تحته في قوله: أتزوجها إذا لم ينشئ عقدا جديدا فيها، بخلاف الركوب واللبس فإنَّه ليس كذلك من كل وجه، فإن ادعى أن نيته أن لا ينشئ ركوبا ولا لبسا عمل بها أيضًا، وقال التتائي: وقد يفرق بين هذه ومسألة من حلف لا ركب الدابة وهو راكبها بضعف الالتزام في النكاح؛ لأنَّ أكثر الناس قالوا بعدم اللزوم فيه بخلاف اليمين. انتهى. نقله عبد الباقي.
وله نكاحها يعني أن المعلق طلاقها على نكاحها بغير صيغة تقتضي التكرار يباح نكاحها لمن علق طلاقها على نكاحها فتطلق عقب العقد ثمَّ يتزوجها، ولا يفسخ إن لم يكن المعلق ثلاثًا، وإلا فلا يتزوجها إلا بعد زوج، فإن تزوجها بعد زوج ثبت عليها إن شاء، وأما إن كان التعليق بصيغة تقتضي التكرار، ككلما تزوجتك فأنت طالق أو من أتزوجها من السودان فهي طالق أو من مصر أو كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين مثلا فهي طالق أو نوى التكرار فإنَّه لا يباح له النكاح في ذلك، وقوله: "وله نكاحها" أشار به لقول ابن راشد القفصي: والمذهب أنَّه يباح له زواجها وتطلق عليه، والقياس أن لا يباح له زواجها للقاعدة المقررة، وهي أن ما لا يترتب عليه مقصده لا يشرع، والمقصود بالنكاح الوطء وهو غير حاصل بهذا العقد، وإليه ذهب بعض الفقهاء، وقال: هو بمنزلة ما لو قالت المرأة أتزوجك على أني طالق عقب العقد فإنَّه لا يجوز ولا تستحق عليه صداقا إن تزوجته، ولا فرق بين أن يكون الشرط منه أو منها.
قلنا: في هذا فائدة وهي أنَّه يتزوجها عقب طلاقه إن شاء إلا أن يعلق ذلك بلفظ يقتضي التكرار، مثل: كلما، فلا يباح له زواجها وَقَبله في التوضيح. قاله محمَّد بن الحسن. وقال: إن قوله: "وله نكاحها" حقه أن يقدم عند قوله: "كقوله لأجنبية" لخ، وقوله: "وله نكاحها" أي نكاحها ولو كان المعلق الثلاث كما مر، وقد علمت أن الموضوع أن الصيغة لا تقتضي التكرار، قال عبد الباقي: فإن قلت لا فائدة في نكاحها مع طلاقها عقبه واحدة أو ثلاثًا مع أن التزوج وسيلة إلى وطئها والوسيلة إذا لم يترتب عليها مقصدها لا تشرع، قلت: حيث لا يتكرر عليه الطلاق دائما فإن مقصدها يترتب عليها مستقبلا قبل زوج في غير تعليق الثلاث، وبعده في تعليق الثلاث. انتهى.
وله نكاح الإماء في كل حرة يعني أن الحر إذا قال: كل حرة أتزوجها فهي طالق فإنَّه يباح له نكاح الإماء ولو كان واجدا للطول ويولد له ولم تكن الأمة لكالجد لأنه عم بتعليقه الحرائر فصار
стр. 4377
بيمينه كعادم الطول، وإن كان مليا لكن لا يباح له نكاح الإماء إلا إذا خاف الزنى، فإن عتقت بعد أن تزوجها فمقتضى قولهم إن الدوام ليس كالابتداء في مسألة "لا فيمن تحته" أنَّه لا تطلق عليه، وجرى قولان فيمن قال كل مسلمة أتزوجها فهي طالق وتزوج كتابية فأسلمت قبل البناء هل يلزمه طلاقها أم لا؟ لابن وهب وأشهب. قاله التتائي. قال عبد الباقي: فلو كان بعد البناء فينبغي أن يتفق على عدم لزوم الطلاق كما هو المناسب لقوله: "لا فيمن تحته"، وقوله: "وله نكاح الإماء في كل حرة" ما مشى عليه المص من لزوم التعليق في الحرائر في هذه الصورة وأنه يباح له نكاح الإماء هو قول ابن القاسم في العتبية، وبه قال ابن حبيب وهو المشهور، وقال محمَّد: لا يلزمه في الحرائر إن كان مليا عند من يقول بالطول؛ إذ لا سبيل له إلا إلى الحرائر التي حرمهن. انتهى. قاله الشارح.
ولزم في المصرية يعني أن من قال: كل مصرية أتزوجها فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها من أهل مصر أو من مصر فهي طالق، فإنَّه يلزمه ذلك التعليق فيمن هي مصرية الأبوين، وكذا يلزمه أيضًا فيمن أبوها كذلك أي مصري وأمها شامية وربتها أمها بالشام وأولى إن ربتها بمصر، وما ذكرته من مساواة كل امرأة أتزوجها من مصر لكل مصرية أتزوجها هو مقتضى ما في التوضيح، ونصه: وإن قال من مصر يلزمه سواء كانت بمصر أو بغيرها نص عليه محمَّد. انتهى. قاله محمَّد بن الحسن. قال: وهو خلاف ما لابن عرفة من أن قوله: لا أتزوج من مصر كقوله: لا أتزوج بها سواء، وعليه فالحاصل أن حلفه: لا أتزوج مصرية أو من أهل مصر سواء، وأن قوله لا أتزوج من مصر أو بها سواء. والله أعلم. انتهى. وفي بعض النسخ: فيمن أبوها كذلك بدون واو.
تنبيه: قال ابن غازي عند قوله "ولزم في المصرية": ليس صورته أن يقول لا أتزوج مصرية كما قيل، ولكن صورته أن يقول كل مصرية أتزوجها طالق. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: لم يظهر وجه ما قاله ابن غازي الخ، قال مقيد هذا الشرح: الظاهر ما قاله ابن غازي وهو في غاية الوضوح؛ لأنَّ قوله: كل مصرية أتزوجها طالق حصل بها التعليق في المصرية، وأما قوله: "لا أتزوج مصرية" فإنَّه لم يعلق فيه طلاق على نكاح، وإنما التزم أن لا يتزوج مصرية، فما قاله ابن غازي في غاية الوضوح والله سبحانه أعلم.
стр. 4378
وفي الطارئة يعني أن الرجل إذا قال: كل مصرية أتزوجها فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها من أهل مصر فهي طالق، فإنَّه يلزمه التعليق في الطارئة لمصر، وأما إن قال كل امرأة أتزوجها من مصر فكذلك على ما مر عن التوضيح، وأما على ما لابن عرفة فهو بمنزلة كل امرأة أتزوجها في مصر، ويأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله.
إن تخلقت بخلقهن يعني أن محلّ لزوم التعليق المذكور في الطارئة على مصر وليست من أهلها، إنما هو حيث تخلقت الطارئة أي اتصفت بخلق المصريات الأصليات، وهل المراد الأخلاق التي تميل بها المصرية قلوب الرجال أو التي تحمل الشخص على تجنب تزوج المصريات وهذا هو الظاهر، والأول إنما يقصد نادرا كمن يخاف على نفسه من مقاربة النساء، وقوله: "إن تخلقت بخلقهن" أو طال مقامها، وفي نص سحنون: انقطعت عن البادية بدل تخلقت بخلقهن، فإن فسر الانقطاع عن البادية بتخلقها بأخلاق المنقطعة إليهم لم يكن زائدا على المص، وإلا كان زائدا عليه قاله عبد الباقي.
وفي مصر يلزم في عملها يعني أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها في مصر أو بمصر فهي طالق، فإن ذا التعليق يلزم فيمن في مصر وفي من في عمل مصر أي البلد الذي عليه حكم قاضي مصر أو باشتها، وهذا إن نوى من في عملها أو جرى به عرف، سواء تزوج بمصرية أو غير مصرية فالمدار على عقد النكاح بمصر وما في حكمها، وإلا أي وإن لم ينو عمل مصر ولا جرى به عرف بأن نوى خصوصها أو لم ينو شيئًا، فإنَّه يلزم التعليق لمحل لزوم الجمعة أي يلزمه التعليق في النساء التي هن بمحل يلزم منه السعي إلى الجمعة المقامة بمصر، وهو ما كان على ثلاثة أميال وربع ميل من المنار، وحيث أطلقت مصر فالمراد بها القاهرة في العرف، والأمور العرفية تتغير بتغير العرف. قال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بعملها للقضاة وهو مصر ونواحيها كجزيرة الفيل وبولاق وبركة الحاج ومصر العتيقة لا الباشات؛ إذ يبعد من قصد الحالف الخروج عن الأقاليم بالمرأة. انتهى. وعبارة الأمير: والمعتبر في حلفه لا يتزوج من مصر مثلا من تلزمه جمعتها إلا لنية لأكثر. انتهى. وله المواعدة بها يعني أن من حلف لا يتزوج بمكان عينه كمصر، له أن يواعد امرأة بمصر أراد تزويجها من أهل ذلك المكان أو من غير أهله، فيواعدها بذلك المكان ليتزوجها بغيره خارجا عن
стр. 4379
عمله إن نوى، وإلا فلمحل لزوم الجمعة فيواعد مصرية أو غير مصرية بالتزويج وهما بمصر ليتزوجها خارجا عنها، وإيضاح ما قاله المص أن المواعدة هنا ليست كالمواعدة في العدة؛ لأنَّ المواعدة في زمن العدة من الخطبة، وصريح خطبة المعتدة حرام، والمواعدة بمصر مثلا ليست من التزوج المحلوف عليه وأولى في الجواز تزوجه مصرية رآها بغير مصر، وفهم من قوله: "في مصر" أنَّه ليس له المواعدة في حلفه كل مصرية أو من أهل مصر.
ابن عرفة: ومن حلف بطلاق من يتزوج بمصر فله أن يتزوج بغيرها مصرية مقيمة بغيرها إلا أن ينوي أن لا يتزوج مصرية أو يحلف على ذلك فيحنث، قال مالك: وله أن يتزوج بمصر غير مصرية يريد في هذا. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: قوله: في هذا يعني حيث نوى مصرية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "أو يحلف على ذلك" أي على أن لا يتزوج مصرية. والله سبحانه أعلم. وقوله: "فلمحل لزوم الجمعة" هو قول ابن القاسم، وقال أصبغ: والقياس أن يتباعد إلى حيث تقصر فيه الصلاة إذا ظعن ولا يتم فيه الصلاة إذا قدم. قاله في التوضيح.
لا إن عم النساء يعني أن الرجل إذا عم النساء بالتعليق كقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فإنَّه لا يلزمه شيء لأنه عم الحرائر والإماء وأجناس بني آدم للقاعدة المتقدمة، وهي: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق. انتهى. وهي يمين حرج ومشقة، ولم يعتبروا بقاء السراري هنا، وما مر في نكاح الإماء أعني قوله: "وله نكاح الإماء في كل حرة"، وقوله: "لا إن عم النساء" سواء علقه على شيء كقوله: إن دخلت الدار أو دارا فكل من أتزوجها طالق أولا ككل من أتزوجها طالق فلا يلزمه في ذلك شيء لا في التنكير ولا في التعريف، ولو قصد بها دارا معينة، وأما من قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي أو فأمرها بيدها فإن ذلك يلزمه لإمكان الكفارة وإسقاط أمرها، وكذا يلزم كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، وكذا يلزم من حلف ولو بطلاق زوجته لا أكل ولا شرب بقية عمره؛ لأنَّ له مندوحة بالتكفير أو بطلاق من حلف بطلاقها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي. وحاشية بناني. وقال الشبراخيتي عند قوله "لا إن عم النساء" فلا شيء عليه، ككل امرأة أتزوجها طالق للحرج والمشقة ولدفع مفسدة الزنى، ولم يعتبروا بقاء السراري
стр. 4380
إما لأنَّ الزوجات أضبط أو لعدم قدرة كل أحد عليه أو عدم طيب نفسه به وهو مخرج من قوله: كإن أبقى كثيرا.
أو أبقى قليلا يعني أن المعلق للطلاق على النكاح إذا لم يبق من النساء إلا قليلًا أي قليلًا في نفسه لا بالنسبة لغيره فإنَّه لا يلزمه التعليق، وإنما قالوا: قليلًا في نفسه لا بالنسبة لغير ما أبقاه؛ لأنه لو كان كذلك لكانت المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قليلة مع أنها كثيرة كما في النص. قاله الشبراخيتي. وقوله: "أو أبقى قليلًا" هو مذهب المدونة وهو المعتمد، ومقابله لزوم التعليق حيث أبقى قليلًا. ابن الحاجب: فلو أبقى قليلًا فقولان. انتهى. قال في التوضيح: يعني فلو لم يعم النساء وأبقى جنسا قليلًا أو بلدة صغيرة أو قبيلة صغيرة، فقولان: أحدهما اللزوم لكونه لم يعم والثاني وهو مذهب المدونة نفي اللزوم فيهما، وإن قال: إلا من قرية كذا [لقرية] (١) صغيرة ليس فيها من يتزوج، أو قال: إلا فلانة وهي ذات زوج أم لا، أو قال إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق فلا شيء عليه في ذلك، وسبب الخلاف الشهادة بوجود الحرج ونفيه، وأنكر ابن عبدوس تسويته في المدونة للمسألتين، ورأى أن الأولى أي كل امرأة أتزوجها إلا فلانة فيها الحرج والتضييق؛ لأنه لا يقدر أن يتزوج إلا فلانة لا قبلها ولا بعدها بخلاف الثانية؛ أي إن لم أتزوج فلانة فكل امرأة أتزوجها طالق فإنها لا كبير حرج فيها لأنه قادر على أن يتزوجها أولًا ثمَّ يتزوج بعدها ما أحب، فصار كمن صرح في يمينه بطلاق من يتزوج قبل فلانة أو قبل دخول الدار، ولا شك في لزوم ذلك، وقد يقال لما علق طلاق غير هذه على عدم زواجها وقد لا ترضى صار كمن عم. انتهى.
ابن الحاجب: وعلى اللزوم ففي إبقاء واحدة قولان. انتهى. قال في التوضيح: أي إذا فرعنا على المشهور من عدم اللزوم إذا أبقى قليلًا فمن باب الأولى أن لا يلزمه إذا أبقى واحدة وفرعنا على اللزوم فهل يلزمه في إبقاء الواحدة؟ قولان، وزاد ابن بشير قولًا ثالثا وهو نفي اللزوم ما دامت متزوجة أو إذا تزوجت ولزومه إن لم تكن متزوجة، ومثل للقليل بقوله: ككل امرأة أتزوجها إلا تفويضا يعني أن الرجل إذا قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضا فهي طالق فإنَّه لا يلزمه في ذلك
стр. 4381
التعليق شيء؛ لأنه لم يبق إلا قليلًا إذ القليل الذي لا يلزم المعلق شيء حيث أبقاه هو الذي لا يجد فيه نساء يتخير منهن ولا شك أن التفويض كذلك، قال في التوضيح: قال أشهب في العتبية: إن قال كل امرأة أتزوجها تفويضا فهي طالق لزمه، ولو قال: كل امرأة أتزوجها إلا تفويضا لم يلزمه؛ لأنَّ التفويض غير مبذول (١) ولا مرجو. انتهى. ونقله غيره. وقال عبد الباقي: وأما لو قال كل امرأة أتزوجها تفويضا فهي طالق فإن ذلك يلزمه بلا خلاف. انتهى.
أو من قرية صغيرة يعني أن الرجل إذا قال كل امرأة أتزوجها إلا من القرية الفلانية وهي صغيرة بحيث لا يجد فيها نساء يتخير منهن فإنَّه لا يلزمه طلاق، وأما إن أبقى قرية يجد فيها نساء يتخير منهن كالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فيلزمه التعليق، وقوله: "أو من قرية" عطف على قوله: "إلا تفويضا" أي إلا تفويضا أو إلا من قرية صغيرة، وقوله: "صغيرة" قال الشيخ الخرشي: الأحسن في صغيرة الرفع على أنَّه خبر لمبتدإ محذوف؛ أي أو قال من قرية كذا وهي صغيرة؛ إذ ليس صغيرة من جملة مقوله، والصغيرة هي التي ليس فيها ما يتزوج يعني كما في المدونة؛ أي لا يجد فيها عددا يتخير منه كما قاله أبو الحسن. انتهى.
أو حتى أنظرها فعمي يعني أن الرجل إذا قال كل امرأة أتزوجها طالق حتى أنظرها أو ينظرها فلان فعمي هو أو فلان أو مات فلان فإنَّه لا شيء عليه، وله أن يتزوج من شاء ولا تطلق عليه ولو لم يخش العنت، وقيل إن مات فلان لا يتزوج حتى يخشى العنت ولا يجد ما يبتاع به أمة، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الذي قال حتى أراها: له أن يتزوج من كان رآها قبل العمى، واليمين عليه قائمة فيمن لم يكن رأى. قاله في التوضيح. وحتى هنا يصح أن تكون استثنائية أي إلا أن أنظرها كما في قول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة … حتى تجود وما لديك قليل
стр. 4382
أي إلا أن تجود، وأن تكون جارة أي إلى نظرها. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "حتى أنظرها فعمي" هو في كتاب محمد، وقال عبد الباقي: وحتى هنا استثنائية والمستثنى منه مقدر؛ أي قال كل امرأة أتزوجها طالق إلا أن انظر إليها فالطلاق معلق على التزوج من غير رؤيته.
أو الأبكار بعد كل ثيب يعني أن الرجل إذا قال: كل ثيب أتزوجها طالق، ثمَّ قال بعد ذلك: كل بكر أتزوجها فهي طالق فإنَّه لا يلزمه الطلاق في الأبكار ويلزمه في الثيبات، وهذا هو الأصح لأنَّ التعميم إنما لزم في تعليقه على نكاح الأبكار، وقيل يلزمه التعليق في الثيبات والأبكار، وقيل لا يلزمه في الأبكار ولا في الثيّبات.
أو بالعكس يعني أنَّه لو قال: كل بكر أتزوجها فهي طالق، ثمَّ قال: كل ثيب أتزوجها فهي طالق فإنَّه لا يلزمه الطلاق في الثيّبات ويلزمه في الأبكار، وقيل يلزم فيهما، وقيل لا يلزم فيهما والأول الأصح وهو لابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن كنانة وأصبغ وسحنون وابن المواز وغيرهم. ابن بشير: وهو الجاري على المشهور. ابن عبد البر: وهو أصح لدوران الحرج مع الثانية وجودا وعدما، ولا وجه لعدم لزوم اليمين الأولى وانحلالها بعد انعقادها. قاله في التوضيح. والقول باللزوم في الثيّبات والأبكار مروي عن مالك وابن وهب، والقول بعدم اللزوم فيهما حكاه جماعة واختاره اللخمي، ووجهه النظر إلى التعميم ووجه اللزوم فيهما النظر إلى الخصوص، قاله في التوضيح عند قول ابن الحاجب: ولو قال كل بكر أتزوجها طالق ثمَّ قال كل ثيب أتزوجها فثالثها يلزم الأوّل دون الثاني. انتهى.
وحاصل المص أن التعليق يلزم في الأوّل منهما ولا يلزم في الثاني منهما. ابن عبد السلام: وهو أظهر الأقوال لدوران الحرج مع اليمين الثانية. ابن عبد السلام: لو حرم الثيّبات وأبقى الأبكار فعجز عنهن لعلو سنة، فالظاهر أنَّه إذا خشي العنت ولم يقدر على التسري أنَّه يجوز له نكاح الثيّب. نقله محمد بن الحسن. ومثل ما ذكره المص ما لو علق في نساء العرب بعد أن علق في نساء العجم، وكذا العكس فيلزم التعليق في الأوّل دون الثاني في المسألتين كما قاله الأمير، ولفظه: وإن علق طلاق نحو الأبكار بعد كالثيّبات كالعرب والعجم لم يلزم الأخير لأنه حصل به الضيق ويلزم الأوّل وتعبيرنا أحسن من تعبير الأصل عند من تأملهما. انتهى.
стр. 4383
أو خشي في المؤجل العنت وتعذر التسري يعني أن الرجل إذا علق الطلاق على النكاح وعم النساء لكنه قيد بأجل يبلغه عمره ظاهرا، كما لو قال: كل امرأة أتزوجها إلى عشر سنين وهو ممن يبلغ ذلك ظاهرا فإنَّه لا يباح له النكاح، ويلزمه التعليق إلا إذا اجتمع له أمران، فإنَّه يباح له حينئذ التزويج ولا يلزمه الطلاق فيمن يتزوج، أحدهما: أن يكون قد خشى العنت أي الزنى، والثاني: أن يكون قد تعذر عليه التسري فيباح له حينئذ نكاح الحرائر. قال عبد الباقي وكذا يباح له نكاح الإماء لأنه بيمينه كعادم الطول، قال محمَّد بن الحسن: فيه نظر لأنه حيث أبيحت له الحرة لم يكن بيمينه كعادم الطول، انتهى.
وبما قررت علم أن أل في قوله: "المؤجل" للعهد أي المؤجل الذي تنعقد فيه اليمين وهو الأجل الذي يبلغه عمره ظاهرا، احترازا مما إذا أجل بأجل لا يبلغه عمره ظاهرا فإنَّه لا يلزمه طلاق حينئذ. ابن الحاجب: ولو خشى العنت في التأجيل وتعذر التسري نكح ولا شيء عليه. انتهى. يعني إذا ضرب أجلا يبلغه عمره ظاهرا وألزمناه اليمين فخشي العنت وتعذر عليه التسري يريد أو لم يعفه تزوج ولا شيء عليه وهكذا في المدونة. ابن القاسم؛ لأنَّ نكاحه خير من الزنى، قال: وقد أجاز هذا النكاح سعيد بن المسيّب وغيره. ابن القاسم في الموازية: ولكل أحد مقدار ما يعذر فيه، ولا شك أن عشرين سنة كثيرة ويتزوج. أصبغ: بعد تصبر وتعفف، وقال أشهب وابن وهب: لا يتزوج وإن خاف العنت في الثلاثين سنة، وقال مالك: يتزوج فيها إن خاف العنت. وانظر هل مرادهم بالعنت المشقة أو الزنى؟ وهو الظاهر كما قالوا في نكاح الأمة، وقول ابن القاسم: نكاحه خير من الزنى يدلّ عليه. انتهى.
فرع. ابن القاسم: وإن قال كل امرأة أتزوجها من أرض الإِسلام طالق إن كان يقدر على التزويج بأرض الشرك وإخراجها لزمته اليمين وإلا فلا، وخالفه أصبغ كمن استثنى قرية صغيرة. نقله في التوضيح.
أو آخر امرأة يعني أن الرجل إذا قال آخر امرأة أتزوجها طالق لا يلزمه شيء عند ابن القاسم، وهو كمن حرم جميع النساء لأنه كلما تزوج امرأة احتمل أن تكون آخر امرأة، فلو فرق بينه
стр. 4384
وبينها لم يستقر ملكه على امرأة هذا هو المذهب وما بعده ضعيف، وهو قوله: وصوب وقوفه عن الأولى حتى ينكح ثانية يعني أن سحنون وابن المواز خالفا ابن القاسم فقالا: من قال آخر امرأة أتزوجها طالق يوقف عن وطء الأولى حتى ينكح امرأة ثانية، فإذا نكحها حلت له الأولى، ثمَّ كذلك أي يوقف عن الثانية حتى ينكح ثالثة فتحل له الثانية، ثمَّ إذا نكح رابعة حلت له الثالثة وهكذا، وصوب ابن راشد قول ابن المواز وسحنون فلهذا قال: وصوب وقوفه عن الأولى حتى لخ، وقوله: "وصوب وقوفه" ظاهر المص الوقوف ولو قال لا أتزوج أبدا.
وهو في الموقوفة كالمولي يعني أنَّه إذا فرعنا على قول سحنون وابن المواز إنه يوقف عن الأولى لخ، فإن الزوج يكون في المرأة الموقوف عنها بمنزلة من آلى من امرأته فلابد من رفع الضرر عنها، فإن رافعته ضرب لها أجل الإيلاء من يوم الرفع لا من يوم يمينه وهي: آخر امرأة أتزوجها طالق؛ لأنها ليست صريحة في ترك الوطء فإن انقضى ولم ترض بالمقام معه بدون وطء طلق عليه، والأولى تأخير قوله: "وهو في الموقوفة كالمولي" عن قوله: واختاره إلا في الأولى لأنه جارّ في المسألتين، يعني أن اللخمي اختار القول بالوقف إلا في المرأة الأولى؛ لأنه لما قال: آخر امرأة علم أنَّه جعل له أول امرأة، وقوله: "وهو في الموقوفة كالمولي"، وإذا مات زمن الوقف عمن تزوجها ووقف عنها فلها نصف الصداق ولا إرث لها منه لأنها آخر امرأة، ويلغز بها فيقال: شخص مات عن حرة مسلمة في نكاح بصداق مسمى وأخذت نصفه ولا ميراث لها ولا عدة. ابن الماجشون: فإن تزوج امرأة وماتت وقف ميراثه منها حتى يتزوج، فإن تزوج ورثها ويكمل لها الصداق، فإن لم يتزوج فلا إرث له ولا يكمل لها الصداق، ويلغز بها فيقال: ماتت امرأة ووقف إرثها وليس في ورثتها حمل ولا خنثى مشكل، ويقال أيضًا: ماتت امرأة في عصمة رجل ولا يرثها إلا أن يتزوج غيرها. وقد مر أنه في الموقوفة كالمولي، وأنه إذا انقضى أجل الإيلاء ولم ترض بالمقام معه بدون وطء تطلق عليه، وإذا طلقت فلا رجعة له عليها لأنها مطلقة قبل البناء، وظاهر المص أنَّه يوقف إلى أن يتزوج أو يموت.
وقوله: "أو آخر امرأة" مفهومه أنَّه لو قال: أول امرأة أتزوجها طالق فتزوج امرأة بانت منه ولها نصف الصداق وسقطت يمينه، قاله الشارح والتتائي. قاله الشبراخيتي. ونقله الحطاب عن
стр. 4385
اللخمي. وأما لو قال: أول امرأة أتزوجها طالق، ثمَّ قال: آخر امرأة أتزوجها طالق، فعلى قول ابن القاسم لا يلزمه شيء، وعلى القول المصوب تنعقد اليمين فيهما معا، فإن تزوج امرأة طلقت لأنها أول امرأة وإن تزوج ثانية كانت اليمين منعقدة فيها لأنه قادر على أن يتزوج أخرى فتحل الثانية، وهكذا ولا يجري فيها اختيار اللخمي، فالأقسام ثلاثة. قاله الشيخ إبراهيم.
وقال الإمام الحطاب: قال اللخمي في تبصرته: وإن قال أول امرأة أتزوجها طالق، ثمَّ قال بعد ذلك آخر امرأة أتزوجها طالق انعقدت اليمين فيهما جميعًا، فإن تزوج امرأة طلقت لأنها أول امرأة، وإن تزوج ثانية كانت اليمين منعقدة فيها لأنه قادر على أن يتزوج أخرى وتحل الثانية. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: فإن قال أول امرأة أتزوجها طالق وآخر امرأة أتزوجها طالق فإنَّه يلزمه الطلاق في أول من يتزوجها، ويجري في آخر امرأة قولًا ابن القاسم وسحنون، ولا يجري فيها اختيار اللخمي.
وقوله: "أو آخر امرأة" اقتصر الشيخ الأمير على قول ابن القاسم، فقال: ولا شيء في آخر امرأة أتزوجها طالق عند ابن القاسم؛ لأنه ما من واحدة إلا ويحتمل أنها الأخيرة فكان كمن عم النساء، وأما الجزم بالأخيرة فلا يكون إلا بعد موته ولا يطلق على ميت. انتهى. وقوله: "وهو في الموقوفة كالمولي"، وإن قال آخر ما أتزوج إلا واحدة طالق يريد تطليق التي تلي الأخيرة فإن تزوج وقف عنها، وعن الأولى إذ لا يدرى من تلي الأخيرة منهما، فإن مات فالأولى المطلقة، فإن تزوج حلت له الأولى ثمَّ إن مات فالثانية المطلقة ثمَّ كذلك. قاله في التوضيح.
ولو قال إن لم أتزوج من المدينة فهي طالق فتزوج من غيرها نجز طلاقها يعني أن الرجل إذا قال إن لم أتزوج من أهل المدينة أو من المدينة فهي أي التي أتزوجها من غير المدينة طالق، فتزوج من غير أهل المدينة فإنَّه ينجز عليه طلاقها أي التي تزوجها من غير أهل المدينة بمجرد العقد. قاله في المدونة. واختلف الشيوخ في فهم المدونة فمنهم من أبقاها على إطلاقها؛ أي سواء في ذلك تزوجها قبل أن يتزوج من المدينة أو بعد أن تزوج من المدينة لأنَّ هذا بمنزلة كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق وهو المأخوذ من كلام الجواهر تبعًا لظاهر المدونة.
стр. 4386
وتؤولت على أنه إنما يلزمه الطلاق إذا تزوج من غيرها قبلها يعني أن من الأشياخ من تأول المدونة أيضًا على أن محلّ تنجيز الطلاق عليه إذا كان تزوجه من غير أهل المدينة قبل أن يتزوج من المدينة، وأما إن تزوج من المدينة ثمَّ تزوج من غيرهم فإنَّه لا ينجز عليه الطلاق وهو تأويل اللخمي وابن محرز، وعليه عول ابن عبد السلام وغيره. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: والمذهب تأويل الإطلاق يعني الأوّل، قال محمد بن الحسن: تبع ما في التوضيح تبعًا لابن راشد من أن الأوّل هو المشهور، قال ابن غازي: فيه نظر لأنَّ اللخمي لم يفهم المدونة عليه، وكذا ابن محرز، وما عول ابن عبد السلام وغيره إلا على كلامهما وهو يفيد أن المعول عليه هو الثاني؛ ولسحنون أنَّه لا يحنث فيما يتزوج من غير المدينة بل يوقف عنها حتى يتزوج من المدينة.
والحاصل أنَّه اختلف في قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فكل امرأة أتزوجها من غيرها طالق، فالمشهور أنَّه ينجز عليه الطلاق في التي تزوجها من غير المدينة، ومقابل المشهور قول سحنون: لا ينجز عليه الطلاق ويوقف عن التي تزوج من غير المدينة حتى يتزوج من المدينة، بمنزلة قول القائل: إن لم أتزوج من المدينة فامرأتي طالق، وعلى المشهور فالمعنى أنَّه التزم طلاق من ليست من أهل المدينة، وكأنه قال كل امرأة أتزوجها من غير المدينة طالق لأنه الذي يقصد عرفا؛ إذ المقصود الرغبة في نساء المدينة، والتزام طلاق غيرها هذا على تأويل الإطلاق وهو تأويل ابن راشد والجواهر، وأما على تأويل اللخمي وابن محرز فالمعنى كل امرأة أتزوجها قبل أن أتزوج من المدينة فهي طالق، فالمشهور يتفرع عليه التأويلان اللذان ذكر المص، ومقابل المشهور هو قول سحنون. والله الموفق للصواب. وإليه المرجع والمئاب.
فالتأويلان معا مبنيان على أنها حملية أي كل من أتزوجها من غير المدينة طالق ثمَّ هل مطلقا وهو فهم ابن راشد، أو قبل التزوج من المدينة وهو فهم اللخمي؟ تأويلان، وإنما المبني على أنها شرطية قول ثالث لسحنون لم يذكره المص، وهو أنَّه لا يحنث فيما يتزوج من غير المدينة بل يوقف عنها حتى يتزوج من المدينة، فسحنون حمل اللفظ على مدلوله لغة من أنَّه تعليق محقق، والمشهور على أن الجملة حملية وهو الأشبه بقصد الحالف. ابن عرفة: وفيها إن قال إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق لزمه الطلاق فيما يتزوج من غيرها. اللخمي عن سحنون:
стр. 4387
ولا يحنث فيما يتزوج من غير الفسطاط ويوقف عنها، كمن قال: إن لم أتزوج من الفسطاط فامرأتي طالق والأول أشبه؛ لأنَّ قصد الحالف في مثل هذا أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق. ابن محرز: أحسب لمحمد مثل ما في المدونة. ابن بشير: هما على الخلاف في الأخذ بالأقل فيكون مستثنيا أو بالأكثر فيكون موليا. ابن الحاجب: بناء على أنَّه بمعنى من غيرها أو تعليق محقق، يريد أن معناه على الأوّل حملية وعلى الثاني شرطية. وتقريرهما مما تقدم من لفظ اللخمي واضح. انتهى من نسخة عتيقة من ابن عرفة. والذي نقله ابن غازي عنه ما نصّه على الخلاف في الأخذ بالأقل فيكون موليا وبالأكثر فيكون مستثنيا لخ عكس ما في الأصل، والظاهر أنَّه تحريف وأن الصواب ما نقلناه. والله أعلم. قاله محمَّد بن الحسن. قال جامعه عفا الله عنه: هذا تحرير لهذه المسألة به يحصل الإقناع ويزول اللبس وينكشف به القناع.
واعتبر في ولايته عليه حال النفوذ الضمير في ولايته عائد على الزوج والمجرور بعلى عائد على المحل وهو العصمة والولاية على المحل ملكه والنفوذ وقوع المعلق عليه وحاله وقت وقوعه، ومعنى كلام المص أنَّه يعتبر في ملك الزوج للعصمة وقت وقوع المعلق عليه، فإن وقع المعلق عليه وهي مملوكة للزوج وقع الطلاق، وإن لم تكن مملوكة له وقت وقوع المعلق عليه لم يقع الطلاق؛ لأنَّ المحل الذي يقع عليه الطلاق لم يكن له إذ ذاك، فإن قلت مقتضى قول المص: واعتبر في ولايته عليه حال النفوذ يخالف ما في المدونة والنوادر أن من قال علي الطلاق أو العتق لا أدخل هذه الدار وليس له حين اليمين زوجة ولا مملوك، ثمَّ لم يدخل الدار حتى تزوج أو ملك فإنَّه لا حنث عليه، وكذا إن قال: إن دخلت الدار فزوجتي طالق أو عبدي حر ولم يكن له يوم علق زوجة ولا مملوك، ثمَّ إنه بعد ما تزوج أو ملك دخل وهذا يفيد أنَّه لا يعتبر حال النفوذ، قلت: مراد المص أنَّه يعتبر حال النفوذ فيمن انعقدت عليه فيه اليمين، وما ذكر لم ينعقد عليه فيه يمين. قاله الشيخ إبراهيم. وما قاله ظاهر، ولهذا لو علق صبي طلاق زوجته على دخول الدار فبلغ فدخلت فلا يلزمه طلاق؛ لأنَّ يمين الصبي غير منعقدة.
стр. 4388
قال الحطاب: ورأيت في بعض التعاليق أن ابن دحون سئل عمن حلف باللازمة أن لا يرد مطلقته، قال: يردها ولا شيء عليه، ونحوه للباجي. انتهى. أي لأنها حين الحلف لم تكن في عصمته، وهذا ظاهر. قاله عبد الباقي. وقال بعض الشراح: الظاهر ضعفه، قال محمَّد بن الحسن: ما قاله هذا البعض هو الظاهر؛ لأنَّ المسألة مثل من قيل له تزوج فلانة، فقال هي طالق. انتهى. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما يفيد تقوية ما لهذا البعض. وأشار إلى فائدة اعتبار حال النفوذ بقوله:
فلو فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم يعني أن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، ثمَّ إنه أبانها بخلع أو طلقها رجعيا وانقضت العدة أو أبتها، ثمَّ إنها فعلت المحلوف عليه بأن دخلت الدار حال بينونتها لم يلزم الطلاق؛ لأنَّ الزوج لا ولاية له على المرأة وقت وقوع المعلق عليه، وكذا لو حلف على فعل نفسه ففعل المحلوف عليه حال بينونتها فلا يلزمه طلاق، ومن حلف لغريمه بالطلاق الثلاث ليأتينه أو ليقضينه وقت كذا فقبل مجيء الوقت طلقها طلاق الخلع لخوفه من مجيء الوقت وهو معدم، أو قصد عدم الذهاب لا يلزمه الثلاث ثمَّ بعد ذلك يعقد عليها بربع دينار برضاها وولي وشاهدين في الصورتين، ويبقى له فيها طلقتان أو طلقة إن كان قد طلقها طلقة واحدة، وهذا أحسن له من أن تطلق عليه ثلاثًا بعدم مجيئه له أو قضائه له وهذا واضح.
ولعبد الباقي أن ما مر من طلاقه عند خوف مجيء الوقت المحلوف على القضاء فيه غير محتاج إليه، لما سيأتي عند قوله: "وهل مطلقا أو إلا في كإن لم أحج وليس وقت سفر تأويلان" من أن من حلف بالطلاق لغريمه ليقضينه حقه إذا جاء رأس الشهر وكان حلفه ذلك لكونه يأتيه عند رأسه دراهم من محلّ ولم تأته وهو معسر فلا حنث عليه؛ لأنه من المانع العادي المتأخر ولم يفرط. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: قوله ثمَّ ما مر من طلاق لخ فيه نظر؛ لأنه إنما ينتفي الحنث بما ذكره إذا حلف مستندا لعادة وما هنا غير مقيد بذلك تأمل، على أن ما ذكره هنا مخالف لما قدمه في اليمين من الحنث بالعادي المتأخر عن اليمين مطلقا، وقت أم لا فرط أم لا، وأن التفصيل خاص بالمانع العقلي كما تقدم في نظم علي الأجهوري:
стр. 4389
وإن أقتت (١) أو كان منه تبادر … فحنثه بالعادي لا غير مطلقا
انتهى. فما ذكره هنا وفي ما يأتي من عدم الحنث غير ظاهر. والله أعلم. انتهى كلام محمَّد بن الحسن بناني.
ولو نكحها ففعلته حنث إن بقي من العصمة المعلق فيها شيء هذا أيضًا من اعتبار حال النفوذ؛ يعني أن الرجل إذا علق طلاق زوجته على فعل منها أو منه ولم يقيده بزمن، كدخول دار مثلا ثمَّ طلقها طلاقا بائنا ثمَّ تزوجها ففعلت المحلوف عليه وهي في عصمته، فإنَّه يحنث ويقع عليه الطلاق بشرط أن يكون قد بقي من العصمة المعلق فيها شيء أي طلقة أو طلقتان، وعند الشافعي لا يحنث مطلقا فإن قيد بزمن ومضى، كقوله إن دخلت الدار غدا فأنت طالق فأبانها ثمَّ أعادها لعصمته فدخلت الدار بعد غد فلا حنث عليه، وكذا لو لم يبنها لكن لم تدخل الدار إلا بعد غد فلا شيء عليه، وبهذا تعلم أن للمسألة صورتين: الأولى فيما لا يمكن تكرره مثل أن يحلف لغريمه بطلاق زوجته البتة ليقضينه إلى أجل سماه فيصالح زوجته قبل الأجل ثمَّ يراجعها بعد مضي الأجل فلا حنث عليه، والثانية أن يكون يمكن تكرره فلا يقع الحنث بما فعلته في حال البينونة ويحنث بما فعلته بعدها، كما لو حلف بطلاقها أن لا تدخل دار فلان فأبانها ثمَّ دخلت ثمَّ راجعها فلا حنث عليه، فإن دخلت الدار مرة ثانية بعد مراجعته حنث، فلو تزوجها مرة ثانية بعد الحنث ثمَّ دخلت لم يتكرر عليه الحنث. ذكر ذلك في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب النكاح وفي ابن عرفة وغيره.
وقال القرافي: وإذا قال إن دخلت الدار فعبد من عبيدي حر أو امرأتي طالق، فخالف ودخل عتق عبد من عبيدة وطلقت امرأته طلقة واحدة، فإن عاد وخالف مقتضى التعليق لم يلزمه عتق عبد آخر ولا طلقة أخرى، ثمَّ قال: ومثل ذلك إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلم زيدا لم يلزمه بهذا الكلام طلاق، فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله تعالى. نقله
стр. 4390
الحطاب. وفيه: وسئل عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت جاريتك على أختك إن لم أضربها مائة، فدخلت ثمَّ ضربها مائة ثمَّ دخلت مرة أخرى، قال: لا شيء عليه إلا أن يكون نوى أن يضربها كلما دخلت، وسئل مالك عن رجل قال لامرأته: أنت طالق إن بت عنك فبات عنها فطلقت منه بواحدة ثمَّ ارتجعها ثمَّ بات عنها بعد ذلك؟ قال: لا شيء عليه إلا الأولى، قال ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصله في المدونة. وفي غير مسألة من العتبية. ومفهوم إن بقى من العصمة المعلق فيها شيء أنَّه لو لم يبق منها شيء لا يحنث إن أعادها لعصمته، كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا إن دخلت الدار أو إن دخلت الدار في هذه السنة فطلقها ثلاثًا ثمَّ تزوجها بعد زوج ثمَّ دخلت الدار فلا حنث، ولو دخلتها قبل مضي السنة.
وتحصل مما مر أنَّه بعد الحنث لا يتكرر عليه الحنث بفعل المحلوف عليه مرة أخرى إلا أن يكون لفظه يقتضي التكرار أو ينوي التكرار، ويختص حنثه بالعصمة المعلق فيها، فإذا قال لزوجته: كلما دخلت الدار فأنت طالق أو نوى ذلك فإنَّه يحنث كلما دخلتها حتى تتم العصمة المعلق فيها، فإذا عادت له بعد زوج بعصمة جديدة لم يقع عليه حنث بدخول الدار وهذا بخلاف التعليق في الأجنبية، فإذا قال لها: كلما تزوجتك فأنت طالق فإنَّه كلما تزوجها تطلق عليه ولا يختص بالعصمة الأولى، والفرق أنَّه في الأولى علق ما يملك من الطلاق حالًا؛ لأنه إذا علق وهو مالك للعصمة انصرف إلى ما في ملكه (١) وهو إنما يملك حالًا الثلاث، وفي الثانية علق ما يملك من الطلاق بتقدير التزويج وهو لا يتقيد بعصمة؛ إذ ليس هنا ما يملك حتى يتصرف لأنَّ الفرض أنها أجنبية. قاله الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: وأما لو حلف ليفعلن هو أو هي كذا فأبانها ففعل هو أو هي حال بينونتها، ثمَّ تزوجها فإنَّه لا يبر بالفعل حال بينونتها وتبقى اليمين إن لم يكن قيدها بأجل وانقضى. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: فيه نظر، بل غير صحيح، والفرق بين الحنث والبر واضح إذ الحنث لكونه موجبا للطلاق شرط فيه ملك العصمة، والبر لكونه مسقطا لليمين لا معنى لاشتراط ملك العصمة فيه بل في أي وقت وقع الفعل الذي حلف ليفعلنه يبر فتأمله. انتهى.
стр. 4391
وفي النكاح الأوّل من المدونة: وإن تزوجها على شرط يلزمه ثمَّ صالحها أو طلقها طلقة وانقضت عدتها ثمَّ تزوجها عاد عليه الشرط في بقية طلاق الملك، وإن شرط في نكاحه الثاني أنَّه (١) إنما نكح على أن لا يلزمه من تلك الشروط شيء لم ينفعه ذلك. نقله الحطاب. قال: وقد سئلت عن رجل زوج ابنته وهي صغيرة من رجل بصداق، فقال له الزوج: أخشى أنها تموت وتطلب أنت مني المهر، فقال أبو الزوجة: زوجته طالق إن طالبتك من صداقها بشيء، ثمَّ إن أبا الزوجة طلق زوجته ثلاثًا ثمَّ تزوجها بعد زوج ثمَّ ماتت البنت، فهل له مطالبته بالصداق، وهل يلزمه الحنث أم لا؟ فأجبت بما صورته لوالد الزوجة المتوفاة مطالبة الزوج ولا حنث عليه؛ لأنَّ هذه عصمة جديدة. والله سبحانه أعلم. انتهى.
فرع: إذا حلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا ثمَّ طلق تلك الزوجة ثمَّ فعل ذلك الفعل فلا حنث عليه من باب أولى. والله أعلم. قاله الحطاب.
وقد مر مسألة مالك: من قال لامرأته أنت طالق إن بت عنك فبات عنها فطلقت منه بواحدة ثمَّ ارتجعها ثمَّ بات عنها بعد ذلك فلا شيء عليه إلا الأولى، قال ابن رشد: وهذه مسألة صحيحة على أصله في المدونة وفي غير مسألة من العتبية حاشى مسألة الوتر. قاله الحطاب. قال: ونص مسألة الوتر من رسم حلف من سماع ابن القاسم من النذور: مسألة: وسئل عن رجل حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار فنام ليلة قبل أن يوتر، أترى عليه في ليلة أخرى إن نامها شيئًا أم قد أجزأ عنه الأمر الأوّل؟ قال ذلك إلى ما نوى وهو أعلم بما أراد به من ذلك، وما رأيت أحدا يفعل هذا الوجه ليس الوتر أعني ولكن ما يوجب على نفسه في غير هذا من هذه الأشياء إلا أن عليه في كل ما فعل ما حلف عليه، وما يريد أحد في مثل هذه الأشياء واحدة إلا أن ينويه، قال ابن رشد: هذه الرواية مخالفة لما في المدونة.
من ذلك مسألة من حلف أن لا يكلم رجلًا عشرة أيام ومخالفة أيضًا لجميع روايات العتبية، من ذلك أول مسألة من سماع أشهب ثمَّ سرد المسائل المتقدم ذكرها، ثمَّ قال: وهذا الاختلاف جار
стр. 4392
على اختلاف الأصوليين في الأمر المقيد بصفة هل يقتضي تكراره بتكرار الصفة أم لا؟ فمسألة الوتر على القول بوجوب تكراره بتكرار الصفة لأنه أوجب عليه صدقة دينار لكل ليلة نام فيها قبل أن يوتر إلا أن ينوي مرة واحدة، قال: وكذلك ما يوجب على نفسه من هذه الأشياء، ومسائل المدونة والعتبية التي ذكرناها على القول بأن الأمر لا يجب تكراره بتكرار الصفة لأنه لم يوجب عليه ما حلف به كلما تكرر الفعل الذي جعله شرطا فيما حلف به إلا أن ينوي ذلك. وبالله التوفيق. انتهى.
كالظهار تشبيه تام يعني أنَّه إذا قال الرجل لزوجته: إن فعلت أنا أوأنت كذا فأنت علي كظهر أمي فأبانها وفعلته حال بينونتها أو فعله هو حال بينونتها لم يلزمه ظهار، فلو تزوجها وفعلته لزمه الظهار إن بقي من العصمة المعلق فيها شيء وإلا فلا. انظر الشبراخيتي. وقال الحطاب: يعني إذا علق الظهار على أمر ففعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزمه شيء، ولو نكحها ففعلت لزمه ما دامت العصمة المعلق فيها، فإن طلقها ثلاثًا ثمَّ تزوجها سقط حكم الظهار المعلق، وأما لو وقع المعلق عليه وهي في عصمته ولزمه الظهار أو ظاهر من غير تعليق ثمَّ طلقها ثلاثًا لم يسقط الطلاق الثلاث الظهار، وسيقول المص: "وسقط إن تعلق ولم يتنجز بالطلاق الثلاث". والله سبحانه أعلم. انتهى.
لا محلوف لها يعني أن المحلوف لها أي التي حلف لها بطلاق من يتزوج عليها، ككل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق أو إن تزوجت عليك فأنت طالق ليس حكمها حكم المحلوف بطلاقها، وهي المشار إليها بقوله: "فلو فعلت المحلوف عليه حال بينونتها" لخ، فإن اليمين في المحلوف لها تلزم فيها أي في العصمة التي علق لها عند ابتدائها، فإذا تزوج مثلا على أن كل من يتزوج عليها طالق ثمَّ طلقها دون الثلاث ثمَّ تزوجها فإن اليمين تعود عليه، وكل من يتزوج عليها تطلق في المثال الأوّل وهي في المثال الثاني، وكذا تعود عليه في غيرها أي في غير العصمة التي حلف لها عند ابتدائها، فلو طلق عمرة المذكورة ثلاثًا ثمَّ تزوجها بعد زوج فإن اليمين تعود عليه، فإذا تزوج عليها تطلق من تزوجها عليها أو هي في المثالين المذكورين، فقد علمت أنَّه لا فرق في لزوم الطلاق له فيمن يتزوجها عليها أو فيها هي بين العصمة التي وقع الحلف عند ابتدائها وغيرها.
стр. 4393
واعلم أن الأقسام ثلاثة: محلوف بها أي بطلاقها وهي التي تقدّمت في قوله: "فلو فعلت المحلوف عليه حال بينونتها لم يلزم"، وصورتها أن يقول لزوجته هي طالق إن دخلت الدار مثلا، والثاني المحلوف لها وهي المشار إليها بقوله: "لا محلوف لها ففيها وغيرها"، والثالث المحلوف عليها ففيها وغيرها أيضًا وما ذكره المص في المحلوف لها، قال الشارح: قاله ابن المواز وغيره وهو مذهب الجمهور. انتهى.
وقال الحطاب: هذا الذي ارتضاه المص وغيره خلاف ما شهره ابن الحاجب في هذه المسألة، وقال ابن غازي: قوله: "لا محلوف لها" يريد أو عليها فإنهما خلاف المحلوف بطلاقها المتقدمة. هذا مقتضى مسألة زينب وعزة من كتاب الإيلاء من المدونة. خلاف ما في كتاب الإيمان بالطلاق منها. انتهى. ومثال المحلوف عليها: إذا قال زينب طالق إن وطئت عزة فعزة محلوف عليها أي على ترك وطئها فتلزمه الأيمان في عزة ما دامت زينب في تلك العصمة، ولو طلق عزة ثلاثًا ثمَّ أعادها لعصمته بعد زوج، وهكذا أبدا يكون موليا في عزة ما بقي شيء من عصمة زينب، وأما لو طلق زينب ثلاثًا ثمَّ تزوجها بعد زوج فإنَّه لا يكون موليا في عزة.
واعترض ابن عبد السلام ما شهره ابن الحاجب قائلا: أنكر ذلك ابن المواز وابن حبيب وغير واحد من المحققين المتأخرين، ورأوا أن هذا الحكم إنما يكون في المحلوف بطلاقها لا في المحلوف لها بالطلاق، ثمَّ استدل بظاهر ما في الإيلاء من المدونة حيث فرق في مسألة زينب وعزة بين المحلوف لها فخصها بالعصمة وبين المحلوف عليها فجعل حكمها مستمرا في العصمة الأولى وغيرها، وسبق ابن عبد السلام إلى هذا عياض فإنَّه قال: اعترض غير واحد هذا، وقالوا: يمينه باقية عليه، وإنما يسقط زوال العصمة ما كان في المعلقة نفسها لا ما كان في سواها وهو نص المدونة؛ يعني في مسألة زينب وعزة، وهذا هو الذي اعتمده المص هنا مخالفا لما لابن الحاجب تبعًا لما في الأيمان من المدونة.
وقال ابن عرفة ما نصّه: تضعيف ابن عبد السلام [رواية المدونة] (١) أي في الأيمان بظاهر ما في الإيلاء منها نقله بعض من تقدمه من الفاسيين، وفرق بين المسألتين بأن الإيلاء مخالف للطلاق؛
стр. 4394
لأنَّ الإيلاء يلزم في الأجنبية ولا يزول بالملك، والطلاق لا يلزم في الأجنبية ويزول بالملك. انتهى. وهذا الفرق ذكره أبو الحسن في كتاب الإيلاء، ونصه الفرق بينهما أنَّه في الإيلاء قصاراه أنها أجنبية والإيلاء في الأجنبية لازم، والضابط أن الملك الذي عقد فيه اليمين إما بالظهار أو بالطلاق أو علق طلاق غيرها بالتزويج عليها متى ما طلقها ثلاثًا ثمَّ تزوجها بعد زوج لا يعود عليه إلا أن يكون ظهارا مجردا، أو بشرط وقد وقع الشرط أو يكون إيلاء فيلزمه كما يلزم في الأجنبية. انتهى.
قال ابن عرفة: ويدل على صحة فرق بعض الفاسيين، وأن المدونة لا خلاف فيها بين الكتابين قول ابن رشد في سماع ابن القاسم: أصل مالك في المدونة أن من شرط لامرأته طلاق الداخلة عليها تنحل عنه اليمين بخروج زوجته عن عصمته بالثلاث، وهو خلاف رواية ابن حبيب ومطرف، وقول ابن الماجشون وابن أبي حازم من أن اليمين لا تنحل عنه لأنَّ الشرط في اليمين في الداخلة وليدى هو فيها. ابن عرفة: فلو كان عنده ما في كتاب الإيلاء خلافا لقال: ومثل قول هؤلاء في كتاب الإيلاء وهوأذكر الناس لمسائل المدونة. انتهى بمعناه.
قال الرماصي: فظهر لك أن لا تخالف في كلام المدونة، وأن مسألة الإيلاء مباينة لمسألة الطلاق، وأن كلام ابن الحاجب صواب. انتهى. قاله محمَّد بن الحسن. وقال: الحق ما لابن الحاجب، وقال الأمير: واختص بالعصمة في محلوف بها ولها على المعتمد، خلافا لما في الأصل. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "ففيها وغيرها": ضعيف والمذهب اختصاصه بالعصمة المعلق فيها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وما مشى عليه المص خلاف المعتمد كما قاله ابن الحاجب ونص عليه في المدونة، والمذهب أن المحلوف لها كالمحلوف بها في الاختصاص بالعصمة الأولى. انتهى.
ولو طلقها ثم تزوج ثم تزوجها طلقت الأجنبية يعني أن الرجل إذا حلف لامرأته عند العقد بطلاق من يتزوج عليها؛ بأن قال: كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، ثمَّ إنه بعد نكاحه للمحلوف لها طلقها أي المحلوف لها بائنا دون الثلاث أو رجعيا وانقضت العدة وتزوج أجنبية، ثمَّ بعد أن تزوج الأجنبية تزوج المحلوف لها التي طلقت قبل تزوج الأجنبية، فإن الأجنبية تطلق عليه أي يلزمه فيها الطلاق، وكذا لو تزوج الأجنبية ابتداء ثمَّ تزوجها فتطلق الأجنبية أيضًا.
ولا حجة له أنه لم يتزوج عليها وإن ادعى نية يعني أنَّه إذا قال كل امرأة أتزوجها على فلانة فالتي أتزوجها طالق، فطلق المحلوف لها بعد أن نكحها فتزوج الأجنبية ثمَّ تزوج المحلوف لها،
стр. 4395
فإن الأجنبية يلزمه فيها التعليق فتطلق عليه كما عرفت، وإن قال إنما تزوجتها على غيرها ولم أنكح غيرها عليها فلا حجة له تعتبر في ذلك وإن ادعى أنَّه قصد أن لا يتزوج عليها وأنه يتزوجها هي على غيرها، ورد المص بقوله: "ولا حجة له أنَّه لم يتزوج عليها" قول أشهب، فإنَّه قال: لا شيء عليه لأنه لم ينكح عليها، وراعى لفظ اليمين، وقوله: "وإن ادعى نية" قال في المدونة: ولا أنويه إن ادعى نية.
لأن قصده أن لا يجمع بينهما يعني أنَّه إنما لم تقبل نيته لأنَّ قصده يحمل على أنَّه لا يجمع بين المرأتين في عصمة، قال فيها: ولا أنويه إن ادعى نية لأنَّ قصده أن لا يجمع بينهما. انتهى. أي يحمل على ذلك، وقال مطرف: إن اشترط عليه ذلك في أصل العقد لزمه ذلك، وإن طاع به فله نيته. وعلم مما قررت أن قوله: "لأنَّ قصده أن لا يجمع بينهما" معناه أنَّه يحمل قصده على أن لا يجمع بينهما.
وهل لأن اليمين على نية المحلوف لها أو قامت عليه بينة يعني أنَّه استشكل قوله في المدونة لأن قصده أن لا يجمع بينهما؛ لأنَّ الحالف يقول نويت أن لا أتزوج عليها، وهو يقول بل قصده أن لا يجمع بينهما، واختلف في الجواب عن ذلك الإشكال فقيل إن معناه أن اليمين على نية المرأة المحلوف لها؛ إذ نيتها أن لا يجمع معها أحدا، وعلى هذا فلا تقبل منه ولو جاء مستفتيا؛ لأنَّ اليمين على نية المحلوف لها، وظاهره كان ذلك مشترطا في صلب العقد أم لا، وقيل إن معناه أنَّه قامت عليه بذلك بينة أي رافعته المرأة فلو جاء مستفتيا لصدق.
وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وبهما يرتفع الإشكال. والله سبحانه أعلم. والتأويل الأوّل لأبي الحسن، والثاني نقله أبو إبراهيم عن ابن رشد، قال ابن عرفة: ولا أذكره الآن لابن رشد قاله محمَّد بن الحسن. وبحث بعضهم في قول صاحب التأويل معناه أنَّه قامت عليه بينة بأن نيته موافقة لظاهر اللفظ، فكان ينبغي أن يقبل قوله ولو مع البينة، وأجيب بأنها وإن وافقت مدلول اللفظ لغة لكن خالفت مدلوله عرفا، كمن حلف لا يطأ أمته، وقال: نويت برجلي فإنها مخالفة مع أنها موافقة للمدلول لغة. انظر الشبراخيتي.
стр. 4396
وفيما عاشت مدة حياتها عطف على قوله: "في المصرية" أعني مدة، وأما رفعه على أنَّه فاعل لزم معطوف على قوله: "ولزم في المصرية" ففيه تكلف؛ لأنَّ اللازم الطلاق في المدة لا نفس المدة انظر الشبراخيتي؛ يعني أن الرجل إذا قال كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق فإنَّه تلزمه اليمين ما عاشت أي ما دامت حية، سواء كانت فلانة التي علق الطلاق بمدة عيشها تحته حين اليمين أم لا، وهذا هو المذهب، وقال أشهب: لا يلزمه حياتها لما فيه من التضييق عليه. قاله في الشامل. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله "وفيما عاشت مدة" لخ: نحوه في الأيمان بالطلاق، وفي حاشية المشدالي في هذه المسألة، قال: قالوا فيمن اشترى طستا وأشهد لامرأته أنها تنتفع به حياتها ثمَّ طلقها، وقال أردت ما بقيت عندي حلف وأخذه.
إلا لنية كونها تحته يعني أن محلّ لزوم اليمين مدة حياة فلانة إنما هو حيث لم تكن فلانة تحته أو تحته، ولم ينو ما دامت فلانة تحتي أو في العصمة، وأما إن قال ذلك وهي تحته وادعى أنَّه نوى ما دامت تحتي أو في العصمة فإنَّه تقبل نيته في الفتوى والقضاء كما مر، وله إذا طلقها ولم ينو ما دامت تحته أن يتزوج غيرها إن خشى العنت وتعذر التسري، وإذا نوى ما دامت تحته وطلقها ثلاثًا فإن أبتها فله تزوج غيرها ولو بعد عودها لعصمته بعد زوج لأنها محلوف لها، وقد مر أنها كالمحلوف بها على مذهب المدونة وتقدم ما فيها من الخلاف، وإن لم ينو ما دامت تحته لزمه الطلاق مطلقا.
وقد مر أن المعتبر حال النفوذ فلذلك قال: ولو علق عبد الثلاث على الدخول فعتق ودخلت لزمت يعني أن العبد سواء كان ذا شائبة أم لا؛ إذا علق الطلاق الثلاث على فعل من زوجته كدخول الدار مثلا فعتق بعد أن علق طلاقها على ذلك ودخلت الدار بعد عتقه، فإنَّه تلزمه الثلاث فلا تحل إلا بعد زوج لأنَّ المعتبر حال النفوذ كما تقدم لا حال التعليق، وعلم مما مر أن اعتبار حال النفوذ إنما يكون حيث كان ينعقد عليه اليمين في ذلك يوم التعليق، احترازا مما لو كان حين التعليق لا زوجة له أو صبيا، وقوله: "فعتق ودخلت" وأما لو دخلت قبل عتقه فإنَّه تلزمه اثنتان ولا تحل له إلا بعد زوج، وقوله: "لزمت" ظاهر فيه اعتبار حال النفوذ إذ ما لزمه الثلاث إلا باعتبار الحرية الموجودة وقت النفوذ، ولو اعتبرت الرقية الموجودة وقت التعليق ما لزمه إلا اثنتان إذ لم يكن يملك سواهما. قاله بناني.
стр. 4397
وقال الحطاب: قال ابن عرفة: المعتبر في قدر الطلاق حال المطلق يوم نفوذه لا يوم عقده. ابن سحنون عن أبيه وأشهب: إن قال عبد: إن فعلت كذا فأنت طالق ففعلته بعد عتقه بقيت له طلقتان. انتهى. وقال ابن عبد السلام: ولو قال العبد أنت طالق إن فعلت كذا ثمَّ عتق ثمَّ حنث فهذا تبقى عنده على طلقتين، وإنما يراعى يوم الحنث كمن قال: إن فعلت كذا فأنت حر ففعله في مرضه فإنما هو في ثلثه. انتهى.
وبما قررت تعلم أن قول ابن عاشر عند قوله: "ولو علق عبد الثلاث" لخ ما نصّه: هذا وإن كان من الفروع المرتبة على اعتبار حال النفوذ إلا أنَّه لا يظهر فيه ذلك في المسألة الثانية وهي قوله: "واثنتين" لخ، وأما قوله: "كما لو طلق واحدة" لخ فليس مما يترتب على اعتبار حالة النفوذ. انتهى. غير بين إذ أثره في الأوّل ظاهر كما قررت إذ ما لزمه الثلاث إلا باعتبار الحرية الموجودة وقت النفوذ، ولو اعتبرت الرقية الموجودة حال التعليق ما لزمه إلا اثنتان كما مر انظر حاشية الشيخ بناني.
واثنتين بقيت واحدة يعني أن العبد إذا قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق اثنتين فعتق بعد ذلك ثمَّ دخلت الدار بعد أن عتق فإنَّه تلزمه اثنتان، وتبقى له فيها طلقة واحدة لأنَّ المعتبر حال النفوذ لا حال التعليق؛ إذ ما بقيت له واحدة إلا باعتبار الحرية الموجودة وقت النفوذ، ولو اعتبرت الرقية الموجودة وقت التعليق لم تحل له إلا بعد زوج؛ لأنَّ طلاق العبد اثنتان وقد وقعتا. والله سبحانه أعلم. وقوله: "واثنتين بقيت واحدة" قال الشبراخيتي: ولو لم يعلم بعتقه قبل دخولها أو اعتقد أنها لا تحل إلا بعد زوج، أو أن جميع طلاقه اثنتان فقط أو ظن أنَّه البتات فلا يضره، وأما لو نوى البتات بقلبه حين الحلف أو لفظ به فإنَّه يلزمه الثلاث. انتهى.
تنبيه: قال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "ولو علق عبد" لخ أنَّه لو تبيّن أنَّه حر بعد ما طلق واحدة فانظر هل هو كذلك نظرا لحال التعليق -يعني تبقى له واحدة- أو تبقى له طلقتان نظرا لما تبيّن؟ وهو الموافق لما إذا طلق حر واحدة ثمَّ استحق برق فإنَّه يبقى له واحدة، ولو طلق اثنتين ثمَّ استحق لم يبق له شيء فقد اعتبر ما تبين. انتهى.
стр. 4398
قوله: فانظر هل هو الخ قال محمَّد بن الحسن: فيه قصور؛ لأنه في الحطاب ونصه: فلو طلق واحدة ثمَّ ثبت أنَّه أوقع هذه الطلقة وهو حر بقي له اثنتان كما قال ابن القاسم، أو طلق تطليقتين ثمَّ ثبت أنَّه أعتق قبل طلاقه فله الرجعة إن لم تنقض العدة. انتهى.
قال الحطاب: وإن انقضت العدة فقد بقيت له فيها طلقة إن تزوجها، وسواء علم أن جميع طلاقه طلقتان أو لم يعلم إذا لم ينو البتات أو يلفظ بالبتة، كمن طلق طلقة وظن أنها تحرم عليه فلا يلزمه إلا واحدة، ولا يلزم ذلك إلا من عرف أن له الرجعة فنوى بها في قلبه البتة، فأما من ظن ذلك فلا يضره، وكذلك الأمة تعتد حيضتين ثمَّ يثبت أنها عتقت قبل ذلك فلتتم عدة الحرة، فإن نكحت قبل ذلك فسخ النكاح وواطئها واطئ في عدة، وسواء ثبتت حريتها بعتق أو بأصل حرية، وكل من فيه بقية رق كالعبد في طلاقه حتى إذا عتق صار كالحر من يومئذ في طلاقه. انتهى. والله أعلم انتهى.
كما لو طلق واحدة ثم عتق تشبيه في أنه تبقى له طلقة، قال جامعه عفا الله عنه: وإنما أتى بالكاف لأنَّ هذا ليس مما يترتب على اعتبار حال النفوذ. والله سب. حانه أعلم. ومعنى كلامه أن العبد إذا طلق زوجته طلقة واحدة ثمَّ إنه عتق بعد الطلاق فإنَّه تبقى له طلقة واحدة، وهذا حيث لم يثبت أنَّه أوقع هذه الطلقة وهو حر، فلو طلقها واحدة ثمَّ ثبت أنَّه أوقع هذه الطلقة وهو حر بقي له اثنتان كما قال ابن القاسم إلى آخر ما مر. والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: كما لو طلق واحدة وهو عبد ثم عتق تبقى له واحدة؛ لأنه كحر طلق نصف طلاقه، وأما لو طلق الطلاق غير مقيد بعدد، كقوله: إن فعلت كذا فأنت طالق ففعلته بعد عتقه بقيت له طلقتان. قاله أشهب.
ولو علق طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موته لم ينفذ يعني أن الزوج الحر المسلم إذا علق طلاق زوجته المسلمة المملوكة لأبيه الحر المسلم على موت أبيه؛ بأن قال: أنت طالق إذا مات أبي أو أنت طالق إن مات أبي، فإن هذا التعليق لم ينفذ بمعنى أنَّه يبطل فلا يلزمه طلاق بموت أبيه ما لم يمت أبوه مرتدا؛ لأنه لا يرث منه حينئذ، وإنما لم يلزمه طلاق فيما إذا لم يرتد أبوه لإرثه
стр. 4399
للأمة، فانعدم العمل الذي هو الزوجة أي انعدمت زوجيتها؛ لأنَّ المعلق والمعلق عليه يقعان معا فلم يجد الطلاق عند موت الأب محلا يقع عليه.
وعلم مما قررت أنَّه إن لم يكن الأب والابن حرين مسلمين بأن كانا عبدين أو كافرين أو أحدهما عبدا أو كافرا وقع الطلاق؛ إذ لا توارث مع اختلاف في الدين أو بالرق والحرية، وسمع عيسى ابن القاسم: من قال أنت طالق بعد موتي أو موتك لا شيء عليه، ولو قال يوم أموت أو يوم تموتين فهي طالق الساعة، ومن قال لزوجته: أنت طالق يوم موت أخي نجز عليه الطلاق. انتهى. وفائدة عدم النفوذ في مسألة المص مع فسخ النكاح أنَّه إن كان المعلق الثلاث فله تزوجها قبل زوج لعدم نفوذه، وكذا إن طلقها بعد إرثه لها لانتفاء الزوجية، وإن كان المعلق واحدة فأعتقها وتزوجها تبقى معه في عصمة كاملة، ولو علقه بموت أبيه مع استغراق الدين لماله فالظاهر أنَّه يلزمه الطلاق بالموت.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولابد من كون صيغة تعليقه: (أنت طالق (١)) يوم موت أبي، ويفيده ظاهر المص وبه جزم المواق ولم يحك خلافه، خلافا لما في أحمد. وأما لو قال أنت طالق إن أو إذا مات أبي فينجز عليه الطلاق، وفي تعليقه ببعد موت أبيه خلاف في تنجيزه وعدمه. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: قول الزرقاني: ولابد من كون صيغة تعليقه أنت طالق يوم موت أبي لخ هذا وإن كان هو الذي (٢) في المواق عن ابن عرفة، لكن لا وجه للتخصيص به فإن ما قرر به أحمد صواب، وبه عبر في التوضيح على أن ما لابن عرفة مشكل؛ لأنَّ الذي يظهر في قوله: أنت طالق يوم موت أبي أنَّه ينجز عليه الطلاق الآن؛ لأنه مستقبل محقق يشبه بلوغهما إليه، بخلاف التعبير بإن أو إذا حيث غلب جانب الشرطية في إذا تأمله.
وانظر ما يأتي عند قوله: "كبعد سنة أو بعد موتي"، وقد قال ابن عرفة فيما يأتي ما نصّه: وسمع عيسى ابن القاسم: من قال أنت طالق بعد موتي أو موتك لا شيء فيه، ولو قال: يوم أموت أو يوم تموتين فهي طالق الساعة، ثمَّ ذكر أن من قال لزوجته أنت طالق يوم موت أخي
стр. 4400
نجز عليه الطلاق، ولم يحك فيه خلافا. والله أعلم. وبه تعلم ما في قوله: "وفي تعليقه ببعد موت أبيه خلاف". فتأمله انتهى.
ولما انهى الكلام على الأركان الثلاثة: الأهل والقصد والمحل، أتبعه بالكلام على الركن الرابع فقال: ولفظه طلقت يعني أن لفظ الطلاق منه طلقت، ولفظ الطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صريح وكناية ظاهرة وكناية خفية، فالصريح هو ما دلّ على معنى لا يحتمل غيره بحيث لا ينصرف عنه بنية صرفه، والكناية الظاهرة قال عبد الباقي: هي ما يحتمل غيره وينصرف لذلك الغير بنية صرفه لأنها استعمال اللفظ في لازم معناه. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: قول الزرقاني في الكناية الظاهرة: وينصرف لذلك الغير بنية لخ هو لفظ ابن عرفة، ثمَّ قال بعده: وخص ابن الحاجب الظاهرة بما لا ينصرف، وجعل بها ينصرف كناية محتملة. انتهى. ولفظ ابن الحاجب: وهي أي الظاهرة كالصريح في أنَّه لا تقبل دعواه في غير الطلاق. انتهى. وهو المطابق لما يأتي من أن الكناية الظاهرة لا تنصرف لغير الطلاق إلا ببساط يدلّ على صدقه، ولا يكفي دعواه النية دونه أي البساط، وحينئذ تستوي الظاهرة مع الصريح. فتأمله. والله أعلم. انتهى.
وقد مر لمحمد بن الحسن عن المسناوي أن القاعدة أن الكناية الظاهرة إنما يلزم بها الحنث إن نوى بها الطلاق أو لم ينو شيئًا، فتصرف للطلاق، وأما إن نوى بها شيئا آخر غير الطلاق فهو صرف اللفظ عن معناه العرفي، فلا يلزم فيه حنث. انتهى. وهو الأوّل. وكناية خفية وهي ما لا ينصرف له إلا بنية صرفه إليه، كاسقني الماء. وجعل ابن القاسم الكناية ظاهرا ومحتملا، ورأى أن اسقني الماء ونحوه لا ينبغي عده في الكناية؛ لأنَّ الكناية استعمال اللفظ في لازمه لكن هذا اصطلاح ولا مناقشة فيه، والصريح ينحصر في أربعة ألفاظ: أولها طلقت بصيغة الرباعي، فإذا قال لها: طلقتك وقع عليها الطلاق.
وثانيها: أنا طالق وسواء في لزوم الطلاق قرنه بمنك أو لا كما أطلقه المص وابن الحاجب. قاله محمَّد بن الحسن. أوأنت طالق قال مني أو لم يقله، وأشار إلى اللفظ الثالث بقوله: أوأنت مطلقة بفتح الطاء وبفتح اللام المشددة، فإذا قال لها أنت مطلقة لزمه الطلاق، وأشار إلى اللفظ الرابع بقوله: أو الطلاق لي لازم يعني أن من ألفاظ الطلاق الصريحة الطلاق لي لازم، فإذا قاله
стр. 4401
لزمه الطلاق، فلفظ الطلاق الصريح منحصر في هذه الألفاظ الأربعة دون غيرها من سائر الألفاظ هذا هو وجه الصواب، وكلام الفقهاء يقتضي أن الصريح ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف، وهو مشكل لشموله لمطلوقة ومطلقة ومنطلقة مع أنها لا يلزم بها الطلاق حيث لم ينو بها الطلاق، ولذا عدل المص عن ضبط الصريح بما ذكر إلى ضبطه بالألفاظ الأربعة؛ لأنَّ العرف نقلها من الخبر إلى الإنشاء، بخلاف منطلقة ومطلوقة ومطلقة بضم الميم وسكون الطاء وفتح اللام فلم ينقلها العرف إلى الإنشاء بل هي باقية على الخبرية، ولذا قال:
لا منطلقة يعني أنَّه إذا قال لها أنت منطلقة أو مطلقة أو مطلوقة لا يلزمه الطلاق إلا أن ينوي الطلاق فيلزمه حينئذ، وإذا قال لها أنت طالقا بالنصب لزمه الطلاق؛ لأنه إن كان جاهلا فواضح، وإن كان عالما فهازل وهزل الطلاق جد، ولو قال لها أنت طالق أن لم أطلقك أو أن طلقتك بفتح الهمزة فيهما فهو للتعليل، فيقع في الحال لما فيه من الهزل إلا إذا لم يعرف اللغة فهو كالتعليق، فيلزمه الطلاق ناجزا في إن لم أطلقك فأنت طالق ولا يلزمه في أنت طالق إن طلقتك حتى يطلقها، ولو قال أنت طال ولم ينطق بالقاف فهو من الكناية الخفية فيلزم فيه الطلاق بشرط النية، ومثله أنت قالق بإبدال الطاء قافا أو بمثناة فوقية حيث لم تكن لغته كذلك.
وتلزمه واحدة يعني أن الرجل إذا نطق لزوجته بواحد من هذه الألفاظ الأربعة المتقدمة -أعني طلقت وطالق ومطلقة والطلاق لي لازم - فإنَّه تلزمه طلقة واحدة، إلا لنية أكثر يعني أن ما مر من لزوم الواحدة في واحد من هذه الألفاظ الأربعة إنما هو حيث لم ينو أكثر من واحدة بأن نوى واحدة أو لا نية له، وأما إن نوى أكثر من واحدة فإنَّه يلزمه ما نوى من اثنتين أو ثلاث. ابن عرفة: إن قال أنت طالق فهو ما نوى فإن لم ينو شيئًا فهي واحدة، وفي حلفه على أنَّه لم يرد أكثر من واحدة نقل اللخمي عن ابن القاسم ورواية المدنيين. ابن بشير: المشهور الأوّل، وهما مبنيان على يمين التهمة. انتهى. وفي الشامل: لا يمين على الأصح قال علي الأجهوري: وهو على عادته من التعبير بالأصح فيما يستفاد من ظاهر المختصر وإن لم يقع فيه تصحيح لمن تقدمه. انتهى.
стр. 4402
وقول الشيخ سالم: ولا يمين عليه عند ابن القاسم، وعند المتيطى يحلف، وشهره ابن بشير خلاف نص ابن عرفة، لكن لابن القاسم قولان. انتهى. قال محمَّد بن الحسن: والظاهر أن محلّ هذا الخلاف في القضاء، وأما في الفتوى فلا يمين. انتهى. وأما لو قال لها أنت الطلاق فهل يحلف ولا يلزمه إلا ما نواه أو تلزمه الثلاث ولا ينوى؟ قولان للمتيطى وأصبغ، وقوله: "وتلزم واحدة إلا لنية أكثر" هذا هو الأظهر، قال ابن عاصم ﵀:
وموقع الطلاق دون نيه … بطلقة يفارق الزوجية
وقيل بل يلزمه أقصاه … والأول الأظهر لا سواه
قال الشيخ ميارة: يعني أن من طلق زوجته ولم ينو واحدة ولا ثلاثًا فقيل تلزمه طلقة واحدة لأنها محققة، وقد حصل بها مسمى الطلاق، وقيل تلزمه الثلاث احتياطا والأول وهو لزوم الواحدة أظهر، والخلاف مبني جارّ على الخلاف في اللفظ المحتمل لأقل ولأكثر إذا لم تصحبه نية هل يحمل على أقل مصدوقاته أو على أكثرها، وفي طرر ابن عات: من قال طلقت امرأتي ولا نية له فقيل إنها واحدة وقيل إنها ثلاث ذكر ذلك ابن رشد في طلاق السنة، وفي ابن سلمون: فإن طلقها ولم تكن له نية ففي ذلك قولان، أحدهما: أنَّه تلزمه طلقة واحدة، والثاني: أنَّه تلزمه الثلاث. ذكر ذلك ابن رشد في طلاق السنة.
وسئل ﵀ في رجل تشاجر مع امرأته فقال لها أنت طالق، ثمَّ أتبعته بالسب وقبيح الكلام فقال لها أنت طالق ثلاثا ولم تكن له نية في شيء من ذلك فأجاب: إذا كان الأمر على ما وصفت فقد بانت منه بثلاث تطليقات ولا سبيل له إليها إلا بعد زوج. انتهى. وهذا بناء على حمل الطلاق الأوّل على الرجعي، فلذلك ألزمه الثلاث التي أوقع عليها بعد ذلك، وقد تلخص من هذا أن من طلق ولا نية له في واحدة ولا في ثلاث -وقلنا تلزمه واحدة- أن تلك الواحدة رجعية يرتدف عليها الطلاق، وكذلك يتحصل من جواب الإمام أبي سعيد بن لب فيمن قال نعم مطلق أنا ثمَّ بعد يومين قال هي طالق وهي عليه حرام، أنَّه إن أراد بقوله مطلق أنا طلقة مملكة
стр. 4403
فلا يرتدف عليها ما ذكره من التحريم، فإن أراد مراجعتها حلف أنَّه قصد الطلقة المملكة، وإن أراد بها طلقة رجعية أو لم يرد رجعية ولا مملكة، وإنما نوى الطلاق دون صفته فإنَّه يرتدف عليه التحريم الذي ذكره بعد ذلك، وإن كان قصد بالتحريم تفسير الطلاق الذي أوقعه أو لا فقد لزمه حكمه، والتحريم إذا لزم فهو الثلاث.
قال الشارح ما معناه: وعلى لزوم الواحدة لمن لا نية له، فهل تكون رجعية يرتدف عليها التحريم أو بائنا؟ قال: وهو الأظهر في هذا الزمان لعدم معرفة الناس بالرجعي، فلا يرتدف التحريم. انتهى. قوله: الطلقة المملكة يعني المشار إليها بقول الناظم:
وفي المملك الخلاف والقضا … بطلقة بائنة في المرتضى
وقد مر الخلاف في المملك هل هو طلاق الخلع، أو معناه طلقة تملكين بها نفسك؟ قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم.
تنبيهان: الأوّل: قال الشبراخيتي وألفاظ الطلاق تنقسم إلى خمسة أقسام: ما تلزم فيه طلقة فقط إلا لنية أكثر، وما يلزم فيه ثلاث ولا ينوى مطلقا، وما يلزم به ثلاث وينوى في غير المدخول بها فقط، وما يلزم به ثلاث وينوى في مدخول بها وغيرها، وقسم ينوى فيه وفي عدده. والمص تكلم على الجميع على الترتيب لكن مع تخلل بعض مسائل بين الأقسام، فأشار إلى القسم الأوّل بقوله: "ولفظه طلقت" إلى قوله: "إلا لنية أكثر"، وأشار إلى الثاني بقوله: "والثلاث في بتة وحبلك على غاربك"، وإلى الثالث بقوله: "والثلاث في كالميتة" إلى قوله: "إن دلّ بساط عليه"، وإلى الرابع بقوله: "وثلاث في خليت سبيلك"، وإلى الخامس بقوله: "ونوي فيه وفي عدده في اذهبي وانصرفي"، إلى قوله: "أو لست لي بامرأة". وذكر ابن الحاجب لألفاظ الطلاق أربعة عشر لفظا، وذكر لكل واحد وجهًا وهي ترجع إلى هذه الأقسام الخمسة. انتهى.
الثاني: قال ابن الحاجب: اللفظ صريح وكناية وغيرهما، الصريح ما فيه صيغة الطلاق مثل أنت طالق وأنا طالق فلا يفتقر إلى نية، وفيها لو قال أنت طالق وقال أردت من وثاق طلقت ولو جاء
стр. 4404
مستفتيا ولا بينة، ولا تنفع النية في ذلك إلا أن يكون جوابا وهي واحدة إلا أن ينوي بها أكثر. انتهى. قال في التوضيح: يعني أن قوله: أنت طالق ونحوه صالح للواحدة وللاثنتين وللثلاث لكنه محمول على الواحدة إلا أن ينوي أكثر من اثنتين أو ثلاث. المتيطى: ويحلف في قوله أنت طالق، وقال أصبغ: هي الثلاث ولا ينوى. انتهى.
قال ابن الحاجب: والكناية قسمان: ظاهر ومحتمل، فالظاهر ما هو في العرف طلاق مثل: سرحتك وفارقتك وأنت حرام وبتة وبتلة وخلية وبرية وبائن وحبلك على غاربك وكالميتة والدم وكلحم الخنزير ووهبتك ورددتك إلى أهلك، وهي كالصريح في أنَّه لا يقبل دعواه في غير الطلاق. انتهى. قال في التوضيح: ذكر أربعة عشر لفظا وبعضها أبين في التحريم من بعض، وقد ذكر في المدونة أكثر الصيغ التي ذكرها إلا أنَّه لم يجمعها (١) كما فعل المص بل (٢) متفرقة، وظاهر المدونة يدلّ على أن بعضها مخالف للبعض الآخر في الأحكام، لكن حمل المص على ذكرها جملةً الاختصار، ففيها: إن قال أنت حرام فهي ثلاث في المدخول بها ولا ينوى وله نيته في التي لم يدخل بها، وفيها: إن قال بنتِ مني أو بنت أوأنت خلية، وقال لم أرد بذلك طلاقا فإن تقدم كلام يكون هذا جوابه يدلّ على أنَّه لم يرد به الطلاق صدق، وإلا فقد بانت منه إذا كان كلاما مبتدأ، ثمَّ قال: وفي عد المص فارقتك مع هذه الكنايات الظاهرة نظر سيأتي التنبيه عليه، ورواه ابن القاسم عن مالك فيما إذا قال لأهلها شأنكم بها، وقال نويت الطلاق أنها واحدة إلا أن ينوي أكثر من ذلك في غير المدخول بها، وأما المدخول بها فإنها ثلاث ولا نية، كما لو قال: وهبتكم إياها. انتهى. قال ابن الحاجب: والمحتملة مثل اذهبي وانصرفي واعتدي واغربي وأنت حرة ومعتقة والحقي بأهلك أو لست لي بامرأة أو لا نكاح بيني وبينك، فتقبل دعواه في نفيه وعدده. انتهى. وسيأتي كلامه عن القسم الثالث إن شاء الله تعالى ولابن عاصم ﵀:
ويلزم الطلاق بالتصريح … وبالكناية على الصحيح
стр. 4405
كاعتدي تشبيه في لزوم الواحدة؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته اعتدي لزمه الطلاق، ويسأل عن نيته كم نوى أواحدة أو أكثر؟ فإن نوى شيئًا لزمه وإن لم ينو شيئًا لزمه واحدة، ولو كررها لزمه الطلاق بعدد ما قال منها إلا أن ينوي واحدة، ويحلف في هذه كذا يظهر. قاله عبد الباقي. ولو قال أنت طالق اعتدي فواحدة فقط إن نوى إخبارها أي إعلامها بلزوم العدة لها وإلا فاثنتان كما إذا عطفها بالواو ولا ينوى حينئذ، وإنما نوي في الأولى لأنه مرتب على الطلاق كترتب (١) جواب الشرط على الشرط والعطف بالواو ينافي ذلك، وينبغي أن ثمَّ كالواو وإن عطفه بالفاء لزمته واحدة. قال الإمام الحطاب: العدة مصدر عددت الشيء أعده، ويشير بهذا الكلام لقوله في المدونة: وإن قال لها كلاما مبتدأً اعتدي لزمه الطلاق وسئل عن نيته كم نوى أواحدة أو أكثر؟ فإن لم تكن له نية فهي واحدة، وهذا هو الذي أشار إليه المؤلف بقوله: كاعتدي يعني أنَّه كما تلزم واحدة إلا لنية أكثر في مطلقة وطالق كذلك في اعتدي، ثمَّ قال في المدونة: فإن لم يرد به الطلاق وكان جوابا لكلام كدراهم تعدها ونحو ذلك فلا شيء عليه، وإن قال لها: اعتدي اعتدي اعتدي، أو قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق نسقا إلا أن ينوي واحدة بنى بها أم لا، وإن قال: أنت طالق اعتدي لزمه طلقتان إلا أن ينوي إعلامها أن عليها العدة فتلزمه واحدة. انتهى.
قال أبو الحسن: قال ابن القاسم في المجموعة: إذا قال أنت طالق واعتدي فهي طلقتان ولا ينوى، وإن قال أنت طالق اعتدي لزمه طلقتان إلا أن ينوي واحدة، وقال قبله: وروي عن الحسن فيمن قال لزوجته أنت طالق فاعتدي لزمته واحدة. ابن يونس: وما قاله صواب. انتهى. بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى. والله أعلم. انتهى. وبهذا تعلم أن قول الشبراخيتي: وينبغي أن قوله أنت طالق فاعتدي كطالق اعتدي، ونحوه لعبد الباقي فيه قصور. والله سبحانه أعلم.
وصدق في نفيه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته اعتدي وأنت طالق وادعى أنَّه لم يرد به الطلاق فإنَّه يصدق بيمين في نفي إرادة الطلاق إن قامت قرينة على ذلك؛ بأن دلّ بساط على إرادة العد في مسألة اعتدي كما لو كانت بين يديها دراهم تعدها أو نحو ذلك، وقال لها اعتدي فإنَّه لا
стр. 4406
يلزمه طلاق ويحلف على نفيه، أو دل بساط على إرادة إطلاقها من الوثاق مثلا في مسألة أنت طالق ونحوها، بأن كَانَتْ مُوَثَقَة بقيد أو كتاف وَقَالَتْ له أَطْلِقْنِي فقال لها أنت طالق، وادعى أنَّه أراد من الوثاق فيصدق بلا خلاف، ويصدق ولو في القضاء بيمين، وليس هذا مكررا مع ما يأتي لأنَّ ذلك في الكناية الظاهرة وهذا في صريح الطلاق، وقوله: "أو كانت موثقة" عطف على قوله: "إن دل بساط".
وإن لم تسأله أن يطلقها بل قال لها ذلك ابتداء وهي موثقة، فقد اختلف في ذلك على قولين: قال مطرف: يصدق، وقال أشهب: لا يصدق، واختلف الشيوخ في فهم المدونة، فمنهم من حملها على قول مطرف، ومنهم من حملها على قول أشهب، وإلى اختلاف الشيوخ في فهم المدونة أشار بقوله: تأويلان أي في ذلك تأويلان، وفي كتاب الشيخ الأمير ما يفيد اعتماد تأويل التصديق.
وعلم مما قررت أن محلّ التأويلين حيث كانت موثقة ولم تسأله.
والحاصل أن المسألة على ثلاثة أقسام: إن كانت موثقة وسألته، بأن قالت له: أطلقني، فقال لها أنت طالق دين بلا خلاف، وإن لم تسأله وهي موثقة فهي محلّ الخلاف وإن لم تكن موثقة لم يدين بلا خلاف؟ ومحل التأويلين في القضاء والفتوى، وقيل محلهما في القضاء لا في الفتوى فيصدق قولًا واحدا، وقوله: "وصدق في نفيه" أشار إلى أن اللزوم في الصريح وما ألحق به محله إذا لم يكن بساط يدلّ على نفي إرادة الطلاق، فإن كان بساط قبل ذلك منه وإنما كان البساط هنا مخصصا بخلاف النية؛ لأنَّ البساط ظاهر لا خفاء فيه، بخلاف النية فإنها خفية.
فرع: من قال: غدا أطلق زوجتي فجاء غد ولم يطلق فلا شيء عليه. البرزلي: هو بين على أن الوعد لا يقضى به في العطيات، وعلى أنَّه يقضى به ففيه نظر هنا. قاله الحطاب.
وأشار إلى الكناية الظاهرة مبتدئا بذكر صيغتين تلزم فيهما ثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى فيهما فقال: والثلاث في بتة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت بتة فإنَّه تلزمه ثلاث ولا ينوى دخل أم لا من البت وهو القطع، فكأن الزوج قطع العصمة التي بينه وبين زوجته ولم يبق بيده منها شيئا.
стр. 4407
وحبلك على غاربك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: حبلك على غاربك تلزمه ثلاث، ولا ينوى دخل أم لا، والغارب في الأصل كتف الدابة أو ما انحدر من أسفل سنام البعير، فالحبل كناية عن العصمة التي بيد الزوج وكونه على كتفها كناية عن ملكها لها بالطلاق. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: الحبل كناية عن العصمة والملك الذي بيد الزوج، فإذا قال: حبلك على غاربك فقد أقر بخروجه من يده، وهو يقتضي أن لا رجعة له فيها وذلك لا يكون إلا بالثلاث أو بئاخرها، والغارب أسفل السنام من العنق، وقد كانوا إذا أرادوا أن تنتهي الدابة في الرعى ألقوا حبلها خلى غاربها. انتهى. وهاتان مسألتان تلزم فيهما الثلاث في المدخول بها وغيرها، ولا ينوى في المدخول بها ولا في غيرها بهذا قرر المص غير واحد.
وقوله: "وحبلك على غاربك" في المدونة: إن قال حبلك على غاربك فهي ثلاث ولا ينوى. اللخمي: ومقتضى قوله في حبلك على غاربك أنَّه لا ينوى قبل الدخول ولا بعده، والذي قال في الموازية وغيرها أنَّه ينوى في حبلك على غاربك فيما دون الثلاث في غير المدخول بها ويحلف. قاله في التوضيح. وقال محمَّد بن الحسن: في المدونة ثلاث أي في حبلك على غاربك ولا ينوى، قال اللخمي: وهذا يقتضي أنَّه لا ينوى قبل ولا بعد. انتهى. نقله ابن غازي. وإياه اعتمد المص وبه يرد بحث المواق. انتهى.
أو واحدة بائنة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق واحدة بائنة فإنَّه تلزمه ثلاث، أو نواها بخليت سبيلك يعني أن الزوج إذا نوى الواحدة البائنة بأي لفظ كان فإنَّه تلزمه ثلاث طلقات، كقوله لها: "خليت سبيلك" ونوى بذلك الواحدة البائنة، وكقوله لها اجلسي أو ادخلي أو اشربي أو اخرجي أو كلي أو نحو ذلك، ونوى بما صدر منه الواحدة البائنة، ومقتضى كلام المص أنَّه تلزمه الثلاث في مسألتي اللفظ بالواحدة البائنة ونيتها بأي لفظ كان، ولا ينوى دخل أم لا وليس كذلك، بل ينوى في غير المدخول بها أي أنَّه يلزمه فيها واحدة إلا أن ينوي أكثر، ففي المدونة: وإن قال لها بعد البناء أنت طالق واحدة بائنة فهي ثلاث فخصه بما بعد البناء، ولعل المص إنما
стр. 4408
ترك هذا القيد لوضوحه، وذلك أن البينونة بغير عوض بعد الدخول إنما هي بالثلاث، أما قبل الدخول أو قارنت عوضا فواضح. قاله الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: وهذه الثلاث مسائل يعني مسألة واحدة بائنة ومسألة نيتها بخليت سبيلك ومسألة نيتها بادخلي ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها إلا أن ينوي أكثر كما يفيده الشيخ سالم وهو المعتمد، وقول التتائي: إن ما قرر به الشارح واحدة من لزوم الثلاث مذهب المدونة والرسالة فيه نظر إن لم يكن لها نص غير الذي ذكره في كبيره عنها من لزوم الثلاث في التي بنى بها فقط، وليس في الرسالة مسألة واحدة بائنة وإنما لزمه ثلاث لأجل لفظ بائنة مع قطع النظر عن واحدة احتياطا للفروج أو واحدة صفة لمرة أو دفعة لا لطلقة. انتهى.
وقوله: "أو واحدة بائنة" يصح نصبه؛ أي قال لها أنت طالق واحدة بائنة ورفعه؛ أي أو طلاقي لك واحدة بائنة. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي عند قوله "أو واحدة بائنة": لأنَّ واحدة صفة لمرة أو دفعة لا لطلقة. انتهى. وقال الأمير: ومعنى واحدة دفعة واحدة بقرينة البينونة في غير المخالعة. انتهى. واقتصر المص على قوله: "ادخلي" دون ما ذكرت معه لأنه أخفها فغيره أحرى. قاله الشبراخيتي. ولو نوى الواحدة البائنة بقوله أنت طالق لكان الحكم فيها كما في خليت سبيلك، كما يدلّ عليه قوله: "إلا لنية أكثر". انظر حسن نتائج الفكر.
والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها يعني أن الزوج تلزمه ثلاث تطليقات في كل واحد من هذه الألفاظ الثمانية، سواء كانت مدخولا بها أم لا، ولا ينوى في المدخول بها، وأما في غير المدخول بها فينوى في دعواه إرادة أقل من ثلاث، أحدها قوله أنت كالميتة، ومثله قوله أنت علي كلحم الخنزير، وثانيها قوله لها أنت علي كالدم، وثالثها قوله: وهبتك نفسك أو طلاقك أو لأبيك، أو قال لأهلها وهبتها لكم، ورابعها أشار إليه بقوله: أو رددتك أي وكذا الحكم لو قال لها رددتك لأهلك، وخامسها أشار إليه بقوله: أو أنت حرام، وسواء قال علي أو لم يقل، وكذا الحكم لو قال: أنا منك حرام، وسادسها أشار إليه بقوله: أو ما أنقلب إليه من أهل حرام، وكذا الحكم لو أسقط لفظ من أهل وإنما يفترقان في المحاشاة فيعمل بها حيث لم يذكر الأهل ولا يعمل بها حيث ذكره، وسواء علق أو لم يعلق، ولزمت الثلاث هنا في غير المدخول بها إلا أن ينوي
стр. 4409
أقل ولم تلزم في غير المدخول بها في واحدة بائنة وفيما إذا نواها بخليت سبيلك ونحوه؛ لأن المتبادر في هذا الثلاث بخلاف ما مر من الواحدة البائنة، ونحوها ولو كانت حين الحلف غير مدخول بها وحين النفوذ مدخولا بها فإنه ينوى، وسابعها أشار إليه بقوله: أو أنت خلية، وثامنها أشار إليه بقوله: أو أنت بائنة.
واعلم أن الصور ثلاث: أن ينوي ثلاثا أو أقل أو لا نية له فتلزم الثلاث في المدخول بها في الألفاظ الثمانية في الصور الثلاث، وتلزم في اثنتين منها في غير المدخول بها وهما: ما إذا لم ينو شيئا وما إذا نوى ثلاثا، وأما إن نوى أقل فتقبل نيته فيها في الألفاظ الثمانية، ومثل قوله أنت خلية أو بائنة أنت برية مني أوأنا منك خلي أو بري أو بائن منك فتلزم الثلاث في المدخول بها ولا ينوى فيها، وتلزمه الثلاث أيضا في غير المدخول بها لكن ينوى، والفرق بين المدخول بها وغيرها أن غير المدخول بها تبين بالواحدة، فإن كان طلاقه خلعا استوت المدخول بها وغيرها في قبول نية الواحدة، قال المواق: وبهذا كان يفتي أشياخنا وأشياخهم، وقد نص ابن بشير على هذا المعنى فانظره، واعلم أن هذه الألفاظ من خلية وبرية وحبلك على غاربك ورددتك تتبع العرف، فإذا لم يجر العرف بأنها يطلق بها تكون من الكناية الخفية.
والحاصل أنها لا تكون طلاقا إلا لمن يعرف أنها طلاق ولا خصوصية للطلاق بهذا، بل جميع الأحكام المبنية على العرف كذلك كالأيمان والوصايا والنذور والأوقاف، وأما الأحكام غير المبنية على العرف فإنها يعتبر فيها النص، والأقسام أربعة جرى العرف بالطلاق بها، بقصد وبدونه يقع الطلاق ودين في نفيه إن دل بساط عليه، لم يجر العرف بالطلاق بها يقع الطلاق مع القصد لا بدونه. والله تعالى أعلم.
وقد مر أنه لو كانت حين الحلف غير مدخول بها وحين النفوذ مدخولا بها أنه ينوى، قال عبد الباقي: ففي الشامل: الأحسن تنويته نظرا لحال اليمين ولا يعتبر حال النفوذ، قلت؛ ولعل الفرق بين ما هنا وبين قوله: "واعتبر في ولايته عليه حال النفوذ" أنه هنا اتفقت الحالتان على وقوع الطلاق بخلاف ما مر زاد غيره، كما لو كان حين اليمين بصفة من لا يلزمه لذهاب عقل أو
стр. 4410
غيره، ويوم الحنث بصفة من يلزمه فلا شيء عليه وبالعكس تلزمه، قال بعض الشراح ما معناه: قوله: وبالعكس تلزمه لعله فيمن حلف على فعل غيره، كإن فعل زيد كذا فزوجتي طالق ثم فعله زيد حال جنون الحالف؛ إذ لو حلف على فعل نفسه وهو عاقل ثم فعله وهو مجنون فلا شيء عليه كما في المدونة.
فرع: من قال لزوجة من زوجتيه أو أكثر ما أنقلب إليه من أهل حرام إن لم أضربك في هذا اليوم ولم يفعل: فهل يقع عليه الطلاق فيمن علق الطلاق على ضربها أيضا؟ وهو قول أصبغ. أو إنما يقع في غيرها لأنه لما أخرجها عن اليمين حين أوقع يمينه عليها أي جعلها معلقا عليها علمنا أنه لم يردها بالتحريم، وإنما أراد غيرها وهو قول ابن القاسم، وكذا يجري القولان فيمن قال لعبده: إن ضربتك فعبيدي أحرار. قاله التتائي. ويظهر من تعليله جريان الخلاف المذكور ولو أتى بلفظ أهل وهذا حيث كان له زوجة غيرها كما يفيده كلامه وإلا لزمه الطلاق فيها قطعا ويجري مثله في مسألة العبد. انتهى.
وقوله: "والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها في كالميتة" لخ: قال في المدونة: قال مالك: وإن قال لها أنت علي كالدم أو كالميتة أو كلحم الخنزير فهي ثلاث، وإن لم ينو به الطلاق. انتهى. ابن يونس عن ابن المواز: هذا بعد البناء، وأما قبله فإن قال أردت واحدة فله نيته ويحلف، وإن لم تكن له نية فالثلاث. انتهى. وقال أبو الحسن: له نيته ولم يذكر اليمين، ثم قال في المدونة: وإن قال أنت برية أو خلية أو بائنة قال مني أو أنا منك أو لم يقل أو وهبتك أو رددتك إلى أهلك، قال عبد العزيز: أو إلى أبيك فذلك في المدخول بها ثلاث ولا ينوى فيما دونها قبل الموهوبة أهلها أو ردوها، وله نيته في ذلك كله إذا لم يدخل بها في واحدة فأكثر منها، وإن لم تكن له نية فذلك ثلاث. انتهى. قاله الحطاب.
وقال في المنتقى: فإذا قلنا ينوى في غير المدخول بها ولا ينوى في المدخول بها، فلو حلف قبل البناء وحنث بعده ففي كتاب ابن سحنون عن أبيه فيمن حلف بالحلال عليه حرام قبل البناء وحنث بعده وقامت بينة بالحنث بعد البناء: لا ينوى لأنه يوم الحنث ممن لا ينوى، ووجه ذلك أن اليمين إنما تنعقد ويقع الطلاق بها يوم الحنث، فيجب أن يراعى صفة ما يلزمه من الطلاق
стр. 4411
ذلك اليوم، قال ابن سحنون: وقد قال بعض أصحابنا إلا أن تعلم ذلك منه البينة قبل البناء فلا يلزمه إلا طلقة وله الرجعة، ووجهه أن الاعتبار باليمين يوم أوقعها لا يوم الحنث، بدليل أنه إن كان يوم اليمين بصفة من لا تلزمه اليمين لم تلزمه يمينه، ولو كان يوم الحنث بصفة من لا تلزمه الأيمان لذهاب عقل أو غيره لزمته اليمين. انتهى.
وقال في الشامل: ولو حلف قبل البناء بحرام أو خلية أو برية ثم حنث بعده فالأحسن تنويته. انتهى. قاله الحطاب. قوله: ولو كان يوم الحنث بصفة من لا تلزمه الأيمان لخ قد مر قول بعضهم: لعل معناه فيمن حلف على فعل غيره، كإن فعل زيد كذا فزوجتي طالق ففعله زيد حال جنون الحالف؛ إذ لو حلف على نفسه وهو عاقل ثم فعله وهو مجنون فلا شيء عليه كما في المدونة. والله سبحانه أعلم.
وحلف عند إرادذ النكاح يعني أن الزوج إذا أوقع على زوجته واحدة من الألفاظ المتقدمة في قوله: "والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها في كالميتة والدم" لخ، وكانت غير مدخول بها وادعى أنه نوى واحدة أو اثنتين فإنه ينوى في ذلك كما عرفت، ولا يمين عليه إن لم يرد تزويجها، فإن أراده فإنه يحلف عند إرادة نكاحها قبل زوج لا بعده، وصورة يمينه أن يحلف أنه لم يرد بما صدر منه إلا طلقة واحدة أو اثنتين، فإن نكل لزمه الثلاث. قاله الشيخ إبراهيم. وإنما لم يحلف قبل إرادة النكاح لعله لا يتزوجها، وعبر بالنكاح دون الارتجاع لأن هذا طلاق بائن لا رجعة فيه؛ وأما المدخول بها فلا يحلف لأنها تطلق عليه ثلاثا في جميع الألفاظ المتقدمة، ولا ينوى فلا فائدة في حلفه. ومن قال لمملوكة: إن تزوجتك فأنت طالق فاشتراها فلا شيء عليه، وكذلك من قال: إن اشتريتك فأنت حرة فتزوجها فلا شيء عليه، ومن قال لامرأته أنت حرة لا يكون طلاقا إلا أن يريد بذلك الطلاق، وإذا قال لأمته أنت طالق لا تكون حرة إلا أن يريد بذلك الحرية، وإذا قال لامرأته أنت حرة منِّي (١) ففي الثمانية أنها طالق البتة وإن لم ينو الطلاق، ولابن شهاب أنه يحلف ما أراد الطلاق ولا يلزمه.
стр. 4412
ودين في نفيه إن دل بساط عليه راجع لقوله: "في كالميتة والدم" لخ، وهذا في الكناية الظاهرة فليس مكررا مع قوله: "أو كانت موثقة" يعني أن الزوج إذا أوقع على زوجته شيئا من هذه الألفاظ أعني: قوله "كالميتة" إلى هنا وادعى أنه أراد به غير الطلاق فإنه يدين أي يوكل في ذلك إلى دينه وأمانته بشرط أن يدل بساط على ما قال من إرادة نفي الطلاق، والبساط: القرينة، ويصدق في القضاء بيمين وفي الفتوى بغير يمين، مثال ذلك ما لو تقدم كلام بغير الطلاق يكون هذا جوابه، قال في المدونة: وإن قال لها أنا خلي أو بري أو بائن أو بات، قال منك أو لم يقل أو قال أنت خلية أو برية أو بائنة أو باتة، قال مني أو لم يقل إلا أنه قال في هذا كله لم أرد طلاقا، فإن تقدم كلام من غير طلاق يكون هذا جوابه فلا شيء عليه ويدين وإلا لزمه ذلك ولا تنفعه نيته. انتهى.
وقال في رسم باع غلاما من كتاب الإيلاء: فإن جاء مستفتيا لم يلزمه طلاق ولا يمين، وان خاصمته امرأته وأثبتت عليه أنه قال لها ذلك في العتاب استظهر عليه باليمين، ولو قال لها (١) ذلك في غير عتاب لبانت منه امرأته بثلاث. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: ودين في نفيه أي نفي إرادة الطلاق من أصله إن دل بساط عليه أي على النفي، وهو راجع لقوله: "في كالميتة" الخ، كأن يقول أردت بقولي كالميتة أي في كثرة النوم إذا كانت تنام كثيرا أو في الرائحة مثلا وكالدم في الاستقذار إذا كانت رائحتها قذرة أو كريهة وخلية من الأزواج إذا كانت لا تمتثل أمره أو لا تقوم بحقه الواجب عليها له، فكأنها لا زوج لها، وكأن يقول أردت بقولي خلية أي من الخير أو المعروف؛ وذلك بأن قامت قرينة على ما قاله وكأن يقول أردت بقولي: بائنة منفصلة، وبقولي أنا بائن منفصل إذا كان بينهما فرجة أي أنت منفصلة عني وأنا منفصل عنك، وقال في الشرح: ظاهر كلام المص عمومه في جميع هذه الألفاظ الذكورة، وإنما ذكره في المدونة في لفظ خلية وبرية وبائنة، وانظر من ذكره في الباقي. انتهى. ونحوه لعبد الباقي وعزا التنظير لأحمد بابا.
стр. 4413
فرع: لو قال لمن طلقها هو أو غيره يا مطلقة وزعم أنه لم يرد طلاقا، وإنما ذكر ما كان أو أكثرت مراجعته على غير شيء، فقال لها يا مطلقة أي شبهها في البذاء وطول اللسان صدق في ذلك كله. قاله عبد الباقي. قوله: "والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها" إلى آخره، ويجري ذلك أيضا في قوله: على الحرام أو لا نكاح بيننا أو لا ملك أو لا سبيل لي عليك. وحلف إن أراد النكاح.
وثلاث في لا عصمة لي عليك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: لا عصمة لي عليك فإنه يلزمه ثلاث في المدخول بها وغيرها، ولا ينوى في المدخول بها وينوى في غيرها، أو اشترتها منه يعني أن الزوجة إذا اشترت العصمة من الزوج فإنه يلزمه الثلاث دخل أم لا، فإذا قالت بعني عصمتك علي أو اشتريت منك ملكك علي أو طلاقك ففعل لزمه الثلاث، وإن قالت بعني طلاقي ففعل لزمه واحدة تملك بها نفسها؛ لأنها في المسائل الثلاث الأول اشترت كل ما بيد الزوج، وفي كتاب الأمير ما ظاهره يخالف هذا، فإنه قال: وإن اشترت العصمة فثلاث والطلاق فواحدة، ولو قالت بعني الطلاق فالظاهر لزوم الثلاث، ويبقى النظر في بعني عصمتي هل هو بمنزلة طلاقي أو عصمتك.
وقوله: إلا لفداء مستثنى من قوله لا عصمة لي عليك، فلو قدمه على قوله: أو اشترتها كان أولى؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته لا عصمة لي عليك في مقابلة عوض أي مال تدفعه له، فإن ذلك يكون طلقة واحدة تملك بها أمر نفسها؛ لأن هذا مخالعة إلا أن يريد الثلاث. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.
وثلاث إلا أن ينوي أقل مطلقا في خليت سبيلك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: خليت سبيلك فإنه تلزمه ثلاث تطليقات، سواء كانت مدخولا بها أم لا حيث لم ينو أقل من ثلاث، بأن نوى واحدة أو اثنتين، وأما إن نوى واحدة أو اثنتين فإنه تقبل نيته مطلقا أي سواء كانت مدخولا بها أم لا، وفهم من المص كغيره أنه إذا قال لم أرد طلاقا تلزمه الثلاث، وهذا غير ما تقدم من قوله أو نواها بخليت سبيلك لأنه نوى بها الواحدة البائنة فيما تقدم وما هنا ليس كذلك.
стр. 4414
وواحدة في فارقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته فارقتك فإنه بمنزلة ما إذا قال لها أنت طالق، فتلزمه واحدة إلا لنية أكثر دخل أم لا إلا لبساط على عدمه، ولالك وابن القاسم وابن عبد الحكم واحدة في التي لم يبن بها، وثلاث في التي بنى بها وإن قال لم أرد طلاقا فهو أشد وهو البتة. قاله التتائي. وقوله: ولمالك الخ أي في ما حكاه محمد كما في الشارح: ولذا لم يذكره المص، واقتصر على الواحدة لأن ما لمالك ومن تبعه في غير المدونة، وقوله: وإن قال لم أرد طلاقا لخ خلاف قاعدة الكناية الظاهرة فلعله ضعيف. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: فيه نظر بل ليس بخلاف؛ لأن قاعدة الكناية الظاهرة اللزوم، وإن لم ينو شيئا، وقال الشارح: واحدة في فارقتك يريد إلا أن ينوي أكثر، وقد ورد هذا اللفظ في المدونة ولم يبين فيه الجواب، وقال أبو الحسن الصغير: يلزم به واحدة كما قال هنا، وحكى محمد عن مالك أنه ثلاث في المدخول بها إن لم تكن له نية، وواحدة في غيرها إلا أن ينوي أكثر، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم ابن القاسم، وإن قال: لم أرد طلاقا فهو أشد وهو البتة: وعن مالك أيضا إن نوى شيئا وإلا فقد بانت منه انتهى.
وقال الشبراخيتي: وتلزم واحدة في فارقتك إلا أن ينوي أكثر في فارقتك؛ سواء دخل بها أم لا وتكون رجعية في المدخول بها؛ لأن الفراق والطلاق واحد كما قال اللخمي، وحقه أن يصله بقوله: طلقت لخ.
ولما عد ابن الحاجب الكناية الظاهرة وعد لها أربعة عشر لفظا وقد قدمتها وهي: سرحتك وفارقتك وأنت حرام وبتة وبتلة وخلية وبرية وبائن وحبلك علي غاربك وكالميتة وكالدم وكلحم الخنزير ووهبتك ورددتك إلى أهلك، قال: وكذا اختلف المذهب في الكناية الظاهرة، فجاء ثلاث فيهما ولا ينوى، وجاء وينوى، وجاء وينوى في غير المدخول بها وهو المشهور، وجاء واحدة بائنة فيهما، وجاء واحدة رجعية في المدخول بها، وجاء ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها. انتهى. لما أراد أن يذكر وجه الأقوال أفردها وهي راجعة إلى ثلاثة أقوال: الأول أنها الثلاث واختلف على هذا القول هل هي ثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى أو ثلاث وينوى فيهما أو ثلاثا وينوى في غير المدخول بها فقط، والثاني أنها طلقة واختلف عليه فقيل بائنة وقيل رجعية: والثالث أنها ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها فتلك أقوال ستة، انظر التوضيح.
стр. 4415
وقوله: فيهما أي في المدخول بها وغيرها، وفي بعض النسخ فيها فيعود الضمير على الكناية الظاهرة، ثم أخذ ابن الحاجب يوجه الأقوال الأول فالأول، فقال: فالأول رأى دلالتها على الثلاث نصا عرفا، قال في التوضيح: أي القائل بأنه الثلاث فيهما ولا ينوى رأى هذه الكنايات نصا من حيث العرف على الثلاث، قال ابن الحاجب: والثاني رآها ظاهرا أي رآها تدل على الثلاث فلذلك تحمل عليه عند عدم النية، ثم إنه إنما ينوى على هذا القول إن لم تكن له نية على ما تقدم في الأيمان إذا خالفت النية ظاهر اللفظ. قاله في التوضيح. يشير إلى أن نيته إنما هي في الفتوى فقط. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
قال ابن الحاجب: والثالث للعدد ظاهرا وللبينونة نصا؛ يعني فلما كانت نصا في البينونة لزم أن لا ينوى في المدخول بها لأنها لا تبين منه إلا بالثلاث، ولا كانت للعدد ظاهرا لزم أن ينوى في غير المدخول بها لكونها تبين بالواحدة. قاله في التوضيح. قال ابن الحاجب: والرابع رآها للبينونة خاصة ورأى البينونة بواحدة، قال في التوضيح: وهو يأتي على صحة الطلاق البائن من غير عوض، قال ابن الحاجب: والخامس رآها لمجرد الطلاق ظاهرا (١) أي فتكون رجعية في المدخول بها. قاله في التوضيح.
وقوله: ظاهرا أي لاحتمال الراجح فيها هو دلالتها على الطلاق. قاله جامعه عفا الله عنه والله أعلم. قال ابن الحاجب: والسادس رآها للبينونة أي رأى أن البينونة لا تدخل في المدخول بها إلا بخلع أو الثلاث ولا عوض فتتعين الثلاث. قاله في التوضيح. قال ابن الحاجب: وكلها غير الأول جاءت في الحلال علي حرام وجاء الأول وغيره في غيره مفرقا؛ أي وكل هذه الأقوال الستة إلا الأول جاءت في قول القائل الحلال علي حرام، وجاء القول الأول وغيره في غير الحلال عليه حرام مفرقا، أشار إلى أن جميع هذه الأقوال لم تأت في صيغة واحدة، (٢) وإنما جاء منها في البعض ما لم يأت في بعضها، وبالعكس فيتخرج من كل واحدة ما جاء في الأخرى، ولا يقال قول المص غير الأول ليس بصحيح لما قاله ابن الماجشون في البسوطء فيمن قال لزوجته: أنت حرام يلزمه ثلاث قبل المدخول وبعده ولا ينوى؛ لأن المص لم يقل، وكلها جاءت غير الأول في أنت حرام.