← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

العمد أعاد أبدا، وفي السهو في الوقت، ورابعها مثله وفي السهو السقوط، وخامسها أبدا في الكمرة وفي العسيب السقوط، وسادسها لا إعادة: وسابعها يعيد فيما قرب كاليومين. نقله الإمام الحطاب. المتصل يعني أنه يشترط في نقض الوضوء بمس الذكر أن يكون الذكر متصلا، بالماس، واحترز به عما إذا انفصل عنه ذكره بقطع مثلا، فإنه لا ينتقض وضوؤه بمسه ولو التذ لعدم الالتذاذ به عادة، ورد بقوله "المتصل" على الشافعية القائلين بالنقض، ولو قطع. وحكى ابن بزيزة في ذلك قولا في المذهب: فقال إذا مس ذكر غيره من جنسه أو من غير جنسه، أو ذكرا مقطوعا: أو ذكر صبي. أو فرج صغيرة فهل عليه الوضوء أم لا؟ فيه قولان: في المذهب. ولو مس موضع الجب فالجاري على أصلنا نفي الوضوء لعدم اللذة غالبا. وحكى الغزالي أن عليه الوضوء. قاله ابن هارون. نقله الإمام الحطاب. قال: ونص عليه ابن شعبان في الزاهي، ونص عليه في العارضة. وقال في المسائل الملقوطة: لا وضوء على المجبوب من مس موضع القطع كمس الدبر، ولو مست امرأة ذكر ميت بالغ لم ينقض ذلك طهرها إلَّا أن يحرك ذلك منها لذة. قاله الحطاب. ولو خنثى يعني أن الخنثى إذا مس ذكره فإنه ينتقض وضوؤه حيث كان هذا الخنثى مشكلا، ومسه فرجه كمس المرأة فرجها لا ينقض، واحترز بالمشكل ضمن تحققت أنوثته فلا ينتقض وضوؤه بمس ذكره. ومن تحققت ذكورته ينتقض وضوؤه بمسه له بالأولوية، وذلك داخل فيما قبل المبالغة. والخنثى بضم الخاء من خنث الطعام إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه المقصود، وهو من له ما للرجال والنساء. وقيل إنه يوجد نوع منه ليس على واحد مما للرجال والنساء: وإنما له ثقب بين فخذيه لا يشبه واحدا من الفرجين. وألفه للتأنيث فهو غير منصرف، والضمائر العائدة عليه يؤتى بها مذكرة وإن اتضحت أنوثته؛ لأن مدلوله شخص. قاله التتائي في باب الفرائض. ويمتنع النِّكَاح في حق الخنثى من الجهتين، ولا يطأ أمته ولا يطؤه سيده، ويحكم له بالأحوط في صلاته واستتاره وشهادته فلا يقبل إلَّا في الأموال. ويعد كامرأة واحدة ولا يصلي إلَّا مستترا ستر النساء آخر صفوف الرجال وأول صفوف النساء. واختلف هل سهمه في الجهاد نصف أو ربع سهم، وإن زنى بذكره فلا حد عليه ويؤدب، وإن وُطِئ في فرجه كان عليه الحد، وقيل إن ولد. ونزلت فأفتى فيها ابن أيمن وغيره بنفي الحد ووضع الخنثى ابنا فمات من نفاسه: وقيل لا حد مطلقًا، وإن زنى بفرجه وذكره حد،

стр. 492

ولا يحد واطئه على قول الأكثر. وعلى قول الأقل يحد، زاد الشعبي. وعليه نصف المهر إن وَطِئ غضبا، ولا يحج إلَّا مع ذي محرم، [لا] (١) مع جماعة رجال فقط، ولا مع نساء فقط إلَّا أن يكن جواريه أو ذوات محارم. وإذا مات اشتريت له جارية تغسله من ماله، وإلا فمن بيت المال إن أمكن، وإلا يمم. قاله الإمام الحطاب. وفي شراء الأمة من بيت المال نظر؛ إذ لا ملك له فيها ولو كان لورثها عنه وارثه أو بيت المال فلا موجب لعتقها. انتهى. وقد مر أن شأنه في جميع أحواله الاحتياط فيعمل على إِحوط الأمرين، ولا يفعل إلَّا ما يفعل الرجال والنساء معا، ولا يفعل ما يجوز لأحدهما فقط فلا يلبس الذهب ولا الحرير، وليسمع نفسه فقط إذا صلى، ولا يؤذن، ولا يرث الولاء، ويستر نفسه إذا صلى: ويبدي للرجال ما تبدي لهم المرأة، وللنساء ما يبديه لهن الرجال. ولبعضهم: أجب سائلا يا أيها الحبر إنه … على الحبر أن يفتي الفتى حين يسأل ابن لي ففي الخنثى مسائل جمة … تزيد على عشر إذا كان يشكل فما حكمه مهمى غزا وإذا زُني … به أو زنى ما حكمه حين يفعل وقل أين يلقى في الجنائز نعشه … ومن يتولى غسله حين يغسل وميراثه ما قدره ونكاحه … أيؤذن فيه أم يصان فيعضل وإن لمست كفاه موضع فرجه … فهل طهره يبقى له أم يبدل وهل صفه خلف المصلين آخرا … إذا هو صلى في الرجال أم أول وهل سجنه بين الرجال أو النسا … فإن جوار الشكل بالشكل أمثل وهل ينبذ القاضي شهادة قوله … إذا هو أدى أو يقول فيقبل وقل هل يؤم القوم أم ليس يرتضى … فإن مقال الحق للمرء أجمل فأجابه بعضهم بقوله:

стр. 493

تفطن هداك الله إن كنت تسأل … فهذا جواب نوره يتهلل له نصف سهم في الغزاة وإن زني … بد فعليه الحد والحد أعدل ومهمى زنى فالحد عنه بمعزل … فإن الفتى في معرك الحرب أعزل وميراثه في نصف مرء ومرأة … كذاك تؤدى نفسه حين يقتل ويعضل عن معنى النِّكَاح إذا اشتهى … فإن الهدى في عضله حين يعضل وآخر صف في الرجال مكانه … وأما إذا لاقى النساء فأول وحيث يصلي ثم يوضع نعشه … وذلك فيه سنة لا تبدل وتغسله مملوكة تشترى له … بخالص بيت المال لا تتمول ومهمى استحق السجن ثقف وحده … فليس له في الناس شبه يمثل وليس يؤم القوم إلَّا ضرورة … وفي المال لا في غير ذلك يقبل وإن هو مس الفرج أبطل طهرد … وإن مس إحليلا فنقض معجل فدونكها مثل النجوم زواهرا … قد الفها ذو فطنة يتوسل وذيلها الشيخ ميارة: مذكاه مكروه دليل بلوغه … بأي بدا قل باحتياط يعلل قال الشيخ ميارة: وكلام المجيب ظاهر إلَّا قوله: وليس يؤم القوم إلَّا ضرورة فلم أقف عليه. وإنما وقفت على كلام ابن عرفة في شروط الإمامة عن ابن بكير: أن الخنثى المشكل كالمرأة. انتهى. وعليه فلا يؤم إلَّا على رواية: تؤم المرأة النساء وعلى هذا فالأولى أن يقول: إمامته فامنع لغير ابن أيمن ......................................................

стр. 494

وذهب إلى النقض بمس المرأة فرجها ببطن متعلق بقوله: "مس" يعني أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر على الإطلاق؛ أي بكل جزء باتفاق أئمتنا، بل لابد من تقييده بكونه ببطن لكف أو إصبع، أو جنب يعني وكذلك ينتقض الوضوء أيضًا بمس الذكر بجنب لكف أو إصبع، فقوله: لكف راجع لقوله: "ببطن أو جنب" ومعنى ذلك أن من مس ذكره ببطن كلِّه أو جنبه ينتقض وضوؤه، ويرجع لقوله: "ببطن أو جنب" أيضًا. قوله: أو إصبع ومعناه أن من مس ذكره ببطن إصبعه أو جنبه ينتقض وضوؤه، ويدخل في الجنب رءوس الأصابع فإنها من جملة الجنب لا بغير ذلك من ظاهر الكف والأصابع، ولا بالذراع مطلقًا، ولا بغير ذلك من سائر الجسد وكذا لا ينتقض الوضوء بمس الظفر طال أم لا. قاله الشيخ عبد الباقي. وإن زائدا يعني أنه لا فرق في نقض الوضوء بمس الأصابع بين أن يمسه بإصبع زائدة، وبين أن يمسه بإصبع أصلية، فالنقض بذلك حاصل بشرط أن يكون هذا الإصبع الزائد قد أحس بأن ساوى غيره إحساسا ومعنى أحس أدرك ما يدركه السليم من الأعضاء إذا لمس شيئًا سواء تُحقق التساوي أو شك فيه وقوله: "أحس" ليدى خاصا بالإصبع الزائدة، بل الإحساس شرط في الإصبع الأصلية أيضًا. وذَكَّر المص الإصبع وإن كانت مؤنثة نظرا إلى أن الإصبع في معنى العضو. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر مسه بكف بمنكب أو بيد زائدة هل يجري فيه ذلك، أو يجري على مسألة غسله؟ في يجب غسله يجري المس به على المس باليد الأصلية، وما لا فلا. وانظر أيضًا لو خلق له ذكران. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر في هذه الوضوء لظاهر الحديث: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ] (١): ولظاهر كلامهم والظاهر في الكف بالمنكب أنَّها كالكف الجارية على العادة، لظاهر كلامهم والظاهر أيضًا في اليد الزائدة أنَّها كالأخرى، لظاهر كلامهم. والله أعلم. انتهى. ولما أنهى الكلام على الأحداث وأسبابها أتبع ذلك بالكلام على النوع الثالث، وهو ما ليس بحدث ولا سبب فقال: وبردة يعني أن المسلم إذا توضأ وارتد عن الإسلام - والعياذ بالله تعالى -، ثم رجع للإسلام قبل نقض وضوئه بحدث أو سبب أو شك في ذلك، أي في السبب أو الحدث، فإن

стр. 495

وضوءه ينتقض. نسأل الله السلامة. اللهم يا عظيم البرهان، ويا ذا الفضل والامتنان، إنا نعوذ بك من زوال الإيمان، بالله يا رحيم يا رحمن، ونستشفع إليك في ذلك بجاه سيدنا محمد الذي نال به أهل الإيمان: محاسن الحور والولدان، عليه أفضل الصلاة والسلام وبجاه كلّ نبي وولى، وإنما بطل الوضوء بالردة نعوذ بالله تعالى؛ لأنَّها محبطة للعمل الذي من جملته الوضوء لقوله تعالى مخاطبا لنبيه ﷺ مريدا غيره لعصمته هو وسائر الأنبياء من الكبائر والصغائر فضلا عن الإشراك بقوله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. وأما الغسل فلا تبطله الردة على المذهب: وقول الش: إنها تبطله، ضعيف؛ لأنَّها ليست من موجبات الغسل الأربع. وفي العارضة لابن العربي في شرح الترمذي: إن اغتسل وصلى ثم ارتد، فاختلف علماؤنا المالكية هل ينتقض غسله ووضوؤه؟، والصحيح بطلان الكل. وقيل إن الردة لا تبطل الوضوءة قال بعض شيوخنا من القرويين: إذا اغتسل رجل من جنابة، ثم ارتد، ثم رجع للإسلام لا غسل عليه، ولا وضوء إذا ارتد بعد أن توضأ عند ابن القاسم إلَّا استحبابا. وإنما قال بإيجاب الوضوء يحيى بن عمر. والفرق بين وجوب الوضوء بالردة على المشهور، وعدم وجوب الغسل وإن حبط الثواب فيهما أنه بعد الوضوء صار بمنزلة من بلغ حينئذ فوجب عليه الوضوء بموجبه، وهو القيام إلى الصلاة بخلاف الغسل، فإنه لا يجب إلَّا بوقوع سبب من أسبابه. نعم، إذا وقع عليه حال ردته لوجب غسل أو وقع قبلها وارتد قبل الغسل، وجب عليه الغسل بعد إسلامه، ويكون من أفراد قوله. ويجب غسل كافر. ويشك في حدث يعني أن من أيقن بالوضوء وشك في الحدث يجب عليه الوضوء، وكذا لو أيقن بالوضوء وشك في سبب من أسباب الحدث، فإنه ينتقض وضوؤه بخلاف الشك في الردة فلا يبطل الوضوء كما ذكر أحمد عن بعض شيوخه وقيل ينتقض وضوؤه، والأول هو الموافق لا لعياض، وغيره من أن من أتى بلفظ يحتمل الكفر من وجوه كثيرة ويحتمل الإسلام من وجه واحد فإنه لا تُجرى عليه أحكام المرتد. بل أولى من ذلك. ومعنى ما للشيخ أحمد أنه وقع منه في نفسه الشك، وما لعياض علم الناس أنه أتى بلفظ محتمل. بعد طهر علم الظرف يتعلق بشك، يعني أن شكه في الحدث إنما وقع بعد أن حصلت الطهارة يقينا؛ أي توضأ ثم بعد أن توضأ يقينا

стр. 496

شك هل حصل منه حدث بعد ذلك الوضوء المحقق أو لم يحصل منه حدث بعده، بل هو باق على وضوئه، فإن وضوءه يبطل فهو مبين لمعنى قول المدونة: من أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، فالواو في قولها: وشك في الحدث، بمعنى ثم، أو بمعنى الفاء. ومعنى الشك هنا التردد على حد سواء، وأولى لو ترجح احتمال الحدث فلا عبرة بالوهم كما نص عليه غير واحد، بل يستحب الوضوء حينئذ كما نص عليه الشبراخيتي. وروى ابن وهب عن مالك: يندب الوضوء بحصول شك في حدث بعد طهر علم. ورد المص روايته بقوله: "بعد طهر علم". ابن بشير: إن تيقن الحدث وشك في الوضوء توضأ إجماعًا، وفي مقابله قولان: الوجوب، والندب. إلا المستنكح يعني أن من استنكحه الشك في الحدث لا يبطل وضوؤه بشكه في حدث بعد طهر علم، ولا يعمل على أول خاطر هذا هو الشهور، والمستنكَح بفتح الكاف هو الشخص الذي تكثر عليه الشكوك ويعتريه الوسواس، وبالكسر وصف للشك؛ أي إلَّا الشك المستنكِح؛ والمستنكَح هو الذي يشك في كلّ وضوء أو صلاة، أو يطرأ له ذلك في اليوم مرّة فأكثر، وإن لم يطرأ له ذلك إلَّا بعد يومين أو ثلاثة فليس بمستنكح. وظاهر كلام ابن عمر أنه ينظر لإتيانه في الوضوء بمفرده، وفي الصلاة بمفردها فلا يضم إتيانه في الوضوء لإتيانه في الصلاة، وظاهره أيضًا أنه ينظر لإتيانه في الوضوء وإن اختلف محل إتيانه فيه، فإذا كان يأتيه مرفى في نيته، ومرة في الدلك، ومرة في مسح رأسه: فإن ذلك بمنزلة تكراره في شيء واحد منه، وكذا يقال مثله في الصلاة. والظاهر أن الاستنكاح إنما يعرف باستمراره أكثر من يومين كما في بناني. واعلم أن الاستنكاح بلاء ومحنة، ودواؤه الإلهاء عنه. والإلهاء عنه إذا قال له؛ صليت ثلاثًا أو أربعًا؟ يقول له: صليت أربعا، وإذا قال له: صليت أو ما صليتَ؟ يقول: صليتُ. وإذا قال له: توضأت أو ما توضأت؟ يقول له: توضأتُ. فإذا رد عليه بهذه الأشياء فإنه ينتفي عنه. قالوا: والاشتغال به يؤدي إلى الشك في التوحيد عند الموت. والعياذ بالله تعالى. قال الشيخ زروق: وأصلها جهل بالسنة أو خبال في العقل، أي فساد واختلال، ومتبعها متكبر لاعتقاده أن ما يفعله كمال مزك لنفسه معتمد على عمله معجب به متبع للشيطان. انتهى.

стр. 497

وإنما كان مزكيا لنفسه؛ لأنه يرى أنه متقن للعبادة وهو مسيء للظن بعباد الله؛ لأنه يعتقد نقصان من لم يفعل كفعله، ومعتمد على عمله؛ لأن الشرع أمره بالتلهي عنه فأعرض عنه، وجعل يتكلف تحصيل التمام في نفس الأمر وهو مأمور بترك فعل ما شك فيه. وأنفع علاج في دفع الوسوسة: الإقبال على ذكر الله، والإكثار منه، والتلهي عنها، والعلم بأن أحدا لن يقدر الله حقَّ قدره وإن عمل بما علم، والإكثار من قول سبحان الملك الخلاق. و ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. وكذا قراءة: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾؛ إلى ﴿نُفُورًا﴾. وقال السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري: شكوت إلى أبي سليمان الداراني الوسواس، فقال: إذا أردت أن ينقطع عنك في أي وقت أحسست به فافرح، فإذا فرحت به انقطع عنك؛ لأنه لا شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، فإذا اغْتَمَمْت به زادك. وقال بعض العلماء: إن الوسواس لا يبتلى به إلَّا من كمل إيمانه؛ لأن اللعين لا يقصد بيتا خربا. انتهى. وقد قالوا إنها لا تدوم إلَّا على جاهل أو مهوس. ومن حدثت له الوسوسة فيكتب قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بزعفران وماء ورد يوم الجمعة في سبع ورقات. ويبلع كل يوم ورقة ويشرب عليها جرعة ماء: فإنه يبرأ من ذلك بإذن الله . وعن عثمان بن أبي العاصي ﵁ قال: قلت (يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها على فقال رسول الله ﷺ : ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسست به فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عنه (١)). قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: خنزب بخاء معجمة ثم نون ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم باء، واختلف العلماء في ضبط الخاء فإنهم من فتحها، ومنهم من كسرها، ومنهم من ضمها. حكاه ابن الأثير. في نهاية الغريب. والمعروف الفتح والكسر. قاله الشبراخيتي.

стр. 498

وبشَكٍ في سَابقِهِمَا أي الحدث والطهر؛ يعني أن من توضأ وأحدث وشك في الأول منهما يبطل وضوؤه، ويجب عليه إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وشمل قوله: "وبشك في سابقهما" أربع صور وهي. شك في السابق مع تيقن الطهارة والشك في الحدث، شك في سابقهما مع تيقن الحدث والشك في الطهارة، شك في سابقهما مع الشك فيهما، شكَ في سابقهما مع تيقنهما. وتقدم صورتان عند قوله: وبشك في حدث بعد طهر علم، الأولى منهما هي صورة المصنف التي اختلف فيها كما مر، والثانية هي الصورة المجمع على وجوب الوضوء فيها، وهي ما إذا تيقن الحدث وشك في الوضوء، وظاهر كلام المصنف أن الشك في سابقهما ناقض ولو استنكحه الشك، وفي أبي الحسن ما يوافقه، ولكن ذكر الأقفهسي وابن عمر ما يفيد خلاف ذلك. واقتصر الشيخ الأمير على الأول فقال: وبشك في طرو ناقض من غير مستنكح، وفي الطهارة بعد تيقن الحدث أو سبقها ولو من مستنكح، ويعتبر الظن على التحقيق. انتهى. وكلام المواق ظاهر في أن المراد بالشك هنا؛ أي في مسألة الشك في السابق مطلق التردد. قاله الشيخ عبد الباقي، والشبراخيتي. وقال الشيخ محمد بن الحسن في معناد: فيه نظر، بل هو ظاهر في أن المراد بالشك هنا التردد على حد السواء. واعلم أن الوهم في الطهارة لغو كما ذكره السنهوري والأجهوري وغيرهما. وفي الحطاب: عن سند أن الشك له صورتان، من شك هل أحدث بعد وضوئه؟ فالمذهب أنه يتوضأ، وأما الصورة الثانية؛ وهي أن يتخيل إليه الشيء لا يدري هل هو حدث أو غيره؟ فظاهر المذهب أنه لا شيء عليه، إذ هي من الوهم فلذا ألغيت. انتهى. وقوله: "ويشك في حدث بعد طهر علم" قال الحطاب فيه: وكلام المؤلف فيمن طرأ له الشك قبل الدخول في الصلاة، وأما إذا طرأ عليه شك بعد الصلاة ففيه قولان ذكرهما في المنتقى: فيمن رأى في ثوبه احتلاما لا يدري متى وقع منه أحدهما أنه غير مؤثر فيعيد من آخر نومة، والثاني أنه موثر فيعيد من أول نومة. ونسب الباجي الأول للموطإ، وجعله أبو عمر مقابلًا لمذهب المدونة، ويكون المصنف فيما يأتي من قوله: وأعاد من آخر نومة، تبع الموطأ، ورواية على وابن القاسم، ويشهد له قول ابن بشير: إن وجد منيا في ثوب نومه ولا يدري متى كان، فقيل يعيد من أول نوم فيه، وقيل من آخره، على الخلاف فيمن تيقن الوضوء وشك في الحدث. انتهى. نقله ابن مرزوق فيما يأتي. قاله الشيخ

стр. 499

محمد بن الحسن. وقد تقدم أن الاستنكاح هوأن يأتيه كلّ يوم مغ فأكثر، والظاهر أن الاستنكاح إنما يعرف باستمراره أكثر من يومين كما في بناني. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وبشك في حدث بعد طهر علم". اعلم أن أكثر العلماء على إلغاء الشك، والفرق بين الشك في الحدث بعد طهر علم ينقض الوضوء، والشك في الطلاق لا يؤثر هو عظم المشقة الناشئة عن الطلاق لو أمر به، ويسارة الوضوء. ولما أنهى الكلام على النواقض أتبعه بالكلام على ما ليس بناقض على المذهب فقال: لا بمس دبر يعني أن الوضوء لا ينتقض بمس الدبر خلافا للشافعية، وحمديس من أصحابنا. قاله الإمام الحطاب. وقوله. "لا بمس دبر". أي دبر نفسه، أي المتوضئ، ولو التذ. أو انثيين يعني أن من توضأ ومس أنثييه لا ينتقض وضوؤه لعدم الالتذاذ بذلك عادة، ولا بموضع جب كما نص عليه في المسائل الملقوطة، وابن شعبان في زاهيه. وللغزالي: النقض به كما مر. وكذا لا ينتقض الوضوء بمدى المتوضئ لعانته: ولا بمسه رفغه بضم فسكون فمعجمة، وهل هو أعلى الفخذ مما يلي الجوف، أو العصب الذي بين الذكر والشرج؟ وهو حلقة الدبر؛ قولان، وقوله: "أو انثيين" خلافا لعروة بن الزبير ﵁ فإنه أدخلهما في معنى الفرج أو فرج صغيرة يعني أن المتوضئ إذا مس فرج صغيرة لا تشتهى، كما قاله الشيخ إبراهيم، فإنه لا ينتقض وضوؤه ما لم يلتذ، وكذا لا ينتقض وضوؤه بمس فرج صغير خلافا للشافعي. وأما مس جسد الصغيرة غير فرجها فلا ينقض ولو قصد ووجد. قاله ابن رشد. ومنه يستفاد عدم النقض في تقبيل فمها مع قصد اللذة ووجدانها، ولا يخالف قوله إلَّا القبلة بفم؛ لأنه فيمن يلتذ بها عادة. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ظاهره أنه لا ينقض كما في الحطاب لعدم العادة، وقال الأجهوري: ما لم يلتذ. انتهى. وتبع الشيخ عبد الباقي الشيخ الأجهوري كما علمت وقال الشيخ محمد بن الحسن: صحيح كما نقله ابن مرزوق، ونصه: وفي النوادر من المجموعة مالك لا وضوء في قبلة أحد الزوجين للآخر من غير شهوة في مرض أو غيره: ولا في قبلة الصبية ولا في مس فرجها إلَّا للذة. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو فرج صغيرة لا تشتهى ما لم يلتذ، أو يقصد اللذة. انتهى. ونحوه للخرشي وعلى مالهما يكون قول المصنف: "أو فرج صغيرة" لا فائدة له. قاله مؤلفه عفا

стр. 500

الله عنه؛ إذ جعلاه ينتقض الوضوء به إن قصد لذة أو وجدها، وكذلك فرج من تشتهى لا ينتقض الوضوء بلمسه إلَّا إذا قصد لذة أو وجدها فالظاهر ما لغيرهما. والله سبحانه أعلم. وقيء يعني أن من خرج منه قيء أو قلس لا ينتقض وضوؤه بذلك خلافا لأبي حنيفة، ومحل قوله. "وقيء" إن لم يخرج بصفة المعتاد مع انقطاع الخروج عن مخرجه، فينقض حينئذ. وأكل جزور يعني أن الوضوء لا ينتقض بأكل من جزور خلافا للإمام أحمد. والجزور بفتح الجيم وضم الزاي الواحد من الإبل المنحور يقع على الذكر والأنثى. وذبح يعني أن الذبح لا ينقض الوضوء خلافا لقوم وقوله: "وذبح" كان الذبح لمأكول أو غيره. قال الشيخ إبراهيم. ومثل ذلك مس وثن وصليب، وكلمة قبيحة، وقلع ضرس، وإنشاد شعر. وحجامة يعني أن الحجامة ومثلها الفصادة لا ينتقض بهما الوضوء خلافا لأبي حنيفة. وقوله: "حجامة" سواء كان حاجما أو محتجما، وكذا مطلق خروج الدم لا ينتقض به الوضوء، وكذا حمل ميت، ووطء برطب نجاسة، وتقطير في المخرجين، أو إدخال شيء فيهما، أوأذى مسلم: خلافا لقوم. وقهقهة بصلاة يعني أن القهقهة إذا كانت في الصلاة فإنها لا تنقض الوضوء، وإنما تبطل الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء، وأما القهقهة بغير الصلاة فإنها لا تنقض الوضوء اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. ومس امرأة فرجها يعني أن المرأة لا ينتقض وضوؤها بمس فرجها ألطفت أم لا، قبضت أم لا، وعلى هذا العموم تؤول قول المدونة: ولا ينتقض وضوء المرأة إذا مست فرجها، قال الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم: وهذا هو المذهب، دون قوله: وأولت أيضا بعدم الإلطاف يعني أن المدونة كما أولت على أن مس المرأة فرجها لا ينقض وضوءها مطلقًا، أولت أيضًا على أن ذلك مقيد بما إذا لم يحصل منها إلطاف، وأما لو حصل منها إلطاف فإنها ينتقض وضوؤها ومعنى الإلطاف أن تدخل أصبعها بين شفريها، والشفران جانبا الفرج، وقبضها عليه كإلطافها على هذا التأويل. والمعتمد التقييد، فإن ألطفت انتقض وضوؤها على المعتمد كما للشيخ الأمير. والشيخ محمد بن الحسن. واقتصر عليه ابن عاشر في منظومته حيث قال:

стр. 501

إلطاف مرأة كذا مس الذكر ................................................................ خلافا لما مر عن الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم من أن المذهب هو التأويل الأول دون التأويل الثاني، ومس فرج البهيمة لا يوجب وضوءا خلافا لليث. قاله الحطاب. وقد مر الكلام عليه. وجعل عياض محل الخلاف في المرأة إذا كان المس لغير لذة، فإن كان اللمس للذة وجب عنده الوضوء كالملامسة: وكذلك قال في مس الرجل ذكره بغير الكف إذا قصد اللذة. انتهى. نقله أبو على. وقوله: في مس الذكر بغير الكف ينقض إذا التذ، إنما نقله الباجي عن العراقيين. ويظهر من ابن عرفة أنه مقابل للمذهب. قاله العلامة بناني. وندب غسل فم من لحم يعني أنه يندب لكل أحد سواء كان متوضأ أم لا، ويتأكد الندب لمريد الصلاة أن يغسل فمه وكذا يده من غمر نحو لحم، وكذا سائر ماله ودك أراد الوضوء أم لا، أراد الصلاة أم لا. والودك بفتح الدال المهملة: الدسم، ويقال له أيضًا غمر بفتح الغين المعجمة والميم، فإن سكنت الميم مع فتح الغين: فالماء الكثير، ومع ضمها: الرجل الأبله، ومع كسرها الحقد. قاله الشيخ إبراهيم. وذكر المصنف هذه المسألة مع أنَّها لا تتقيد بالمتوضئ؛ لأن لها تعلقا به في الجملة، ولا يندب غسل فم ولا يد مما لا دسم فيه وكان عمر رضي الله تعالى عند إذا أكل مسح يده بباطن قدمه. ابن رشد: معناه إذا أكل ما لا دسم فيه مثل التمر والشيء الجاف الذي لا يتعلق بيده منه إلا ما يذهبه أدنى المسح، مسح يده بباطن قدميه، وأما مثل اللحم واللبن وما يكون لد الدسم والودك فلا؛ لأن غسل اليد منه مما لا ينبغي تركه. قاله الإمام الحطاب. وكما يندب غسل فم ويد مما فيه دسومة يندب بما يزيلها ورائحتها من اشنان ونحوه. ولبن يعني أنه يندب غسل الفم واليد من اللبن، وكذا مس الإبط ونتفه: وغسل ثوب من روائح مستكرهة كبيض إذا كان له ريح. وظاهر المذهب أنه لا يستحب له غسل إبطه. قال في المدونة: وأحب إلى أن يتمضمض من اللبن واللحم، ويغسل الغمر إذا أراد الصلاة؛ يعني وكذا إذا لم يرد الصلاة. قال في الرسالة: وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن إلَّا أنه يتأكد في الصلاة. أبو عمران: إن صلى شارب اللبن من غير أن يتمضمض فلا شيء عليه، وقد ترك مستحبا. وفي

стр. 502

العتبية: وسئل مالك عمن يقطع اللحم النيء فتقام الصلاة أترى أن يصلي قبل أن يغسل يديه؟ قال: يغسل يديه قبل أن يصلي أحب إلي. ابن رشد: ما استحبه هو كما قال؛ لأن المروءة والنظافة مما شرع في الدين، وقد استحب في المدونة أن يتمضمض من اللحم واللبن، ويغسل من الغمر إذا أراد الصلاة، فكيف باللحم النيء؟ انتهى. (وقد تمضمض رسول الله ﷺ من السويق (١))، وهو أيسر من اللحم واللبن، (وغسل عثمان بن عفان ﵁ يده من اللحم وتمضمض منه (٢))، ذكر ذلك في الموطإ. قال ابن رشد: وهذا يدلُّ لما ذكرناه. والله أعلم انتهى. يعني تأويله لما روي عن عمر ﵁ من أنه كان إذا أكل مسح يده بباطن قدمه؛ ومن صلى بذلك ولم يغسله فلا شيء عليه لأنَّها عين طاهرة مباحة. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: من دام على أكل اللحم أربعين يومًا قسا قلبه، ومن تركه أربعين يومًا على الولاء ساء خلقه وخشي عليه الجذام. قاله الغزالي. وظاهره ضأنا أو غيره. وتجديد وضوء إن صلى به يعني أن من توضأ وصلى بوضوئه فرضًا أو نفلًا، يستحب له أن يجدد وضوءه لصلاة فرضا أو نفلا. وقوله: "إن صلى به"، وكذا لو فعل به شيئًا يتوقف على الطهارة كطواف ومس مصحف، فيستحب له أن يجدد وضوءه لصلاة فرضًا أو نفلا، ولا يجدد الوضوء لغير الصلاة كمس المصحف مثلا، ولو كان قد صلى به فرضا. وقال اللخمي في التبصرة: ولا فضيلة في تكرار الغسل عقب الغسل، ولا عند كلّ صلاة، وهو في ذلك بخلاف الوضوء إلَّا ما وردت فيه السنة من الاغتسال للجمعة، والعيدين، والإحرام، ودخول مكة، ووقوف عرفة. ولابن العربي في العارضة شرح الترمذي: اختلف العلماء في تجديد الوضوء لكل صلاة، فمنهم من قال يجدد الوضوء إذا صلى أو فعل فعلا يفتقر إلى الطهارة وهم الأكثر، ومنهم من قال يجدد وإن لم يفعل فعلا يفتقر إلى الطهارة. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ونقل أي الحطاب عن الشبيبي أن الوضوء يمنع تجديده قبل صلاة فرض به، وأنه أي الوضوء يمنع فعله لغير ما شرع له أو أبيح.

стр. 503

انتهى. وقال القاضي عياض يمنع تجديده قبل أداء فرض به. وقال الشيخ زروق: يستحب تجديده لكل صلاة بعد صلاة به، وقيل يشترط كونها فرضا. وقوله: "إن صلى به"، وأما لو لم يصل به، ولم يفعل به ما يتوقف على الطهارة، فإنه لا يجدده، وهل يكره أو يمنع؟ خلاف، وهو عين قوله: وهل تكره الرابعة أو تمنع، خلاف. وهذا التعميم هو الذي يفيده كلام ابن العربي. ونقله الحطاب عن مذهب الأكثر: وارتضاه خلاف ما يقتضيه المصنف من قصر التجديد على ما إذا صلى به. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله: "وتجديد وضوء" ما الذي ينويه بهذا الوضوء؟ والجواب أن الذي يفهم من عدم الاعتداد بالمجدد إذا تبين حدثه، أنه ينوي به الفضيلة انظر شرح الشيخ عبد الباقي وظاهر هذا أنه ليس له أن ينوي به الفريضة والفرق بين هذا وبين نية الفريضة في الصلاة المعادة أن الصلاة مقصد يهتم به فينوى فيها الفريضة، بخلاف الوضوء فإنه وسيلة قاله الشيخ عبد الباقي. وقد مر أنه إذا لم يفعل بوضوئه فعلا يفتقر إلى الطهارة لا يجدده؛ أي إلَّا أن يكون قد توضأ أولا اثنتين اثنتين، أو واحدة واحدة، فله التجديد بحيث يكمل الثلاث. وما زاد عليه هل يكره أو يمنع، خلاه. نقله الشيخ عبد الباقي. وقال: وانظر ما ذكر من الجواز حينئذ مع أن فيه مسح الرأس؛ وهو يؤدي إلى تكرير المسح بماء جديد، وهو مكروه. وقد يقال أراد بالجواز عدم المنع؛ أي لأنه لا يجري فيه القول بالمنع كما جرى في غيره، وإن كان يكره. انتهى. وفي الأمير: وتجديد وضوء فعل به ما الطهارة شرطه، وإن مس مصحف على الأرجح، وإن جدده قبل الفعل فكالتكرار يجري على التثليث والزيادة، وكأنهم اغتفروا تكرار المسح هنا كالترتيب، ولو شك في صلاته يعني أنه لو دخل الصلاة متيقن الطهارة فلما كان في أثنائها شك هل انتقضت طهارته قبل دخوله فيها أم لم تنتقض أو شك فيها هل انتقضت طهارته بعد دخوله فيها أو لم تنتقض؟ فإنه يتمادى على صلاته وجوبا، ولا ينصرف عنها إلَّا بيقين كما في الحديث الآتي. ثم أي وإذا تمادى فيها وبقي على شكه أو تبين حدثه بعدها أو فيها، فإنه تجب عليه إعادتها، وأما إن بأن له الطُهْرُ فإنها تصح، ولم يعدها سواء بان له الطهر فيها أو بعدها. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: ثم بعد الخروج منها كما يدلُّ عليه الإتيان بثم، وأما فيها فلا يتوهم ويتصور أن يبين له الطهر فيما إذا

стр. 504

شك هل خرج منه بول أو مذي، أو لم يخرج؟ فلما سلم من صلاته اختبر ذلك فإذا هو لم يخرج منه شيء، قال في التوضيح: يتخرج لنا من هنا قاعدة من شك في شيء لا تجزئ الصلاة بدونه، ثم تبين الإتيان به هل يجزئه أولا؟ قولان كمن زاد فيها شيئا عمدا أو سهوا، ثم تبين أنه واجب، هل يجزئه عن الواجب أم لا؟ ومن سلم شاكا في الإتمام ثم تبين الكمال، ومن افتتح تكبيرة الإحرام ثم شك فيها وتمادى حتى أكمل، ثم تبين له بعد ذلك أنه أصاب في التمادي. وما ذكرته من أنه يتمادى وجوبًا ولا ينصرف إلَّا بيقين هو الذي صرح به ابن رشد في سماع عيسى، ومقتضى ابن غازي والحطاب وغيرهما أن المذهب وجوب القطع، فإن تمادى فالمشهور الصحة إن بأن له الطهر وإن لم يبن له فلا تصح، وصلاة مأمومية صحيحة. وفي العتبية: من شك أثناء صلاته هل هو على وضوء أم لا فتمادى في صلاته وهو على شكه ذلك، فلما فرغ من صلاته استيقن أنه كان على وضوء فإن صلاته مجزئة إلَّا أن يكون نواها نافلة حين شك، وإنما كان الشك فيها ليس كالشك قبل الدخول فيها؛ لأن تلبسه بالصلاة متيقن الطهارة قوى جانبها، والأصل فيه خبر (إن الشيطان يفسوا بين أليتي أحدكم إذا كان يصلي فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا)، والدليل فيه قاصر على شكه فيها هل أحدث فيها أم لا؟ وقيس عليه شكه فيها هل أحدث قبل دخوله فيها أم لا؟ هذا إذا كان الحديث إذا كان يصلي بلا فاء كما في التتائي: وأما إذا كان بفاء كما في شرح الشيخ الأجهوري والسنهوري فهو شامل للصورتين. والمراد بالشك ما قابل الجزم إلَّا أنه لا أثر للوهم بالأولى مما إذا حصل له في غير الصلاة، ولو شك في صلاته هل توضأ أم لا لقطع، واستخلف إن كان إماما. قاله ابن عرفة. قاله الشيخ عبد الباقي. وما تقدم من وجوب الإعادة في المص وعدمه إنما هو في غير المستنكح، وأما المستنكح فإنما يعيد إذا بأن له عدم الطهر، فإن لم يبن له شيء لم يعد، كما إذا بأن له الطهر بخلاف غير المستنكح فإنه يعيد إذا لم يبن له شيء، كما أفاده المص، وهو ظاهر، وقد مر ذلك. ولو تيقن الحدث والطهارة ودخل في الصلاة جازما بها ثم شك في السابق منهما تمادى أيضًا، ثم إن بان الطهر لم يعد. قاله الشيخ عبد الباقي. وأوضحه الشيخ محمد بن الحسن. وفي كتاب الشيخ الأمير: وإن

стр. 505

شك فيها أتمها وإن ظن الحدث لحرمة الصلاة حيث دخلها بيقين ثم يعيد دون مأمومه إن لم يتحقق الطهارة، ومثله قوة الظن. انتهى. ومنع حدث الصلاة يعني أن الحدث وهو هنا: الوصغ الحكمي القدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية سواء نشأ عن الحدث الذي هو الخارج أو سبب أو غيرهما، يمنع الإقدام على الصلاة وصحتها إجماعًا والمراد الحدث الأصغر ليلا يتكرر مع قوله: وتمنع الجنابة موانع الأصغر، ويمنع الحدث الصلاة مطلقا كانت ذات ركوع رسجود أم لا كصلاة الجنازة. ويدخل في ذلك أيضًا سجود التلاوة، وسجود الشكر على القول به، وكفر من استحل الصلاة مع الحدث، أو أنكر شرطية الطهارة لها كما في العزية لمخالفته للآية الكريمة: وهي: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، لا إن أقر بوجوبها وتركها عمدا فيحرم. وانظر في صلاته بدونها لضرورة كنسبته للواط عند احتلامه، وهل يتيمم للضرورة أم لا؟ قاله الشيخ عبد الباقي. وطوافًا يعني أن الحدث يمنع الطواف كما يمنع الصلاة، وسواء كان الطواف ركنا أو واجبا أو مندوبا. قاله الشبراخيتي. ومس المصحف يعني أن المحدث يحرم عليه مس المصحف ويمنع منه. وأما المتنجس فنقل التفجروتي المالكي عن الإمام السيوطي في الإتقان: وأما متنجس الفم فتكره له القراءة: وقيل تحرم كمس المصحف باليد المتنجسة. انتهى. وفي حاشية الأمير أن مسه بعين النجس حرام. انتهى. وفهم منه أنه لا يمنع مسه للمتنجس إذا كانت النجاسة حكمية، وهو كذلك كما يفيده الإعلام، فإنه قال: وسئل البرزلي عن طهارة الخبث، هل تشترط في مس المصحف أم لا؟ فأجاب: لو ادعي في عدم شرطيته الإجماع ما بعد، ألا تراهم جوزوا قراءة القرآن في الأماكن النجسة؟ انتهى. وسئل بعضهم عمن بيده أو ثوبه نجاسة: هل يذكر الله كثيرا، أو يدخل المسجد، أو يمس كتب الحديث والوعظ، أو يقرأ القرآن، أو يؤذن، أو كتب التفسير والرقائق، أو حتى يزيلها؟ فأجاب: إن كانت النجاسة تلازمه في أكثر الأوقات فيجوز، وإن كانت لا تلازمه فليذكر لكن غسلها أولى، وإن لازمته فله دخول المسجد والصلاة فيه، ولا ينزع الثوب الذي فيه النجاسة ويضمه فيه إلَّا إن خاف ضياعه. ويجوز له أن يمس كتب التفسير ويقرأها، وله ذلك وهو جنب، وكذا يقرأ كتب الوعظ والرقائق، ويؤذن ويقرأ القرآن: والغسل

стр. 506

أولى، وكذلك الاستماع لمن يقرأ القرآن، انظر الإعلام. وقوله: "ومس مصحف" هو مذهب الجمهور خلافا للظاهرية، والحجة عليهم ما في الموطأ وغيره أن في كتابه ﷺ لعمرو بن حزم (أن لا يمس القرآن إلَّا طاهر (١))، وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي من الأحداث، ويحرم مدى جلده وأحرى طرف الورق المكتوب، وما بين الأسطر من البياض، ومحل المنع حيث كان بالخط العربي، ومنه الخط الكوفي، ولو نسخ معناه نحو: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، لا ما نسخ لفظه دون معناه نحو: الشيخ والشيخة فارجموهما إذا زنيا حيث كتب وحده، لا ما كتب بغير عربية فيجوز مسه ولو لجنب؛ لأنه تفسير كتورية وإنجيل وزبور لمحدث. كما يجوز حمل الجنب القرآن المكتوب بالعربي خوف غرق أو حرق أو استيلاء يد كافر عليه. ونحوه، قال الش: وأكثر المانعين وافقوا على منع مس الجلد ولو بقضيب، ولا يجوز امتهان قرآن ولا مصحف ولا امتهان بعضه وليس من الامتهان المحرم حمله بشيء أو وضعه على كتفه بحيث يبقى خلف ظهره. وكره كتبه بحائط مسجد أو غيره، ويمنع للمحدث مس المصحف جامعًا أو جزءا أو ورقة فيها بعض سورة أو لوحا، أو كُتَفًا مكتوبة، وهل يمنع كتبه بالعجمية؟ استقرب الزركشي المنع. كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، والقلم أحد اللسانين، ولا يجوز مسح لوح القرآن أو بعضه بالبصاق، ويتعين على معلم الصبيان أن يمنعهم من ذلك. وقد اشتد نكير ابن العربي على من يقلب أوراق المصحف أو غيره من الكتب بالبصاق، وقال: إنا لله على غلبة الجهل المؤدي إلى الكفر قاله الشيخ عبد الباقي مع شيء من كلام الحطاب: والشبراخيتي، وبناني. وقال الإمام الحطاب: وفي مختصر الواضحة يجوز لغير المتوضي أن يقرأ في المصحف وغيره يقلب له أوراقه، وقال: ولا يجوز مس جلد المصحف، وكذلك لا يجوز أن يمس الطرة أو الهامش أو البياض الذي بين الأسطر، ولو بقضيب. انتهى. وقال المشدالي: قال النووي ولو خاف على المصحف غرقا أو حرقا أو يد كافر فإنه يأخذه، وإن كان محدثا للضرورة. انتهى. قال الإمام الحطاب: وكأنه ارتضاه على المذهب، وفي مسائل الطهارة من البرزلي في أثناء كلامه على

стр. 507

الاستنجاء بالخاتم الذي فيه ذكر الله: وكذا الخلاف في استصحاب في فيه ذكر الله، والدخول به الخلاء، والمجامعة، وكذا حمل الختمة على وجه التحرز لغير المتطهر، فيه خلاف. انتهى. وإن بقضيب يعني أنه يحرم مس المصحف بالقضيب قال ابن عرفة: الشيخ عن أبي بكر: ولا يقلب ورقه بعود ولا بغيره، ويفهم منه بالأولى حرمة مسه من فوق حائل ولو كثيفا. وقد مر قول مختصر الواضحة: ولا يجوز مس جلد المصحف ولا يجوز أن يمس الطرة أو الهامش أو البياض الذي بين الأسطر، ولو بقضيب. والحكم في كَتْب المصحف كحكم مسه. قاله اللخمي، ونقله عنه أبو الحسن وابن عطاء الله. وقال في الإعلام: وسئل ابن لب عن ناسخ المصحف بلا طهارة لمشقة؟ فأجاب: لا يرخص له في ذلك إلَّا على قول ابن مسلمة القائل: الطهارة لمس المصحف مستحبة. انتهى. وقال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: واستخف مالك أن يكتب الآية من القرآن في الكتاب على غير وضوء: ولو قرأ في الصلاة ما نسخ لفظه دون معناه بطلت، وصرح بذلك الشافعية: وما نسخ معناه دون لفظه فله حكم ما لم ينسخ بإجماع. البرزلي: وسئل ابن زيادة الله عمن أوصى أن يجعل في أكفانه ختمة قرآن أو جزء منه أو جزء من الأحاديث النبوية أو أدعية حسنة هل تَنفْذ وصيته أم لا؟ وإذا لم تنفذ -وقد عمل ذلك- فهل ينبش ويخرج أم لا؟ فأجاب. لا أرى تنفيذ وصيته. وتجل أسماء الله عن الصديد والنجاسة فأمر الأدعية خفيف، والختمة يجب أن تنبش وتخرج إذا طمع بالمنفعة بها، وأمن من كشف جسد الميت ومضرته والاطلاع على عورته. وقد وقعت هذه المسألة بتونس، فحكى شيخنا عن بعض أصحابه في الذي أوصى أن تجعل معه إجازته، أنَّها تجعل بين أكفانه بعد الغسل، وتخرج إذا أرَادوا دفنه. وحكي عن بعضهم أنَّها تجعل عند رأسه فوق جسمه بحيث لا يخالطها شيء، ويجعل بينهما من التراب بحيث لا يصل إليها شيء من رطوبات الميت. وفي بعض التواريخ أن أبا ذر أو غيره من فقهاء الأندلس أوصى أن يدفن معه جزء ألفه من الأحاديث، وأنه فُعِل ذلك به. وكذا أوصى آخر أن يدفن بخاتم مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، وذلك عندي قريب؛ لأن قصده التلقين والبركة. وقد أجاز في رواية ابن القاسم الاستنجاء به. قاله الإمام الحطاب. وفي كتاب الأمير ومنع الحدث صلاة كسجود تلاوة وجنازة وطوافا ومس مصحف وإن لجلده بقضيب فأولى

стр. 508

حائل وحمله انتهى. وفيه ما نصه: وفي الحطاب هنا الخلاف فيمن أوصى بدفنه مع كمصحف، هل يرفع عن القذر ولا تنفذ؟ فإن تحقق التقذير وعدم هتك حرمة الميت نبش، وغير القرآن أخف. انتهى ولا بأس بكتب الآية في الكتاب على غير وضوء، ولا بأس للجنب بكتب البسملة وشيء من القرآن والمواعظ في الصحيفة، وما يعلق على الصبي والحائض والحامل إذا خرز عليه، أو في شمع لا دون ساتر وخَوفُ غرقه أو حرقه، أو يد كافر يبيح مسه. قاله الإمام الحطاب. والشيخ إبراهيم. وقد مر أنه يكره كتب شيء من القرآن بالحائط لمسجد أو لغيره، وهل محل الكراهة ما لم يكن ممتهنًا؛ كجعله في سقف بيت أسفل بيت فوقه يمشى فيه بالنعل وإلا حرم، أو الكراهة مطلقًا لعدم قصد ذلك. قال الشيخ عبد الباقي: وهو الظاهر. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر الحرمة لتأديته إلى امتهان القرآن، وقد صرحوا أنه لا يجوز امتهانه ولا امتهان بعضه. والله سبحانه أعلم. وانظر الاتكاء على حائط بظهره مكتوب فيه قرآن أو بعضه. قاله غير واحد. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر المنع؛ لأن ذلك امتهان. والله سبحانه أعلم. وحمله يعني أن المحدث يحرم عليه حمل المصحف، فقوله: "وحمله" عطف على قوله: "مس، أو صلاة". وإن بعلاقة يعني أنه يحرم على المحدث حمل المصحف مباشرة بواسطة علاقة يجعلها بيده، أو غيرها من أعضائه إن لم يجعل حرزا، وإلا جاز على أحد قولين، والآخر المنع. وعلل الجواز بأنه خرج عن هيئة المصحف، وصرف لجهة أخرى. قاله الشيخ عبد الباقي. أو وسادة يعني أن حمل المصحف بوسادته لا يجوز؛ أي يحرم، والوسادة مثلثة الواو المتكأ، وهذا أي حمله بعلاقة أو وسادة يفهم مما قبله بالأولى، كما قاله غير واحدا إلا بأمتعة الباء بمعنى مع أو للظرفية، قاله الخرشي؛ يعني أنه لا يجوز حمل المصحف إلَّا أن تكون معه أمتعة في صندوق، أو خرج فيجوز حمله حينئذ بشرط أن تكون الأمتعة قد قصدت بالحمل وحدها، فإن قصد المصحف بالحمل أو مع الأمتعة حرم حمله حينئذ على المرتضى. والمراد بقصده فقط أن يكون حمل الأمتعة لأجل حمله فقط، ولولا حمله ما حملها، وظاهر كلام ابن الحاجب أنه يجوز حمله حيث قصد هو

стр. 509

والأمتعة بالحمل، والأول الذي هو المرتضى هو ظاهر كلام المصنف؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر يفيد نفي الحكم عن غيره قاله الشيخ إبراهيم. وإن على كافر يعني أنه إذا قصد حمل الأمتعة التي مع المصحف وحدها فإنه يجوز حمله للمحدث، وله أن يحمله على مسلم أو كافر؛ لأن القصد الحمل لا فيه المصحف لا المصحف لقولها: ولا يحمل المصحف نصراني ولا غير متوضئ إلَّا أن يكون في خرج أو غرارة، وأما بوسادة أو بعلاقة فلا. وقد تقدم أن مثلَ مسه كتبُه، فعلم أنه يستوى في المنع للمحدث مسه وحمله وكتبه، وهذا هو المشهور. وللتتائي لا يمنع للمحدث نسخه قاله الشيخ عبد الباقي لا درهم يعني أنه لا يمنع للمحدث مس درهم أو دينار فيه قرآن ولا حمله. قاله غير واحد. ولو أكبر ولو لكافر، وإنما جاز ذلك لإجازة سلف الأمة البيع والشراء بهما. وقوله: "لا درهم" عطف على مصحف. قاله الشيخ إبراهيم. وتفسير يعني أنه لا يمنع للمحدث مس التفسير ولا حمله ولو محدثا أكبر. قال في المسائل الملقوطة: لا يكره مس التورية والإنجيل والزبور للمحدث؛ لأن النص إنما ورد القرآن، وما كان من غير لغة العرب لا يسمى قرآنا، بل لو كتب القرآن بالقلم العجمي جارٌّ للمحدث مسه؛ لأنه ليس بقرآن، بل تفسير للقرآن، مع أن هذه بدلت فلا نعلم أنَّها هي أو غيرها. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وتفسير" ولو كتب فيه آيات متواليات كتفسير ابن عطية والجلالين، ولو قصد الآيت أنفسها، وكذا الآياتِ المكتوبة في كتب العلم فقها أو غيره، والرسائل ولو جنبا، ويكتب الجنب الصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم، ومواعظ وآيات من القرآن، ويقرأ الكتاب الذي يعرض عليه وفيه آيات من القرآن. ورد ابن مرزوق على شيخه ابن عرفة منعه من مس ذات كتب الآي مع قصدها، والحاصل أنه يجوز للمحدث ولو أكبر مس التفاسير سواء في ذلك ذات كَتْب الآي بسكون التاء وفتح الكاف؛ أي التي كتبت فيها الآياتِ خالصة من خلطها، كتفسير ابن عطية والجلالين، وغير ذات كَتْب الآي أي التي لم تكتب فيها الآياتِ خالصة من خلطها. ومنع ابن عرفة من مس ذات كَتْب الآي مع قصدها قائلا: إنه ظاهر الروايات. ورد عليه تلميذه ابن مرزوق، وظاهر ما لابن مرزوق جواز مس الآي أنفسها. وللشافعية

стр. 510

منعه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله: "وتفسير" قال ابن مرزوق؛ لأن المقصود منه معاني القرآن لا تلاوته، قيل ولو كان شأن التفسير أن يترجم بكتابة آيات كثيرة، وفيه نظر ولا سيما إن كان في سفر واحد والقرآن فيه بكماله مكتوب، وانظره مع ما نقله عنه الزرقاني. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقد مر أن مثل التفسير الآياتِ المكتوبة في كتب العلم فقها أو غيره، وكذا كتب الرسائل ولو جنبا حتى في التفسير. وقوله: وتفسير لكن الأولى له الطهارة كما في الحطاب عند قول المص: وجاز بيابس. ولوح لمعلم يعني أن المعلم إذا كان محدثا أصغر يجوز له أن يمس اللوح المكتوب فيه القرآن ليصلحه، وإنما يجوز له مسه في حال التعليم، والمعلم من يريد إصلاح اللوح سواء كان جالسا للتعليم أم لا. ومتعلم يعني أنه يجوز للمتعلم وهو محدث أصغر أن يمس اللوح المكتوب فيه القرآن، وإنما يجوز له ذلك في حالة التعليم، والحاصل أنه يجوز للمعلم والمتعلم مس لوح القرآن حالة التعلم والتعليم، وما ألحق بهما مما يضطر إليه كحمله لبيت ونحوه على ما يفيده إطلاق المص كإطلاق ابن حبيب. وظاهر العتيبة قصر الجواز على حالة التعلم والتعليم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ومتعلم" صبيا أو غيره، ومفهوم المص أن غير المعلم والمتعلم ليس له مس اللوح. وإن حائضا مبالغة في المعلم والمتعلم، يعني أنه يجوز للمعلم والمتعلم مس اللوح على ما مر، وإن كان كلّ منهما حائضا لعدم قدرتها على إزالة مانعها، بخلاف الجنب فيحرم عليه مسه لقدرته على إزالة مانعه. وظاهره: ولو لتعلم أو تعليم، وخوف النسيان وغيره. ومن علله بخوف النسيان نافى جعل المص هنا أنَّها تمس اللوح لذلك قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي: الذي كان يفتي به شيخنا العارف سيدي عبد الرحمان أن الجنب مثل الحائض، وكذا شيخنا أبو العباس المقري، وخالفهما غيرهما ممن قرأنا عليه ولم يأت في ذلك بدليل مقنع، بل تعلق في ذلك بعمومات ومطلقات النصوص. انتهى. والظاهر أن عمومات النصوص ومطلقاتها كافية مقنعة إذا لم يوجد لها مقابل. والله سبحانه أعلم. وجزء لمتعلم يعني أنه يجوز للمتعلم أن يمس جزءا من المصحف. قال الإمام الحطاب. ظاهره أن الصغير لا يمس المصحف الكامل، وهو قول ابن المسيب، وقال مالك في المختصر: أرجو أن يكون

стр. 511

مس الصبيان المصاحف للتعليم على غير وضوء جائزا. أبو الحسن. يقوم من مسألة الحطابين - يعني الآتية في الحج حيث لهم دخول مكة بلا إحرام - أنَّ من كثر ترداده إلى المسجد لا تلزمه التحية: ومثله من خرج إلى السوق لا يلزمه السلام على كلّ من لقي، ومثله مس المصحف للمتعلم على غير وضوء، وللناسخ. وسئل عز الدين بن عبد السلام: هل للناسخ أن يكتب المصحف محدثا؟ فأجاب أنه ليس له أن ينسخ إلَّا متطهرا. ومثل المتعلم المعلم على ما روى ابن القاسم عن مالك. لأن حاجته كحاجة المتعلم، لا على ما ذكره ابن حبيب قائلا: إن حاجته صناعة وتكسب لا للحفظ. قاله الباجي. وربما يفهم من قوله: لا للحفظ، جواز مسه لغير حافظه، ويريد القراءة فيه، وربما يشمله قول المص: "لمتعلم". وفي كتاب الشيخ الأمير: وجاز مسه لمعلم ومتعلم وإن متذكرا يراجع بنية الحفظ، ولا مفهوم للجزء واللوح. وإن بلغ يعني أنه يجوز للبالغ إذا كان محدثا أن يمس جزءا من المصحف؛ لأجل أن يتعلم فيه، والمراد بالجزء ما قابل الكامل وظاهره ولو تسعة أعشار القرآن، وفيه نظر، إلَّا أن يقال إنما أراد الجزء المعتاد، وتجزئة المصحف عادة لا تكون على هذا الوجه. انتهى. قاله ابن مرزوق. نقله الشيخ محمد بن الحسن. واحترز المص بالجزء من الكامل، فيحرم مسه للبالغ المتعلم على المشهور عند ابن يونس: ولكن حكى ابن بشير الاتفاق على جواز مسه له وقوله: "وإن بلغ" وإن حائضا، وقول الشيخ على الأجهوري: أو جنبا: فيه بعدٌ. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: قول المص: "وإن بلغ" تعقبه البساطي بأن المص إنما اعتمد ما ذكره في التوضيح بعد قول ابن بشير: واتفقوا على جواز مس المصحف للمتعلم. انتهى. ونصه: ظاهره وإن كان بالغا، مع أن كلام التوضيح مردود بقول ابن يونس. والمشهور أن الكامل لا يجوز للرجل مسه، وإن كان متعلما. انتهى. وقوله: "وجزء لمتعلم وإن بلغ" قد مر أن المعلم مثل المتعلم على ما روى ابن القاسم عن مالك إلى آخر ما مر. وحرز بساتر يعني أنه يجوز مس حرز وتعليقه لمحدث بشرط أن يكون في ساتر يكنه ويقيه من وصول أذى إليه. وهذا واضح إن لم يكن كاملا، وأما إن كان كاملا ففيه قولان بين الجواز والمنع كما مر. ومفهوم قوله: "بساتر" أنه إذا لم يكن ساتر لا يجوز أن يعلق عليه وهو كذلك، والباء

стр. 512

للمصاحبة. وإن لحائض يعني أن الحرز إذا كان في ساتر يكنّ ما فيه من القرآن يجوز تعليقه للحائض والنفساء والجنب والحامل، كان حامله صحيحا أو مريضا بشرط أن يكون مسلما لا كافرا، خلاف ما قال أحمد؛ لأن تعليقه عليه يؤدي إلى امتهانه. ويجوز تعليقه على بهيمة لدفع عين حاصلة أو متوقعة. وفي الحطاب عن ابن فرحون: ولا بأس بما يعلق في عنق الصبي والحائض من القرآن إذا خرز عليه أو جعل في شمع، ولا يعلق وليس عليه ساتر، ولا بأس أن يعلق ذلك على الحامل. انتهى. تنبيه. اعلم أنه لا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها كاللدغة والوجع، والعينُ سم يجعله الله في عين العائن إذا تعجب من شيء ونطق به ولم يبارك فيما تعجب منه. والأصل في الاسترقاء قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، وفي الموطإ: (أنه ﵊ أمر بالاسترقاء (١)). الباجي: ولا خلاف في جواز ذلك بأسماء الله تعالى وكتابه، وقال مالك لا بأس أن يعلق على النفساء والمريض شيء من القرآن إذا خرز عليه أديم، وكذا لا بأس بالتعوذ. وقال الأقفهسي: يستحب لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. واعلم أن الرقية تكون بشيئين بكتاب الله، - كما مر - والكلام الطيب، وهو العربي المفهوم. روى الشيخان (أنه ﷺ كان يعوذ بعض أهله فيمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شفاءَ إلَّا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما (٢))، ولا يرتقى بالمبهمات. لما سئل مالك عن أسماء العجمية فقال: ما يدريك لعلها كفر؟ ولا بأس بمعالجة الريض طلبا للشفاء، لما في الصحيح أنه ﷺ قال: (إن الله لم ينزل داء إلَّا أنزل له شفاء (٣))، فيعالج بشرب الدواء بكسر الدال وفتحها مع المد فيهما، وبالقصد والكي وغير ذلك. والحجامة مستحبة في كلّ أيام السنة. ابن رشد: ولصحة إيمان مالك بالقدر، كان لا يكره الحجامة ولا شيئًا من الأشياء يوم السبت والأربعاء، بل يتعمد ذلك فيهما. قاله الشاذلي.

стр. 513

واعلم أنه لا يعالج بشيء مما حرم الله إلَّا ما قام عليه الدليل، مثل خمر لغصة، وقد مر الكلام على النجاسة. ولما أنهى الكلام على الطهارة الصغرى. أتبعه بالكلام على الطهارة الكبرى، ولها موجبات وواجبات وسنن ومندوبات، وبدأ بذكر بعض الثاني مُعَقِّبًا له بالأول فقال:

стр. 514

فصل يذكر فيه الغسل: وهو بضم الغين: اسم للفعل، وبفتحها: اسم للماء على ما اختاره ابن مالك، وهو الأشهر. وقيل بالعكس، وقيل بالفتح فيهما، وحيث ضم جاز أيضًا ضم ثانية تبعا لأوله وبكسر الغين: اسم لما يغسل به، كالأشنان بضم الهمزة وكسرها والسدر ونحو ذلك. والغسل لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقًا، وعرفا: غسل جميع الجسد بنية مخصوصة. واعلم أن الصلاة فرضت خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل الثوب من البول سبع مرات، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، وغسل الجنابة مرة، وغسل الثوب مرّة. وفي الحديث أنه ﷺ قال: إن المؤمن إذا قام وامتثل أمر الله واغتسل من جنابة غير محرمة، فكل قطرة تقطر من شعره يخلق الله منها ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. وقال الشيخ زروق: وتأخير غسل الجنابة يورث الوسواس، ويمكن الخوف من النفس، ويقلل البركة من الحركات. انتهى. وكون تأخيره يورث الوسواس - سره والله تعالى أعلم - أن الجنب تفارقه الملائكة، والتطارد بين الشياطين والملائكة في معرك القلب دائم، فإذا ذهب أحد الجندين تغلب الآخر، وإذا تغلب الشيطان وسوس. والوسوسة يلزمها الخوف؛ لأن صاحبها لا يكون إلَّا مغموما كئيبا؛ فلذا يُمَكِّنُ التأخير المذكور الخوف. وإذا توالت الهموم، وعظمت الغموم، ضعفت القوة، وقلت المنفعة؛ فقلت البركة. انتهى. يجب غسل ظاهر الجسد يعني أنه يجب على المكلف غسل جميع ظاهر جسده بسبب أحد الأمور الأربعة الآتية؛ ومن ظاهر الجسد تكاميش دبره، فبسبب ذلك يجب استرخاؤه، ويدخل في الظاهر أيضًا ما نبه عليه المص في الوضوء من الوترة وغيرها، وعمق السرة، وتحت حلقه وإبطيه، وعقبيه، وعرقوب يه، وما لا يكاد يداخله الماء بسرعة من جساوة أو شقوق، وأصابع الرجلين واليدين. وقال ناظم مقدمة ابن رشد: وتابع الشقوق والأعكانا … وتابعن ما غار حيث كانا

стр. 515

فإن يكن في فعله مشقه … فعمه بالماء وادلك فوقه واحترز بالظاهر من باطن الجسد، فلا يجب غسل شيء منه كداخل الفم والأنف، خلافا لأحمد فيهما. ولأبي حنيفة في الأول: وكداخل عين وصماخ أذن، بخلاف إزالة النجاسة، فإنها من الظاهر كما مر. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "غسل ظاهر الجسد" هذا هو الواجب الأول من واجبات الغسل الأربع: وهو تعميم ظاهر الجسد بالماء. وفي الرسالة: ويتابع عمق سرته. الشيخ زررق: ولا سيما إذا كثرت تكاميشه. ثم إن شق جدا ولم يصل إليه بوجه سقط. وكذا يجب متابعة ما ستره الذقن لسمن ونحوه: وإبطيه؛ لأنهما كالسرة في الخفاء، واجتماع الفضلات، ويخلل أصابع اليدين وجوبا على المشهور، وقيل ندبا كالوضوء: وكذا يجب تخليل أصابع الرجلين، وقيل يندب، وفي الحطاب عن الشيخ زروق والطراز ما يفيد أن المشهور في تخليل أصابع الرجلين في الغسل: الندب. والله تعالى أعلم. بمني متعلق بقوله: "يجب"، والباء للسببية، يعني أن غسل جميع ظاهر الجسد يجب بأحد أمور أربعة أحدها خروج المني، أي بروزه وانفصاله من فم المخرج. والمني: هو الماء الذي يتكون منه الولد بإذن الله تعالى، فلو اضطرب البدن لخروج المني ولم يخرج، أو وصل لأصل الذكر أو وسطه، فلا غسل. والبكر لا يلزمها حتى يبرز عنها؛ لأن داخل فرجها كداخل الإحليل. نقله الحطاب. قال الشيخ محمد بن الحسن: وهو صريح في أن المني ما دام في الإحليل لا بأس به. ولابن العربي: وإذا انتقل المني ولم يظهر لم يوجب غسلا. وقال أحمد بن حنبل: يوجب؛ لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله، وهذا ضعيف؛ لأنه حدث لا تلزم الطهارة إلَّا بظهوره كسائر الأحداث. انتهى. وعلم من هذا أنه لابد من بروز المني، ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى وخالف سند في الأنثى قائلا إن إحساسها بانفصاله عن محله موجب للغسل، ومحله في اليقظة. وأما في النوم فلابد من بروزه منها اتفاقا. قاله الشيخ إبراهيم. وعلى ما لسند فالرؤية المقدرة في

стр. 516

الخبر. أعني: (إنما الماء من الماء) (١)؛ أي من رؤية الماء بالنسبة للمرأة معناها: علمها بانفصاله. وبما مر رد الشيخ محمد بن الحسن قول الشيخ عبد الباقي وغيره: إن انفصال المني عن محله مربوطا بقصبة الذكر، أو متعسرا بحصى كخروجه بالفعل، وإن بنوم يعني أنه يجب غسل ظاهر الجسد بسبب خروج المني للذة المعتادة، ولو كان خروجه في حالة النوم، فإن حصلت اللذة المعتادة في النوم وخرج المني معها، فلا خلاف في وجوب الغسل. وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وإن حصلت اللذة المعتادة في النوم ثم استيقظ ولم يجد بللا فلا غسل عليه. وقد سئل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: (لا غسل عليه) (٢))، رواه أبو داوود والترمذي، فإن خرج المني بعد ذلك ففي وجوب الغسل قولان، والمشهور الوجوب، فإن وجد المني ولم يذكر أنه احتلم فنقل القرافي الإجماع على وجوب الغسل، وقد قال صاحب المنتقى: قال مجاهد إذا لم يذكر شيئًا فلا شيء عليه. وفي أبي داوود والترمذي عنه ﵊ (أنه سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما قال: عليه الغسل (٣)). انتهى. قاله الحطاب. ونظَّر في حكاية القرافي الإجماع بما في ابن راشد في شرح ابن الحاجب، ونصه: وإن وجد الأثر ولم يذكر أنه احتلم ففي وجوب الغسل قولان. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي عند قوله: وإن بنوم، رأى فيه أنه وطئ أو خرج بلذة معتادة أو غير معتادة، أو بلا لذة كما يفيده التتائي على الرسالة. وكلامهم في خبر: (إنما الماء من الماء) (٤)). انتهى. وعلى هذا فمن رأى في منامه أنه لدغته عقرب فأمنى، أو حك لجرب فأمنى، فإنه يجب عليه الغسل كما هو ظاهر كلامهم. وفي كتاب الشيخ الأمير أن النوم لا تشترط فيه اللذة، وقد مر أنه لابد في وجوب الغسل من خروج المني من فم الفرج. وقد مر أن الإمام أحمد خالف في ذلك، وقال: إذا انتقل المني ولم يظهر وجب الغسل؛ لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله. ابن العربي: وهو ضعيف؛ لأنه حدث لا تلزم الطهارة إلَّا بظهوره كسائر الأحداث. انتهى. وقد مر أيضًا خلاف سند في المرأة، ومنشأ الخلاف حديث: (نعم إذا رأت

стр. 517

الماء (١))؛ أي أبصرته على المشهور، أو علمته على ما لسند. وبُحِثَ فيه بأن هذا الحديث إنما ورد في الاحتلام، والخلاف إنما هو في اليقظة لا في النوم، وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأما حديث: (إنما الماء من الماء) (٢) فوارد فيما يشمل اليقظة والنوم. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وعلم مما مر أن من رأى في نومه أنه يجامع والتذ ولم ينزل فلا غسل عليه. وقوله: "وإن بنوم" المبالغة لدفع توهم أن الحاصل في حالة النوم لا يجب منه الغسل؛ لأنه في حالة غير مكلف فيها. قاله الشيخ إبراهيم. وغيره. وفي الحديث: (من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة وليس بعاقد (٣))، وفي رواية: (من تحلم كاذبا دفع إليه شعيرة وعذب حتى يعقد بين طرفيها وليس بعاقد (٤))، انتهى. وتحلم بالتشديد: تكلف الحلم، وإنما سماه حلما ولم يسمه رؤيا: لأنه ادعى أنه رأى ولم ير شيئًا فكان كاذبا. والكذب من الشيطان، وفي الحديث: (أن الحلم من الشيطان) (٥): ومعنى العقد بين شعيرتين أن يصل إحداهما بالأخرى، وهو مما لا يمكن عادة ومناسبة الوعيد للكاذب أن الرؤيا خلق من خلق الله، وهي صورة معنوية، فأدخل بكذبه صورة لم تقع، فكلف بإدخاله هذه الصورة اللطيفة، وهي الاتصال المعبر عنه بالعقد بين الشعيرتين: وليس بفاعل، وهو كناية عن طول تعذيبه. وخص الشعير دون غيره لما في المنام من الشعور. فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق: وإنما اشتد الوعيد على هذا؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله لحديث: (الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوءة (٦))، فهو من قِبَل الله، وبه تعلم أن هذا الكذب أعظم من شهادة الزور؛ لأن الكذب على الله أعظم من الكذب على المخلوقين، والكذب عليه ﷺ في الرؤية كالكذب عليه في الرواية. قاله ابن زكري. أو بعد ذهاب لذة بلا جماع يعني أن الغسل يجب على الشخص بسبب خروج المني منه إذا التذ لذة معتادة من غير جماع، ولو كان خروجه بعد ذهاب تلك اللذة المعتادة، وهذا هو

стр. 518

المشهور. وقيل لا يجب الغسل لعدم المقارنة، فلو احتلم رجل وهم أن ينزل فانتَبَه أو نُبهَ فلم يُنزِل فتوضأ. ثم أنزل فعليه الغسل قاله الإمام الحطاب. ولم يغتسل اعلم أن قوله: "أو بعد ذهاب لذة بلا جماع" شامل لصورتين، إحداهما أن لا يكون خرج مع اللذة المعتادة شيء من المني، والثانية أن يكون خرج معها بعض المني، ثم خرجت بقيته بعد ذهابها. فأما إذا لم يخرج من المني شيء فلا يجب الغسل بسبب اللذة المذكورة قبل خروج المني، فلو اغتسل قبل خروجه لم يجزه وأعاد الغسل بعد الخروج، هذا هو المشهور. وقيل لا يعيده، ومنشأ الخلاف، هل يشترط في وجوب الغسل مقارنته لخروج المني أو لا يشترط؟ وأما الصورة الثانية فيجب عليه الغسل بسبب ما خرج من المني أو لا، فإن اغتسل له ثم خرج منه بقية المني لم تجب إعادة الغسل على المشهور. فقول المص: "ولم يغتسل" خاص بالصورة الثانية، وسيصرح المص بمفهوم قوله بلا جماع. فتحصل من هذا أن من التذ بغير جماع ولم ينزل، ثم أنزل بعد ذهاب اللذة، اختلف فيه. فقيل يجب عليه الغسل؛ لأنه مستند إلى لذة متقدمة، وعليه لو اغتسل قبل خروج المني لم يجزه. وقيل لا يجب عليه الغسل لعدم المقارنة، وهذان القولان جاريان فيمن جامع واغتسل ثم أمنى، فقيل يجب الغسل، وقيل لا، وثم ثالث؛ وهو التفصيل بين أن يجب في الأولى دون الثانية، وهي مسألة ما إذا جامع فاغتسل ثم أمنى. وقد علمت أن مثلها ما إذا التذ بغير جماع، وخرج منه شيء من المني فاغتسل، ثم خرجت بقيته بعد ذلك. وعلم مما قررت أنه يشترط في وجوب غسل ظاهر الجسد بخروج المني يقظة أن يكون بلذة معتادة، ولهذا قال لا بلا لذة يعني أن المني لا يلزم الشخص غسل بخروجه منه حيث خرج بلا لذة، كمن لدغته عقرب فأمنى، أو ضرب فأمنى، وكما إذا خرج على وجه السلس سواء قدر على رفعه أم لا. وأما الوضوء منه ففيه التفصيل الذي قدمه المص. قاله الشيخ عبد الباقي. يعني بقوله: وبسلس فارق أكثر، وما ذكره التتائي من أنه إذا قدر على رفعه يوجب الغسل على المشهور، قال فيه الشيخ محمد بن الحسن: الظاهر أن ما ذكره التتائي غير صحيح. وقول عبد الباقي: وأما الوضوء منه الخ ابن الحاجب: وعلى النفي ففي الوضوء قولان: التوضيح بالوجوب،

стр. 519

والاستحباب. انتهى. يعني فيما إذا لم يكن سلسا كمن لدغته عقرب فأمنى، كما يفيده الشيخ الأمير. وأما إن كان سلسا فيجري على حكمه كما قدمته. والله سبحانه أعلم وفي الحطاب في نواقض الوضوء عن الشيخ زروق ما نصه: وقد يخرج المني بلا لذة ولا إنعاظ وهذا لا يجب منه شيء على المشهور. وقد مر أن تقسيم السلس لا يخص حدثا دون حدث، ولبعضهم: ولدغ لذي سم بإهمال أول … وللنار بالإهمال للثان فاعرفا والاعجام في كلّ والاهمال فيهما … من المهمل المتروك حقا بلا خفا وقد صح بالوجهين نقلا لمن يكن … بَذِيَّ لسان في المقالة مجحفا أو غير معتادة يعني أن خروج المني إذا كان بلذة غير معتادة فإنه لا يوجب غسلا، قالوا كمن حك لجرب، أو نزل في ماء حار، أو ركض دابته. وظاهر كلامهم أنه لا غسل عليه، ولو أحس بمبادئ اللذة ثم استدام ذلك. وقد قالوا في الحج إن ذلك يفسده. فانظره، قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ عبد الباقي: إن وجوب غسله ظاهر فيما إذا أنزل بهز الدابة له مع ركضه لها؛ لأنه شبيه بحالة الجماع. وقال الشيخ محمد بن الحسن: في حاشية اللقاني عن الجزولي ما نصه: واختلف في هز الدابة هل هو لذة غالبة أو نادرة؟ قولان، والمشهور وجوبه. انتهى. أي وجوب الغسل، وظاهره مطلقًا سواء أحس بمبادي اللذة أم لا، وقد بحث ابن مرزوق مع المص في قوله: "أو غير معتادة" بأن الراجح فيه وجوب الغسل كما اختاره اللخمي، وشهره ابن بشير. فانظره، انتهى. ويتوضأ راجع للمسألتين. أعني قوله: "بلا لذة"، وقوله: "أو غير معتادة" يعني أن المني إذا خرج عن غير لذة أو عن لذة غير معتادة وقلنا إنه لا يوجب غسلا، فإنه يوجب الوضوء على ما مر في السلس، فينقض الوضوء إن قدر على رفعه مطلقًا، أو لم يقدر، وفارق أكثر أجره على ما مر، فإن لم يكن سلسا كمن لدغته عقرب فأمنى، أو نزل في الماء الحار فأمنى فإنه يتوضأ وجوبا كما للأمير ثم شبه في الحكمين وهما: وجوب الوضوء، وعدم الغسل. قوله: كمن جامع فاغتسل ثم أمنى يعني أن من جامع فاغتسل سواء خرج منه مني أم لا، ثم بعد أن اغتسل خرج منه مني: فإنه يلزمه أن يتوضأ لما لا يحل للمحدث فعله، ولا غسل عليه. وقيل عليه الغسل، وكذا

стр. 520

لو جومعت في فرجها ثم اغتسلت فخرج مني الرجل من فرجها، فإنه يجب عليها الوضوء لذلك، ولا غسل عليها. وأما لو جومعت خارج الفرج، ودخل ماؤه فيها ثم خرج، فإنه لا يجب عليها وضوء بسبب خروجه، ولا غسل عليها بدخوله فيها حيث لم تنزل كما سيذكره. والفرق بين خروجه منها بعد دخوله فيها بوطء فيجب عليها الوضوء به، وبين خروجه منها بعد دخوله فيها بغير وطء، فلا يجب عليها أن الأول من الخارج المعتاد لجري العادة بخروجه منها حيث لم تحمل. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر لو ساحقت امرأة امرأة، ودخل ماء إحداهما في الأخرى واغتسلتا لوجوبه عليهما لخروجه بلذة معتادة لهما، ثم خرج ماء إحداهما من الأخرى، هل يجب عليهما الوضوء قياسا على جماعها بفرجها، أو لا؟ قياسا على جماعها دونه. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر إلحاقه بجماعها دون الفرج كما لا يخفى. والله سبحانه أعلم. والفرق بين هذه، يعني قوله: "كمن جامع" الخ، وبين اللذة بلا جماع يفيد الغسل عند خروج المني أن هذه صادف الغسل فيها محلا، بخلاف قوله: أو بعد ذهاب لذة بلا جماع، فإنه لم يصادف غسله محلا؛ إذ لا سبب له. انتهى. ولا يعيد الصلاة يعني أن من جامع فاغتسل وصلى ثم أمنى بعد الصلاة، فإن صلاته صحيحة ولا يعيدها. وكذلك من التذ بغير جماع، ثم خرج منه المني بعد أن توضأ وصلى، فإنه لا يعيد الصلاة فهو راجع إلى ما بعد الكاف. وإلى قوله: أو بعد ذهاب لذة بلا جماع كما نص عليه غير واحد، ولا يرجع لقوله: بلا لذة أو غير معتادة. قاله الشيخ إبراهيم، وهو ظاهر. ورد بقوله: "ولا يعيد الصلاة" ما نقله الإمام الحطاب عن الباجي، فإنه قال عند قوله: "ولا يعيد الصلاة" يرجع إلى مسألة من جامع فاغتسل ثم أمنى، وإلى مسألة من التذ بغير جماع ثم خرج منه المني بعد أن توضأ وصلى، فقد قال الباجي في المنتقى: إنه إذا قلنا بوجوب الغسل ففي إعادة الصلاة روايتان ورجح عدم الإعادة. انتهى المراد منه. وأشار إلى الأمر الثاني من موجبات الغسل الأربع بقوله: وبمغيب حشفة بالغ يعني أن مغيب جميع الحشفة من بالغ في الفرج قبلا أو دبرا يوجب الغسل على الفاعل والمفعول، نصوا على هذا: وهو كالصريح في أن الفعول به في اللواط يجب عليه غسل جميع ظاهر الجسد. والله أعلم. قال الشيخ الأمير: وعلى الفاعل والمفعول بمغيب حشفة بالغ وإن

стр. 521

جنيا؛ لأن لهم مالنا وفاقا للبدر القرافي والاجهوري، خلافا للحطاب. أو خنثى، ويوجب التغييب في فرجه أيضًا كبهيم وإن صغيرا: لأنَّها تلتذ به. لا ميت في فرج، أو دبرت أو ثقب البول. انتهى. وقوله: في فرج أو دبر متعلق بقوله: بمغيب، وقال عند قوله: كبهيم وإن صغيرا تشبيه في الوجوب، وقال عند قوله: لا ميت لعدم الانتشار، والنائم يجب عليهما كمع جنون ثم أفاق. انتهى. وفيه: وألغي الشفران. انتهى. وفيه: وإن من ميتة أو دبر نفسه. انتهى. وهو مبالغة في قوله: في فرج أو دبر أو ثقب البول. والله سبحانه أعلم. وقال ابن شعبان: جاءت السنة بوجوب الغسل إذا التقى الختانان. وذلك إذا غابت الحشفة وإن لم ينزلا جميعًا إذا كانا بالغين مسلمين. كان ذلك في قبل أو دبر، نائمين أو مستيقظين: طائعين أو مكرهين: أو رجلين أو رجل ومن قعد عن المحيض من النساء، أو كان ذلك الفعل في ميتة أو فرج بهيمة، أو امرأة استعملت ذلك من ذكر بهيمة: والمرأتان تفعلان ما يفعل شرار النساء تغتسلان بالإنزال لا بالفعل، وتؤدبان أدبا بليغا، يبلغ مائة سوط غير سوط كَيْ لا يبلغ بهما الحد فيما لم يأت فيه أثر مرفوع وقد كان الإمام مالك يأمر بالأدب المجاوز للحد فيما لا يوجب الحد كي يتناهى عن مواقعة حدود الله، وتحبسان مع هذا إن كانتا بالغتين. وإن كانت إحداهما لم تبلغ زجرت باليسير من الأدب. انتهى. نقله الإمام الحطاب. واعلم أن المراد بالتقاء الختانين: مغيب الحشفة في الفرج، فيه يحاذي ختانه ختانها، فالمراد بالالتقاء المحاذاة. وأما إن وضع ختانه على ختانها من غير تغييب الحشفة في فرجها، فلا يجب الغسل منه بإجماع الأمة. انظر تحقيق هذا عند قول المص: وختانه يومها، في باب الضحية. واعلم أن الوارد من الأحاديث بعدم وجوب الغسل إن لم ينزل منسوخ بحديث الصحيحين: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) (١))، زاد مسلم: (وإن لم ينزل) (٢))، وروى أبو داوود وغيره أن ذلك كان رخصة في أول الإسلام، أمر بالغسل (٣)). وروى مسلم: (إذا قعد بين

стр. 522

شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل (١))، ورواية أبي داوود: (وألزق الختان بالختان (٢))، ورواية الترمذي: (إذا جاوز الختان الختان (٣))، والمراد بالمس والإلزاق المجاوزة بالزاى؛ وهي المحاذاة المذكورة. قوله: بين شعبها الأربع، وهي: ساقاها وفخذاها. وقيل يداها ورجلاها، وقال القاضي عياض: شعب فرجها الأربع، أي نواحيه. قوله: ثم جهدها بفتح الجيم والهاء؛ أي جامعها، ولو غابت حشفة العنين في فرج زوجته أوجب ذلك الغسل عليهما؛ والصداق، وإفساد الحج، والصيام، ولم يحصنها، ولم يحلها. وقد اختلف فيه هو فقيل: يتحصن بذلك. وقيل: لا يتحصن، والصحيح أن يكون محصنا؛ لأنه متى غيب ذلك في فرج محرم عليه، وجب عليه الحد وعليها. والاختيار فيها أن تكون محصنة، ولا تحل لحديث العسيلة وإذا أدخلت المرأة حشفة ميت في فرجها فلا غسل عليها لعدم اللذة في ذلك، كما في الصغير، وهذا ما لم تنزل، فيجب عليها الغسل بالإنزال. واحترز المص بقوله: "حشفة" من مغيب بعض الحشفة، فلا يوجب غسلا، هذا هو المشهور. وقيل: إن غاب الثلثان منها وجب الغسل، وإلا فلا. نقله صاحب الحلل. ابن ناجي: ولا أعرفه. وقال اللخمي وابن العربي: بعض الحشفة لغو. قال الإمام الحطاب: وبعضها أعم من الثلثين. ومغيب الحشفة يوجب الغسل ولو كانت ملفوفة. قاله الشيخ زروق. ابن ناجي: معناه إذا كان اللف رقيقا. التادلي: اختلف في المسألة على ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان الحائل رقيقا وجب، وإلا فلا. وما ذكره التادلي ذكره ابن العربي في عارضته عن شيخه الفهري، وذكره الشيخ زروق أيضًا. قاله الإمام الحطاب. واحترز بقوله: "بالغ" من الصغير، فلا غسل عليها ما لم تنزل. كما يأتي إن شاء الله. وقد مر أنَّها لو أغابت ذكر ميت في فرجها فلا غسل عليها ما لم تنزل. وقوله: "وبمغيب حشفة بالغ" بانتشار أم لا، شابا، أو شيخا أو عنينا كما مر، وشمل أيضًا الوجوب على المفعول كما مر، وشمل أيضًا تغييب حشفة الخنثى الشكل في فرج غيره، فعليه الغسل وإن لم ينزل. وقد مر التفصيل بين الخرقة الكثيفة والخفيفة

стр. 523

على أحد الأقوال الثلاثة، والظاهر أن الخفيفة ما تحصل معها اللذة. وقوله: "بالغ" الظاهر أن اشتراط البلوغ خاص بالآدمي، فمن أدخلت ذكر بهيمة غبر بالغة، وجب عليها حيث كانت المرآة بالغة، وإن لم تنزل. انتهى قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. لا مراهق هذا محترز قوله: "بالغ"، يعني أن وطء المراهق للبالغة لا يوجب غسلا، لا عليه ولا عليها، حيث لم تنزل، وإلا وجب عليها، وهذا هو المشهور. وقيل يجب على البالغة الغسل بمغيب حشفة البالغ. والمراهق: ابن اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة كما في المدونة. قاله الشيخ محمد بن الحسن. والظاهر أن الرجل إذا وطئ جنية يجب عليه الغسل. قاله الأجهوري، وإن وجدت هي جنيا يطؤها، ونالت منه ما تناله من الإنسي فقد صرح أبو المعالي من الحنفية بأنه لا غسل عليها. قال ابن ناجي: وبه أقول: ولا أعرف فيها نصا في المذهب. انتهى قال الإمام الحطاب. وما قاله ظاهر ما لم تنزل فيجب عليها الغسل للإنزال، والظاهر أن الرجل كذلك انتهى وقد مر ما للأمير. أو قدرها يعني أن مقطوع الحَشفة إذا غيب قدر الحشفة في فرج، فإن ذلك يكون بمنزلة تغييب الحشفة، فيجب الغسل على الفاعل والمفعول، ومثل مقطوع الحشفة من لم تخلق له أصلا فيعتبر مغيب قدرها: وكذلك من خلقت له ولم تقطع، وثنى ذكره. والظاهر أنه يعتبر فيمن ثنى ذكره طوله لو انفرد، لا طوله منثنيا. وانظر لو كان ذكره كله بصفة الحشفة، هل يراعى أيضًا قدرها من المعتاد، أولا بد من تغييبه كله في إيجاب الغسل؟ قاله الشيخ عبد الباقي. والظاهر الأول كما صرح به الشيخ الأمير، ولفظه: واعتبر قدرها إن لم توجد معتادة فشمل ما كله حشفة. انتهى. في فرج متعلق بقوله: مغيب؛ يعني أن تغييب الحشفة أو قدرها في الفرج يوجب الغسل على الفاعل والمفعول. والمراد بالفرج هنا ما يشمل الدبر، فيجب الغسل بمغيب الحشفة في قبل امرأة أو خنثى مشكلا. كما يجب بمغيبها في دبر لرجل أو امرأة بشرط أن يكون الذي غيب في فرجه مطيقا، ولو في بهيمة أو خنثى، وإلا لم يجب إن لم ينزل، كما لو غيب بين شفرين أو في هوى الفرج لعدم التقاء الختانين. وإنما وجب الغسل بالتغييب في قبل الخنثى؛ لأنه يحتمل أن يكون رجلا فيكون عضوا زائدا، فلا يجب الغسل، وأن يكون فرج امرأة، فيجب. والشك في الجنابة معتبر عندنا، واتضح لك من هذا أنه يجب على الذكر البالغ المفعول به في اللواط غسل جميع

стр. 524

ظاهر جسده نسأل الله السلامة، وقد مر هذا. والله سبحانه أعلم. واتضح مما مر أن من غيب حشفته في فرج من لا تشتهى لا يجب عليه غسل، إلَّا أن ينزل. كما نص عليه غير واحد. وإن من بهيمة يعني أن مغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل، وإن كان هذا الفرج الذي غيبت فيه الحشفة أو قدرها فرج بهيمة مطيقة كما مر. أو ميت يعني أن مغيب الحشفة أو قدرها في الفرج قبلا أو دبرا يوجب الغسل، ولو كان هذا الفرج الذي غيبت فيه فرج ميت آدمي أو غيره، ولا يجب عليها غسل بتغييب ذكر ميت في فرجها لعدم لذتها به غالبا، ولا يعاد غسل الميتة. قاله في العارضة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: يعاد، والأول أصح؛ لأن التكليف ساقط عنها، وما تعبد به الحي من غسلها قد انقضى. قاله الإمام الحطاب. وندب لمراهق يعني أن المراهق إذا وطئ بالغة، أو صغيرة مطيقة، فإنه يندب له الغسل كصغيرة وطئها بالغ يعني أن الصغيرة التي تؤمر بالصلاة يندب لها الغسل إذا وطئها بالغ. وحاصل ما أشار إليه الشيخ عبد الباقي وغيره، أن الصور أربع: بالغان يجب عليهما الغسل كما أفاد ذلك بقوله: "وبمغيب حشفة بالغ"، صغيران يؤمران بالصلاة، وإن لم يكونا مراهقين يندب لهما الغسل. صغير يؤمر بالصلاة وطئ كبيرة يندب الغسل له، ويندب لها. هي أيضا، إلَّا أن تنزل، فيجب عليها. صغيرة تؤمر بالصلاة وطئها بالغ، يجب عليه، ويندب لها. فتلك أربع صور. وقد مر أن البالغ إنما يجب عليه الغسل بوطء المطيقة، فقوله: "كصغيرة"، أي مطيقة. قاله الشيخ الخرشي، قال: فإن لم تطق فلا شيء على البالغ، ويجب عليه ما شانها عند الأزواج. فلو ظهر لوطوءة المراهق حمل فتؤمر بالغسل من يوم الوطء، وتعيد الصلاة فيما بينها وبين الله، لا بحسب الظاهر لاحتمال حملها من غيره. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: ولو وجدت إنسية من نفسها أن جنيا يطؤها ولم تنزل، فلا غسل عليها إن لم يحصل لها شك في الإنزال، وإلا وجب عليها لما مر من أن شك الجنابة يوجبها. هذا هو القياس. وأطلق ابن ناجي عدم الوجوب، وفيه بحث، وأما الرجل يتزوج جنية، ويتحقق مقاربته لها على وجه لا يشك فيه كأنها إنسية، فعليه الغسل، وإن لم ينزل، كما أفتى به الأجهورى قائلا خلافا لما استظهره الحطاب من عدم وجوبه، لما مر من أن شك الجنابة يوجبه. انتهى.

стр. 525

لا بمني وصل للفرج يعني أن المرأة لا يجب عليها الغسل بسبب وصول مني الرجل إلى فرجها بغير جماع فيه، فإن جامعها خارج الفرج فأنزل، فدخل ماؤه في فرجها، فلا غسل عليها ولو كانت قد التذت من رصول منيه لفرجها حيث لم تحمل، وأما إن حملت فيجب عليها الغسل، وتعيد الصلاة من وقت وصوله؛ لأنَّها لا تحمل إلَّا بانفصال منيها. وهذا مشهور مبني على ضعيف، وهو قول سند المتقدم: إذا علمت انفصال مائها يجب عليها الغسل، وإن لم يخرج منيها من فرجها، أو يقال نزل الحمل منزلة البروز. وأما لو جلست على مني رجل في حمام مثلا، فشربه فرجها فحملت: فلا يجب عليها غسل؛ لأنها لذة غير معتادة: ويلحق الولد بزوجها، ولا ينتفي عنه إلَّا بلعان. إلَّا أن تأتي به لدون ستة أشهر من يوم العقد. قاله الشيخ عبد الباقي. ونقل الشيخ محمد بن الحسن أن هذه المسألة لا تكون، وأنها محال، قال: وحينئذ فدعواها أنَّها حملت من ذلك لا تكون شبهة يدرأ بها الحد، بل الحد واجب؛ لأنَّها ادعت ما لا يكون. والله سبحانه أعلم. انتهى. وقال الشيخ الأمير: وهذا في خاصة نفسها، وإن لم نعترف لها بذلك. وقوله: "ولو التذت" هذا قول ابن القاسم لحمله قول مالك في المدونة: ما لم تلتذ على الإنزال، وأبقاها الباجي والتونسي على ظاهرها؛ أي أنَّها يجب عليها الغسل إذا التذت ولو لم تنزل. وهو المردود بلو. وقوله: "لا بمني وصل للفرج" كما لا يجب عليها الغسل، لا يجب عليها الوضوء بوصول المني لفرجها من دون لمس؛ لأنه ليس بحدث، ولا سبب، ولا غيرهما مما ينقض. قاله الشيخ عبد الباقي. بل لو وصل إلى فرجها بلمسه لها، أو مباشرته لها من غير قصد اللذة منها، ولا وجدان: لم يجب عليها وضوء كما هو واضح. وبحيض هذا هو الثالث من الأمور الأربعة الموجبة للغسل؛ يعني أن الغسل يجب بالحيض، لكن لا يصح إلَّا عند انقطاع دم الحيض. والحيض: دم يلقيه رحم معتاد حملها. انظر الشبراخيتي. ونفاس يعني أن النفاس يوجب الغسل. والمراد بالنفاس هنا: تنفس الرحم بالولد، ويجب الغسل بتنفس الرحم بالولد حيث كان. بدم أي مصاحبا لدم مع الولد، أو قبله لأجله، أو بعده. ولم يرد بالنفاس هنا الدم، إذ لو أراد لما قيده بقوله: "بدم"، ويدل لذلك أيضًا قوله: واستحسن وبغيره يعني أن بعض الشيوخ استحسن القول بوجوب الغسل بالنفاس ولو خرج الولد بلا دم، ويشير

стр. 526

بذلك إلى قول ابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب: فإن ولدت بغير دم فروايتان، الظاهر من الروايتين الوجوب حملا على الغالب. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وعلى القول بعدم الوجوب فيستحب الغسل؛ لأنه لا يأتي إلَّا بخير. قاله الإمام الحطاب. فإن قيل: الاستحسان إنما هو في ولادته بغير دم، لا فيما إذا ولد بدم، ففي الإتيان بالواو إشكال. فالجواب أنه نقل عن مالك روايتان، إحداهما؛ مفصلة بين أن يخرج الولد بدم، فيجب الغسل، وبين أن يخرج بلا دم، فلا يجب الغسل، بل يندب. والأخرى أنه لا فرق، فهو واجب على كلّ حال خرج بدم أو بلا دم، وهذه هي المستحبة، فلذا حسنت الواو. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال بعضهم: إن الواو للحال. وعلم مما قررت أن الحيض والنفاس من موجبات الغسل، وأما انقطاعهما فهو شرط في صحته. ابن ناجي: وكان بعض من أدركناه يحكي عن من يثق به أنه شاهد خروجه بلا دم البتة، ولم يعقبه دم بعده. لا باستحاضة هذا محترز قوله: "وبحيض"، يعني أن الاستحاضة لا يجب بها الغسل. والاستحاضة هي: الدم الآتي عقب الحيض والنفاس، وإذا لم يجب الغسل بدم الاستحاضة فإنه يندب عند انقطاعه، وإلى ذلك أشار بقوله: وندب لانقطاعه لاحتمال أن يكون خالطه دم حيض ولم تشعر به، وندب أيضًا اتصاله بالصلاة إن حمل على انقطاع يعود بعده. قوله: "واستحسن وبغيره" فلو خرج الولد جافا بغير دم، فهل ينقض الوضوء أو لا؟ قولان مبنيان على القولين بوجوب الغسل، وندبه. وقد تقدم ذلك في نواقض الوضوء، واللام في قوله: "لانقطاعه" بمعنى: عند. كما في الشيخ الخرشي. ويجب غسل كافر بعد الشهادة يعني أن الكافر إذا أسلم وتلفظ بالشهادة فإنه يجب عليه الغسل إذا تقدم له سبب يقتضي وجوب الغسل من الموجبات الأربع، الإنزال، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس. فإن لم يتقدم له شيء من ذلك لم يجب عليه الغسل، بل يندب. ولهذا قال: بما ذكر أي يجب عليه الغسل بسبب شيء مما ذكر من موجبات الغسل، لا إن لم يقع له شيء من ذلك، فلا يجب بل يندب: وهذا هو المشهور. وقيل: يجب، وإن لم يتقدم له سبب، لأنه تعبد. ورد المصنف هذا القول بقوله: "بما ذكر" وهو متعلق بقوله: "يجب" والباء للسببية

стр. 527

كما قررت، ورد بقوله: "يجب" قول القاضي إسماعيل: الغسل مستحب، وإن كان جنبا؛ لأن الإسلام يَجُبُّ في قبله. وألزمه اللخمي بسقوط الوضوء؛ لأن الإسلام إن كان يَجُبُّ ما قبله من حدث في حال الكفر جب فيهما، وإلا فلا. وأجيب: بأن إسماعيل علل وجوب الوضوء؛ بأن الصلاة لا تصح إلَّا به، لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. الآية. قاله الشيخ محمد بن الحسن. قال جامعه عفا الله عنه: إن كان إسماعيل علل وجوب الوضوء بأن الصلاة لا تصح إلَّا به لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، كذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ وهو واقع بعد قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فيكون المعنى: إن كنتم غير جنب. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فلا يندفع البحث المذكور والله سبحانه أعلم. لكن يدلُّ لقول إسماعيل قول مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أمر أحدا إذا أسلم بالغسل، ولو أمرهم لاشتهر وقد قدمت تبعا لغير واحد أن المشهور أنه لا يجب الغسل على الكافر إذا أسلم، إلَّا بسبب موجب من الأربع. وقال الفاكهاني: المشهور وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم. وإن لم يقع له موجب من الأربع. قال الشيخ عبد الباقي: والمراد بالشهادة ما دل على ثبوت الوحدانية لله تعالى، وثبوت الرسالة لمحمد ﷺ ، بشرط عدم اعتقاد مكفر، كزعم عدم عموم رسالته، وأنها للعرب، وعدم فعل أو قول مكفر، ولا يشترط لفظ أشهد، ولا النفي، ولا الإثبات كما صرح به الأبي كالمشدالي. وقال: إنه المنصوص عليه عندنا. واقتصر الشيخ سالم على كلام الأبي فيفيد قوته، خلافا لابن عرفة في أنه لابد من لفظ الشهادتين. ولا يشترط أيضًا الترتيب، ولا الفورية كما يفيده غير واحد كالسنوسي، ولا اللفظ العربي من قادر عليه كذا يفيده الأجهوري. وقال، يعني الأجهوري في باب الأذان: العيسوي إذا نطق بالشهادتين لا يعتد بنطقه عند الله: وأما إن رفع للقاضي فيحكم بإسلامه. انتهى. ونقل الشيخ محمد بن الحسن في الشهادتين أن الأولى لا تستلزم الثانية، وأن الثانية تستلزمها. ونقل أنهم اختلفوا هل يتعين الدخول في الإسلام أو لا؟ بل يكفي كلّ ما يدلُّ على الإسلام من قول أو فعل على قولين. قال الشيخ أبو زيد: ومبنى الخلاف على أن المقاصد معتبرة بما يدلُّ

стр. 528

عليها كيف كان، أو لا بد من اللفظ المشروع، والأصل في ذلك قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله) (١))، وحديث خالد؛ حيث قتل من قال صبأنا؛ أي أسلمنا، ولم يحسنوا غير هذا، فقال ﵊: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) (٢))، ثم وَدَاهم ﵊، وعذر خالدا في اجتهاده. انتهى. وصح قبلها وقد أجمع على الإسلام يعني أن من كان كافرا يصح غسله إذا أجمع على الإسلام؛ أي صمم وعزم عليه بأن تكون نيته النطق بالشهادتين، بأن آمن بقلبه، ولم يتلفظ بالشهادتين، ولكنه صمم على النطق بهما. فقوله: "وصح قبلها"، أي الشهادة بمعنى الشهادتين؛ لأنَّها صارت علما عليهما كما في ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، أي الشهادتين. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وقد أجمع" جملة حالية؛ أي والحال أنه قد أجمع، وأجمع على كذا عزم عليه. وإنما صح الغسل قبل النطق بالشهادتين؛ لأن إسلامه بقلبه إسلام حقيقي، ولو مات قبل نطقه، مات مؤمنا. قاله ابن رشد. ابن العربي: الصحيح لا يكون مسلما حتى ينطق، ولا يصح غسلة قبل نطقه. ولعل قول ابن رشد في العازم، وابن العربي في غيره، أو فيه، وهو أبى لاستحياء ونحوه كأبي طالب، وعبر بصح لإفادة عدمها في المخرج؛ ولأن غسله قبلها خلاف الأولى، وقوله: "وصح الغسل" الخ، أي سواء نوى الجنابة أو مطلق الطهارة أو الإسلام؛ لأنه نوى أن يكون على طهر من كلّ ما كان فيه؛ وهو يستلزم رفع المانع، واعتقاد الإسلام يصحح القربة. وكذا يقال في الحائض والنفساء الكافرتين إذا عزمتا على الإسلام، ومثل الغسل الوضوء والتيمم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: سواء نوى الجنابة أو مطلق الطهارة أو الإسلام أي وأما إذا نوى التنظيف أو إزالة الأوساخ فإنه لا يجزئه عن غسل الجنابة، قاله اللخمي. وتنظير الحطاب فيه بقول ابن رشد: إذا اغتسل نوى الجنابة فإن لم ينو الجنابة، ونوى به الإسلام، أجزأه؛ لأنه أراد به الطهر من كلّ ما كان فيه. انتهى. فيه نظر، فإن بين مسألتيهما ما بين الضب والنون. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وما شرحت به قول المصنف: وقد أجمع على الإسلام، من أنه آمن بقلبه بالفعل، هو

стр. 529

مقتضى ما للشيخ الحطاب والشيخ عبد الباقي، وهو خلاف ما للشيخ إبراهيم من شموله لمن لم يؤمن بقلبه. لكنه عزم عليه، فإنه قال عند قوله: "وقد أجمع على الإسلام": وأولى إذا آمن بقلبه. انتهى. والظاهر الحمل الأول، وأن هذا الأخير لا يصح؛ لأنه لا اعتداد بفرع من فروع الإسلام مع عدم الإيمان بالقلب. والله سبحانه أعلم. لا الإسلام يعني أنه إذا عزم وصمم على النطق بالشهادتين، ومات قبل أن ينطق بهما، فإنه لا يصح إسلامه، بمعنى أنه لا تجري عليه أحكام الإسلام، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يرث مسلما، ولا يرثه مسلم، ولا يدفن في قبور المسلمين. وأما إسلامه فيما بينه وبين الله فصحيح، وبحسب الظاهر ليس بصحيح، فلا تجري عليه أحكام الإسلام، ولهذا قال: "لا الإسلام" ولم يقل: لا الإيمان إلا لعجز يعني أن محل كونة لا تجري عليه أحكام الإسلام، إنما هو حيث لم يكن عدم نطقه بالشهادتين لعجز. فأما إن كان لعجز كخوف مثلا. فإنه يصح إسلامه، ويصدق عند المفتي وغيره إن ادعاه بعد زوال خوفه مثلا، وعند القاضي إن قامت بذلك قرائن، وفائدة تصديقه الآن فيما مضى، الإرث. فيرث من مسلم موروث له مات حال عدم نطقه لعجز. وكونه يصح إيمانه فيما بينه وبين الله: هو لابن رشد واللخمي والمازري والمحققين والجمهور. وذكر القاضي عياض فيمن صدق بقلبه ثم اخترمته المنية قبل اتساع وقت الشهادة بلسانه، قولين قال: والصحيح أنه مؤمن مستوجب للجنة. وذكر فيمن صدق بقلبه وطالت مهلته: وعلم ما يلزمه من النطق بالشهادة ولم ينطق بها ولا مرة في عمره، قولين أيضًا، والصحيح أنه ليس بمؤمن. انتهى مختصرا. وإذا جمعت المسألتين حصل فيهما ثلاثة أقوال: الإجزاء فيهما: وعدمه فيهما: وثالثها الصحيح الإجزاء في الأولى دون الثانية، ونحوه في القباب والتونسي. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ محمد بن الحسن: حمل المصنف على أن معنى قوله: "لا الإسلام" لا تجري عليه أحكام الإسلام، مبني على أن النطق شرط في إجراء الأحكام الظاهرة فقط متعين؛ وهو المنسوب للجمهور، وبذلك الحمل ينتفي الإشكال عن المصنف. وقيل: شرط في صحة الإيمان وقال عياض: إنه المذهب. وأشار في المراصد إلى الخلاف في ذلك والتفصيل فقال:

стр. 530

ومن يكن ذا النطقُ منه ما اتفق … فإن يكن عجزا يكن كمَن نطق وإن يكن ذلك عن إباء … فحكمة الكفر بلا امتراء وإن يكن لغفلة فكالإبا … وذا الذي حكى عياض مذهبا وقيل كالنطق وللجمهور … نسب والشيخ أبي منصور المسناوي: هذا التفصيل إنما هو في الكافر، وأما من ولد في الإسلام فهو على الفطرة الإسلامية، وإنما يجب عليه النطق وجوب الفرع، فإذا تركها مع الإمكان كان عاصيا لا كافرا، ولا يجري فيه التفصيل المذكور، وهذا هو التحقيق خلافا لما في شرح المرشد. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن بناني. ولو كان الكافر يعتقد دينا يرى الغسل من الجنابة، فاغتسل من جنابته في حال كفره، ثم أسلم، فإنه لا يجزئه ذلك؛ لأن الكفر لا تصح معه قربة بوجه. وزعم بعض الشافعية أنه يجزئه تخريجا على صحة غسل الذمية من الحيض، فإنها إذا أسلمت بقي زوجها على استباحة الوطء بذلك الغسل، وهذا فاسد، فإن غسل الذمية وقع صحيحا حال الكفر في حق الآدمي، ولم يقع عبادة بخلاف الغسل في حق الله تعالى. نقله الإمام الحطاب. قال: فعلم أن الذمية إذا أسلمت يجوز لزوجها وطؤها قبل أن تغتسل. انتهى أي لكونها اغتسلت في حال كفرها ولم تحض بعد ذلك، ويؤمر من أسلم بأن يختتن، ويحلق رأسه إن كان شعر رأسه على غير زي العرب. قاله في الطراز. وقال: واستحب مالك أن يحلق على عموم الأحوال، وفي الحديث أنه قال للذي أسلم (ألق عنك شر الكفر واختتن) (١))، أي الشعر الذي هو من زي أهل الكفر. وقد كانت العرب تدخل في دين الله أفواجا ولم يرو في ذلك أنهم كانوا يحلقون. انتهى. قال الإمام الحطاب: وانظر قوله واستحب مالك، لعله: واستحب الشافعي، فإن القرافي نقله في الذخيرة بلفظ: واستحب الشافعي مطلقًا، وآخر كلام صاحب الطراز يدلُّ على ذلك. والله أعلم. انتهى.
следующие страницы →