الخرشي خفا؛ يعني أن السلت والنتر يكونان خفيفين، بأن لا يكونا قويين، ويقلل زمنهما؛ لأن قوة السلت والنتر توجب استرخاء العروق بما فيها، فلا يقطع المادة، ويضر بالمثانة بضم الميم، كما في الخرشي، وربما أبطل الإنعاظ أو أضعفه؛ وهو من حق الزوجة. وتقد أنه يحذر التطويل فيه واستقصاء الأوهام، فيفيد أنه يستقصي ما فيه الظن كالشك إلا أن يكون مستنكحا، وإذا طال عليه الأمر فينبغي له أن يهمز بإصبعه بين السبيلين، فإنه يدفع الحاصل ويمنع الواصل. قاله الشيخ إبراهيم.
واعلم أن النتر وإن كان في الأصل الجذب بقوة المأمور به في الاستبراء منه إنما هو النتر الخفيف، وما تقدم من أن النتر والسلت واجبان هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من أهل المذهب. وفي المختصر وليس على الذي يستبرئ من البول أن ينتفض ويتنحنح، ويقوم ويقعد، ولا يمشي ويستبرئ بغير ذلك. وفي المدخل: ولا يسلت ذكره إلا برفق، فإن ذلك يؤدي إلى أن يصلي بالنجاسة؛ لأن المحل كالضرع إن طالما أنت تسلته يعطي، فيكون ذلك سببا لعدم التنظف وقال في المدخل: يتفقد نفسه في الاستبراء فيعمل على عادته فرب شخص يحصل له التنظف عند انقطاع البول عنه، وآخر لا يحصل له ذلك إلا بعد أن يقوم ويقعد، وذلك راجع إلى اختلاف الناس في أمزجتهم، وفي مأكلهم، واختلاف الأزمنة عليهم، فقد يتغير حاله بحسب اختلاف الأمر عليه، وهو يعهد من نفسه عادة فيعمل عليها فيخاف عليه أن يصلي بالنجاسة أو يتوسوس في طهارته فيعمل على ما يظهر له في كل وقت من حال مزاجه وغذائه وزمانه، فليس الشيخ كالشاب، ولا من أكل البطيخ كمن أكل الخبز، وليس الحر كالبرد. وإذا استنجى فليكن الإناء بيده اليمنى يسكب بها الماء، ويده اليسرى على المحل يعركه، ويواصل صب الماء ويبالغ في التنظيف خيفة أن يبقى معه شيء من الفضلات فيصلي بالنجاسة، وعذاب القبر من هذا الباب. وليس للشخص ذكرا أو أنثى غسل ما بطن من المخرجين، وفي المدخل: وإذا قام يستبرئ فلا يخرج بين الناس وذكره في يده، وإن كانت تحت ثوبه فإن ذلك شوهة ومثلة، وكثيرا ما يفعل بعض الناس هذا، وقد نهي عنه، فإن كانت له ضرورة في الاجتماع بالناس إذ ذاك فليجعل على فرجه خرقة يشدها عليه ثم يخرج، فإذا فرغ من ضرورته تنظف، ويكره أن يشتغل بغير ما هو
стр. 457
فيه من نتف إبط وغيره ليلا يبطأ في خروج الحدث، والمقصود الإسراع في الخروج من ذلك المحل، بذلك وردت السنة، قال الإمام أبو عبد الله القرشي: إذا أراد الله بعبد خيرا يسر عليه الطهارة. وذكر ابن ناجي في جواز القراءة لمن يتنشف ثلاثة أقوال: الجواز والمنع، والثالث الجواز إن لم يبق بيده رطوبة، ذكر هذا الفرع عن بعض أصحابه، قال: ولا أعرفه لغيره، والأقرب المنع، ولا ينبغي أن يختلف فيه. وقال؛ أي بعض أصحابه: وأما الاستنشاف في المسجد فإن لم يتحقق السلامة حرم وإن تحقق السلامة جاز، والأولى أن لا يفعل. قال ابن ناجي: قلت الصواب التحريم؛ لأن فيه إهانة المسجد وهو عندي أشد من دخول النجاسة ملفوفة، وفيها قولان. انتهى تنبيهات الأول: فهم مما تقدم أن السلت والنتر إنما هما لإخراج ما بقي، فإذا تحقق خروجه بغير ذلك كمكثه مدة طويلة بعد البول بحيث تحقق أنه لم يبق فيه شيء يخرجه السلت فإن ذلك يكفي؛ والعلة ترشد إلى ذلك وهو معقول المعنى، وليس من التعبد قاله الشيخ علي الأجهوري. الثاني: إنما وجب الاستبراء اتفاقا من غير جريان القولين المتقدمين في إزالة النجاسة، لأن به يحصل الخلوص من الحدث المنافي للطهارة التي هي شرط من غير قيد اتفاقا، وأما النجاسة فلأنها لمنافية لطهارة الخبث، إذ في وجوبها المقيد بالذكر والقدرة وسنيتها خلاف. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. الثالث: ينبغي للإنسان عند قضاء الحاجة أن يعتبر بما يخرج منه كيف صار حاله فإنه كان طيبا يغالى فيه ويزاحم عليه ويشتهى، فبمجرد مخالطته للآدمي تقذر وصار نجسا يهرب منه ويعاف، وكذلك كل ما يخالطه الآدمي من الثياب النظيفة والروائح الطيبة عن قليل يتقذر ويعاف، وينتبه من ذلك إلى أنه يحذر من مخالطة من لا ينفعه في دينه لأنه يخاف عليه آثار الخلطة؛ وإلى أنه إذا خالطه أحد من المسلمين أن يغير أحدا منهم بسبب خلطته كما يغير كل ما خالطه من الطعام وغيره، وينتبه أيضا إلى أنه لابد أن يرجع هو كذلك، لأنه إذا دفن أكله الدود ثم يرميه من جوفه قذرا منتنا، إلا أن ثمَّ قوما لا يأكلهم الدود وهم الأنبياء، والعلماء: والشهداء، والمؤذنون المحتسبون. فالدرجة الأولى لا سبيل إليها، فيجتهد في تحصيل إحدى الدرجات الباقية. نقله الإمام الحطاب. الرابع: قد مر حديث المعذب في قبره الذي قيل فيه إنه لم يكن يستنتر عند بوله. قال ابن زكري إنه ﷺ (أتى بقيع
стр. 458
الغرقد فوقع على قبرين تربين فقال أدفنتم فلانا وفلانا، أو قال فلانا وفلانة قالوا نعم يا رسول الله، قال قد أقعد فلان الآن فضرب، ثم قال والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع؛ ولقد تطاير قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الجن والإنس ولولا تمريج في قلوبكم وترديدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، قالوا يا رسول الله وما ذنبهما قال أما فلان فإنه كان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه يأكل لحوم الناس، قالوا يا نبي الله حتى متى يعذبان قال غيب لا يعلمه إلا الله (١)). وهذا الحديث روي من طرق كثيرة مشهورة في الصحاح وغيرها، وفي أكثرها أنهما يعذبان في النميمة والبول، والظاهر أنه اتفق مروره بقبرين يعذبان أحدهما في الغيبة والآخر في البول، ومرة أخرى مر بقبرين يعذب أحدهما في النميمة والآخر في البول. والله أعلم. وفي رواية البخاري ومسلم: (مر بقبرين يعذبان فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير، أما أحدهما فإنه كان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله (٢))، وفي مسلم: (فدعا بعسيب نخل فشقه باثنين ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا ثم قال لعله أن يخفف عنهما (٣)). ويحتمل أن يراد بالغيبة؛ الغيبة التي توجد في بعض صور النميمة؛ وهو أن يذكره في غيبته بما يسوءه قاصدا بذلك الإفساد فيحتمل أن يكون الذي يعذب في قبره كان ذلك وقوله: وما يعذبان في كبير؛ يعني في شاق تركه، وقيل في كبير عندكم وهو عند الله كبير، وقيل يعني بكبير: أكبر أي وما يعذبان في أكبر الكبائر، وفي رواية لا يستنزه من النزاهة؛ وهي البعد عن الشر، وفي رواية لا يستنتر؛ وهو الجذب، ومعنى لا يستبرئ أي لا يستكمل استبراءه، إذ قد يخرج ما ينقض وضوءه فيصلي بغير وضوء. عياض: وفيه أن قليل النجاسة وإن كان مثل رءوس الإبر كالكثير وهو قول مالك والكافة إلا ما خففوه من قليل الدم. انتهى.
واعلم أن النميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد. وقال الإمام النووي: هي كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكناية أو
стр. 459
بالرمز أو بإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان ذلك المنقول عيبا ونقصانا من المنقول عنه أو لم يكن. فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، وكل ما رآه الإنسان من أحوال الناس فينبغي أن يسكت عنه إلا أن يكون في حكايته فائدة للمسلمين، أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به لحق المشهود له، فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء سر، فإن كان ما ينم به نقصانا وعيبا في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة، والباعث على النميمة إما إرادة السوء بالمحكي عنه، أو إظهار الحب للمحكي له، أو التفرج بالحديث، أو الخوض في الفضول. وفي الحديث: (لا يدخل الجنة قتات (١)؛ أي نمام رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والمنذري. وقيل النمام الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم وهم يعلمون: والقتَّات الذي يستمع إليهم وهم لا يعلمون، والراجح اتحادهما. والحديث يحتاج إلى التأويل فيحمل على المستحل أوأنه لا يدخلها ابتداء. انتهى. وهذه خصال أذكرها لتحترز منها فإنها تورث سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى. ذكرها في النسرين فقال:
ست خصال أورثت لذي اتسام … بكلها أو بعضها سوء الختام
إدامة الغيبة والنميمه … وكذب على كريم الشيمه
عمدا كذا إدامة الإذايه … للخلق وادعاؤه الولايه
والانتساب قبل تحصيل المنى … إلى شيوخة وإدمان الزنى
وقوله وكذب على كريم الشيمة؛ يعني به النبي ﷺ ، وسيأتي الكلام على الغيبة عند قول المص: وذكر المساوي، وعلى الكذب عند قوله: أو كثير كذب إن شاء الله تعالى. وندب جمع ماء وحجر يعني أن الجمع في الاستنجاء بين الماء والحجر أوما في معناه مستحب، فإن لم يجمع بينهما بأن أراد الاقتصار على أحدهما فإن الماء هو الأفضل، وإلى ذلك أشار بقوله ثم ماء
стр. 460
والمراتب خمس جمع الماء والحجر، ثم جمع الماء مع يابس غير حجر، ثم ماء، ثم حجر، ثم يابس غير حجر. قاله الشيخ الأمير. وكلام المص فيما يباح الاستجمار به مع الاقتصار عليه، وأما ما لا يباح الاستجمار به مع الاقتصار عليه، بل مع الماء بعده فلا يثبت له هذا الحكم. قاله الشيخ عبد الباقي. يعني فلا يكون جمعه مع الماء أفضل من الماء وحده هذا مراده، وفيه نظر؛ لأنه إذا كان جمعه مع الماء جائزا كما نقله الحطاب فيما يأتي عن الشيخ زروق، فالظاهر أن يكون أفضل من الماء وحده. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وكلام المنصف فيما يكتفى فيه بالحجر وهو الدبر مطلقا والقبل من الرجل، وأما ما يتعين فيه الماء فلا يندب فيه جمع الماء والحجر. قاله الشيخ عبد الباقي. وذلك كالمذكورات الآتية، وبول الخصي المقطوع الذكر، والمجبوب؛ ومعتاد خرج من مخرج غير معتاد كثقبة تحت المعدة ولم يستمر، فإن استمر فيصير كالعادة قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: كالعادة؛ أي يصير كالمخرج المعتاد فيكفي فيه الحجر. والله سبحانه أعلم. واقتضى كلامهم أن المقطوع الأنثيين وذكره قائم يكفي في بوله الحجر. والله سبحانه أعلم. وإنما كان الماء هو الأفضل لأنه يزيل العين والحكم. وقوله: "وندب جمع ماء وحجر" كيفية ذلك أن يبدأ بالحجر فيزيل العين، وقد مر كيفية الاستجمار، وبعد الحجر يغسل المحل بالماء، وهو الذي مدح الله به أهل مسجد قباء فسألهم النبي ﷺ عن التطهر الذي مدحهم الله به؛ يعني قوله : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، فقالوا كنا نعتقب الحجر بالماء، فقال: (هو ذاك فعليكموه (١)). انتهى. وشذ بعض الفقهاء فمنع الاستنجاء بالماء العذب؛ قال: لأنه طعام، وقال: لا يجوز الوضوء به وهو قول غريب مخالف للإجماع. قاله الحطاب. وقد مر أن الحجر لا يزيل الحكم وإنما المحل بعده من المعفوات، وظاهر كلام البساطي أنه يزيله.
وتعين في مني يعني أن المني يتعين فيه الماء، ولا يكفي فيه الحجر ونحوه، وهذا فيمن فرضه التيمم لمرض، أو عدم ماء كاف، وخرج على غير وجه السلس أو به، ونقض الوضوء فيما يظهر،
стр. 461
وإلا فكالبول. قاله الشيخ عبد الباقي. والصواب ما في الدردير ونصه، إثر قوله: "في مني" خرج بلذة معتادة؛ وكان فرضه التيمم لمرض أو لعدم ماء يكفي غسله، أو بلذة غير معتادة، أو على وجه السلس: وكان يأتي يوما ويفارق يوما فأكثر، أما إذا كان يأتي كل يوم ولو مرة فلا يتعين فيه ماء ولا حجر لما تقدم في المعفوات. ووقع للشراح هنا سهو ظاهر، وقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي يقتضيه كلام ابن هارون وابن دقيق العيد حيث قالا: إنما وجب الماء في المني لوجوب غسل جميع الجسد فلا يتأتى الاستجمار منه؛ وكذلك دم الحيض والنفاس. انتهى. هو أنه ألا يتعين الماء إلا فيما أوجب الغسل؛ فإن أوجب الوضوء أو التيمم فلا يتعين كالذي لم يوجب شيئا. والله أعلم. وظاهر نصوص غيرهم كظاهر نص المنصف إطلاق تعين الماء في المني؛ بل تعليل الجواهر المني والذي بما فيهما من اللزوجة [التي (١)] توجب نشرهما بالحجر صريح في ذلك. انتهى. وحيث تعين الماء في مني فلا يجب غسل ذكره كله؛ لأن غسله في الذي إما تعبد، أو لقطع أصل الذي كما يأتي، وكلاهما منتف خلافا لما ذكره الشيخ بركات الحطاب عن والده من وجوب غسله كله بنية. قاله الشيخ عبد الباقي. والشيخ بركات هذا: شقيق الحطاب، شارح المختصر؛ وتلميذه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقد علمت أن قول المنصف: "وتعين في مني" شامل بحسب ظاهره لكل مني خرج على أي وجه، وأن عبد الباقي خصصه بما إذا خرج بلذة معتادة ممن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف، فإن خرج بلا لذة بل سلسا أو بلذة غير معتادة فكالبول إن لم يوجب وضوءا؛ فإن أوجبه تعين فيه الماء فيما يظهر. قال: وأما صحيح وجب عليه غسل جميع جسده ووجد الماء الكافي فيغسل جسده وإن مغ يرتفع الحدث والخبث. انتهى. وقد مر بحث بناني معه.
وحيض ونفاس يعني أن الحيض يتعين فيه الماء، ومثله النفاس، ويجري فيهما ما جرى في المني، ولو اقتصر على الحيض أغناه عن النفاس؛ لأنه أصله؛ أو لأنهما أخوان كالظرف والجار والمجرور في علم النحو. قاله الشبراخيتي. وقال الشيخ أبو بكر وغيره: ويجزئ الاستجمار في
стр. 462
الحصى والدود إذا خرجا ببلة كثيرة وبغيرها فكالريح، وعفي عن خفيف يلة. قاله الشيخ عبد الباقي وغيره. وفي الحطاب: فإن تخيل فيه أدنى بلة فذلك مما يعفى عن قذره، فإذا خرجا ببلة ظاهرة أي كثيرة فيجب الاستنجاء، ويكفي الاستجمار. انتهى.
وبول امرأة يعني أن بول المرأة يتعين فيه الماء لتعذر الاستجمار في حقها، وكذلك الخصي. نقله في الذخيرة عن سند؛ لأن شأنه الانتشار، قال الشيخ إبراهيم: والظاهر أن المراد بالخصي المجبوب؛ ومن قطع ذكره فقط، وأما من قطع أنثياه فالظاهر أنه كغير الخصي. ورخصة الاستجمار مختصة بمحل البول والغائط دون سائر الجسد، فإذا خرجت النجاسة من سائر الجسد عدا المخرجين أمر بالغسل، وهذا قول الجماعة، ولو انفتح مخرج آخر للخبث فالظاهر أنه يستجمر فيه إذا استمر وصار كالمعتاد. انتهى قاله في الطراز. قال الإمام الحطاب: وهذا ظاهر إن كان المنفتح تحت المعدة وانسد المخرجان، فإن كان فوق المعدة أو لم ينسد المخرجان فالظاهر أن ذلك يجري على الخلاف الآتي: فعلى القول بالنقض يكفي فيه الاستجمار، وعلى القول بعدم النقض فلا يكفي. انتهى. وقوله: "وبول امرأة" خرج على غير وجه سلس أو به ونقض الوضوء وإلا كفى فيه استجمار، وتغسل المرأة كل ما يظهر من فرجها عند جلوسها للبول كغسل اللوح إن كانت ثيبا، فإن كانت بكرا غسلت ما دون العذرة كما في الحيض، ولا تدخل المرأة يدها بين شفريها كفعل اللاتي لا دين لهن. قاله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: تفريقه بين الثيب والبكر فيه نظر بل التفريق بينهما إنما ذكره صاحب الطراز في الحيض والنفاس خاصة، واختار في البول الإطلاق، ويحرم إدخال إصبع بدبر لرجل أو امرأة، ولا يقال الحقنة مكروهة فما الفرق؛ لأن الحقنة شأنها أن تفعل للتداوي. وقال الشيخ زروق عند قول الرسالة: وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين؛ أي ولا له ذلك؛ لأنه يضر به ويشبه اللواط في الرجل، والسحاق في المرأة.
ومنتشر عن مخرج يعني أن ما انتشر من البول والغائط عن الخرج انتشارا كثيرا يتعين فيه الماء فلا يكفي فيه الحجر، والكثير ما زاد على ما جرت العادة بتلويثه دائما أو غالبا، وذكر الشيخ على الأجهوري أنه يتعين الماء في جميع ذلك يعني في الزائد وغيره، وينبغي مراعاة عادة كل
стр. 463
شخص. قال الشيخ إبراهيم: وهذا يعني قول المنصف: "ومنتشر عن مخرج كثيرا" يغني عن قوله: "وبول امرأة" لكن مقصوده التنصيص على أعيان السائل. انتهى.
ومذي يعني أن المذي يتعين فيه الماء فلا يكفي فيه الحجر، وهذا إذا خرج على غير وجه السلس، وإلا فينبغي أن يجري فيه ما جرف في المني وقال الدردير: ومذي خرج بلذة، وإلا كفى فيه الحجر ما لم يكن سلسا لازم كل يوم ولو مرة، وإلا عفيَ عنه كما تقدم، هذا هو التحقيق. بغسل ذكره كله يعني أن من خرج منه مذي يتعين في حقه الماء، ويجب عليه أن يغسل ذكره كله. محل الأذى وغيره عند الأكثر. ففي النية خبر عن قولان الآتي، يعني أن صاحب المذي اختلف في وجوب النية عليه عند غسله لذكره بناء على أنه تعبد في النفس وهو الصحيح، فكان ينبغي للمص الاقتصار عليه وعدم وجوبها بناء على أن غسل الذكر ليس تعبدا، بل لقطع أصل المذي، وإن كان فيه شائبة التعبد، وإلا لاقتصر على محل الأذى، والقولان مفرعان على وجوب غسله كله كما هو صريح ألفاظه. قاله الشيخ عبد الباقي. والقول بوجوب النية للأبياني، ومقابله لابن أبي زيد. قاله الشيخ إبراهيم. قال: وينبغي أن يكون غسل الذي مقارنا للوضوء. انتهى. وبطلان صلاة تاركها يعني أنه إذا قلنا بوجوب النية فغسله بغير نية، فهل تبطل صلاته لترك النية أو لا تبطل مراعاة للخلاف؟ في ذلك قولان، قال ابن بشير: واختلف القائلون بغسل جميعه هل يفتقر إلى نية أم لا؟ ثم قال: واختلف القائلون بافتقاره إلى نية، لو غسله بلا نية وصلى هل يعيد أو لا؟ ومقتضى إيجاب النية أن يعيد الصلاة، وترك الإعادة مراعاة للخلاف وبما قررت علم أن هذين القولين مفرعان على القول بوجوب النية، وقيل إنهما مرتبان على القولين في الفرع قبله: فالذي يقوك هنا بالبطلان بناه على وجوب النية، والذي يقول بعدم البطلان بناه على عدم وجوبها، نص على هذا غير واحد.
أو تارك كله يعني أن من أمذى وترك غسل كل الذكر بأن غسل بعضه ولو محل الأذى، اختلف هل تبطل صلاته وهو قول الأبياني؟ أو لا تبطل صلاته وهو قول يحيى بن عمر؟ وسواء غسل ذلك البعض بنية أو غسله بغير نية فالخلاف جار في الصورتين. قولان أي في ذلك قولان راجع للمسائل الثلاث. كما علم مما قررت؛ وهو مبتدأ، وخبره: "ففي النية". كما مر قال في التوضيح:
стр. 464
واختلف في بطلان صلاة من ترك غسل جميع الذكر، فقال يحيى بن عمر: لا يعيد ويغسل ذكره لما يستقبل، وقال الأبياني: يعيد أبدا، وأجراه بعض المتأخرين على أن غسل الجميع واجب أو مستحب، وفيه قول ثالث: أنه يعيد في الوقت. واستقرأ بعض المتأخرين من المدونة أنه يغسل الذكر عند إرادة الوضوء، فإن غسله قبل ذلك لم يجزه، وهو استقراء فيه بعد، ولا يلزم غسل الأنثيين من المذى إنما يلزم غسل الذكر خاصة، والأقسام خمسة: غسله كله بنية صحت اتفاقا، عدم غسله بالكلية بطلت قطعا، غسل بعضد ولو محل الأذى فقط بنية أولا فقولان متساويان، غسله كله بلا نية صحت على الراجح كان الترك في جميع ذلك عمدا أولا، وعلى الصحة في غسل البعض يغسله لما يستقبل وهل يعيد في الوقت أولا إعادة عليه؟ قولان. وقد مر أنه ينبغي أن يكون غسل المذي مقارنا للوضوء. واعلم أن المرأة كالرجل إلا أنها تقتصر علي محل الأذى فقط ولا تفتقر لنية. وقال الفيشي: الظاهر افتقارها لنية. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولا يستنجى لمن ريح يعني أن الريح لا يستنجى منه كراهة لخبر: (ليس منا من استنجى من الريح (١))؛ أي ليس على سنتنا، وكذا حصى ودود ولو ببلة، وللأبهري وعبد الوهاب: يستنجى منهما معها، وفي الطراز: أن الدم لا يكفي فيه الاستجمار ولابد فيه من الماء. وقال الشيخ أبو بكر وغيره: يجزئ فيه الاستجمار، وقوله: "ولا يستنجى من ريح" هذا قول فقهاء الأمطار، وذكر عبد الوهاب أن قوما يخالفون في ذلك كأن القائل بذلك يرى أن الريح تنقل أجزاء من النجاسة تدرك بحاسة الشم، ووجه المذهب أن الريح ليس بنجس، ولو وجب منه الاستنجاء لوجب غسل الثوب؛ لأنه يلقاه. قاله الإمام الحطاب. والاستنجاء هو إزالة النجاسة الخارجة من المخرجين أو أحدهما بالماء المطلق عن ظاهر المحل الذي خرجت منه، مأخوذ من نجوت العود إذا قشرته فكأن المستنجي يقشر ما على المحل لمن النجاسة وقيل مأخوذ من النجا وهو التخلص؛ لأن الإنسان يتخلص به لمن درن المحل، وأما الاستجمار فقيل مأخوذ من الجمار؛ وهي الحجارة.
стр. 465
وقيل من التجمير وهو البخور؛ لأن الحجر يطيب المحل، والاستجمار هو مسح المخرج من بالأذى بجامد طاهر منق غير مؤذ ولا محترم. ويطلق الاستنجاء على الاستجمار. قاله الشيخ ميارة.
وجاز بيابس فاعل جاز ضمير يعود على الاستجمار المفهوم من قوله: وندب جمع ماء وحجر. قال الشيخ إبراهيم وغيره. وقال الشيخ أحمد: فاعل جاز ضمير يعود على الاستنجاء، وهو يطلق على إزالة ما في المحل بالماء أو بالأحجار فأعاد الضمير عليه باعتبار المعنى الثاني، والأمر في ذلك واضح. انتهى. ومعنى كلام المصنف أن الاستجمار يحصل بكل ما اجتمعت فيه هذه الأوصاف المذكورة؛ وهى أن يكون يابسا إلى آخر الأوصاف الآتية، وهذا هو المشهور، ومقابله قصر الاستجمار على الأحجار، قاس المشهور كل جامد على الحجر؛ لأن القصد الإنقاء؛ ورأى الآخر أن ذلك رخصة يقتصر فيها على ما ورد. والصحيح الأول؛ لآن الرخصة في الفعل لا في المفعول به وتعليله ﷺ الروثة بأنها رجس (١) يقتضي اعتبار غير الحجر؛ وإلا لعلل بأنها ليست بحجر، رواه البخاري؛ وروى الدارقطنى أنه ﵊ قال: (إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد أو ثلاثة أحجار أر ثلاث حثيات من تراب (٢)) ولا دليل لمقابل المشهور في قوله ﷺ : (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار (٣)) لأن مفهوم اللقب لم يقل به إلا الدقاق. ونحوه لابن راشد؛ وإنما ذكر الأحجار لكونها أكثر وجودا. قاله الإمام الحطاب. وجميع أجزاء الأرض كالحجر؛ وفي الطراز: المتفق عليه ما كان من أنواع الأرض من حجر أو مدر أو كبريت أو نحو ذلك، وأما ما ليس من أنواع الأرض كالخزف والخشب وشبهه فمنعه داوود ومنعه أصبغ من أصحابنا. فإن فعل أعاد في الوقت. انتنهى. وقال التلمساني بعد أن ذكر المشهور: ذهب أصبغ من أصحابنا إلى أنه لا يجوز الاستجمار إلا بالأحجار وما في معناها من جنس الأرض؛ وأما ما ليس من جنس الأرض فلا يجوز الاستجمار به؛ فإن فعل أعاد في
стр. 466
الوقت. انتهى. وظاهر كلام التوضيح أن أصبغ يخالف في غير الأحجار، وإن كان من جنس الأرض وليس كذلك.
واعلم أن مالكا وغيره يستحب الحجارة وما في معناها وما هو من جنسها، وفي الرسالة: ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر. والمدر الطوب. وقال الخليل: المدر الطين اليابس وغيره مما في معناه؛ واحترز المنصف بقوله: "يابس" من المائعات والأشياء المبتلة؛ لأن الرطوبة تمشر النجاسة، وشمل كلام المنصف الخرق والصوف غير المتصل بالحيوان؛ وأما صوف متصل بحيوان أو جزؤه أي الحيوان المتصل به فيكره بهما لما يتقى من إصابة النجاسة لغيره فيستثنيان من كلامه؛ والظاهر أنه يجوز استجمار شخص بيد آخر تجوز مباشرته لذلك المحل كزوجة برضاها، وكزوج برضاه، وكجارية لرجل. وفي الحطاب عن المدخل: يجبر على شراء أمة تفعل له الاستنجاء إذا كان سمينا لا تصل يده إلى عورته أي فله جبرها إلا أن تتضرر، كذا ينبغي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: إن المصنف يشمل النخالة بالخاء المعجمة الخالصة من أجزاء الطعام. انتهى. والذي في ابن مرزوق: والنحالة بالمهملة، وهو الذي يسقط من الخشب إذا ملسة النجار أو خرطه، والسحالة بالسين ما يخرج عند نشره بالمنشار، ثم بحث في النخالة بالمعجمة يأنها لا بد فيها من بقايا الطعام، وأيضا تعلق بها حق فإنها علف الدواب، وإذا احترم علف دواب الجن فأحرى علف دواب الإنس. انتهى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وفي قوله: وإذا احترم علف دواب الخ بحث لاقتضائه أن العيدان من الشجر التي ترعاها البهائم لا يستجمر بها. والله سبحانه أعلم. وشمل المصنف أيضا الحكمة؛ وهي الفحم فيجوز الاستجمار بها على ظاهر المذهب كما في شرح الجلاب ونحوه لسند، وجزم به في الشامل، وقيل يكره، وقيل يحرم، وهو أضعف مما قبله. قاله الشيخ عبد الباقي.
طاهر يعني أنه لا بد فيما يستجمر به أن يكون يابسا طاهرا، والمراد بالطاهر ما يباشر به المحل فلو كان في أحد جانبي الحجر نجاسة جاز الاستجمار بجانب الحجر الآخر كما في لحطاب. وفي ابن حجر أو القسطلاني: يجوز بلا خلاف. منق يعني أنه لا بد فيما يستجمر به أن يكون مع الوصفين السابقين منقيا للمحل من الأذى، وأما ما لا يتأتى به الإنقاء فلا يستجمر به، وسيأتي
стр. 467
محترزه -قريبا إن شاء الله- مع بقية المحترزات. غير مؤذ يعني أن ما يستجمر به لا يكون مؤذيا. وأما المؤذي فلا يجوز الاستجمار به كما يأتي. ولا محترم بضم الميم وسكون الحاء وفتح التاء والراء؛ أي شيء شريف له حرمة؛ أي يستحق أن يوقر ويعظم. فهذه خمسة أوصاف لا بد للمزيل منها جميعا؛ وهي اليبس، والطهارة والإنقاء. وكونه غير موذ، وكونه غير محترم. فلا بد في الجواز من اجتماعها كلها في المزيل: ولا يكفي بعضها.
لا مبتل هذا محترز قوله: "يابس"؛ يعني أن المبتل لا يجوز الاستجمار به. ونبه به على أن المائعات أحرى فلا يصح الاستجمار بها؛ لأن الرطوبة تنشر النجاسة. فإن استجمر بمبتل أو مائع فإنه لا يجزئه ذلك. ويجب غسل المحل بالماء بعد ذلك. ولا يكفي الاستجمار. فإن صلى قبل غسله عامدا أعاد أبدا. قال الشيخ إبراهيم. ونجس هذا محترز قوله: "طاهر"، يعني أن النجس لا يجوز الاستجمار به ولا يصح. والمراد بالنجس ما يباشر به المحل. وأما إن كان بموضع منه نجاسة وفيه موضع آخر طاهر ومسح به فإن ذلك يجزئه بلا خلاف كما مر. وما قيل في الاستجمار بالمبتل يقال في الاستجمار بالنجس. قاله الشيخ إبراهيم. وأملس هذا محترز قوله: "منق"؛ يعني أن الأملس لا يجوز الاستجمار به ولا يصح لكونه لا يتأتى به الإنقاء، وذلك كالزجاج الذي ليس بمحرق. ومحدد هذا محترز قوله: "غير مؤذ"؛ يعني أن المحدد من كل شيء لا يجوز الاستجمار به لكونه مؤذيا مضرا لصاحبه، وذلك كالزجاج المحرق ونحوه من كل محدد ومحترم هذا محترز قوله: "ولا محترم"؛ يعني أن الشيء المحترم أي الذي له حرمة أي وصف يحرمه أي يمنعه من الامتهان ويثبت له استحقاق التوقير لا يجوز الاستجمار به، ويكون الشيء هنا محترما بأحد أمور ثلاثة: بطعمه أو شرفه أو تعلق حق الغير به، وبينه بقوله من مطعوم من هنا: تبيينة؛ يعني أن الشيء الذي يطعمه الآدمي ولو أدوية أو عقاقير لا يجوز الاستجمار به، وشمل نخالة لم تخلص من دقيق، وملحا وورقا فيه النشا ومكتوب هذا هو المحترم لشرفه؛ يعني أن المكتوب ورقا أو غيره لا يجوز الاستجمار به لحرمة الحروف، ولو باطلا كسحر وتورية وإنجيل مبدلين؛ لأن فيهما أسماء الله، وأسماؤه لا تبدل، إنما الباطل ما فيهما من التحريف. وسواء كان المكتوب بالخط العربي أو بغيره، ويجوز حرقهما وإتلافهما أي
стр. 468
التورية والإنجيل المبدلين ولا تجوز إهانتهما لمكانة تلك الأسماء كما في الحطاب. وذكر الدماميني أنه يمنع الكافر من كتب الفقه والعربية لما فيها من أسماء الله وآياته؛ وهو حجة للمازني في امتناعه من إقراء الكافر كتاب سيبويه، وفيه دليل على احترام كتب التفاسير بالأولى لأنها حق، ولكن لا يبلغ إلى إيجاب الطهارة لمسها وإن كان الأولى ذلك، ومقتضى الدماميني اختصاص الحرمة بما فيد اسم من أسماء الله تعالى. وفي المدخل وابن العربي أن ما فيه اسم نبي كذلك، وبين المحترم الثالث بقوله وذهب وفضة يعني أن الذهب والفضة يحرم الاستجمار بهما، ومثلهما الياقوت والجوهر والبلور غير المصنوع، ويدخل المصنوع تحت قوله: "وأملس" وجدار هذا أيضا مما لا يستجمر به لتعلق حق الغير؛ يعني أن الاستجمار لا يجوز بالجدار حيث كان لمسجد أو وقف أو ملكا لغيره مطلقا كنفسه من جهة ممر الناس لحرمة ذلك، وأما جدار نفسه من داخل فيكره الاستجمار به ولا يحرم، وكره مخافة تلوثه هو أو من يستند إليه عند إصابة المطر مثلا لا لكونه محترما. قاله السنهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. وظاهر النقل الكراهة في قسمي جداره. قاله غير واحد.
وروث وعظم يعني أن الروث والعظم لا يستجمر بهما مطلقا سواء كانا طاهرين أو نجسين، لكن إن كانا نجسين حرم الاستجمار بهما، وإن كانا طاهرين كره الاستجمار بهما. وإنما نهي عنهما؛ لأن الروث طعام دواب الجن، والعظم طعامهم. وفي البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (لا تأتني بروث ولا عظم (١))]، وقوله: لا مبتل إلى آخره كلام صادق بالحرمة والكراهة، والحكم الحرمة في الجميع إلا الروث والعظم الطاهرين، وجدار نفسه قاله غير واحد. وقال الشيخ الأمير: يحرم محدد اشتدت إذايته وإلا كره، ووجه الحرمة في النجس وإن كان التضمخ بالنجاسة لا يحرم في غير الصلاة أن هذا فيه استعمال النجس. وقد مر للمصنف: "لا نجس". قاله الشيخ عبد الباقي. ومحل الحرمة والكراهة في الجميع حيث اقتصر على الاستجمار به، فإن قصد أن يتبعه بالماء جاز إلا المحترم بأنواعه الثلاثة، ولا يقال لم لا يندب، لقوله فيما
стр. 469
مر: وندب جمع ماء وحجر"؛ لأنا نقول ذلك في جمع الماء به كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر بحث بناني معه، وفي حديث أبي داوود: (قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا يا محمدُ انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روث أو حممة فإن الله جاعل لنا فيها رزقا] (١) فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وفي الحطاب عن ابن عرفة ما يفيد أن العلة في منع الاستجمار بالذهب والفضة ونحوهما هي الشرف. وقال في المدخل: وقد رأيت عيانا بعض الناس استجمر في حائط فلسعته عقرب كانت هناك على رأس ذكره. ورأى من ذلك شدة عظيمة. انتهى. نسأله الله السلامة. ونقل اللخمي في الاستجمار بالروث والعظم الطاهرين والنجس الجامد قولين بالجواز: والكراهة، وقد تقدم ذكر الخلاف في الحممة، قال ابن الحاجب: الأصح فيها عدم الجواز، وقال في الإكمال: المشهور عن مالك النهي عن الاستجمار بالحممة. وقال التلمساني: ظاهر المذهب الجواز والنقل يؤيده، في التوضيح: قيل وإنما منعت الحممة لأنها تسود المحل ولا تزيل النجاسة. فقد رجح كل من القولين. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وجاز بيابس" الخ يشمل التراب. وفي الإكمال: ويستجمر بالأرض. قاله الحطاب. وفيه "ويجوز الاستجمار بالآجر. وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن بناني أن الخزف بالزاي هو الآجر وفي الحطاب عن ابن هارون في شرح المدونة ما نصه: قالوا ويجوز الاستجمار بالآجر والخزف والتراب وشبه ذلك من الطاهر؛ (لأنه ﵊ استنجى بالرخص)). انتهى.
فإن أنقت أجزأت، يعني أنه إذا ارتكب أمر النهي واستجمر بهذه الأشياء التي لا يستجمر بها فإنه تجزئه بشرط أن تكون قد أنقت المحل من الأذى، وخرج من ذلك المبتل والأملس والنجس؛ إذ لا يتأتي بها الإنقاء بل تزيد في انتشار النجاسة. قاله الشبراخيتي وقد مر عن الشبراخيتي. أنه إذا استجمر بالمبتل والنجس وجب عليه غسل المحل بالماء لا يكفيه الاستجمار، فإن صلى عامدا قبل أن يغسله أعاد أبدا، ومحل عدم الإجزاء بالنجس إذا كان يتحلل منه شيء كعظم الميتة الرطب الذي تبقى رطوبته: وروث يتفتت فإن كان لا يتحلل منه شيء وأنقى المحل فإنه
стр. 470
يجزئ كما نص عليه الشيخ عبد الباقي. وقال صاحب الطراز: ولو علقت به رطوبة الميتة أو تفتتت الروثة على المحل تعين الغسل. انتهى. يعني أنه يتعين غسل المحل بالماء ولا يكفي الاستجمار، ولو استجمر بعد ذلك بشيء طاهر. قاله الإمام الحطاب. وفي البيان: وإن استنجى بما فيه رطوبة من النجاسات أعاد في الوقت قولا واحدا انتهى. وقوله: يعيد في الوقت، يريد إذا صلى بذلك ناسيا، وإما إذا تعمد ذلك فيعيد أبدا. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وفي الحطاب أنه إذا قصد إزالة عين النجاسة من المحل ليغسلها بعد ذلك فإنه يزيلها بكل ما يمكن أن تزال به مما ليس له حرمة أو فيه إذاية، وليس مائعا ولا مبلولا ليلا ينشر النجاسة. والله أعلم. انتهى. كاليد يعني أن اليد تجزئ إن أنقت فهو تشبيه في الإجزاء حيث حصل إنقاء فإن لم يجد غيرها ندب الاستجمار بها إن قصد إتباعها بالماء فإن قصد الاقتصار عليها فواجب أو سنة على حكم إزالة النجاسة. ويؤمر بغسل النجاسة من يده كما في الحطاب: وإن وجد ما يستجمر به غيرها جاز الاستجمار بها إن قصد إتباعها بالماء، وكره اقتصاره عليها. قاله الشيخ علي الأجهوري. قال الشيخ عبد الباقي. وانظر لم جاز الاستجمار بها حالة وجود غيرها يستجمر به، والحال أنه أراد إتباعها بالماء مع كونه تلطخا بنجاسة، وهو مكروه كما مر. وقال الشيخ الأمير: وحرم إدخال أصبع في دبر أو فرج إلا أن يتعين لزوال الخبث. انتهى.
تنبيهات: الأول: قوله: "كاليد" قد مر أنه يؤمر بغسل النجاسة من يده بعد الاستجمار لا قبل ذلك ليلا تنتشر النجاسة بالرطوبة. وقوله: "فإن أنقت أجزأت" وهل يعيد في الوقت أم لا؟ قولان: القول بالإعادة في الوقت لأصبغ، والقول بعدم الإعادة لابن حبيب.
الثاني: إذا قلنا إنه يستجمر باليد فهل بأصبعه الوسطى أو بالبنصر؟ قولان ويجريان في الاستنجاء بها فيما يظهر، ولا يستنجي ولا يستجمر بسبابته. قاله الشيخ عبد الباقي. وإنما يفعل هذا باليسرى، وأما اليمنى فيكره الاستنجاء والاستجمار بها، فإن ارتكب المكروه واستنجى باليمنى أجزأه. وقال أهل الظاهر: لا يجزئه ومقتضى ما في الإكمال عن بعض شيوخه أن الإنقاء باليد لا يكفي فمنهم من زاد في شروط المزيل أن يكون منفصلا احترازا من يد نفسه. قاله الإمام الحطاب. الثالث: رد المنصف بقوله فإن أنقت أجزأت قول الإمام الشافعي: إن من استجمر
стр. 471
بروث أو عظم لا يجزنه ذلك. وعلم مما مر عن الحطاب أن محل الحرمة والكراهة في جميع ما مر من قوله: "لا مبتل" الخ حيث اقتصر على الاستجمار به، وأما إن قصد أن يتبعه بالماء فإنه يجوز إلا المحترم بأقسامه الثلاثة والمحدد والناشر للنجاسة كالمائع والمبتل. والله سبحانه أعلم. ودون الثلاثة يعني أنه يكفي في الاستجمار ما دون الثلاث حيث حصل به الإنقاء، ويستحب الإيتار إن أنقى بالشفع كما مر. وما ذكره المنصف من أن الواجب الإنقاء دون العدد هو المشهور فإن الحديث محمول على الندب. وقال ابن شعبان وأبو الفرج بوجوب الإنقاء والعدد، وعلى المشهور فإن أنقى بحجر أو بحجرين أجزأ لكن يستحب التثليث، فإن لم يُنْق بالثلاث وأنقى بأربع ندب الخامس للوتر: فإن لم ينق بخمس وأنقى بست استحب السابع ثم المطلوب الإنقاء. واعلم أن النية هي أصل كل خير إذا كانت جميلة، فقد ذكر في المدخل في قضاء حاجة الإنسان الذي هو أهون الأمور ومن الضروريات نيفا وسبعين خصلة فإذا نواها الإنسان حين خروجه للخلاء يحصل له نيف وسبعون حسنة، فإذا منعه مانع من فعلها فقد ربح تلك الحسنات في نيته، وإذا فعلها حصلت له سبعمائة حسنة ونيف لحديث الصحيحين: (من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتب له عشر حسنات (١))].
стр. 472
فصل يذكر فيه نواقض الوضوء، والنواقض جمع ناقض، وناقض الشيء ونقيضه ما لا يمكن اجتماعه معه، ومعنى النقض هنا رفع استمرار الطهارة لا أن الطهارة ارتفعت من أصلها فيبطل ما فعل بها من الصلوات، وإنما المراد به أنه انتهى حكم الطهارة عند وجود هذا الناقض وأخرها عن الوضوء لأنها طارئة عليه، والطارئ على الشيء متأخر عنه، وهي ثلاثة أحداث وأسباب وغيرها كالشك في الحدث والردة أعاذنا الله منها، وأشار المصنف إلى النوع الأول بقوله نقض الوضوء بحدث الباء سببية، قاله التتائي، يعني أن الوضوء ينقض بالحدث؛ بمعنى أنه إذا خرج الحدث من المتوضئ فإنه يمنع من الصلاة ونحوها من كل ما يتوقف فعله على الطهارة، قال الإمام التتاني: روينا نقض عمن أخذنا عنه بالبناء للمفعول، والوضوء نائب الفاعل، ورأيت بخط ابن الفرات أحد تلامذة المؤلف ضبطه بالقلم مصدرا مضافا للفاعل، وهو حسن، والحدث هو ما ينقض الوضوء بنفسه: وبينه المصنف بقوله: وهو الخارج المعتاد يعني أن الحدث هو الخارج المعتاد من المخرجين القبل والدبر فيشمل البول والغائط والمذي والودي والريح من دبر لا من قبل، ويشمل أيضا المني الخارج من فرج المرأة بعد الوطء وكانت اغتسلت بعده أو توضأت ونوت رفع الأصغر، ثم أرادت رفع الأكبر فينتقض الأصغر بخروجه لجري العادة بأن ما تحمل منه لا يخرج منه شيء، وما لا تحمل منه يخرج غالبه مع الذكر أو بعده، فصار خروجه معتادا في الغالب بهذا المعنى. فإن دخل فرجها بغير وطء لم ينقض خروجه، وإنما بين المراد بالحدث هنا لأن الحدث يطلق على أربعة معان وخرج بقوله: "الخارج" الحقن، والقرقرة الشديدان، والداخل من أصبع وغيره، ولا يعترض بمغيب الحشفة؛ لأنه لا يسمى حدثا ولئن سلم تسميته بذلك فالمراد الحدث الأصغر الموجب للطهارة الصغرى. وما ذكره صاحب العزية من النقض بالقرقرة الشديدة تبع فيه ابن زرب وهو ضعيف. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "الخارج" لا المنع ولا الوصف الحكمي، وقوله: "الخارج" المراد خروج الخارج كما هو ظاهر، وقوله: "الخارج"، أي بالفعل لا إن لم يبرز كما لو كان وسط الذكر كما يأتي عند قوله: بمني. قوله: في الصحة متعلق بقوله الخارج، واحترز به عن السلس كما يأتي. قاله غير واحد. وقال بناني: متعلق بقوله: "المعتاد"، يعني أن الخارج المعتاد خروجه في الصحة ينقض الوضوء والمراد ما اعتيد جنسه فإذا خرج البول
стр. 473
غير متغير فإنه ينقض الوضوء؛ لأن جنسه معتاد للخروج وإن لم يكن هو معتادا، هذا معنى ما قاله الشيخ محمد بن الحسن وقال: وليس قوله: "في الصحة" صفة للخارج وإلا لاقتضى عدم النقض بالمعتاد إذا خرج في المرض، وليس كذلك انتهى.
لا حصى يعني أن الوضوء ينتقص بالحدث لا بالحصى فهو عطف على قوله: بحدث، ويصح أن يكون عطفا على قوله المعتاد انظر حاشية الشيخ بناني. والمراد بالحصى المتخلق في البطن، وأما من ابتلع حصاة ونزلت منه كما هي فإنها تكون ناقضة كماء شربه ونزل منه بصفته. ودود يعني أن من توضأ وخرج منه دود لا ينتقض وضوؤه فهو عطف على قوله: "لا حصى"، وسواء خرج الدود من القبل أو من الدبر فإنه لا ينقض: وكذلك الدم لا ينقض الوضوء خرج من قبل أو دبر من ذكر أو أنثى. وقد تقدم أن الحصى والدود لا يستجمر منهما كالريح إن خرجا بغير أذى أو بأذي خفيف، فإن خرجا بأذى ظاهر؛ أي كثير، وجب الاستنجاء أو الاستجمار. وأما الدم فلا بد فيه من الماء. وقال أبو بكر: يكفي فيه الاستجمار. والله سبحانه أعلم. ولو خرج الولد جافا بغير دم فهل ينتقض الوضوء؟ قولان مبنيان على القولين في وجوب الغسل. وقوله: "لا حصى ودود" قد علمت أنهما ليسا بحدث لعدم اعتيادهما. والله سبحانه أعلم.
ولو ببلة يعني أن الحصى والدود لا ينقضان الوضوء ولو خرجا، والحال أنه عليهما بلة من المخرجين؛ أي أذى فالمراد بالبلة الأذى من غائط أو بول مثلا لا الطراوة، ولو عبر بالأذى لكان أظهر، وقوله: "ببلة" بكسر الباء، والباءُ الجارة للمصاحبة. قاله الشبراخيتي. وإنما لم ينقض الأذى هنا مع أنه من الخارج المعتاد؛ لأنه تبع لما لا نقض به. قال الشيخ عبد الباقي: ومثلهما -يعني الحصى والدود في عدم النقض- دم وقيح خالصين من الأذى وإلا نقضا، والفرق أن حصول البلة البلة مع الحصا والدود شأنه أن يغلب بخلاف حصولها مع دم وقيح. انتهى. قال الشيخ الأمير: وأقره الأشياخ، وفي بناني: التسوية بينه وبين الدود نقلا، وأما لو كانت العادة تنسب الخروج للمعتاد أصالة لكثرته جدا مع الحصا نقض. انتهى. ويعفى عن غسل ما خرج مع الحصا والدود من الأذى حيث كان مستنكحا، وإلا وجب غسله وهذا إن كثر، وإلا عفي عنه مطلقا كان مستنكحا أم لا كما مر. وإذا جب غسله لكثرته بطلت له الصلاة ولم يبطل الوضوء، وللشيخ الأمير:
стр. 474
قل للفقيه ولا تغررك هيبته … شيء من المخرج المعتاد قد عرضا
فأوجب القطع واستنجى المصل له … لكن به الطهر يا مولاي ما انتقضا
والحصا والدود طاهرا العين على المنقول، وبه صرح الباجي فقال: لا يستنجى منه كالريح، فإن خرج عليهما بلة فمتنجسان لا نجسان، وظاهر المصنف كغيره أن الحصا والدود لا ينقضان ولو خرجا مع بلة، ولو قدر على رفعهما فليسا كالسلس؛ لأن السلس ناقض باعتبار أصله. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ولو ببلة" أشار بلو للخلاف، فإن المسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدها لا وضوء عليه خرجت الدود نقية أم غير نقية وهو المشهور في المذهب، والثاني عليه الوضوء إلا أن تخرج نقية، والثالث أن عليه الوضوء وإن خرجت نقية.
وبسلس فارق أكثر يعني أن السلس ينقض الوضوء حيث فارق أكثر الزمن، ومفهومه أنه لو ساوى بأن فارق نصف الزمن ولازم نصفه لا ينقض الوضوء، وهو كذلك كما شهره ابن رشد، وكذا لو لازم أكثر الزمن أو لازم جميع الزمن بالأولى. وجعل غير واحد قوله: "وبسلس" محترز قوله: "في الصحة" ومحل هذا التفصيل حيث لم يقدر على رفعه ولو تسبب في حصوله، فإن قدر على رفعه نقض من غيره تفصيل كما يأتي قريبا إن شاء الله. وسواء في ذلك كان السلس مذيا أو وديا أو بولا أو غائطا أو ريحا أو استحاضة أو منيا كما نص عليه غير واحد. وفي المنتقى: سلس المني لا يجب منه الوضوء، وقال الشيخ زروق: قد يخرج المني بلا لذة ولا إنعاظ وهذا لا يجب به شيء على المشهور. انتهى نقله الإمام الحطاب. وقال: هذا -والله أعلم- مني السلس. وقوله: "وبسلس" هو من عطف الخاص على العام كما في الشبراخيتي.
كسلس مذي قدر على رفعه لا خصوصية للمذي بذلك، ومعنى كلامه أن من أصابه سلس مذي وهو يقدر على رفعه عنه بتزوج أو تسر أو تداو أو صوم ينقض ذلك السلس وضوءه سواء لازم جميع الزمن أم لا، ومر أن سلس غير الذي كسلس الذي من غير فرق، والحاصل أن السلس المقدور على رفعه ينقض من غير تفصيل كان سلس مذي أو بول أو ريح أو غيرها، وإن لم يقدر
стр. 475
على رفعه فهو محل التفصيل بين ما إذا فارق أكثر فينقض، وبين ما إذا لم يفارق أكثر فلا ينقض وفي الأمير: وليس من السلس الذي يفصل فيه من كل ما إذا نظر أمذى بلذة بل هذا ينقض، إنما السلس مذى مسترسل نظر أو لم ينظر لا لطول عزوبة أو لاختلال مزاج مثلا. انتهى. وسيأتي لبناني تقسيم سلس المذي إلى ثلاثة أقسام، ويغتفر لمن قدر على رفعه زمن التداوي ولو الصوم، وزمن شرائه سرية يتداوى بها. واستبرائها على العادة فإنه فيهما بمنزلة السلس الذي لا يقدر على رفعه. فيفصل فيه بين أن يفارق أكثر أو لا فإن وجدها ممن تحيض كل خمس سنين مرة فانظر هل يغتفر له هنا أو يلزم بشراء غيرها؟ والسلس هو الذي خرج على وجه لا يستطيع صاحبه أن يمسكه كما في الشبراخيتى، وهذا التنظير للشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن بناني: الذي يأتي عند قول المصنف. وإن تأخرت أو أرضعت أو مرضت أو استحيضت الخ أن من عادتُها أنها ألا تحيض إلا بعد تسعة أشهر لم يختلف قول ابن القاسم أنها تستبرأ بثلاثة أشهر، وإن كانت تحيض في ستة أشهر فاختلف هل تنتظر الحيضة، أو تكتفي بثلاثة أشهر؟ وقال الأبياني فيمن بجوفه علة، أو هو شيخ يستنكحه الريح: إنه كالبول. انتهى. وفى المدونة: إذا كثر المذي ودام من عزوبة إذا تذكر فعليه الوضوء. وفي رواية القرويين: من عزوبة أو تذكر فعليه الوضوء فأوجبه في صورتين. وإذا كان لإبردة أو علة فلا وضوء عليه. فالصور ثلاث: عزوبة مع تذكر، عزوبة بدون تذكر كونه لإبردة وعلة فهذه لا يجب، والأولى يجب فيها مطلقا، والثانية على اختلاف الروايتين. والإبردة بالكسر برد في الجوف. وقال ابن الجلاب: إن قدر على رفعه بزواج أو تسر وجب، وإلا فلا. قال بعضهم: هو خلاف المدونة، فيكون في الثانية ثلاثة أقوال. انظر ابن مرزوق. وقال أبو الحسن في الأولى وهي عزوبة مع تذكر: لا خلاف أنه يجب فيها الوضوء. وقال ابن دقيق العيد في الثانية وهي عزوبة دون تذكر: يجب فيها الوضوء على المشهور، وسواء قدر على رفعه فيها أولا. وقال ابن مرزوق عن اللخمي: إنه صوبه. نقله العلامة بناني. قال: واعلم أن كلام المص لا يصح حمله علي ما كان لعلة؛ لأنه لا ينقض إلا إن فارق أكثر، وظاهر كلامهم قدر على رفعه أم لا، وعلى ما كان لتذكر بأن يستنكحه مهمى رأى أو سمع أو تفكر، وهي الأولى خلاف للخرشي لما مر عن أبي الحسن من النقض فيها بلا خلاف
стр. 476
مطلقا فلم يبق إلا أن يحمل على ما كان لطول عزوبة، ويكون جاريا في التفصيل بين القدرة وعدمها على ما تقدم للجلاب. وقد علمت أنه خلاف ما شهره ابن دقيق العيد، لكن تقدم عن ابن مرزوق أن بعضهم جعله وفاقا للمدونة. وقال الرماصي: إن ابن رشد شهره، واستظهره ابن عبد السلام. وفي نقل ابن مرزوق عن المازري ما يفيد أنه المذهب فاعتمده المص لذلك والله سبحانه أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني.
وندب إن لازم أكثر ولما فهم من المص أن السلس إذا لازم نصف الزمن أو أكثره أو جميعه لا ينقض، أخذ يبين ما يستحب فيه الوضوء من ذلك وما لا؛ يعني أن السلس إذا لازم أكثر الزمن فإنه يندب فيه الوضوء، وأولى لو ساوى بأن لازم نصف الزمن وفارق نصفه. ومفهوم إن لازم أكثر أنه لو لازم جميع الزمن فإنه لا يندب له الوضوء، وما يندب فيه الوضوء يندب اتصاله بالصلاة وفي ندب غسل فرجه قولا الطراز وسحنون قائلا؛ لأن النجاسة أخف من الحدث. وفي لزوم غسل الخرقة عند الصلاة نقلا القرافي عن الابياني وسحنون. قاله الشيخ عبد الباقي. وإذا لم ينتقض الوضوء بالسلس على ما مر فإن وضوءه ينتقض بالبول مثلا على الوجه المعتاد لا إن شق يعني أن الحالة التي يندب فيها الوضوء من السلس محل الندب فيها ما لم يشق عليه الوضوء، وأما إن كان عليه في الوضوء مشقة لبرد أو ضرورة فلا يندب. وقد مر أن محل الندب حيث لازم السلس أكثر الزمن أو ساوى، ومن كلما تطهر بالماء أحدث فإنه لا يتيمم بل يتطهر بالماء ويصلي على حالته؛ لأنه سلس كمن إذا قام أحدث. كذا لابن بشير، واستظهره الحطاب. وقال اللخمي: يتيمم، والأحوط الجمع. قاله الشيخ الأمير.
وعلم مما قررت أن أقسام السلس أربعة، والمص ﵀ وفى ببيانها وببيان ما يجب فيه الوضوء منها، وما لا يجب، وما يستحب فيه، وما لا. فبين ما يجب فيه الوضوء منها بقوله: "وبسلس فارق أكثر" وذلك قسم. وعلم من مفهوم الصفة أعني قوله: "فارق أكثر" أنه لا ينتقض فيما إذا ساوى أو لازم أكثر الزمن أو جميعه، وهذه ثلاثة أقسام، فتلك أربعة. وبين أنه يستحب الوضوء إن لازم أكثر ما لم يشق، وفهم من كلامه أنه يستحب مع التساوي من باب أولى، فهو من مفهوم الموافقة الذي يتعين العمل به، وفهم منه أنه لا يستحب الوضوء إذا كان لا يفارق أصلا
стр. 477
كما إذا شق لازم أكثر أو ساوى. قال الإمام الحطاب: فلله دره ما أخصر عبارته وما ألطف إشارته، وكم فيه من مثل مذا الاختصار العجيب الدال على أنه أخذ من التحقيق بأوفر نصيب انتهى.
تنبيه: اعلم أن قولهم لا ينقض الوضوء بالسلس معناه: ما دام خارجا على وجه السلسية: فإن اندفع حينا على الوجه المعتاد نقض. قاله الأمير. وهو واضح. وقوله: "قدر على رفعه" هو المشهور، وقيل لا ينقض كما مر. وما ذكره المص من تقسيم السلس إلى أربعة هو طريق المغاربة وهو المشهور، وما دل عليه من أن السلس الذي تساوى اتيانه وانقطاعه لا ينقض الوضوء وإنما يندب فيه الوضوء. قال ابن راشد القفصي: هو المشهور. ومقابله وجوب الوضوء في حالة التساوى. قال ابن هارون: والظاهر الوجوب، وطريق العراقيين أن ما خرج على وجه السلس لا ينقض مطلقا فارق أكثر أم لا، وإنما يستحب منه الوضوء. وذكر المازري رواية شاذة أن السلس ينتقض مطلقا. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ابن فرحون: ومن سلِسَ بوله وكان قادرا على العلاج قابلا للتداوي ففيه القولان المذكوران في القادر على رفع سلس الذي بالتسرى والتزويج. انتهى. قاله الحطاب.
وفي اعتبار الملازمة يعني أن الشيوخ اختلفوا في قصر اعتبار ملازمة السلس من قلة وتوسط وكثرة، هل يقصر على الموجود من السلس؟ في وقت الصلاة من اليوم والليلة؛ لأنه الزمن الذى يخاطب فيه بالوضوء فيعتبر من الزوال إلى طلوع الشمس، ويلغى من طلوع الشمس إلى الزوال فلا ينظر إلى ما حصل فيه من السلس قاله ابن هارون. قال المص: وهو الذي كان يميل إليه شيخنا أو لا يقصر اعتبار ملازمة السلس للشخص على السلس الموجود في وقت الصلاة. بل تعتبر الملازمة مطلقا في وقت الصلاة وغيره وفسر ابن عبد السلام الأكثر بقوله: كأن يأتي ثلثي ساعة وينقطع ثلثها، ثم يأتي ثلثي ساعة وينقطع ثلثها، وهكذا ليلا ونهارا. واختاره ابن عبد السلام في ذلك تردد؛ أي اختلاف بين المتأخرين في الحكم لعدم نص المتقدمين، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا فرضنا أن أوقات الصلاة مائتان وستون درجة، وغير وقتها مائة درجة فأتاه فيها، وفي مائة من أوقات الصلاة فعلى الأول ينقض لمفارقته أكثر الزمن لا على الثاني. وفي التوضيح: وينبغي أيضا أن تقيد
стр. 478
المسألة أي على القول الأول فقط، بما إذا كان إتيان ذلك عليه مختلفا في الوقت فيقدر بذهنه أيهما أكثر فيعمل عليه. وأما إن كان وقت إتيانه منضبطا فإنه يعمل عليه إن كان أول الوقت أخرها وإن كان آخره قدمها. انتهى.
واعلم أن في هذه المسألة للمتأخرين من التونسيين أربعة أقوال، فقال ابن جماعة ومن تبعه بالأول، ورُد بأن السلس رخصة لا تختص بأوقات الصلاة كرخصة قصر الصلاة للسفر وقال البودري يعتبر عدد الأيام، ورُد بأن الأيام قد يخلو بعضها من السلس. وقال ابن عرفة: عدد صلواته، ورد بأنه لا معنى له إن لم يعتبر الوقت. واختار ابن عبد السلام اعتبار الملازمة في وقت الصلاة وغيرها. قال بعضهم: وهو الصواب. وقال ابن مرزوق: والأمر مبني على أن الأقدمين لم يتعرضوا لها، وعندي أنهم تعرضوا لها حيث رخصوا لصاحب السلس لأجل المشقة، والمشقة موكولة إلى العرف الذي ينضبط، ولا يختلف عند أصحابه. قال بعض أشياخنا: وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. واقتصر الشيخ الأمير على القول الأول؛ وهو اعتبار الملازمة في وقت الصلاة فقط. وقال: إنه الأقوى. ومر أنه إذا انضبط وقت مجيئه فإنه إما أن يقدم أو يؤخر، وفي بعض شراح الرسالة أنه يجمع كأرباب الأعذار، ومر أنه الأحوط. وقوله: "في وقت الصلاة" أي في أوقات جميع الصلوات، وأما إن لازم وقت صلاة فقط نقض وصلاها قضاء كما أفتى به ناصر اللقاني فيمن يطول به الاستبراء. قاله الشيخ الأمير.
من مخرجيه الضمير يرجع للمتوضئ أو للمكلف أو للشخص، ولا يصح رجوعه للخارج ليلا يلزم الدور. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني. وقوله: "من مخرجيه" من تمام التعريف؛ وهو متعلق بالخارج؛ يعني أن الحدث الذي حكم عليه بأنه ينقض الوضوء هو الخارج من مخرجي الشخص؛ يعني القبل والدبر أو ثقبة تحت العدد الثقبة الخرق النافذ؛ يعني أنه ينزل منزلة القبل، والدبر ثقبة تحت المعدة فينقض الوضوء ما خرج منها، وهذا إن انسدا يعني أن محل النقض بما يخرج من إلى ثقبة التي تحت المعدة إنما هو إن انسد المخرجان، ومعنى انسداد المخرجين أنه لا يخرج من القبل بول ولا من الدبر غائط، بل بطل خروج ذلك منهما، وإنما يخرج من الثقبة نسأل الله تعالى السلامة. والمعدة ما فوق السرة إلى منخسف الصدر، فالسرة مما
стр. 479
تحتها. هذا هو المعتمد. قاله الشيخ إبراهيم. والمعدة بفتح الميم ركسر العين ككَلِمة، وبكسر الميم وسكون العين ككِلْمَة، وهي للإنسان بمنزلة الكرش للحيوان والحوصلة للطير، وقد علمت أن المعتمد أنها ما فوق السرة إلى منخسف الصدر، وأن السرة مما تحتها وإلا يعني أن الثقبة إذا لم تكن تحت المعدة بأن كانت في المعدة أو فوقها سواء انسد المخرجان أو انفتحا، أو انفتح أحدهما أو كانت تحتها وانفتحا، أو انفتح أحدهما ففي النقض بالخارج منها وعدمه قولان والراجح منهما عدم النقض، وهذا التقرير للشيخ الخرشي. وبما قررت علم أن قوله: "وإلا" راجع لقوله: "تحت المعدة". ولقوله. "انسدا" وهل يكفي في هذه الثقبة الاستجمار؟ تقدم الكلام على ذلك. وقوله."ثقبة" هو بالثاء المثلثة المضمومة والقاف الساكنة والباء الوحدة. قاله الإمام الحطاب. وقال. إن المعدة هي موضع الطعام قبل أن يَحْدُرَ إلى الأمعاء، وجمعها مِعَد بكسر الميم وفتح العين، وأما مَعِد بفتح الميم وكسر العين فاسم جنس.
وَلَما أنهى الكلام على الأول من نواقض الوضوء الثلاثة، وهو الحدث أتبعه بالكلام على الثاني؛ وهو السبب فقال وبسببه يعني أن الوضوء ينتقض بسبب الحدث، وسبب الحدث هو ما أدى إلى خروج الحدث هذا بالنسبة لعرف الفقهاء في سبب الحدث. وأما السبب في اللغة فهو الحبل: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، ويستعمل السبب في العلة لكون العلة موصلة للمعلول كما يوصل الحبل إلى الماء في البئر، ويطلقه العلماء على ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، ويستعمل أيضا في العلم لكونه موصلا للهداية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾؛ أي علما يهتدى به قاله الشيخ إبراهيم وهو زوال عقل يعنى أن أسباب الحدث ثلاثة أمور منها. زوال العقل فمن زال عقله بجنون أو إغماء أو سكر وجب عليه الوضوء لانتقاضه بذلك ثقل ذلك أم لا، ولا يفصل فيه كما يفصل في النوم فلا يراعى فيها طول ولا قصر، وهذا هو الحق خلافا لبعضهم. قاله ابن عبد السلام. وقال ابن بشير: القليل في ذلك كالكثير، وقال الشيخ محمد بن الحسن: ظاهر المص أن زوال العقل بغير النوم كالإغماء والسكر والجنون لا يفصل فيه كما يفصل في النوم، وهو ظاهر المدونة والرسالة، فهو ناقض مطلقا. انتهى. ولا فرق بين أن يكون
стр. 480
السكر بحلال أو حرام، وينتقض الوضوء بزوال العقل بترادف الهموم إن كان مضطجعا، وكذا إن كان جالسا كما صرح به الأمير وفاقا لابن نافع، ولا نقض على القائم المهموم.
وإن بنوم ثقل يعني أن زوال العقل بالنوم الثقيل ينقض الوضوء، وفسر زوال العقل بالاستتار؛ لأنه لم يزل إلا في المجنون المطبق الذي لا يفيق أصلا فإنه زال عقله قطعا، ولذا اتفق على عدم خطابه. قاله ابن الفاكهاني ونقله ابن ناجي قاله الشيخ محمد بن الحسن. ابن مرزوق: ظاهر المص أن المعتبر عنده صفة النوم ولا عبرة في هيئة النائم من اضطجاع أو قيام أو غيرهما، وهي طريقة اللخمي. واعتبر في التلقين صفة النوم مع الثقل، وصفة النائم مع غيره فقال: فأما النوم المستثقل فيجب منه الوضوء على أي حال كان النائم من اضطجاع أو سجود أو جلوس، وما دون الاستثقال لا يجب منه الوضوء في الاضطجاع والسجود، ولا يجب في القيام والجلوس. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي كتاب ابن عرفة: ثقيل نوم المضطجع ناقض، والجالس والراكب إن طال، وفي كون الساجد كالمضطجع أو إن طال قولان، ونوم القائم لغو وإن طال، وفي كون الركوع كالقيام أو السجود خلاف، وفي كون المستند كالجلوس أو الاضطجاع خلاف. انتهى. والنوم الثقيل هو ما لا يشعر صاحبه بصوت مرتفع. قاله المازري. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال قال أحمد ممثلا للثقيل: كما لو انحلت حبوته ولم يشعر بها، أو كان بيده مروحة فسقطت ولم يشعر بها، وأما إن لم تسقط أو سقطت وشعر بها فإنه غير ثقيل. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: ما ذكره أحمد من أن عدم الشعور بانحلالها ناقض بمجرده مخالف لما في التوضيح عن اللخمي. ونقل عنه أنه إذا استيقظ قبل انحلال الحبوة فلا وضوء، وإن استيقظ بانحلالها نقض، على قول من قال: النوم حدث، لا على المشهور. وكذلك إن انحلت ولم يشعر ولم يطل، وإن طال وكان مستندا انتقض، وهو الذي اعتمده في الشامل. انتهى. وفي التتائي عن الشامل: من انحلت حبوته ولم يشعر بها وطال وكان مستندا توضأ لا إن استيقظ من انحلالها على المشهور، وإن استيقظ قبل أو كان بيده مروحة لم تسقط فلا نقض، وإن استيقظ بسقوطها فقولان. انتهى. وشمل قوله: [ثقل (١)]
стр. 481
نوم القائمِ إذا سقط فإن لم يسقط فخفيف إلا أن يكون مستندا، وكان بحيث لو أزيل ما استند له سقط، فثقيل فيما يظهر، كمن يقود الإبل ماشيا مع ربط حبلها بإسطه أو كتفه، أو ينام على دابة على حالة لا يخشى سقوطه. قاله الشيخ عبد الباقي. قال: وظاهر المص النقض بالثقيل ولو سد مخرجه، وهو كذلك إن دام ثقيلا كما في ابن عرفة، وإلا لم ينقض. انتهى. والذي صوبه الرماصي هو النقض، وإن لم يدم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وفي كتاب الشيخ الأمير: ولا ينقض نومُ مسدود المخرجين. انتهى.
ونقل الحطاب عن الشيخ زروق: وعلامة الاستثقال سقوط شيء من يده، وانحلال حبوته، وسيلان ريقة، أو بعده عن الأصوات المتصلة به، ولا يتفطن لشيء من ذلك. انتهى. وقال الشيخ ميارة: وعلامة الثقيل أن تنحل حبوته، أو يسيل لعابه: أو تسقط السبحة من يده، أو يكلم من قرب ثم لا يتفطن لشيء من ذلك. وفي الشامل: أن من حصل له هم أذهب عقله توضأ، وظاهره كالمص سواء كان جالسا أو مضطجعا. وقد مر قول الأمير: وبزوال عقل ولو بهم جالسا. انتهى. وظاهر المص أيضا: النقض بزواله في حب الله، وهو قول التادلي، وهو مرجوح. والذي لابن عمر: لا وضوء عليه. وقد مر أنه لا نقض على القائم المهموم كما نص عليه الشيخ عبد الباقي. وفى التوضيح: وينبغي أن يقيد المحتبي بما إذا كان بيديه وشبههما: أما الحبوة المصنوعة فلا، وهو كالمستند. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وما مشى عليه المص في النوم طريقة اللخمي؛ وهي أن الثقيل الطويل ينقض بلا خلاف، والثقيل القصير ينقض على المشهور. قاله الإمام الحطاب. فقول المص: ولو قصر هو المشهور، مقابله أنه لا نقض بالقصير الثقيل: ومفهوم قول المص: "ثقل" أن الخفيف من النوم لا ينقض كما قال: لا خف عطف على ثقل؛ لأنه مقابله أو على قصر، ولا تعطف الجمل التي لها محل من الإعراب كما هنا لا ما لا محل لها، أو المعطوف اسم موصول محذوف؛ أي لا ما خف. وحَذْفُ الموصول الاسمي وإبقاء صلته جائزٌ كما في التسهيل، أو عطف على بنوم بحذف الموصوف وإبقاء الصفة وهو كثير، فسقط الاعتراض عليه بأن "لا" لا تعطف الجمل لما علمت. كما قاله غير واحد. أما القصير الخفيف فلا ينقض بلا خلاف.
стр. 482
وندب إن طال يعني أن النوم الخفيف يندب منه الوضوء حيث طال، وإذا كان النوم الخفيف لا ينقض الوضوء فأولى السِّنَةُ؛ لأنه أقوى منها والسنة ما يتقدم النوم من الفتور، وحكمة ذكر النوم في الآية بعد السنة لدفع أن النوم أقوى من السنة فيأخذه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فضمن لا تأخذه لا تغلبه، هكذا أجاب به شخص بمجلس السبكي، أو غيره حين سئل إذا كان لا تأخذه سنة فلا يأخذه النوم بالأولى، فلِمَ عطف عليها. كان ذلك الشخص المجيب بصورة نعسان. قاله الشيخ عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: قال الشيخ أحمد زروق: من سُنَّة النوم كونه على الشق الأيمن كالملحد مستقبلا واضعًا كفه الأيمن تحت خده الأيمن، وكفه الأيسر على فخذه الأيسر ثم يقرأ المعوذات والإخلاص ثلاثا ثلاثا، وينقث في يده ثم يمرها على ما أقبل من جسده، ويدعو بما صح من قوله ﵊: (باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك اللهم أرفعه] (١) لخ، وإن قرأ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لم يفِلت القرآن من صدره. قاله ابن عبد الصادق. الثاني: فائدة النومِ اعتدال الخلق، ونفي الوسواس، وغير ذلك، قيل ولا ينبغي أن يزاد منه على ثمان ساعات فإن ذلك يورث بخر الفم ونحوه: ولا ينقص عنها فإنه يورث اليبس وعللا أخر، ونوم ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس منهي عنه، فإنه يورث الكسل: ويقوي البلغم، ويضيق الخلق والرزق على ما ورد (٢) إلا لمن اتصل سهره، ونوم ما بعد العصر يوجب الأخلاط والبله، وربما أدى إلى العنة، ونوم ما بين العشاءين دعا على فاعله عمر رضي الله تعالى عنه بأن لا تنام عيناه. فقيل؛ لأن ذلك يؤدي إلى ترك العشاء أو إخراجها عن وقتها ونوم آخر اليل بعد قيام وسطه يفتح البصيرة وينور القلب، وكذلك نوم القائلة يزيد في العقل؛ وهو لقيام الليل كالسحور للصوم. وذكر عند النبي ﷺ رجل نام حتى أصبح. فقال ﷺ : (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه] (٣)). قاله الشيخ زروق. نقله ابن عبد الصادق عند قول الناظم: "نوم ثقيل". الثالث: قال في
стр. 483
التحقيق: النوم على الشق الأيمن سنة، وعلى الظهر يكره، وعلى اليسار اضطجاع الملوك، وعلى البطن اضطجاع الشياطين وأهل النار. انتهى وأشار إلى الأمر الثاني من أسباب الحدث الثلاثة بقوله. وليس يعني أن من توضأ وحصل منه لمس ينتقض وضوؤه لأجل ذلك اللمس فإن اللمس سبب في الحدث. وهذا إذا كان اللمس يلتذ به صاحبه أي من تعلق به اللمس لامسا أو ملموسا عادة يعني أن اللمس الذي ينقض هو اللمس الذي يلتذ به على حسب العادة؛ أي عادة الناس، لا غير الملتذ به عادة. ولا عبرة بعادة اللامس وحده. ومثلوا للَّمس الملتذ به عادة باللمس بين الرجال والنساء بالقبلة والجسة ولمس الغلمان. قال عياض: من موجبات الوضوء اللمس للذة بين الرجال والنساء بالقبلة والجسة أو لمس الغلمان أو فروج سائر الحيوان. نقله الحطاب. ثم قال: وما ذكره القاضي في فرج البهيمة ذكره ابن عرفة عن المازري، واعترضه بمباينة الجنسية. انتهى باختصار. ثم ذكر عن الذخيرة خلاف ما لعياض في فرج البهيمة، ونصه: فرج البهيمة لا يوجب وضوءا خلافا لليث؛ لأنه مظنة اللذة، قلت: وفي الجلاب مثله، ففيه. ولا يجب الوضوء من مس دبر ولا أنثيين. ولا من مس فرج صبي ولا صبية، ولا من فرج بهيمة نقله ابن مرزوق. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "ولمس يلتذ به" الخ هذا إذا كان اللمس من بالغ: وأما الصبي فلمسه غير ناقض ولو كان مراهقا، ووطؤه من جملة اللمس واستحباب الغسل يقتضي استحباب الوضوء بالأولى. قاله الشبخ إبراهيم الشبراخيتي وغيره، وأخرج بقوله: "يلتذ صاحبه به عادة": الصغيرة، وأجساد الداوب غير فروجها فقد مر الكلام عليها وأن لمسها لا ينقض، وينبغي أن يقيد قولهم: إن اللذة بأجساد الدواب من اللذة غير المعتادة بغير جسد آدمية الماء، بل الظاهر أنه يجري في تقبيل فمها ما جرى في تقبيل فم الإنسان. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.
تنبيهات الأول: ينبغي للطائف أن يتحرز من النظر إلى امرأة أو صبي حال الطواف؛ لأن من العلماء من قال: إن اللذة بالنظر تنقض الوضوء فيكون طوافه فاسدا على هذا القول، والقولان في مذهبنا. والمشهور عدم التأثير: والقولان ذكرهما ابن الحاجب. قاله الحطاب. وكذلك ينبغي أيضًا أن يتحرز من ملامسه الصبي، فإنها تنقض الطهارة عند قوم؛ وهو مذهب القاضي عياض رحمه
стр. 484
الله تعالى. ومذهب الإصطخري من أئمة الشافعية، وكذلك ينبغي أيضًا التحفظ من مصافحته ومعانقته إذا قدم من سفر.
الثاني: قد مر عن القاضي عياض: أن فروج البهائم مما يلتذ به عادة، وعليه فلو لمست امرأة ذكر بهيمة، أو لمس رجل فرج بهيمة انتقض وضوء من قصد منهما لذة.
الثالث: الفرق بين اللمس والمس أن اللمس فيه معنى الطلب، ففي الحديث: (التمس ولو خاتما من حديد] (١)؛ أي اطلب ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ أي طلبناها، ولا يقال لمن مس شيئًا لمسه إلَّا أن يكون مسه ابتغاء معنى يطلبه فيه من حرارة، أو برودة، أو صلابة، أو رخاوة، أو علم حقيقة. فالمس التقاء الجسمين سواء كان لقصد معنى أولا، واللمس هو المس لطلب معنى. ولما لم يكن اللمس ناقضا عندنا إلَّا مع قصد اللذة أو وجودها حسن التعبير هنا باللمس، ولما كان مس الذكر ناقضا مطلقًا حسن التعبير عنه بالمس، فإن قيل لم قلتم بنقض الوضوء إذا وجد اللذة ولم يقصدها مع أنه لم يحصل طلب؟ فالجواب: أنه لما وجد المعنى المقصود بالطلب كان أولى بالنقض والله سبحانه أعلم قاله الإمام الحطاب. فاللمس أخص والمس أعم، يقال تماس الحجران، ولا يقال تلامسا لانتفاء الإرادة منهما، واحترز المص بقوله: "عادة" من اللمس الذي لا يلتذ به عادة كلمس الرجل للرجل والمرأة للمرأة، ولمس صغيرة لا تشتهى، وأجساد الدواب، ونحو ذلك.
ولو لظفر يعني أن اللمس لظفر ينقض الوضوء إذا كان الظفر متصلا؛ لأن المنفصل لا يلتذ به عادة، وفي بعض النسخ بالباء أي ولو كان اللمس حاصلا بظفر، وفي بعضها بالكاف أي ولو كان الملموس كظفر.
أو شعر يعني أن اللمس للشعر ينقض الوضوء، وما قيل في الظفر يقال في الشعر، هذا ظاهر ما للشيخ عبد الباقي، وغيره. وقال الشيخ الأمير: وإن لظفر أو به، أو شعر لا به على الظاهر، ومثلهما السن فينقض لمسها إذا كانت متصلة لا منفصلة. وقال في رسم الوضوء: وسئل عن الرجل يمس شعر امرأته أو جاريته تلذذا؟ فقال: إن مسه تلذذا فأرى عليه الوضوء، وإن مسه استحسانا
стр. 485
أو غيره لم أر عليه وضوءا، وفي علمت أن أحدا يمس شعر امرأته تلذذا. ابن رشد: الشعر لا لذة في مسه بمجرده، فيحتمل أن يكون أراد أنه مسه على جسمها، فيكون في مسه بمنزلة من يمس امرأته أو جاريته على ثوب متلذذا بذلك فالتذ: فعليه الوضوء باتفاق في المذهب. إلَّا أن يكون الثوب كثيفا، وأما إذا مسه على غير جسمها، فلا يجب عليه الوضوء وإن التذ بذلك، إلَّا على ما ذهب إليه ابن بكير أن التذكار مع وجود اللذة دون اللمس يوجب الوضوء، هذا وجه هذه الرواية عندي قاله الإمام الحطاب. واختار بعض الشيوخ أنه إذا أنعظ في صلاته يتذكر الموت والنار وما يكسر شهوته، ويتفقد نفسه عند الخروج منها: فإن ظهرت بلة أعاد وإلا فلا. قاله الإمام الحطاب. وقد مر أنه يشترط في الظفر والشعر التعلق بهما اللمس أن يكونا متصلين، قال الشيخ إبراهيم: وهذا القيد يفهم من قوله: "عادة"؛ لأن المنفصلين لا يلتذ بهما عادة: ومثل الظفر والشعر السن كما في الطراز انتهى.
أو حائل يعني أن اللمس من فوق حائل ينقض الوضوء فلا يشترط في النقض باللمس أن يكون مباشرة، وفهم منه أن اللمس بعود لا نقض به ولو قصد ووجد وهو كذلك، وكذا من ضرب شخصا بطرف كمه قاصدا اللذة فلا ينتقض وضوؤه، وأطلقه ابن القاسم. وروى علي إن كان خفيفا نقض وإلا فلا، واختلف الشيوخ هل هما وفاق أو خلاف؟ وأشار إلى تأويل الوفاق بقوله؛ وأول بالخفيف يعني أن ابن رشد تأول كلام ابن القاسم على الحائل الخفيف، وأما اللمس فوق حائل كثيف فيقول فيه ابن القاسم بعدم النقض، فتكون رواية على تفسيرا لقول ابن القاسم، وأشار إلى تأويل الخلاف بقوله وبالإطلاق يعني أن ابن الحاجب حمل ذلك على الخلاف: فحمل كلام ابن القاسم على إطلاقه فينقض عنده اللمس من فوق الحائل خفيفًا كان أو كثيفا، ومحل تأويل الإطلاق ما لم يضمها إليه أو يقبض بيده على شيء من جسدها من فوق حائل، فإنه حينئذ يتفق أن اللمس من فوق حائل كثيف كاللمس بغير حائل فينقض إن قصد لذة أو وجدها، والتأويلان مرجحان. والخفيف هو الذي يحس اللامس معه برطوبة الجسد، والكثيف بعكس ذلك إن قصد لذة شرط في النقض باللمس على أي وجه وقع: يعني أن محل النقض باللمس الملتذ به. عادة إنما هو حيث قصد صاحبه من لامس أو ملموس لذة، أو لم يقصد بلمسه لذة لكنه وجدها أو قصد بلمسه اللذة
стр. 486
ووجدها، فالنقض في هذه الصور الثلاث ثابت. وقوله: أو وجدها، يعني حين اللمس، فإن لم يجت ما إلا بعد اللمس كان من التفكر الذي لا ينقض، واللذة هي ميل النفس على الشيء وإيثاره على غيره: وعبر عنها بعضهم بأنها الانتعاش الباطن الذي ينشأ عنه الانتعاش الظاهر.
واعلم أن اللذة تكون من الرجل والمرأة، وهي لها أكثرة ومن قصدها حكما ما إذا اختبر باللمس محل يجدها أم لا؟ ومتى حصل اللمس هنا ولو بعضو زائد لا إحساس له وانضم إلى ذلك قصد أو وجدان نقض، هذا ظاهر إطلاقهم. قاله الشيخ على الأجهوري. نقله الشيخ عبد الباقي. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، فإن إطلاقهم المس في الذكر وإن انتفى القصد، والوجدان يدلُّ على أند أشد من اللمس وحينئذ فتقييدهم في مس الذكر بالإصبع الزائدة بالإحساس يفيد التقييد هنا بالأولى. انتهى.
قال جامعه عفا الله تعالى عنه: في الخرشي عند قول المص: "ولو لظفر" أن المنصوص أنه لا فرق بين الجسم وما اتصل به. انتهى. وهو يقوي ما تقدم للشيخ عبد الباقي عن شيخه، ويقويه أيضًا أن النقض هو ظاهر إطلاقهم، ولا يظهر العدول عن ظاهر إطلاقهم، وأما ما ذكره الشيخ محمد بن الحسن من قوله: إن إطلاقهم في مس الذكر يدلُّ على أنه أشد من اللمس المقيد بوجدان اللذة أن قصدها، يقال عليه إنهم قيدوا مس الذكر ببطن أو جنب لكف أو إصبع، ولا كذلك اللحس فينقض، ولو لظفر أو شعر. وقيدوا أيضًا مس الذكر بأن يكون مباشرة واستدلوا له بالحديث: (من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما ستر ولا حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة (١)). انتهى. وقد علمت أن اللمس من فوق حائل ينقض على ما مر في قوله: "أو حائل" والله سبحانه أعلم. وقوله: ولو بعضو زائد الخ يشمل الإصبع الزائدة واليد الزائدة وغيرهما. والله سبحانه أعلم. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ولمس لذة عادة ولو بزائد لا يحس للتقوي بالقصد أو الوجدان بخلاف ما يأتي في مس الذكر، ولا يقاس العود لانفصاله، هذا ما لعبد الباقي، ونازعه بناني. انتهى. وإذا قصد لدى امرأة أجنبية، فتبين بعد اللمس أنَّها محرم نقض وضوءه، ولو لمس محرما غير
стр. 487
قاصد للذة لكنه وجدها فتبين أنَّها أجنبية لم ينقض وضوؤه على ما للمص، وسيأتي أن المذهب أن المحرم كغيرها. والله سبحانه أعلم.
لا انتفيا يعني أن اللمس إذا انتفى معه قصد اللذة ووجدانها أي انتفى الأمران معا، فلا نقض اتفاقات، وشمل قوله: "لا انتفيا" ما إذا قصد اللمس ولم يجد لذة كما صرح به الشيخ عبد الباقي، وغيره.
وعلم مما قررته من قوله: "ولمس" إلى قوله: "انتفيا" أربع صور: قصد اللذة ووجدها فالنقض فيها اتفاقا. انتفيا لا نقض اتفاقا، وجدها فقط من غير قصد. ابن رشد نقض الوضوء اتفاقا، ونقض في التوضيح الاتفاق بقول ابن التلمساني: واختلف إذا وجد ولم يقصد، أو قصد ولم يجد، قصدها من غير وجدان نقض الوضوء على المنصوص. وفي المدونة: وإذا مست امرأة ذكر رجل فعليها الوضوء، وبغير شهود من مرض ونحو فلا ينتقض إلا القبلة بفم مستثنى من قوله انتفيا، والباء بمعنى على؛ يعني أن الرجل والمرأة إذا قبل أحدهما الآخر على فيه فإنه ينتقض وضوؤهما معا حصل قصد أو وجدان أو انتفيا. وقوله: "فم" أي فم من يلتذ به عادة فلا تنقض في فم صغيرة لا تشتهى، ولو قصد لذة أو وجدها. والقبلة على الخد ليست كالقبلة على الفم، فتجري على حكم الملامسة، وكما لا نقض في تقبيل بالغ فم صغيرة لا نقض في تقبيل رجل فم رجل، ولا في تقبيل المرأة فم امرأة، وما في ابن تركي من النقض بالقبلة على فم امرأة من مثلها -انتهى- غيرُ معول عليه وإن التذ كل؛ لأن العبرة بعادة الناس قاله الشيخ عبد الباقي. وذكر ابن بزيزة ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها النقض مطلقا، الثاني اعتبار اللذة، الثالث إن كانت في الفم تنقض مطلقًا وإن كانت في غيره اعتبرت اللذة. وفي الحطاب: لم أقف على نص في لمس المرأة لمثلها والظاهر النقض. انتهى. فيكون تقبيلها أولى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: ولم أقف على نص الخ انظره مع ما في التلقين ونصه: وعلل من قال بعدم النقض بلمس المحرم بأنها ليست بمحل الشهوة، فأشبه لمس المرأة المرأة والرجل الرجل. انتهى. ولا ينقض لمس هرمة ولا ملتح. وقوله: "إلَّا القبلة بفم" لا يشترط الصوت في تحقق التقبيل كما قاله غير واحد، وتقبيل الفرج كاللمس وفاقا للأجهوري رادا على ابن فجلة في قياسه على الفم بالأحرى فإن تقبيله لا يشتهى. قالمه الشيخ الأمير. وبما قررت علم
стр. 488
أن الباء في قوله "بفم" بمعنى على، وهو متعين؛ لأن بقاءها على بابها فيه أمران أحدهما: وهو سهل أنَّها تكون قيدا لبيان الواقع، إذ آلة القبلة الفم، وهو كقولهم نظرت بعيني ومشيت برجلي. ثانيهما: إيهام أنه متى حصلت القبلة بفم ولو على يد نقضت مطلقًا وليس كذلك؛ إذ تقبيله بفمه على غير فم يجري على حكم الملامسة. قاله الشيخ عبد الباقي.
وإن بكره يعني أن القبلة على فم من يلتذ به عادة لا يشترط في النقض بها طوع، فمن أكره منهما على التقبيل المذكور نقض وضوؤه، والباء بمعنى مع، أي وإن كانت القبلة مصاحبة لكره؛ أي إكراه قاله الشيخ إبراهيم.
أو استغفال يعني أن القبلة المذكورة كما تنقض الوضوء مع الإكراه تنقضه مع الاستغفال، فلا يشترط طوع ولا علم فالنقض في المسألتين حاصل في المقبل بالفتح والكسر. لا لوداع يعني أن القبلة على الفم إذا كانت لوداع فإنها لا تنقض الوضوء.
أو رحمة يعني أن القبلة على الفم إذا كانت لرحمة كما لو كانت مريضة، أو لشدة الود فإنها لا تنقض الوضوء. وسواء كانت القبلة في مسألتي الوداع والرحمة لصغيرة أو كبيرة محرم، أو غير محرم إلَّا أن يلتذ في كبيرة غير محرم كما يفهم من جعل المص هذا في حيز قوله: "لا انتفيا". وقاله ابن يونس وهو لملك، وقيل لا نقض مطلقًا وجدت اللذة أم لا، وهو لملك في رواية أشهب. ومفهوم قوله: إلا أن يلتذ أن القصد لا ينقض؛ أي لو فرض، إذ لا يتصور كونه لوداع أو رحمة مع قصد اللذة أو يبعد، والمعطوف بعد لا محذوف: أي لا القبلة لوداع أو رحمة، ويحتمل أنه معطوف على مقدر؛ أي لغير وداع لا لوداع.
ولا لذة بنظر يعني أن اللذة بنظر أو فكر لا تنقض الوضوء، وقيل تنقض اللذة بالنظر أو الفكر، وقد مر أن ابن بكرٍ يقول بنقض الوضوء باللذة بالفكر. وقوله: "لذة" فاعل فعل محذوف تقديره: ولا ينقض الوضوء لذة بنظر. قاله الشيخ إبراهيم.
كإنعاظ يعني أن الإنعاظ بمجرده؛ وهو انتصاب الذكر لا ينقض الوضوء سواء نشأ عن نظر أو فكر ولو كانت عادته الذي عقبه، وهذا هو المذهب، وقيل بالنقض مطلقًا، وقيل يحمل على عادته إن كان يعلم أنه لا يمذي فلا نقض، وإن كانت عادته أنه يمذي نقض، وكذا إن اختلفت عادته. نقله
стр. 489
العلامة بناني. وقال الإمام الحطاب: قال اللخمي في التبصرة واختلف في الإنعاظ إن لم يكن معه مسيس فقيل لا شيء عليه إلَّا أن يمذي، وقيل عليه الوضوء لأنه لا ينكسر إلَّا عن مذي، وهذا مع عدم الاختبار. وأرى أن يحمل على عادته، فإن كان يعلم أنه لا يمذي كان على طهارته، وإن كانت عادته أنه يمذي توضأ، وإن اختلفت عادته توضأ أيضًا. وإن اختبر ذلك بالحضرة أو بعد التراخي فلم يجد شيئًا كان على طهارته، ولو أنعظ في صلاته أتمها إن كانت عادته عدم المذي، أو يمذي وأمن في صلاته لكون إنعاظه غير قوي أو لغير ذلك. وإلا قطع، فإن خالف واختبر ذلك ولم يجد شيئًا كان على طهارته، وصحت صلاته على المعتمد إن لم يخرج منه شيء إلَّا بعد فراغها. وقد مر اختيار بعض الشيوخ أنه إذا أنعظ في صلاته يتذكر الموت والنار وما يكسر شهوته، ويتفقد نفسه عند الخروج منها فإن ظهرت بلة أعاد. وإلا فلا. ولذة بمحرم يعني أن من لمس امرأة محرما له غير قاصد التلذذ فالتذ فإن وضوءه لا ينتقض. قال المص: على الأصح أي الأصح أن وضوءه لا ينتقض، وما قال المص إنه الأصح ضعيف، والراجح نقضه بوجودها منه انضم له قصد أم لا، وعلى ما مشى عليه المص فالعبرة بالمحرمية وغيرها بظن اللامس.
واعلم أن مجرد قصد اللذة من المحرم فسق كما قال المسناوي إنه الحق فمن لمس محرمه قاصدا التلذذ مع علمه أنَّها محرم ينتقض وضوءه حتى على ما للمص، وما قررت به المص هو الذي يفيده كلام الشيخ العلامة بناني. والله سبحانه أعلم. وقول المص: "ولذة بمحرم على الأصح" اعلم أن الذي قاله الجماعة واقتصر عليه في الإرشاد هو النقض، وبالله تعالى التوفيق. وعلم مما مر أن اللمس ثمانية أقسام: الأول أن يقصد اللذة ويجدها فعليه الوضوء اتفاقا، الثاني أن يجدها ولم يقصدها فعليه الوضوء اتفاقا عند ابن رشد وتعقب بأن فيه قولين بالنقض وعدمه، الثالث أن يقصدها ولا يجدها فعليه الوضوء على المنصوص، الرابع أن يقصدها ولا يجدها ولا وضوء عليه؛ وهي القبلة لوداع أو رحمة إن فرض معها قصد، وقد مر أنه لا يتصور معها قصد أو يبعد. وقد مر في هذا الفرع أنه إن التذ في كبيرة غير محرم يجب عليه الوضوء، الخامس أن يجدها ولم يقصدها ولا وضوء عليه؛ وذلك أن يجدها بعد مفارقة ما لمسه من غير قصد حين لمسه، السادس أن لا يقصدها ولا يجدها فلا وضوء عليه اتفاقا كما قال: "لا انتفيا"، السابع أن لا يقصدها ولا يجدها وعليه الوضوء؛ وهو القبلة بفم لغير وداع أو
стр. 490
رحمة، الثامن أن يجدها ولم يقصدها ولا وضوء عليه على ما للمص، وهو قوله: "ولا لذة بمحرم". وقد علمت أن الأصح خلافه. وقال الشيخ عبد الباقي إنه لا ينتقض وضوؤه بالمحرم على ما للمص ولو قصد اللذة ووجدها إلَّا أن يكون فاسقا، والمراد بالفاسق من مثله يلتذ بمحرمه، والمراد بالمحرم بما عند الناس فلو قصد لمسها يظنها أجنبية فظهرت محرما انتقض وضوؤه. انتهى. يعني حتى على ما للمص. وقال الشيخ محمد بن الحسن عن المسناوي إن مجرد قصد اللذة بالمحرم فسق، وقال: إنه الحق، وأشار إلى الأمر الثالث من أسباب الحدث بقوله: ومطلق مس ذكره قوله: "ومطلق" بالرفع عطف على زوال؛ يعني أن الرجل البالغ ينتقض وضوءه بمطلق؛ أي بمجرد مس ذكره عمدا أو نسيانًا التذ أم لا عسيبا أو كمرة فالإطلاق راجع للماس والمسوس، وهذا إذا مسه مباشرة فإن مسه من فوق حائل لم ينتقض وضوؤه، ولو خفيفا على الأشهر لما في صحيح ابن حبان عنه ﵊: (من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما ستر ولا حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة] (١)). نقله الحطاب. ومقابل الأشهر قولان: أحدهما النقض مطلقًا، والآخر يفرق بين الخفيف فينقض والكثيف فلا نقض. حكى هذه الأقوال الثلاثة المازري، وابن العربي، وابن راشد. خلاف ما قال ابن رشد في البيان: إن كان كثيفا فلا وضوء عليه قولا واحدا. نقله الإمام الحطاب. وقولي: البالغ مخرج للصبي فلا ينتقض وضوؤه بمس ذكره، ورد المص بالإطلاق على ما في المجموعة من التقييد بمس الذكر عمدا، ورد به أيضًا على ابن نافع في اشتراطه مسه من الكمرة. وعلى العراقيين في اشتراط اللذة، وينتقض وضوء من مس ذكره ولو عنينا أو حصورا لا يأتي النساء، أو خصيا لم يقطع ذكره، واحترز المص بذكره عن ذكر غيره فيجري على حكم الملامسة. قال الإمام الحطاب: ويؤخذ من المص أن المراد بالمس المس مباشرة؛ لأن المس إذا أطلق انصرف في الغالب للمس دون حائل، وإذا قلنا بوجوب الوضوء من مس الذكر، فمن صلى قبل أن يتوضأ أعاد الوضوء والصلاة أبدا، وإن قلنا بنفي الوجوب فروايتان عن ابن القاسم: إحداهما أنه يعيد الصلاة في الوقت، والثانية لا يعيدها في وقت ولا في غيره. وقال الشيخ زروق: إن مس ذكره وصلى أعاد أبدا على المشهور، وقيل في الوقت، وثالثها في
стр. 491
العمد أعاد أبدا، وفي السهو في الوقت، ورابعها مثله وفي السهو السقوط، وخامسها أبدا في الكمرة وفي العسيب السقوط، وسادسها لا إعادة: وسابعها يعيد فيما قرب كاليومين. نقله الإمام الحطاب.
المتصل يعني أنه يشترط في نقض الوضوء بمس الذكر أن يكون الذكر متصلا، بالماس، واحترز به عما إذا انفصل عنه ذكره بقطع مثلا، فإنه لا ينتقض وضوؤه بمسه ولو التذ لعدم الالتذاذ به عادة، ورد بقوله "المتصل" على الشافعية القائلين بالنقض، ولو قطع. وحكى ابن بزيزة في ذلك قولا في المذهب: فقال إذا مس ذكر غيره من جنسه أو من غير جنسه، أو ذكرا مقطوعا: أو ذكر صبي. أو فرج صغيرة فهل عليه الوضوء أم لا؟ فيه قولان: في المذهب. ولو مس موضع الجب فالجاري على أصلنا نفي الوضوء لعدم اللذة غالبا. وحكى الغزالي أن عليه الوضوء. قاله ابن هارون. نقله الإمام الحطاب. قال: ونص عليه ابن شعبان في الزاهي، ونص عليه في العارضة. وقال في المسائل الملقوطة: لا وضوء على المجبوب من مس موضع القطع كمس الدبر، ولو مست امرأة ذكر ميت بالغ لم ينقض ذلك طهرها إلَّا أن يحرك ذلك منها لذة. قاله الحطاب.
ولو خنثى يعني أن الخنثى إذا مس ذكره فإنه ينتقض وضوؤه حيث كان هذا الخنثى مشكلا، ومسه فرجه كمس المرأة فرجها لا ينقض، واحترز بالمشكل ضمن تحققت أنوثته فلا ينتقض وضوؤه بمس ذكره. ومن تحققت ذكورته ينتقض وضوؤه بمسه له بالأولوية، وذلك داخل فيما قبل المبالغة. والخنثى بضم الخاء من خنث الطعام إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه المقصود، وهو من له ما للرجال والنساء. وقيل إنه يوجد نوع منه ليس على واحد مما للرجال والنساء: وإنما له ثقب بين فخذيه لا يشبه واحدا من الفرجين. وألفه للتأنيث فهو غير منصرف، والضمائر العائدة عليه يؤتى بها مذكرة وإن اتضحت أنوثته؛ لأن مدلوله شخص. قاله التتائي في باب الفرائض. ويمتنع النِّكَاح في حق الخنثى من الجهتين، ولا يطأ أمته ولا يطؤه سيده، ويحكم له بالأحوط في صلاته واستتاره وشهادته فلا يقبل إلَّا في الأموال. ويعد كامرأة واحدة ولا يصلي إلَّا مستترا ستر النساء آخر صفوف الرجال وأول صفوف النساء. واختلف هل سهمه في الجهاد نصف أو ربع سهم، وإن زنى بذكره فلا حد عليه ويؤدب، وإن وُطِئ في فرجه كان عليه الحد، وقيل إن ولد. ونزلت فأفتى فيها ابن أيمن وغيره بنفي الحد ووضع الخنثى ابنا فمات من نفاسه: وقيل لا حد مطلقًا، وإن زنى بفرجه وذكره حد،
стр. 492
ولا يحد واطئه على قول الأكثر. وعلى قول الأقل يحد، زاد الشعبي. وعليه نصف المهر إن وَطِئ غضبا، ولا يحج إلَّا مع ذي محرم، [لا] (١) مع جماعة رجال فقط، ولا مع نساء فقط إلَّا أن يكن جواريه أو ذوات محارم. وإذا مات اشتريت له جارية تغسله من ماله، وإلا فمن بيت المال إن أمكن، وإلا يمم. قاله الإمام الحطاب. وفي شراء الأمة من بيت المال نظر؛ إذ لا ملك له فيها ولو كان لورثها عنه وارثه أو بيت المال فلا موجب لعتقها. انتهى. وقد مر أن شأنه في جميع أحواله الاحتياط فيعمل على إِحوط الأمرين، ولا يفعل إلَّا ما يفعل الرجال والنساء معا، ولا يفعل ما يجوز لأحدهما فقط فلا يلبس الذهب ولا الحرير، وليسمع نفسه فقط إذا صلى، ولا يؤذن، ولا يرث الولاء، ويستر نفسه إذا صلى: ويبدي للرجال ما تبدي لهم المرأة، وللنساء ما يبديه لهن الرجال. ولبعضهم:
أجب سائلا يا أيها الحبر إنه … على الحبر أن يفتي الفتى حين يسأل
ابن لي ففي الخنثى مسائل جمة … تزيد على عشر إذا كان يشكل
فما حكمه مهمى غزا وإذا زُني … به أو زنى ما حكمه حين يفعل
وقل أين يلقى في الجنائز نعشه … ومن يتولى غسله حين يغسل
وميراثه ما قدره ونكاحه … أيؤذن فيه أم يصان فيعضل
وإن لمست كفاه موضع فرجه … فهل طهره يبقى له أم يبدل
وهل صفه خلف المصلين آخرا … إذا هو صلى في الرجال أم أول
وهل سجنه بين الرجال أو النسا … فإن جوار الشكل بالشكل أمثل
وهل ينبذ القاضي شهادة قوله … إذا هو أدى أو يقول فيقبل
وقل هل يؤم القوم أم ليس يرتضى … فإن مقال الحق للمرء أجمل
فأجابه بعضهم بقوله:
стр. 493
تفطن هداك الله إن كنت تسأل … فهذا جواب نوره يتهلل
له نصف سهم في الغزاة وإن زني … بد فعليه الحد والحد أعدل
ومهمى زنى فالحد عنه بمعزل … فإن الفتى في معرك الحرب أعزل
وميراثه في نصف مرء ومرأة … كذاك تؤدى نفسه حين يقتل
ويعضل عن معنى النِّكَاح إذا اشتهى … فإن الهدى في عضله حين يعضل
وآخر صف في الرجال مكانه … وأما إذا لاقى النساء فأول
وحيث يصلي ثم يوضع نعشه … وذلك فيه سنة لا تبدل
وتغسله مملوكة تشترى له … بخالص بيت المال لا تتمول
ومهمى استحق السجن ثقف وحده … فليس له في الناس شبه يمثل
وليس يؤم القوم إلَّا ضرورة … وفي المال لا في غير ذلك يقبل
وإن هو مس الفرج أبطل طهرد … وإن مس إحليلا فنقض معجل
فدونكها مثل النجوم زواهرا … قد الفها ذو فطنة يتوسل
وذيلها الشيخ ميارة:
مذكاه مكروه دليل بلوغه … بأي بدا قل باحتياط يعلل
قال الشيخ ميارة: وكلام المجيب ظاهر إلَّا قوله: وليس يؤم القوم إلَّا ضرورة فلم أقف عليه. وإنما وقفت على كلام ابن عرفة في شروط الإمامة عن ابن بكير: أن الخنثى المشكل كالمرأة. انتهى. وعليه فلا يؤم إلَّا على رواية: تؤم المرأة النساء وعلى هذا فالأولى أن يقول:
إمامته فامنع لغير ابن أيمن ......................................................
стр. 494
وذهب إلى النقض بمس المرأة فرجها ببطن متعلق بقوله: "مس" يعني أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر على الإطلاق؛ أي بكل جزء باتفاق أئمتنا، بل لابد من تقييده بكونه ببطن لكف أو إصبع، أو جنب يعني وكذلك ينتقض الوضوء أيضًا بمس الذكر بجنب لكف أو إصبع، فقوله: لكف راجع لقوله: "ببطن أو جنب" ومعنى ذلك أن من مس ذكره ببطن كلِّه أو جنبه ينتقض وضوؤه، ويرجع لقوله: "ببطن أو جنب" أيضًا. قوله: أو إصبع ومعناه أن من مس ذكره ببطن إصبعه أو جنبه ينتقض وضوؤه، ويدخل في الجنب رءوس الأصابع فإنها من جملة الجنب لا بغير ذلك من ظاهر الكف والأصابع، ولا بالذراع مطلقًا، ولا بغير ذلك من سائر الجسد وكذا لا ينتقض الوضوء بمس الظفر طال أم لا. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن زائدا يعني أنه لا فرق في نقض الوضوء بمس الأصابع بين أن يمسه بإصبع زائدة، وبين أن يمسه بإصبع أصلية، فالنقض بذلك حاصل بشرط أن يكون هذا الإصبع الزائد قد أحس بأن ساوى غيره إحساسا ومعنى أحس أدرك ما يدركه السليم من الأعضاء إذا لمس شيئًا سواء تُحقق التساوي أو شك فيه وقوله: "أحس" ليدى خاصا بالإصبع الزائدة، بل الإحساس شرط في الإصبع الأصلية أيضًا. وذَكَّر المص الإصبع وإن كانت مؤنثة نظرا إلى أن الإصبع في معنى العضو. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر مسه بكف بمنكب أو بيد زائدة هل يجري فيه ذلك، أو يجري على مسألة غسله؟ في يجب غسله يجري المس به على المس باليد الأصلية، وما لا فلا. وانظر أيضًا لو خلق له ذكران. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر في هذه الوضوء لظاهر الحديث: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ] (١): ولظاهر كلامهم والظاهر في الكف بالمنكب أنَّها كالكف الجارية على العادة، لظاهر كلامهم والظاهر أيضًا في اليد الزائدة أنَّها كالأخرى، لظاهر كلامهم. والله أعلم. انتهى. ولما أنهى الكلام على الأحداث وأسبابها أتبع ذلك بالكلام على النوع الثالث، وهو ما ليس بحدث ولا سبب فقال: وبردة يعني أن المسلم إذا توضأ وارتد عن الإسلام - والعياذ بالله تعالى -، ثم رجع للإسلام قبل نقض وضوئه بحدث أو سبب أو شك في ذلك، أي في السبب أو الحدث، فإن
стр. 495
وضوءه ينتقض. نسأل الله السلامة. اللهم يا عظيم البرهان، ويا ذا الفضل والامتنان، إنا نعوذ بك من زوال الإيمان، بالله يا رحيم يا رحمن، ونستشفع إليك في ذلك بجاه سيدنا محمد الذي نال به أهل الإيمان: محاسن الحور والولدان، عليه أفضل الصلاة والسلام وبجاه كلّ نبي وولى، وإنما بطل الوضوء بالردة نعوذ بالله تعالى؛ لأنَّها محبطة للعمل الذي من جملته الوضوء لقوله تعالى مخاطبا لنبيه ﷺ مريدا غيره لعصمته هو وسائر الأنبياء من الكبائر والصغائر فضلا عن الإشراك بقوله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وأما الغسل فلا تبطله الردة على المذهب: وقول الش: إنها تبطله، ضعيف؛ لأنَّها ليست من موجبات الغسل الأربع. وفي العارضة لابن العربي في شرح الترمذي: إن اغتسل وصلى ثم ارتد، فاختلف علماؤنا المالكية هل ينتقض غسله ووضوؤه؟، والصحيح بطلان الكل. وقيل إن الردة لا تبطل الوضوءة قال بعض شيوخنا من القرويين: إذا اغتسل رجل من جنابة، ثم ارتد، ثم رجع للإسلام لا غسل عليه، ولا وضوء إذا ارتد بعد أن توضأ عند ابن القاسم إلَّا استحبابا. وإنما قال بإيجاب الوضوء يحيى بن عمر. والفرق بين وجوب الوضوء بالردة على المشهور، وعدم وجوب الغسل وإن حبط الثواب فيهما أنه بعد الوضوء صار بمنزلة من بلغ حينئذ فوجب عليه الوضوء بموجبه، وهو القيام إلى الصلاة بخلاف الغسل، فإنه لا يجب إلَّا بوقوع سبب من أسبابه. نعم، إذا وقع عليه حال ردته لوجب غسل أو وقع قبلها وارتد قبل الغسل، وجب عليه الغسل بعد إسلامه، ويكون من أفراد قوله. ويجب غسل كافر.
ويشك في حدث يعني أن من أيقن بالوضوء وشك في الحدث يجب عليه الوضوء، وكذا لو أيقن بالوضوء وشك في سبب من أسباب الحدث، فإنه ينتقض وضوؤه بخلاف الشك في الردة فلا يبطل الوضوء كما ذكر أحمد عن بعض شيوخه وقيل ينتقض وضوؤه، والأول هو الموافق لا لعياض، وغيره من أن من أتى بلفظ يحتمل الكفر من وجوه كثيرة ويحتمل الإسلام من وجه واحد فإنه لا تُجرى عليه أحكام المرتد. بل أولى من ذلك. ومعنى ما للشيخ أحمد أنه وقع منه في نفسه الشك، وما لعياض علم الناس أنه أتى بلفظ محتمل. بعد طهر علم الظرف يتعلق بشك، يعني أن شكه في الحدث إنما وقع بعد أن حصلت الطهارة يقينا؛ أي توضأ ثم بعد أن توضأ يقينا