ذلك اليوم، قال ابن سحنون: وقد قال بعض أصحابنا إلا أن تعلم ذلك منه البينة قبل البناء فلا يلزمه إلا طلقة وله الرجعة، ووجهه أن الاعتبار باليمين يوم أوقعها لا يوم الحنث، بدليل أنه إن كان يوم اليمين بصفة من لا تلزمه اليمين لم تلزمه يمينه، ولو كان يوم الحنث بصفة من لا تلزمه الأيمان لذهاب عقل أو غيره لزمته اليمين. انتهى.
وقال في الشامل: ولو حلف قبل البناء بحرام أو خلية أو برية ثم حنث بعده فالأحسن تنويته. انتهى. قاله الحطاب. قوله: ولو كان يوم الحنث بصفة من لا تلزمه الأيمان لخ قد مر قول بعضهم: لعل معناه فيمن حلف على فعل غيره، كإن فعل زيد كذا فزوجتي طالق ففعله زيد حال جنون الحالف؛ إذ لو حلف على نفسه وهو عاقل ثم فعله وهو مجنون فلا شيء عليه كما في المدونة. والله سبحانه أعلم.
وحلف عند إرادذ النكاح يعني أن الزوج إذا أوقع على زوجته واحدة من الألفاظ المتقدمة في قوله: "والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها في كالميتة والدم" لخ، وكانت غير مدخول بها وادعى أنه نوى واحدة أو اثنتين فإنه ينوى في ذلك كما عرفت، ولا يمين عليه إن لم يرد تزويجها، فإن أراده فإنه يحلف عند إرادة نكاحها قبل زوج لا بعده، وصورة يمينه أن يحلف أنه لم يرد بما صدر منه إلا طلقة واحدة أو اثنتين، فإن نكل لزمه الثلاث. قاله الشيخ إبراهيم. وإنما لم يحلف قبل إرادة النكاح لعله لا يتزوجها، وعبر بالنكاح دون الارتجاع لأن هذا طلاق بائن لا رجعة فيه؛ وأما المدخول بها فلا يحلف لأنها تطلق عليه ثلاثا في جميع الألفاظ المتقدمة، ولا ينوى فلا فائدة في حلفه. ومن قال لمملوكة: إن تزوجتك فأنت طالق فاشتراها فلا شيء عليه، وكذلك من قال: إن اشتريتك فأنت حرة فتزوجها فلا شيء عليه، ومن قال لامرأته أنت حرة لا يكون طلاقا إلا أن يريد بذلك الطلاق، وإذا قال لأمته أنت طالق لا تكون حرة إلا أن يريد بذلك الحرية، وإذا قال لامرأته أنت حرة منِّي (١) ففي الثمانية أنها طالق البتة وإن لم ينو الطلاق، ولابن شهاب أنه يحلف ما أراد الطلاق ولا يلزمه.
стр. 4412
ودين في نفيه إن دل بساط عليه راجع لقوله: "في كالميتة والدم" لخ، وهذا في الكناية الظاهرة فليس مكررا مع قوله: "أو كانت موثقة" يعني أن الزوج إذا أوقع على زوجته شيئا من هذه الألفاظ أعني: قوله "كالميتة" إلى هنا وادعى أنه أراد به غير الطلاق فإنه يدين أي يوكل في ذلك إلى دينه وأمانته بشرط أن يدل بساط على ما قال من إرادة نفي الطلاق، والبساط: القرينة، ويصدق في القضاء بيمين وفي الفتوى بغير يمين، مثال ذلك ما لو تقدم كلام بغير الطلاق يكون هذا جوابه، قال في المدونة: وإن قال لها أنا خلي أو بري أو بائن أو بات، قال منك أو لم يقل أو قال أنت خلية أو برية أو بائنة أو باتة، قال مني أو لم يقل إلا أنه قال في هذا كله لم أرد طلاقا، فإن تقدم كلام من غير طلاق يكون هذا جوابه فلا شيء عليه ويدين وإلا لزمه ذلك ولا تنفعه نيته. انتهى.
وقال في رسم باع غلاما من كتاب الإيلاء: فإن جاء مستفتيا لم يلزمه طلاق ولا يمين، وان خاصمته امرأته وأثبتت عليه أنه قال لها ذلك في العتاب استظهر عليه باليمين، ولو قال لها (١) ذلك في غير عتاب لبانت منه امرأته بثلاث. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: ودين في نفيه أي نفي إرادة الطلاق من أصله إن دل بساط عليه أي على النفي، وهو راجع لقوله: "في كالميتة" الخ، كأن يقول أردت بقولي كالميتة أي في كثرة النوم إذا كانت تنام كثيرا أو في الرائحة مثلا وكالدم في الاستقذار إذا كانت رائحتها قذرة أو كريهة وخلية من الأزواج إذا كانت لا تمتثل أمره أو لا تقوم بحقه الواجب عليها له، فكأنها لا زوج لها، وكأن يقول أردت بقولي خلية أي من الخير أو المعروف؛ وذلك بأن قامت قرينة على ما قاله وكأن يقول أردت بقولي: بائنة منفصلة، وبقولي أنا بائن منفصل إذا كان بينهما فرجة أي أنت منفصلة عني وأنا منفصل عنك، وقال في الشرح: ظاهر كلام المص عمومه في جميع هذه الألفاظ الذكورة، وإنما ذكره في المدونة في لفظ خلية وبرية وبائنة، وانظر من ذكره في الباقي. انتهى. ونحوه لعبد الباقي وعزا التنظير لأحمد بابا.
стр. 4413
فرع: لو قال لمن طلقها هو أو غيره يا مطلقة وزعم أنه لم يرد طلاقا، وإنما ذكر ما كان أو أكثرت مراجعته على غير شيء، فقال لها يا مطلقة أي شبهها في البذاء وطول اللسان صدق في ذلك كله. قاله عبد الباقي. قوله: "والثلاث إلا أن ينوي أقل إن لم يدخل بها" إلى آخره، ويجري ذلك أيضا في قوله: على الحرام أو لا نكاح بيننا أو لا ملك أو لا سبيل لي عليك. وحلف إن أراد النكاح.
وثلاث في لا عصمة لي عليك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: لا عصمة لي عليك فإنه يلزمه ثلاث في المدخول بها وغيرها، ولا ينوى في المدخول بها وينوى في غيرها، أو اشترتها منه يعني أن الزوجة إذا اشترت العصمة من الزوج فإنه يلزمه الثلاث دخل أم لا، فإذا قالت بعني عصمتك علي أو اشتريت منك ملكك علي أو طلاقك ففعل لزمه الثلاث، وإن قالت بعني طلاقي ففعل لزمه واحدة تملك بها نفسها؛ لأنها في المسائل الثلاث الأول اشترت كل ما بيد الزوج، وفي كتاب الأمير ما ظاهره يخالف هذا، فإنه قال: وإن اشترت العصمة فثلاث والطلاق فواحدة، ولو قالت بعني الطلاق فالظاهر لزوم الثلاث، ويبقى النظر في بعني عصمتي هل هو بمنزلة طلاقي أو عصمتك.
وقوله: إلا لفداء مستثنى من قوله لا عصمة لي عليك، فلو قدمه على قوله: أو اشترتها كان أولى؛ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته لا عصمة لي عليك في مقابلة عوض أي مال تدفعه له، فإن ذلك يكون طلقة واحدة تملك بها أمر نفسها؛ لأن هذا مخالعة إلا أن يريد الثلاث. قاله الشيخ إبراهيم وغيره.
وثلاث إلا أن ينوي أقل مطلقا في خليت سبيلك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: خليت سبيلك فإنه تلزمه ثلاث تطليقات، سواء كانت مدخولا بها أم لا حيث لم ينو أقل من ثلاث، بأن نوى واحدة أو اثنتين، وأما إن نوى واحدة أو اثنتين فإنه تقبل نيته مطلقا أي سواء كانت مدخولا بها أم لا، وفهم من المص كغيره أنه إذا قال لم أرد طلاقا تلزمه الثلاث، وهذا غير ما تقدم من قوله أو نواها بخليت سبيلك لأنه نوى بها الواحدة البائنة فيما تقدم وما هنا ليس كذلك.
стр. 4414
وواحدة في فارقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته فارقتك فإنه بمنزلة ما إذا قال لها أنت طالق، فتلزمه واحدة إلا لنية أكثر دخل أم لا إلا لبساط على عدمه، ولالك وابن القاسم وابن عبد الحكم واحدة في التي لم يبن بها، وثلاث في التي بنى بها وإن قال لم أرد طلاقا فهو أشد وهو البتة. قاله التتائي. وقوله: ولمالك الخ أي في ما حكاه محمد كما في الشارح: ولذا لم يذكره المص، واقتصر على الواحدة لأن ما لمالك ومن تبعه في غير المدونة، وقوله: وإن قال لم أرد طلاقا لخ خلاف قاعدة الكناية الظاهرة فلعله ضعيف. قاله عبد الباقي. قال محمد بن الحسن: فيه نظر بل ليس بخلاف؛ لأن قاعدة الكناية الظاهرة اللزوم، وإن لم ينو شيئا، وقال الشارح: واحدة في فارقتك يريد إلا أن ينوي أكثر، وقد ورد هذا اللفظ في المدونة ولم يبين فيه الجواب، وقال أبو الحسن الصغير: يلزم به واحدة كما قال هنا، وحكى محمد عن مالك أنه ثلاث في المدخول بها إن لم تكن له نية، وواحدة في غيرها إلا أن ينوي أكثر، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم ابن القاسم، وإن قال: لم أرد طلاقا فهو أشد وهو البتة: وعن مالك أيضا إن نوى شيئا وإلا فقد بانت منه انتهى.
وقال الشبراخيتي: وتلزم واحدة في فارقتك إلا أن ينوي أكثر في فارقتك؛ سواء دخل بها أم لا وتكون رجعية في المدخول بها؛ لأن الفراق والطلاق واحد كما قال اللخمي، وحقه أن يصله بقوله: طلقت لخ.
ولما عد ابن الحاجب الكناية الظاهرة وعد لها أربعة عشر لفظا وقد قدمتها وهي: سرحتك وفارقتك وأنت حرام وبتة وبتلة وخلية وبرية وبائن وحبلك علي غاربك وكالميتة وكالدم وكلحم الخنزير ووهبتك ورددتك إلى أهلك، قال: وكذا اختلف المذهب في الكناية الظاهرة، فجاء ثلاث فيهما ولا ينوى، وجاء وينوى، وجاء وينوى في غير المدخول بها وهو المشهور، وجاء واحدة بائنة فيهما، وجاء واحدة رجعية في المدخول بها، وجاء ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها. انتهى. لما أراد أن يذكر وجه الأقوال أفردها وهي راجعة إلى ثلاثة أقوال: الأول أنها الثلاث واختلف على هذا القول هل هي ثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوى أو ثلاث وينوى فيهما أو ثلاثا وينوى في غير المدخول بها فقط، والثاني أنها طلقة واختلف عليه فقيل بائنة وقيل رجعية: والثالث أنها ثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها فتلك أقوال ستة، انظر التوضيح.
стр. 4415
وقوله: فيهما أي في المدخول بها وغيرها، وفي بعض النسخ فيها فيعود الضمير على الكناية الظاهرة، ثم أخذ ابن الحاجب يوجه الأقوال الأول فالأول، فقال: فالأول رأى دلالتها على الثلاث نصا عرفا، قال في التوضيح: أي القائل بأنه الثلاث فيهما ولا ينوى رأى هذه الكنايات نصا من حيث العرف على الثلاث، قال ابن الحاجب: والثاني رآها ظاهرا أي رآها تدل على الثلاث فلذلك تحمل عليه عند عدم النية، ثم إنه إنما ينوى على هذا القول إن لم تكن له نية على ما تقدم في الأيمان إذا خالفت النية ظاهر اللفظ. قاله في التوضيح. يشير إلى أن نيته إنما هي في الفتوى فقط. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
قال ابن الحاجب: والثالث للعدد ظاهرا وللبينونة نصا؛ يعني فلما كانت نصا في البينونة لزم أن لا ينوى في المدخول بها لأنها لا تبين منه إلا بالثلاث، ولا كانت للعدد ظاهرا لزم أن ينوى في غير المدخول بها لكونها تبين بالواحدة. قاله في التوضيح. قال ابن الحاجب: والرابع رآها للبينونة خاصة ورأى البينونة بواحدة، قال في التوضيح: وهو يأتي على صحة الطلاق البائن من غير عوض، قال ابن الحاجب: والخامس رآها لمجرد الطلاق ظاهرا (١) أي فتكون رجعية في المدخول بها. قاله في التوضيح.
وقوله: ظاهرا أي لاحتمال الراجح فيها هو دلالتها على الطلاق. قاله جامعه عفا الله عنه والله أعلم. قال ابن الحاجب: والسادس رآها للبينونة أي رأى أن البينونة لا تدخل في المدخول بها إلا بخلع أو الثلاث ولا عوض فتتعين الثلاث. قاله في التوضيح. قال ابن الحاجب: وكلها غير الأول جاءت في الحلال علي حرام وجاء الأول وغيره في غيره مفرقا؛ أي وكل هذه الأقوال الستة إلا الأول جاءت في قول القائل الحلال علي حرام، وجاء القول الأول وغيره في غير الحلال عليه حرام مفرقا، أشار إلى أن جميع هذه الأقوال لم تأت في صيغة واحدة، (٢) وإنما جاء منها في البعض ما لم يأت في بعضها، وبالعكس فيتخرج من كل واحدة ما جاء في الأخرى، ولا يقال قول المص غير الأول ليس بصحيح لما قاله ابن الماجشون في البسوطء فيمن قال لزوجته: أنت حرام يلزمه ثلاث قبل المدخول وبعده ولا ينوى؛ لأن المص لم يقل، وكلها جاءت غير الأول في أنت حرام.
стр. 4416
وإنما قال: جاءت في الحلال علي حرام نعم نقل المازري الستة في الحلال علي حرام. قاله في التوضيح. وقال: ما ذكره المص -يعني ابن الحاجب أنه المشهور من أنه ينوى في جميع الكنايات في غير المدخول بها- خلاف المدونة والرسالة، فإن فيهما أنه لا ينوى في البتة مطلقا مدخولا بها أم لا، وإنما ينوى فيما عداها من الكنايات، وقد صرح ابن بشير بأن المشهور في البتة أنه لا ينوى في غير المدخول بها، لكن صرح ابن غالب بتشهير ما شهره المص -يعني ابن الحاجب وقال في التوضيح أيضا: ولا شك أن هذه الألفاظ بعضها أقوى من بعض في التحريم؛ فتخريج الثالث أو البينونة من اللفظ الضعيف إلى القوي جيد دون العكس، فينبغي أن تتأمل الأقوال المنصوصة في كل واحد من الألفاظ؛ وينظر ما يصح تخريجه منها وما لا يصح، وهذا يحتاج إلى بسط نبهناك على أوائله. انتهى.
قال ابن الحاجب: وقيل ينوى في غير المدخول بها باتفاق إلا البتة. انتهى. اللخمي: وفي خليت سبيلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه ثلاث في المدخول بها وغيرها إلا أن يقول أردت واحدة فيهما، وإن قال لم أرد طلاقا فهو أشد وهي البتة، وقالَ محمد في قوله خليت سبيلك وسرحتك: سواء وهي واحدة إلا أن يقول فيهما لم أرد طلاقا فيكون له ذلك في سرحتك إذا حلف، ولا يقبل قوله: لم أرد طلاقا في خليت سبيلك، وقال ابن حبيب: [في خليت سبيلك،] (١) وسرحتك وفارقتك هي سواء ثلاث في المدخول بها حتى ينوي أقل فيحلف، فإن لم يدخل فهي واحدة إلا أن ينوي أكثر. ابن بشير: ولا خلاف في أنه ينوى في غير المدخول بها في خليت سبيلك وإنما الخلاف في المدخول بها. قاله في التوضيح.
قال: واعلم أنهم فرقوا بين قوله [خلية] (٢) وخليت سبيلك وخليتك، فخلية من الكنايات الظاهرة كما تقدم وفي خليت سبيلك ما ذكرناه، وأما خليتك فنص ابن المواز على قبول قوله فيها أنه لم يرد طلاقا بخلاف خليت سبيلك؛ لأن استعمال هذه اللفظة في غير الطلاق أكثر من خليت سبيلك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: هذا خلاف عرفنا اليوم، فإن خليت قلما تنصرف لغير الطلاق فهي في عرفنا كالصريح أو قريبة منه. والله سبحانه أعلم. وقد مر قول
стр. 4417
التوضيح: روى ابن القاسم عن مالك فيما إذا قال لأهلها شأنكم بها، وقال نويت الطلاق أنها واحدة إلا أن ينوي أكثر من ذلك في غير المدخول بها، وأما المدخول بها فإنها ثلاث ولا نية كما لو قال: وهبتكم إياها.
ونوي فيه وفي عدده مي أن الزوج إذا صدر منه شيء من هذه الألفاظ الثمانية الآتية وقال لم أرد به طلاقا فإنه ينوى في ذلك ولا يلزمه شيء، وكذا إن لم تكن له نية فقوله: "ونوي فيه" يريد في نفيه أي يقبل منه عدم إرادته وذلك صادق بنية عدمه وعدم نية شيء. قاله محمد بن الحسن. وإذا نوى الطلاق فإنه ينوى في عدده، فإن قال نويت الطلاق ولم أنو عددا فالبتات مدخولا بها أم لا هذا قول أصبغ، واعترضه ابن عرفة وأفتى بواحدة إلى أن مات، والظاهر أنها رجعية في المدخول بها بائنة في غيرها. قاله عبد الباقي. وفي حاشية محمد بن الحسن أن ما لأصبغ خلاف المشهور.
واعلم أنه إذا ادعى أنه لم يرد طلاقا في هذه الألفاظ فإنه يحلف أنه لم يرد طلاقا، وكذا يحلف في كل ما ينوى فيه أنه لم يرد طلاقا، وانظر هل يحلف في دعواه عددا دون الثلاث أم لا؟ وأشار لأول الألفاظ الثمانية بقوله: في اذهبي أي في قوله لامرأته اذهبي، وقوله في اذهبي متعلق بقوله: "نوي"، وأشار إلى الثاني بقوله: وانصرفي، وللثالث بقوله: أو لم أتزوجك، وللرابع بقوله: أو قال له رجل ألك امرأة؟ فقال: لا، وللخامس بقوله: أو أنت حرة ولم يقل مني وإلا لزمه الثلاث على ما في الثمانية، ولا شيء عليه على ما لابن شهاب في المدونة، ويحلف ما أراد طلاقا. ذكرهما ابن رشد. نقله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: وظاهر قوله: "حرة" أنه لا فرق بين أن يطلق أو يقيد بقوله مني، وحمله بعضهم على ما إذا أطلق فإن قيد لزمه الثلاث، فإنه قال: قوله: "أو أنت حرة" أي حيث لم يقل مني، وأما إن قال حرة مني، فقال ابن رشد: واختلف إذا قال لامرأته أنت حرة مني ففي الثمانية أنها طالق البتة وإن لم ينو الطلاق، وفي التخيير منها لابن شهاب أنه يحلف أنه ما أراد الطلاق ولا يلزمه. انتهى. وتقرير المتن على إطلاقه يدل على أن كلام ابن شهاب هو المذهب. انتهى.
стр. 4418
أو معتقة هذا هو السادس من الألفاظ الثمانية؛ أي أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت معتقة فإنه ينوى في الطلاق وقي عدده كما مر، وينبغي أن يكون قوله: أنت معتقة مني مثل قوله: أنت حرة مني فيجري فيه ما جرى فيه. قاله الشيخ إبراهيم.
وأشار إلى السابع بقوله: أو الحقي بأهلك قوله: "أو الحقي" بفتح الحاء، وللثامن بقوله: أو لست لي بامرأة، وحاصل هذه الألفاظ الثمانية كما مر أنه إذا لم ينو بها الطلاق بأن نوى عدمه أو لم ينو شيئا لم يلزمه شيء، وإن نوى الطلاق نوي في عدده، فإن لم ينو عددا لزمته واحدة على المشهور، والثلاث عند أصبغ، واستثنى المص من ذلك ما إذا علق في قوله: لست لي بامرأة؛ فقال: إلا أن يعلق في الأخير أي في قوله: لست لي بامرأة، فإن علق فيه بأن قال لست لي بامرأة إن دخلت الدار أو ما أنت لي بامرأة إن دخلت الدار ووقع المعلق عليه فالثلاث إلا أن ينوي غيرها، فإن نوى غير الثلاث فإن نوى أقل لزمه وإن نوى غير الطلاق لم يلزمه شيء ويحلف في القضاء دون الفتوى.
فالحاصل أنه إن علق في الأخير ووقع المعلق عليه، فإن لم ينو شيئا أو نوى الطلاق ولم ينو واحدة ولا أكثر فالبتات، وإن نوى أقل لزمه وإن نوى غير الطلاق صدق بيمين في القضاء ويصدق بدون يمين في الفتوى، فمحل الفرق بين حالة التعليق وغيرها حيث لم ينو شيئا، فإذا لم ينو شيئا في حالة التعليق لزمه البتات، وإن لم ينو شيئا في حالة عدم التعليق لم يلزمه طلاق خلاف ما لعبد الباقي.
وفي الشبراخيتي بعد كلام: والحاصل أنه جرى في تعليق لست لي بامرأة حيث حنث أربع مقالات: أحدها ما يفيده ما ذكره ابن محرز من أنه يلزمه واحدة إلا لنية أكثر ولا يعمل بدعواه عدم إرادته به الطلاق؛ الثانية ما يفيده كلام النوادر على ما فهم ابن عرفة من أنه إذا نوى به الطلاق ولم ينو واحدة ولا أكثر أو لم ينو شيئا لزمه وإن نوى به غير الطلاق فإنه ينوى في الفتوى بلا يمين وفي القضاء بيمين؛ والثالثة ما ذكره ابن عرفة عن ابن رشد أيضا أنه إذا لم يرد الطلاق فلا شيء عليه وهذا صادق بما إذا نوى به غير الطلاق أو لا نية له: وأما إذا نوى به الطلاق فقيل يلزمه الثلاث احتياطا وقيل يلزمه الثلاث بالحكم وقيل يلزمه واحدة، والرابعة ما يفيده قول ابن عرفة أنه إن قلنا إن مدلول لست لي بامرأة معلقة أشد من مدلولها غير معلقة لزمه الثلاث إن
стр. 4419
نوى الطلاق وواحدة إن لم ينوه، وإن قلنا إن مدلولها معلقة كمدلولها غير معلقة أو أخف لم يلزمه شيء.
وفي التوضيح: ما ذكرناه في لست لي بامرأة خاص بما إذا لم يكن معلقا، وأما المعلق كقوله إن دخلت الدار فلست لي بامرأة فالصحيح أنه يلزم به الطلاق؛ لأنه يصح حمل كلامه عند عدم التعليق على الكذب لظهور ذلك فيه، ولا يصح ذلك مع التعليق وبذلك أفتى ابن أبي زيد، ولا يفرق هكذا في لا عصمة لي عليك بين المعلق وغيره كما ظنه ابن بشير.
وإن قال لا نكاح بيني وبينك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: لا نكاح بيني وبينك وادعى أنه لم يرد به الطلاق، فإن قامت قرينة على ما ادعى بأن قال لها ذلك عتابا لها أي قاله في مقابلة شيء تقدم على ذلك لم يلزمه شيء، وإن لم تقم قرينة على ذلك بأن قال لها ذلك ابتداء فإنه يلزمه البتات كما لو لم تكن له نية، وإن نوى به الطلاق وادعى أنه نوى به طلقة أو طلقتين لم يصدق في المدخول بها، ويصدق في غيرها أي تلزمه ثلاث في المدخول بها وغيرها في جميع الوجوه إلا أن ينوي أقل في غير المدخول بها وإلا أن تقوم قرينة على عدم إرادة الطلاق.
أو لا ملك لي عليك عطف على قوله: "لا نكاح بيني وبينك" يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: لا ملك لي عليك وادعى أنه لم يرد به الطلاق، فإن قامت قرينة على ما ادعى بأن قال لها ذلك عتابا لها؛ أي قاله لها في مقابلة شيء تقدم على ذلك لم يلزمه شيء، وإن لم تقم قرينة على ذلك بأن قال لها ذلك ابتداء فإنه يلزمه البتات كما لو لم تكن له نية؛ وإن نوى به الطلاق فالبتات، ولا فرق بين المدخول بها وغيرها في ذلك، إلا أنه إذا ادعى أنه نوى به أقل من ثلاث بأن نوى واحدة أو اثنتين، فإنه يقبل منه ذلك في غير المدخول بها، ولا ينوى في المدخول بها. والله سبحانه أعلم.
أو لا سبيل لي عليك عطف على قوله: "لا نكاح بيني وبينك" يعني أن الزوج إذا قال لزوجته لا سبيل لي عليك وادعى أنه لم يرد به الطلاق؛ بأن قال لها ذلك عتابا لها فلا شيء عليه، وإن قاله لها ابتداء فالبتات كما لو لم تكن له نية، فإن نوى به الطلاق فالبتات ولا فرق بين المدخول
стр. 4420
بها وغيرها في ذلك كله إلا أن ينوي أقل من ثلاث، فينوى في غير المدخول بها دون المدخول بها.
وبما قررت علم أن قوله: فلا شيء عليه جواب الشرط؛ أعني قوله: "وإن قال لا نكاح" فهو راجع للمسائل الثلاث، ومعنى لا شيء عليه لا طلاق عليه لا واحدة ولا أكثر، ومحل كونه لا شيء عليه في المسائل كما قررت، إن كان قوله ذلك لها عتابا أي على جهة العقاب لها بأن تقدم كلام يدل علي ذلك: وإلا يكن قوله ذلك عتابا، بل قال لها ذلك ابتداء فـ هو بتات في المدخول بها وينوى في غيرها، والحاصل أن هذه الألفاظ الثلاثة أعني قوله: "لا نكاح بيني وبينك"؛ وقوله: "أو لا ملك لي عليك"، وقوله: "أو لا سبيل لي عليك" بمنزلة قوله: "كالميتة والدم" الخ فتلزم فيها الثلاث في المدخول بها ولا ينوى وتلزم الثلاث أيضا في غير المدخول بها إلا أن ينوي أقل وحلف عند إرادة النكاح، ويصدق في نفي الطلاق إن دل بساط عليه، فحق هذه الألفاظ الثلاثة أن يأتي بها عقب قوله: "أو خلية أو بائنة" كما فعل الأمير. والله سبحانه أعلم. قال الشبراخيتي: وظاهر ما ذكره الحطاب أنه يلزمه البتات في المدخول بها وغيرها وهو موافق لظاهر كلام المص. انتهى.
وهل تحرم بوجهي من وجهك حرام؟ يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: وجهي من وجهك حرام، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك فقيل إنها تحرم ولا تحل إلا بعد زوج وهو لسماع عيسى، وقيل لا شيء عليه وهو لمحمد بن عبد الحكم، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده بعض الناس في قولهم عيني من عينك حرام، ووجهي من وجهك حرام يريد بذلك البغض والمباعدة، والراجح لزوم الطلاق؛ لأن ابن رشد حكى الاتفاق على اللزوم وذلك أدل دليل على شذوذ مقابله، ولا ينوى في المدخول بها في القضاء وينوى فيها إن جاء مستفتيا، وظاهر المدونة وغيرها أنه لا ينوى في المدخول بها وإن جاء مستفتيا، وأما غير المدخول بها فينوى فيها في الفتوى والقضاء، قال الشبراخيتي: فكان اللائق بالص أن يجزم بما حكى عليه ابن رشد الاتفاق. انتهى. وفي التوضيح: في اللخمي وغيره أنه اختلف إذا قال: وجهي من وجهك حرام، فقال ابن القاسم في العتبية: تحرم عليه زوجته، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه، وذهب في ذلك إلى ما اعتاده لخ.
стр. 4421
أو على وجهك حرام يعني أن الزوج إذا قال لزوجته وجهي على وجهك حرام بجر وجهك بعلى الجارة، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك، فقيل إنها تحرم ولا تحل إلا بعد زوج. قاله اللخمي. وقبله ابن راشد القفصي وابن عبد السلام، وقيل لا شيء عليه. نقله في توضيحه عن اللخمي. ابن غازي: وهو وهم. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: ثم ما ذكره المص في هذه اعترضه ابن غازي بأنه ليس فيها قولان، وإنما فيها لزوم الطلاق ورده الشيخ سالم وردَّ عليُّ الأجهوريُّ عليه، وارتضى ما لابن غازي، وينبغي أن يفصل في النية كالتي قبلها على ما ذكرنا. انتهى. وهو قوله في التي قبلها فالراجح لزوم الطلاق في هذه لكن في المدخول بها ينوى في عدده في الفتوى فقط وفي غيرها في الفتوى والقضاء. انتهى.
وقد مر أن قوله: على حرفُ جر جارة لوجهك، وأما لو قال علي بشد الياء وجهك حرام فمطلق جزء للفظ حرام فتلزمه الثلاث وينوى في غير المدخول بها. قاله غير واحد. قال الحطاب: تقريره كما قال ابن غازي: وجهي من وجهك حرام، فقوله: على وجهك جار ومجرور متعلق بحرام، وقد رأيتها في بعض النسخ بتشديد ياء علي فيكون وحده جارا ومجرورا، ورفع وجهك على أنه مبتدأ خبره قوله: "حرام" وهو خطأ من الناسخ لأنه يصير حينئذ محرما لجزء منها.
أو ما أعيش فيه حرام يعني أن الزوج إذا قال ما أعيش فيه حرام، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك فقيل إن الزوجة تحرم ولا تحل إلا بعد زوج وهو للسليمانية، وقيل إنه لا شيء عليه ونقله اللخمي عن محمد وهذان القولان في هذا الفرع: أعني قوله: "ما أعيش فيه حرام" نص عبد الباقي على أنهما متساويان، وقال الأمير: استظهر أنه لا شيء عليه. انتهى.
وبما قررت علم أن قوله: أو لا شيء عليه أي لا طلاق عليه، قسيم لتحرم من قوله: "وهل تحرم بوجهي" لخ أي وهل تحرم الزوجة ولا تحل إلا بعد زوج بقول الرجل لها ذلك في المسائل الثلاث، أو لا شيء عليه أي لا طلاق عليه لا واحدة ولا أكثر، في ذلك قولان في كل من الفروع الثلاثة، ووجه عدم اللزوم في الفرع الثالث أن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل في ذلك بمجرد اللفظ إلا أن ينويها فتلزمه. ابن عرفة: وقيل لا شيء عليه وإن أدخلها في يمينه، ثم شبه بقوله: "لا شيء عليه" فروعا أربعة، فقال:
стр. 4422
كقوله لها يا حرام أن يعني أن الزوج إذا قال لزوجته يا حرام فإنه لا شيء عليه. قاله ابن عبد الحكم. أو الحلال حرام يعني أن الزوج إذا قال لزوجته الحلال حرام فإن زوجته لا تحرم عليه بذلك أي لا شيء عليه فيها، قال عبد الباقي: ولم يقل علي في الصورتين يعني في قوله لها "يا حرام" وقوله: "أو الحلال حرام" فإن قال: علي، دخلت الزوجة إن لم يحاشها كما في التتائي أي فثلاث في المدخول بها إلا أن ينوي أقل وواحدة في غيرها إلا أن ينوي أكثر. انتهى.
قوله: "أي فثلاث في المدخول بها إلا أن ينوي أقل وواحدة" لخ قال محمد بن الحسن: فيه نظر، بل هذا خلاف المشهور، ونص ابن عرفة عن المازري في مسألة القائل الحلال علي حرام، أقوال الأول المشهور أنها ثلاث وينوى في غير المدخول بها في أقل بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث وتبين قبله بواحدة، وكونها في العدد غالبا في الثلاث ونادرا في أقل منها، فحملت قبل المدخول على الثلاث، ونوي في أقل. انتهى. وقوله: أقوال يعني الأقوال الستة المتقدمة في كلام ابن الحاجب. والله سبحانه أعلم.
ويتحصل من كلامهم أنه إذا قال: الحلال علي حرام، دخلت الزوجة إن لم يحاشها، فإن حاشاها لم تدخل، وإذا دخلت لعدم المحاشاة ففيها ستة أقوال: خمسة منصوصة وواحد مخرج، والمشهور ثلاث في المدخول بها وغيرها، وينوى في غير المدخول بها لا في المدخول بها. والله سبحانه أعلم.
أو حرام علي يعني أن الزوج إذا قال حرام علي أو علي حرام بالتنكير فيهما، ولم يقل أنت فيهما فإنه لا شيء عليه، ولو قال أنت فيهما طلقت عليه فيهما أي يلزمه ثلاث في المدخول بها وغيرها، وينوى في غير المدخول بها وكذا لو حلف بقوله علي الحرام وحنث فثلاث في المدخول بها وغيرها وينوى في غير المدخول بها والفرق بين التنكير حيث لم يقل أنت في الصورتين فلا يلزمه شيء دون علي الحرام بالتعريف، فيلزم تخصيص العرف بالمعرف في حل العصمة، وأما في المنكر فإخبار بأن عليه شيء (١) محرم من لباس مثلا، فإذا قال أنت فقد حرمت، وقال الشبراخيتي: والفرق بين علي حرام وعلي الحرام كالفرق بين أنت طالق وأنت منطلقة، فإن الأول مستعمل في حل العصمة عرفا، والثاني لم يستعمله العرف في ذلك. انتهى.
стр. 4423
وفي الأيمان والنذور من المدونة: ومن قال علي حرام إن فعلت كذا لا يكون الحرام يمينا في شيء لا طعام ولا شراب ولا في أم ولدن إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق.
أو جميع ما أملك حرام ولم يرد إدخالها يعني أن الرجل إذا قال جميع ما أملك حرام، قال: علي أو لم يقل ولم يرد إدخال زوجته في ذلك القول بأن نوى إخراجها أو لم تكن له نية في الإدخال والإخراج، فإنه لا شيء عليه أي لا طلاق يلزمه لا واحدة ولا أكثر؛ لأن الزوجة لا تملك وإنما تملك الأموال والإماء، ومفهوم قوله: "ولم يرد إدخالها" أنه لو أدخلها في قوله ذلك بنية لدخلت ولزمه فيها ثلاث مدخولا بها أم لا، وينوى في غير المدخول بها، ومثل جميع ما أملك ما إذا قال: الحلال علي حرام من جميع ما أملك. قاله الشيخ إبراهيم.
ابن العربي: ويلزمه إذا قال ما أنقلب إليه حرام ما يلزمه في قوله الحلال عليه حرام وهو الطلاق إلا أن يحاشيها، وقاله اللخمي وزاد: إلا أن يقول ما أنقلب إليه من أهلي حرام فإنه لا يصدق حينئذ في المحاشاة. قاله في التوضيح. قال: واختلف إذا قال ما أنقلب إليه حرام إن كنت لي امرأة أو (١) إن لم أضربك، فقال ابن القاسم: لا يحنث في زوجته لأنه أخرجها من يمينه، وكذلك إذا قال إن لم أبعك اليوم فرقيقي أحرار فإنه يحنث في رقيقه ولا يحنث في الزوجة، وقال أصبغ: لا يحنث في العبد والزوجة. انتهى.
وقوله: قولان راجع لما قبل الكاف أي في كل من الفروع الثلاثة قولان.
تنبيه: اعلم أن المشهور في قول الرجل لامرأته أنت علي حرام لزوم الثلاث، وينوى في غير المدخول بها، وقيل إنه لغو وهو لأبي سلمة والشعبى ومسروق، وقال الأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة: إنه إن لم ينو شيئا فهي يمين يكفرها، وحكى ابن خويزمداد عن مالك أنها واحدة بائنة وإن كانت مدخولا بها، وعن ابن القاسم: من قال لامرأته أنت علي حرام إن أراد إني أوذيك وأستحل منك ما لا ينبغى فلا شيء عليه، وإلا بانت. ابن رشد: إنما ينوى إن جاء مستفتيا، ومذهب ربيعة في الحلال علي حرام أن الزوجة خارجة حتى يدخلها بنية، ومن الفتاوي الباطلة الفتوى بلزوم ثلاث كفارة: (٢) اليمين بالله في الأيمان اللازمة أو جميع الأيمان
стр. 4424
اعتمادا على فتوى بعض الأئمة المتقدمين وهذا لا يصح؛ لأن المتعارف عند السلف في اليمين اليمين الشرعية، ومما لا يحل ولا يجوز بإجماع أخذ الجعائل على الفتوى في رد المطلقة ثلاثا، ونحوها من الرخص كما يفعله كثير من جهلة فقهاء البادية. انظر نور البصر.
وإن قال أنت سائبة مني أو قال: أنت عتيقة، أو قال: ليس بيني وبينك حلال ولا حرام حلف علي نفيه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته واحدا من هذه الألفاظ الثلاثة، وقال لم أرد بذلك طلاقا دخل بها أم لا فإنه يحلف في القضاء على أنه ما أراد بما صدر منه طلاقا ولا شيء عليه، فقوله: "حلف على نفيه" جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الثلاث، ومعنى حلف على نفيه: حلف على نفي إرادة الطلاق.
فإن لكل نوي في عدده؛ يعني أن الزوج إذا صدر منه واحد من هذه الألفاظ وادعى أنه لم يرد به الطلاق فإنه يحلف على نفي إرادة الطلاق، فإن حلف لم يلزمه شيء كما عرفت، فإن نكل فإنه ينوى في عدد الطلاق واستشكل تنويته مع أنه منكر للطلاق، وأجاب علي الأجهوري بأنه إنما ينوى في عدده إذا رجع عن إنكاره؛ وعوقب يعني أنه يعاقب في هذه المسائل الثلاث أعني قوله: "سائبة مني أو عتيقة أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام".
واعلم أن أصل هذا الكلام في المدونة عن ابن شهاب وليس هو لمالك، بل مخالف لأصل مذهبه ولذا لم يذكره ابن شأس ولا ابن الحاجب ولا ابن عرفة، فعلى المص درك في ذكره ولم يذكره الأمير أيضا، وقوله: "وعوقب" إنما يرجع لمسألة ابن شهاب فقط كما هو ظاهر المدونة، قاله محمد بن الحسن.
ولا ينوي في العمد إن أنكر قصد الطلاق بعد قوله يعني أن الزوج إذا قال لزوجته واحدا من هذه الألفاظ الأربعة جوابا لقولها أود لو فرج الله لي من صحبتك وأنكر قصد الطلاق بما صدر منه، فإنه لا ينوى أي لا يصدق فيما ادعاه من عدم قصد الطلاق، فقوله: "في العدد" الصواب حذفه ليطابق المدونة. قاله الرماصي. وأما ما يلزم من العدد فيجري على ما سبق من كلام المص، والألفاظ المذكورة هي قوله: أنت بائنة أو أنت برية أو أنت خلية أو أنت بتة، وقوله: جوابا الظاهر أنه حال من الهاء في "قوله". قاله جامعه عفا الله عنه.
стр. 4425
لقولها متعلق بجوابا أولى أي أتمنى لو فرج الله لي من صحبتك. فإن لم يكن جوابا مع إنكار قصد الطلاق فلا شيء عليه إن تقدم كلام يدل على ما قال وإلا لزمه الثلاث، وإن لم يكن جوابا مع عدم إنكار قصد الطلاق فلا ينوى في المدخول بها مطلقا وينوى في غيرها إلا في بتة.
والحاصل أن الصور أربع: لأنه إما أن يكون جوابا لقولها: "أود لو فرج الله لي من صحبتك" أو لا، وفي كل إما أن ينكر قصد الطلاق أولا، فإن لم ينكر قصد الطلاق لزمته الثلاث في المدخول بها وغيرها، وينوي في غير المدخول بها إلا في بتة كان جوابا لقولها ذلك أم لا، وهاتان صورتان فإن أنكر قصد الطلاق فلا يصدق في دعواه حيث كانت هذه الألفاظ جوابا لقولها: "أود لو فرج الله لي من صحبتك"، وحينئذ فيلزمه البتات مدخولا بها أم لا، وإن لم يكن جوابا لذلك فإن تقدم بساط يدل على ما قال لم يلزمه شيء مدخولا بها أم لا، وإلا لزمه البتات مدخولا بها أم لا. هذا تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم.
وأشار إلى الكناية الخفية بقوله: وإن قصده الماء أو بكل كلام لزم يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: اسقني الماء مخاطبا لها بصيغة أمر مذكر لحنا، وأولى لو قال لها اسقيني الماء بإثبات الياء، وقصد بخطابه لها بذلك اللفظ الطلاق فإنه يلزمه الطلاق كما يلزمه بكل كلام نواه به، كادخلي أو اخرجي أو اشربي أو زيد قائم أو غير ذلك من كل لفظ، وكذا قصده بصوت ساذج أي خال من الحروف، والظاهر أن قصده بصوت خارج من أنف كذلك، وأما الفعل فلا يحصل به الطلاق ولو نواه به إلا أن يجري عرف باستعمال ذلك الفعل في الطلاق كمسألة الحفر والدفن؛ وقدمر الكلام عليها عند قول المص: "وكفت المعاطاة".
وفي كتاب الأمير: ومهمى جرى عرف عمل به قاعدة كلية، وقوله: "وإن قصده باسقني الماء" لخ هذا هو المشهور وقيل: لا يلزم، وفي العمدة: والظاهر عدم اللزوم، وقوله: "وإن قصده باسقني الماء" هو كما لابن عرفة من الكناية الخفية وهو طريق أكثر الفقهاء حيث حصروا ألفاظ الطلاق في صريح وكناية بقسميها، وجعل ابن الحاجب وابن شأس هذا غيرهما، قال في التوضيح: لأنه رأى أن اسقني الماء ونحوه لا ينبغي عده في الكناية؛ لأن الكناية استعمال اللفظ في لازم المسمى لكن هذا اصطلاح ولا مناقشة فيه. انتهى. وبه يندفع كلام الخرشي. قاله محمد بن الحسن.
стр. 4426
ابن الحاجب: بعد ذكره للصريح والكناية الثالث اسقني الماء، فإن قصد به الطلاق وقع على المشهور، وفيها: كل كلام ينوي به الطلاق فهي طالق.
قال في التوضيح: المشهور مذهب مالك وابن القاسم ومقابله لأشهب، وحاصل ما أشار إليه المص من قوله: "ولفظه طلقت" إلى هنا خمسة أقسام: ما تلزم به طلقة إلا لنية أكثر وذكره بقوله: "وتلزم واحدة إلا لنية أكثر"؛ وما يلزم به ثلاث ولا ينوى مدخولا بها أم لا وهو: "بتة وحبلك علي غاربك"، وما يلزم به ثلاث وينوى في غير المدخول بها فقط وهو قوله: "والثلاث في كالميتة" إلى قولد: "إن دل بساط عليه"، وما يلزم به ثلاث وينوى في مدخول بها وغيرها وهو قوله: "وثلاث في خليت سبيلك"، وقسم ينوى فيه وفي عدده وهو قوله: "ونوى فيه وفي عدده في اذهبي" لخ؛ وتخلل الأقسام مسائل مشتركة.
وفي كتاب الشيخ الأمير: وعوقب من طلق بغير الصريح لتلبيسه، وقد مر أن الطلاق لا يلزم بالفعل الذي لم يدل عليه عرفا ولو نواه به، قال في مختصر البرزلي: ولو ضربها أو مسها بيده، وقال أردت بذلك الطلاق فلا يكون طلاقا إذ ليس بصريح ولا كناية.
لا إن قصد التلفظ بالطلاق فلفظ بهذا غلطا يعني أن الزوج إذا أراد أن يتلفظ بطلاق زوجته؛ أي أراد أن يقول لها أنت طالق فسبق لسانه فلفظ بهذا أي باسقني الماء غلطا أو بغيره من الألفاظ التي لا تدل علي فك العصمة غلطا، فإنه لا يلزمه طلاق، قال عبد الباقي: وعلم مما للمص أربعة أقسام: أحدها لفظ مع قصد حل العصمة، ثانيها قصده اللفظ ونطقه لا مع قصد حل العصمة وأشار لهما بقوله: "ولزم ولو هزل"، ثالثها سبق لسانه بلفظ بدون قصد التلفظ به؛ وأشار له بقوله: "لا إن سبق لسانه في الفتوى" وهو في الصريح والكناية الظاهرة، رابعها ما هنا وهو قصد الطلاق والنطق بغيره غلطا. انتهى.
ابن الحاجب: وفيها إن قصد التلفظ بالطلاق فلفظ بهذا غلطا فلا شيء عليه حتى ينوي أنها بما تلفظ به طالق. انتهى. قال في التوضيح: واختلف المذاكرون في هذا فرأى بعضهم أن عدم اللزوم هنا مبني علي أن الطلاق بالنية لا يلزم، وعلى القول بلزومه بالنية يلزم هنا، وأبى بعضهم ذلك الآن هذا لم يعقد أن يطلق بمجرر النية، وإنما عقد أن يطلق بالنية واللفظ. عبد الحميد: وهذا الأخير أحسن. انتهى.
стр. 4427
أو أراد أن ينجز الثلاث فقال أنت طالق وسكت يعني أن الزوج إذا أراد أن يقول لزوجته أنت طالق ثلاثا فاقتصر على قوله أنت طالق ولم يزد على ذلك بل سكت، فإنه لا يلزمه ما زاد على واحدة في الفتوى ولا في القضاء، إلا أن ينوي بها الثلاث فتلزمه، وأما عكس كلام المص بأن أراد أن يقول أنت طالق فقط ونطق بالثلاث من غير قصد فينوى في الفتوى عند سحنون، وقال مالك: يلزمه الثلاث والظاهر أنه المعتمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن أراد أن يعلق الطلاق الثلاث على دخول دار مثلا، فقال محمد بن الحسن: الذي في المواق عن المتيطى أنه إن أراد أن يعلق الثلاث فقال أنت طالق ثلاثا وسكت فلا شيء عليه، فهو قد نطق بقوله ثلاثا، فقوله: لا شيء عليه صريح في أنه لا يلزمه شيء. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: إن أراد أن يعلق الثلاث على دخول دار مثلا، فقال: أنت طالق وسكت، فقال مالك: لا شيء عليه أي في الفتوى. قاله علي الأجهوري. ومعنى قوله: لا شيء عليه أي لا طلاق عليه.
وسفه قائل يا أمي ويا أختي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته يا أمي أو يا أختي أو يا عمتي أو يا خالتي ونحوهن من كل من تحرم عليه، فإنه يسفه أي يعد سفيها أي يكون آتيا بمجون قادح في شهادته، لقوله ﷺ . لرجل قال لزوجته يا أختي: (أهي أختك (١))؟ إنكارا عليه، وهذا النهي يحتمل الحرمة والكراهة، وليس المراد بالسفه هنا السفه الذي هو ضد الرشد. قاله الشيخ الخرشي. وقال الشيخ إبراهيم: والحديث حمله بعضهم على الحرمة وحمله بعضهم على الكراهة، وقائل بالتنوين وبعدمه على أنه مضاف إلى الجملة بعده. انتهى.
وقوله: "وسفه قائل يا أمي ويا أختي" أي ولا يلزمه طلاق، قال ابن الحاجب: وفيها إن قصد التلفظ بالطلاق فلفظ بهذا غلطا فلا شيء عليه حتى ينوي أنها بما تلفظ به طالق، وكذلك لو قال يا أمي ويا أختي. انتهى. وفي المدونة: وإن قال لها يا أمي أو يا أختي أو يا عمتي أو يا خالتي فلا شيء عليه، وذلك من كلام أهل السفه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسفه أي نسب للسفه وهو المجون الذي هو من موانع الشهادة سفهته أي نسبته للسفه وهو على حذف مضاف أي نسب لكلام أهل السفه، وقوله: "وسفه قائل" لخ، قال الشيخ الأمير: قال شيخنا: ومنه: يا
стр. 4428
ستي قلت هو أخف؛ لأن السيدة تصدق بعد المعتق والنكاح إذ ذاك جائز على أن العرف شاع بها
في الود والتعظيم. انتهى.
ولله در القائل:
بنفسي من أسميها بستي … فينظرني النحاة بعين مقت
وتزعم أنني قد قلت لحنا … وكيف وإنني لزهير وقتي
ولكن غادة ملكت جهاتي … فلست بلاحن إن قلت ستي
وأما قول المرأة لزوجها: يا سيدي فلا بأس، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وفي كتاب الأمير: وقد قلت يوما لأبي أهلي: أنت والدي فخطر ببالي أنه يلزم (١) أخوة الزوجة فتذكرت قولهم: لازم المذهب ليس بمذهب. انتهى.
وقوله: "وسفه قائل يا أمي ويا أختي" قد علمت أن الأصل فيه قوله ﷺ لرجل: قال لامرأته يا أختي: (أأختك هي (٢)؛ ولا يعارض هذا بقول إبراهيم ﷺ في سارة فإنها أختي؛ لأنه قاله لضرورة دعته لذلك أو أراد أنها أخته في الدين. انظر الشبراخيتي.
ولزم بالإشارة المفهمة يعني أن الزوج إذا حصلت منه إشارة مفهمة للطلاق أي شأنها الإفهام بأن احتف بها من القرائن ما يقطع من عاينها بدلالتها علي الطلاق؛ فإن الطلاق يلزمه فهمته المرأة منها أم لا: وهي كالصريح فلا يفتقر لزوم الطلاق بها إلى نية مثالها ما لو قيل له أطلقت زوجتك فهز رأسه أن نعم. روى الباجي: إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه، وفي المدونة: ما علم من الأخرس بإشارة أو كتب من طلاق أو خلع أو عتق أو بيع أو شراء أو قذف لزمه، وأما غير المفهمة فلا يلزمه بها طلاق ولو قصده إلا لقوم اعتادوا ذلك. انظر حسن نتائج الفكر. وقوله:
стр. 4429
إلا لقوم اعتادوا ذلك حيث اعتادوا ذلك فهي إشارة مفهمة. قاله جامعه عفا الله عنه. والله سبحانه أعلم.
ابن الحاجب: والإشارة المفهمة من الأخرس كالصريح كبيعه وشرائه ونكاحه وقذفه، ومن القادر كالكناية. انتهى. قال في التوضيح: نحوه في الجواهر، وقوله: ومن القادر كالكناية أي فإن كانت لا تحتمل غير الطلاق حملت عليه كما إذا قال أنت طالق. وأشار بأصابعه الثلاث انتهى.
وبمجرد إرساله به مع رسول يعني أن الزوج إذا أرسل إلى زوجته بالطلاق مع رسول، بأن قال له أخبرها بأني طلقتها ونحو ذلك، فإن الطلاق يلزمه بمجرد الإرسال أي بمجرد قوله له أخبرها بأني طلقتها، سواء ذهب الرسول إليها أم لا، وسواء بلغها الخبر أم لا، وقوله: "وبمجرد إرساله به مع رسول" نحوه لابن الحاجب، قال في التوضيح: لا خلاف في ذلك، ثم نقل عن ابن عبد السلام ما نصه: إن كان الزوج تقدم له الطلاق فكان كلامه الذي يقول إخبارا عن ذلك فلا إشكال، وإن كان إنما تكلم الآن بهذا الكلام فانظر هل هو طلاق بالنية فقط أو بالنية واللفظ، كقوله: اسقني الماء وهو الظاهر. والله أعلم. انتهى.
وبالكتابة عازما يعني أن الزوج إذا كتب إلى زوجته أو إلى غيرها أنه طلقها وهو عازم على الطلاق أي ناوٍ لَّه، فإن الطلاق يقع على الزوج بمجرد كتابته للطلاق وإن لم يتم الكتاب، أولا يعني أن الزوج إذا كتب طلاق زوجته ولم ينو الطلاق بل كتبه مستشيرا، فإن رأى أن ينفذه نفذه وإن رأى أن لا ينفذه لم ينفذه، فإن الطلاق يلزمه، وإنما يلزمه إن وصل الكتاب إليها ولو بغير اختياره فلا تطلق بخروج الكتاب من يده وهو مذهب المدونة، وقيل خروج الكتاب من يده كالإشهاد فيلزمه الطلاق بمجرد خروج الكتاب من يده وهو رواية أشهب، وإن لم يكن عازما ولا مستشيرا لزمه بمجرد الكتابة كما لو كتبه عازما، خلافا للخمي القائل: لا يقع الطلاق حينئذ بمجرد الكتابة وهو ظاهر المص.
والحاصل أنه إن كتبه، فإما أن يكون عازما أو مستشيرا أو لا نية له، وفي كل من هذه الثلاث أخرجه كذلك، وفي كل من هذه التسعة إما إن يصل أولا فهذه ثماني عشرة صورة يلزم فيها الطلاق بمجرد الكتابة إلا فيما إذا كتب الطلاق مستشيرا، وأخرج الكتاب مستشيرا ولم يصل،
стр. 4430
فإن وصل ولو بغير اختياره طلقت عليه. انتهى. ونحوه للشيخ الأمير، ونصه: ولزم بالإشارة المفهمة ومجرد إرسال وكتابة إلا مستشيرا في الكتابة والإخراج ولم يصل. انتهى.
وقال الشيخ بناني: الذي لابن رشد في سماع القرينين هو ما نصه: وتحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا كتب طلاق امرأته لا يخلو من ثلاثة أحوال، أحدها: أن يكون كتبه مجمعا على الطلاق، والثاني: أن يكون كتبه على أن يستخير فيه فإن رأى أن ينفذه نفذه وإن رأى أن لا ينفذه لم ينفذه، والثالث أن لا تكون له نية، فأما إذا كتبه مجمعا على الطلاق أو لم تكن له نية فقد وجب عليه الطلاق، وإذا كتبه على أن يستخير ويري رأيه في إنفاذه فذلك له ما لم يخرج الكتابة من يده، قال في الواضحة وكتاب ابن المواز: ويحلف على نيته؛ فإن أخرج الكتاب من يده عازما على الطلاق أو لم تكن له نية وجب عليه الطلاق بخروج الكتاب من يده وصل إليها أو لم يصل.
واختلف إن أخرج الكتاب من يده على أن يرده إن بدا له؛ فقيل إن خروج الكتاب من يده كالإشهاد وليس له أن يرده وهي رواية أشهب، وقيل له أن يرده إن أحب وهو قوله في المدونة: فإن كتب إليها: إن وصل كتابي فأنت طالق فلا اختلاف في أنه لا يقع عليه الطلاق إلا بوصول الكتاب إليها، فإذا وصل إليها طلقت مكانها وأجبر على رجعتها إن كانت حائضا. انتهى. باختصار. قليل: وبه يتبين لك ما في قول الزرقاني، سواء قال: إذا جاءك كتابي فأنت طالق لخ؛ وما في قوله أيضا: وفيما عداها الحنث بالكتابة. انتهى؛ يعني أنه إذا كتب الكتاب مستشيرا وأخرجه عازما أو لا نية له لا يحنث بمجرد الكتابة بل بإخراج الكتاب كما علمت، وأنه إذا قال إذا جاءك كتابي فأنت طالق لا تطلق إلا بوصول الكتاب إليها ولا اختلاف في ذلك كما مر عن ابن رشد، فلا يقع عليه الطلاق بالكتابة. قاله جامعه عفا الله عنه.
وقوله: "وبالكتابة" لخ قال عبد الباقي في الفرق بين ما هنا من الحنث بالكتابة وبين اليمين من أنه لا يحنث بالكتابة، ولو عازما إلا بالوصول للمحلوف عليه أن المكالة لا تكون إلا بين اثنين بخلاف باب الطلاق إذ قد يطلق زوجته من غير حضورها؛ فإن ادعت فيما لا يتوقف على الوصول علم الطلاق من حينه صدقت لأنها تعتد من يوم وقوعه من الزوج، قياسا على مسألة المدونة المتقدمة فيمن مات زوجها ولم تعلم حتى انقضت عدتها أنه لا إحداد عليها ولا عدة، وإن
стр. 4431
ادعت فيما يتوقف على الوصول وصوله لها وانقضاء عدتها من حينه ولم تقم بينة على لى عواها ولم يظهر للناس لم تصدق، والظاهر أن العدة من وقت ظهوره كما يفيده ما تقدم من قوله: "والعدة من الإقرار"، وما يأتي من قوله: "وإن أقر بطلاق متقدم استأنفت العدة"، فإن ادعت أنه كتبه عازما وأنكر قبل قوله بيمين لأن هذا أمر لا يعلم إلا من جهته إلا أن تدل قرينة على كذبه كذا ينبغي، وفي كتاب الأمير: إن كتب إن وصل لك كتابي توقف على الوصول وفي إذا خلاف ونرى التوقف. انتهى.
تنبيه: اختلف في صفة الكتاب إذا أحب الطلاق على ثلاثة أقوال، قال ابن القاسم: إذا كانت من ذوات الأقراء فيكتب إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق ولا يزيد على ذلك؛ فإن كانت طاهرا وقعت طلقة وإلا بقيت زوجة، قال: وإن كانت حاملا كتب إن كنت حاملا أو طاهرا بعد أن وضعت فأنت طالق ولا يزيد على ذلك، وأجاز أشهب أن يقول إن كنت حائضا فأنت طالق إذا طهرت بناء على أصله أن من علق الطلاق على الحيض أو الطهر لا يتنجز، وقال ابن المعدل: فكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب ولا يكتب إذا طهرت، وأشار اللخمي إلى أنا إن قلنا مع طلاق الحائض غير معلل فيكتب كما قال ابن القاسم، وإن قلنا بالتطويل فيجوز أن يوقع عليه الطلاق الآن إذ قد لا يصل الكتاب إلا بعد انقضاء العدة. قاله في التوضيح.
وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف يعني أن الزوج إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفسي بأن أجراه علي قلبه كما يجريه على لسانه من غير تلفظ به، فإنه اختلف هل يلزمه الطلاق بذلك أولا؟ والقول باللزوم لمالك في العتبية، قال ابن رشد: وهو الصحيح، وقال ابن راشد: وهو المشهور والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم، وهو الذي ينصره أهل المذهب. القرافي: وهو المشهور، ابن عبد السلام: وهو أظهر لأن الطلاق حل العصمة المنعقدة بالنية والقول فوجب أن يكون حلها كذلك، وإنما يكتفى بالنية في التكاليف المنعقدة بالقلب لا فيما بين الآدميين انتهى. وفي كتاب الأمير: لا بالكلام النفسي على الراجح.
стр. 4432
فتحصل من هذا أن القول بعدم اللزوم بالكلام النفسي هو الراجح وإن كان الآخر قد شهر، واتضح لك أن محل الخلاف إنما هو حيث أنشأ الطلاق بقلبه كما [ينشئه] (١) بلسانه إلا أنه لم يلفظ به بلسانه، فعبارة من يقول في الطلاق بالنية قولان غير تامة، وكذا عبارة من يقول من اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففيه قولان؛ لأن من نوى طلاق امرأته وعزم عليه وصمم ثم بدا له لا يلزمه طلاق إجماعا، وكذا من اعتقد أن امرأته مطلقة وجزم بذلك ثم تبين له خلاف ذلك لم يلزمه طلاق إجماعا، فمسألة الطلاق هذه من مسائل الإنشاء بكلام النفس، وكذا اليمين أيضا وقع فيها الخلاف هل تتعقد بإنشاء كلام النفس أولا بد من اللفظ.
سؤال: انعقد الإجماع على عدم اشتراط القصد في الصريح، واللخمي وصاحب المقدمات يقولان: والصحيح من المذهب اشتراط النية فكيف الجمع بينهما؛ جوابه أن المشترط النية التي هي الكلام النفساني؛ فلابد أن يطلق بقلبه كما طلق بلسانه والكلام النفساني يسمى نية، وأما نية الطلاق بمعنى العزم والتصميم فقد تقدم أنها لا توجب الطلاق إجماعا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ المعنى إذا أردتم إيقاع الطلاق فأوقعوه في حال تستقبل المرأة فيه عدتها، ولو كان الطلاق يقع بالنية لألزمته طلقة بإرادة الطلاق وأُخْرَى بإصدار اللفظ. قاله ابن غازي. عن ابن راشد. وكذا لا أثر للوسواس، ولا لقوله في خاطره أطلق هذه وأستريح.
ولما أنهى الكلام على أركان الطلاق وكان للركن الرابع وهو اللفظ تشعب فهو أطولها، شرع في متعلقاته فمنها تكرره بعطف ودونه فقال: وإن كرر الطلاق بعطف بواو أو فاء أو ثم فثلاث يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وكرر طلاقها وعطفه بالواو، كما لو قال لها: أنت طالق وطالق وطالق، أو قال لها أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، أو قال ما ذكر عاطفا بالفاء أو ثم فإنه تلزمه في جميع ذلك ثلاث تطليقات بعدد ما كرر، وإنما تلزمه الثلاث إن دخل بالزوجة التي قال لها ذلك فتلزمه الثلاث فيها نسقه أم لا، بشرط أن تكون العدة باقية، وأما غير المدخول بها فكذلك إن نسقه كمن أتبع الخلع طلاقا فيلزمه في المدخول بها وغيرها، فإن لم ينسقه لم يلزمه ما زاد على الواحدة في غير المدخول بها؛ لأنها تبين بها ولا يقال إن ثم تدل على التراخي فلا يلزمه إلا واحدة في غير المدخول بها إن عطف بثم؛ لأن دلالة ثم على المهلة إنما هي في غير الإنشاء، وأما
стр. 4433
إذا كان الكلام إنشاء فلا لاستلزام الإنشاء الحال، ولا تنفعه نية التأكيد مع حرف العطف كان بالواوأو بالفاء أو بثم، وما قررته به من العموم في المدخول بها وغيرها هو باعتبار أن قوله الآتي "كغيرها إن نسقه" راجع لهذا أيضا، وهو خلاف ظاهره كابن شأس وابن الحاجب والمذهب ثلاث في المدخول بها وغيرها، ولا بد من النسق في غير المدخول بها، فلذا عدلت به عن ظاهره، ومعنى النسق أن يذكر المعطوف عقب المعطوف عليه من غير فاصل فلو فصل بين العطف والمعطوف عليه لم يلزمه غير المطلقة الأولى في غير المدخول بها.
كمع طلقتين مطلقا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق مع طلقتين أو أنت طالق طلقة مع طلقتين مطلقا دخل أم لا، فإنه تلزمه ثلاث. وبلا عطف ثلاث في المدخول بها يعني أن الزوج إذا كرر الطلاق لزوجته مرتين ولم يعطف فإنه تلزمه ثلاث في المدخول بها نسقه أم لا، كغيرها إن نسقه يعني أن الزوج إذا كرر الطلاق لزوجته بغير عطف وهي غير مدخول بها فإنه تلزمه ثلاث بعدد ما ذكر، بشرط أن يكون قد نسقه وإلا فلا تلزمه إلا واحدة لبينونتها بالواحدة هذا هو المشهور، وقيل لا تلزمه إلا الأولى ولا يمنع النسق العارض الذي لا يمكن رفعه كسعال وعطاس فالفصل به كلا فصل، وقد مر أن قوله: "كغيرها إن نسقه" يرجع لمسألتي العطف وغيرها، وبه يندفع الاعتراض على المص ويوافق مشهور المذهب إلا أنه خلاف ظاهره. والله سبحانه أعلم.
وقال ابن عرفة بعد نقله كلام الأم: من أنصف علم أن لفظها في لزوم الثلاث في ثم والواو ظاهر ونص فيمن بنى بها أو لم يبن وهو مقتضى مشهور المذهب فيمن أتبع الخلع طلاقا، وناقش ابن شأس وابن الحاجب في تخصيصهما بذلك من بنى بها انتهى. ومسألة الخلع المشار إليها ذكرها في المدونة ونصها: وإذا أتبع الخلع طلاقا من غير صمات نسقا لزم، فإن كان بين ذلك صمات أو كلام [يكون] (١) قطعا لذلك لم يلزم الطلاق الثاني انتهى. قال أبو الحسن: لأنه لا أتبع الخلع بالطلاق نسقا علمنا أن الطلاق الذي كان في قلبه وأراد إيقاعه اثنان. وقال القاضي إسماعيل: لا يلزم الطلاق الثاني وإن كان نسقا. انتهى. وقوله: فإن كان بينهما صمات لخ أي لأنه لما فصل بينهما بالصمات علمنا أن الطلاق الذي كان في قلبه وأراد إيقاعه واحدة، وقال أبو حنيفة
стр. 4434
والنخعي وحماد: يلزم الطلاق الثاني متى وقع داخل العدة. وقوله: وإن كان بين ذلك صمات يعني اختيارا تحرزا من الصمات لأجل العطاس والسعال انظر الحطاب.
فرع: إذا قال أنت طالق ثلاثا أنت طالق ثلاثا إن فعلت كذا فقال مالك يلزمه بقوله الأول والثاني ندم، وقال ابن القاسم: يحلف ما كان منه ذلك إلا تكرارا ثم هو على يمينه. اللخمي: وهو أبين. انتهى. وقال ابن عرفة: وفي سماع ابن القاسم: من قالت له امرأته وعنده شهود ايذن لي أذهب لأهلي فقال: أنت طالق البتة أنت طالق البتة أنت طالق البتة إن أذنت لك طلقت عليه، فقال إنما أردت أن أسمعها وأردد اليمين ولم أقطع كلامي، فقال مالك: ما أظنها إلا بانت منه وفيه ما ترى من الإشكال وما هو بالبين. انتهى.
ابن القاسم: يحلف ما أراد إلا أن يفهمها والقول قوله ولا حنث عليه. ابن رشد: الواجب على المشهورمن رعاية البساط أن لا يلزمه طلاق ولا حلف أنه ما أراد إلا أن يفهمها لأن سؤالها الإذن لأهلها دليل عليه لا تبتيل الطلاق؛ ولو سألته تبتيله فقال ذلك اللفظ بعينه بانت مه بالثلاث قولا واحداة وعلى مذهبه في المدونة لا يمين عليه، قال فيها: من قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار إنه ينوى إن دخلتها في أنه إنما أراد واحدة فلم ير عليه طلاقا إلا أن تدخل الدار. انتهى. باختصار قاله الحطاب.
وقوله: "كغيرها إن نسقه" قد مر الخلاف في لزوم الثلاث له وهو المشهور وعدم لزومها له بل تلزمه الأولى فقط وهو مقابل المشهور وهو للقاضي إسماعيل ومنشأ الخلاف، هل الكلام بآخره وكأنه قال أنت طالق ثلاثا، أو بمجرد قوله أنت طالق قد بانت فلا يمكن وقوع الثانية بدليل أن له أن يتزوج أختها أو خامسة بإثر نطقه بالقاف من قوله: أنت طالق من غير مهلة. قاله الحطاب.
إلا لنية تأكيد فيهما أي في المدخول بها وغيرها؛ يعني أن محل لزوم الثلاث للزوج فيما إذا كرر الطلاق بغير عطف إنما هو حيث لم ينو التأكيد، وأما لو نوى التأكيد فلا تلزمه إلا واحدة حيث نوى التأكيد بما عداها، وسواء في ذلك المدخول بها وغيرها فتقبل نيته فيهما بيمين في القضاء وبغير يمين في الفتوى، وأما إن كرر الطلاق بعطف فلا تنفعه نية التأكيد، فقوله: "إلا لنية تأكيد فيهما" لا يتأتى إلا في مسألة غير العطف. قال الشيخ أحمد: ظاهر كلام المص أن التأكيد في
стр. 4435
المدخول بها سواء نسقه أم لا، وينبغي أن يقيد بما إذا كان نسقا. انتهى. أي وإلا لزمه لأن فصله يمنع إرادة التوكيد. قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: وهو ظاهر. والله سبحانه أعلم.
وتحصل مما مر أن الطلاق يتعدد بتعدد لفظه إن ثلاثا فثلاث وإن اثنتين فاثنتان إلا لنية تأكيد بغير عطف. والله سبحانه أعلم.
فائدة: قال القرافي: حكى صاحب مجالس العلماء أن الرشيد كتب إلى قاضيه أبي يوسف هذه الأبيات يمتحنه بها وهي هذه:
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن … وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمة … ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقة … وما لامرئ بعد الثلاث مقدم
وقال له إذا نصبنا ثلاثا ما يلزمه؟ وإذا رفعناه ما يلزمه؛ فأشكل عليه ذلك وحمل الرقعة إلى الكساءي وكان معه في الدرب، فقال له الكساءي: اكتب له في الجواب: يلزم بالرفع واحدة على أنه خبر المبتدإ الذي هو الطلاق الثاني ويكون منقطعا عن الأول فلم يبق إلا قوله: فأنت طلاق فيلزم واحدة، وبالنصب ثلاث على التمييز لقوله: فأنت طلاق ولا يقال كما يمكن نصبه تمييزا عن الأول يمكن أن يكون تمييزا عن الثاني أيضا أو حالا منه أي الطلاق معزوم عليه حال كونه ثلاثا، فلم خص التمييز بالأول لأنا نقول الأول لكونه نكرة شديد الاحتياج إلى التمييز، والثاني غني بتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف عن البيان، فهذا هو المرجح. قاله ابن هشام. فيحكى أن الرشيد بعث بهذه الرقعة أول الليل فجاءه الجواب من ساعته، فأرسل إلى أبي يوسف بغالا موسقة قماشا وتحفا جائزة على الجواب، فبعث بها أبو يوسف إلى الكساءي ولم يأخذ منها أبو يوسف شيئا بسبب أنه الذي أعانه على الجواب.
стр. 4436
قال في المغني: وأقول إن الصواب أنه محتمل للثلاث والواحدة علي كلا الوجهين؛ لأن أل في الرفع لا تتعين للكمال بل تحتمله وتحتمل العهد فيلزم الثلاث؛ ولأن ثلاثا في النصب لا يتعين رجوعه لطلاق بل يحتمل كونه حالا من الضمير في عزيمة فتقع واحدة هذا ما يقتضيه ظاهر اللفظ، وأما الذي أراده هذا الشاعر المعين فهو الثلاث لقوله بعده فبيني بها لخ، قال ابن غازي: وهو تحرير عجيب، قال عبد الباقي: مقتضى مذهبنا لزوم الثلاث في الرفع والنصب احتياطا. انتهى.
قال محمد بن الحسن: ذلك صحيح إذ حيث تبين احتمال الثلاث في الرفع والنصب تعين الحمل عليها احتياطا كما ذكره وهو واضح. انتهى. وعلى كونه حالا من الضمير في عزيمة يحتمل وقوع الثلاث كما قاله الدماميني رادا على صاحب المغني بأن تجعل أل للعهد الذكري، فكأنه قال: والطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب بل هو معزوم عليه حال كونه ثلاثا، وقوله: تخرقي بفتح التاء وسكون الخاء وضم الراء، قال في المصباح: خرق من باب ضرب معناه تعب، وخرق الرجل من باب تعب إذا دهش من حياء أو خوف، وخرق بالضم يخرق إذا عمل شيئا فلم يرفق فيه وهذه هي المناسبة هنا. والله سبحانه أعلم. وقوله: مقدم بصيغة اسم المفعول بمعنى تقدم إلى زوجته فهو بمعنى المصدر كما في قوله:
أظلوم إن مصابكم رجلا ...........................
أي إصابتكم رجلا. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: اعلم أن الفرق بين اليمين بالله تعالى مبنية على التأكيد حتى ينوي التأسيس بخلاف الطلاق فإنه مبني على التأسيس حتى ينوي التأكيد أن المحلوف به في اليمين بالله واحد لا يتعدد بخلاف الطلاق. قاله الشيخ إبراهيم.
في غير معلق بمتعدد يعني أن الزوج إذا كرر الطلاق بغير عطف وادعى أنه نوى بذلك التأكيد فإنه يصدق في ذلك؛ ومحل تصديقه إنما هو حيث لم يعلق الثلاث نحو أنت طالق أنت طالق، أو
стр. 4437
علقه بمتحد نحو أنت طالق إن دخلت الدار أنت طالق إن دخلت الدار، وأما إن علقه بمتعدد نحو أنت طالق إن دخلت الدار أنت طالق إن كلمت زيدا أنت طالق إن أكلت الرغيف فإنه لا تنفعه نية التأكيد لتعدد المحلوف عليه، فيلزمه الثلاث إن فعل الجميع واثنتان إن فعل اثنين وواحدة إن فعل واحدا. والله سبحانه أعلم. وقوله: "في غير" قال الشبراخيتي: متعلق "بنية تأكيد". انتهى. ويحتمل أن يكون صفة لنية فيكون ظرفا مستقرا. والله سبحانه أعلم.
ولو طلق فقيل له ما فعلت؟ فقال: هي طالق فإن لم ينو إخباره ففي لزوم طلقة أو اثنتين قولان يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا ولم تنقض العدة فقيل له ما فعلت؟ فأجاب بلفظ يحتمل الإنشاء والإخبار أي الإعلام بأن قال هي طالق وحصلت منها له مرافعة، فإن ادعى أنه نوى الإخبار صدق في ذلك، وإن قال نويت الإنشاء لزمه طلقتان وإن لم ينو إخباره أي إعلامه ولا إنشاءه، ففي لزوم طلقة فقط أي الطلقة الأولى حملا للفظه الثاني على الإخبار.
وفي كتاب الأمير ما يفيد اعتماده فإنه قال: فالأقرب حمله على الإخبار وعلى هذا القول يحلف أنه لم يرد بما صدر منه ثانيةً الإنشاءَ وهو للخمي.
ولزوم طلقتين له واحدة بالطلاق الأول وثانية بالطلاق الثاني الذي لم ينو به الإخبار ولا الإنشاء، وهذا القول لعياض وهو ظاهر المدونة كما في الحطاب عن الرجراجي قولان،
وبما قررت علم أن في المصنف حذف الواو مع ما عطفت بعد قوله: "إخباره" أي فإن لم ينو إخباره ولا إنشاءه، والضمير في إخباره يرجع للشخص الخبر بالفتح. والله سبحانه أعلم. ولو قال المصنف: ففي لزوم ثانية قولان لكان أخصر وغير المدخول بها لا تلزمه ثانية اتفاقا كالمدخول بها البائن ابتداء، وكذا لو نطق بذلك بعد انقضاء عدة الرجعية أو تعين (١) لفظه للإخبار في جواب المسائل كطلقتها أو جاء مستفتيا، فإن تمحض للإنشاء لزمته الثانية في مدخول بها رجعية، فالمصنف مقيد بقيود أربعة: أن تكون الزوجة مدخولا بها، وأن يكون الطلاق رجعيا ولم تنقض عدتها، وأن يأتي بلفظ يحتمل الإخبار والإنشاء كمثال المصنف، وأن يكون في القضاء. قاله الشيخ عبد الباقي.
стр. 4438
وعلى القول بعدم لزوم ثانية فلو كان طلقها طلقة قبل الطلقة المسئول عنها وأراد أن يراجعها فيحلف أنه لم يرد في جواب المسائل ثانية، وقيل يحلف أراد رجعتها أم لا، تقدم له فيها طلقة أم لا، وقيل لا يحلف مطلقا. قاله عبد الباقي. وقال الرجراجي: إن نوى إخباره ودخل بها فلا يخلو من أن يقول فيه هي مطلقة فلا يلزمه غير الطلقة الأولى باتفاق؛ لأن قوله هي مطلقة إخبار، وإن قال هي طالق فلا يخلو من أن يدعي نية أو لا يدعيها، فإن ادعى نية وقال أردت الإخبار وإنما هي ذات الطلاق فإنه يقبل قوله باتفاق المذهب، وهل يقبل قوله بيمين أو بغير يمين، فالمذهب على ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يمين عليه جملة، والثاني: أنه يحلف جملة؛ والثالث: يفرق بين أن تتقدم له فيها طلقة أو لا، فإن تقدمت له فيها طلقة فإنه يحلف عند إرادة الرجعة، وإن لم تتقدم له فيها طلقة فلا يمين عليه.
وقال في التنبيهات: لو قال في جوابه للرجل قد طلقتها لم يحتج إلى نية ولا يمين، نوى الإعلام أو لم ينوه لأنه إنما أخبر عن شيء فعله. انتهى. أبو الحسن الصغير: لو كان إنما قال له قد طلقتها لكان لا شيء عليه؛ لأن قوله قد طلقتها خبر وليس بإيقاع طلاق مبتدأ، وكذلك قوله طلقتها مثل قوله قد طلقتها. قاله الحطاب. وعبارة الشبراخيتي عند قوله "قولان": محل الخلاف في القضاء وأن تكون مدخولا بها وأن يكون الطلاق رجعيا ولم تنقض العدة، وأتى بلفظ يحتمل الإخبار والإنشاء، وأما في الفتوى أو كانت غير مدخول بها أو بائنة بخلع أو غيره وانقضت العدة أو تمحض لفظ الإخبار، كقوله هي مطلقة أو طلقتها لم يلزمه إلا الأولى فقط. انتهى.
ونصف طلقة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق نصف طلقة فإنه تلزمه طلقة كاملة لأن الطلاق لا يتجزأ، قال ابن عرفة فيها: من طلق نصف طلقة [لزمته طلقة] (١). ابن شهاب: ويوجع ضربا، وقوله: "ونصف" بالجر عطف على المصرية، وفيه طول الفصل أو على الإشارة والباء بمعنى: في أي ولزم في الإشارة وفي نصف طلقة. قاله الشيخ إبراهيم وقوله: "نصف طلقة" وكذا غيره من الأجزاء، قال ابن عرفة وفيها: من طلق بعض طلقة لزمه طلقة. ابن شهاب: ويوجع ضربا. ابن عبد السلام: اختلف العلماء في ذلك منهم من كمل عليه التجزئة إما احتياطا
стр. 4439
وإما لأنه رآه هازلا-، ومنهم من لم يلزمه ذلك وهذا القول خارج المذهب، وكأنه أجرى على مهيع الدليك لعدم استلزام الجزء الكل. قاله ابن عرفة. قلت: قوله منهم من لم يلزمه ذلك يقتضي عدم شذوذ قائله، وقال ابن النذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن من طلق زوجته نصف تطليقة أنها تطليقة واحدة، وقال ابن القصار في عيون الأدلة: حكي عن داوود أن من قال لزوجته أنت طالق نصف تطليقة لا يقع عليه شيء والفقهاء على خلافه، قلت: وتقرر في أصول الفقه أن ندور المخالفة مع كثرة المجمعين لا يقدح في كون إجماعهم حجة، ومثل هذا لا ينبغي أن ينقل بتلك العبارة، واستدلاله على ترجيحه بعدم استلزام الجزء للكل يرد بأنه ليس منه بل من باب إبطال الكل بإبطال الجزء، وهذا لأن الطلقة إنما هي عبارة عن إبطال جزء حكمي من العصمة المجزأة ثلاثة أجزاء للحر وجزءين للعبد، فمن طلق بعض طلقة أبطل ذلك الجزء وبطلان الجزء يبطل الكل ضرورة. انتهى. قاله الحطاب.
أو طلقتين يتني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق نصف طلقتين فإنه تلزمه طلقة واحدة، وقوله: "طلقتين" معطوف على طلقة، أو نصفي طلقة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق نصفي طلقة فإنه تلزمه طلقة واحدة إذ النصفان بهما يتم الشيء، أو نصف وثلث طلقة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق نصف وثلث طلقة تلزمه طلقة واحدة لذكر الطلقة في المعطوف دون المعطوف عليه، وهذا ما لم يزد مجموع الأجزاء على طلقة، فإذا قال أنت طالق نصف وثلثي طلقة تثنية ثلث لزمه طلقتان؛ لأن الأجزاء المذكورة تزيد على طلقة، وفي الجواهر: ولو قال ثلاثة أنصاف طلقة أو أربعة (١) أثلاث طلقة وقعت اثنتان لزيادة الأجزاء. انتهى. نقله الرماصي. قال: وتنظير التوضيح في ذلك قصور. نقله محمد بن الحسن.
أو واحدة في واحدة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: أنت طالق واحدة في واحدة فإنه تلزمه طلقة واحدة إذا كان يعرف الحساب وإلا فاثنتان. ابن عرفة: الشيخ عن ابن سحنون عنه في أنت طالق واحدة في واحدة واحدة، واثنتين في اثنتين: أربعة، تبين منها بثلاث، وكذا بقية هذا المعنى، قلت: هذا إن كان عالما بالحساب أو قصده وهو لم يعلمه وإلا فهو ما نوى إن كان مستفتيا أو علم
стр. 4440
من قرائن الأحوال قصده معنى الضرب، كقول من علم جهله من البادية: أنت طالق طلقتين في طلقتين، وقال أردت طلقتين فقط. قاله الحطاب.
أو متي ما فعلت وكرر يعني أن الزوج إذا علق الطلاق بصيغة لا تقتضي التكرار كقوله متى ما فعلت كذا بضم التاء أو كسرها فأنت طالق وكرر ذلك الفعل منه أو منها مرة فأكثر، فإنه تلزمه طلقة واحدة؛ فإذا قال لها متى ما دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر عليه الطلاق بتكرر دخول الدار، وإنما تلزمه طلقة واحدة بسبب الدخول الأول، وقوله: "وكرر" مبني للفاعل إن ضمت التاء أي وكرر هو الفعل المعلق عليه الطلاق، ففاعله ضمير الفاعل وبالبناء للمفعول إن كسرت التاء، ونائبه يعود على الفعل المحلوف عليه، وإنما لم يتعدد الطلاق بتعدد الفعل؛ لأن متى ما لا تقتضي التكرار، وكذا الحكم لو أسقط ما.
واعلم أنه يتعين قصر المصنف هنا على تكرر الفعل لا اللفظ، فالعنى كما قررت أنه إذا علق بلفظ لا يقتضي التكرار ثم كرر الفعل فإنه لا يلزمه إلا طلقة واحدة، قال ابن رشد: إذا قال إذا تزوجت فلانة فهي طالق فلا ترجع عليه اليمين إن تزوجها ثانية، ومتى ومتى ما عند مالك مثل إن إلا أن يريد بهما معنى كلما أو مهما، فإنها تقتضي التكرار بمنزلة كلما. انظر المواق. وأما تكرار اللفظ ونية التأكيد أو عدمها فقد تقدم عند قوله: "إلا لنية تأكيد في غير معلق بمتعدد" فلا حاجة لإدخاله هنا. قاله غير واحد. وقد مر في اليمين أنه إن نوى التكرار بما لا يقتضي التكرار تكرر عليه، فإذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار أو متى ما أو متى دخلت الدار ونوى تعدد الحنث بتعدد الدخول فإنه يتعدد عليه الطلاق بتعدد الدخول. والله سبحانه أعلم.
وفي المدونة أنه إن نوى بمعنى متى ما كلما تكرر عليه، واستشكله ابن عرفة بأنه لا معنى لتخصيصه بمتى ما إذ كل لفظ نوى به التكرار كذلك، وأجاب بأن متى ما قريب من [كلما] (١) فبمجرد إرادة كونها بمعناها يثبت لها ذلك دون استحضار نية التكرار انتهى. وقوله: بمجرد إرادة الخ هو كالصريح في أن إذا أو إن بمجرد إرادة كونها بمعنى كل دون استحضار نية التكرار لا يتكرر عليه الطلاق فيهما بتكرر الفعل. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه.
стр. 4441
واعلم أن حكم الأجنبية المعلق نكاحها على طلاقها حكم الزوجة في جميع ما مر وفيما يأتي، فإذا قال لها: أنت طالق إن تزوجتك أو مطلقة أو الطلاق لي لازم أو أنا منك طالق وتزوجها لزمه واحدة إلا لنية أكثر، ويجري فيها كل ما يمكن أن يجري في التي في العصمة، فلو قال لها: إن تزوجتك فكلما دخلت الدار فأنت طالق فإنه يتكرر عليه الطلاق بتكرر الدخول، وقد مر أنه لو قال لها كلما تزوجتك فأنت طالق فإنه يتكرر عليه فيها الطلاق كلما تزوجها، ولا يختص بالعصمة الأولى بخلاف ما لو قال لزوجته التي في العصمة كلما دخلت الدار فأنت طالق فيتعدد عليه الطلاق بتعدد الدخول، لكن في العصمة المعلق فيها فقط.
أو طالق أبدا يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق أبدا فإنه تلزمه طلقة واحدة إذ المعنى أنت طالق أبدا أو إلى يوم القيمة وهو إذا طلقها واحدة ولم يراجعها، فقد استمر الطلاق وهذا ظاهر المدونة عند ابن يونس وظاهرها عند ابن الحاج، وجزم به ابن رشد أنه يلزمه ثلاث لجعل الأبدية للفراق في أزمان العصمة المملوكة له وذلك بالثلاث. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: وهل كذلك طالق أبدا وعليه اقتصر الأصل أو ثلاث خلاف. انتهى. وقال محمد بن الحسن: ابن يونس ومن المدونة: قال مالك فيمن خالع إحدى امرأتيه فقالت الأخرى ستراجعها؟ فقال هي طالق أبدا ولا نية له: فإن تزوجها طلقت منه مرة واحدة وكان خاطبا، ومن غير المدونة فيمن قال لامرأته أنت طالق أبدا أنها ثلاث، وحكى عن بعض القرويين أن هذا ليس بخلاف للمدونة وأن معنى مسألة المدونة إنما وقع التأبيد على الرجعة كأنه لما قالت له امرأته ستراجعها، قال إن راجعتها أبدا فهي طالق فلذلك ألزمه طلقة، وصوب بعض أصحابنا هذا القول ابن يونس: وظاهر المدونة خلاف ذلك وأنه إنما أوقع التأبيد على الطلاق؛ لأنه لما قالت له امرأته فستراجعها قال لها طالق أبدا يريد إن راجعتها، فعلى هذا التأويل يصير في قوله أنت طالق أبدا قولان، قول إنه واحدة وقول إنه ثلاث. انتهى. ولما لم يقف عليه المواق نظر في كلام المصنف بكلام ابن رشد وابن الحاجب.
وقوله: طلقة عطف على الفاعل المستتر في لزم بالإشارة أي لزم الطلاق بالإشارة، ولزم في قوله نصف طلقة أو طلقتين لخ طلقة، أو على المستتر في قوله: ولزم في المصرية أي ولزم في المصرية ولزم
стр. 4442
في قوله نصف طلقة لخ طلقة ففيه العطف على معمولي عامل واحد وهو سائغ، والمعنى أنه يلزم القائل في كل لفظ من الألفاظ السبعة طلقة أعني الألفاظ التي أولها نصف طلقة وآخرها طالق أبدا. انظر الشبراخيتي.
واثنتان في ربع طلقة ونصف طلقة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ربع طلقة ونصف طلقة فإنه تلزمه طلقتان؛ لأن كل كسر أخذ مُمَيِّزَهُ فاستقل به، وما تقدم من قوله: "نصف وثلث طلقة" أصله نصف طلقة وثلثها بمنزلة قطع الله يد ورجل من قالها فحذف الضمير وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه وحذف التنوين من يد لأنه مضاف إلى من، وحذف من رجل لأنه مضاف في المعنى إلى من فهما مضافان في المعنى إلى شيء واحد. والله سبحانه أعلم. انظر حسن نتائج الفكر.
وواحدة في اثنين يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق واحدة في اثنتين فإنه تلزمه طلقتان إن عرف الحساب؛ وإلا فثلاث. قاله عبد الباقي. وقوله: "وواحدة في اثنتين" قال الش: نقله ابن شأس عن سحنون. والطلاق كله إلا نصفه يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه فإنه تلزمه طلقتان؛ لأن حكم التجزئة التكميل كما مر، وكذا تلزمه اثنتان لو قال لها أنت طالق ثلاثا إلا نصفها، فلو قال لها أنت طالق الطلاق كله إلا نصف الطلاق لزمه ثلاث لصدق الطلاق المضاف إليه بالواحدة؛ لأن لفظه يحتمل إلا نصف الطلاق الثلاث، ويحتمل إلا نصف الطلاق الشرعي وهو واحدة فاحتيط للفروج، وكذا الحكم لو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصفا بالتنوين فتلزمه الثلاث احتياطا. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: تلزمه اثنتان لأن المتبادر نصف ما سبق. انتهى. وهو ظاهر والله سبحانه أعلم.
وأنت طالق إن تزوجتك ثم قال كل من أتزوجها من هذه القرية فهي طالق يعني أن من قال لامرأة أنت طالق إن تزوجتك ثم علق بعد ذلك في قريتها، فقال كل امرأة أتزوجها من هذه القرية مشيرا إلى قريتها فهي طالق ثم تزوجها فإنه تلزمه فيها طلقتان، واحدة بالخصوص والأخرى بالعموم، وقوله: "وأنت طالق إن تزوجتك ثم قال" لخ وأما عكس كلام المص فمنهم من قال تلزمه واحدة فقط على المعتمد؛ لأن ذكر الشيء بالخصوص بعد ذكره بالعموم لا يفيد، وتقدم نظير هذا في باب
стр. 4443
اليمين في لا أكلمه غدا وبعده، وهكذا صوبه شيخ ابن ناجي واستبعده ابن ناجي بأنه لا فرق بينهما فتلزمه طلقتان. قوله: "من هذه القرية" قد مر عن ابن عرفة أن قوله: لا أتزوج من مصر مثل لا أتزوج بمصر فله المواعدة بها ويتزوجها خارج مصر، وعلى هذا فقوله من هذه القرية ظاهر، وقد مر عن التوضيح أن قوله لا أتزوج من مصر بمنزلة لا أتزوج من أهل مصر، وحينئذ فلا يحل له نكاحها ويتكرر عليه الطلاق بتكرر تزوجها وعليه النصف إلا بعد ثلاث وقبل زوج على الأصوب كما مر، وفائدة لزوم طلقتين له على هذا أنه إذا نكحها بعد ذلك تطلق عقب العقد ويكون عليه نصف الصداق، وقد لزمه فيها ثلاث طلقات، فإذا تزوجها قبل زوج ففسخ النكاح قبل الدخول فلا شيء لها. والله سبحانه أعلم قاله جامعه عفا الله عنه.
وثلاث في إلا نصف طلقة يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة أو أنت طالق الطلاق كله إلا نصف طلقة فإنه تلزمه ثلاث، هكذا شرحه الشبراخيتي، وقال عبد الباقي: "ويلزمه" في قوله: "أنت طالق الطلاق إلا نصف طلقة" كذا حله الش والتتائي، ووجهه أنه لما استثنى نصف طلقة علم أن المراد بالطلاق غير الشرعي وإلا كان يقول إلا نصفه، ولو قال ذلك لزمه طلقة واحدة لأن الاستثناء حينئذ مستغرق، أشار إلى ذلك الش. وأما حمل كلام المصنف على ما إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة فظاهر أيضا، لكن حمل الش أولى لأنه المتوهم. قاله أحمد قاله عبد الباقي.
واثنتين في اثنتين يعني أن الزوج إذا قال لزوجته أنت طالق اثنتين في اثنتين فإنه تلزمه ثلاث. ابن عرفة: هذا إذا كان عالما بالحساب أو قصده ولم يعرفه وإلا فهو ما نوى إن كان مستفتيا أو علم من قرائن الأحوال عدم قصده معنى الضرب، كقول من علم جهله في البادية أنت طالق طلقتين في طلقتين، وقال أردت طلقتين فقط. انتهى. قال عبد الباقي: وهذا على ما عند عوامهم، وأم عوام المصريين فيلزمهم الثلاث لأنهم إنما يقصدون الجمع. قاله التتائي. أي اثنتين على اثنتين فلا فرق في هذا بين من يعرف الحساب وغيره على عرف مصر كما هو ظاهر إطلاق المص وإنما يحسن التقييد في قوله واحدة في واحدة وواحدة في اثنتين كما مر.
стр. 4444
فرع: لو قال أنت الطلاق بصيغة التعريف تقدم عند قوله: "وتلزم واحدة" لخ أنه هل يلزمه واحدة أو ثلاث؟ قولان للمتيطي وأصبغ، وأما لو قال أنت طلاق بالتنكير فتلزمه واحدة ولا وجه لتوقف عبد الباقي في ذلك. انظر حاشية بناني. والله سبحانه أعلم.
أو كلما حضت يعني أن الزوج إذا قال لزوجته التي تحيض بالفعل كلما حضت فأنت طالق فإنه تلزمه الثلاث من الآن، وأما لو قال ذلك ليائسة أو بغلة وهي التي لا تحيض فلا يقع عليه طلاق إلا إذا حاضتا بالفعل؛ وقال النساء إنه حيض فتطلق حينئذ، وسيأتي لابن عبد السلام عن بعضهم أن الصغيرة التي لم تحض لا تطلق إذا قال لها ذلك حتى تحيض بالفعل، وقوله: "أو كلما حضت" قال الحطاب: ومثله كلما جاء شهر فأنت طالق، فابن القاسم ينجز عليه الثلاث وسحنون يلزمه اثنتين؛ وفرع عليها في الجواهر فرعين، الأول من قال لأربع نسوة له حوامل من وضعت منكن فصواحبها طوالق، فعلى المشهور أعني قول ابن القاسم يلزمه الثلاث في كل واحدة، وعلى الشاذ يلزمه في الأولى ثلاث وكذا الرابعة، وأما الثانية فطلقة واحدة بوضع الأولى ثم تبين بوضعها، وأما الثالثة فيقع عليها طلقتان بوضع الأولى والثانية ثم تبين بوضعها، وأما الأولى فوضعها لا يقع عليها بسببه شيء، وإنما يقع عليها الطلاق بوضع صواحبها، قال: ولو قال من وضعت منكن فالبواقي طوالق وأراد غير من وضع فلا طلاق على الأولى وحكم الثلاث ما تقدم، قال البرزلي بعد نقله قول سحنون: وهذا واضح إن وضعن على التعاقب، ولو جهل الترتيب فالاحتياط أن يلزم كل واحدة ثلاث، ولو اتحد الوقت في ولادتهن فالظاهر إلزام كل واحدة طلقة، والفرع الثاني: إذا قال لها إذا وضعت فأنت طالق فوضعت ولدا وبقي في بطنها ثان، فهل ينجز الطلاق بوضع الأول أو يوقف التنجيز على وضع الثاني؟ قولان. انتهى.
وما قدمته عن ابن عبد السلام من أن الصغيرة لا تطلق عليه حتى تحيض فيما إذا قال لها كلما حضت فأنت طالق نقله محمد بن الحسن عنه، قال: قال -يعني ابن عبد السلام عن بعضهم-: هذا في غير اليائسة والصغيرة وأما اليائسة والصغيرة يقول لهما أو لإحداهما إذا حضت فلا خلاف
стр. 4445
أنها لا تطلق حتى ترى دم الحيض، وقال اللخمي في هذه المسألة: فإن كانت يائسة أو شابة ممن لا ترى حيضا فإنه لا يعجل بالطلاق على كل حال. انتهى.
وكتب عليه بعض حذاق الفاسيين: لعله يريد بالشابة التي في سن من تحيض، وأما إن كانت صغيرة في سن من لا تحيض فيعجل لأن الغالب أنها ستحيض. انتهى. نقله محمد بن الحسن. وقال عبد الباقي: أو قال لمن تحيض بالفعل أو صغيرة يتوقع حيضها، أنت طالق ثلاثا كلما حضت أو كلما جاء يوم أو شهر حيضك فيقع عليه الثلاث من الآن عند ابن القاسم كما في التتائي؛ لأنه محتمل غالب وقصده التكثير كطالق مائة ولا ينتظر بوقوعها حيضها خلافا للفيشي عن تقرير شيخة اللقاني تبعا لأحمد عند قوله فيما يأتي: "أو غالب كإن حضت" لمخالفته للتتائي؛ ولما يفيده قول المصنف عاطفا على ما ينجز فيه "أو مستقبل محقق ويشبه بلوغهما".
وقوله: "أو غالب كإن حضت" نعم الانتظار فيما إذا قال لمن لا تحيض كاليائسة وكالتي يقال لها بغلة فلا يلزمه بقوله المذكور طلاق، فإن حاضت واحدة منهما وقال النساء إنه حيض طلقت حينئذ كما يأتي عند قوله: "أو غالب كإن حضت" ثم إن له تزوج من تحيض والصغيرة بعد زوج ولا تعود عليه اليمين لانقطاع العصمة لأنها محلوف بها، بخلاف كلما تزوجتك فإنها تطلق متى تزوجها ولو بعد العصمة الأولى. انتهى.
وقوله: أو صغيرة يتوقع حيضها، قال محمد بن الحسن: هذا نحو ما لابن عرفة عن النوادر معترضا به على ابن عبد السلام حيث قال عن بعضهم هذا في غير اليائسة والصغيرة، وأما اليائسة والصغيرة يقول لخ، ونص ابن عرفة قبول ابن عبد السلام قول بعضهم: هذا في غير اليائسة والصغيرة لخ يرد بما في النوادر عن الواضحة عن ابن الماجشون: إذا قال لزوجته التي لم تحض إذا حضت فأنت طالق طلقت الآن ولو كانت قعدت عن الحيض لم تطلق إلا أن تحيض؛ يريد ويقول النساء إنه دم حيض. انتهى.
ومن طلق زوجته ثلاثا وقال كلما حلت حرمت، فإن أراد أن حلية الزوج الثاني غير حاصلة فإنها تحل له بعد زوج؛ لأن إرادته باطلة شرعا، وإن أراد إن حلت بعد زوج ثم تزوجها فهي حرام
стр. 4446
عليَّ لزمه ذلك، ويأتي التفصيل بين ما يقتضي التكرار فيتكرر عليه بتكرر التزوج وبين غيره فلا يتكرر عليه بذلك، وإرادة المعنى الأول قليلة جدا، والذي يكثر أولا يعرف إلا هو إرادة المعنى الثاني، وذكر ابن سهل مسألة تشبه هذه وهي من قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إن كنت لي زوجة قبل زوج أو بعد زوج، هل تحرم للأبد وكيف إذا طلقت عليه ثلاثا فتزوجها بعد زوج؟ فكتب إليه ابن عتاب: لا تحرم عليه للأبد وله نكاحها بعد زوج إن شاء الله، إلا أن يكون أراد بقوله بعد زوج إن تزوجها بعد زوج فهي طالق ثلاثا، فإن أراد هذا وعقد عليه حلفه فلا سبيل له إليها، والله الموفق للصواب. نقله الحطاب. وقال: لا يلزمه الحنث فيها بعد زوج إلا إذا حلف على ذلك الوجه وعقد عليه يمينه، وأما إن لم تكن له نية أو نوى الأول فلا يلزمه شيء. انتهى. مسألة: سئل ابن سراج في رجل قصد غشيان زوجته فلم تطاوعه، فقال لها في الحين هي عليه حرام في هذه الساعة وخرج عن السرير حيث كان معها مضطجعا فما يجب عليه في قوله هذا؟ فأجاب: الحمد لله الذي ذكر موصله أنه الحالف، وأنه لم ينو بقوله هي حرام عليه طلاقا ولا تحريما، وإنما أراد الامتناع منها في الحال، والجواب أنه لا يلزمه لعدم النية على الصحيح.
مسألة: قال البرزلي: من قيل له تزوج فلانة، فقال الذمام لا أتزوجها فلا تحرم بذلك، فإن أراد بذلك ذمة الله تعالى فهي يمين تكفر إذا تزوجها، وإن أراد ذمام الناس التي تجري على ألسنتهم فليس بيمين. انتهى. نقلهما الحطاب.
أو كلما طلقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته كلما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، أو متي ما يعني أن الزوج إذا قال لزوجته متى ما طلقتك فأنت طالق ثم طلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، أو إذا ما طلقتك يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إذا ما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة فإنه يلزمه البتات، فقوله: طلقتك راجع لمتى ما وإذا ما.
أو وقع عليك طلاقي يعني أن الزوج إذا قال لزوجته كلما وقع عليك طلاقي أو متى ما وقع عليك طلاقي أو إذا ما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإنه إذا طلقها واحدة يلزمه البتات، فقوله: فأنت طالق جواب لكلما طلقتك وما عطف عليه فهو راجع للمسائل الأربع، فهو من مقول الزوج في جميعها وكذا يرجع للمسائل الأربع كما علم من التقرير، قولى: وطلقها واحدة وما ذكره من أن
стр. 4447
متى ما وإذا ما يقتضيان التكرار نحوه في النوادر وهو خلاف قوله: متى ما فعلت، وكرر وخلاف ما تقدم في اليمين من قوله: لا متى ما، وفرق عبد الباقي بين الموضعين بما ليس بظاهر. والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي أن المصنف مشى في قوله: متى ما أو إذا ما على قول سحنون وهو ضعيف، ومذهب المدونة أن متى ما وإذا ما لا يقتضيان تكرارا، فعلى مذهب المدونة لا يلزمه إلا اثنتان. انتهى. المراد منه. وقوله: "واحدة" أي أو اثنتين ولو قال لامرأته أنت حرام علي في الدنيا والآخرة فله نكاحها بعد زوج، وكان يلزم أن يكون مع ذلك الظهار. نقله الحطاب.
أو إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاث يعني أن الزوج إذا قال لزوجته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، فإنه إذا طلقها واحدة أو اثنتين لزمته ثلاث، ويلغى قوله قبله لاتصافها بالحلية إلى وقوع المعلق عليه، وإذا وقع فقد مضى الطلاق قبله والماضي لا يرتفع.
والحاصل أن قوله قبله أي قبل طلاق يعد لغوا، كما يأتي في قوله: "كطالق أمس"، قال الش: ذكر القبلية عندنا لغو، وكأنه قال إن طلقتك فأنت طالق ثلاثا فإذا طلقها واحدة أو اثنتين تمت عليه الثلاث بمقتضى التعليق. انتهى. وقوله: أو إن طلقتك فأنت طالق قبله لخ، قال الطرطوشي: هذه الترجمة تسمى بالسريجية، قال ابن سريج من الشافعية: لا يقع عليه طلاق أبدا، وقال طائفة من الشافعية: يقع مع المنجز تمام الثلاث. وقاله أبو حنيفة.
ولما ذكر ما فيه واحدة ثم ما فيه طلقتان ثم ما فيه ثلاث ذكر ما هو متردد بين الواحدة وأكثر فقال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن طلقة يعني أن الرجل إذا كان له أربع زوجات وقال لهن بينكن طلقة فإنه تلزمه طلقة في كل واحدة من النسوة، الأربع إذ كل واحدة منهن تنوبها طلقة لما عرفت من أن الطلاق لا يتجزأ، وكذا الحكم لو كان له امرأتان أو ثلاث وقال لهن بينكن طلقة فتنوب كل واحدة منهما أو منهن طلقة، وكذا لو كان له أربع نسوة وقال لهن بينكن طلقتان فتنوب كل واحدة طلقة في جميع ما مر، ولو زاد عدد الطلاق على عدد الزوجات لزمته طلقتان، ولهذا قال: ما لم يزد العدد على الرابعة أي تلزمه طلقة واحدة إذا قال لزوجاته الأربع بينكن طلقة واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع، وأما لو زاد عدد الطلاق في فرض المص على أربع فإنه
стр. 4448
يلزمه طلقتان في كل واحدة من النسوة الأربع ما لم يزد عدد الطلاق على ثمان تطليقات، فإن زاد كما لو قال للأربع بينكن تسع تطليقات لزمته ثلاث في كل واحدة من الأربع.
والحاصل أنه تلزمه واحدة فيما ذكر من البينية إن لم يزد عدد الطلاق على ما عنده من الزوجات، سواء كن أربعا أو ثلاثا أو اثنتين فإن زاد عدد الطلاق علي ما عنده من الزوجات لزمته طلقتان ما لم يزد عدد الطلاق على مثليْ ما عنده، فإن زاد عدد الطلاق على مثلي ما عنده لزمته ثلاث وبالله التوفيق. وقوله: "طلقة في أربع قال لهن بينكن طلقة ما لم يزد العدد على الرابعة"؛ وقيل يطلقن ثلاثا ثلاثا إذا قال بينكن ثلاث.
سحنون: وإن شرك طلقن ثلاث ثلاث ما تقدم من قوله: "وطلقة وأربع قال لهن بينكن" لم يأت بلفظ من الشركة وهو قول ابن القاسم، وما هنا أتى بلفظ من الشركة؛ يعني أن سحنون قال فيمن له زوجات أربع أو ثلاث أو اثنتان إذا شرك بينهن في ثلاث تطليقات أي أتى بلفظ من الشركة، كما لو قال شركت بينكن في ثلاث تطليقات فإن كل واحدة منهما أو منهن تطلق ثلاث تطليقات، وإن شرك في طلقة طلقت كل واحدة منهما أو منهن تطليقة واحدة؛ وإن شرك في طلقتين طلقت كل واحدة منهما أو منهن تطليقتين، قال الش: والفرق بين ما تقدم وبين هذه أن التشريك يقتضي المشاركة في أجزاء كل طلقة؛ بخلاف الأولى فإن الجملة مقسومة عليهن. انتهى.
وهو كالصريح في أن كلام سحنون موافق لكلام ابن القاسم، وقال عبد الباقي: والفرق بين بينكن وبين هذه أنه في الأولى ألزم نفسه ما توجبه القسمة ولم يلزم نفسه قبل القسمة شيئا، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة وذلك يوجب لكل واحدة منهن جزءا من كل طلقة. ابن يونس: لو قال قائل إن الفرعين سواء لم أعبه. انتهى. وقال الخرشي: وقد جعل بعضهم كلام سحنون خلافا للأول وبعضهم وفاقا، وكأنه قال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن ما لم يشرك، فإن شرك طلقن ثلاثا ثلاثا وعلى أنه خلاف يكون المعول عليه الأول، ومسألة التشريك الآتية تدل على أنه مقابل، وكلام المؤلف في التوضيح يستشعر منه أنه مرتضيه لأنه قال: ونسبها ابن الحاجب لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم. انتهى. وقال الشبراخيتي: جعله بعضهم تقييدا للأول وجعله بعضهم خلافا، والمعتمد أنه تقييد وكأنه قال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن ما لم
стр. 4449
يشرك، فإن شرك طلقن ثلاثا ثلاثا، وعلى أنه خلاف فالمعول عليه الأول والذي عليه ابن هارون وابن عبد السلام وابن عرفة أنه تقييد. انتهى.
وقوله: "سحنون" بفتح السين وحكيَ ضمها واسمه عبد السلام، وقال في الشرح: وفتح السين من سحنون عند الفقهاء هو الكثير، وأما في اللغة فالضم. انتهى. وقال الحطاب: تبع ابن الحاجب في نسبة هذا لسحنون، قال في التوضيح: ونسبه المص لسحنون لاحتمال أن لا يوافق عليه ابن القاسم. انتهى. وجزم في الشامل بموافقته للمذهب وهو الذي يفهم من كلام ابن رشد في المسألة الثالثة من نوازل أصبغ من الأيمان بالطلاق، فإنه جعلهما مسألتين وفرق بينهما وكذلك ابن عرفة. والله أعلم. انتهى.
وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا ولثالثة وأنت شريكتهما طلقت اثنتين والطرفان ثلاثا يعني أن الرجل إذا كان له زوجات ثلاث فقال لإحداهن أنت طالق ثلاثا، ثم قال لثانية أنت شريكة فلانة المطلقة ثلاثا، ثم قال لثالثة وأنت شريكتهما فالتثنية فإنه تطلق الثانية منهن تطليقتين، لأنه لما أشركها معهما نابها طلقة ونصف طلقة والطلاق لا يتجزأ، فتكمل لها الطلقة التي نابها منها جزء وتطلق عليه الطرفان الأولى والثالثة ثلاثا ثلاثا، أما الأولى فالأمر فيها واضح وأما الثالثة فينوبها من شركتها مع المبتوتة اثنتان؛ لأن الطلاق لا يتجزأ كما عرفت، وينوبها من شركتها مع الثانية واحدة، فتلك ثلاث، وقيل تطلق الثانية ثلاثا كالطرفين. قاله الش. وهذا الفرع لأصبغ وليس من تتمة كلام سحنون.
ومقتضى كلام سحنون المتقدم أن كلا من النسوة الثلاث تطلق ثلاثا لا الطرفان فقط كما يقوله أصبغ، ومقتضى ما لسحنون ضعيف في هذه والمعتمد فيها ما لأصبغ، كما أن المعتمد في الأولى ما لسحنون كما ذكره المص في الفرعين، قاله الشيخ عبد الباقي.
قول المص: "ولثالثة وأنت شريكتهما" بضمير التثنية كما مر، فلو قال: لثالثة وأنت شريكتها بضمير الإفراد ولم يعلم عوده على الأولى أو الثانية فالاحتياط أن تطلق طلقتين بجعل الضمير عائدا على الأولى، فإن كان له نسوة أربع وقال ما ذكره المصنف وللرابعة وأنت شريكتهن فيقع على
стр. 4450
الرابعة ثلاث عملا بلفظ شريكتهن، وأم النسوة الثلاث قبلها فعلى ما قال المص. قاله عبد الباقي. وقال: ولعل الفرق بين الثانية والثالثة مع وجود لفظ التشريك في المسألتين أن التشريك في الأولى وقع ابتداء بين جميعهن، وأما في الثانية فقد أوقع الثلاث ابتداء على واحدة فضعف قوله للثانية أنت شريكتها فلذا لم يلزم فيها إلا اثنتان. انتهى.
وقوله: "وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا" لخ وكذا الحكم لو قال لواحدة منهن: أنت طالق البتة ثم قال لثانية أنت شريكتها، ثم قال لثالثة أنت شريكتهما فإنه تطلق الثانية اثنتين والطرفان ثلاثا ثلاثا. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وقوله مطلقة ثلاثا، قال التتائي: اقتصر في فرض المسألة على الثلاث؛ لأنه لو زاد عليها البتة فقال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق البتة ثم للأخرى أنت شريكتها ثم لثالثة أنت شريكتهما طلقن البتة ولم ينفعه قوله ثلاثا قدمت أو أخرت، والبتة لا تتبعض. قاله أصبغ في نوازله. انتهى.
وفهم من قوله: لأنها لغو مع البتة أن الحكم كذلك عند حذف ثلاثا، وقوله للثالثة أنت شريكتهما بالتثنية ومثله بالإفراد في هذه كما يفيده كلامه، وما ذكره من أن البتة لا تتبعض هو المذهب هنا، ويستثنى من ذلك ما إذا استثنى منها فإنها تتبعض على المذهب في الاستثناء كما يأتي في قوله: "أو البتة إلا اثنتين"، ووجهه أن المستثنى منه لما كان عمومه مرادا تناولا فقط لا حكما في الأصول فكأن القائل أنت طالق البتة إلا اثنتين إلا واحدة لم يرد حقيقة البتة من أول الأمر. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: ووجهه أن المستثنى منه لما كان عمومه لخ، قال محمد بن الحسن: لا يحتاج إلى ذكر الفرق بين ما هنا وبين ما يأتي ما هنا مبني على قول أصبغ أن البتة لا تتبعض، قال ابن رشد: وهو الصحيح. انتهى. وقوله: "وإن قال أنت شريكة مطلقة ثلاثا" قد علمت صورته الذي قررته بها وهو الذي قرره بها شراحه كما هو مقتضاه ولو قال لإحدى زوجتيه هذا اللفظ ابتداء أنت شريكة مطلقة ثلاثا وللثانية وأنت شريكتهما، فمقتضى ما مر أن الأولى تطلق اثنتين والثانية تطلق ثلاثا. والله سبحانه أعلم. قاله جامعه عفا الله عنه. وقال الأمير: وإن طلقها ثلاثا وقال لأخرى وأنت شريكتها، ولثالثة وأنت شريكتهما فالوسطى اثنتان إلا أن يكون العرف وأنت مثلها فثلاث