لزوم الطلاق يختص بما إذا أقبضته بالمجلس أو أدت إليه فيه، ولا يلزم حينئذ إن أقبضته بعده أو أدت إليه بعده. والله سبحانه أعلم.
ومحل لزوم البينونة إن فهم الالتزام مطلقا ورطها أم لا، أو الوعد بشرط أن يورطها كما يأتي قريبا إن شاء الله، وقوله: "إلا لقرينة" مثال القرينة ما إذا كان معه في المجلس من يحب إكرامهم ونحو ذلك فحمله ذلك على أن علق الطلاق بالإقباض أو الأداء: وظاهر المص أنه لا يعتبر قبول الزوجة للتعليق في المجلس خلافا لابن عبد السلام.
والحاصل أنه إن وقع منها الأداء بعد المجلس وقبل الطول لزم الخلع مطلقا عند المص وابن عرفة، وقيد ذلك ابن عبد السلام بتقدم القبول منها في المجلس وإلا لم يلزم عنده، وقد مر أن الطول في يرى أن الزوج لا يجعل التمليك إليه. قاله عبد الباقي. وتحصل من هذا أن الصور ثلاث: وجود القبول والمعلق عليه ناجزين بالمجلس فخلع باتفاق ابن عرفة وابن عبد السلام، الثانية: عدم وجودهما إلى ما يرى ترك الزوجين للتعليق ولا قرينة فلا خلع باتفاقهما، الثالثة: وجود المعلق عليه بعد المجلس مع قرينة على عدم الترك ولم يقع قبول ناجز (١) بالمجلس فلها ذلك عند ابن عرفة ولا خلع عند ابن عبد السلام. قاله عبد الباقي.
وجعل الشبراخيتي من محل الطول في يرى أن المرأة تاركة لذلك كما قدمته عنه. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولا يختص: الضمير المستتر فيه عائد على الإقباض أو الأداء قاله عبد الباقي. وقال: وجعلنا ضمير يختص للإقباض أو للأداء ظاهر، وأما القبول أي قبول الزوجة للتعليق فلا يعتبر هنا، وإنما يناطـ الحكم بوجود المعلق عليه فإن وجد حصل المعلق وإلا فلا، وكلام المص على هذا موافق لابن عرفة. انتهى. وقال الحطاب: قال في إرخاء الستور من المدونة: وإن خالعها على