ففرق بين أفضله فواحدة وبين أكثره فثلاث كما مر، وعبارة الشارح: أي ومما يلزم فيه طلقة واحدة إذا قال لها أنت طالق خير الطلاق ونص عليه في كتاب ابن سحنون إلا أن ينوي أكثر.
أو واحدة عظيمة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق واحدة عظيمة أو طويلة أو شديدة فإنه تلزمه واحدة، وكذا تلزمه طلقة في قوله لها أنت طالق واحدة خبيثة أو منكرة أو قبيحة أو كبيرة، كالجبل أو كالقصر إلا أن ينوى أكثر، وكذا لو قال لها: أنت طالق إلى البصرة أو إلى الصين وله الرجعة إلا أن ينوي أكثر، وهذا بين على قول من يرى أن البينونة لا تحصل إلا مع العوض، وأما من لا يشترط العوض فلا يبعد هنا إلزامه واحدة بائنة. قاله في التوضيح. ولو قال أنت طالق واحدة للبدعهّ أو لا للبدعة ولا للسنة فواحدة، وكذا إذا قال: أنت طالق للبدعة أولا للسنة ولا للبدعة فتلزمه واحدة، وكذا لو قال أنت طالق كما قال الله.
وثلاث للبدعة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا للبدعة فإنه تلزمه ثلاث، أو بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة فإنه تلزمه ثلاث، فقوله: فثلاث فيهما راجع للمسألتين أي فتلزمه ثلاث تطليقات فيهما أي في المسألتين: مسألة ثلاث للبدعة، ومسألة ثلاث بعضهن للبدعة وبعضهن للسنة، وسواء في ذلك كانت المرأة مدخولا بها أم لا. ولما أنهى الكلام على أقسام الطلاق من سني وبدعي مصحوب بعوض وغير مصحوب بعوض شرع في أركانه بقوله:
стр. 4342
فصل في أركان الطلاق
وهي أربعة لا بد لنفوذ الطلاق منها، والمراد بالركن هنا ما ينعدم الشيء بانعدامه، وبدأ بالركن الأول من أركان الطلاق فقال: وركنه أهل يعني أن أركان الطلاق من حيث هو سنيا أو بدعيا بعوض أو بدونه أربعة، منها الأهل وهو موقع الطلاق من زوج أو نائبه من حاكم أو وكيل: ومن الوكيل الزوجة إذا جعله الزوج بيدها، وأما الولي والسيد فلا إلا في الصغير بعوض كما مر، وأما قولهم: إن طلاق الفضولي صحيح متوقف على الإجازة فالزوج إنما هو الموقع للطلاق بدليل أن العدة من يوم الإجازة لا من يوم الإيقاع، فلو كانت حاملا فوضعت قبل الإجازة استأنفت العدة، وسيأتي بيان حقيقة الأهل وسائر ما يحترز به عنه، ومعنى الأهل المتأهل لإيقاع الطلاق.
وقصد يعني أن من أركان الطلاق القصد، ومعناه قصد النطق باللفظ الدال على الطلاق في الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد مدلوله وهو حل العصمة، وأما الكناية الخفية كاسقني الماء فلا بد فيها من قصد حل العصمة، وإنما لزم الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد حل العصمة لأنه يلزم ولو هزل كما يأتي، واحترز بالقصد عن سبق اللسان كما يذكره. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: أي قصد النطق في الصريح والكناية الظاهرة؛ لأنه إذا سبق لسانه أو هذى لمرض أو نحو ذلك فلا شيء عليه كما سيأتي، وليس المراد به قصد إيقاع الطلاق بدليل قوله: "ولزم ولو هزل"، وأما الكناية الخفية فيشترط فيها قصد استعمال اللفظ في حل العصمة. انتهى. ونحوه للخرشي.
وقال ميارة بعد أن ذكر أن من أركان الطلاق القصد: والقصد هو القصد للطلاق فلا أثر لسبق اللسان إن جاء مستفتيا ولا أثر للفظ يجهل معناه، كما إذا قيل للأعجمي قل زوجتي طالق فلا يلزم لعدم القصد ولا أثر لطلاق الإكراه، ثم قال بعد كلام كثير تقدم أن من أركان الطلاق القصد، فلذلك لم يلزم المجنون والمبرسم الذي لا يعقل والمريض المغلوب على عقله، ونقل القاضي عياض في مداركه عن بعض الأئمة أنه سئل عن طلاق الذاهل بقول السائل:
أيا قاضيا فاق الأنام بعلمه … وأربى عليهم بالنهى والفضائل
فديتك هل يجري الطلاق لذاهل؟ … فرد فأنت اليوم قطب المسائل
стр. 4343
فأجاب:
إذا كان ذا عقل وطلق زوجة … فقد لزم التطليق يا خير سائل
وإن كان معتوها ولا عقل عنده … يقينا فلا يمضي طلاق لذاهل
وسيأتي قول المص: "ولو هزل"
واعلم أن الهزل بإيقاع الطلاق يلزم معه الطلاق وهذا متفق عليه، وأما الهزل بإطلاق لفظه عليه فهو محل الخلاف والمشهور فيه اللزوم. ابن عرفة: هزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقا، وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه. الشيخ في الموازية عن ابن القاسم: من قال لامرأته قد وليتك أمرك إن شاء الله، فقالت: فارقتك إن شاء الله وهما لاعبان لا يريدان طلاقا لا شيء عليهما وتحلف، وإن أراد الطلاق على اللعب لزمه. انتهى. نقله الحطاب وغيره.
وفي حاشية الشيخ محمد بن الحسن رادا على عبد الباقي أن الظاهر أن الهزل في التفويض كالهزل في الطلاق سواء، وأن ما في السماع مقابل للمشهور كما يدل عليه كلام ابن عرفة، ونقله المواق والحطاب عند قوله: "ولزم ولو هزل". واعلم أن في السماع المذكور أن الإمام قال للسائل: إن لم ترد بذلك طلاقا وكان منك على وجه اللعب فلا أرى عليك فيه شيئا، وإن كنت أردت به طلاقا وإن كنت لاعبا فهو الطلاق، قال ابن رشد: قوله فهو الطلاق صحيح على قولهم إن الطلاق هزله جد، من ذلك ما وقع في آثار المدونة وغيرها. انتهى. ففصل بين هزل إيقاع الطلاق فهو طلاق وهذا متفق عليه وبين هزل إطلاق لفظه وهذا محل الخلاف والمشهور فيه اللزوم خلاف ما في السماع، قال ابن عرفة: هزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقا، وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه، ثم نقل كلام السماع المذكور كالمقابل. والله أعلم. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: وبهذا تعلم أن قول الشارح والمراد بالقصد نية إيقاع الطلاق غير ظاهر لإيهامه أن قصد لفظه مع عدم قصد إيقاعه لا يكون طلاقا، وقد مر رد الشبراخيتي والخرشي لذلك التفسير، وأيضا يرده قول المص: "ولزم ولو هزل" لأن الهزل بإيقاع الطلاق يلزم به الطلاق اتفاقا، والمص أتى بلو الدالة على رد قول مذهبي، وذلك إنما هو في الهزل بإيقاع لفظ الطلاق لا
стр. 4344
في الهزل بإيقاع الطلاق، ويمكن أن يجاب عن الشارح بأن قوله: والمراد بالقصد نية إيقاع الطلاق على حذف مضاف أي نية إيقاع لفظ الطلاق. والله سبحانه أعلم.
ومحل يعني أن من أركان الطلاق المحل، وهو عصمة مملوكة تحقيقا أو تقديرا، فلا يقع على الأجنبية بلا تعليق، ودخل في المحل مجوسية طلقها زوجها بعد إسلامه ثم أسلمت بقرب كشهر فيلزمه الطلاق عند ابن القاسم؛ لأنه بإسلامها بالقرب تبين أن طلاقه وقع على زوجة يقر عليها لو لم يطلقها فلا بد له من عقد جديد ويبقى له فيها طلقتان، وقال أشهب: يقر عليها من غير عقد لطلاقه لها قبل إسلامها في حال لا يقر عليها، فابن القاسم نظر إلى ما تبين وأشهب نظر إلى حال الطلاق. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وحاشية الشيخ بناني.
ولفظ يعني أن من أركان الطلاق الصيغة وهي ما دل على فك العصمة دلالة وضعية، كطالق ونحوه من الألفاظ الصريحة، أو عرفية كالكناية بقسميها، وقوله: "ولفظ" أي أو ما يقوم مقامه كما يأتي في قوله: "ولزم بالإشارة المفهمة"، واحترز باللفظ هنا عن مجرد العزم الذي ليس معه لفظ ولا كلام نفسي، لا عن الإشارة والكتابة والكلام النفسي وهو اقتصار على ما هو الأصل؛ لأن مثل اللفظ ما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة أو فعل كنقل متاعها كما يأتي في التخيير والتمليك. قاله محمد بن الحسن. وقال الشبراخيتي: وقوله "ولفظ" أي حقيقة أو حكما، فشمل الكلام النفسي على أحد القولين كما يأتي، وقوله: "ولفظ" اقتصار على الأصل: فلا يقال كان عليه أن يقول: أو ما يقوم مقامه أي من إشارة أو كتابة، وأما الفعل فلا يحصل به الطلاق ولو قصد به الطلاق، إلا أن يستعمل فيه عرفا فيحصل به الطلاق كما تقدم في الخلع. انتهى.
وقال عبد الباقي: فلا تطلق بفعل ولو قصد به الطلاق إلا لعرف كمسألة الحفر والدفن كما مر. انتهى. وقد مر عن محمد بن الحسن هناك بعد أن جلب نقلا ما نصه: وهو يفيد أن ذلك لا يتقيد بالعرف خلاف ما في الزرقاني. انتهى. واعترض عد هذه الأربعة أركانا؛ لأن الركن هو الداخل في حقيقة الشيء وينعدم الشيء بانعدامه، وهذه الأمور الأربعة خارجة عن حقيقة الطلاق، وأجيب بأن المراد بالركن هنا ما لا بد منه في تحقق الماهية وإن لم يكن داخلا.
وقد مر تعريف ابن عرفة للطلاق بقوله: صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبا تكررها مرتين للحر ومرة للعبد حرمتها عليه قبل زوج. قوله: حكمية أي يحكم بها وليست
стр. 4345
حسية، وقوله: موجبا تكررها مرتين للحر أي بعد واحدة إذ التكرار إنما يكون بعد فرد، فلو قال ثلاث مرات لكان فاسدا، وكذا يقال في قوله ومرة للعبد كما هو ظاهر. قاله عبد الباقي.
ولا تكلم على الأركان مجملة شرع يتكلم عليها مفصلة على الترتيب، فقال: وإنما يصح طلاق المسلم يعني أن الزوج إذا طلق زوجته فإنه لا يصح طلاقه ولا يلزمه إلا أن يكون مسلما، فلا يصح طلاق الكافر كما مر في قوله: "ولو طلقها ثلاثا إلا أن يترافعا إلينا" فيجري على ما مر من قوله: "وفي لزوم الثلاث لذمي" الخ، وأما وكيل الزوج على الطلاق فلا يشترط في صحة طلاقه إسلام ولا ذكورة ولا تكليف، بل تمييز فيما يظهر؛ لأن الموقع حقيقة الزوج الموكل، وكذا الفضولي لا يشترط فيه من ذلك إلا التمييز فيشترط فيه فيما يظهر؛ لأن الموقع للطلاق هو الزوج المجيز. قاله عبد الباقي. ومقتضاه أن الفضولي غير المميز لا يعتبر ما أوقعه ولو أجازه الزوج، وفهم من قوله: "المسلم" أنه لو أسلمت كافرة وطلقها زوجها الكافر بعد أن أسلمت ثم أسلم في عدتها فإنه يكون أحق بها، ولو كان قد أوقع الثلاث عليها بعد إسلامها وقبل إسلامه، ولو نكحها بعد انقضاء عدتها كان جائزا، وطلاقه في حالة كفره باطل.
المكلف يعني أنه كما لا يصح طلاق الزوج الكافر لا يصح طلاق الزوج غير المكلف، فلا بد في صحة الطلاق من كون الزوج مسلما مكلفا، فلا يصح من صبي ولو مراهقا ولا من مجنون حال جنونه، ولا من مختبل ولا من مغمى عليه، وأما وقوع الطلاق على الصبي إذا ارتد فإنما هو بحكم الشرع لا أنه هو الموقع، ولو طلق المريض وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك، وقال لم أعقل حلف ولا شيء عليه. قاله مالك في الموازية. وكذلك نقل عنه في العتبية إلا أنه قال: ثم صح فأنكر وزعم أنه لم يكن يعقل. ابن رشد: إنما ذلك أن تشهد العدول أنه يهذي أو يختل عقله، وإن شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله فلا يقبل قوله، ويلزمه الطلاق. نقله الحطاب، وقال: هذا الفرع غير الفرع الآتي في كلام المص.
ولو سكر حراما يعني أن الزوج إذا طلق في حال سكره فإنه يلزمه الطلاق بشرط أن يكون سكره حراما، والمراد أنه استعمل عمدا ما يغيب عقله ولو مع شكه أنه يغيب كان مما يسكر جنسه أو
стр. 4346
من غيره كلبن حامض، فلو تحقق أو ظن أن اللبن ونحوه لا يغيب عقله فغاب باستعماله وطلق لم يقع عليه طلاق، ولو تنازع معها في سكره حراما وغيره قبل قوله بيمينه إن لم تقم قرينة على صدقه، فإن قامت بكذبه فقولها إنه حرام، وقوله حراما، وأما لو سكر بحلال بأن لم يعلم تحريمه فكالمجنون لا يلزمه طلاق: وقوله: "حراما" صفة لصدر محذوف أي سكر سكرا حراما. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: لو تنازع معها وكونه سكرا حراما أو غير حرام فالظاهر أنه إن وجدت قرينة تصدق أحدهما عمل عليها، وإلا فقوله: بيمين، وقوله: "سكر" أي غاب عقله سواء غاب بمسكر أو بمرقد أو بمفسد لكنه لا يتصور ذلك مع المرقد، ثم إنه ليس من الحرام ما إذا شربه يظنه غير مسكر فتبين أنه مسكر، وأما إذا شربه مع ظن أنه مسكر أو مع الشك فيه فهو كشربه مع تحقق أنه مسكر كما يفيده كلامهم في الشرب. انتهى.
واستفيد مما مر أنه لو ظنه حلالا فتبين أنه حرام وأنه مسكر فإنه كالمجنون لا يقع عليه طلاق، وأنه لو شك أنه يغيب العقل واستعمله فغاب عقله أنه يقع عليه الطلاق كان مما يسكر جنسه أو من غيره كلبن حامض. وبالله تعالى التوفيق. قال أحمد بن عبد الله الدميري تاج الدين بهرام وهو المعروف عندهم بالشارح: وما ذكره من نفوذ طلاق السكران هو المشهور، وقيل: لا يلزم. انتهى. وعلى القول بعدم اللزوم رد المص "بلو".
وهل إلا أن لا يميز أو مطلقا تردد؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا هل محل الخلاف المذكور حيث كان عند السكران بقية تمييزه؟ وأما إن لم يكن عنده بقية تمييز فيتفق على أنه كالمجنون لا يلزمه الطلاق اتفاقا، وهي طريقة ابن رشد والباجي أو الخلاف مطلق غير مقيد بمن عنده بقية تمييز فيكون المشهور اللزوم، سواء كان عنده بقية تمييز أم لا وهي طريق المازري، وإيضاح المص على هذا أن تقول: وهل الأمر على ما ذكر من وجود الخلاف إلا أن لا يميز فلا خلاف في عدم لزومه حينئذ، فيكون محل الخلاف حيث كان عنده بقية تمييز؛ إذ هو الذي قبل الاستثناء وهذه هي طريق ابن رشد والباجي، أو الأمر من وجود الخلاف غير مقيد بمن عنده بقية تمييز بل هو موجود فيمن عنده بقية تمييز ومن لم يكن عنده تمييز أصلا فيلزمه الطلاق على المشهور في كلا الحالين وهي طريق المازري، ولابن يونس يلزمه اتفاقا إن ميز وعلى المشهور إن لم يميز، وفي
стр. 4347
نسخة: وهل إن ميز أي وهل محل لزوم الطلاق إن ميز لا إن لم يميز فلا يلزم اتفاقا كما يقوله ابن رشد، أو هو لازم مطلقا ميز أم لا على المشهور في حالتي التمييز وعدمه كما يقوله المازري، وفي نسخة: وهل إلا أن يميز؛ أي وهل الخلاف المشار إليه بلو إلا أن يميز فيلزم بلا خلاف؟ أو الخلاف كائن مطلقا ميز أم لا؟ في ذلك تردد أي طريقان، طريق للمازري يلزمه على المشهور ميز أم لا، وطريق لابن يونس يلزمه اتفاقا إن ميز، وعلى المشهور إن لم يميز. قاله عبد الباقي. فكلا النسختين صحيح. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن الراجح من الطرق المذكورة لزوم الطلاق ميز أم لا، وقال الأمير: إنما يصح طلاق المسلم الكلف وإن سكر حراما ميز أم لا على الراجح مما في الأصل. انتهى. وفي التوضيح: وتحصيل القول في السكران أن المشهور تلزمه الجنايات والحدود ليلا يتساكر الناس ويجنون، وكذا يلزمه العتق والطلاق ولا تلزمه الإقرارات والعقود. انتهى. ولبعضهم:
لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود
وفي التوضيح: وعلى المشهور من عدم إلزامه بالنكاح، فقال في البيان: اختلف إن قالت البينة إنها رأت منه اختلاطا ولم تثبت الشهادة بسكره على قولين: أحدهما وهو المشهور أنه يحلف ولا يلزمه النكاح، والثاني لا يصدق ولا يمكن من اليمين ويلزمه النكاح، ثم قال: وحمل في البيان قول لمالك لا أرى نكاح السكران جائزا، وقول سحنون: لا يجوز بيعه ونكاحه وهبته وصدقاته على معنى أنه لا يلزمه ذلك وله أن يرجع عنه، قال: ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب مالك إنه غير منعقد وإنما يقال غير لازم، ثم قال إذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا لقوم وإذا بت عتق عبيدة في مرضه، فقال صاحب البيان: الصحيح على مذهب مالك إن مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية، وإن صح من مرضه نفذ عليه العتق ولزمه، وكان له الرجوع فيما بتله من الهبة والصدقة من أجل السكر. انتهى. نقله الحطاب. قال: وقال هنا: واعلم أن اصطلاحه في الجواهر إذا أراد الباجي قال قال القاضي أبو الوليد، وإذا أراد ابن رشد قال قال الشيخ أبو الوليد. قال: وقد التبس هذا على المص يعني ابن الحاجب -فنسب للباجي ما
стр. 4348
لابن رشد وذلك في سبعة مواضع هنا وفي القراض وفي المزارعة وفي الوقف وخامسها في الأقضية وسادسها في الشهادات وسابعها قوله بإثر هذا الموضع. انتهى بالمعنى انتهى كلام الحطاب.
وطلاق الفضولي كبيعه يعني أن طلاق الفضولي صحيح متوقف على الإجازة كبيعه، والمراد بالفضولي من تعدى على الزوج بإيقاع الطلاق، فإذا أجاز الزوج طلاق الفضولي مضى ولزم، كما أن من باع ملك غيره وقف إمضاؤه على إجازة المالك، فإن أمضى البيع مضى وإن رده رد، وينبغي هنا أن يتفق على المنع ولا يجري الخلاف الجاري في البيع من الحرمة والجواز والكراهة؛ لأن الناس يطلبون الربح في سلعهم بخلاف النساء، والمعتبر ما يجيزه الزوج لا ما أوقعه الفضولي، فلو أوقع ثلاثا أو بائنا وأجاز الزوج واحدة أو رجعيا اعتبر ما يجيزه الزوج والعدة من يوم الإجازة، فلو كانت حاملا فوضعت قبل الإجازة استأنفت العدة، ولو أجاز الطلاق وهي حامل ثم ولدت خرجت من العدة، ومن قال لغريمه عليك الطلاق أو امرأتك طالق لتدفعن إلي حقي غدا فيقول نعم فيحنث فيقول أردت واحدة ويقول صاحب الحق ثلاثا القول قول صاحب الحق، وفي سماع عبد الملك أن القول قول الغريم. ابن رشد: هذان القولان على اختلافهم في اليمين هل هي على نية الحالف أو المحلوف له؟ ولو طلق عليه غير غريمه لكان القول للزوج بلا خلاف. قاله الحطاب.
وما تقدم من أن الخلاف في بيع الفضولي على ثلاثة أقوال. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: سيأتي في البيوع عن القرافي أن ظاهر كلام عياض عدم جواز الإقدام عليه، وظاهر كلام صاحب الطراز الجواز فانظر على قولهم إن طلاق الفضولي كبيعه هل حكم الطلاق حكم البيع في جواز الإقدام عليه؟ أم لا والله سبحانه أعلم. انتهى. وقد مر أن العدة في طلاق الفضولي من يوم الإجازة، وهذا [بخلاف] (١) المكره على الطلاق إذا أجازه طائعا بعد الإكراه فالعدة من يوم الوقوع كما يأتي، والفرق بينهما أن ما وقع منه حال الإكراه قد قيل بلزومه وطلاق الفضولي لم يقل بلزومه وأيضا الموقع والمجيز في مسألة الإكراه واحد، وفي مسألة الفضولي الموقع غير المجيز. قاله عبد الباقي. وسيأتي لبناني أن العدة في الإكراه من يوم الإجازة، وقال الشبراخيتي: إن الفضولي إذا طلق بحضرة الزوج وهو عالم ساكت فإنه يلزم ولا يتوقف على الإجازة. انتهى.
стр. 4349
ولزم ولو هزل من باب ضرب وفرح؛ يعني أن الزوج إذا طلق زوجته فإنه يلزمه الطلاق إذا كان أهلا لإيقاع الطلاق، وقد مر بيان الأهل وهو المسلم المكلف ولا فرق في لزوم الطلاق للزوج الأهل بين أن يكون جادا في إيقاع الطلاق وبين أن يكون هازلا، أما الجاد فظاهر وأما الهازل فإن كان هازلا بإيقاع الطلاق فإنه يلزمه الطلاق اتفاقا، وأما إن كان هازلا بلفظ الطلاق مع أنه لم يقصد فك العصمة لا هزلا ولا جدا فالمشهور لزوم الطلاق له، لخبر الترمذي: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة (١)) ولقول ابن المسيب: ثلاث ليس فيهن لعب النكاح والطلاق والعتق. ابن عرفة: هزل إيقاع الطلاق لازم اتفاقا، وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه. اللخمي: أرى إن قام دليل الهزل لم يلزمه طلاق.
ابن القاسم: من قال لامرأته قد وليتك أمرك إن شاء الله، فقالت فارقتك إن شاء الله وهما لاعبان لا يريدان طلاقا فلا شيء عليهما وتحلف، وإن أراد الطلاق على اللعب لزمه.
وقال ابن القاسم في رجل قال له رجل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم كما طلقت أنت امرأتك، فإذا الآخر قد طلق امرأته والآخر لم يعلم لا شيء عليه إذا لم يرد طلاقا. ابن رشد: ويحلف أنه لم يعلم بطلاق الآخر ولا يحلف أنه كان لاعبا؛ لأن اللاعب يلزمه الطلاق، وقد علمت أن المشهور لزوم طلاق الهازل بإطلاق لفظ الطلاق عليه كما مر عند قوله: "وقصد" وأن كلام ابن القاسم من قال لامرأته قد وليتك أمرك لخ خلاف المشهور، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في فصل التفويض، وقوله: "ولزم ولو هزل" قال الشبراخيتي: أي باستعمال لفظه فيه أي باستعمال لفظ الطلاق في الطلاق من غير قصد فك العصمة هازلا بإيقاعه لأجل إتيانه بلو التي يشير بها إلى الخلاف والهزل بإيقاعه متفق عليه، بأن يقصد إيقاع الطلاق هازلا، وقد قال التتائي: ابن عرفة: سواء هزل بإيقاعه أو بإطلاق لفظه عليه، فالأول لازم اتفاقا والثاني على المعروف. انتهى. انتهى.
ثم قال الشبراخيتي: والهازل هو الذي لا يقصد بما وقع منه من الطلاق حل العصمة، وهذا إنما يأتي في الصريح أو في الكناية الظاهرة كما لا يخفى، وفي خبر الترمذي: (ثلاث جدهن جد
стр. 4350
وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة (١))، وزيد العتق كما في الرواية الأخرى (ثلاث من قالهن لاعبا أو غير لاعب فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح (٢))، فتحصل من مجموع ذلك أن هذه الأربعة هزلها جد. انتهى. وقوله: "ولزم ولو هزل" قد علمت أن المشهور لزوم الطلاق، وقيل لا يلزم مطلقا، وقيل إن اتضح الهزل لم يلزم وإلا لزم، قال ابن عاصم ﵀:
والخلف في مطلق هزلا وضح … ثالثها إلا إن الهزل اتضح
قال الشيخ ميارة: يعني أنه اختلف فيمن طلق على وجه الهزل واللعب على ثلاثة أقوال: قيل يلزمه وهو المشهور، وقيل لا يلزمه، ثالثها إن اتضح الهزل وبان لم يلزم وإن لم يتضح ولم يبن فيلزم.
ابن الحاجب: وفي الهزل في النكاح والطلاق والعتاق ثالثها إن قام عليه دليل لم يلزم. التوضيح: ويلحق بالثلاث الرجعة والمشهور اللزوم لما في الترمذي من حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ : (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة (٣))، والقول الثالث نقله ابن شاس عن اللخمي. ابن عبد السلام: والذي حكاه غير واحد إنما هو قولان. انتهى.
لا إن سبق لسانه هذا مفهوم قوله: "وقصد" يعني أن الزوج إذا أراد أن يتكلم بغير الطلاق فالتوى لسانه فتكلم بالطلاق فلا شيء عليه، كما لو أراد أن يقول لها أنت قائمة مثلا فقال لها أنت طالق فيقبل قوله في الفتوى. وأما في القضاء فيلزمه الطلاق إلا إذا فهم الشهود من قرينة الحال صدقه وأنه أراد أن يتكلم بغير الطلاق فزل لسانه فتكلم بالطلاق فإنه ينفعه ذلك، وقوله: "لا إن سبق لسانه" إنما لم يلزم الطلاق هنا لانعدام القصد الذي هو ركن من أركان الطلاق، ومن كتب إلى أبي زوجته أنه طلقها ليحضر لاشتياقها له لم تطلق عليه في الفتوى مطلقا، ولا في القضاء إن أشهد
стр. 4351
قبل كتبه أنه لم يرد بذلك طلاقا، وأما إن لم يكن أشهد بذلك أولا فإنه يلزمه في القضاء. نقله ابن عرفة عن ابن رشد.
ولا ينافي هذا ما تقدم من أن قوله: "وقصد" معناه قصد التلفظ به وإن لم يقصد حل العصمة؛ لأنه لم يحصل لفظ هنا بل كتابة من غير عزم، ولا يرد على وصول الكتابة قوله الآتي: "إن وصل"؛ لأن معناه إن وصل للزوجة وهنا وصل لأبيها من غير تردد في الطلاق، بل مع جزمه بعدمه، وبما مر عن ابن رشد تعلم أن قول عبد الباقي: ومن كتب لأبي زوجته أنه طلقها ليحضر لاشتياقها له لم تطلق عليه في الفتوى إن أشهد أنه لم يرد طلاقا فيه نظر، بل لا تطلق عليه في الفتوى مطلقا أشهد أم لا، وإنما هذا قيد فيما إذا قيم عليه بخطه عند القاضي كما مر. انظر حاشية الشيخ بناني. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "في الفتوى" متعلق بيلزم مقدرا أي لا يلزمه شيء إن سبق لسانه في الفتوى، ومما لا يؤاخذ به في الفتوى من سئل في شيء فقال حلفت بالطلاق أن لا أفعله ولم يكن قد فعل، فقال مالك في كتاب محمد: لا شيء عليه في الفتوى، وأما إن أراد أن يحكي كلام رجل فقال امرأتي طالق البتة ونسي أن يقول: قال فلان، فإن كان نسقا فلا شيء عليه، قال بعض الشراح: الظاهر لا شيء عليه في الفتوى ولا في القضاء، ومن قال لامرأته: كنت طلقتك أو قال لعبده كنت أعتقتك ولم يكن قد فعل، قال أبو الزناد: لا شيء عليه في الفتوى، وقال مالك: ذلك يلزمه كمن قال أنت طالق وأنت حر، وقال إنه لم يرد الطلاق والعتق الظاهر أن الراجح الثاني. قاله الشبراخيتي. وفيه: وأما من كتب لأبي زوجته أن يزورها فأبى، فقالت لزوجها اكتب له أنك طلقتني ففعل ولم يرد بكتبه طلاقا، فإن ثبت ما ذكر ببينة أو جاء مستفتيا لم يلزمه طلاق، وإن جاءا معا وذكر الزوجان القصة، وقال الأب: لا أدري صدقهما من كذبهما صدق الزوج مع يمينه إن كان مأمونا، وإن قام الأب بالكتاب في غيبة الزوج فلما وقف عليه أقر به، وقال إنه إنما كتبه كذلك لما ذكر فلا يصدق إلا أن يكون أشهد ببينة أنه إنما كتب بالطلاق لذلك، فإن لم تقم بينة لزمه الطلاق، وقال في الرواية: ينوى ويكون واحدة. انتهى. ولو قال أنت طالق من ذراعي لم يلزمه شيء إذا كان قوله
стр. 4352
من ذراعي نسقا، وإنما لم يلزمه لوجود الرافع وهو قوله من ذراعي، والفرق بينه وبين قوله: إلا إن شاء أن الرافع هنا محقق بخلافه في إلا إن شاء، فلو قصد بقوله أنت طالق من ذراعي الطلاق لزمه، ولو قال الطلاق يلزمني من ذراعي فلا شيء عليه لأنه لم يقصد به الزوجة بل ولو قصدها. والحاصل أنه إذا قصد بقوله: الطلاق يلزمني وحده الزوجة وعقبه بمن ذراعي فإنه لا يلزمه به شيء، فإن قصد بالطلاق يلزمني من ذراعي إلزام طلاق الزوجة فتطلق.
أو لقن بلا فهم يعني أن من ألقي عليه لفظ الطلاق فأوقعه وهو لا يفهمه لا يلزمه طلاق كما لو كان عجميا فألقي عليه بالعربية أو بالعكس فلا شيء عليه في الفتوى، ولا في القضاء لانعدام القصد، ومن طلق بالعجمية وهو يفهمها لزمه الطلاق إن شهد بذلك عدلان يعرفان العجمية، قال أبو إبراهيم: يؤخذ من هذا أن الترجمان لا يكون أقل من عدلين. قاله الحطاب. وقال الشارح: وأما إذا فهم ما لقن به فإنه يقع عليه الطلاق بلا خلاف.
أو هذى لمرض يعني أن الزوج إذا هذى بالطلاق لأجل مرض فقال أنت طالق فلما أفاق أنكره فإنه لا يلزمه طلاق إلا إذا شهدت بينة أنه كان صحيح العقل إذ ذاك، أو قامت قرينة على ذلك كقوله وقع مني شيء ولم أعقله فيلزمه الطلاق في الصورتين، وقوله: "أو هذى لمرض" أي ويحلف، وقوله: "أو هذى" يقال هذى يهذي هذيانا والهذيان الكلام الذي لا معنى له، وقال الشبراخيتي: واعلم أنه إن قامت له بينة أو قرينة بما قال حلف ولا يلزمه طلاق، ومن القرينة الدالة على كذبه ما إذا قال وقع مني شيء ولم أعقله وإن دلت القرينة على كذبه لزمه الطلاق، وإن لم تقم بينة بشيء مما ذكر ولا دلت عليه قرينة فالقول قوله كما يفيده كلام مالك. انتهى. وقال الشارح عند قوله "أو هذى لمرض": أي وكذا لا يلزم الطلاق المريض إذا أوقعه في حال هذيانه من شدة مرضه إلحاقا له بالمجنون، وقاله في الموازية، مالك ويحلف أنه لم يعقل ذلك ولا شيء عليه. انتهى.
أو قال لمن اسمها طالق يا طالق يعني أن من له زوجة تسمى طالقا فقال لها يا طالق قاصدا نداءها لا تطلق عليه بذلك لا في الفتوى ولا في القضاء، ولو أسقط حرف النداء فإن قامت قرينة على النداء أو الطلاق عمل عليها، وإلا فإن ادعى إرادة النداء قبل منه في الفتوى فقط كذا يظهر. وقبل منه في طارق التفات لسانه يعني أن من له زوجة تسمى طارقا فقال لها يا طالق بإبدال الراء لاما وادعى
стр. 4353
التفات لسانه أي الغلط في ذلك، وأنه إنما قصد نداءها باسمها فإنه يقبل منه ذلك في الفتوى لا في القضاء، فإن أسقط حرف النداء مع إبدال الراء لاما وادعى التفات لسانه أي غلطه لم يقبل منه لحصول الإبدال وعدم النداء، وقوله: "التفات" يقال لفته يلفته لواه وصرفه عن رأيه ومنه اللفت والالتفات كما في القاموس، فالالتفات في المعاني صحيح فلا وجه لدعوى التصحيف في كلام المص. والله تعالى أعلم.
وفي الحديث في قراءة المنافقين: (يلفتونه بألسنتهم كما تلفت الدابة الخلا (١)).
أو قال يا حفصة فأجابته عمرة فطلقها يعني أن من له زوجة تسمى عمرة وله زوجة أخرى تسمى حفصة، فقال مناديا يا حفصة فأجابته ضرتها عمرة فلما أجابته عمرة طلقها أي أوقع عليها الطلاق لفظا لا نية، فإنه لا تطلق عليه عمرة المجيبة، فقوله: "أو قال" عطف على المنفي أي على قوله: "لا إن سبق لسانه" أي ولا يلزمه الطلاق إن قال يا حفصة فأجابته عمرة فطلقها أي عمرة أي لا يلزمه طلاق عمرة المجيبة، وليس المراد أنه لا يلزمه الطلاق بالكلية لأن الدعوة وهي حفصة يلزمه فيها الطلاق، ولهذا قال: فالمدعوة أي لا تطلق عليه عمرة المجيبة وإنما تطلق عليه الدعوة أي التي نوديت وهي حفصة.
وبما قررت علم أن قوله: "فالمدعوة" خبر مبتدأ محذوف والجملة جواب شرط مقدر، (٢) وإذا لم تطلق المجيبة فالمطلقة الدعوة وليس قوله: "فالمدعوة" بيانا لما دل عليه العطف من نفي الطلاق إذ المجيبة هي النفى طلاقها وهذا إذا كان مستفتيا، وأما إن رافعته فإنهما تطلقان عمرة بلفظه وحفصة بقصده، ولهذا قال: وطلقتا بفتح اللام وضمها كنصر وكرم كما في القاموس.
مع البينة أي تطلقان معا إذا رفعته للقاضي أي ادعت أنها طلقت وأنكر هو الطلاق فأقامت البينة على ذلك؛ أي على أنها أجابته فطلقها أو اعترف هو به وادعى في الصورتين أن المقصود بالطلاق حفصة الدعوة دون المجيبة فتطلقان معا عمرة المجيبة وحفصة الدعوة، فالضمير في قوله:
стр. 4354
"طلقتا" عائد على حفصة وعمرة ويحتمل أن ضمير طلقتا لطارق الذي قبل منه فيها التفات لسانه وعمرة المجيبة، وهذا أولى. قاله غير واحد.
والمسائل ثلاث: بينة أو إقرار مع مرافعة فيهما، بينة من غير مرافعة فكما لو استفتى من غير بينة فلو قال بدل قوله: "مع البينة" مع المرافعة فيشمل الإقرار لكان أولى. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو قال يا حفصة فأجابته عمرة" لخ هذه المسألة نظيرتها إذا قال يا ناصح فأجابه مرزوق فقال أنت حر، وفيها أربعة أقوال وهي منصوصة في العتق والكلام في المسألتين واحد، قيل: يعتقان معا وهو لأصبغ، وقيل: بعدم عتقهما حكاه ابن سحنون ولم يسم قائله، وقال أشهب: يعتق المجيب في القضاء والفتوى ولا عتق للمدعو لأن الله حرمه العتق، وقال ابن القاسم: إن قامت عليه بينة عتقا معا وإن لم تقم بينة عتق المدعو. قاله في التوضيح. ويعايا بهذه المسألة فيقال ما مذهب ابن القاسم فيمن له عبدان فدعا أحدهما فأجابه الآخر؟ فمن لا علم عنده بقول ابن القاسم يخطئ؛ لأنه إن قال يعتقان أو لا يعتقان أو يعتق المدعو أو المجيب كان خطئا. قاله في التوضيح. واختلف أيضا على أربعة أقوال فيما إذا قال تزوجني وليتك أو تبيعني سلعتك، فقال قد بعتها من فلان أو زوجتها من فلان، فقيل يلزم فيهما وقيل لا يلزم فيهما، والفرق بين أن يدعي ذلك بأمر متقدم وأن لا يدعيه إلا بذلك اللفظ والفرق فيلزم في النكاح لا البيع. قاله في التوضيح.
أو أكره عطف على سبق يعني أن من أكره على النطق بالطلاق فطلق أو الحلف به فحلف لا يلزمه ذلك لخبر مسلم: (لا طلاق في إغلاق (١)) أي إكراه، ولخبر: (حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ولأن الإكراه يتعذر معه القصد الذي هو أحد أركان الطلاق، وقوله: "أو أكره" قال الشارح: هذا هو الصحيح وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، والأصل فيه قوله ﵊: (حمل عن أمتي) لخ، وقال ابن الحاجب: ولا أثر لطلاق الإكراه كنكاحه وعتقه وغيره أو الإقرار به واليمين عليه أو الفعل الذي يحنث فيه به. انتهى. قال في التوضيح: المذهب وهو مذهب الأكثر كما ذكر المص أن نكاح المكره وطلاقه لا يلزم، وقوله: وغيره أي غير ما ذكر من
стр. 4355
بيعه وسائر عقوده، وقوله: والإقرار به يعني أنه لا فرق بين أن يكره على إيقاع الطلاق أو على الإقرار به أو على اليمين به أو الحنث في يمين لزمت به، كل ذلك لا يلزمه. قاله في التوضيح.
ولو بكتقويم جزء العبد يعني أن من أكره على الحنث في الحلف بالطلاق لا يفعل كذا لا يلزمه شيء في فعله ذلك الشيء مكرها، سواء كان الإكراه شرعيا أم لا ومثل لذلك بقوله: "كتقويم جزء العبد" يعني عبدا مشتركا بين الحالف وغيره، وصورة ذلك أن يحلف لا يشتري نصيب شريكه أو لا يبيع جزءه لشريكه فأعتق هو أو شريكه جزءه فقوم على المعتق الحالف لا أشتري أو المحلوف عليه لا يبيعه منه لملائه فلا تطلق امرأته في المسألتين نظرا لإكراهه، فالإكراه الشرعي كالإكراه ظلما فلا فرق بينهما في أنه لا يلزمه شيء وما مشى عليه المص ضعيف وهو قول المغيرة، والصواب الحنث فيقع عليه الطلاق، وهو مذهب المدونة؛ لأن الإكراه الشرعي كالطوع.
وأدخلت الكاف كل إكراه شرعي كما إذا حلف لا ينفقن على زوجته أو لا يطيع أبويه أو لا يقضي فلانا حقه أو نحو ذلك فأكرهه الحاكم على ضد ما حلف عليه، فإن الإكراه ينفعه على ما مشى عليه المص لا على المشهور، وقوله: "ولو بكتقويم جزء العبد" يظهر (١) أن وضع هذا إثر قوله: "أو في فعل كان من صور الفعل لا القول، وصواب العبارة أو أكره عليه أو على فعل علق هو عليه لا بكتقويم جزء العبد فتحرر العبارة وتفيد المشهور. قاله ابن عاشر. انظر حاشية الشيخ بناني. ولابن عاصم ﵀:
ومالك ليس له بملزم … لمكره في القول أو في القسم
قال الشيخ ميارة: يعني أن من طلق مكرها أو حلف بالطلاق مكرها ثم حنث فإن الإمام مالكا ﵁ لا يلزمه طلاقا في الوجهين، فضمير له للطلاق وله يتعلق بملزم ولا يختص هذا الحكم بالطلاق واليمين، وكذلك من أكره على بيع أو شراء أو نكاح أو عتق أو إكراء أو غير ذلك لا يلزمه. انتهى.
стр. 4356
أو في فعل هو داخل في حيز المبالغة يعنى أن الزوج إذا حلف بالطلاق لا يفعل كذا لشئ عينه فأكره على ذلك فإنه لا يلزمه شيء على المشهور، سواء كان الفعل ممنوعا شرعا أو لا، فأما الممنوع شرعا نحو: إن شربت الخمر فأنت طالق أوأنت طالق إن زنيت فأكره على ذلك الفعل المحرم فعدم لزوم الطلاق له هو مذهب المدونة وهو قول سحنون، خلافا لقول ابن حبيب يحنث وهو ضعيف، وهذا الخلاف في الأفعال الممنوعة شرعا إنما هو فيما لم يتعلق به حق لمخلوق كما مثلت به، وكأكل الخنزير والسجود لغير الله والزنى بطائعة غير ذات سيد ولا زوج، وأما ما يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغصب والزنى بالمكرهة أو بذات الزوج أو السيد وشبه ذلك فلا عبرة بالإكراه فيه فهو غير نافع فيه بلا خلاف، وأما الأفعال التي لا تمنع شرعا ففيها طرق أربعة:
أحدها أنه لا يحنث في ذلك اتفاقا إن كانت الصيغة صيغة بر، وأما إن كانت صيغة حنث نحو لأفعلن فهل يحنث أولا؟ المشهور الحنث، وقال ابن كنانة: لا يحنث وهذه طريقة ابن رشد وقد مر أن عدم الحنث هو المشهور وهو الذي مشى عليه المص، وذلك إنما هو في صيغة البر كما عرفت، وأما صيغة الحنث فالمشهور فيها الحنث كما قاله ابن رشد وهو الذي مشى عليه المص في اليمين حيث قال: "ووجبت به إن لم يكره ببر"، قال الشيخ محمد بن الحسن: قول المص: "أو في فعل" يدل على التقييد بصيغة البر؛ إذ الإكراه في صيغة الحنث إنما هو على الترك وهو ليس بفعل في العرف.
الثانية: للخمي قال: إذا حلف بالطلاق أن لا يفعل شيئا فأكره على فعله مثل أن يحلف أن لا يدخل دار فلان فحمل حتى أدخلها أو أكره حتى دخل بنفسه، أو حلف ليدخلنها في وقت كذا فحيل بينه وبين ذلك حتى ذهب الوقت فهو في جميع ذلك غير حانث، فأما إن حمل فلم يحنث لعدم نسبة الفعل إليه، ويختلف إذا أكره حتى دخل بنفسه أو حيل بينه وبينه حتى فات الوقت.
الثالثة: لابن حارث: قال فيمن حلف لا أدخل دار فلان لو حمل فأدخلها مكرها دون تراخ منه ولا مكث بعد إمكان خروجه لم يحنث اتفاقا، وكذا لو أدخلته دابة هو راكبها ولم يقدر على إمساكها زاد في سماع عيسى: ولا نزوله عنها
стр. 4357
الرابعة: لابن رشد أيضا: قال في حنثه: ثالثها في يمين الحنث لا البر لرواية عيسى ومقتضى القياس والمشهور، وعلى المشهور اقتصر المص في باب الأيمان والنذور إذ قال: "ووجبت به إن لم يكره ببر" وهذا في الحالف على فعل نفسه، وأما الحالف على فعل غيره فقال ابن عرفة في كتاب الأيمان قبل الكلام على الكفارة وفي حنث من حلف لا فعل غيره كذا ففعله مكرها نقل في المجموعة عن رواية ابن نافع في لا خرجت زوجته، وعن سحنون: من قال لامرأته أنت طالق إن دخلت هذه الدار فأكرهها غيره على دخولها لم يحنث، ولو أكرهها هو حنث لأنه رضي بالحنث، وفي كون المعتبر في حصوله غلبة الظن به أو اليقين الذي لا يشك فيه نقل ابن محرز عن المذهب، وسماع عيسى ابن القاسم مع الشيخ عن محمد، وقال البرزلي: لو حلف لزوجته على عدم الخروج فخرجت قاصدة لحنثه فالمشهور أنه يحنث، وحكى ابن رشد عن أشهب أنه لا يحنث معاملة لها بنقيض المقصود، ومال إليه بعض أصحابنا لكثرته من النسوة في هذا الوقت. انتهى. ملخصا من الحطاب وابن غازي وغيرهما.
إلا أن يترك التورية مع معرفتها لا مرية أن هذا الاستثناء من الإكراه على القول؛ يعني أن محل كون الإكراه على الطلاق لغوا إنما هو حيث لم يترك التورية مع معرفتها بأن لا يدهش عنها من الإكراه مثلا، وأما إن ترك التورية مع معرفتها لكونه لم يدهش عنها من أجل الإكراه مثلا فإنه لا ينفعه الإكراه بل يقع عليه الطلاق، والتورية هي إرادة المعنى البعيد دون القريب فيوهم السامع أنه أراد القريب، كما إذا قال: هي طالق ويريد المعنى البعيد وهو من وثاق أو وجعة بالطلق قرب الولادة دون المعنى القريب الذي هو حل العصمة، والمراد بالتورية هنا المخلص سواء كان بالمعنى المعروف كما مر أو غيره، كجوزتي طالق يريد جوزة حلقه ليس فيها لقمة، وقوله: "إلا أن يترك التورية مع معرفتها" ضعيف تبع فيه اللخمي، والمذهب أنه لا يحنث ولو ترك التورية مع معرفتها كما قاله ابن بشير، ومن أكره على أن يطلق فطلق ثلاثا أو على أن يعتق عبدا فأعتق أكثر أو على أن يطلق زوجته فأعتق عبده فالظاهر عدم لزوم شيء من ذلك له؛ لأن ما يصدر منه
стр. 4358
حالة إكراهه بمنزلة الجنون. ومثله من أكره على طلاق زوجة من زوجاته أو زوجتيه فطلق أكثر من امرأة واحدة أو على طلاق حفصة فطلق عمرة. انظر حاشية الشيخ بناني.
بخوف مؤلم يعني أن الإكراه على القول أو الفعل يكون بخوف من شيء مؤلم سواء كان هذا المولم حاصلا في الحال أو متوقعا في المآل، وأما الخوف فحاصل في الحال وكلامه شامل لما إذا هدد، وأما إذا لم يهدد وطلب منه الحلف مع الخوف، فإن بادر بالحلف قبل الطلب والتهديد فقال اللخمي. إكراه أيضا إن غلب على ظنه أنه إن لم يبادر هدد وإلا فلا، وظاهر كلام ابن رشد أنه غير إكراه مطلقا، فإن قيد كلامه بما للخمي وافقه وإلا فلا. قاله عبد الباقي. وفيه نظر لما في المواق عن ابن رشد: لو قيل له إن لم تحلف أنك ما تعلم مكانه ولا مكان ماله فعلنا بك كذا من ضرب أو سجن أو خشيَ ذلك على نفسه إن لم يحلف جاز أن يحلف أنه ما يعلم موضعه إن أرادوا قتله ولم تلزمه اليمين باتفاق، ويأتي تمام كلامه عند قوله: "وأمر بالحلف ليسلم" وقوله: "بخوف مولم" بترك تنوين خوف لأنه مضاف لمولم، ولم يقل بتحقق أو وقوع لأن ذلك لا يشترط بل تكفي غلبة الظن على المذهب كما قال ابن محرز، وقيل: لا بد من اليقين الذي لا شك فيه. انظر الشبراخيتي والحطاب. وقوله: "بخوف مؤلم" متعلق بقوله: "أكره".
وبين المؤلم بقوله: من قتل يعني أن خوف القتل مما يحصل به الإكراه فلا يلزم الطلاق سواء أكره على القول أو الفعل، أو ضرب يعني أن خوف الضرب مما يحصل به الإكراه سواء أكره على القول أو الفعل فلا يلزم معه الطلاق، أو سجن يعني أن خوف السجن مما يحصل به الإكراه فلا يلزم معه الطلاق سواء أكره على القول أو الفعل، سمع عيسى ابن القاسم: من حلف لا خرجت امرأته من هذه الدار إلى رأس الحول فأخرجها ما لا بد منه كرب الدار أو سيل أو هدم أو خوف لا حنث عليه، ويمينه حيث انتقلت باقية وهذا إذا كان الإكراه غير شرعي، وأما إكراه الشرع فكالطوع، فلو حلف بالطلاق لا دخلت هذه الدار فحبس فيها لحق شرعي حنث ولحقه الطلاق، قال عبد الباقي: وظاهر المص سواء كان الضرب كثيرا أو قليلا، وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو سجن" ما نصه: على تفصيل فيه كما قال اللخمي، وهو أنه إكراه لذوي الأقدار وليس إكراها لغيرهم إلا أن يهدد بطول المقام فيه. انتهى. وقال عند قوله: "أو ضرب" ما نصه: وإن قل. أو قيد يعني أن الإكراه يكون بما يشين الشخص كالقيد ولو لم يطل.
стр. 4359
أو صفع لذي مروءة بملإ يعني أن الصفع لذي المروءة إذا كان يسيرا فإنَّه يكون إكراها بشرط أن يكون بملإ أي جماعة وإن لم تكن من أشراف الناس، واحترز بالملإ عما لو فعل في الخلاء فإنَّه لا يكون إكراها لا في ذي المروءة ولا في غيره، وأما الكثير فإكراه ولو فعل في الخلاء والصفع هو الضرب بالكف في القفا، والمراد بالكثير ما يحصل بالتهديد به الخوف لذي المروءة وغيره في الملإ والخلاء واليسير ما لا يحصل بالتهديد به خوف لذي المروءة وغيره، قال الشبراخيتي: وانظر لو خوف المدين المعسر في نفس الأمر الذي لم يثبت عسره بالسجن هل يكون ذلك إكراها أم لا؟ قال شيخنا: الظاهر أنَّه إكراه فيما بينه وبين الله. انتهى.
ابن الحاجب: ويتحقق الإكراه بالتخويف الواضح بما يؤلم من قتل أو ضرب أو صفع لذي مروءة من سلطان أو غيره. انتهى. قال في التوضيح: وهو قريب من كلام اللخمي فإنَّه نص على أنَّه إذا هدد بقتل أو بقطع أو بغيره أن ذلك إكراه، قال: واختلف في التخويف بالسجن وأراه إكراها في ذوي الأقدار وليس إكراها في غيرهم إلا أن يسجن أو يهدد بطول المقام فيه. انتهى. ابن محرز: ولا خلاف فيما علمته في المذهب أن الإكراه فيما يلقى المكره في نفسه إكراه ويدفع أحكام اليمين. انتهى.
أو قتل ولده يعني أن خوف قتل الولد يحصل به الإكراه فلا يلزم الطلاق من طلق خوفا من أن يقتل ولده ولو عاقا، وكذا عقوبة البار إن تألم بها كما بنفسه أو قريبا منه لا إن لم يتألم كذا استظهر ابن عرفة ولا بعقوبة عاق، قال أحمد: الظاهر أن المراد هنا الولد وإن سفل. انتهى. والظاهر شموله لولد البنت لأنه أشق من خوف الضرب. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وأما عقوبة ولده فلا إذا كانت لا تتعدى لوالده، فإن تعدت له بأن يعاقب بحضرته فإكراه كما قال ابن عرفة، بل ربما كان هذا أشد من الخوف الحاصل من تهديده بضرب نفسه. انتهى. وقول المص: "أو قتل ولده" نحوه لابن شاس واعترضه ابن عبد السلام بقول أصبغ في الثمانية: لو قال السلطان لشخص احلف على كذا وإلا عاقبت ولدك أو بعض من يلزمك أمره، فحلف كاذبا فهو حانث، وإنما ذلك في الدرء عن نفسه، وأجاب في التوضيح بأن ابن شأس قصد قتل النفس لا
стр. 4360
دونها أي وأصبغ قصد ما دونها. انتهى. هذا وقد نقل ابن عرفة عن أبي (١) القاسم اللبيدي أنَّه أنكر ما لأصبغ، وقال: أي إكراه أشد من رؤية الإنسان ولده تعرض عليه أنواع العذاب، ثمَّ وفق ابن عرفة بينهما فقال: والأظهر أنَّه ليس بخلاف لأنَّ الأمر النازل بالولد قد يكون ألمه مقصورا عليه، وقد يتعدى للوالد، فقول أصبغ في القاصر على الولد لا للمتعدي للأب، وقول اللبيدي إنما هو في المتعدي للأب، أما في قتله فلا شك في لحوقه الأب والأم والولد والأخ في بعض الأحوال فلا ينبغي حمل ذلك على الخلاف، بل على التفصيل بحسب الأحوال. انتهى. نقله بناني.
أو لماله يعني أن الإكراه يحصل بالتخويف بأخذ المال فلا يلزم الطلاق من طلق لتخويفه بأخذ ماله أو إتلافه بكحرق، وأما خوفه هو في نفسه من أخذ ماله فطاع باليمين فيحنث، وقوله: "أو لماله" هو لمالك وأكثر أصحابه، وقال أصبغ: ليس ذلك بإكراه، وقال ابن الماجشون: إن كثر المال فالتخويف بأخذه إكراه وإلا فلا، واختلف الشيوخ في قول ابن الماجشون هل هو تفسير للأولين كما لبعضهم؟ ونحوه لابن بشير وعليه فمحل قول مالك إن التخويف بأخذ المال يكون إكراها إنما هو إن كثر المال، وأما إن قل فلا يكون التخويف بأخذه إكراها، ومحل قول أصبغ إن التخويف بأخذ المال لا يكون إكراها إنما هو حيث قل المال لا إن كثر فيكون إكراها، فتتفق الأقوال الثلاثة وترجع إلى قول واحد، أو هو أي قول ابن الماجشون خلاف للقولين فتكون الأقوال ثلاثة كما لابن الحاجب، في ذلك تردد لابن الحاجب وابن بشير مع بعضهم كما مر؛ أي تردد من الأشياخ المذكورين في تفصيل عبد الملك هل هو تفسير للقولين أي قول مالك وأكثر أصحابه وقول أصبغ أولًا فتكون الأقوال ثلاثة؟ والله سبحانه أعلم.
وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد أن الراجح القول بالتفسير، فإنَّه قال: أو مال كثر على الأظهر بحسبه ومنه الحلف للعشار. انتهى. أي المكاس، وقال الشبراخيتي عند قوله: "إن كثر": بالنسبة لرب المال. انتهى. وقال عبد الباقي: إن كثر أو ولو قل بالنسبة له فيهما. انتهى.
لا أجنبي عطف على قوله "ولده" يعني أن التخويف بقتل الأجنبي لا يكون إكراها، فمن طلق زوجته لتخويفه بقتل أجنبي يلزمه الطلاق، قال عبد الباقي: والمراد بالأجنبي ما عدا النفس والولد ولو أبا أو أما أو أخا، كاحلف على كذا وإلا قتلت أخاك أو أباك أو أمك فيحنث، وكذا
стр. 4361
أخذ مال الأجنبي، وقال الأمير: وفي قتل الولد وعقوبة الأب قولان والأظهر أن ذلك إكراه. انتهى. وقال ابن الحاجب: وفي التخويف بقتل أجنبي قولان بخلاف قتل الولد. انتهى. وقوله: بخلاف قتل الولد مقتضاه أنَّه يتفق على أن قتل الولد إكراه ونحوه في الجواهر. انتهى. وقد مر ما لابن عبد السلام عن أصبغ، ويأتي تشهير ابن بزيزة القول بأن قتل الأجنبي إكراه ولا يتوقف منصف في أن قتل الأب والأخ آلم من الصفع، وضابط الإكراه هنا ما يحصل به الإيلام.
وأمر بالحلف ليسلم يعني أن من خاف على أجنبي أو ماله -وقلنا إن ذلك ليس بإكراه- فإنَّه يؤمر ندبا بالحلف ليسلم الأجنبي وماله، فهذا مخصص لما تقدم من قوله: "كترك تخليص مستهلك"، وقال اللقاني بوجوب الحلف والحنث لأجل ذلك، وعلى كل فإذا كانت اليمين يمينا بالله فإنها تكون غموسا تكفر ويؤجر صاحبها، وإنما كفرت لأنها تعلقت بالحال، وقد مر أن المعتمد فيها أنها تكفر إن تعلقت بالحال والمستقبل، بخلاف اللغو فلا تكفر إلا في المستقبل.
وقال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وفي التخويف بقتل الأجنبي قولان؛ يعني أنَّه إذا طلب بإحضار أجنبي ليقتل فأنكر أن يكون عالما به، وقيل له احلف على ذلك وإلا قتلنا زيدا، فهل يعد ذلك إكراها أم لا؟ والقول بأنّه تلزمه اليمين لمالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، قالوا: ويؤجر إذا حلف ويلزمه الحنث، والقول بأنّه إكراه لأشهب. ابن بزيزة: وهو المشهور. انتهى. وقوله: "وأمر بالحلف ليسلم" قد مر التمثيل له من كلام التوضيح، ومثاله أيضًا ما لو كان الظلمة يطلبون زيد بن عمرو ليقتلوه فأخذوه ولا يعرفونه، فقالوا له إن لم تحلف على أنَّه ليس يزيد بن عمرو قتلناه، وإن حلفت خلينا سبيله فيؤمر الأجنبي بالحلف على أنَّه ليس بزيد بن عمرو ندبا، وقيل يؤمر بذلك على جهة الوجوب.
ابن شاس: اختلف في التخويف بقتل الأجنبي هل يعد إكراها أم لا؟ وقال ابن بشير: الصحيح أن خوفه على غيره كنفسه. اللخمي: إن استخفى عنده من طلب قتله ظلما فأحلف عليه وإن أبى قتل المظلوم دون ضرر الحالف، فقال مالك: حانث، وقال ابن رشد: لا نص، وحاصل المذهب حانث ويلزمه الطلاق وهو ماجور في الدراءة عن الرجل أو ماله وإن لم يحلف لم يكن عليه حرج، وإن لم يكن عنده مال ولا كان مستخفيا في داره إلا أنَّه يعلم مكانه ومكان ماله فقيل له إن
стр. 4362
لم تحلف أنك ما تعلم مكانه ولا مكان ماله فعلنا بك كذا من ضرب أو سجن، أو خشي ذلك على نفسه إن لم يحلف جاز له أن يحلف أنَّه ما يعلم موضعه إن أرادوا قتله، ولم تلزمه اليمين باتفاق لأنه في حكم المكره عليها إذ لا خروج له عنها إلا بإباحة حرمة نفسه أو بأخذ دم غيره وذلك لا يجوز، أما إن أرادوا أخذ ماله ولم يريدوا قتله فيجري الأمر على الخلاف في الإكراه على الأموال؛ لأنه ضامن لمال الرجل إن أعلمهم بموضعه.
وشمل كلام المص تخويفه بقتل زيد الأجنبي إن لم يحلف على أنَّه لا يعرف موضع عمرو، ولو خاف الحالف على نفسه إن لم يحلف أنَّه ما يعرف موضع المطلوب فلا حنث ولو كانت اليمين بطلاق أو عتق، ويدخل في قوله: "بخوف مولم" وقد مر هذا، وقوله: "وأمر بالحلف" فإن لم يحلف وقتل المظلوم فهل يضمن أو لا؟ والظاهر أنَّه لا يضمن لأنَّ أمر اليمين شديد وحرج، وإن دلّ الظالم ضمن. انظر حسن نتائج الفكر. قوله: فهل يضمن؟ لخ قصور، ففي المواق عن ابن رشد: إن لم يحلف لم يكن عليه حرج. قاله محمَّد بن الحسن. وقال الشارح عند قوله "وأمر بالحلف ليسلم": أي لأجل سلامة الأجنبي، وعن أشهب أن ذلك إكراه وشهره ابن بزيزة لكن لم يعتبره هنا. انتهى. وفهم من قول المص: "أكره" أن طلاق الغضب لازم وهو كذلك، وفي نوازل ابن هلال أن طلاق الغضب لازم ولا يسقط الطلاق غضب ولا لجاج. انتهى.
وكذا العتق يعني أن الإكراه على العتق كالإكراه على الطلاق فيكون بخوف مؤلم من قتل أو ضرب لخ، ولو مر على عشار فقال هو حر ولم يرد بذلك الحرية فلا عتق له. اللخمي: إن أبى أن يتركه حتى يقول إن كان عبدا فهو حر، ففي المدونة: لا شيء عليه.
والنكاح يعني أن الإكراه على النكاح كالإكراه على الطلاق فيكون بخوف مؤلم من قتل لخ، فإذا قال له زوجني ابنتك وإلا فعلت بك كذا أي شيئًا مما تقدم أنَّه يكون إكراها في الطلاق فزوجه ابنته فلا أثر لذلك النكاح، ومثل ذلك ما لو قال له زوجني أمتك وإلا فعلت بك كذا لخ. والإقرار يعني أن الإكراه على الإقرار كالإكراه على الطلاق، فإذا أقر بأن في ذمته كذا لزيد مثلا حين خوفه ظالم بأنّه إن لم يقر بذلك ضربه أو سجنه ونحو ذلك فإنَّه لا يؤاخذ بذلك الإقرار. واليمين يعني أن الإكراه على إنشاء اليمين بالله أو بعتق أو بغيرهما كما في الشبراخيتي كالإكراه على الطلاق فما هنا الإكراه فيه على إنشاء اليمين، وما تقدم الإكراه فيه على إنشاء الطلاق من غير
стр. 4363
تعليق، وفي الحنث في التعليق أو ما هنا في إنشاء اليمين غير يمين الطلاق وما مر في إنشاء الطلاق ويمينه. ونحوه يعني أن الإكراه على جميع العقود من بيع أو شراء أو إجارة ونحو ذلك كالإكراه على الطلاق، فيكون بخوف مؤلم من قتل أو ضرب لخ، وهذا هو المراد بنحوه.
ثمَّ ذكر مسائلَ الإكراهُ فيها ليس كالإكراه على الطلاق، فالإكراه فيها إنما يكون بخوف القتل فقال: وأما الكفر يعني أن الإكراه على ما يحصل به الكفر -والعياذ بالله تعالى- من قول أو فعل، كإلقاء مصحف بقذر ليس كالإكراه على الطلاق فلا يجوز إلا لخوف القتل أي خوفه على نفسه من معاينة القتل إن لم يصدر منه ما يوجب الكفر، وعلى هذا العام عطف خاصا لأشديته بالقتل تاب أم لا، فقال: وسبه ﵊ يعني أن سب النبي ﷺ لا يجوز إلا لخوف القتل أي خوفه على نفسه من معاينة القتل، وكذا غيره من نبي أو ملك مجمع على نبوءته أو ملكيته، وكذا الحور العين لقتل سابهن وعدم قبول توبته، وأما المختلف في نبوءته أو ملكيته فيشدد على سابهم فقط والإكراه على سبهم دون الإكراه على سب المجمع عليهم.
وقذف المسلم يعني أن قذف المسلم لا يجوز إلا لخوف القتل، والقذف هو الرمي بزنى أو نفي نسب عن أب.
وبما قررت علم أن قوله: فإنما يجوز للقتل خبر عن الكفر وما عطف عليه من السب وقذف المسلم، ومثل قذف المسلم سب الصحابي بغير القذف، فإنما يجوز لخوف القتل فالصحابي سبه وقذفه إنما يجوزان لخوف القتل، وأما المسلم غير الصحابي فقذفه إنما يجوز لخوف القتل، وأما سبه من غير قذف فيجوز لغير القتل كقذف غير المسلم، فقوله: "المسلم" يشمل الصحابي وغيره لأنَّ الصحابة هم أشرف المسلمين، وقوله: "فإنما يجوز للقتل" أي فإنما يجوز الوقوع فيها بالخوف من معاينة القتل لا مادون القتل، كقطع عضو أو ضرب أو سجن أو قيد أو صفع. قاله سحنون. ولو فعله لغير القتل كفر ومات مرتدا. قاله الشيخ إبراهيم.
كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها إلا لمن يزني بها تشبيه في الجواز؛ يعني أن المرأة إذا بلغت من شدة الاضطرار مبلغا لا تجد معه من القوت ما يسد أي يمسك رمقها أي بقية حياتها إلا ممن يزني بها، فإنَّه لها أن تمكنه من نفسها خوفا على نفسها وتصير بحال المكره بخوف القتل، وتتناول
стр. 4364
ما يشبعها لا ما يسد رمقها فقط، والظاهر أن مثل ذلك رمق صبيانها فقط حيث لم تجد ذلك إلا ممن يزني بها فيسوغ لها ذلك حينئذ، ولا يسوغ لها ذلك حيث وجدت ما تسد به رمقها ولو ميتة. وقوله: "كالمرأة لا تجد" لخ أي بخلاف الرجل إذا لم يجد ما يسد به رمقه إلا ممن يزني بها فإنَّه لا يسوغ له ذلك نظرا لانتشاره، فيدخل في قوله الآتي: "وأن يزني"، وقوله: "إلا لمن يزني بها" قال الشبراخيتي: وأما القبلة ومقدمات الجماع فيكفي فيها شدة المشقة، وأما الذكر فلا يجوز بحال لأنه لا يستباح بخلاف المرأة فإنها قد تستباح قوله: "إلا لمن يزني بها" الظاهر أن اللام بمعنى: من. قاله جامعه عفا الله عنه.
وصبره أجمل راجع للمسائل الأربع ولا يختص بما بعد الكاف؛ يعني أن صبره على القتل في مسائل الكفر والسب وقذف المسلم، وصبرها على الموت أجمل أي أفضل وأكثر ثوابا من إقدامه على الكفر وما بعده ومن إقدامها على الزني. لا قتل المسلم يعني أن الأفعال التي يتعلق بها حق المخلوق كقتل المسلم والغصب لا ينفع فيها الإكراه فلا تجوز للخوف من معاينة القتل وأحرى ما دونه من ضرب وسجن وغيرهما من أنواع العذاب، ومن جملة ذلك قطعه أي قطع المسلم ولو رقيقا فلا يجوز للقتل وأحرى غيره، ومقتضى كلام المص هنا أن الذمي ليس كالمسلم وهو خلاف ما يقتضيه كلام ابن رشد: الأفعال إن كان يتعلق بها حق لمخلوق كالقتل والغصب، فلا خلاف في أن الإكراه غير نافع في ذلك فإنَّه يقتضي استواء المسلم والذمي في ذلك.
وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وينبغي أن المعتمد ما هنا، وقوله: "لا قتل المسلم وقطعه" أي ولو أنملة فيمكن من قتل نفسه ولا يقطع أنملة الغير وهذا في غير قطع نفس المكره، وأما الإكراه على قطع شيء من المكره بالفتح فيباح له لخوف قتله ارتكابا لأخف الضررين.
وأن يزنى يعني أنَّه لا يجوز للرجل إذا أكره على الزنى أن يزني بل يدعهم يقتلونه، وهذا في المكرهة أو ذات الزوج أو السيد وأما بالطائعة التي لا زوج لها ولا سيد، فيجوز مع الإكراه بخوف مؤلم من قتل أو ضرب لخ؛ أي يجوز على قول سحنون وهو المعتمد لا على قول ابن حبيب: وظاهر المص موافقة ما لابن حبيب، وقوله: "وأن يزني" وكذا اللواط، وفي معين الحكام: ومن هدد بقتل أو غيره على أن يقتل رجلا أو يقطع يده أو يأخذ ماله أو يزني بامرأته أو يبيع متاع
стр. 4365
رجل فلا يسعه ذلك، ولو علم أنَّه إن عصى وقع ذلك به فإن فعل فعليه القود وغرم ما أتلف ويحد إن زنى ويضرب إن ضرب ويأثم. انتهى. قاله الحطاب.
وقال ابن فرحون: ومن أكره على قتل ولده أو أخيه والقاتل وارثه فإن ذلك يمنعه من الإرث ولا يرفع عنه القود. انتهى. قال عبد الملك: قالوا: لو استكره على أن يزني وحمل السيف على رأسه أقيم عليه الحد ووجب عليه الإثم، وليس هذا من الإكراه الموضوع عن صاحبه، وإنما الموضوع إثم ما ركب بالاستكراه في الأيمان والطلاق والبيع والإفطار في رمضان وشرب الخمر وترك الصلاة وشبه هذا مما هو لله تعالى، قال في التوضيح: والصحيح جواز شرب الخمر وأكل الخنزير إذا أكره عليه. قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي عن التتائي عن سحنون: لو أكره على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر لم يجز إلا لخوف القتل. انتهى. قال عبد الباقي: وهو مبني على أن الإكراه لا يتعلق بالفعل والمذهب تعلقه فيكون بما مر من خوف مؤلم لخ، وهو قول سحنون أيضًا وهو المعتمد لا ما ذكره عنه التتائي. انتهى. وفي حاشية الشيخ بناني عن سحنون: التسوية بين الزنى بالطائعة التي لا زوج لها ولا سيد وبين شرب الخمر وأكل الميتة، قال: فظاهره إن الإكراه عليه بخوف مؤلم مطلقا والله أعلم. انتهى.
وفي معين الحكام إثر كلامه السابق: إن أكره على قطع يد رجل فأذن له في ذلك المقطوعة يده طائعا لم يسعه أن يفعل، فإن فعل أثم ولا قصاص عليه ولا دية ولا على من أكرهه، ولو أذن صاحب اليد مكرها بوعيد أثم القاطع وعليه الأدب والحبس، ومن أكره على قتل رجل فأذن الرجل في قتل نفسه ففعل المكره فهو آثم ولورثة القتيل القصاص، وليس على من أكره إلا الأدب، ووقع لابن عبد الحكم خلاف هذا وأنه لا قود في النفس ولا في الإكراه. انتهى. باختصار يسير. قاله الحطاب.
وفي لزوم طاعة أكره عليها قولان يعني أن من أكره على الحلف على فعل طاعة نفيا، مثل أن يحلف الوالد ولده أو يحلف الوالي أحدا أنَّه لا يشرب الخمر أو لا يأكل الخنزير مثلا، أو إثباتا مثل أن يحلفه ليصومن يوما عينه له أو ليصلين الصلاة في أول وقتها وقع في لزوم تلك اليمين له
стр. 4366
وعدم لزومها له خلاف بين الشيوخ، فقال أصبغ وابن الماجشون: لا تلزمه اليمين فلا يحنث إن شرب الخمر أو أكل الخنزير أو لم يصم اليوم الذي عينه له ولا إن لم يصل الصلاة في أول وقتها، وقال مطرف وابن حبيب: تلزمه اليمين فيحنث إن شرب الخمر أو أكل الخنزير أو لم يصم اليوم الذي عينه له أو لم يصل الصلاة في أول وقتها، واقتصر الشيخ الأمير على عدم اللزوم فيفيد اعتماده. والله سبحانه أعلم ومحل القولين (١) إن تعلقت اليمين بمستقبل كما مثلت، وأما إن تعلقت بماض فلا تلزم اليمين اتفاقا لأنَّ الماضي لا يتعلق به الاختيار، فمن أكره على الحلف على أنَّه قد صلى الظهر ولم يكن صلاها فلا يحنث إذ لا اختيار له في الحنث، واعلم أنَّه لا تلزمه هنا كفارة أي فيما إذا تعلقت اليمين بالماضي ولو لم يكن ثمَّ إكراه؛ لأنَّ اليمين حينئذ إما غموس أو لغو كما مر، ومفهوم قوله: "طاعة" أن المكره على اليمين بغير طاعة بأن كانت يمينه فيما لله فيه معصية أو فيما ليس لله تعالى فيه طاعة ولا معصية لا تلزم وهو كذلك أي لا تلزمه اليمين بإتقاف الإمام مالك وأصحابه، مثال ما هو على معصية أن يحلفه الظالم بالطلاق مثلا أن لا يصلي أو يشرب الخمر فيصلي أو لا يشرب الخمر فلا يحنث، ومثال ما ليس بطاعة ولا معصية أن يحلفه بالعتق مثلا أن لا يدخل السوق أو أن يدخل السوق فيدخل أولًا يدخل فلا يحنث أيضًا هذا فيما إذا تعلقت اليمين بالمستقبل، وقد مر الكلام على مسألة المص وأن فيها قولين: أثبت أو نفي، وقد مر أنها إذا تعلقت بماض لا حنث فيها اتفاقا وليست من محلّ القولين. قاله الشبراخيتي. وعبد الباقي. ولم يتعقبه محمَّد بن الحسن، وهو خلاف ما في الحطاب فإنَّه قال: إنها إذا تعلقت بماض تكون على معصية وتكون على طاعة وتكون على ما ليس بمعصية ولا طاعة، مثال ما على معصية أن يحلفه بالطلاق أنك ما صليت اليوم وإلا قتلتك ويكون المحلف بكسر اللام أمره بعدم الصلاة، أو أنك ظلمت فلانا ويكون المحلف أمر الحالف بظلم فلان ويكون الحالف لم يظلم فلانا ويكون صلى، فهذا إذا تحقق الإكراه لا كلام أنَّه لا يلزمه شيء، ومثال ما ليس بطاعة ولا معصية أن يحلفه أنَّه ما دخل السوق أو أنَّه دخل ويكون الحالف خالف في الوجهين، فالظاهر أيضًا أنَّه لا تلزمه اليمين؛ لأنه إذا كان إذا أكره على اليمين أن لا يفعل أو يفعل في المستقبل ما ليس بطاعة ولا معصية لا يحنث، فأحرى أن لا حنث عليه إذا أكره على أن يحلف على أنَّه ما فعل
стр. 4367
أو فعل ما ليس بطاعة ولا معصية؛ لأنه في الأولى إنما أكره على اليمين فقط، وأما الحنث فإنما فعله هو باختياره فهو أدخل الحنث على نفسه، وهنا أكره على أن يحلف بيمين هو كاذب فيها. والله أعلم.
ومثال ما هو على طاعة أن يحلف أنَّه صلى أو أنَّه ما ظلم فلانا أوأنَّه ما اغتاب فلانا، ويكون الحالف ما صلى أو يكون ظلم أو اغتاب فالظاهر أنَّه يدخل فيه الخلاف الذي فيما إذا حلف أن لا يفعل في المستقبل أو يفعل في المستقبل ثمَّ قال هذا من جهة البحث، وساق نقلين ثمَّ قال: فهذان النقلان يدلان على جريان الخلاف في المسألة هذا في الإكراه على اليمين، وأما الإكراه على الحنث فلا يتصور إلا إذا كانت اليمين على مستقبل، والمشهور حينئذ أنها إن كانت على بر فلا حنث وإن كانت على حنث فالحنث. والله أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. انتهى.
والنقلان أحدهما: سئل السيوري عمن قال له رجل شرير تكلمت في فلان فأنكر فحلفه بالطلاق أنَّه لم يفعل ذلك فحلف، وقال قد خفت وقد قلت بعض القول وجاء مستفتيا ولو كانت يمينه بالثلاث فما الحكم؟ فأجاب: إن كان يخاف ممن ذكرت خوفا لا يشك فيه ويثبت له أنَّه يخاف العقوبة البينة في ذلك فلا يحنث إذا دفع عن نفسه تلك العقوبة. انتهى.
ثانيهما: قال مالك: من حلف بالطلاق على خوف من العذاب واليمين على حق وقد كذب في يمينه فهو حانث ولا تنفعه التقية هنا، قال ابن المواز: كأنه غصب شيئًا أو فعل أمرًا وحلف ما فعله، قال مالك فيمن طلب ليقتل ظلما فخبأه رجل عنده فأحلف بالطلاق ما هو عنده، قال: قد أجر وطلقت عليه امرأته، وقال أشهب: لا شيء عليه والمكره على اليمين لا تلزمه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر أن هذين النقلين لا يدلان على الخلاف؛ لأنَّ الأخير وإن كان فيه إكراه فهو على حق، ولذا قال: إن النية لا تنفع هنا.
كإجازته كالطلاق طائعا تشبيه في القولين؛ يعني أن الشخص إذا أكره على طلاق زوجته أو عتق عبده، ثمَّ إن المكره بالفتح أجاز ما أكره عليه من طلاق أو عتق بعد زوال الإكراه عنه حال كونه طائعا، فإنَّه اختلف في لزوم الطلاق له بإجازته وعدم لزومه له بها على قولين لسحنون، كان أو لا يقول: لا يلزمه لأنه ألزم نفسه ما لا يلزمه ثمَّ رجع فقال: يلزمه لاختلاف الناس؛ لأنَّ من
стр. 4368
العلماء من يلزم طلاق المكره وعتقه، واختار هذا بعض الأشياخ، وإليه أشار بقوله: والأحسن من القولين المضي أي مضي الطلاق والعتق حيث أجيزا بعد الإكراه، واحترز بقوله: "طائعا" عما لو أجاز ذلك مكرها فإنَّه لا يلزمه بلا إشكال، وعلى هذا القول فأحكام الطلاق والعدة من يوم الإجازة، وأما النكاح إذا أكره على عقده فأجازه بعد ذلك طائعا فلابد من فسخه، وفي قياس بعض مذهب مالك أن للمكره إمضاء ذلك النكاح إذا أمن، وكذلك لأولياء (١) المرأة المكرهة، وفي (٢) قياس بعض مذاهبهم: إنما تجوز إجازة المكره بحدثان ذلك. قاله في التوضيح. نقله بناني.
ومحله ما ملك قبله لما أنهى الكلام على الركنين الأولين من أركان الطلاق وهما: الأهل والقصد، أتبعهما بالكلام على الركن الثالث، وهو: المحل؛ يعني أن الطلاق لابد له من محلّ يقع عليه، والمحل الذي يقع عليه إنما هو العصمة المملوكة قبل الطلاق أي قبل نفوذ الطلاق لا قبل إيقاعه، بدليل قوله: وإن تعليقا يعني لا فرق في لزوم الطلاق للزوج في المرأة المملوكة عصمتها بين أن يكون ملكه للعصمة تحقيقا وبين أن يكون ملكه لها تعليقا؛ بأن يعلق الطلاق على وجود تحقق الملكية. التوضيح: أن يطلق امرأته على تقدير نكاحه لها. انتهى. وما من قوله: "ما ملك" نكرة موصوفة أو موصولة أي عصمة ملكت قبل الطلاق أو العصمة التي ملكت قبل الطلاق، والعصمة مأخوذة من الاعتصام وهو الامتناع، ومنه عصمة الأنبياء والملائكة، والعصمة لنوع من الوحش لامتناع صيده لفرط بعده عن أوطان الآدميين، ومنه المعصم لليد لأنه يمنع من الأعداء والمكائد، والمرأة ممنوعة من غير زوجها فله عصمة تذهب بالطلاق قبل الدخول وبالخلع وبالثلاث وبالوفاة، ومنع نكاحها في العدة ليس لأجل الزوج بل لحق النسب، فلذلك نقول انقطعت عصمة الزوج، وذكر المص الضمير في ملك نظرا للفظ ما، ولو راعى المعنى لقال: ملكت، ومفهوم قوله: "ما ملك قبله وإن تعليقا، أنَّه لو قال لأجنبية: أنت طالق ولم يعلق فلا شيء عليه إذا تزوجها بعد ذلك وهو كذلك.
واعلم أن التعليق على ثلاثة أقسام: إما بالقرينة والبساط أو بالنية أو باللفظ، وذكر المص الأولين وترك الثالث لوضوحه، مثاله أن يقول لأجنبية: إن نكحتك فأنت طالق، وقوله: "وإن تعليقا"
стр. 4369
هو المشهور في المذهب وهو قول مالك المرجوع إليه وفاقا لأبي حنيفة وخلافا للشافعي، وقول مالك المرجوع عنه، وأفتى ابن القاسم صاحب الشرطة بالقول المرجوع عنه، وكان أبو المخزومي حلف به على أمه، وفي رسم إن خرجت أن من حلف بالطلاق لا يطأ حراما فتزوج امرأةكان حلف بطلاقها إن تزوجها أنَّه لا حنث عليه، قال ابن رشد: وذلك صحيح على أصولهم في مراعاة الخلاف لأنَّ الخلاف فيه قوي مشهور، وقد مر أن الإمام الشافعي لا يلزم عنده الطلاق بالتعليق، ويروى ذلك عن ابن المسيّب وعروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن الحارث بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فكل هؤلاء يروى عنهم أنها لا تطلق كما في صحيح البخاري.
وقال ابن عباس ﵄ جعل الله الطلاق بعد النكاح، ويروى ذلك عن علي ﵁، ويروى عن أبان بن عثمان وعلي بن حسين زين العابدين وشريح وسعيد ابن جبير والقاسم بن محمَّد وسالم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد البجلي الكوفي التابعي وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي. قاله البخاري.
وأشار المص إلى التعليق بالقرينة والبساط بقوله: كقوله لأجنبية هي طالق عند خطبتها يعني أن من التعليق ما لو قال رجل لأجنبية هي طالق، وصدر منه ذلك القول عند خطبتها أي عند خطبته لها، فإنَّه إذا تزوجها تطلق عليه كأنه جعل وقوع ذلك الكلام عند الخطبة بساطا يدلّ على التعليق مع فقد النية.
وأشار إلى التعليق بالنية بقوله: أو إن دخلت ونوى بعد نكاحها يعني أن الرجل إذا قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال لها: أنت طالق ونوى في الصيغتين أنها طالق بعد نكاحها أي بعد نكاحه لها فإن ذلك تعليق، فتطلق عليه إن تزوجها في الصيغتين، ومثل قوله: "هي طالق" هي حرام إذا قاله عند خطبتها إن أراد تحريم الزوجة أو لم يرد شيئا؛ إذ لا تباح الفروج بالشك، فإن أراد أن تزوجها حرام عليه لم يلزمه شيء؛ لأنَّ تحريم التزوج لغو كمن حرم ثوبا أو طعاما على نفسه؛ لأنَّ تحريم ما أحل الله لغو. قاله ابن عرفة والبرزلي والقلشاني، وسلمه
стр. 4370
في المعيار، وبحث فيه علي الأجهوري بأن عدم اللزوم في هذا القسم الأخير يخالف ما يأتي للمص من أن التحريم من الكناية الظاهرة فيلزمه به الطلاق، وإن لم ينوه كالصريح. انتهى.
قال محمَّد بن الحسن: بحث الأجهوري مع ابن عرفة ساقط؛ لأنَّ القاعدة أن الكناية الظاهرة إنما يلزم بها الحنث إن نوى بها الطلاق أو لم ينو شيئًا فتصرف إلى الطلاق، وأما إن نوى بها شيئًا آخر غير الطلاق فهو صرف للفظ (١) عن معناه العرفي فلا يلزم فيه حنث. قاله المسناوي. انتهى.
وتطلق عقبه يعني أن المعلق طلاقها على نكاحها إذا تزوجها المعلق لطلاقها على نكاحها فإنها تطلق عقب عقده عليها إن لم يعلق على دخول دار مثلا، وإلا طلقت عقب الدخول، فقوله: "عقبه" أي عقب النكاح في الأولى، وأولى في القسم الذي لم يذكره وعقب الدخول في الثانية. قاله عبد الباقي. وغيره. وقوله: "وتطلق عقبه" أي ولا يتوقف على حكم كما في الرهوني، وقوله: "وتطلق عقبه" مفهوم من قوله: "وإن تعليقا"، وصرح به للتصريح بالرد على المخالف، وقد مر الكلام على ذلك. قال الشارح: وهذا الذي ذكره المص هو المشهور، وقال به كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وعن مالك من رواية ابن وهب والمخزومي عدم لزومه واختاره جماعة من الأشياخ. ابن بشير: ومنهم من كان يفتي به، وقال به أيضًا جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. انتهى.
وقال الشبراخيتي: والمشهور ما ذكره المص من لزوم الطلاق المعلق كما هو مذهب جمع من التابعين، وذكره في الموطإ عن عمر وابنه، ونقل عن جمع من الصحابة كابن مسعود وابن عباس وعائشة وجمع من التابعين عدم لزومه، وكان بعض المتأخرين يفتي به وبعضهم يقف كراهة مخالفة المشهور وهو مذهب الشافعي وأحمد. انتهى. وفي التوضيح أن المشهور لزوم الطلاق المعلق، وروى ابن وهب والمخزومي عن مالك أنَّه لا يلزم، وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم، والمشهور يحكى في الموطإ عن عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وسالم والقاسم وابن شهاب، والشاذ قول الشافعي وجماعته. انتهى. وقوله: "عقبه" في بعض النسخ: عقيبه بإثبات الياء كما قاله الحطاب.
стр. 4371
وعليه النصف يعني أن المعلق بكسر اللام إذا طلق عليه قبل البناء فإنَّه يكون عليه نصف الصداق المسمى الحلال، وإلا فلا شيء عليه لها كانت الأداة تقتضي التكرار أولًا، فإن قيل إذا كانت الأداة تقتضي التكرار فسد النكاح؛ لأنه كلما تزوج طلقت عليه، والوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع، وإذا فسد النكاح لم يترتب على طلاقه قبل البناء شيء، لقوله: "كطلاقه" فالجواب أن قوله: "كطلاقه" مقيد بما إذا كان النكاح فاسدا لصداقه كما مر عن ابن رشد، ذكر هذا الجواب محمَّد بن الحسن بعد أن ذكر استشكال اللقاني في حواشي التوضيح، لكونه عليه النصف، فإنَّه قال عند قول المص: "وعليه النصف": هذا ظاهر إن كانت الأداة لا تقتضي التكرار، فإن كانت تقتضي التكرار كان النكاح فاسدا؛ لأنه كلما تزوج طلقت عليه، والوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لا تشرع، وإذا كان فاسدا فلا يترتب عليه صداقه، لقوله فيما تقدم: "وسقط بالفسخ قبله كطلاقه" ذكر هذا الإشكال اللقاني في حواشي التوضيح، والجواب أن لخ، وقوله: "وعليه النصف" أي في الثانية في كلامه إن حصل دخول الدار قبل البناء وفي غيرها مثل ذلك القيد كما هو واضح.
إلا بعد ثلاث يعني أن الرجل إذا أتى في تعليقه بصيغة تقتضي التكرار كما لو علق بأداة تقتضي التكرار، ككلما تزوجتك فأنت طالق أو علق بالوصف كإن تزوجت من قبيلة كذا أو من بلد كذا أو إلى أجل كذا فإنَّه يتعدد عليه الطلاق بتعدد العقد، ويتعدد عليه نصف الصداق بتعدد العقد ما لم يعقد عليها عقدا رابعا فصاعدا قبل زوج، فإن عقد عليها عقدا رابعا فأكثر قبل زوج لم يكن عليه في العقد الذي وقع بعد حصول الثلاث وقبل زوج شيء حيث لم يبن هذا هو الصواب عند التونسي وعبد الحميد وغيرهما.
وإلى تصويب هؤلاء الأشياخ أشار بقوله: على الأصوب وظاهر كلام ابن المواز أنَّه يلزمه نصف الصداق ولو بعد ثلاث تطليقات وقبل زوج. قاله في التوضيح. وهو مقابل الأصوب، وأما لو تزوجها بعد زوج فيعود الحنث والنصف إلى أن تتم العصمة باتفاق الأصوب ومقابله وهكذا قال عبد الباقي: فإن قلت عقده عليها رابعا قبل زوج متفق على فسخه، وقد تقدم أنَّه يسقط بالفسخ قبله إلا نكاح الدرهمين فنصفهما، فكيف يسوغ لابن المواز أنَّه يقول بلزوم نصف حتى يرد عليه
стр. 4372
المص؟ قلت: نعم يسيغه ذلك اعتبار من يقول من الأئمة بإلغاء التعليق كالشافعي ومالك في المرجوع عنه فلاحظه ابن المواز. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: قوله متفق على فسخه فيه شيء ظاهر. والله سبحانه أعلم. وقد علمت أن موضوع المص حيث كان التعليق بصيغة تقتضي التكرار، وأما لو لم تكن الصيغة تقتضي التكرار فإنَّه إذا تزوجها ثانية لا يفسخ نكاحه بل يصح كما يأتي قريبا حيث لم يكن المعلق طلاق الثلاث وإلا فلا يسوغ له تزويجها إلا بعد زوج. والله سبحانه أعلم.
(ولو دخل فالمسمى) يعني أن المعلق للطلاق على النكاح إذا دخل بالمعلق طلاقها على نكاحها فإنما يكون لها المسمى ولو تعدد وطؤه لها إن كان وحل وإلا فصداق المثل، وقولي: ولو تعدد وطؤه لها مقيد بعدم علمه حين الوطء بأنها هي المعلق طلاقها على نكاحها، كما يؤخذ من التشبيه الآتي وإلا تعدد الصداق كما في المواق عن المدونة. نقله محمَّد بن الحسن. قال: ولذا رد الزرقاني قوله ولم يعلم للصورتين. انتهى.
وقوله: (فقط) رد به قول أبي حنيفة وابن وهب عليه بدخوله المسمى ونصفه للزوم المسمى بالدخول والنصف بالطلاق عقب العقد، ووجه مذهبنا مع ظهور تعليل الحنفي أن الدخول من ثمرات العقد، ولو لم يلاحظ العقد لكان الدخول هنا زنى محضا.
(كواطئ بعد حنثه ولم يعلم) يعني أن الزوج إذا علق طلاق زوجته - أعني التي في عصمته - على دخول دار مثلا ثمَّ حنث بدخولها للدار ووطئها بعد الحنث ولم يعلم بدخولها للدار حين وطئه لها، فإنَّه لا يكون لها عليه إلا ما نكحها به فقط، فليس عليه في وطئه لها بعد الحنث شيء، فالتشبيه في أنَّه لا يكون لها إلا المسمى أي الذي تزوجها به، ومفهوم قوله: "ولم يعلم" أنَّه لو وطئها بعد الحنث عالما بالحنث فإنَّه يتعدد عليه الصداق بتعدد الوطء إن لم تعلم بحنثه أو علمت وأكرهها، فإن طاوعته فلا صداق لها وهذا إذا كان الطلاق بائنا أو رجعيا وانقضت العدة، وأما إن كان رجعيا ولم تنقض العدة فإنَّه لا يتعدد عليه الصداق بتعدد الوطء علم بالحنث أم لا، كما سيأتي للمص.
وقوله: "كواطئ" بعد حنثه ولم يعلم" شامل لصورتين الصورة التي قررته بها، ولما إذا علق رجل طلاق أجنبية على دخول دار ونوى بعد نكاحها فنكحها ثمَّ وطئ في الصورتين، واعلم أن
стр. 4373
الخلاف في لزوم التعليق إنما هو فيما إذا وقع التعليق في الأجنبية، وأما إذا وقع في الزوجة نحو قوله لها إن دخلت الدار فأنت طالق فلم يقل أحد من الأئمة بعدم لزوم ذلك التعليق. أفاده الشيخ محمَّد بن الحسن. وحينئذ فمحل التعدد في الصورة الثانية حيث علم بالحنث إنما هو على القول بلزوم التعليق في الأجنبية كما هو المذهب، وأما إن قيل بعدم لزومه فلا صداق لها إلا ما نكحها به وطئها عالما أم لا؛ لأنه نكاح صحيح، وقررت قوله: "ولم يعلم" بأنّه لم يعلم بالحنث أي بدخولها للدار تبعًا لمحمد بن الحسن، وقرره عبد الباقي والشبراخيتي بأنّه لم يعلم الحكم، قال عبد الباقي: وهو حرمة الوطء، قال محمَّد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري وليس بصحيح، والصواب لم يعلم بالحنث كما في التتائي.
كإن أبقى كثيرا تشبيه في لزوم الطلاق المستفاد من قوله: "كقوله لأجنبية هي طالق عند خطبتها" يعني أن الرجل إذا علق الطلاق على التزويج فإن ذلك لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إما أن يبقي كثيرا من النساء لم يعلق فيه، أو يبقي قليلًا، أو يعم النساء. فالأول يلزم فيه التعليق بخلاف الأخيرين كما يأتي للمص، وفي حكم الأوّل ما إذا قيد بزمن يبلغه عمره غالبا، وفي حكم الأخيرين ما إذا قيد بزمن لا يبلغه عمره غالبا، والمراد بإبقاء الكثير أن يبقي كثيرا في نفسه وإن كان قليلًا بالنسبة لما لم يبقه، فمن أبقى الفسطاط أو المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم لزمه طلاق من يتزوجها من غير المدينة أو الفسطاط؛ لأنه أبقى كثيرا في نفسه كما تفيده المدونة، وإذا فسر كثيرا بأن معناه شيئًا كثيرا من نساء أو زمان اتضح قوله: أو زمان.
وبين الكثير بقوله: بذكر جنس الباء سببية متعلقة بقوله: "أبقى" كما قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم؛ يعني أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها من الترك أو السودان فهي طالق لزمه ذلك، ويتكرر عليه الطلاق في ذلك الجنس، وإنما لزمه الطلاق لأنه أبقى كثيرا من النساء بسبب تخصيصه للتعليق بهذا الجنس الذي ذكر، فاتضح من هذا أن معنى قوله: "كإن أبقى كثيرا بذكر جنس" أبقى كثيرا لم يعلق فيه بسبب تخصيصه التعليق بجنس من الناس. والله سبحانه أعلم.
وقوله: "بذكر جنس" اعلم أن تزوجه في هذا الفرض من ذلك الجنس لا يجوز إذ لا فائدة فيه إلا أكل المال، والنكاح وسيلة للوطء والوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع.
стр. 4374
أو بلد عطف على "جنس" يعني أن الرجل إذا علق الطلاق على التزويج وأبقى كثيرا من النساء لم يعلق فيه بسبب تخصيصه التعليق ببلد كقوله: كل امرأة أتزوجها من مصر فهي طالق، فإنَّه يلزمه الطلاق في نساء ذلك البلد، ويتكرر عليه الطلاق ولا يباح له التزويج منهن لما عرفت، وعبارة الشبراخيتي عند قوله: "أو بلد": كإن تزوجت من مصر، وعبارة الشارح ممثلا لها وللتي قبلها: كل امرأة أتزوجها من الترك أو الروم أو من بلد كذا، وعبارة الخرشي ممثلا لها وللتي قبلها: كقوله كل امرأة أتزوجها من السودان أو من الروم أو من مصر طالق. انتهى.
أو زمان يعني أنَّه إذا أبقى كثيرا من الزمان بأن قيد الطلاق بزمن يبلغه عمره ظاهرا أي غالبا في ظاهر الحال؛ أي بأن يبقى مدة يتزوج فيها ويحصل له فيها النفع بالتزويج عادة فإنَّه يلزمه الطلاق، ويتكرر عليه كقوله: كل امرأة أتزوجها إلى سنة أو إلى عشر سنين فهي طالق فإن لم يبق من الزمن ما يحصل به غرض النكاح عادة لم يلزمه الطلاق لأنَّ من القواعد إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، ويختلف ذلك باختلاف سن الحالف، وإذا كان الأجل حياة فلان نحو كل امرأة أتزوجها حياة فلان فهي طالق، قيل يلزمه لإمكان موت فلان قبله. قاله الشيخ سالم. وينبغي أن يكون هو الراجح وهو الموافق في المعنى لقول المص فيما يأتي: "وفي ما عاشت مدة حياتها"، وظاهر الشامل أنَّه الأرجح، وذكر ابن شعبان أنَّه لا يلزمه لإمكان موته قبل فلان. نقله عبد الباقي. وفسروا قوله: "ظاهرا" بغالبا، قال الشبراخيتي: ولو قال غالبا لكان أحسن.
وقوله: "كإن أبقى كثيرا بذكر جنس" لخ قال غير واحد: ويتكرر عليه الطلاق في المسائل الثلاث، وفسر في التوضيح قول ابن الحاجب: "أو زمان يبلغه عمره ظاهرا" بقوله: أي يبلغ ذلك الزمان في ظاهر الحال، قال: واحترز بذلك مما لو قال: إلى مائتي سنة، أو ما يعلم أنَّه لا يعيش إليه؛ لأنه لا يلزمه شيء وصرح بذلك في المدونة، وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين أو عشرين سنة: إن كان ممن يشبه أن يعيش إلى مثل ذلك لزمه وإلا لم يلزمه. ابن الماجشون: ويعمر في هذا تسعين عاما.
ونقل ابن بشير فيمن ضرب أجلا لا يبلغه إلا في حال الهرم والشيوخة (١) قولين: أحدهما لا يلزمه لوجود الحرج، والثاني أنَّه يلزمه لأنه أبقى لنفسه زمانا، ووقع لمالك في غلام عمره عشرون سنة
стр. 4375
حلف في سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق أن اليمين لازمة له. اللخمي: والقياس في هذا أن لا شيء عليه لأنه قد عمم المعترك من العمر وزمن الشبوبة والوقت الذي يحتاج فيه إلى الاستمتاع، ولم يبق إلا موت أو قلة حراك، ورأى اللزوم إذا قال الثلاثين (١) سنة أو عشرين لأنه أبقى لنفسه زمانا يحتاج فيه إلى ذلك، وعدم اللزوم إذا قال إلى أربعين سنة، قال: واختلف إذا كان الأجل حياة فلان فقيل يلزمه لإمكان موت فلان قبله، وقال في كتاب ابن شعبان: لا شيء عليه يريد لإمكان أن يموت هو قبل فلان فيكون كمن عم جميع الأزمنة، وكلام اللخمي صحيح لو كان المعتبر عند أهل المذهب الجماع ولم يعتبروه، ألا ترى أنَّه يلزمه الطلاق في كل امرأة، وإن كان أبقى لنفسه التسري.
واعلم أنَّه إذا علق المنع ببلد كالاسكندرية، فتارة يقول لا أتزوج من الاسكندرية، وتارة يقول لا أتزوج بالأسكندرية، فأما الأولى فيلزمه سواء كانت بالأسكندرية أو غيرها. انتهى.
لا فيمن تحته يعني أن التعليق يختص بمن يتجدد نكاحها، وأما المنكوحة قبل التعليق وهي في حال التعليق تحته فإنها لا تطلق عليه بهذا التعليق؛ لأنَّ دوام النكاح ليس كابتدائه، قال جامعه عفا الله عنه: مقتضى صنيع المص أن قوله: "لا فيمن تحته" يتناول المسائل الثلاث؛ أعني قوله: "بذكر جنس أو بلد أو زمان"، وهو مقتضى ما شرحه به الشبراخيتي، ورجعه عبد الباقي لمسألتي الجنس والبلد، ولفظه: ولما كان ربما يتوهم دخول المنكوحة قبل يمينه في نساء الجنس أو البلد فيلحقها الطلاق كغيرها أخرجها بقوله: "لا فيمن تحته"، وعبارة الأمير: وإن حلف على كالمصريين لم يلزم فيمن تحته إلا إذا أبانها لخ، ونحو ما للشبراخيتي للشارح، وأما الخرشي فأتى بما يفيد الاحتمالين. والله سبحانه أعلم.
إلا إذا طلق ثمَّ تزوجها يعني أن التعليق إنما يلزم فيمن يتجدد نكاحها لا فيمن نكحها قبل التعليق وهي تحته في حال التعليق، إلا إذا طلقها وبانت منه ثمَّ تزوجها فإنها تدخل في يمينه فتطلق عليه، ويتكرر عليه فيها الطلاق بتكرر العقد، وقوله: "لا فيمن تحته" الفرق بينه وبين قوله: "وبدوام ركوبه أو لبسه في لا أركب ولا ألبس" أن التزوج إنشاء عقد جديد فلم تدخل من
стр. 4376
تحته في قوله: أتزوجها إذا لم ينشئ عقدا جديدا فيها، بخلاف الركوب واللبس فإنَّه ليس كذلك من كل وجه، فإن ادعى أن نيته أن لا ينشئ ركوبا ولا لبسا عمل بها أيضًا، وقال التتائي: وقد يفرق بين هذه ومسألة من حلف لا ركب الدابة وهو راكبها بضعف الالتزام في النكاح؛ لأنَّ أكثر الناس قالوا بعدم اللزوم فيه بخلاف اليمين. انتهى. نقله عبد الباقي.
وله نكاحها يعني أن المعلق طلاقها على نكاحها بغير صيغة تقتضي التكرار يباح نكاحها لمن علق طلاقها على نكاحها فتطلق عقب العقد ثمَّ يتزوجها، ولا يفسخ إن لم يكن المعلق ثلاثًا، وإلا فلا يتزوجها إلا بعد زوج، فإن تزوجها بعد زوج ثبت عليها إن شاء، وأما إن كان التعليق بصيغة تقتضي التكرار، ككلما تزوجتك فأنت طالق أو من أتزوجها من السودان فهي طالق أو من مصر أو كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين مثلا فهي طالق أو نوى التكرار فإنَّه لا يباح له النكاح في ذلك، وقوله: "وله نكاحها" أشار به لقول ابن راشد القفصي: والمذهب أنَّه يباح له زواجها وتطلق عليه، والقياس أن لا يباح له زواجها للقاعدة المقررة، وهي أن ما لا يترتب عليه مقصده لا يشرع، والمقصود بالنكاح الوطء وهو غير حاصل بهذا العقد، وإليه ذهب بعض الفقهاء، وقال: هو بمنزلة ما لو قالت المرأة أتزوجك على أني طالق عقب العقد فإنَّه لا يجوز ولا تستحق عليه صداقا إن تزوجته، ولا فرق بين أن يكون الشرط منه أو منها.
قلنا: في هذا فائدة وهي أنَّه يتزوجها عقب طلاقه إن شاء إلا أن يعلق ذلك بلفظ يقتضي التكرار، مثل: كلما، فلا يباح له زواجها وَقَبله في التوضيح. قاله محمَّد بن الحسن. وقال: إن قوله: "وله نكاحها" حقه أن يقدم عند قوله: "كقوله لأجنبية" لخ، وقوله: "وله نكاحها" أي نكاحها ولو كان المعلق الثلاث كما مر، وقد علمت أن الموضوع أن الصيغة لا تقتضي التكرار، قال عبد الباقي: فإن قلت لا فائدة في نكاحها مع طلاقها عقبه واحدة أو ثلاثًا مع أن التزوج وسيلة إلى وطئها والوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لا تشرع، قلت: حيث لا يتكرر عليه الطلاق دائما فإن مقصدها يترتب عليها مستقبلا قبل زوج في غير تعليق الثلاث، وبعده في تعليق الثلاث. انتهى.
وله نكاح الإماء في كل حرة يعني أن الحر إذا قال: كل حرة أتزوجها فهي طالق فإنَّه يباح له نكاح الإماء ولو كان واجدا للطول ويولد له ولم تكن الأمة لكالجد لأنه عم بتعليقه الحرائر فصار
стр. 4377
بيمينه كعادم الطول، وإن كان مليا لكن لا يباح له نكاح الإماء إلا إذا خاف الزنى، فإن عتقت بعد أن تزوجها فمقتضى قولهم إن الدوام ليس كالابتداء في مسألة "لا فيمن تحته" أنَّه لا تطلق عليه، وجرى قولان فيمن قال كل مسلمة أتزوجها فهي طالق وتزوج كتابية فأسلمت قبل البناء هل يلزمه طلاقها أم لا؟ لابن وهب وأشهب. قاله التتائي. قال عبد الباقي: فلو كان بعد البناء فينبغي أن يتفق على عدم لزوم الطلاق كما هو المناسب لقوله: "لا فيمن تحته"، وقوله: "وله نكاح الإماء في كل حرة" ما مشى عليه المص من لزوم التعليق في الحرائر في هذه الصورة وأنه يباح له نكاح الإماء هو قول ابن القاسم في العتبية، وبه قال ابن حبيب وهو المشهور، وقال محمَّد: لا يلزمه في الحرائر إن كان مليا عند من يقول بالطول؛ إذ لا سبيل له إلا إلى الحرائر التي حرمهن. انتهى. قاله الشارح.
ولزم في المصرية يعني أن من قال: كل مصرية أتزوجها فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها من أهل مصر أو من مصر فهي طالق، فإنَّه يلزمه ذلك التعليق فيمن هي مصرية الأبوين، وكذا يلزمه أيضًا فيمن أبوها كذلك أي مصري وأمها شامية وربتها أمها بالشام وأولى إن ربتها بمصر، وما ذكرته من مساواة كل امرأة أتزوجها من مصر لكل مصرية أتزوجها هو مقتضى ما في التوضيح، ونصه: وإن قال من مصر يلزمه سواء كانت بمصر أو بغيرها نص عليه محمَّد. انتهى. قاله محمَّد بن الحسن. قال: وهو خلاف ما لابن عرفة من أن قوله: لا أتزوج من مصر كقوله: لا أتزوج بها سواء، وعليه فالحاصل أن حلفه: لا أتزوج مصرية أو من أهل مصر سواء، وأن قوله لا أتزوج من مصر أو بها سواء. والله أعلم. انتهى. وفي بعض النسخ: فيمن أبوها كذلك بدون واو.
تنبيه: قال ابن غازي عند قوله "ولزم في المصرية": ليس صورته أن يقول لا أتزوج مصرية كما قيل، ولكن صورته أن يقول كل مصرية أتزوجها طالق. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: لم يظهر وجه ما قاله ابن غازي الخ، قال مقيد هذا الشرح: الظاهر ما قاله ابن غازي وهو في غاية الوضوح؛ لأنَّ قوله: كل مصرية أتزوجها طالق حصل بها التعليق في المصرية، وأما قوله: "لا أتزوج مصرية" فإنَّه لم يعلق فيه طلاق على نكاح، وإنما التزم أن لا يتزوج مصرية، فما قاله ابن غازي في غاية الوضوح والله سبحانه أعلم.
стр. 4378
وفي الطارئة يعني أن الرجل إذا قال: كل مصرية أتزوجها فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها من أهل مصر فهي طالق، فإنَّه يلزمه التعليق في الطارئة لمصر، وأما إن قال كل امرأة أتزوجها من مصر فكذلك على ما مر عن التوضيح، وأما على ما لابن عرفة فهو بمنزلة كل امرأة أتزوجها في مصر، ويأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله.
إن تخلقت بخلقهن يعني أن محلّ لزوم التعليق المذكور في الطارئة على مصر وليست من أهلها، إنما هو حيث تخلقت الطارئة أي اتصفت بخلق المصريات الأصليات، وهل المراد الأخلاق التي تميل بها المصرية قلوب الرجال أو التي تحمل الشخص على تجنب تزوج المصريات وهذا هو الظاهر، والأول إنما يقصد نادرا كمن يخاف على نفسه من مقاربة النساء، وقوله: "إن تخلقت بخلقهن" أو طال مقامها، وفي نص سحنون: انقطعت عن البادية بدل تخلقت بخلقهن، فإن فسر الانقطاع عن البادية بتخلقها بأخلاق المنقطعة إليهم لم يكن زائدا على المص، وإلا كان زائدا عليه قاله عبد الباقي.
وفي مصر يلزم في عملها يعني أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها في مصر أو بمصر فهي طالق، فإن ذا التعليق يلزم فيمن في مصر وفي من في عمل مصر أي البلد الذي عليه حكم قاضي مصر أو باشتها، وهذا إن نوى من في عملها أو جرى به عرف، سواء تزوج بمصرية أو غير مصرية فالمدار على عقد النكاح بمصر وما في حكمها، وإلا أي وإن لم ينو عمل مصر ولا جرى به عرف بأن نوى خصوصها أو لم ينو شيئًا، فإنَّه يلزم التعليق لمحل لزوم الجمعة أي يلزمه التعليق في النساء التي هن بمحل يلزم منه السعي إلى الجمعة المقامة بمصر، وهو ما كان على ثلاثة أميال وربع ميل من المنار، وحيث أطلقت مصر فالمراد بها القاهرة في العرف، والأمور العرفية تتغير بتغير العرف. قال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بعملها للقضاة وهو مصر ونواحيها كجزيرة الفيل وبولاق وبركة الحاج ومصر العتيقة لا الباشات؛ إذ يبعد من قصد الحالف الخروج عن الأقاليم بالمرأة. انتهى. وعبارة الأمير: والمعتبر في حلفه لا يتزوج من مصر مثلا من تلزمه جمعتها إلا لنية لأكثر. انتهى. وله المواعدة بها يعني أن من حلف لا يتزوج بمكان عينه كمصر، له أن يواعد امرأة بمصر أراد تزويجها من أهل ذلك المكان أو من غير أهله، فيواعدها بذلك المكان ليتزوجها بغيره خارجا عن
стр. 4379
عمله إن نوى، وإلا فلمحل لزوم الجمعة فيواعد مصرية أو غير مصرية بالتزويج وهما بمصر ليتزوجها خارجا عنها، وإيضاح ما قاله المص أن المواعدة هنا ليست كالمواعدة في العدة؛ لأنَّ المواعدة في زمن العدة من الخطبة، وصريح خطبة المعتدة حرام، والمواعدة بمصر مثلا ليست من التزوج المحلوف عليه وأولى في الجواز تزوجه مصرية رآها بغير مصر، وفهم من قوله: "في مصر" أنَّه ليس له المواعدة في حلفه كل مصرية أو من أهل مصر.
ابن عرفة: ومن حلف بطلاق من يتزوج بمصر فله أن يتزوج بغيرها مصرية مقيمة بغيرها إلا أن ينوي أن لا يتزوج مصرية أو يحلف على ذلك فيحنث، قال مالك: وله أن يتزوج بمصر غير مصرية يريد في هذا. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: قوله: في هذا يعني حيث نوى مصرية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو يحلف على ذلك" أي على أن لا يتزوج مصرية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "فلمحل لزوم الجمعة" هو قول ابن القاسم، وقال أصبغ: والقياس أن يتباعد إلى حيث تقصر فيه الصلاة إذا ظعن ولا يتم فيه الصلاة إذا قدم. قاله في التوضيح.
لا إن عم النساء يعني أن الرجل إذا عم النساء بالتعليق كقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فإنَّه لا يلزمه شيء لأنه عم الحرائر والإماء وأجناس بني آدم للقاعدة المتقدمة، وهي: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق. انتهى. وهي يمين حرج ومشقة، ولم يعتبروا بقاء السراري هنا، وما مر في نكاح الإماء أعني قوله: "وله نكاح الإماء في كل حرة"، وقوله: "لا إن عم النساء" سواء علقه على شيء كقوله: إن دخلت الدار أو دارا فكل من أتزوجها طالق أولا ككل من أتزوجها طالق فلا يلزمه في ذلك شيء لا في التنكير ولا في التعريف، ولو قصد بها دارا معينة، وأما من قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي أو فأمرها بيدها فإن ذلك يلزمه لإمكان الكفارة وإسقاط أمرها، وكذا يلزم كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، وكذا يلزم من حلف ولو بطلاق زوجته لا أكل ولا شرب بقية عمره؛ لأنَّ له مندوحة بالتكفير أو بطلاق من حلف بطلاقها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي. وحاشية بناني. وقال الشبراخيتي عند قوله "لا إن عم النساء" فلا شيء عليه، ككل امرأة أتزوجها طالق للحرج والمشقة ولدفع مفسدة الزنى، ولم يعتبروا بقاء السراري
стр. 4380
إما لأنَّ الزوجات أضبط أو لعدم قدرة كل أحد عليه أو عدم طيب نفسه به وهو مخرج من قوله: كإن أبقى كثيرا.
أو أبقى قليلا يعني أن المعلق للطلاق على النكاح إذا لم يبق من النساء إلا قليلًا أي قليلًا في نفسه لا بالنسبة لغيره فإنَّه لا يلزمه التعليق، وإنما قالوا: قليلًا في نفسه لا بالنسبة لغير ما أبقاه؛ لأنه لو كان كذلك لكانت المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قليلة مع أنها كثيرة كما في النص. قاله الشبراخيتي. وقوله: "أو أبقى قليلًا" هو مذهب المدونة وهو المعتمد، ومقابله لزوم التعليق حيث أبقى قليلًا. ابن الحاجب: فلو أبقى قليلًا فقولان. انتهى. قال في التوضيح: يعني فلو لم يعم النساء وأبقى جنسا قليلًا أو بلدة صغيرة أو قبيلة صغيرة، فقولان: أحدهما اللزوم لكونه لم يعم والثاني وهو مذهب المدونة نفي اللزوم فيهما، وإن قال: إلا من قرية كذا [لقرية] (١) صغيرة ليس فيها من يتزوج، أو قال: إلا فلانة وهي ذات زوج أم لا، أو قال إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق فلا شيء عليه في ذلك، وسبب الخلاف الشهادة بوجود الحرج ونفيه، وأنكر ابن عبدوس تسويته في المدونة للمسألتين، ورأى أن الأولى أي كل امرأة أتزوجها إلا فلانة فيها الحرج والتضييق؛ لأنه لا يقدر أن يتزوج إلا فلانة لا قبلها ولا بعدها بخلاف الثانية؛ أي إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق فإنها لا كبير حرج فيها لأنه قادر على أن يتزوجها أولًا ثمَّ يتزوج بعدها ما أحب، فصار كمن صرح في يمينه بطلاق من يتزوج قبل فلانة أو قبل دخول الدار، ولا شك في لزوم ذلك، وقد يقال لما علق طلاق غير هذه على عدم زواجها وقد لا ترضى صار كمن عم. انتهى.
ابن الحاجب: وعلى اللزوم ففي إبقاء واحدة قولان. انتهى. قال في التوضيح: أي إذا فرعنا على المشهور من عدم اللزوم إذا أبقى قليلًا فمن باب الأولى أن لا يلزمه إذا أبقى واحدة وفرعنا على اللزوم فهل يلزمه في إبقاء الواحدة؟ قولان، وزاد ابن بشير قولًا ثالثا وهو نفي اللزوم ما دامت متزوجة أو إذا تزوجت ولزومه إن لم تكن متزوجة، ومثل للقليل بقوله: ككل امرأة أتزوجها إلا تفويضا يعني أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضا فهي طالق فإنَّه لا يلزمه في ذلك