وان تمت ذات اختلاع وقفا … من مالها ما فيه للدين وفا
للأمد الذي إليه التزما … وهو مشارك به للغرما
قال الشيخ ميارة: يعني أن من خالع زوجته على أن تحملت له نفقة ولدها منه مدة معلومة ثم ماتت في أثناء تلك المدة، فإنه يؤخذ من مالها نفقة بقية المدة المعروفة، فإن كان على المرأة دين غير ما التزمته من النفقة فإن للزوج محاصة غرمائها بما التزمته من نفقة ولده.
قال في الوثائق المجموعة: قال سحنون: تلزمها النفقة وإن اشترطت عليها خمس عشرة [سنة] (١)، فإن مات الابن قبل انقضائها لا يكون للزوج رجوع فيما بقي لأنها إنما تحملت له رفع مؤنته عنه، ولو ماتت هي وقف من مالها قدر مؤنة الابن إلى انقضاء المدة التي التزمتها، فإن مات الابن قبل انقضائها رجع ما بقي مما وقف ميراثا إلى ورثة المرأة، وإن فلست رجع ذلك الموقوف إلى الغرماء إن كان بقي لهم شيء من ديونهم إذ للزوج محاصة الغرماء بالنفقة، وللأمد متعلق بوقفا ونانب التزم يعود على الإنفاق وما نائب وقف، وقوله: وهو أي الزوج مشارك للغرماء في متروكها فيحاص فيه بنفقة ولده والغرماء بديونهم. انتهى.
أو انقطع لبنها يعني أن المرأة إذا خالعها زوجها على أن تنفق على ولدها مدة الرضاع فإن نفقة الولد مدة رضاعه عليها كما عرفت، فإذا انقطع لبنها فإنها تستأجر من ينفق عليه فإن لم يكن لها مال أنفق الأب عليه واتبعها كما في المدونة، وقد صوب اللخمي أنه لا يتبعها وقد مر عن اللخمي أنها إذا خالعته على نفقة حملها منه وأعسرت أنه ينفق على الحمل ويتبعها. والله سبحانه أعلم. وعبارة التوضيح: إذا انقطع لبنها لزمها أن تشتري له لبنا. أو ولدت ولدين يعني أنه إذا خالعها على نفقة ما تلده مدة الرضاع فإنه يلزمها أن تنفق على من ولدته ولو ولدت توأمين فأكثر، فإن عجزت فعلى الأب ويتبعها إن أيسرت.
وبما قررت علم أن قول المص: فعليها جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث.
стр. 4307
تنبيه: اعلم أن من طلق امرأة وهي حامل ولم يخالعها فدفع إليها نفقة الرضاع لكان (١) ذلك براءة له من نفقة الحمل المتقدمة، وكذا من أكرى دارا مشاهرة فدفع كراءها شهر فذلك براءة للدافع مما قبل ذلك، وهذا فيه مناسبة مع قوله: "فلا نفقة للحمل".
وعليه نفقة الآبق يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها على آبق فإن نفقة العبد الآبق تكون على الزوج لأن ملكها له قد زال بمجرد الخلع ودخل في ملكه، والمراد بالنفقة مؤونة تحصيله وطعامه وشرابه من وقت وجدانه إلى وصوله له.
والشارد يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها على بعير شارد فإن نفقته تكون على الزوج لزوال ملك الزوجة عنه ودخل في ملك الزوج، وما قيل في نفقة الآبق يقال في البعير الشارد، وقوله: "وعليه نفقة الآبق والشارد" أي أجرة أو جعل تحصيلهما وطعامهما وشرابهما من وقت وجدانهما إلى وصولهما له؛ لأن ملكها قد زال عنهما بمجرد عقد الخلع ودخلا في ملكه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وعليه أي الزوج نفقة العبد الآبق والبعير الشارد لمن أنفق عليهما بعد الوجدان أو جوعل على تحصيلهما قبل الوجدان أو بعده، وطعامهما وشرابهما من وقت وجدانهما إلى حين وصولهما للزوج، وإلا فالآبق والشارد قبل التحصيل يستحيل الإنفاق عليهما قبل علم المحل وبعده. انتهى.
وقال الحطاب: قال الشارح مراده بالنفقة عليهما الأجرة أي على طلب الآبق والشارد، قال: ويمكن أن يقال مراده أيضا النفقة عليهما في تلك المدة فإنه لو أمسكهما إنسان وأنفق عليهما ليرجع على سيدهما فإنه إنما يرجع على الزوج، كما أشار إليه ابن فرحون. انتهى. فنفقة الآبق والشارد تشمل الجعالة على تحصيلهما والنفقة عليهما بعد تحصيلهما، وقال ابن الحاجب: ونفقة الآبق والشارد على الزوج، قال في التوضيح: مراده بالنفقة الجعل على تحصيل الآبق والشارد وإلا فالنفقة عليهما مع الجهل بموضعهما أو مع عدم القدرة على تحصيلهما محال. انتهى.
إلا لشرط يعني أن الزوج إذا اشترط على الزوجة أن نفقة الآبق والشارد تكون عليها، فإنه يعمل بذلك الشرط فتكون النفقة المذكورة عليها ومثل الشرط العرف، وينبغي رجوعه لقوله: "وإن ماتت"
стр. 4308
وما بعده ويقدم الشرط على العرف عند تعارضهما. قاله الشيخ عبد الباقي. لا نفقة جنين يعني أن الزوجة إذا خالعت زوجها على جنين فإن نفقة أم الجنين لا تلزم الزوج، وقد مر أنه لا يجوز الخلع على الجنين إلا إذا كانت المرأة تملك أمه، وإنما كانت نفقته عليها لأن الجنين كالعضو من أمه.
إلا بعد خروجه استثناء منقطع لأنه لا يسمى جنينا بعد وضعه إلا بطريق التجوز؛ يعني أن نفقة الجنين المخالع به إذا وضعته أمه فإنها تكون على الزوج، والمراد بالنفقة أجرة رضاعه وكسوته، ففي المتيطى: على المرأة رعاية الغنم قبل ولادتها وهو نحو قول بعض شيوخ عبد الحق: النفقة عليها إلى خروج الجنين، وقوله: "إلا بعد خروجه" هو كذلك في بعض النسخ وفي بعض النسخ: إلا بعد وضعه ومعناهما واحد، إلا أن نسخة خروجه أعم لأن الجنين شامل لجنين من يعقل ومن لا يعقل، والخروج يقال للجميع بخلاف الوضع فإنه خاص بمن يعقل. قاله الشبراخيتي.
وأجبر على جمعه مع أمه يعني أن المرأة إذا خالعت زوجها على جنين في بطن أمتها، فإنه إذا ولدته أمه تجبر هي والزوج على جمع الجنين مع أمه في ملك واحد فيبيعانهما لشخص واحد أو يشتري أحدهما الذي بيد صاحبه، ولا يكفي جمعهما في حوز واحد لأن التفريق هنا بعوض، وقوله: "وأجبر" بالتركيب والظاهر أن النائب حرف الجر بعده لا ضمير يعود على الزوج لأنهما يجبران معا، قاله جامعه عفا الله عنه. وعبارة الشبراخيتي عند قوله "وأجبر: كل من الزوجين"، وقوله: "وأجبر على جمعه مع أمه": أي في ملك واحد فما يقال هذا عوض غير متمول، فيكفي فيه الجمع في الحوز لا يلتفت إليه. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وأجبر على جمعه مع أمه" نحوه لابن المواز، فإنه قال وإذا خالعها على جنين في بطن أمه فهو له إذا خرج ويجبر على الجمع بينهما فيباع مع أمه. انتهى.
وفي نفقة ثمرة يبد صلاحها قولان يعني أن شيوخ عبد الحق اختلفوا فيما إذا خالعت المرأة زوجها بثمرة لم يبد صلاحها أو لم تظهر بالكلية، هل تكون نفقة تلك الثمرة على المرأة لتعذر التسليم شرعا أو على الزوج لأن ملكه قد تم ولا جائحة؟ وقوله: "قولان" مبتدأ وخبره "في نفقة" فإن بدا صلاحها ولم تحتج بعد بدوه لكلفة فعلى الزوج أجرة جذها إلا لشرط كذا يظهر. قاله
стр. 4309
الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي عند قوله: "لم يبد صلاحها": أعم من أن تكون برزت أم لا، بأن قالت أخالعك على ثمرة شجري في هذا العام.
واعلم أن الأرجح من القولين كون النفقة على الزوج إلا لشرط أو عرف. قاله الشيخ الأمير. وكفت المعاطاة يعني أن الخلع ينعقد بالصيغة ولابد له منها، ولا يشترط أن تكون باللفظ فتكفي المعاطاة في عقد الخلع عن النطق به حيث فهم منها الخلع، مثل مسألة الحفر والدفن وهي أن تحفر حفرة ويملأها ترابا وعرفهم دلالة ذلك على الفراق كبعض البدو، وتدفع له مع ذلك عوضا حين الحفر ويقبله ويدفن الحفرة، فإن لم تدفع له عوضا كان رجعيا وكمن عرفهم أنه إذا حصل منه ما يغيظها وأخرجت سوارها من يدها ودفعته له وخرجت من الدار ولم يمنعها فطلاق، وكتركها مالا بذمته وتقصد به المباراة كبعض البدو.
قال عبد الباقي: وما يأتي من أن اللفظ من أركان الطلاق والفعل لا يقع به الطلاق ولو نواه به إنما هو في فعل مجرد عن العرف. انتهى. وتمثيل بعض الشراح للمعاطاة بقول المدونة: إن أخذ شيئا منها وانقلبت وقالت هذا بذاك ولم يسميا طلاقا فهو طلاق الخلع [انتهى (١)] فيه أنه ليس من المعاطاة؛ لأن فيه اللفظ، وقال ابن عرفة: ويتقرر بفعل دون قول لنقل الباجي، وروى ابن وهب: من ندم على نكاح امرأة فقال أهلها نرد لك ما أخذنا وترد لنا أختنا ولم يكن طلاق ولا كلمة فهي تطليقة، وسمع ابن القاسم إن قصد الصلح على أن أخذ متاعه وسلم لها متاعها فهو خلع لازم ولو لم يقل أنت طالق. انتهى. وهو يفيد أن ذلك لا يتقيد بالعرف خلاف ما في الزرقاني. قاله محمد بن الحسن.
وإن علق بالإقباض أو الأداء لم يختص بالمجلس يعني أن الزوج إذا علق الخلع على الإقباض كأن يقول لها إن أقبضتني كذا فأنت طالق أو بالأداء، كأن يقول لها إن أديت إلي كذا فأنت طالق فأقبضته ذلك أو الله إليه في المجلس الذي قال لها ذلك فيه أو بعد ذلك المجلس فإنه تلزمه البينونة، ولا يختص لزوم التعليق بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه، فمتى أقبضته أو أدت إليه ما طلبه وقع عليه الطلاق كان ذلك في المجلس أو بعده ما لم يطل ما بين قوله لها ذلك والإقباض
стр. 4310
أو الأداء بحيث يرى أن الزوج لا يجعل التمليك إليه أو يرى أن المرأة تاركة له كما نص عليه الشبراخيتي.
إلا لقرينة يعني أن في تقدم من أنه إذا علق بالإقباض أو بالأداء لم يختص ذلك بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه إنما هو حيث لا قرينة تدل على اختصاص ذلك بالمجلس، وأما إن قامت قرينة تدل على أن الزوج أراد اختصاص الإقباض أو الأداء بالمجلس الذي قال لها ذلك فيه فإن لزوم الطلاق يختص بما إذا أقبضته بالمجلس أو أدت إليه فيه، ولا يلزم حينئذ إن أقبضته بعده أو أدت إليه بعده. والله سبحانه أعلم.
ومحل لزوم البينونة إن فهم الالتزام مطلقا ورطها أم لا، أو الوعد بشرط أن يورطها كما يأتي قريبا إن شاء الله، وقوله: "إلا لقرينة" مثال القرينة ما إذا كان معه في المجلس من يحب إكرامهم ونحو ذلك فحمله ذلك على أن علق الطلاق بالإقباض أو الأداء: وظاهر المص أنه لا يعتبر قبول الزوجة للتعليق في المجلس خلافا لابن عبد السلام.
والحاصل أنه إن وقع منها الأداء بعد المجلس وقبل الطول لزم الخلع مطلقا عند المص وابن عرفة، وقيد ذلك ابن عبد السلام بتقدم القبول منها في المجلس وإلا لم يلزم عنده، وقد مر أن الطول في يرى أن الزوج لا يجعل التمليك إليه. قاله عبد الباقي. وتحصل من هذا أن الصور ثلاث: وجود القبول والمعلق عليه ناجزين بالمجلس فخلع باتفاق ابن عرفة وابن عبد السلام، الثانية: عدم وجودهما إلى ما يرى ترك الزوجين للتعليق ولا قرينة فلا خلع باتفاقهما، الثالثة: وجود المعلق عليه بعد المجلس مع قرينة على عدم الترك ولم يقع قبول ناجز (١) بالمجلس فلها ذلك عند ابن عرفة ولا خلع عند ابن عبد السلام. قاله عبد الباقي.
وجعل الشبراخيتي من محل الطول في يرى أن المرأة تاركة لذلك كما قدمته عنه. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولا يختص: الضمير المستتر فيه عائد على الإقباض أو الأداء قاله عبد الباقي. وقال: وجعلنا ضمير يختص للإقباض أو للأداء ظاهر، وأما القبول أي قبول الزوجة للتعليق فلا يعتبر هنا، وإنما يناطـ الحكم بوجود المعلق عليه فإن وجد حصل المعلق وإلا فلا، وكلام المص على هذا موافق لابن عرفة. انتهى. وقال الحطاب: قال في إرخاء الستور من المدونة: وإن خالعها على
стр. 4311
أن تعطيه ألف درهم فأصابها عديمة جاز الخلع واتبعها بالدراهم إلا أن يكون إنما صالحها على أنها إن أعطته الآن تم الصلح فلا يلزمه الصلح إلا بالدفع. انتهى
ولزم في ألف الغالب يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها بألف درهم مثلا ولم تعين سكتها وكان في البلد الدراهم المحمدية واليزيدية وكان التعامل بإحداهما هو الغالب، فإنه يقضى بالغالب من ذلك وكذا لو اختلعت منه بألف دينار وكان في البلد نوعان من الدنانير، والتعامل بأحد النوعين هو الغالب ولم يقع التنصيص على نوع بعينه فإنه يقضى بالغالب من ذلك، وحكم غير النقدين كذلك مثل أن يخالعها على مائة رأس من الإبل أو البقر أو الغنم، فإن لم يكن غالب أخذ من كل المتساويين النصف ومن الثلاثة المتساوية الثلث من كل وهكذا وتقدم نظيره في الصداق، ومحل ما ذكره المص حيث عينت النوع كما قررت فإن لم تعين نوع الألف فيعمل بعرفهم في إطلاق هذا اللفظ، فإن لم يكن لهم عرف قبل تفسيرها إن وافقها الزوج على ذلك وإلا حلفت ولم يقع طلاق قاله عبد الباقي وغيره.
ابن شاس: إن خالعها على ألف درهم وفي البلد نقود مختلفة فأتت بغير الغالب لم يلزمه طلاق، وقال الشبراخيتي: وإن لم يكن غالب فالظاهر أنه يؤخذ من هذا النصفُ ومن هذا النصفُ بعد أيمانهما. قاله ابن وهبان. وهذا إذا كان المأخوذ منه شيئين فإن كان ثلاثة فمن كل الثلث. انتهى وقوله: "ولزم في ألف الغالب" أي حيث لم يقع التنصيص على بعض أفراد النوع مع تعيين النوع، وأما لو وقع التنصيص على بعض أفراد النوع فإنه يؤخذ من ذلك المعين. قاله الشارح. وهو ظاهر.
والبينونة إن قال إن أعطيتني ألفا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: إن أعطيتني ألفا فارقتك بصيغة الماضي، أو قال لها إن أعطيتني ألفا أفارقك بصيغة المضارع فإنه تلزمه البينونة، أما إذا فهم من كلامه الالتزام فإنه تلزمه البينونة إن أتت بالألف مطلقا ورطها أم لا كما أشار إلى ذلك بقوله: إن فهم من كلامه الالتزام للفراق بأن يكون مُحَتِّمًا له إن أتته بالألف، وقوله: "إن فهم الالتزام" أي فهم من قرينة الحال أو المقال مثال ما إذا فهم الالتزام من قرينة المقال أن يقول لها إن أعطيتني ألفا أفارقك متى شئت، أو فارقتك متى شئت، أو يقر بأنه أراد بذلك الالتزام، ومثال
стр. 4312
ما إذا فهم الالتزام من قرينة الحال ما إذا كان في مجلسه من يحب إكرامه جدا وليس عنده ما يكرمه به وعندها هي ما يتوصل به إلى إكرامه، فيقول لها: إن أعطيتني كذا فارقتك أو أفارقك، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وإلزام البينونة له هنا حاصل مطلقا فلا يحتاج إلى توريطها فتلزمه البينونة إن أعطته ما سمى أو أي وكذا تلزمه البينونة إن قال لها إن أعطيتني ألفا فارقتك أو أفارقك، وفهم من ذلك الوعد لكن لا مطلقا بل إنما تلزمه إن ورطها أي أدخلها في ورطة أي أمر كريه بأن باعت متاعها أو دارها وما أشبه ذلك.
واعلم أن قوله: "إن فهم الالتزام" راجع للصورتين، كما أن قوله: "أو الوعد" راجع لهما لأن إن تخلص الماضي للاستقبال، واعلم أن الأصل في فارقتك أنها للالتزام وتنصرف للوعد بقرينة، وأن أفارقك الأصل فيها أن تكون للوعد وتنصرف للالتزام بقرينة وقد مر التمثيل للالتزام حيث فهم من قرينة الحال أو المقال، ومثال قرينة المقال في الوعد أن يقول لها أنا لا أخلف الوعد إن أعطيتني ألفا فارقتك أو طلقتك أو أفارقك، وكما لو قالت له: لا تقم من مجلسك حتى تعدني أنك تفارقني إن أعطيتك ألفا مثلا، وتقول له إن الكريم يجيب إلى ما طلب منه، فقال لها إن أعطيتني ألفا فارقتك ونحو ذلك، ومثال قرينة الحال في الوعد أن تكون حالته تقتضي أنه لا يفارقها إلا عن ضرر عظيم يلحقه وتسأله أن يفارقها بشيء تعطيه له، فيقول لها: إن أعطيتني كذا فارقتك وهو بحالة تدل على أنه لا يفارقها حتى يزول ذلك الأمر الذي هو ملجئ له إليها. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن محل التفريق بين الوعد والالتزام إنما هو فيما ليس نصا في إنشاء الطلاق نحو أطلقك أو طلقتك أو فارقتك أو أفارقك أو خالعتك أو أخالعك فيجبر على الفراق حيث فهم الالتزام مطلقا، ويجبر عليه إن فهم الوعد حيث ورطها، وأما ما هو نص في الإنشاء نحو إن دفعت إلي كذا فأنت طالق فتلزم البينونة بالدفع خلافا لما في الخرشي وغيره. قاله الشيخ الأمير. وأشار بقوله: وغيره إلى ما في ابن الحاجب، ومثل إن أعطيتني ألفا فأنت طالق إن فهم الالتزام لزم وإن فهم الوعد ودخلت في شيء بسببه فقولان. انتهى.
قول ابن الحاجب: فقولان، ابن بشير: ولو أدخلها في شيء بذلك الوعد فالمذهب اللزوم، وقال الحطاب في التزامه المرجع في الفرق بين الالتزام والوعد إلى ما يفهم من سياق الكلام وقرائن
стр. 4313
الأحوال، فحيث دل الكلام على أحدهما عمل عليه. انتهى. نقله الشيخ إبراهيم. ونظم الشيخ علي الأجهوري ذلك فقال:
قرائن الأحوال أو سوق الكلام … مورد فرق بين وعد والتزام
وفي شرح الشيخ عبد الباقي أن صيغة الماضي للالتزام والمضارع للوعد وضعا فيهما إلا لقرينة. انتهى. وقاله غيره وهو الذي قدمته، وفي ذكره المص في الالتزام متفق عليه وفي الوعد هو المعروف، وقيل لا ويحلف أنه لم يرد طلاقا، فإن لم يورطها فلا يلزمه شيء وهو الجاري على المشهور في عدم وجوب الوفاء بالوعد، وعلى الشاذ يلزمه. قاله الشارح.
أو طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة يعني أن المرأة إذا قالت لزوجها طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة فإنها تبين وتلزمها الألف.
ابن شأس: إذا قالت طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة استحق الألف على المنصوص. قاله المواق. وقال محمد بن الحسن: وفي إيضاح المسالك للوانشريسي ما نصه: والمذهب أن لا كلام لها، وصحح ابن بشير تخريج اللخمي الخلاف على القاعدة يعني قاعدة اشتراط في لا يفيد، هل يجب الوفاء به أم لا؟ واختار بعضهم أنه يفيد تقية غلبة الشفاعة لها في مراجعته على كره منها. نقله الشيخ بناني. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله "أو طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة" ما نصه: فتلزمه الألف لأن قصدها البينونة وقد حصلت، والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي. هذا قول ابن المواز. ومذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلا إن طلق ثلاثا. قاله كريم الدين. ولا يلزمها في واحدة شيء من الألف كما في علي الأجهوري، وفي بعض التقارير يلزمها ثلث الألف، ثم ينبغي على كلام كريم الدين وعلي الأجهوري أن تكون بائنا نظرا لوقوعها في مقابلة عوض وإن لم يتم، واستشكل مذهبها بأن شرط الزوجة لا فائدة له لبينونتها بواحدة، وأجاب أبو الحسن بأنه قد يكون لها غرض وهو عدم رجوعها إليه قبل زوج إذا ندمت. انتهى.
قوله: ومذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف لخ قال محمد بن الحسن: في هذا النقل نظر والظن أنه باطل، وفي إيضاح المسالك للوانشريسي: إلى آخر ما مر، وفي كتاب الأمير: التصريح بموافقة عبد
стр. 4314
الباقي وأن مذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلا إذا طلق ثلاثا، وقال الشارح عند قول المص: "أو طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة": هذا هو المنصوص وبه قاله ابن المواز. انتهى.
وبالعكس يعني أن الزوجة إذا قالت لزوجها طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا فإنها تلزمها الألف وتبين وهو مذهب المدونة وغيرها لحصول غرضها وزيادة: وقال ابن سلمون: وإن أوقع ثلاثا على الخلع نفذ الطلاق وسقط الخلع، واعتمده في التحفة فقال:
وموقع الثلاث بالخلع ثبت … طلاقه والخلع رد إن أبت
وهو الذي قال ابن سلمون واستظهره (١) ابن عرفة فاستظهر أنها ترجع عليه في هذه بالألف مع وقوع الثلاث لأنه يعيبها بالثلاث.
أو أبني بألف قوله: "أبني" فعل أمر من أبان يعني أن المرأة إذا قالت لزوجها: أبني بألف ففعل فإنها تبين وتلزمها الألف. ابن شأس: لو قالت أبني بألف فقال أبنتك نفذ الخلع ولزمتها الألف، أو طلقني نصف طلقة يعني أن المرأة إذا قالت لزوجها طلقني نصف طلقة مثلا بألف ففعل فإنها تبين وتلزمها الألف، وكذا لو قالت طلقني نصفي طلقة، وقوله: "تصف" أي وكذا غير النصف من الأجزاء كربع ونحوه، أو في جميع الشهر يعني أن المرأة إذا قالت لزوجها أبني في جميع الشهر بألف أي جعلت الشهر ظرفا لذلك ففعل الزوج ذلك فإنها تبين وتلزمها الألف.
وبما قررت علم أن قوله: ففعل راجع للمسائل الثلاث، فقوله: "ففعل" أي قال فعلت، وأما لو قال أبنتك أو طلقتك فلا يتوهم. قاله الشيخ إبراهيم. وسواء قال في المسألة الأخيرة فعلت في أول الشهر أو وسطه أو آخره؛ لأنه متى قال فعلت بانت. قاله الشيخ إبراهيم. وقال عبد الباقي: "ففعل" ما مر ومن جملته تطليقه أثناء الشهر فتلزمها الألف وتبين، فإن طلق بعده وقع بائنا ولم يلزم المرأة شيء. انتهى.
أو قال بألف غدا فقبلت في الحال يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق بألف غدا من الدنانير أو الإبل أو غيرهما فقبلت ذلك أي وافقته على ما طلب منها في الحال أي في الوقت الذي قال لها ذلك فيه فإنها تبين الآن وتلزمها الألف، ومثله إذا قالت طلقني بألف غدا فطلق في
стр. 4315
الحال أو غدا فيستحق الألف إن فهم منها قصد تعجيل الطلاق أو لم يفهم شيء فيما يظهر، فإن فهم منها تخصيص الغد لم يلزمها شيء حيث قدم الطلاق على غد كما إذا لم يوقعه إلا بعد غد مطلقا، والطلاق البائن لازم له على كل حال، وظاهره أنه لا يجري مثل هذا التفصيل في الرجل. قاله عبد الباقي. وجزم به الأمير، فقال: ولا ينظر لغرضه لأنه إن علق الطلاق بغد تنجز. انتهى. أو بهذا الهروي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق بهذا الثوب الهروي الذي في يدك فأعطته إياه، فتأمله فإذا هو ثوب مروي فإنه يلزمه الثوب المروي والبينونة، والهروي بفتح الهاء والراء المهملة بعدها واو مكسورة بعدها ياء مشددة: ثوب أصفر يعمل بهراوة، إحدف مدائن خراسان، يقال: هريت الثوب إذا صبغته، وكانت سادة العرب يتعممون بالعمائم الهروية. والمروي بسكون الراء نسبة إلى مرو بسكونها على القياس في نسبة ما لا يعقل إليها وهي بلدة بخراسان أيضا وثوبها يلبسه خاصة الناس منهم، ونسبة العاقل إليها مروزي بزيادة زاي على غير القياس. قاله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: والثياب الهروية ثياب [من رقيق] (١) القطن يصفر سداها بالزعفران أو الكمون أو نحوه. انتهى. وإنما لزم الثوب والبينونة لأن الإشارة عينته فكان المقصود ذاته لا نسبته إلى البلد وهو مقصر في عدم التثبت وكذا يلزم الثوب، والبينونة بالأولى لو قال بالهروي هذا لأن الأولى يتوهم فيها أن الوصف ناسخ لاسم الإشارة، وكذا الحكم في قوله أنت طالق بهذه الدراهم المحمدية فإذا هي يزيدية أو العكس فلا يلزمها (٢) بدلها، وأما لو قال أنت طالق بثوب هروي فأتت بمروي فلا يلزمه طلاق لأنه تعليق معنى، وقوله: "أو بهذا الهروي فإذا هو مروي" الأظهر عدم اللزوم إن كان المسمى أفضل وغرته.
أو بما في يدها وفيه متمول يعني أن الزوج إذا قال لامرأته أنت طالق بما في يدك وهو مختف عنه، فإنها تبين بما في يدها حيث أعطته له كان في يدها متمول أي شيء يصح تملكه ولو يسيرا، أو لا أي وكذا تبين إن لم يكن في يدها متمول كخرقة بالية مثلا، وكذا تبين إن كانت
стр. 4316
يدها فارغة عند محمد وسحنون لدخوله على الغرر لأنه طلق لشيء يأخذه، أولا يأخذه قال ابن عبد السلام: وهو الأقرب.
وإلى ما قاله ابن عبد السلام أشار بقوله: على الأحسن، ومقابله قول مالك: لا خلع بينهما، قال اللخمي: وهو الأحسن، ولو كان في يدها حجر متمول ظاهر وقالت طلقني بهذا الحجر فطلقها فإنها تكون بائنا ويستحق الحجر، فإن لم يكن متمولا مع إراءتها إياه فرجعي، ومن حق المؤلف أن يقول: وفيها؛ لأن اليد مؤنثة ولعله لاحظ معنى العضو فذكر.
لا إن خالعته بما لا شبهة لها فيه يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بمعين لا شبهة لها فيه وهي عالمة بأنه لا شبهة لها فيه فإنه لا يقع عليها طلاق، وظاهره ولو أجازه المستحق فإن خالعته بموصوف ودفعت له ما لا شبهة لها فيه عالمة بذلك بانت، ورجع عليها بمثله كما لو جهلا معا فيرجع عليها بالعوض من قيمة أو مثل معينا أو موصوفا، فإن علم دونها وقع عليه الطلاق ولا شيء له معينا أو موصوفا كما مر تحريره.
وعلم مما قررته أنه لا منافاة بين ما هنا وبين قوله: "وقيمة كعبد استحق" لأن ذلك فيما إذا جهلا معا كما مر، وقوله: "لا إن خالعته بما لا شبهة لها فيه" خلافا للخمي، وضعف قوله. قاله الشارح.
أو بتافه في إن أعطيتني ما أخالعك به يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن أعطيتني ما أخالعك به فقد خالعتك، فأعطته تافها فإنه لا يلزمه طلاق ويخلى بينه وبينها ولا يمين عليه، والمراد بالتافه هنا ما دون خلع المثل كما صرح به غير واحد وإن كان التافه لغة ما لا بال له.
فرع: لو أوصى لها شخص بمال فخالعت زوجها به ثم رجع عن وصيته أولم يحملها ثلثه أو خالعها بعطائها وأسقط أي بطل بعد الخلع فإنه يلزمه الطلاق. قاله في المدونة. ولا شيء له عليها.
اللخمي: أرى إن علمت برجوعه عن الوصية أو سقط العطاء قبل الخلع أن يرجع عليها بمثل ذلك إن كانت موسرة. قاله الشبراخيتي. وقد مر الكلام عليه عند قوله: "أو أطلق له أو لها" بأتم مما هنا فراجعه إن شئت.
стр. 4317
وطلقتك ثلاثا بألف فقبلت واحدة بالثلث يعني أن الزوج إذا قال لزوجته طلقتك ثلاثا بألف فقبلت واحدة من الثلاث بثلث الألف فإن الزوج لا يلزمه طلاق؛ لأن من حجته أن يقول لم أرض بخلاصها مني إلا بالألف لا بأقل، ولهذا لو قبلت واحدة بألف لزمته طلقة الخلع كما قال ابن الحاجب، وصوبه ابن عرفة لحصول مقصوده بحصول الألف له، والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعي بل يتعلق بها غرض فاسد وهو تنفير الأزواج منها إذا سمع أنها طلقت ثلاثا، وقوله: "أو طلقتك ثلاثا بألف" لخ أي لأن المذهب أن التزام معاوضة كل بكل لا توجبه في جزء منه بمثله من الآخر منفردا. قاله ابن عرفة.
وقوله: "أو طلقتك ثلاثا بألف" لخ قال الشيخ سالم: ينبغي أن تلزم الثلاث لأن الزوج أوقعها والطلاق لا يرتفع بعد وقوعه، وهكذا كان يقول الشيخ بحثا. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وأجاب الشبراخيتي بأنه إنما لم يلزمه الطلاق لأنه معلق في المعنى، فقوله: "بألف" أي بشرط دفع ألف أو التزام ألف، وحينئذ فالكلام معلق فيه الطلاق بالدفع أو القبول، فإذا لم يحصل المعلق عليه لم يحصل المعلق فاندفع الإشكال بأنه كيف إذا لم تقبل لا يقع الطلاق، والفرض أن الزوج أوقعه بصيغة الماضي. انتهى.
وإن ادعى الخلع يعني أن الزوجين إذا اتفقا على وقوع الطلاق وقالت هي طلقني بغير عوض وقال الزوج بل بعوض، فإن المرأة تحلف أنه طلقها بغير عوض وتبين منه ولا شيء له. هكذا في المدونة. وهو المشهور ورواه ابن القاسم عن مالك، وقال عبد الملك: يبقى الأمر بينهما على ما كان عليه من الزوجية بعد أن يحلف الرجل أنه خالع على ما ذكر، وتحلف هي أنه طلق على غير عوض. اللخمي: والأول أحسن إذ لا يرتفع الطلاق بعد وقوعه.
أو قدرا يعني أن الزوجين إذا اتفقا على وقوع الطلاق بعوض، لكن ادعت هي قدرا وادعى هو أكثر منه فإنها تحلف على ما ادعت أن الطلاق وقع به وتبين وتدفع له ما ادعته، أو جنسا يعني أن الزوجين إذا اتفقا على وقوع الطلاق بعوض لكن ادعت هي أنه وقع على عبد مثلا، وادعى هو جنسا غير ذلك كعدد من الإبل مثلا فإن المرأة تحلف على ما ادعت وتدفعه وتبين.
стр. 4318
وبما قررت علم أن قوله حلفت وبانت جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث، فإن نكلت حلف وأخذ ما حلف عليه في المسائل الثلاث فإن نكل فلا شيء له في الأولى وله ما قالت في القدر والجنس مع البينونة في الجميع، وقوله: "وإن ادعى الخلع"، قال في الجلاب: وإذا أقر الرجل أنه خالع زوجته على مال وأنكرته لزمه الطلاق، ولم يكن له من المال الذي ادعى عليها شيء، وكان القول في ذلك قولها مع يمينها إلا أن يذكر أنه اشترط عليها أنها إن دفعت المال إليه فهي طالق وأنكرت (١) ذلك فلا يلزمه طلاق ولا يكون له مال. انتهى. قاله الحطاب. وقوله: "وبانت" وجه البينونة في المسألة الأولى وهي ما إذا ادعت أن الطلاق وقع بغير عوض وادعى هو الخلع أنها بانت نظرا لإقراره بالخلع.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي عند قول المص: "حلفت وبانت" ما نصه: حلفت في المسائل الثلاث وبانت ولا تدفع شيئا في الأولى وبانت فيها نظرا لإقراره وتدفع ما ادعته في الأخيرتين، فإن نكلت حلف وأخذ ما ادعى من أصل كونه خلعا أو قدره أو جنسه وله جمعهما في يمين واحدة، فإن نكل فلا شيء له في الأولى وله ما قالت في القدر والجنس مع البينونة في الجميع. انتهى. قال محمد بن الحسن: قول الزرقاني: وله جمعهما في يمين واحدة فيه نظر؛ إذ الدعاوي هنا متنافية فكيف يمكن جمعها؟ انتهى.
والقول قوله إن اختلفا في العدد يعني أن الزوجين إذا اتفقا على وقوع الطلاق بعوض وعلى جنسه وقدره أو اتفقا على وقوع الطلاق بغير عوض واختلفا في المسألتين في عدد الطلاق، فادعى هو واحدة وادعت هي اثنتين أو ادعى هو اثنتين وادعت هي ثلاثا: فإن القول قول الزوج بلا يمين كما في الشيخ سالم، وقيل بيمين. وقال عبد الباقي: كون القول له يمين هو المنقول، وقال شيخنا: بغير يمين، ووجهه أن ما زاد على ما قاله الزوج هي مدعية له، وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين فلا يمين بمجردها، وعلى الأول لو نكل حبس فإن طال دين، ولا يقال تحلف ويثبت ما تدعيه لأن الطلاق لا يثبت بالنكول مع الحلف وتبين في اتفاقهما على الخلع وفي غيره هي رجعية. انتهى.
стр. 4319
وقال محمد بن الحسن عند قوله: "والقول قوله إن اختلفا في العدد": أصل هذا لابن شاس ونقله المواق ولم أجده لابن عرفة ولا غيره بعد البحث عنه، مع أنه معارض بما لابن القاسم من سماع عيسى من النكاح الثالث. وأقره ابن رشد: أن المرأة إذا أقرت بالثلاث وهي بائن لم تحل لطلقها إلا بعد زوج، فإن تزوجته قبل زوج فرق بينهما، قال ابن رشد: فلو ادعت ذلك وهي في عصمته ثم أبانها فأرادت أن تتزوجه قبل زوج وقالت كنت كاذبة وأردت الراحة منه صدقت في ذلك ولم تمنع (١) من مراجعته ما لم تذكر ذلك بعد أن بانت. انتهى. ونقله ابن سلمون وصاحب الفائق وغيرهما، وأجيب بأن فائدة كون القول له على ما لابن شأس تظهر فيما إذا تزوجها بعد زوج فإنها تكون معه على طلقتين بقيتا له فقط اعتبارا بقوله الأول لبقاء العصمة الأولى على قوله، وبه يجمع بين النقلين ولا يخفى بعده. والله أعلم. انتهى.
كدعواه موت عبد يعني أن المرأة إذا اختلعت من زوجها بعبد غائب غير آبق ومات العبد فادعى الزوج أنه مات قبل عقد الخلع فيكون الضمان منها، وادعت هي أنه مات بعد عقد الخلع فيكون الضمان منه، فإن القول قول الزوج أنه مات قبل الخلع فعليها البينة أنه مات بعد الخلع، فإن لم تأت بها فإنه يرجع عليها بقيمته، وأما إن كان آبقا فإنه يضمنه ولو ثبت موته قبل الخلع لأنه مجوز لكونه قد مات قبل الخلع.
وبما قررت علم أن التشبيه في كون القول للزوج أو عيبه يعني أن الزوجة إذا اختلعت من زوجها بعبد غائب مثلا وظهر به عيب، فادعى الزوج أن العيب سابق لعقد الخلع وادعت هي حدوثه بعد عقد الخلع، فإن القول قول الزوج في قدم العيب فعليها البينة، فإن لم تأت بها فإنه يرجع عليها بقيمته.
وبما قررت علم أن قوله: قبله أي قبل عقد الخلع راجع للموت والعيب، وقوله: "كدعواه موت عبد أو عيبه قبله" قال عبد الباقي: الظاهر أن القول قوله بيمين. انتهى. وقد علمت أن الآبق ضمانه منه فلا كلام له، ولو تبين أنه مات أو تعيب قبل الخلع إلا أن يثبت أنها كانت عالمة بموته قبل الخلع فيرجع عليها بقيمته على أنه آبق أي على غرره مع البينونة، ولا ينافي قوله:
стр. 4320
لا إن خالعته بما لا شبهة لها فيه؛ لأن الزوج هنا دخل على غرر مع كونه مجوزا لموته قبل ذلك.
وإن ثبت موته بعده فلا عهدة يعني أن الزوجين إذا اختلعا على عبد غائب غير آبق ثم مات بعد عقد الخلع وثبت ذلك ببينة، فإنه لا عهدة على المرأة فيه أي لا ضمان عليها فيما يطرأ عليه قبل قبضه من موت، ومثل الموت غيره من الآفات، قال اللقاني في حواشي التوضيح: المراد بالعهدة هنا ما يطرأ على المبيع الغائب قبل قبضه. انتهى. قال محمد بن الحسن: وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
стр. 4321
فصل: يذكر فيه الطلاق السني والبدعي وما يترتب على بعض أفراد الطلاق البدعي من جبر على الرجعة وغير ذلك
طلاق السنة واحدة يعني أن الطلاق الذي أذنت فيه السنة هو الطلاق بهذه الصفة التي يبينها أي الذي الأصل فيه أن السنة أذنت فيه؛ إذ قد يعرض له ما يخرجه عن إذن السنة فيه، فقد يعرض له التحريم والكراهة وإذا عرض له أي للطلاق الذي هو بهذه الصفة ما يصير به حراما أو مكروها فإنه يخرج عن إذن السنة فيه، والطلاق الذي الأصل إذن السنة فيه هو الطلاق الذي اجتمع فيه قيود أربعة، أحدها: أن يكون طلقة واحدة كاملة واقعة بكل المرأة، ثانيها: أن تكون تلك الواحدة المذكورة واقعة بطهر، ثالثها: أن يكون هذا الطهر الذي وقعت فيه الطلقة المذكورة طهرا. لم يمس فيه أي لم يكن الزوج قد وطئ فيه المرأة التي يريد طلاقها بلا عدة، هذا هو القيد الرابع؛ يعني أنه يشترط في كونه سنيا مع القيود الثلاثة المتقدمة قيد رابع وهو أن لا يتبع لطلاقه المتقدم طلاقا في العدة.
ابن الحاجب: والطلاق السني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه واجدة وهي غير معتدة على المشهور. انتهى. قال في التوضيح: وليس المراد بالسني أنه راجح الفعل كما هو المتبادر إلى الذهن، بل معناه الذي أذنت فيه السنة. انتهى. وقال الشارح عند قوله "طلاق السنة": المراد بطلاق السنة الذي أذن فيه الشرع، وإنما خصت السنة بإضافة ذلك إليها وإن كان الإذن قد وقع في القرآن بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ لأن الآية لم يعلم منها القيود التي ذكرها وإنما علمت من السنة. انتهى.
وقوله: "طلاق السنة" المراد بالسنة الحديث، وخرج بقوله: "طهر" الصغيرة واليائسة والمستحاضة غير المميزة فلا طلاق بدعي فيهن، وأما المستحاضة المميزة للدم فطلاقها في الحيض بدعي، وَنقلُ ابن الحاجب القول بأنها كغير المميزة، وقبوله ابن عبد السلام والمص في التوضيح، قال ابن عرفة: لا أعرفه.
وإلا فبدعي يعني أنه متى اختل بعض القيود الأربعة -ولا يمكن أن تختل كلها لأن الطهر والحيض لا يجتمعان- فإن الطلاق يكون بدعيا، فإذا طلق أزيد من واحدة فهو بدعي، وكذا لو كان في حيض ولو طلقة واحدة وكذا لو كان بطهر مسها فيه ولو كان الطلاق واحدة. وكذا لو
стр. 4322
أردف طلاقا في العدة فيكون بدعيا، واحترز المص بقوله: "واحدة" من أكثر منها فبدعي كما مر. ومن أقل منها كجزء طلقة فبدعى كما قاله الأمير، وقد مر أنه لا بد أن تكون هذه الواحدة واقعة على كل المرأة، فإن وقعت على بعضها حرمت كما يأتي ما يفيده، وفي المواق عن ابن عرفة: طلاق السنة ما كان بطهر لم يمس فيه بعد غسلها أو تيممها طلقة واحدة فقط وغير هذا بدعي، قال عبد الباقي: وتقدم أول الخلع أنه قد يحرم الطلاق لعارض ولم يذكروا أنه يسمى بدعيا، وقد يبحث فيه بأنه ليس ثم قسم ثالث؛ إذ السنة لا تأذن في حرام ولا مكروه، قال محمد بن الحسن: أي يحرم إن كان يخاف من وقوعه ارتكاب كبيرة، وقد يقال حرمته لعارض لا تخرجه عن كونه سنيا كالصلاة في الدار المغصوبة وهو الظاهر. انتهى. ويجوز طلاق البغلة أي التي لا تحيض واليائسة والتي لم تبلغ الحلم متى شاء والأفضل أن يستقبل بها الأهلة.
تنبيه من أراد طلاق زوجته وهو غائب فليكتب إليها كتابا: إذا أتاك كتابي وأنت طاهر فاعتدي بطلقة فإن وافاها طاهرا فهي طالق، وإن وافاها حائضا فلا شيء عليه. وتحصل مما مر أن غير ذوات الأقراء لا يكون طلاقها بدعيا إلا بالزيادة على الطلقة الواحدة، وإرداف الطلاق في العدة يرجع إلى الزيادة في العدد.
وكره في غير الحيض يعني أن الطلاق البدعي يكره ما عدا الطلاق في الحيض فإنه يحرم كما يأتي، فيكره في طهر مسها فيه ويكره أزيد من واحدة، وظاهر المص أن الزيادة على الواحدة مكروهة أوقع اثنتين أو ثلاثا، وفيه نظر لقول اللخمي: إيقاع اثنتين مكروه وإيقاع ثلاث ممنوع. انتهى. ونحوه في المقدمات واللباب، وعبر في المدونة بالكراهة لكن قال الرجراجي: مراده بالكراهة التحريم، ونقل أبو الحسن عن ابن العربي أنه قال: ما ذبحت ديكا قط بيدي، ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثا لذبحته بيدي، وهذا منه ﵀ مبالغة في الزجر عنه. انتهى. وفي التوضيح: وإيقاع الثلاث ممنوع لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ أي من الرغبة في المراجعة والندم على الفراق. ونقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على لزوم الثلاث في حق من أوقعها لما خرجه ابن أبي شيبة (أن (١) ابن عباس أتاه رجل، فقال إن عمي طلق امرأته ثلاثا،
стр. 4323
فقال إن عمك عصى الله فأندمه الله ولم يجعل له مخرجا (١))، وعن أنس (أن عمر ﵄ كان إذا أتى رجل قد طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما (٢))، وقال عمران بن حصين نحوه، قال: ولا أعلم لهما مخالفا من الصحابة.
وحكى في الإشراف (٣) عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزم موقع الثلاث واحدة، وعن بعض الظاهرية أنه لا يلزمه شيء. الباجي: وإنما يروى عن الحجاج ابن أرطاة ومحمد بن إسحاق، وتعلقوا (بحديث طاووس عن ابن عباس أنه كان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فأمضاه عليهم (٤))، وهو خبر صحيح رواه الأئمة، وطاووس إمام وابنه إمام، وقال بعضهم: هو وهم. الباجي: وعندي أن الوهم وقع في التأويل، ومعناه عندي أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاثا، بدليل قوله: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وقد روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، فإن حمل حديث طاووس على ما تأولناه فلا كلام، وإن كان على غير ذلك فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد فيه الإجماع، وحكى التلمساني عندنا قولا بأنه إذا أوقع الثلاث في كلمة أنه إنما تلزمه واحدة، وذكر أنه في النوادر ولم أره، وشذ بعض المبتدعة أيضا فقال بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض، وقد مر أنه يكره أن يطلقها في طهر جامعها فيه، وقد صرح في المدونة وغيرها بكراهته، وفي الاستلحاق عن بعض الشيوخ أنه محظور كالطلاق في الحيض، واختلف في وجه الكراهة فقال عبد الوهاب: لأنه لبس عليها العدة فلم تدر هل تعتد بالوضع أو بالأقراء؟ ولأنه يندم إن خرجت حاملا، وقيل لتكون مستبرأة فيكون على يقين من نفي الحمل إن أتت بولد وأراد نفيه، وضعف اللخمي الأول بعدم اللبس في العدة وذلك أن العدة لا تفتقر إلى نية وهي تنتظر في المستقبل، فإن رأت حيضا بنت وإن ظهر حمل انتظرت الموضع. انتهى.
стр. 4324
وفسر قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ بأن معناه طلقوهن لأول عدتهن بأن يكون الطلاق في طهر لم يمس فيه، وفي التوضيح (أن رسول الله ﷺ نهى أن يطلق الرجل المرأة في طهر مسها فيه) وقد مر أنه يكره إرداف الطلاق في العدة أي وهي طاهر، قال في التوضيح: فلو طلقها في كل طهر طلقة فالأول للسنة والآخران للبدعة، وهذا مذهب المدونة، وقال أشهب له أن يطلقها في كل طهر طلقة ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية فلا يسعه ذلك لأنه تطويل للعدة عليها ويضر بها. وهذا مقابل للمشهور. وَرُئِي في المشهور أن ذلك بمنزلة من طلق ثلاثا في دفعة، ورأى أشهب أنه ليس في ذلك تطويل.
عياض: ولأشهب قول آخر أنه لا بأس إن ارتجع بنية الفراق، ولا خلاف أنه لو ارتجع بنية البقاء ثم بدا له فطلق هكذا في كل طهر لما كره له الرجعة ولا الطلاق. انتهى. والبدعي ما فقد منه القيود بأن يكون في حيض أو طهر مس فيه أو يوقع أكثر من واحدة أو طلقها وهي معتدة، وبحسب ما فقد منه من القيود من الكثرة والقلة يبعد عن السنة، ولا يمكن أن تفقد جميع القيود لأن أحد محترزات القيود أن يكون في حيض والآخر أن يكون في طهر جامع فيه. انتهى.
ابن الحاجب: فلا بدعة في الصغيرة واليائسة والمستحاضة غير المميزة إلا في العدد وفي المميزة قولان. انتهى. قال في التوضيح: لأنهن لا حيض عليهن والقولان في المستحاضة المميزة مبنيان على القولين في عدتها هل هي بالأقراء أو بالسَّنَة، فعلى المشهور أنها تعتد بالأقراء يكون طلاقها في الحيض بدعيا، وعلى أنها تعتد بالسنة لا يكون بدعيا، ونقل الباجي عن عبد الوهاب أنه قال: من جاز طلاقها في كل وقت كالصغيرة واليائسة لا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة. انتهى. قال محمد بن الحسن: وتفسير السني بما أذنت فيه السنة يخالفه، وفي كتاب الشيخ الأمير أن الُمجَزَّأ بدعي وأنه حرام بدليل تأديبه، وسيأتي للمص: "وأدب المجزئ كمطلق جزء".
وقوله: "في غير الحيض" أي فلا عبرة بما تراه اليائسة والصغيرة التي لا يحيض مثلها والتي لم تميز، فيجوز أن يطلقن في أي وقت، وقد مر أن غير ذوات الأقراء يطلقن في أي وقت، ومنهن المستحاضة التي لم تميز فيجوز طلاقها في أي وقت شاء زوجها لأنها تعتد بالأشهر؛ إذ عدتها عام، وقوله: "في طهر لم يمس فيه" فيكون سنيا إلا إذا طلق في الحيض وأجبر على الرجعة وأراد أن يطلق في الطهر الذي يلي هذا الحيض فليس له ذلك، بل حتى تحيض ثانيا ثم تطهر كما
стр. 4325
يأتي للمص. وقوله: "بلا عدة" أي ولو كانت صغيرة أو بغلة أو يائسة أو مستحاضة لم تميز لأنه يرجع للزيادة على الواحدة كما مر، وقوله: "بلا عدة" أي ولم يرتجعها فإن ارتجعها فطلاق بدعي إن نوى حين ارتجاعه فراقها لأن فيه تطويل العدة، وإن نوى حين ارتجاعه بقاء ثم بدا له فطلق هكذا في كل طهر مرة فلا تكره له الرجعة ولا الطلاق، فإن لم تكن له نية عند المراجعة حمل على البقاء.
وقوله: "وكره في غير الحيض" قال جامعه عفا الله عنه: الذي يتضح لي أن قوله: "في غير الحيض" صفة لمصدر محذوف ويقدر مضاف بين المتضايفين؛ أي وكره الطلاق البدعي كراهة حاصلة في غير طلاق الحيض وإنما قررته بهذا وهو مخالف لما قرره به غير واحد من قوله: وكره البدعي الواقع في غير الحيض لأن ذلك يوهم أن الطلاق الواقع في الحيض منه بدير ومنه غير بدعي. والله سبحانه أعلم.
تنبيهان: الأول: قال الشيخ إبراهيم: بقي من شروط كونه سنيا أن يقع على جملة المرأة لا على بعضها، وأن يوقع طلقة كاملة لا جزءها كما يأتي ما يدل على ذلك فيهما في قوله: "وأدب المجزئ كمطلق جزء"، وسيأتي للتتائي عند قول المص: "ونجز إن علق إلى آخره" أن تعليق الطلاق مكروه، وقال اللخمي: ممنوع، وقال مطرف وعبد الملك: جرحة وحينئذ فيكون التعليق بدعيا، فكان ينبغي أن يزيد كاملة غير معلقة واقعة على جملة المرأة. انتهى. وقد مر ما يفيد الجواب عن تجزئة الطلقة بأن قوله: "واحدة" يقتضي أنها كاملة. والله سبحانه أعلم.
الثاني: قال الشبراخيتي: وتلزم الثلاث إن وقعت في كلمة واحدة. ابن عبد البر: إجماعا، وقد ورد عن عمر وابن عباس ﵄ من غير مخالف لهما من الصحابة، ونقل عبد الوهاب عن بعض الظاهرية عدم لزوم شيء، وروي ذلك عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق، وعن بعض المبتدعة لزوم واحدة كمن تصدق بجميع ماله فيلزمه ثلثه، ووافقهم ابن مغيث، المازري لا أغاثه الله، وبالغ ابن سيرين في إنكاره حتى قال: ما ذبحت ديكا قط ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثا لذبحته بيدي، وقوله: من يرد الخ أي يستحل ردها، والضمير في قوله لذبحته راجع لمن يرد المطلقة ثلاثا، أراد أنه كفر فيقتل على طريق المبالغة، وتمسك هذا القائل بحديث طاووس عن
стр. 4326
ابن عباس: (كان طلاق الثلاث واحدة في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر)، وقد وهم قائله في تأويله بل معناه أنهم كانوا يوقعون بدل الثلاث واحدة. قاله السيوطي في الدر المنثور.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس عن نافع بن الأزرق، قال له أخبرني عن قوله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ هل كانت العرب تعرف الطلاق ثلاثا في الجاهلية؟ قال نعم كانت العرب تعرف ثلاثا، أما سمعت قول الأعشي: وهو يقول وقد أخذه أختانه فقالوا: لا والله لا نرفع عنك العصا أو تطلق أهلك وقد أضررت بها فقال:
أيا جارتا بيني فإنك طالقه … كذاك أمور الناس غاد وطارقه
فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق فقال:
بيني فإن البين خير من العصا … وأن لا تزال فوق رأسي بارقه
فقالوا: والله لا نرفع عنك العصا أو تثلث لها الطلاق فقال:
بيني حصانُ الفرج غير ذميمة … وموموقة فينا كذاك ووامقه
وذوقي قنا حي فإني ذائق … قناة أناس مثل ما أنت ذائقه
وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني: قلت يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: (إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك (١))، وعن سعيد بن منصور بسند صحيح أن عمر كان إذا أُتِى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره منها وفرق بينهما. قاله الشيخ إبراهيم. وقال محمد بن الحسن عند قوله "وكره في غير الحيض": ظاهره أن ما زاد على الواحدة مكروه مطلقا، وفيه نظر لقول اللخمي: إيقاع اثنتين مكروه وثلاث ممنوع، ونحوه في المقدمات واللباب، وعبر في المدونة بالكراهة لكن قال الرجراجي: مراده بالكراهة التحريم. انتهى.
стр. 4327
ولم يجبر على الرجعة يعني أن الطلاق البدعي إذا لم يكن طلاق الحيض فإنه لا يجبر صاحبه على الرجعة لعدم ورود الخبر فيه، وإنما ورد (الخبر (١)) في طلاق الحيض فيقتصر عليه فيه، وقوله: "ولم يجبر على الرجعة" وقيل يؤمر بالرجعة من غير جبر، وقيل يجبر كمن طلق في الحيض. قاله الشارح. وشبه في عدم الجبر على الرجعة قوله: كقبل الغسل منه أي من الحيض، يعني أن الزوج إذا طلق زوجته بعد أن انقطع عنها الحيض أو النفاس وقبل أن تغتسل من ذلك الحيض أو النفاس فإنه لا يجبر على الرجعة، فالتشبيه في عدم الجبر فقط، وأما حكم الطلاق في هذه الحالة فالحرمة على المذهب كما في التوضيح لا فيه وفي الكراهة خلافا للشارح. قاله الشيخ إبراهيم.
وقوله: "كقبل الغسل منه" أي حيث كان شرعها الغسل ويمنع عليها التيمم، فلا عبرة بتيممها حينئذ فلا يبيح الطلاق قبل الغسل وإن كان لا يجبر على الرجعة، ولهذا قال: أو التيمم الجائز يعني أن الزوج إذا طلق زوجته بعد أن انقطع عنها الحيض أو النفاس وكانت ممن يجوز له التيمم وكان طلاقه لها قبل أن تتيمم فإنه لا يجبر على الرجعة، فالتشبيه في عدم الجبر وأما حكم الطلاق في هذه الحالة فالحرمة على المذهب كما في التوضيح لا فيه وفي الكراهة. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "أو التيمم الجائز" أي كما لو عدمت الماء أو خافت باستعماله مرضا أو زيادة المرض أو تأخر برء إلى آخر ما مر في باب التيمم، وقد علمت أن الطلاق قبل الغسل من الحيض أو النفاس والتيمم الجائز حرام، وحكى ابن عبد السلام قولا بجواز الطلاق إذا رأت المرأة القصة.
ومنع فيه النائب ضمير يعود على الطلاق البدعيّ؛ يعني أن الطلاق البدعي منه ما هو مكروه ومنه حرام وهو الطلاق الواقع في الحيض. عبد الوهاب: وهو حرام بالإجماع. قاله في التوضيح. وقوله: "ومنع فيه" أي الحيض وكذا النفاس يمنع فيه الطلاق، والتي رأت علامة الطهر تعطى حكم الحائض من حيث منع الطلاق، وحكم الطاهر من حيث عدم الجبر على الرجعة، ومثل الحائض المستحاضة المميزة لأن عدتها بالأقراء كما مر أنه المشهور، وقوله: "ومنع فيه" أي ما لم تكن حاملا وإلا جاز طلاقها في الحيض كما يأتي، وما لم تكن غير مدخول بها وإلا جاز طلاقها في
стр. 4328
الحيض أيضا كما يأتي، وقوله: "ومنع فيه" أي سواء كان ابتداء أو تعليقا فيه أو قبله ووقع فيه، والحرمة متعلقة به إن علم أنها تحنثه فيه وإلا فبها فقط مع علمها بتعليقه. قاله الشيخ عبد الباقي.
ووقع يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي حائض أو نفساء، فإن الطلاق يقع أي يلزم ويحكم به، وإن كان إلا يجوز ابتداء، وقوله: "ووقع" قال الشبراخيتي: خلافا لبعض المبتدعة والبغداديين. انتهى. وقال المص في التوضيح: وشذ بعض المبتدعة فقال بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض، وبذلك قال بعض البغداديين، ويرده ما جاء في الصحيح، في بعض طرق (حديث ابن عمر لما طلق في الحيض، قال فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها (١)) ذكره مسلم، وفي البخاري: (وحسبت علي تطليقة (٢))، لكن خرج أبو داوود عن ابن الزبير أنه سمع أن ابن عمر قال: فردها علي رسول الله ﷺ ولم يرها شيئا. أبو داوود: والأحاديث كلها على خلافه، ولعل هؤلاء لاحظوا كون النهي يدل على الفساد. انتهى.
وفي نوازل ابن هلال: لا يجوز الاقتداء بمن يفتي أن طلاق الحامل والحائض لا يلزم، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك، وكل ما نقل عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن النبي ﷺ في ذلك فباطل لا يصح. انتهى. وقال الشارح: فإن وقع الطلاق في الحيض فهو بدعي، عبد الوهاب: وهو حرام بإجماع ويلزم إن وقع فيه لا في الصحيح من (حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة فأمره ﵊ أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمسكها حتى تطهر من حيضتها ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها (٣))، وفي مسلم: فراجعتها وحسبت لها التطليقة، وفي البخاري: وحسبت على تطليقة، والنفاس كالحيض في ذلك. انتهى.
وقال في التوضيح: أخرج البخاري ومسلم (عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله صلى الله عليه
стр. 4329
وسلم، ثم قال له: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمر الله (١)).
قال في الاستذكار: هكذا روى جماعة عن ابن عمر وبه أخذ فقهاء الحجاز منهم مالك والشافعي: فقالوا: إنه يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلق إن شاء، ورواه جماعة عن ابن عمر، وقالوا فيه مره فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمسها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأكثر العراقيين، وللرواية الأولى أوجه حسان منها أنه لما طلق في الموضع الذي نهي عنه ليلا تطول العدة أمر بالمراجعة ليوقع الطلاق على سنته، فإن أبيح أن يطلق إذا طهرت من تلك الحيضة كانت في معنى المطلقة قبل البناء، وكانت تبني على عدتها الأولى فيتم مقصوده فأمر بالوطء ليقطع حكم الطلاق الأول، فإذا طلقها لم يكن طلاقها في ذلك الطهر لأنه ﵊ نهى أن يطلقها في طهر مسها فيه، ومنها أن الطهر الثاني جعل للإصلاح الذي قال الله تعلى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، ولأن المرتجع لا يرتجع رجعة ضرر لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، فالطهر الأول فيه الإصلاح بالوطء فإذا وطئ لم يجز له أن يطلق في ذلك الطهر، ومنها أن المراجعة لا تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح والرجعة في الأغلب. انتهى.
وأجبر أي على الرجعة فحذف الجار والمجرور لدلالة قوله: "ولم يجبر على الرجعة" عليه قاله الحطاب وغيره وفي بعض النسخ أمر يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي حائض أو نفساء فإنه يلزمه الطلاق ويجبر على الرجعة ما لم تنقض العدة كما يأتي، وقوله: "وأجبر" سواء وقع منه الطلاق ابتداء أو كان حلف به وحنث في الحيض أو النفاس، وفهم من كلامه أن الجبر خاص بالطلاق الرجعي وهو كذلك سواء كان واحدة أو اثنتين، وأما لو بانت بخلع أو بتات فإنه لا يجبر على الرجعة بل ولا يتزوجها إلا بعد زوج فيما إذا أبت. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وأجبر" أي ولو لم يتعمد إيقاع الطلاق على المذهب كما مر ما يفيده، ومعنى أجبر: أمر، بدليل قوله: وإن أبى أي أمر أمرا لازما أي أمره الحاكم أمرا جازما لا رخصة فيه. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 4330
وبالغ على الجبر بقوله: ولو لمعاودة الدم يعني أن الزوج إذا طلق زوجته في أيام تقطع الطهر من حيضها أو نفاسها فإنه يجبر على الرجعة لأجل معاودة الدم لها، لما أي في يضاف فيه الدم الثاني للدم الأول؛ وإيضاح كلامه أن المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض أو النفاس فطلقت ثم عاودها الدم بالقرب فإن الزوج يجبر على الرجعة؛ لأن الدم الثاني يضاف للأول وحكمه حكم حيضة واحدة، ويكون الطهر بينهما كلا طهر، وقاله أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن، ابن يونس وهو أصوب.
وإلى تصويب ابن يونس أشار بقوله: على الأرجح؛ وقال بعض شيوخ عبد الحق بعدم الجبر، الباجي: الأظهر عندي أنه لا يجبر على الرجعة لأنه أوقع الطلاق في وقت يجوز له إيقاعه فيه ويصح صومه ووطء الزوج فيه، وإلى استظهار الباجي لقول بعض شيوخ عبد الحق أشار بقوله: والأحسن عدمه أي الأحسن من القولين القول بعدم الجبر.
واعلم أنه يحرم إقدامه على الطلاق إن علم عوده وإلا فلا، وعلم مما تقدم أن محل الجبر إنما هو بعد معاودة الدم لا قبله. والله تعالى أعلم. وقوله: لآخر العدة بيان لمنتهى الجبر يعني أن المطلق في الحيض يجبر على الرجعة ما دامت العدة لم تنقض، فإن انقضت بانت ففات الجبر، فقوله: "لآخر العدة" راجع لقوله: "وأجبر" أي ينتهي الجبر عند انتهاء العدة بحيث لم يبق منها شيء فلا جبر، وإن بقي منها شيء فالجبر ثابت وهذا هو المشهور. وقال أشهب: يجبر على الرجعة ما لم تطهر من الحيضة الثانية؛ لأنه ﵊ أباح في هذه الحالة طلاقها فلم يكن للإجبار معنى، وقوله: أباح طلاقها لخ أي طلاق المرأة التي طلقها زوجها في الحيض كما في الدسوقي، وفي المقدمات: ومن حلف بالطلاق فحنث وامرأته حائض أو في دم نفاس فإنه يجبر على الرجعة كما يجبر المطلق في الحيض، والمطلق في الحيض يجبر ما لم تنقض العدة عند مالك وجميع أصحابه خلافا لأشهب. انتهى.
وإن أبي هدد يعني أن الحاكم يأمره بالارتجاع أمرا جازما لازما كما عرفت، فإن ارتجع فالأمر واضح وإن أبى الارتجاع فإن الحاكم يهدده أي يتوعده بالسجن ويخوفه به، فإن ارتجع فبها ونعمت، ثم أي وإن أبى الارتجاع بعد أن هدده بالسجن سجن أي يحبسه في السجن، فإن ارتجع فبها ونعمت وإلا هدده أي خوفه بالضرب وإن أبى ضربه.
стр. 4331
وإلى هذا أشار بقوله: ثم ضرب ويكون ذلك كله متقاربا بمجلس واحد؛ لأنه في معصية، وإلا بأن لم يرتجع بعد ما ذكر ارتجع له الحاكم زوجته؛ بأن يقول: ارتجعت لك زوجتك، ومحل الضرب إن ظن الإفادة فإن ارتجع الحاكم قبل فعل شيء من هذه الأمور صح ارتجاعه إن علم أنه لا يرتجع مع فعلها وإلا لم يصح فيما يظهر. قاله عبد الباقي. وقال الشيخ المسناوي: لا يبعد أن يقال بالصحة في هذا أيضا مراعاة للخلاف. انتهى. وما قررت به المص من أن معنى ارتجع الحاكم أن يقول ارتجعت لك زوجتك هو الذي قرره به عبد الباقي، وقرره التتائي وغيره على أن معنى قوله: ارتجع الحاكم أي ألزمه الرجعة وحكم عليه بها، لا أنه يقول ارتجعتها لك، ونظر فيه أحمد فقال: الفرض أنه جبر ولم يرض. انتهى. قال الرماصي: والظاهر أن لا فرق بينهما. انتهى. وفهم الرماصي أن المراد يلزمه الرجعة ويحكم عليه بها فلا فرق بين ما نفاه وما أثبته إلا باللفظ. قاله بناني. وقال الشبراخيتي: والخروج من هذا الخلاف أن يلزمه الحاكم الارتجاع ويرتجعها له. انتهى. والله سبحانه أعلم.
وقال الشارح قال أصبغ عن ابن القاسم: إذا أبى حكم عليه بالرجعة وألزمه إياها، وإليه أشار بقوله: "وإلا ارتجع الحاكم" وقوله: "وإن أبى هدد" لخ، قال عبد الباقي: والظاهر وجوب الترتيب فإن فعل كلها من غير ترتيب ثم ارتجع مع إباية المطلق صحت رجعته قطعا. وجاز الوطء به يعني أن الزوج المطلق في الحيض إذا ارتجع له الحاكم فإنه يجوز له أن يطأ زوجته بذلك الارتجاع مع أنه لم ينو الرجعة؛ لأن نية الحاكم قائمة مقام نيته، قال في التوضيح: هذا هو الأصح وهو قول أبي عمران وقاسه على المتزوج هازلا أنه يلزمه النكاح وله الوطء، قال في المقدمات: وهو الصحيح قياسا على من يجبر على النكاح من أب أو وصي أو سيد فيجوز للزوج الوطء وإن غلب على النكاح، وقال ابن عرفة: وسمع عيسى ابن القاسم: لمن أمر بالرجعة من طلاق الحيض فراجع مريدا طلاقَها وطؤُها.
ابن رشد: هو المأمور به ولو ارتجعها كذلك ولم يصبها كان مضرا (١) آثما. انتهى. وقال في المقدمات: ولا يجوز له أن يراجع [ليطلق، (٢) وإنما يجوز له أن يراجع] ليطأ. انتهى. قاله
стр. 4332
الحطاب. وقال: وجاز للمطلق وطء المطلقة بارتجاع الحاكم، وقاله أبو عمران وهو الصحيح عند الأشياخ، وقال بعض البغداديين: ليس له وطء ولا استمتاع إذا لم يكن نوى الارتجاع. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز لمن ألزمه الحاكم الرجعة أو ارتجع له على ما مر الوطء به أي بارتجاع الحاكم كجوازه للمتزوج هازلا وللولد والعبد واليتيم إذا جبرهم الأب والسيد والوصي وفيه بحث للفرق بين المجبور لقصر نظره وبين تام الملك، وقد يقال: إن نية الحاكم نابت له كما قالوه في المأخوذ منه الزكاة جبرا. انتهى.
والتوارث يعني أن ارتجاع الحاكم يثبت به التوارث وهذا مرتب على ما قبله؛ أي وإذا جاز الوطء بارتجاع الحاكم كان منزلا منزلة ارتجاع الزوج، فيترتب عليه التوارث وهذا ظاهر على ما قاله أبو عمران، وقد علمت أنه هو الصحيح عند الأشياخ، وأما على قول بعض البغداديين ليس له وطء ولا استمتاع إذا لم يكن نوى الارتجاع فلا بد أن يخالف في الميراث أيضا؛ لأنه جعل ارتجاع الحاكم غير مؤثر فهي عنده كالأجنبية إلا أن يموت قبل انقضاء العدة كما قاله الشارح، وعبارة الشبراخيتي: وجاز لهما أيضا التوارث بينهما وإن كان بلا نية.
والأحب أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر يعني أن الزوج إذا طلق زوجته في الحيض أو ما في حكمه أعني تقطع الدم، فإنه إذا راجع زوجته اختيارا أو جبرا يستحب له أن يمسكها حتى تطهر من حيضتها التي طلقت فيها، فإذا طهرت وطئها ولا بد، فإن لم يصبها كان آثما ثم تحيض لأنه إذا جامعها في الطهر الذي وقع الطلاق في الحيضة التي تليه قبله يكون طلاقه بدعيا، (وقد نهى رسول الله ﷺ عن أن يطلق الزوج المرأة في طهر مسها فيه (١))، فإذا حاضت بعد هذا الطهر الذي أصابها فيه امتنع طلاقها لكونها حائضا فيصبر حتى تطهر، فإذا طهرت طلقها إن شاء. الحطاب: ولو أنه لما أجبر على الرجعة في الحيض طلقها في الطهر الأول الذي يلي الحيض الذي راجع فيه لم يجبر على الرجعة. ابن القاسم: وبيس ما صنع، بخلاف ما لو لم يجبر على الرجعة حتى طهرت ثم طلقها ثانية فإنه يجبر على الرجعة. قاله ابن عرفة، وابن عبد السلام. انتهى.
стр. 4333
وما قررت به المص من قولي: فإنه إذا راجع زوجته اختيارا أو جبرا لخ هو ظاهر ما قرره به عبد الباقي، ولفظه: والأحب لمن راجع المطلقة في الحيض أو أجبر عليها ثم أراد طلاقها أن يمسكها لخ، وصريح في قرره به الخرشي أيضا أو كالصريح فإنه قال: يعني أن من طلق زوجته في حال حيضتها أو نفاسها وراجعها أو أبى أن يراجعها فأجبره الحاكم على رجعتها وألزمه إياها ثم أراد طلاقها فإنه يستحب له أن يمسكها حتى تطهر لخ، وهو خلاف ما قاله الشبراخيتي، فإنه قال: ثم إن محل هذا حيث أجبر على الرجعة أو ارتجع الحاكم، وأما إن راجع باختياره فيجوز له الطلاق في الطهر الثاني التالي للحيض، كما يرشد إليه التعليل بقولهم: إن المراجعة لا تعلم صحتها إلا بالوطء لخ؛ لأنه لما راجع اختيارا فالرجعة صحيحة وإن لم يطأ. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: ولا يخفى ضعف مأخذ هذا الرجل. والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: والأحب إمساكها حتى تطهر هذا واجب ثم تحيض هذا مندوب ثم تطهر هذا واجب أيضا. انتهى. وقوله: والأحب أن يمسكها حتى تطهر لخ قد مر بعض الكلام عليه في حديث ابن عمر، وقوله: والأحب أن يمسكها، قال عبد الباقي: والاستحباب منصب على المجموع فلا ينافي وجوب الإمساك في المحيض، فإن طلقها في الطهر الأول كره له ولم يجبر على الرجعة. انتهى.
وفي منعه في الحيض يعني أن الطلاق في الحيض ممنوع بإجماع، واختلف الشيوخ في منعه هل هو معقول المعنى أم لا؟ وعلى أنه معقول المعنى فإنه منع لأجل ما فيه من تطويل العدة؛ إذ أول عدتها أول الطهر وكل أيام الحيض الذي طلق فيه لغو فلا تحل إلا بأول الحيضة الرابعة، ولهذا إذا لم يكن في الطلاق في الحيض تطويل للعدة جاز لأن فيها أي في المدونة جواز طرق الحامل في الحيض؛ لأن عدتها بالوضع فلا تطول عليها العدة بسبب الطلاق في الحيض، ولأن فيها أيضا جواز طلاق غير المدخول بها في الحيض إذ لا عدة عليها.
وبما قررت علم أن قوله: فيه أي في الحيض راجع للأمرين قبله أي طلاق الحامل وطلاق غير الدخول بها، وهذا القول عليه ابن الحاجب وغيره وهو المشهور، واستدل له المص بمسألتي المدونة كما علمت. انظر الشبراخيتي. أو لكونه عطف على قوله: "لتطويل العدة" تعبدا، خبر الكون؛ يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن المنع للطلاق في الحيض غير معقول المعنى، وإنما
стр. 4334
منع لأجل النهي عنه ولم يظهر المعنى الذي لأجله نهي عنه مع أن ثم حكمة في النهي لم يطلع عليها: ولا يقال كونه غير معقول المعنى ينافي تعليل المص بكونه تعبدا؛ لأنه يقال السبب الذي منعنا منه هو النهي الوارد وذلك النهي لم يعقل معناه أي الحكمة التي وقع النهي لها، والسبب الذي هو النهي الوارد ليس هو الحكمة التي يرتب عليها الأمر كما هو ظاهر، فلا منافاة بين كون النهي لم يعقل معناه وبين كون النهي الذي لم تظهر حكمته هو السبب في منعنا من طلاق الحيض. والله سبحانه أعلم.
فالسبب الذي أثبته المص غير السبب الذي هو المعنى المرتب عليه الأمر هذا ما ظهر لي، مع أني لم أر من كلام الشراح فيه ما يثلج صدري فلذلك ذكرت فيه هذا وهو مثلج للصدر. والله سبحانه أعلم. وكونه تعبدا قال اللخمي: هو ظاهر من المذهب، واستدل له بثلاثة أوجه، أحدها قوله: لمنع الخلع يعني أن القول بأن المنع من الطلاق للتعبد قال اللخمي: هو الظاهر من المذهب إذ لو كان لتطويل العدة لجاز ذلك برضاها وذلك مناف لقولهم: إن طلاق الخلع في الحيض ممنوع وإن كانت المرأة هي المريدة له وهو أي منع الخلع في الحيض وإن كانت هي المريدة له، هو قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور، ثانيها: أشار إليه بقوله: وعدم الجواز وإن رضيت يعني أن هذا القول بأن الطلاق في الحيض منع تعبدا استدل له اللخمي بأنه لو علل بتطويل العدة لجاز الطلاق في الحيض إذا رضيت المرأة به فيه، مع أن الطلاق في الحيض ممنوع سواء رضيت المرأة به فيه أم لا، فدل ذلك على أن النهي غير معقول المعنى. والله سبحانه أعلم.
وبما قررت اتضح لك أن "إن" للمبالغة، ثالثها: أشار إليه بقوله: وجبره على الرجعة وإن لم تقم يعني أن اللخمي قال: الظاهر من المذهب أن المنع من الطلاق في الحيض غير معقول المعنى؛ إذ لو كان لتطويل العدة لما أجبر على الرجعة إن لم تقم بحقها، مع أنه يجبر على الرجعة قامت بحقها أم لا، فدل ذلك على أن النهي غير معقول المعنى. والله سبحانه أعلم.
وبما قررت اتضح لك أن "إن" في قوله: "وإن لم تقم" للمبالغة. والله تعالى أعلم.
وقوله خلاف مبتدأ وخبره قوله: "وفي منعه" وهو خلاف في التشهير، شهر ابن الحاجب الأول، وشهر اللخمي الثاني، ونص ابن الحاجب: وعلل في الحيض بتطويل العدة وقيل غير معلل وعلى
стр. 4335
المشهور يجوز طلاق غير المدخول بها والحامل في [حيضتهما] (١). انتهى. قال في التوضيح: إذ لا تطويل في حقهما، وما ذكر أنه جار على المشهور هو في المدونة فقد نص فيها على جواز طلاق الحامل وغير المدخول بها متى شاء، ونص أبو عمران وابن شعبان على الجواز في الحامل، ومنعه ابن القصار لما عورض بقول المخالف: لو كانت الحامل تحيض لكان الطلاق فيه حراما، فقال: كذلك أقول، وروي عن مالك أيضا منع طلاق الحائض غير المدخول بها، وعن أشهب كراهته فقط. انتهى.
فرع: فإن طلق من ولدت وبقي في بطنها آخر، فقال أبو عمران: إن قلنا تطلق الحامل حال الحيض لم يجبر على الرجعة. قاله في التوضيح. وقال الحطاب عند قوله: لأن فيها جواز طلاق الحامل في نصه: وهو أحد قولين، والقولان أيضا في تطليقها في دم وضعها ولدا وفي بطنها آخر. قاله ابن عرفة. وفي التوضيح نحوه. انتهى. وقال في التوضيح: إنما ذكر المص -يعني ابن الحاجب- علة المنع في الطلاق في الحيض دون سائر الطلاق؛ لأن كتابه ليس موضوعا لبيان التوجيه وذكر الأسباب، وإنما هو موضوع للأحكام فلذا ذكر هذا لما يترتب عليه من الأحكام دون غيره. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: ومثل هذا يقال في المص هنا والله سبحانه أعلم. ابن الحاجب: والخلع كالطلاق، وقيل لا لأنه برضاها. انتهى. قوله: والخلع كالطلاق أي فيمتنع في الحيض وهو قول ابن القاسم وأشهب وهو المشهور، وقيل ليس الخلع كالطلاق فيجوز وهذا القول هو الجاري على التعليل بتطويل العدة، قال في الجواهر: واختلف في علة الجواز على هذا القول، فقيل: لأن ذلك تطويل برضاها، وقيل لأنه معلل بضرورة الافتراق، ويتخرج على تحقيق العلة فرعان: جواز الطلاق برضاها وإن لم يكن عوض، واختلاع الأجنبي. انتهى.
وصدقت أنها حائض يعني أن الزوجة إذا ادعت أن الزوج طلقها وهي حائض وادعى هو أنه طلقها وهي طاهر، فإن القول قولها سواء وقع الترافع وقت الطلاق أو بعده بمدة. قاله ابن القاسم وسحنون.
стр. 4336
ابن الحاجب: والقول قولها إنها حائض ولا تكشف. انتهى. قال في التوضيح: يعني إذا اختلفا فقالت طلقني وأنا حائض، فقال بل وأنت طاهر فلا تكشف بالاتفاق، واختلف هل تصدق ويجبر على الرجعة؟ وإلى ذلك ذهب ابن القاسم وسحنون، أو لا تصدق والقول قوله وهو أيضا لابن القاسم؟ ووجهه أنه ادعى حلالا وادعت حراما.
ورجح إدخال خرقة يعني أن ابن يونس رجح من عند نفسه فيما إذا ترافع الزوجان وقت الطلاق أن لا تصدق المرأة، بل تدخل في محل الدم خرقة، وبعد إخراج الخرقة من فرجها ينظرها أي الخرقة النساء، فإن رأين بها أثر دم صدقت وإلا فلا، وقوله: "وينظرها النساء" أي ولا ينظرن فرجها، وفي طرر ابن عات: ينظر النساء بمحل الدم في الفرج وهو مقابل لما اختاره ابن يونس، وسكت ابن يونس عن الترافع بعد الطلاق، قال في التوضيح: ابن يونس: ولو قيل ينظر إليها النساء بإدخال خرقة ولا كشف في ذلك لرأيته صوابا؛ لأن ذلك حق للزوج كعيوب الفرج والحمل لأنها تتهم على عقوبة الزوج بالارتجاع، ولا ضرر عليها في الاختبار فوجب أن تختبر. انتهى. والمراد بالنساء ما فوق الواحدة. قاله غير واحد.
إلا أن يترافعا طاهرا هذا مستثنى من قوله: "وصدقت أنها حائض" يعني أن ابن المواز استثنى من تصديقها الذي هو قول ابن القاسم وسحنون صورة، وهي ما إذا ترافع الزوجان بعد الطلاق وهي طاهر، قال: فإن القول قول الزوج ويسلم ابن المواز أنها تصدق في أنها حائض إذا ترافعا وقت الطلاق. قاله محمد بن الحسن.
وتحصل من هذا أن ابن القاسم وسحنون يقولان: تصدق في أنها حائض مطلقا ترافعا وقت الطلاق أو بعده بمدة، واستثنى منه ابن المواز صورة وهي ما إذا ترافعا بعد الطلاق وهي طاهر ويسلم أنها تصدق فيما إذا ترافعا وقت الطلاق، وابن يونس رجح أنها لا تصدق إذا ترافعا وقت الطلاق بل تدخل الخرقة، وسكت عما إذا ترافعا بعد الطلاق. والله تعالى أعلم. وقد علمت أن قوله: "وصدقت أنها حائض" قول ابن القاسم وسحنون، وقيل لا تصدق وهو لابن القاسم أيضا، وابن المواز قيد الخلاف بما إذا ترافعا وقت الطلاق، وأما إذا ترافعا بعد الطلاق وهي طاهر إذ ذاك فإن القول قول الزوج، والمص جعل قول ابن المواز تقييدا وكذلك جعله الباجي وابن عبد السلام، وأما ابن رشد وابن عرفة وابن راشد القفصي فجعلوه خلافا فعدوه قولا ثالثا، وقوله: "طاهرا" حال
стр. 4337
من أحد فردي ضمير التثنية البارز في قوله: "يترافعا" وذلك الأحد هو الزوجة لاختصاص وصف الطهر بها، كقولك: جاء زيد والفرس متكلما أو مسرجا.
وعجل فسخ الفاسد في الحيض يعني أن النكاح إذا كان فاسدا يفسخ قبل البناء وبعده، فإنه يعجل فسخه في الحيض لأن الإقرار عليه إلى وقت الطهر أعظم حرمة من فسخه في الحيض فارتكب أخف المفسدتين حيث تعارضتا، ففي النوادر: كل نكاح يفسخ بعد البناء لحرمته فإنه يفسخ في الحيض وتأخيره أعظم. انتهى.
واعلم أن قاعدة الشرع أنه إذا تعارض مفسدتان ارتكب أخفهما، وهذه المسألة فرد من أفراد هذه القاعدة، وأما ما يفسخ قبل واطلع عليه في الحيض قبل الدخول فقد مر أنه يجوز الطلاق قبل البناء في الحيض فأحرى الفسخ. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وعجل فسخ الفاسد في الحيض" يعني كنكاح المحرم بضم الميم والنكاح لأجل ونحوهما، قال في التوضيح: قال محمد في النكاح الفاسد: إذا كان مما يفرق فيه بعد الدخول ومما (١) يحتاط فيه بالطلاق كنكاح المحرم فإنه يفسخ في الحيض؛ لأن إقراره أعظم من الطلاق في الحيض. انتهى. وقوله: "وعجل فسخ الفاسد في الحيض" قد علمت أن التعليل المذكور إنما يأتي في الفاسد المختلف في فساده وهو صريح كلام محمد، وأما النكاح المجمع على فساده فإنه لا يحتاج إلى فسخ الحاكم بل هو مفسوخ من جهة الشرع. والله سبحانه أعلم.
والطلاق على المولي يعني أن المولي إذا حل أجل إيلائه وامرأته التي آلى منها حائض ولم يف بالوعد إذ فيئته بالوعد فإنه يعجل عليه الطلاق بالكتاب رواه ابن القاسم. ابن المواز: وبه أقول، وإذا طلق عليه أجبر على الرجعة بالسنة، ومفهوم ما قررته أنه لو وعد بالفيئة بأن قال: أفيء، فإنه يمهل ولا يطلق عليه وما درج عليه المص صرح ابن عرفة وغيره بأنه المشهور، وروى أشهب أنه يمهل حتى تطهر.
لا لعيب يعني أن أحد الزوجين إذا وجب له الخيار في فراق صاحبه بسبب عيب كجنون وعنة وبرص، ومن ذلك ما إذا عتقت الأمة تحت العبد فإنه لا يعجل برد نكاح صاحبه في الحيض، بل
стр. 4338
حتى تطهر ولا يحال بينه وبينها إلى الطهر إلا المجنون الذي يخاف عليها منه، فإن عجل فيه وقع وكان بائنا إن أوقعه الحاكم فلا رجعة له. هذا قول ابن رشد. وقال اللخمي: رجعي ويجبر على الرجعة إلا في العنين، والأول هو الصواب كما في الشارح، واقتصر عليه ابن عرفة في مبحث العيب خلافا لما اقتصر عليه من كلام اللخمي، وإن تبعه في الشامل فإنه ضعيف مخالف لقول المص، "وطلاق حكم به" وإن أوقعه الزوج من غير حاكم فرجعي إلا العنين فبائن، قال عبد الباقي: وإذا كان في غير العنين رجعيا أجبر على الرجعة إذا زال في لأجله حصل الطلاق. وأما المولي والمعسر بالنفقة فرجعي ولو أوقعه الحاكم كما قدمه. انتهى. وقوله: إذا زال في لأجله حصل الطارق فيه نظر بل يجبر على الرجعة مطلقا. قاله محمد بن الحسن.
وما للولي فسخه يعني أن النكاح الذي يخير فيه الولي لا يعجل فسخه في الحيض بل حتى تطهر وذلك كنكاح عبد بغير إذن سيده وسفيه بغير إذن وليه، وهذا إذا بني المحجور عليه بالزوجة وإلا فقد مر أنه يجوز طلاق غير المدخول بها وهي حائض والنص مقيد بذلك، ففي ابن المواز: وأما ما للولي فسخه وإجازته فإن بني فلا يفرق فيه إلا في الطهر بطلقة بائنة، ولو عتق العبد ورشد السفيه قبل الطلاق لم يطلق عليه. انتهى. فقوله: فإن بني لخ أي فإن لم يبن يفرق بينهما في الحيض فهو موافق لما مر في كلام المص، فما في شرح عبد الباقي من التوقف قصور. والله سبحانه أعلم.
أو لعسره بالنفقة يعني أن الزوج إذا أعسر بالنفقة وقامت الزوجة بحقها فإنه يتلوم له، وإذا حل أجل تلومه وزوجته حائض أو نفساء فإنها لا تطلق عليه في حيضها ولا في نفاسها بل حتى تطهر. قاله ابن المواز. وابن رشد في المقدمات، قال الحطاب: قال في المقدمات: ولا يطلق السلطان على من به جنون أو جذام أو برص أو عنة أو عجز عن النفقة وفي أشبه ذلك مما يحكم فيه بالفراق في الحيض ولا في دم النفاس، فإن فعل فقد أخطأ ولا يجبر في شيء من ذلك على الرجعة لأنه طلاق بائن إلا في الذي يطلق عليه لعدم الإنفاق فإنه يجبر على الرجعة إن أيسر في العدة، هذا الذي يلزم على أصولهم ولا أعلم فيها رواية. انتهى.
стр. 4339
كاللعان يعني أن الزوج إذا قذف زوجته وهي حائض أو نفساء أي متلبسة بدم النفاس فإنهما لا يتلاعنان حتى تطهر، قال في المدونة: ومن قذف زوجته أو انتفى من حملها وهي حائض أو في دم نفاسها فلا يتلاعنان حتى تطهر.
فرع: قال ابن الحاجب: وإذا قال للحائض أنت طالق للسنة طلقت مكانها ويجبر لأنها طلقت في الحيض مثل إذا طهرت. انتهى.
قال في التوضيح: لأن قوله للسنة بمنزلة قوله أنت طالق إذا طهرت. انتهى. والقاعدة أن من علق الطلاق على غالب ينجز في الحال، وقوله: ويجبر لأنها طلقت في الحيض ظاهر انتهى، قال جامعه عفا الله عنة: وفهم من كلامه أنه لو قال لها أنت طالق إذا طهرت فإنه ينجز عليه الطلاق ويجبر على الرجعة وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم. وفي الحطاب: وكذا تلزمه طلقة واحدة ويجبر على الرجعة إذا قال أنت طالق للسنة ولم يقل ثلاثا. قاله في المدونة. ونقله ابن الحاجب وغيره. انتهى.
ونجزت الثلاث في شر الطلاق ونحوه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق شر الطلاق أو نحو ذلك، كأن يقول لها أنت طالق أسمج الطلاق أي أقبحه، والسماجة القبح أو أقذره أو أنتنه أو أبغضه أو أكمله أو أكثره أو أقبحه فإنه تنجز عليه ثلاث طلقات، فلا تحل له إلا بعد زوج، ولو قال: أنت طالق إذا حضت الأولى وأنت طالق إذا حضت الخامسة لم يقع عليه إلا طلقة واحدة؛ لأن ما زاد عليها لا يقع إلا بعد العدة، ولو طلقها واحدة ثم قال: أنت طالق كلما حضت وقعت الثلاث، ولو قال أنت طالق وإذا حضت ثانية بعد أولى فأنت طالق وإذا حضت ثالثة فأنت طالق، لزمه طلقتان الأولى وطلقة عجلت عليه. ابن أبي زيد: يريد أن الثالثة وقعت بعد انقضاء العدة بدخولها في الحيضة الثالثة. قاله الحطاب. قال جامعه عفا الله عنة: والظاهر أن هذا إنما يتمشى على قول ابن الماجشون وسحنون الآتي، وهو مقابل للمشهور والذي يتمشى على المشهور لزوم الثلاث. والله سبحانه أعلم.
وفي أنت طالق ثلاثا للسنة إن دخل يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا للسنة فإنه ينجز عليه الطلاق الثلاث بشرط أن تكون مدخولا بها؛ لأنه بمنزلة من قال لزوجته أنت طالق في
стр. 4340
كل طهر مرة كانت حاملا أم لا طاهرا أو حائضا، وإلا أي وإن لم يدخل بها والحال أنه قد قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة، فتلزمه واحدة وهذا ضعيف، والمذهب لزوم الثلاث بهذا اللفظ في المدخول بها وغيرها قدم ثلاثا على السنة أو أخرها، ولا يرد أن غير المدخول بها تبين بواحدة مع وصفها بالسنة، فيعد قوله: بعدها ثلاثا لغوا؛ لأنا نقول لما نسق اللفظين فكأنهما لفظ واحد فلم تبن بالواحدة في تقديم السنة على ثلاث. قاله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "فواحدة": هذا قول سحنون والمذهب ما قاله في المدونة أنه تلزمه الثلاث في المدخول بها وغيرها، سواء قدم ثلاثا على قوله للسنة أو أخرها عنه، ومعنى قوله: "أنت طالق ثلاثا للسنة": أنت طالق في كل طهر مرة. انتهى. وقال ابن الحاجب: وإذا قال أنت طالق ثلاثا للسنة طلقت ثلاثا مكانها على المشهور، مثل: كلما طهرت. انتهى. لأن قوله أنت طالق ثلاثا للسنة، بمنزلة قوله أنت طالق في كل طهر مرة، فنجزت عليه الثلاث للقاعدة، وقوله على المشهور لم يقع في كل النسخ وهو في الجواهر وهو ينبني على أصل وهو أنه إذا علق على آت فهل ينجز ولا يقدر واقعا في أجله وهو المشهور؟ وعليه فتلزم الثلاث أو لا ينجز إلا ما لو أتى زمنه كان واقعا وهو قول ابن الماجشون وسحنون، وعليه فلا يلزمه إلا اثنتان؛ لأن المرأة تحل للغير بدخولها في الحيضة الثالثة، فلا يأتي الطهر الثالث إلا وهي بائنة، وعلى المشهور لا فرق بين أن تكون حال كلامه طاهرا أو حائضا صرح بذلك في المدونة، وأما على مقابل المشهور فإذا طلقها وهي حائض فينبغي أن يتفق على لزوم الثلاث؛ لأن المرأة إذا طلقت في حيض أو نفاس لا تحل إلا بالدخول في الحيضة الرابعة، ولم ينقل اللخمي وغيره قول سحنون إلا فيما إذا قال ذلك وهي طاهر. انظر التوضيح.
قال جامعه عفا الله عنه: وإيضاح ذلك أنه إذا قال لها كلما طهرت فأنت طالق وهي طاهر، فإن الطلقات معلقة على الطهر الذي بعد هذا الذي قال لها ذلك فيه، وقوله: أنت طالق ثلاثا للسنة بمنزلة كلما طهرت فأنت طالق كما يفيده التوضيح. والله سبحانه أعلم.
كخيره يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق خير الطلاق فإنه تلزمه طلقة واحدة، فالتشبيه في لزوم الواحدة ويجبر على الرجعة إذا قال ذلك في الحيض والنفاس، ومثل أنت طالق خير الطلاق في لزوم الواحدة قوله لها: أنت طالق أحسن الطلاق أو أجمله أو أفضله إلا أن ينوى أكثر
стр. 4341
ففرق بين أفضله فواحدة وبين أكثره فثلاث كما مر، وعبارة الشارح: أي ومما يلزم فيه طلقة واحدة إذا قال لها أنت طالق خير الطلاق ونص عليه في كتاب ابن سحنون إلا أن ينوي أكثر.
أو واحدة عظيمة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق واحدة عظيمة أو طويلة أو شديدة فإنه تلزمه واحدة، وكذا تلزمه طلقة في قوله لها أنت طالق واحدة خبيثة أو منكرة أو قبيحة أو كبيرة، كالجبل أو كالقصر إلا أن ينوى أكثر، وكذا لو قال لها: أنت طالق إلى البصرة أو إلى الصين وله الرجعة إلا أن ينوي أكثر، وهذا بين على قول من يرى أن البينونة لا تحصل إلا مع العوض، وأما من لا يشترط العوض فلا يبعد هنا إلزامه واحدة بائنة. قاله في التوضيح. ولو قال أنت طالق واحدة للبدعهّ أو لا للبدعة ولا للسنة فواحدة، وكذا إذا قال: أنت طالق للبدعة أولا للسنة ولا للبدعة فتلزمه واحدة، وكذا لو قال أنت طالق كما قال الله.
وثلاث للبدعة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا للبدعة فإنه تلزمه ثلاث، أو بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة فإنه تلزمه ثلاث، فقوله: فثلاث فيهما راجع للمسألتين أي فتلزمه ثلاث تطليقات فيهما أي في المسألتين: مسألة ثلاث للبدعة، ومسألة ثلاث بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة، وسواء في ذلك كانت المرأة مدخولا بها أم لا. ولما أنهى الكلام على أقسام الطلاق من سني وبدعي مصحوب بعوض وغير مصحوب بعوض شرع في أركانه بقوله:
стр. 4342
فصل في أركان الطلاق
وهي أربعة لا بد لنفوذ الطلاق منها، والمراد بالركن هنا ما ينعدم الشيء بانعدامه، وبدأ بالركن الأول من أركان الطلاق فقال: وركنه أهل يعني أن أركان الطلاق من حيث هو سنيا أو بدعيا بعوض أو بدونه أربعة، منها الأهل وهو موقع الطلاق من زوج أو نائبه من حاكم أو وكيل: ومن الوكيل الزوجة إذا جعله الزوج بيدها، وأما الولي والسيد فلا إلا في الصغير بعوض كما مر، وأما قولهم: إن طلاق الفضولي صحيح متوقف على الإجازة فالزوج إنما هو الموقع للطلاق بدليل أن العدة من يوم الإجازة لا من يوم الإيقاع، فلو كانت حاملا فوضعت قبل الإجازة استأنفت العدة، وسيأتي بيان حقيقة الأهل وسائر ما يحترز به عنه، ومعنى الأهل المتأهل لإيقاع الطلاق.
وقصد يعني أن من أركان الطلاق القصد، ومعناه قصد النطق باللفظ الدال على الطلاق في الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد مدلوله وهو حل العصمة، وأما الكناية الخفية كاسقني الماء فلا بد فيها من قصد حل العصمة، وإنما لزم الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد حل العصمة لأنه يلزم ولو هزل كما يأتي، واحترز بالقصد عن سبق اللسان كما يذكره. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: أي قصد النطق في الصريح والكناية الظاهرة؛ لأنه إذا سبق لسانه أو هذى لمرض أو نحو ذلك فلا شيء عليه كما سيأتي، وليس المراد به قصد إيقاع الطلاق بدليل قوله: "ولزم ولو هزل"، وأما الكناية الخفية فيشترط فيها قصد استعمال اللفظ في حل العصمة. انتهى. ونحوه للخرشي.
وقال ميارة بعد أن ذكر أن من أركان الطلاق القصد: والقصد هو القصد للطلاق فلا أثر لسبق اللسان إن جاء مستفتيا ولا أثر للفظ يجهل معناه، كما إذا قيل للأعجمي قل زوجتي طالق فلا يلزم لعدم القصد ولا أثر لطلاق الإكراه، ثم قال بعد كلام كثير تقدم أن من أركان الطلاق القصد، فلذلك لم يلزم المجنون والمبرسم الذي لا يعقل والمريض المغلوب على عقله، ونقل القاضي عياض في مداركه عن بعض الأئمة أنه سئل عن طلاق الذاهل بقول السائل:
أيا قاضيا فاق الأنام بعلمه … وأربى عليهم بالنهى والفضائل
فديتك هل يجري الطلاق لذاهل؟ … فرد فأنت اليوم قطب المسائل
стр. 4343
فأجاب:
إذا كان ذا عقل وطلق زوجة … فقد لزم التطليق يا خير سائل
وإن كان معتوها ولا عقل عنده … يقينا فلا يمضي طلاق لذاهل
وسيأتي قول المص: "ولو هزل"
واعلم أن الهزل بإيقاع الطلاق يلزم معه الطلاق وهذا متفق عليه، وأما الهزل بإطلاق لفظه عليه فهو محل الخلاف والمشهور فيه اللزوم. ابن عرفة: هزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقا، وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه. الشيخ في الموازية عن ابن القاسم: من قال لامرأته قد وليتك أمرك إن شاء الله، فقالت: فارقتك إن شاء الله وهما لاعبان لا يريدان طلاقا لا شيء عليهما وتحلف، وإن أراد الطلاق على اللعب لزمه. انتهى. نقله الحطاب وغيره.
وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي أن الظاهر أن الهزل في التفويض كالهزل في الطلاق سواء، وأن ما في السماع مقابل للمشهور كما يدل عليه كلام ابن عرفة، ونقله المواق والحطاب عند قوله: "ولزم ولو هزل". واعلم أن في السماع المذكور أن الإمام قال للسائل: إن لم ترد بذلك طلاقا وكان منك على وجه اللعب فلا أرى عليك فيه شيئا، وإن كنت أردت به طلاقا وإن كنت لاعبا فهو الطلاق، قال ابن رشد: قوله فهو الطلاق صحيح على قولهم إن الطلاق هزله جد، من ذلك ما وقع في آثار المدونة وغيرها. انتهى. ففصل بين هزل إيقاع الطلاق فهو طلاق وهذا متفق عليه وبين هزل إطلاق لفظه وهذا محل الخلاف والمشهور فيه اللزوم خلاف ما في السماع، قال ابن عرفة: هزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقا، وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه، ثم نقل كلام السماع المذكور كالمقابل. والله أعلم. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: وبهذا تعلم أن قول الشارح والمراد بالقصد نية إيقاع الطلاق غير ظاهر لإيهامه أن قصد لفظه مع عدم قصد إيقاعه لا يكون طلاقا، وقد مر رد الشبراخيتي والخرشي لذلك التفسير، وأيضا يرده قول المص: "ولزم ولو هزل" لأن الهزل بإيقاع الطلاق يلزم به الطلاق اتفاقا، والمص أتى بلو الدالة على رد قول مذهبي، وذلك إنما هو في الهزل بإيقاع لفظ الطلاق لا
стр. 4344
في الهزل بإيقاع الطلاق، ويمكن أن يجاب عن الشارح بأن قوله: والمراد بالقصد نية إيقاع الطلاق على حذف مضاف أي نية إيقاع لفظ الطلاق. والله سبحانه أعلم.
ومحل يعني أن من أركان الطلاق المحل، وهو عصمة مملوكة تحقيقا أو تقديرا، فلا يقع على الأجنبية بلا تعليق، ودخل في المحل مجوسية طلقها زوجها بعد إسلامه ثم أسلمت بقرب كشهر فيلزمه الطلاق عند ابن القاسم؛ لأنه بإسلامها بالقرب تبين أن طلاقه وقع على زوجة يقر عليها لو لم يطلقها فلا بد له من عقد جديد ويبقى له فيها طلقتان، وقال أشهب: يقر عليها من غير عقد لطلاقه لها قبل إسلامها في حال لا يقر عليها، فابن القاسم نظر إلى ما تبين وأشهب نظر إلى حال الطلاق. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وحاشية الشيخ بناني.
ولفظ يعني أن من أركان الطلاق الصيغة وهي ما دل على فك العصمة دلالة وضعية، كطالق ونحوه من الألفاظ الصريحة، أو عرفية كالكناية بقسميها، وقوله: "ولفظ" أي أو ما يقوم مقامه كما يأتي في قوله: "ولزم بالإشارة المفهمة"، واحترز باللفظ هنا عن مجرد العزم الذي ليس معه لفظ ولا كلام نفسي، لا عن الإشارة والكتابة والكلام النفسي وهو اقتصار على ما هو الأصل؛ لأن مثل اللفظ ما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة أو فعل كنقل متاعها كما يأتي في التخيير والتمليك. قاله محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وقوله "ولفظ" أي حقيقة أو حكما، فشمل الكلام النفسي على أحد القولين كما يأتي، وقوله: "ولفظ" اقتصار على الأصل: فلا يقال كان عليه أن يقول: أو ما يقوم مقامه أي من إشارة أو كتابة، وأما الفعل فلا يحصل به الطلاق ولو قصد به الطلاق، إلا أن يستعمل فيه عرفا فيحصل به الطلاق كما تقدم في الخلع. انتهى.
وقال عبد الباقي: فلا تطلق بفعل ولو قصد به الطلاق إلا لعرف كمسألة الحفر والدفن كما مر. انتهى. وقد مر عن محمد بن الحسن هناك بعد أن جلب نقلا ما نصه: وهو يفيد أن ذلك لا يتقيد بالعرف خلاف ما في الزرقاني. انتهى. واعترض عد هذه الأربعة أركانا؛ لأن الركن هو الداخل في حقيقة الشيء وينعدم الشيء بانعدامه، وهذه الأمور الأربعة خارجة عن حقيقة الطلاق، وأجيب بأن المراد بالركن هنا ما لا بد منه في تحقق الماهية وإن لم يكن داخلا.
وقد مر تعريف ابن عرفة للطلاق بقوله: صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبا تكررها مرتين للحر ومرة للعبد حرمتها عليه قبل زوج. قوله: حكمية أي يحكم بها وليست
стр. 4345
حسية، وقوله: موجبا تكررها مرتين للحر أي بعد واحدة إذ التكرار إنما يكون بعد فرد، فلو قال ثلاث مرات لكان فاسدا، وكذا يقال في قوله ومرة للعبد كما هو ظاهر. قاله عبد الباقي.
ولا تكلم على الأركان مجملة شرع يتكلم عليها مفصلة على الترتيب، فقال: وإنما يصح طلاق المسلم يعني أن الزوج إذا طلق زوجته فإنه لا يصح طلاقه ولا يلزمه إلا أن يكون مسلما، فلا يصح طلاق الكافر كما مر في قوله: "ولو طلقها ثلاثا إلا أن يترافعا إلينا" فيجري على ما مر من قوله: "وفي لزوم الثلاث لذمي" الخ، وأما وكيل الزوج على الطلاق فلا يشترط في صحة طلاقه إسلام ولا ذكورة ولا تكليف، بل تمييز فيما يظهر؛ لأن الموقع حقيقة الزوج الموكل، وكذا الفضولي لا يشترط فيه من ذلك إلا التمييز فيشترط فيه فيما يظهر؛ لأن الموقع للطلاق هو الزوج المجيز. قاله عبد الباقي. ومقتضاه أن الفضولي غير المميز لا يعتبر ما أوقعه ولو أجازه الزوج، وفهم من قوله: "المسلم" أنه لو أسلمت كافرة وطلقها زوجها الكافر بعد أن أسلمت ثم أسلم في عدتها فإنه يكون أحق بها، ولو كان قد أوقع الثلاث عليها بعد إسلامها وقبل إسلامه، ولو نكحها بعد انقضاء عدتها كان جائزا، وطلاقه في حالة كفره باطل.
المكلف يعني أنه كما لا يصح طلاق الزوج الكافر لا يصح طلاق الزوج غير المكلف، فلا بد في صحة الطلاق من كون الزوج مسلما مكلفا، فلا يصح من صبي ولو مراهقا ولا من مجنون حال جنونه، ولا من مختبل ولا من مغمى عليه، وأما وقوع الطلاق على الصبي إذا ارتد فإنما هو بحكم الشرع لا أنه هو الموقع، ولو طلق المريض وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك، وقال لم أعقل حلف ولا شيء عليه. قاله مالك في الموازية. وكذلك نقل عنه في العتبية إلا أنه قال: ثم صح فأنكر وزعم أنه لم يكن يعقل. ابن رشد: إنما ذلك أن تشهد العدول أنه يهذي أو يختل عقله، وإن شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله فلا يقبل قوله، ويلزمه الطلاق. نقله الحطاب، وقال: هذا الفرع غير الفرع الآتي في كلام المص.
ولو سكر حراما يعني أن الزوج إذا طلق في حال سكره فإنه يلزمه الطلاق بشرط أن يكون سكره حراما، والمراد أنه استعمل عمدا ما يغيب عقله ولو مع شكه أنه يغيب كان مما يسكر جنسه أو