المظاهر إذا وطئ المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة واحدة بعد أن أخرج بعض طعام الكفارة حيث كان يكفر بالإطعام فإن ذلك يبطل الإطعام، ويلزمه أن يبتدئ الكفارة ولو لم يبق من لكفارة إلا إطعام مسكين واحد، كان ذلك الوطء عمدا أو نسيانا أو جهلا أو غلطا ليلا أو نهارا، هذا هو المشهور؛ وقال ابن الماجشون: الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقا والاستئناف أحب إلي لأن الله تعالى إنما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في العتق والصوم، ولم يقله في الإطعام، ومثل الوطء المقدمات على المشهور كما مر في الصوم، لكن مقتضى المص أن التلذذ بغير الوطء لا يبطل في الصوم ولا في الإطعام وشهره يوسف بن عمر كما مر في الصوم، وعبر المص في الصوم بالتتابع وفي الإطعام بالبطلان لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع لكونه لا يجب فيه حتى يقال انقطع. وبفطر السفر يعني أن المظاهر إذا كفر بالصوم ثم سافر في أثناء الكفارة سفرا تقصر فيه الصلاة فأفطر لأجل سفره المذكور فإن تتابع صومه يبطل ويلزمه أن يبتدئ الكفارة لأن رخصة السفر مختصة برمضان، وقوله: وبفطر السفر، الإضافة بمعنى في، قاله عبد الباقي. وقال الشارح مفسرا لقوله: وبفطر السفر، ما نصه: وكذا ينقطع تتابع صومه إذا سافر قبل تمامه فأفطر فيه، ويستأنفه لأن فطر السفر اختياري. انتهى. أو بمرض هاجه يعني أن المظاهر إذا أفطر لأجل مرض هاجه الشخص المظاهر أي أدخله على نفسه بسبب اختياري منه سفرا أو غيره، كأكل شيء يعلم من عادته أنه يضر به فإنه ينقطع تتابع صومه ويبتدئه، فالضمير المنصوب في هاجه للمرض، والمستتر يعود على الشخص المظاهر، وهذا التقرير الذي قررت هو لبناني وقرره غيره على أن الضمير المستتر عائد على السفر قال بناني عند قول عبد الباقي: هاجه؛ أي حركه السفر: هذا فرض مسألة فقط، والمدار على أنه أدخل على نفسه المرض بسبب اختياري سفرا أو غيره، كأكل شيء يعلم من عادته أنه يضر به ثم أفطر، وعلى هذا فيجعل الضمير في هاجه للشخص أي هاجه الشخص بسفر أو غيره والله أعلم. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: هاجه، أي حركه السفر: ولو وهما. انتهى. لا إن لم يهجه يعني أن المظاهر إذا تحقق أن المرض لم يهج من فعله بل هاج بنفسه أو لم يحصل هيجان أصلا بأن قال الأطباء: إنه هاج من غير ذلك الفعل فأفطر لأجل المرض فإنه لا ينقطع التتابع، بل يبني على صومه إذا صح على المشهور.
стр. 4692
تنبيه: يقال: هاج الشيء بنفسه ثار وهاجه أثاره لازم متعد ثم شبه في عدم القطع في كفارة الظهار عدم قطع كفارة غير الظهار لعدم تصوره من امرأة ولو ملكها الزوج أمرها، فقال: كحيض يعني أن المرأة إذا وجب عليها صوم متتابع ككفارة قتل ومنذور متتابع فشرعت في ذلك الصوم ثم إنها طرأ عليها الحيض أو النفاس في أثناء ذلك الصوم فأفطرت لأجله فإنه لا ينقطع تتابع صومها. بل تبني عقب زوال المانع. وإكراه يعني أن الفطر لأجل الإكراه لظاهر أو غيره ممن لزمته كفارة بشيء مما مر في قوله: بخوف مؤلم لخ؛ لا يقطع التتابع فيما يجب فيه بل يبني بعد زوال الإكراه. وظن غروب يعني أن الفطر لأجل ظن الغروب لا يقطع التتابع فيما يجب فيه بل يبني، وظن استصحاب الليل أحرى، وقد صرح به في المدونة، وهذا من أمثلة الخطإ، وفيه وفي السهو، ثلاثة أقوال، قيل: لا ينقطع بهما وهو المشهور، وقيل: ينقطع بهما، وقيل: ينقطع بالسهو، ومن صام تسعة وخمسين ثم أصبح مفطرا معتقدا التمام فقد أدخله المص في التوضيح في الخطإ فلا يقطع التتابع؛ قال الحطاب: وهو من التفرقة نسيانا. انتهى. قال محمد بن الحسن بناني: والتفرقة نسيانا تقطع التتابع، لما فيها من تبييت الفطر على المشهور في المذهب كما صرح به ابن رشد ونقله الحطاب، وكذا في أبي الحسن عن أبي عمران ونصه المخطئ في العدد حتى يظن أن هذا اليوم هو الموفي إحدى وستين فيفطره فإذا هو الموفي ستين وناسي اليوم وجب عليه أن يصله بصومه ففصله، فهذان يجب عليهما الاستئناف لأنهما بيتا الفطر بخلاف من بيت الصوم فأكل ناسيا فهذا لا يلزمه الاستئناف. انتهى كلامه. فتبين أن صورة التوضيح من التفرقة نسيانا كما قال الحطاب. وأنها تقطع التتابع على المذهب، ومفهوم ظن غروب، أن فطره مع شك غروب يقطع، كتعمده ولعل محل القطع بالشك حيث استمر عليه أو ظهر فطره نهارا لا إن أفطر ليلا. قاله عبد الباقي. وفيها ونسيان يعني أنه وقع في المدونة: أنه لا ينقطع التتابع بالفطر نسيانا، قال فيها: من أكل ناسيا في صوم ظهار أو قتل نفس أو نذر متتابع أو أكره على الفطر أو تقيأ أو ظن أن الشمس قد غربت فأكل أو أكل بعد الفجر ولم يعلم، أو وطئ نهارا غير التي تظاهر منها ناسيا فليقض في ذلك يوما يصله بصومه، فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوله. انتهى. قال ابن ناجي في شرحها: ما ذكره في النسيان والإكراه لا أعلم فيه خلافا. انتهى. ولابد من قضاء الصوم الذي أفطره لإكراه أو ظن غروب أو نسيان واصلا له بصومه فإن لم يصله ابتدأ الصوم كله،
стр. 4693
وقوله: وفيها ونسيان هو في غير وطء المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة واحدة كما مر، وأما هما فقد مر أن وطء واحدة منهما يقطع التتابع وإن ليلا ناسيا والله سبحانه أعلم. ويأتي زيادة بيان لهذا عند قول المص: وشهر أيضا القطع بالنسيان. وبالعيد إن تعمده يعني أن من تعمد صوم شهرين يعلم أن العيد فيهما صامه عمدا أو نسيانا أو لم يصمه أصلا فإن ذلك التعمد يقطع التتابع فلابد من أن يستأنف صوم شهرين متتابعين، فإذا تعمد صيام ذي القعدة وذي الحجة لظهار عليه فإنه ينقطع تتابع صومه فيستأنف. لا جهله يعني أن من جهل أن العيد يأتي في صومه لظهاره مثلا لا يبطل تتابعه بسبب العيد فيبني، وأما جهل أن العيد يحرم صومه واعتقاد حله فيبطل تتابعه عند جمع على ما يفيده نقل التتائي عن التوضيح عن عياض عن المبسوط والمدونة، وقال أبو الحسن: لا يبطل كجهل العين وهو أظهر. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: وفي المدونة: ومن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه لم يجزه، قال مالك: إلا من فعله بجهالة وظن أن ذلك يجزئه فعسى أن يجزئه، ونحوه لابن حبيب: إن كان عالما ابتدأ وإن كان جاهلا أجزأه، وقال أشهب وسحنون: لا يجزئه. انتهى. وهل إن صام العيد وأيام التشريق يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول الإمام في المدونة: إلا من فعله بجهالة وظن أن ذلك يجزئه فعسى أن يجزئه، فمنهم من حمله على أن محل الإجزاء مع الجهل إنما هو حيث صام العيد وأيام التشريق وهي الأيام الثلاثة بعد يوم العيد، ويقضيها كلها متصلة بصيامه ويبني على ما صامه قبلها. وإلا يصم العيد وأيام التشريق بطل تتابعه، واستأنف أي ابتدأ الصيام من أوله أو يفطرهن يعني أن من الأشياخ من ذهب إلى أن قول الإمام المذكور غير مقيد بصيام الأيام المذكورة، بل قوله بالإجزاء في حالة الجهل مطلق سواء صام الأيام المذكورة أو أفطرها، فله أن يفطرهن وإذا أفطرهن فإنه يبني قضاءها متصلا بصومه. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، الأول لابن المكاتب فإنه صرح بأنه يصومها ويقضيها كلها متصلة بصيامه ويبني على ما صامه قبلها، والثاني لابن أبي زيد وهذا الذي ذكرته تقرير للمص بحسب ظاهره، وفي كلامه أمور، أحدها: أن تأويل ابن المكاتب أضعف من تأويل ابن أبي زيد فعليه مشاحة في تقديمه لأنه يقتضي قوته ومساواته للثاني وليس كذلك والمراد بصوم يوم العيد على القول به الإمساك فيه لا حقيقة الصوم، ثانيها: أنه يقتضي جريان التأويلين في رابع النحر وليس كذلك، بل هما متفقان على أن فطره يقطع
стр. 4694
التتابع، ثالثها: أن ظاهر قوله: أو يفطرهن، أنه مطلوب بفطر الثاني والثالث مع أن التأويلين متفقان على طلب صوم اليومين المذكورين، وانظر هل وجوبا أو ندبا؟ وهو المظاهر. قاله غير واحد. وإنما محل الخلاف إذا أفطرهما هل يبني أو يستأنف، فلو قال: لا جهله إن صام ثاني النحر وثالثه وإلا فهل يبني أو يستأنف؟ تأويلان؛ لمسلم من هذه الإيرادات الثلاثة. والله سبحانه أعلم. وقوله: تأويلان، تأول المدونة أيضا ابن القصار على أنه أفطر يوم النحر فقط، قال ابن عرفة: في حعل المدونة على أنه وإن أفطر أيام النحر أو على أنه أفطر يوم النحر فقط: ثالثها على أنه صام أيام النحر كلها، الأول لابن أبي زيد، والثاني لابن القصار، والثالث لابن المكاتب. انتهى. زاد ابن يونس في الثالث: أنه يقضيها ويبني، قال: وهذا أي الثالث أضعف الأقوال. انتهى. قاله بناني. وقال الأمير: وأبطل العيد التتابع إن تعمده وعلم أنه يقطع التتابع وإلا فلا، ولو لم يمسك فيه على الراجح وصام تاليي النحر وأجزأ، وهل يقطع فطرهما خلاف. انتهى. وجهل رمضان كالعيد يعني أن حكم جهل رمضان كحكم جهل العيد في أنه لا يقطع التتابع؛ فإذا ظن أن شعبان، رجب وظن أن رمضان شعبان فإنه يصوم رمضان لفرضه ويقضيه لظهاره متصلا بصيام فرضه بأن يصوم شوالا ولا يصوم أوله بل يقضيه؛ وقوله: وجهل رمضان المراد بالجهل هنا هو المراد به فيما سبق؛ أي هل المراد جهل الحكم أو جهل العين؟ وقوله: وجهل رمضان كالعيد هذا قول ابن حبيب ورجحه ابن يونس، قال: لأن الجهالة عذر، ولهذا قال: على الأرجح ومقابله لبعض القرويين أنه لا يجزئ لأنه تفريق كثير، وقوله: وجهل رمضان وأما إن علمه وصامه عن ظهاره لم يجزه وكذا لو شرك فيه فرضه وظهاره. فاله الشبراخيتي. وبفصل القضاء يعني أن الكفر إذا أفطر لمرض فإنه إذا صح يبني كما مر فيجب عليه أن يصل قضاء ما أفطر فيه بصيامه فإذا فصله عامدا أو ناسيا بطل تتابعه ويبتدئ الصوم من أوله. قال عبد الباقي: وانقطع تتابعه بفصل القضاء بما يجوز أداء الصوم فيه وأفطره، وأما إن فصله بما لا يجوز الأداء فيه وأفطره عمدا فإنه لا يقطع التتابع كيوم العيد، أشار له التتائي وقوله: القضاء. أي قضاء ما يبني مع فطره كحيض وإكراه؛ أي إذا لم يصل ما وجب عليه قضاؤه بصيامه فإن ذلك يكون قاطعا لتتابعه. وسواء فصله عمدا أو نسيانا، ويبتدئ الصوم من أوله قال أبو الحسن: ولم يعذره بالنسيان الثاني كما مر فيمن نسي شيئا من فروض الوضوء والغسل ثم تذكره فلم يغسله حين ذكره فإنه يبتدئ
стр. 4695
الطهارة نسي ذلك أو تعمده. انتهى. قوله: ولم يعذره بالنسيان الثاني هذا يقتضي أنه إن أكل ناسيا مرة ثانية ينقطع التتابع وليس كذلك، والظاهر في الفرق بين الأكل ناسيا وفصل القضاء ما ذكر أبو الحسن عن أبي عمران من أن فصل القضاء لم يبيت فيه الصيام بخلاف النسيان. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وشهر أيضا القطع بالنسيان يعني أن ما مر من قوله: وفيها: ونسيان، هو الذي شهره ابن الحاجب وحكى ابن راشد القفصي عليه الاتفاق، لكن شهر ابن رشد على ما في التوضيح خلافه، وهو أن التتابع يقطع بالفطر نسيانا كما قال هنا، وشهر أيضا القطع بالنسيان وشرحت المص بهذا؛ لأنه عزا في التوضيح التشهير بالقطع نسيانا لابن رشد ونازعه الحطاب بأن ابن رشد إنما ذكر التشهير في فصل القضاء نسيانا، وقال الحطاب بعد جلب نقول عن ابن عرفة واللخمي: فبان من كلامهما أنهما لم ينقلا الخلاف إلا في تفرقة النسيان لا فيمن أفطر ناسيا كما قال المص في التوضيح، والحاصل أن من أفطر في يوم من الكفارة ناسيا بعد أن بيت الصوم لا ينقطع تتابعه بل يبني بأن يصل قضاء ما أفطر فيه ناسيا بصيامه وكون هذا لا ينقطع تتابعه، إما متفق عليه، وإما هو العول عليه، وأما التفرقة نسيانا في فصل القضاء فالمشهور أنها تقطع التتابع، ومحمد بن عبد الحكم يرى أنه يعذر في فصل القضاء بالنسيان لأنه أمر غالب كالمرض، وأما من اعتقد أنه صام ستين يوما فبيت الفطر ثم تبين أنه صام تسعة وخمسين يوما، فقد قال الحطاب: أدخله المص في التوضيح في الخطإ وهي من التفرقة نسيانا، واعلم أن هنا ثلاثة أمور، الخطأ والنسيان أي الفطر في النهار ناسيا وفصل القضاء نسيانا، فالخطأ كظن غروب كالفطر في النهار نسيانا فلا يقطعان التتابع على المشهور، وفيهما ثلاثة أقوال كما مر، قيل: لا يقطعان وهو المشهور، وقيل: يقطعان التتابع، وقيل: يقطع النسيان التتابع دون الخطإ؛ وقد مر عن ابن راشد: أن الفطر نسيانا لا يقطع التتابع اتفاقا، وأما فصل القضاء نسيانا فإنه يقطع التتابع على المشهور، خلافا لابن عبد الحكم، وفي حكم فصل القضاء نسيانا في أنه يقطع التتابع من اعتقد أنه صام ستين يوما فبيت الفطر ثم تبين أنه صام تسعة وخمسين يوما خلافا لما في التوضيح. والله سبحانه أعلم. وحمل عبد الباقي قول المص: "وشهر أيضا القطع بالنسيان"، على أن معناه بفصل القضاء نسيانا فهو متصل بما قبله من قوله: "وبفصل القضاء"، قال: وهذا عطف على محذوف قبله تقديره: وبفصل القضاء غير نسيان، وشهر أيضا القطع بالنسيان، ويكون
стр. 4696
قوله: أيضا، متعلقا بانقطع لا بفصل، لاقتضاته أن هنا قولا شهر بأن فصل القضاء ناسيا لا يقطع وليس كذلك. انتهى. قال بناني: حمله على هذا وإن كان فيه تكلف لأن هذا هو الذي وقع فيه تشهير ابن رشد. انتهى. وقوله: وشهر أيضا القطع بالنسيان، اعلم أن ابن الحاجب لم يشهر هذا كما قال عبد الباقي، وإنما شهر ما تقدم، وهو قوله: وفيها ونسيان، قاله بناني. والله سبحانه أعلم. فإن لم يدر بعد صوم أربعة عن ظهارين موضع صامهما وقضى شهرين يعني أن المظاهر لو صام أربعة أشهر عن ظهارين وتذكر قبل فطره في اليوم الذي بعدهما أنه نسي يومين ولم يعلم موضع اليومين اللذين نسيهما هل هما من الأولى أو الثانية أو آخر الأولى وأول الثانية؟ مع علمه باجتماعهما، فإنه يصوم الآن يومين لاحتمال كونهما من الثانية، ويلزمه أن يصوم شهرين لاحتمال كونهما من الأولى أو مفترقين واحد من الأولى وآخر من أول الثانية. وإن لم يدر اجتماعهما صامهما والأربعة يعني أن ما مر من اكتفائه بيومين وشهرين محله إنما هو حيث علم أن اليومين مجتمعان، وأما إن لم يعلم اجتماعهما من افتراقهما فإنه يصوم يومين الآن لاحتمال كونهما من الثانية، ولا ينتقل عنها حتى يكملها ويقضي الأشهر الأربعة؛ قال بناني: وما ذكره المص من التفصيل بين أن يعلم اجتماعهما وأن لا يعلم مفرع على القول الشاذ من أن الفطر نسيانا يقطع التتابع وهو قول شاذ، ووجه التفريع أنه إن علم اجتماعهما لم تبطل على كل احتمال إلا كفارة واحدة؛ لأنهما إن كانا من الأولى في أولها أو وسطها أو آخرها بطلت وحدها، وإن كانا من الثانية في أثنائها بطلت وحدها، وإن كان الأول من آخر الأولى والثاني من أول الثانية لم تبطل إلا الأولى، فلذا لم يقض الأربعة؛ وأما إن لم يعلم اجتماعهما فيحتمل ما ذكر، ويحتمل أيضا أن يكون أحدهما من الأولى والثاني من أثناء الثانية فتبطلان معا فيقضي الأربعة، فتحصل أن التفصيل بشقيه مفرع على القول الشاذ أن النسيان يقطع التتابع، وأما إن فرعنا على المشهور من أن الفطر ناسيا لا يقطع التتابع وأن فصل القضاء يقطع التتابع فلا يقضي إلا شهرين فقط مع صوم يومين علم اجتماعهما أم لا، وعلى هذا فرع ابن رشد، وهو الصواب، وعليه فرع ابن عرفة مرضا عن تفريع ابن الحاجب الموافق له تفريع المص. انظر حاشية الشيخ بناني. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: ما قاله بناني ظاهر إن أراد بفطر اليومين أنه أفطر في النهار ناسيا، وأما إن كان المعنى أنه بيت الفطر نسيانا فلا يتجه ما قال. والله سبحانه أعلم. وقوله: "صامهما
стр. 4697
والأربعة" يظهر أنه لا وجه لصوم اليومين مع قضاء الأربعة. والله سبحانه أعلم. وقوله: وقضى شهرين لعل هذا فيمن ينوي كل ليلة وإلا صام الأشهر الأربعة؛ لأن تتابعه انقطع على هذا القول، قال بناني: وصوم الأربعة عند من يقول به مقيد كما في التوضيح بما إذا شك في أمسه هل هو من اليومين الذين ذكرهما؟ وأما إن تحقق أنهما سابقان فليحتسب بالعدد الذي تحقق أنه صامه ولم يتخلله فطر ويبني عليه بقية الأربعة. انتهى. وقوله: فليحتسب بالعدد الذي لخ، يعني بالعدد الأخير، والله سبحانه أعلم. ثم تعليل هذا هو الثالث من أنواع الكفارة وهو الإطعام، وقوله: تمليك، بمعنى إعطاء وهو معطوف على صوم شهرين؛ يعني أن المظاهر إذا عجز عن التكفير بالعتق والصوم فإنه يكفر بتمليك أي إعطاء ستين مسكينا، وزمن العجز المذكور وقت أداء الكفارة؛ وقيل: وقت الوجوب، كما مر في الصوم أحرار في بعض النسخ بالجر صفة لستين وفي بعضها بالنصب صفة لمسكين لأنه بمعنى مساكين كما في قول الشاعر:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سودا كخافية الغراب الأسحم
مسلمين يعني أنه يشترط في الستين المذكورين أن يكونوا أحرار مسلمين، وحذف المفعول الثاني للعلم به من قوله: لكل مد وثلثان يعني أن الإعطاء المذكور هو أن يعطي كل واحد من الستين مدا وثلثين، ويعتبر الد والثلثان بمده ﷺ ، وما ذُكر من مده ﷺ وثلثين منه مد بمد هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي أسلم جده هشام بن الوليد المذكور يوم الفتح، وهو أخو السيد خالد بن الوليد ﵁، وهشام صاحب المد تزوج عبد الملك ابنته فولدت له هشام بن عبد الملك المشهور، وهو الذي مدحه الفرزدق ومدح معه خالة إبراهيم بن هشام بقصيدة منها قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكا … أبو أمه حي أبوه يقاربه
وكان هشام المذكور عاملا لعبد الملك بن مروان على المدينة، وعدل المص عن أن يقول مد هشام لأن مالكا كان يكره أن يقال: مد هشام كما في ابن عرفة، ولأن بعضهم أنكر كون الإطعام بمده، قائلا: متى كان هشام حتى يعتبر مده ويخص بالذكر؟ قاله غير واحد. وإنما كان المشهور أنه لا
стр. 4698
يكفي إلا مد وثلثان لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين فحملت على الشبع الكامل كفدية الأذى، وما ذكره المص هو المشهور وهو مذهب المدونة، وقيل: لكل مسكين مدان، وقيل مد وثلث، وقيل: مد ونصف. قاله الشارح. وقوله: تمليك عبر به كما عبر به ابن شاس إشارة إلى أن الإطعام في الآية غير مقصود بل الواجب التمليك، قال الزرقاني: كان المناسب على ما تقدم أن يقول: ثم لمن لم يستطع تمليك لخ، والجواب أن ثم تقيد ذلك، وإنما ذكر فيما تقدم لأجل أن يرتب عليه قوله: وقت الأداء واعترض ذلك بأن المعتبر هنا أيضا وقت الأداء فكان ينبغي أن يذكر الأمرين، وأجيب بأن وقت الأداء لم يقع فيه نزاع هنا فلذلك لم يحتج للتعرض له. قاله الشبراخيتي. وهو مخالف لما قدمته. والله سبحانه أعلم. وقوله: ستين. اعلم أنه لا خلاف عندنا أن العدد المذكور معتبر فلا يجزئ ما دونه ولو دفع إليهم مقدار إطعام ستين. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي عند قوله: ستين، لما يتوقع في الجمع الكثير من إجابة الدعاء ومصادفة وَليٍّ، خلافا لأبي حنيفة في إجزاء إطعام مسكين ستين يوما، ولو تناهبها المساكين ابتدأها إن كانوا أكثر من ستين؛ وإلا بنى على واحد وكمل. قاله في الشامل. فلو انتهبها ستون بنى على واحد، وقوله: تمليك: مصدر مضاف لمفعوله: والمراد بالسكين ما يعم الفقير لا خصوص مسكين الزكاة. انتهى. وقوله: تمليك، أي بغير عوض احتراز عن العوض، وقوله: أحرار احترز به عن العبيد فلا يعطون منها لأن العبد غني بسيده، واحترزا بمسلمين عن غير المسلم فلا يعطى منها الكافر لأنه ليس من أهل القرب. برا يعني أنه لابد في الأمداد المذكورة والأثلاث أن تكون من البر وهو القمح ونصب قوله: برا، على التمييز، فالبر هو الذي يخرج منه بالأصالة؛ ومحل لزوم إخراج البر إنما هو حيث كان مقتاتا لأهل بلد المكفر، وأما إن اقتاتوا أي أهل بلد المكفر أو جلهم تمرا أو مخرجا في الفطر أي ما تقدم أنه يخرج في زكاة الفطر فيخرج من المقتات غير البر عدله أي عدل البر، أي يخرج من ذلك المقتات ما يعادل البر في الشبع لا في الكيل، خلافا للباجي، ومعنى العدل في الشبع أن يقال فيمن يشبع بمد حنطة وثلثين: كم يشبعه من غيرها؟ فيقال: كذا، فيخرج ذلك القدر، وقوله: أو مخرجا في الفطر، من عطف العام على الخاص بأو، وهو جائز على ما في الدماميني وعكسه، كما في خبر (إنما الأعمال بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو
стр. 4699
امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (١)) وأفرد التمر بالذكر ولم يكتف عنه بما بعده لدفع توهم أنه لما كان هو الأصل الذي ورد في الحديث لا يدفع منه عدل البر وإنما يدفع منه الكيل، والمخرج في الفطر الأصناف التسعة، وهي: الشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والزبيب والأقط والبر والتمر، وإذا اقتيت غير هذه كاللحم والقطاني أجزأ في الظهار، وظاهره أنه لا يراعى في المخرج من هذه التسعة ما يغلب اقتياته، وظاهره أيضا أنه إذا اقتيت غيرها يخرج منه ولو مع وجود شيء من التسعة، ولا يجزئ عرض ولا ثمن فيه وفاء بالقيمة، وإن أعطى الدقيق بريعه أجزأه، وقال بعضهم: لا يجزئ ولو أخرجه بريعه. انتهى. وعدمُ إجزاء القيمة في كفارة الظهار هو الذي في المدونة، وكذلك الحكم في كفارة اليمين، ولكن هذا أصل مختلف فيه في الزكاة، وأجراه كثير من الشيوخ في باب الكفارات.
تنبيه: يعتبر عدل البر إذا أخرج من غيره في الشبع المحل الذي وقع فيه الإخراج، فإذا ظاهر شخص بالمدينة وكفر بمصر مثلا بغير بر وكان ما يعدل مما أخرج بمصر يزيد على ما يعدل به لو أخرج بالمدينة فإنه يعتبر محل الإخراج. قاله الشبراخيتي. وقوله: فعدله، سواء زاد على المد أو نقص ولا أحب الغداء والعشاء يشير إلى قوله في المدونة: ولا أحب أن يغدي ويعشي في الظهار لأن الغداء والعشاء لا أظنه يبلغ مدا بالهاشمي، وصوابه: بالهشامي، ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضا. نقله الشارح وغيره، وإلى قوله فيها: ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضا، أشار بقوله: كفدية الأذى قال بناني: حاصل ما في الحطاب أن قول المدونة: لا أحب الغداء والعشاء في الظهار ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى، حمله أبو الحسن على الندب مستدلا بقول ابن المواز يجزئ ذلك فيهما، وحمله ابن ناجي على التحريم مستدلا بقول المدونة: لا أظنه يبلغ مدا لخ وبقولها: ويجزئ ذلك فيما سواهما من الكفارات، فمفهومه عدم الإجزاء في الظهار والفدية فتأمله. انتهى. وقوله: كفدية الأذى، اعلم أنه إن حملناه أي المص على ما لابن ناجي من التحريم فيكون التشبيه في التحريم وعدم الإجزاء عند عدم تحقق بلوغ ذلك مدين لقول المص في الحج، ولا يجزئ غداء وعشاء إن لم يبلغ مدين. قال الشبراخيتي: ولما كان الانتقال إلى كل مرتبة مشروطا بالعجز عما قبلها وكان الانتقال عن العتق إلى الصوم يكفي فيه العجز بالعسر عنه وقت الأداء ولم
стр. 4700
يشترط أحد اليأس من القدرة عليه في المستقبل وكان الانتقال من الصوم إلى الإطعام مختلفا في سببه هل هو اليأس من القدرة على الصوم؟ أو يكفي فيه الشك في المستقبل والعجز عنه في الحال فقط، أشار إلى ما وقع في المدونة من ذلك بقوله: وهل لا ينتقل المظاهر إذا عجز عن الصوم إلى التكفير بالإطعام إلا أن أيس في المستقبل من قدرته على التكفير بالصوم بأن علم أو غلب على ظنه عدم قدرته ولا يكفي شكه في ذلك، أو لا يشترط في الانتقال إلى الإطعام الإياس، بل ينتقل إلى التكفير بالإطعام إن عجز عن الصوم في الحال وشك هل يقدر عليه في المستقبل أو لا، وأولى إن ظن عدم القدرة أو أيس منها لا إن ظنها، في ذلك قولان، فيها أي في المدونة وفيها صفة لقولان، والقول الأول لابن القاسم، والقول الثاني لأشهب، والقولان في الحقيقة في الشك، وفي المدونة: أن المظاهر إذا مرض بعد أن صام شهرا لم يكن له أن يطعم وينتظر إفاقته، فإذا صح صام إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصوم بعده فيصير حينئذ من أهل الإطعام، وفيها أيضا: وكل مرض يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أم لا فليطعم ويجزئه ذلك إن صح. انتهى. واعلم أن المرض المانع من الصوم على أربعة أوجه قريب البرء يغلب على الظن معه القدرة على الصوم وبعيد البرء لاكن يظن فيه القدرة على الصوم في المستقبل ومأيوس من البرء ومشكوك فيه، فالقريب لم يجزه الإطعام فيه ويجوز مع اليأس، واختلف إذا كان يرجى بَعْدَ بُعْدٍ أو شك فيه، فقال ابن القاسم: لا يجوز له الإطعام، وأجازه أشهب وهذان هما القولان في المدونة وتؤولت المدونة، على أن القولين مختلفان وهو لبعض القرويين، وتأولت أيضا على أنهما متفقان وهو لابن شبلون فإنه تأولها على أن المظاهر الأول وهو الذي حكم عليه بأنه لا ينتقل للتكفير بالإطعام إلا إذا أيس من القدرة على الصوم في المستقبل قد دخل في الكفارة بالصوم ثم طرأ له مرض يمنعه من إتمامه، فلا ينتقل عنه إلا باليأس لأن للدخول تأثيرا في العمل بالتمادي، وأن الثاني الذى حكمنا عليه بأنه ينتقل للإطعام مع الشك لم يدخل في الكفارة بالصوم فهو أضعف من الأول، لأّن الأول من أهل الصوم بالفعل، والثاني من أهل الصوم بالقوة، وما بالقوة أضعف مما هو بالفعل، وعلم من المصنف أن التأويلين في الشك وأما في حالة اليأس من القدرة فيتفقان على الانتقال يعنى سواء عجز عنه لمرض أو غيره، واستحسن قول أشهب لكونه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ ويصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياسا على الرقبة فلو روعي حال المستقبل لزم
стр. 4701
أن لا يكفر أحد بالصوم لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة في المستقبل أو ما يساويها، وإن أطعه مائة وعشرين فكاليمين يعني أن المظاهر إذا نقص في القدر الواجب، بأن أعطى كل واحد من ستين نصف الواجب له، وأعطى لكل واحد من ستين آخرين نصف الواجب له، بأن أطعم مائة وعشرين، فإن الحكم في ذلك على ما تقدم في اليمين إذا أطعم عشرين فإن ذلك لا يجزئ، وله نزع ما بيد ستين هنا منهم إن بين أنه كفارة بالقرعة ويكمل لستين، وهل إن بقي ما بأيديهم؟ تأويلان، وظاهر المصنف سواء علم الآخذ بعد الستين أو لا وهو كذلك، واستظهر ابن عرفة من عند نفسه أنه إن علم الآخذ بعد الستين تعين رد ما بيده، قال بعضهم ولم أر هنا ما في اليمين من أنه يستحب لمن بغير المدينة زيادة ثلث الهشامي أو نصفه، ولو تناهبت المساكين الكفارة فالظاهر أو التحقيق أنه إنما يبني على ما تحقق من العدد الذين حصل لكل واحد منهم مد، فإن لم يتحقق شيئا فلا يصح له البناء. انظر حاشية الشيخ بناني. وللعبد إخراجه إن أذن سيده قد مر قوله: وتعين لذي الرق؛ يعني أن المظاهر إذا عجز عن الصوم وأذن له سيده في إخراج الطعام في الكفارة فإن له أن يخرجه في الكفارة وله أن يترك التكفير بالإطعام حتى يتمكن من الصوم في المستقبل، إما لفراغ عمل سيده أو بتأدية خراجه، أو بإذن سيده له فيه، والضمير في إخراجه للقدر السابق من الإطعام، وبهذا التقرير لا يحتاج إلى جعل اللام بمعنى على. نقله الشبراخيتي عن الأجهوري. وقرره غير واحد على أن اللام بمعنى على أو للاختصاص. وقوله: وللعبد أي العاجز كما قررت، وأما القادر على الصوم فلا يجزئه الإطعام وإن أذن له السيد فيه. وفيها أحب إليَّ أن يصوم وإن أذن له في الإطعام يعني أن الإمام قال في المدونة: وإذا ظاهر العبد من امرأته فليس عليه إلا الصوم ولا يُطعِمُ وإن أذن له سيده، والصوم أحب إلي، والواو في قوله: وإن أذن في الإطعام للحال وليست للمبالغة؛ أي والحال أن السيد أذن له في الإطعام، وهل هو وهْم؟ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول الإمام في المدونة: والصوم أحب إليَّ، فمنهم من حمله على الوهم بفتح الهاء أي الغلط اللساني، قال ابن القاسم: بل الصوم هو الواجب عليه ولا يطعم، وقال: لا أدري ما هذا ولا يطعم أحد يستطيع الصوم، وما أرى جواب مالك فيها إلا وَهَما بفتح الهاء أي غلطا لسانيا، والضمير في قوله لأنه للصوم؛ أي لأن الصوم هو الواجب على العبد المظاهر وإن أذن له السيد في الإطعام، وإلى مثل قول ابن القاسم نحا سحنون لأنه طرح هذا الكلام، واللام
стр. 4702
في قوله لأنه لام العلة وقد مر ضبط قوله: وهم بفتح الهاء، وهو الذي اقتصر عليه التتائي، وهو الأدب من ابن القاسم في حق الإمام ومنهم من ضبطه بسكون الهاء، وهو سبق القلب إلى الشيء مع إرادة غيره؛ أي سبق قلب مالك إلى ذلك مرادا غيره لاعتقاده أن المسائل سأله عن كفارة اليمين، وفي المصباح: وهَمت إلى الشيء وهما من باب وعد سبق القلب إليه مع إرادة غيره، ووهِم في الحساب يوهَم مثل غلط يغلط غلطا وزنا ومعنى. انتهى نقله الشبراخيتي. قال: وقد علم أن الواجب ضبط كلام المصنف بالسكون، ومن الأول ما سرى للمعتزلة في فهم أن معنى سبحان من تنزه عن الفحشاء أنه تنزه عن خلقها. مع أن هذا ليس بمراد عند أهل السنة وإنما المراد أنه تنزه عن التلبس بها، ومن الثاني التلفظ بعمرو مثلا مع إرادة التلفظ بزيد وقد نظمت ما أشار إليه الدماميني الموافق لما ذكرناه عن المصباح فقلت:
إذا سرى الوهم لشيء والمراد … سواه ذا وهم بتسكين يراد
ووهم بالفتح معناه الغلط … والماض من هذا بكسر انضبط
والآت بالفتح وفعل الأول … بعكس ذا على القياس المنجلي
أو أحب للوجوب يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن قول الإمام ليس بوهم، وإليه ذهب الأكثرون، فمنهم من قال: أحب، للوجوب؛ أي المختار عندي وجوب الصوم على العبد وهو تأويل أبي عمران وغيره، أو أحب للسيد عدم المنع يعني أن من الشيوخ من تأول قول الإمام على أن الأحبية ترجع للسيد؛ أي الأفضل للسيد أن لا يمنع عبده القادر على الصوم منه أي إذنه له في الصوم أحب من إذنه له في الإطعام، ومحل هذا التأويل حيث كان له كلام في منعه من الصوم بأن أضر به في خدمته أو خراجه وإلا وجب عليه عدم منعه منه، وهذا التأويل للقاضي إسماعيل، ومال إليه الأكثرون. قاله الشارح. أو لمنع السيد له الصوم يعني أن من الشيوخ من تأول الأحبية على أنها ترجع للعبد، أي إذا أذن له السيد أي يندب للعبد إذا أذن له السيد في الإطعام ومنعه من الصوم أن يصبر لعله يأذن له في الصوم بعد ذلك، وهذا أيضا حيث كان للسيد
стр. 4703
المنع لكون الصوم يضر به في عمله، وإلا فيجب على العبد الصوم، وهذا التأويل للقاضي عياض، قال: وهو قول محمد، فإنه قال: إذا أذن سيده في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه الإطعام، وأصوب أن يكفر بالصيام. قاله الشارح. ومثله في التوضيح وهو الصواب ونحوه لابن عرفة، وفي توهيم مصطفى للشارح وتسليم بناني لذلك التوهيم نظر ظاهر، ولا يخفى ذلك على من تأمل كلام الشارح. والله سبحانه أعلم. قاله مقيده عفا الله عنه. أو على العاجز يعني أن من الأشياخ من أبقى الأحبية على حالها إلا أنه حملها على العبد العاجز. حينئذ؛ أي حين الإذن في الإطعام فقط أي هو عاجز عن الصوم في الحال فقط لا في المستقبل، فإنه يرجو القدرة على الصوم فيه، وهذا التأويل للأبهري. قال الشارح: وذهب الأبهري إلى أن قوله: الصوم أحب إلي، محمول على ما إذا كان عاجزا في الحال قادرا على الصوم في الاستقبال، فإن أذن له السيد في الإطعام فأحب إلي أن يصبر حتى يكفر بالصيام. انتهى وعارض ابن محرز هذا التأويل بالحر العاجز عن الصوم في الحال ويقدر عليه في المستقبل فلا ينتقل عنه بل يلزمه التأخير على قول ابن القاسم، وأما على قول غيره فلا يلزمه. تأويلات خمس على ظاهر المص من أن قوله: وهل هو وهم، من التأويلات، وقال الشارح والتتائي: هي أربع فظاهرهما أن قوله: وهل هو وهم، ليس من التأويلات، قال عبد الباقي: وزاد في الشامل تأويلا آخر، وهو: أن جواب الإمام في كفارة اليمين بالله، وقد يقال: إن قوله: وهل هو وهم، شامل له أي أن مالكا وهم إما في الحكم أو في الاعتقاد أن السائل سأل عن كفارة اليمين بالله كما مر، وفي الشامل ما يفيد ذلك. انتهى. وفيها إن أذن له أن يطعم في اليمين أجزأه وفي قلبي منه شيء يعني أن الإمام مالكا قال في المدونة: إن أذن السيد للعبد أن يطعم أو يكسو في اليمين بالله تعالى عشرة مساكين أجزأه وفي قلبي منه شيء والصوم أبين عندي. انتهى كلام الإمام. ومعنى قوله: شيء ثقل، ولا يشك أن الشيء الذي في قلب الإمام من جهة الإطعام إنما هو عدم صحة ملك العبد أو الشك في ذلك، قال محمد بن دينار: ليس على العبد المظاهر عتق ولا إطعام ولو كان يجد ما يعتق وما يطعم ولكن يصوم. انتهى. وقوله: وفيها إن أذن له أن يطعم لخ، محله حيث كان عاجزا عن الصوم أو منعه السيد بوجه جائز وإلا لم يجزه، ولا يجزئ تشريك كفارتين في مسكين يعني أنه لا يجزئ التشريك في الكفارتين أو أكثر للمساكين، كأن يجعل حظ كل مسكين مأخوذا من كفارتين، بأن أطعم مائة وعشرين طعام
стр. 4704
كفارتين ونوى كُلُّ ما وصل لمسكين منهم فهو عن الكفارتين أي نوى أن كل مد نصفه مثلا عن كفارة ونصفه الثاني عن كفارة أخرى، وفهم من المصنف بالأولى عدم إجزاء تشريك كفارتين في الصوم لأن التتابع فيه شرط بخلاف الإطعام، وظاهر المصنف عدم إجزاء ما وقع فيه التشريك لمسكين سواء كان مدا أو جميع الأمداد وهو كذلك، قوله: ولا يجزئ تشريك كفارتين في مسكين محله إذا لم تعرف أعيان المساكين، وأما لو عرفت فإنه ينظر إلى ما يقع لكل واحد منهم فيكمل عليه تمام المد. قاله في التوضيح. نقله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: علم مما مر أن كفارة الظهار تفتقر للنية، قال الأمير: وافتقرت الكفارة مطلقا صوما أو غيره لنية. انتهى. ولا تركيب صنفين يعني أنه لا يجزئ في الكفارة أن يركبها من صنفين، كأن يصوم ثلاثين يوما ويطعم ثلاثين مسكينا، وأما لو ركبت من صنف واحد كأن يعشي ويغدي ثلاثين ويعطي ثلاثين آخرين ثلاثين مدا، وكأن يعطي ثلاثين رجلا من البر وثلاثين آخرين من الشعير، فإن ذلك جائز، كذا يظهر. قاله عبد الباقي. وقال ابن عبد السلام: وإدا منعنا التلفيق بين نصفي رقبتين فلأن نمنع نصف رقبة ونصف صوم أحرى. قاله الشبراخيتي. ولو نوى لكل عددا أو عن الجميع كمل يعني أن من لزمه أكثر من كفارة راحدة في الظهار وأخرج دون الواجب من غير تشريك فإن ذلك المقدار كاف في نفسه فيكمل القدر الواجب ويبرأ، فإذا أطعم مثلا مائة وثمانين مسكينا عن أربع نسوة ظاهر من كل واحدة منهن فإنه يجزئه ذلك عن مقدار ثلاث كفارات ويكمل بالرابعة، وسواء في ذلك نوى لكل واحدة من النسوة عددا من المائة والثمانين وهي المسألة الأولى أو نوى أن المائة والثمانين عن جميع النسوة الأربع ولم ينو التشريك وهي المسألة الثانية، فقوله: لكل؛ أي لكل واحدة من الزوجات أو الزوجتين، وقوله: عددا، أي قدرا من المخرج في الكفارات، وقوله: عن الجميع؛ أي جميع النسوة المظاهر منهن، وقوله: كمل؛ جواب عن المسألتين أي كمل على ما نواه في الصورة الأولى وعلى ما ينوب كل واحدة في الثانية، فعلم بهذا أن قوله: ولو نوى لكل عددا لخ، استئناف مشتمل على صورتين خاصتين بالإطعام؛ ولو نوى عن كل واحدة قدرا معينا ثم نسي ذلك فالظاهر أنه يكمل على كل قدر عينه باقي الكفارة ولا يضره الجهل بعين من عينه له؛ وربما يشعر به قوله: أو عن الجميع كمل، قاله غير واحد. وفي المدونة: ولو صام ثمانية أشهر متتابعات عن الأربع ونوى لكل واحدة منهن لم يعينها كفارة
стр. 4705
أجزأه، وكذلك الإطعام فإن شركهن في كل يوم من الصيام أو في كل مسكين في الإطعام لم يجزه إلا أن ينوي يه مدا لكل مسكين في كفارته، وإن لم ينو امرأة بعينها ولا كفارة كاملة فيجزئه ذلك إلا أن الإطعام يجوز أن يفرق فيه، يطعم اليوم هذه هذه أمدادا وفي غد عن الأخرى أمدادا ثم يتم بعد ذلك كفارة لكل واحدة فيجزئه وإن كانما متفرقا، بخلاف الصوم لأن فيه شرط التتابع، فإن ماتت منهن واحدة وقد أطعم عن جميعهن مائة وعشرين مسكينا ولم ينو ما لكل واحدة من ذلك ولا شركهن في كل مسكين سقط حظ الميتة من ذلك، وجبر على ما بقي بعد ذلك تمام ثلاث كفارات. انتهى. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ولو نوى لكل عددا أو عن الجميع لخ. قاله الحطاب. ولو نوى لكل عددا أو عن الجميع وماتت واحدة من الأربع في الصورتين قبل التكميل سقط حظ من مات فلا يكمل لها ولا يحتسب بما أخرجه لها عن كفارة غيرها؛ أي ليس له نقل حظها لمن بقي حيا ويسقط حظها إن كان بَيَّنه سواء كان أقل من غيرها أو أكثر أو مساويا، فلو نوى لكل من ثلاثة خمسين وللميتة ثلاثين سقط حظها وكمل للثلاث عشرة عشرة، ولو نوى للميتة ستين وللبواقي أربعين أربعين سقط مناب الميتة وكمل للثلاث عشرين عشرين وهكذا، وإن أطعم مائة وثمانين عن أربع ولم يبين ما لكل واحدة فإنه يسقط ربع المائة والثمانين، ولو نوى أن لكل واحدة غير معينة عددا ولأخرى غير معينة أقل منه ولأخرى أقل منه وماتت واحدة جعل لها الأكثر من جميع ذلك؛ وفاعل مات ضمير يعود على من روعي فيه اللفظ، ولو روعي المعنى لقال من ماتت بالتأنيث؛ وقوله: وسقط حظ من مات مثل الموت الطلاق البائن ومحل السقوط بالموت والطلاق البائن، إنما هو حيث لم يطأ الميتة أو البائن وإلا لم يسقط حظها لقوله: وسقطت إن لم يطأ بموتها أو طلاقها. ولو أعتق ثلاثا عن ثلاث من أربع لم يطأ واحدة حتى يخرج الرابعة يعني أن من له أربع نسوة ظاهر من كل واحدة منهن وأراد أن يكفر عنهن فأعتق ثلاث رقاب عن ثلاث منهن ولم يعين من أعتق عنهن لا يجوز له أن يطأ واحدة منهن حتى يخرج الكفارة الرابعة، لاحتمال كون التي يريد وطأها هي التي لم يكفر عنها، ولا يباح له وطء واحدة منهن قبل إخراج الكفارة الرابعة بموت واحدة منهن أو طلاقها بل يستمر المنع وإن ماتت واحدة منهن أو اثنتان أو ثلاث. قاله الشبراخيتي. أو طلقت إلى أن تخرج الكفارة الرابعة، قال الشبراخيتي: ولو قال وإن مات ثلاث أو طلقت لكان أولى ولو عين العتق أو غيره عن واحدة حل له وطء من
стр. 4706
أعتق عنها، وكلام المصنف يشعر بأن من عجز عن كفارة الظهار ليس له الوطء وإن طال أمد الظهار ويدخل عليه الإيلاء، وقد ذكر التتائي عن ابن عرفة ما يفيد أن الذي تجب به الفتوى أنه لا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير، وإن عجز عن أنواع الكفارة الثلاث فإنه قال: نقل ابن العطار عن النوادر الإجماع على أن الظاهر إذا لم يجد الرقبة ولم يطق الصوم ولم يجد الإطعام لم يطأ زوجته حتى يجد واحدة من تلك الأصناف. إلا الثوري وابن صالح فإنهما قالا: يطأ انتهى. وفي شرح عبد الباقي أنه يدخل عليه الإيلاء، وما ذكراه مخالف لما مر من أن المظاهر إذا عجز لا يدخل عليه الإيلاء. والله سبحانه أعلم. وقوله: ولو أعتق لخ، لا مفهوم للعتق بل حكم ما إذا كفر بالصوم أو الإطعام بثلاث عن أربع كذلك، ولا يعارض هذا ما مر من قوله: وسقطت إن لم يطأ بطلاقها أو موتها لأن ما هنا فيه احتمال أن يكون بعض الكفارة التي أخرجها عن من طلقها أو ماتت والحية التي يريد وطأها لم تستكمل كفارتها. ولما أنهى الكلام على الظهار المحرم للاستمتاع قبل التكفير أتبعه بالكلام على اللعان المؤبد للتحريم فقال:
стр. 4707
باب: في اللعان
وهو مشتق من اللعن ومعناه البعد فمعنى لعنه الله أبعده الله، وكانت العرب إذا تمرد الشرير منهم طردوه وأبعدوه ليلا يؤاخذوا بجرائره وسموه لعينا، فلما كان اللعن مذكورا في حق الزوج سمي التحالف الواقع بين الزوجين لعانا وملاعنة ولم يسم غضبا مع ذكره في حلف المرأة تغليبا للذكر ولسبقه وكونه سببا في لعانها، أو سمي لعانا لبعد الزوجين بسببه عن النكاح بتأبيد تحريمه؛ وعرف ابن عرفة اللعان في الشرع بقوله: حلف الزوج على زنى زوجته ونفي حملها اللازم له وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض، فخرج بقوله: اللازم، حمل غير لازم له كما إذا أتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم العقد أو كان خصيا فلا لعان فيهما ولو وقع اللعان بينهما لنفي حمل فأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم العقد بطل المهر ولم يتأبد عليه تحريمها بذلك اللعان لكون الحمل غير لازم له قال ابن عاصم:
وإن تضع بعد اللعان لأقل … من ستة الأشهر فالمهر بطل
وليس للتحريم من تأبيد … إذ النكاح كان كالمفقود
وخرج بقوله: وحلفها لخ، ما إذا حلف ونكلت ولم يوجب نكولها حدها كثبوته ببينة فلا لعان عليها ويلتعن هو لنفي الحمل، وخرج بقوله: بحكم قاض، لعان الزوج والزوجة من غير حكم فإنه ليس بلعان شرعي وحكى عياض الإجماع على أن من صفة اللعان أن لا يكون إلا بحضرة سلطان ونائبه الكبير بمعناه. انتهى. نقله الشبراخيتي. ابن عتاب: لاعَنَ ابنُ الهندي فعوتب فقال: أردت إحياء سنة قد دثرت. انتهى قال البرزلي: قول ابن الهندي: سنة قد أميتت، يعني صفة اللعان وقد أغنى الله عنه بما ذكر في القرآن والستر أولى، وإنما تستر بهذا الكلام حين عوتب وكانت ملاعنة ابن الهندي في المسجد الجامع بقرطبة سنة ثمان وثلاثين وثلاث مائة، وقد وقع اللعان في زمن الأمير يحيى بجامع الزيتونة ثم وقع مرة أخرى، ولا غرابة في وقوع سببه في هذا الزمان لكثرة المفاسد، فنعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. نقله الحطاب. واعلم أن حكم اللعان أنه إن كان لنفي نسب وجب وإلا فالأولى تركه بترك سببه، فإن وقع بأن ترك الأولى صدقا وجب لوجوب دفع معرة القذف والحد ولا أنزل الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية كان هذا الحكم عاما في الزوجات والأجنبيات ثم جعل الله
стр. 4708
للأزواج مخرجا في حد القذف في اللعان لأن الزوج يلحقه العار ويفسد النسب بزنى زوجته فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيف أمره على البينة كالمتعذر بخلاف الأجنبي فإنه لا يلحقه عار بزنى غير زوجته، وفي الحديث عن ابن عباس أنه قال (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه وأخرجه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فقال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ فقالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة فاجترأ واحد منا أن يتزوجها، قال سعد: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من الله وإنها لحق؛ فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية فرأى بعينه وسمع بأذنه فأمسك حتى أصبح ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إني جئت أهلي عشاء فرأيت رجلا مع أهلي رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما قال وثقل عليه حتى عرفت الكراهة في وجهه، فقال هلال: يا رسول الله إني أرى الكراهة في وجهك بما أتيت به والله يعلم إني لصادق وإني لأرجو أن يعجل (١) الله لي فرجا، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين، فهم رسول الله بضربه ﷺ وإنه لكذلك يريد أن يضربه إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن الكلام حين عرفوا أن الوحي ينزل عليه حتى فرغ، نزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : أبشر يا هلال فإن الله قد جعل فرجا، فقال: أرجوا ذلك من الله، فقال رسول الله ﷺ : أرسلوا إليها فجاءت فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قال لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: يا هلال أتشهد بالله أربع شهادات إنك لمن الصدقين؛ فقيل عند الخامسة: يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وروي. فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: والله لا يعذبني عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد عليها الخامسة أن لعنة الله عليه إن
стр. 4709
كان من الكذبين، ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكذبين، فقيل لها عند الخامسة: فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت أنها سترجع فقالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصدقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها (١)) انتهى. ولم يُعَرف المصنف اللعان بل اعتنى بأركانه ومنها الزوج المسلم المكلف فقال: إنما يلاعن زوج يعني أن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين، وأما الأجنبي فالبينة أو حد في ظهره، ولا يلاعن السيد بل إما يلحق به أو ينتفي عنه بغير لعان على ما سيأتي في باب أم الولد إن شاء الله. ابن عرفة: شرط اللعان ثبوت الزوجية لقول المدونة مع غيرها: واللعان بين كل زوجين، ثم ذكر عن ابن لبابة أن ذلك ما لم يكونا طارئين وإلا فيجب اللعان وإن لم تثبت الزوجية، ونقل المتيطى أنه وقع للشيخ أبي عمران الفاسي في أسئلة الباجي له أن اللعان يكون مع شبهة للنكاح وإن لم تثبت الزوجية إذا درأ الحد عنهما، قال في التوضيح: وهذا مما يشكل به قول المصنف يعني ابن الحاجب: زوجا، نقله بناني. وقال الشبراخيتي: إنما يلاعن زوج حرا أو عبدا دخل بالزوجة أم لا لا سيد، وأغناه عن ذكر شرط التكليف قوله فيما يأتي، أو هو صبي حين الحمل، ويدخل في كلام المص العنين والهرم والأخرس والمجبوب والخصي بقسميه وهو كذلك في الجميع في الرؤية والقذف، وأما في الحمل فلا لعان في المجبوب كما في الجلاب، ويأتي ذلك في كلام المصنف وأما الخصي فسيأتي ما فيه عند قوله: أو مجبوب والمذهب أن الواطئ بشبهة يلاعن للشبهة ولا يشمله كلام المص إلا بتأويل أي زوجا (٢) حقيقة أو حكما فإنه لما كان الولد لاحقا به ودرئ عنه الحد كان في حكم الزوج، وقوله: زوج أي متصف بالزوجية سواء كان زوجا الآن أو زوجا فيما مر لما يأتي أنه يلاعن في العدة وإن من بائن. انتهى. وإن فسد نكاحه يعني أن اللعان ثابت بين الزوجين وإن فسد نكاحهما ولو كان مجمعا على فساده لثبوت النسب فيه قال الشارح معللا للمص: أي لأنه يلحق فيه الولد كما في الصحيح فاحتيج إلى اللعان لنفيه. قاله في كتاب محمد والنوادر والجواهر
стр. 4710
وغيرها. وزاد في المقدمات: وكذا إن كان حراما لا يقران عليه، وكذا في العتبية عن ابن القاسم فيمن تزوج أمة أو أخته ونحوهما ولم يعلم ثم علم وقد حملت وأنكر الولد فإنهما يتلاعنان. انتهى والله سبحانه أعلم. وقال الشبراخيتي: ظاهره يعني المص ولو كان فساده مجمعا عليه وهو كذلك فإن نكح ذات محرم أم أو أخت ولم يعلم ثم علم وقد حملت وأنكره فليتلاعنا، وإن نكلت حدت وإن نكل حد للقذف ولحق به الولد. انتهى. أو فسقا يعني أن الزوجين يتلاعنان ولو كانا فاسقين أو رقا يعني أن الزوجين يتلاعنان وإن كانا رقيقين، وقوله: أو فسقا أو رقا قال ابن رشد: خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في أنه لا يلاعن العبد ولا المحدود في القذف لأن المراد بالآية من تجوز شهادته من الأزواج لأن الله تعالى استثناهم من الشهداء بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ فسماهم شهداء بذلك لأن المستثنى من المستثنى منه وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ فدل على أن اللعان شهادة والعبد والمحدود ليسا من أهلها. قال عبد الباقي: وأجيب بأن الاستثناء منقطع ولم يكن لهم شهداء غير قولهم كما قالوا: الصبر حيلة من لا حيلة له والجوع زاد من لا زاد له. قاله البرموني. انتهى. قال بناني: وجوابه بأن المستثنى منقطع مشكل من جهة الصناعة لأن المنقطع في غير الإيجاب يجب نصبه في لغة الحجازيين ويترجح في لغة تميم: وفي الألفية:
وانصب ما انقطع … وعن تميم فيه إبدال وقع
فيلزم حمل الآية على ممنوع أو ضعيف وهو لا يجوز فتأمله. والمتعين على مذهبنا أن تكون إلا بمعنى غير صفة لشهداء أي ولم يكن لهم شهداء غير أنفسهم، ولا يلزم منه تقييد أبي حنيفة لا يقال: شرط كون إلا بمعنى غير عند ابن الحاجب تعذر الاستثناء وقد أمكن هنا لأنا نقول التحقيق عند الرضى أن مذهب سيبويه جواز ذلك سواء صح الاستثناء أو تعذر خلافا لابن الحاجب. انتهى. وقال عبد الباقي: قال الوانوغي: انظر لو رمى الزوج زوجته بالزنى وأتى على ذلك ببينة كاملة فجمهور العلماء أن له أن يلاعن أو يترك؛ وظاهر القرآن أن اللعان مع عدم البينة لا معها، وأجاب البلقيني الشافعي بأن الآية نزلت على سبب فجرت مجرى الغالب فلا مفهوم. قال المشدالي: أراد مفهوم ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ ومن شرط إعمال المفهوم أن لا يكون
стр. 4711
خرج مخرج الغالب. انتهى. ولا يقال: كيف تكون لهما الملاعنة مع وجود البينة الشرعية بزناها؟ إذ الواجب حينئذ رجمها لأنا نقول يمكن ذلك في فقد الزوجة شرطا من شروط الإحصان، فإن قلت: ما فائدة لعانها مع إقامة البينة التي توجب رجمها، قلت: سقوط الحد عنها إن كانت ممن تحد أو الأدب فيمن تودب والظاهر تأبيد حرمتها بلعانها مع البينة كما هو المتبادر من كلام البلقيني وكلام المص الآتي، ويحتمل عدم تأبيدها لنسبة الزنى لرؤية البينة قبل اللعان. انتهى. قوله: قال الوانوغي لخ قال بناني: ما نقله عن الوانوغي هو كذلك فيه ونقله في تكميل التقييد وسلمه وهو مشكل لأنها تحد للبينة وإن كانت غير محصنة ولأنه لا فائدة في لعان الزوج لكون قذفه لا يوجب حدا مع البينة، اللهم إلا أن يقال فائدة لعانه أن ينتفي يه ما ولد لستة كما يفيده الحافظ بن حجر في فتح الباري ونصه: استُدِلّ بقوله ﷺ لهلال بن أمية: (البينة [وإلا فحد] (١) في ظهرك) (٢) على أن اللعان لا يشرع إلا لمن ليست له بينة وفيه نظر؛ لأنه لو استطاع إقامة البينة على زناها ساغ له أن يلاعنها لنفي الولد، وبه قال مالك والشافعي ومن تبعهما انتهى منه. وإذا كان لعانه لنفي الولد تعين أنه يلاعن وحده، وأما الزوجة فلا فائدة في لعانها لأنه لا ينفي حدها الذي وجب بقيام البينة ولهذا لم يذكر الوانوغي ولا غيره إلا أن الزوج له أن يلاعن ولم يذكر لعان الزوجة، وبه يسقط ما ذكره الزرقاني بعده والله أعلم انتهى. واستدل أبو حنيفة على مذهبه أيضا بقوله ﷺ : (أربعة ليس بينهم لعان ليس بين الحر والأمة لعان وليس بين الحرة والعبد لعان وليس بين المسلم واليهودية لعان وليس بين المسلم والنصرانية لعان (٣)) أخرجه الدارقطني، وأجيب بأن الحديث؛ ضعيف عند أهل الحديث وفي المدونة: واللعان يين كل زوجين كانا مملوكين أو أحدهما أو محدودين أو كتابية تحت مسلم إلا الكافرين فلا لعان بينهما فأما الكتابية والأمة فلا يلاعن الزوج في قذفهما بغير رؤية كان حرا أو عبدا إذ لا يحد قاذفهما ويلاعن فيهما إن أحب إذا نفى حملا وادعى الاستبراء أو ادعى رؤية لم يمس بعدها لخوف الحمل، ولو شاء أن يلاعن في قذفهما ليحقق ذلك عليهما لم أمنعه. انتهى.
стр. 4712
قوله في المدونة: فأما الأمة والكتابية فلا يلاعن لخ، قال الشيخ أبو الحسن: أي لا يلزمه لعان يدل عليه قوله فيما يأتي: ويلاعن فيهما إن أحب. انتهى. وظاهر هذا الكلام أنه إذا لم يلاعن لا يؤدب وليس كذلك لأن المص سيقول وحكمه رفع الحد والأدب في الأمة والذمية. والله أعلم. انتهى. قاله الحطاب. وانظره مع ما يأتي من لزومه لنفي نسب. لا كفرا يعني أن الزوجين الكافرين لا لعان بينهما إلا أن يترافعا إلينا راضيين بحكمنا فنحكم بينهما بحكم الإسلام فإن نكلت رجمت على قول عيسى وحدت عند البغداديين لفساد أنكحتهم ولو كان الزوج مسلما لاعن لنفي الحمل أو الولد لزوما، وأما للرؤية فلا يلزم بل يجوز ولو كان كافرا وهي مسلمة كما إذا أسلمت تحته أو غرها أو تزوجها على القول بأنه غير زنى، كما قال اللخمي: تلاعنا فإن نكل هو حد وإن حلف الأيمان ونكلت فلا حد عليها وهي مخصصة لقوله الآتي وإيجابه على المرأة إذا نكلت لأنها أيمان كافر وهي قائمة مقام الشهادة ولا شهادة لكافر على مسلم. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: قال في المدونة: لا لعان بين كافرين فإن ترافع هو وزوجته ورضوا أن يحكم بينهم بحكم الإسلام حكم بينهم بحكم الإسلام فإن نكلت رجمت على قول عيسى: يريد لوجود الإحصان لأن أنكحتهم صحيحة عنده وهو ضعيف، وعلى قول البغداديين يحد من نكل وقول عيسى: رجمت، ضعيف؛ ومفهوم كفرا أن المسلم يلاعن النصرانية واليهودية وهو كذلك في الجلاب لكن لعانه لنفي الحمل أو الولد لا للرؤية إن قذفها بزنى يعني أن الزوج إنما يلاعن للقذف بالزنى أو لنفي نسب فإذا قال: رأيتها تزني فإنهما يتلاعنان سواء كان في قبل أو دبر وادعى حصوله منها طوعا، ولابد أن ترفعه للحاكم فلو لم ترافعه فلا لعان عليها لأن لعانها من حقها وإنما يبقى النظر هل يلاعن أو يحد، ولابد من كونه قذفا صريحا لا تعريضا على المعروف وأدب فيه فقط على الراجح، ومقابله يلاعن انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال الإمام الحطاب: يريد سواء كان في قبل أو دبر صرح بذلك ابن القصار وتبعه ابن الحاجب وغيره، قال ابن عرفة: وهو مقتضى المذهب وقال القرطبي إذا قذف بالوطء في الدبر لاعن. وعن أبي حنيفة: لا يلاعن، وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد وهو فاسد لأن الرمي به معرة انتهى. وقررت قوله: بزنى بأنه ادعى حصوله منها طائعة فإن رماها بغصب فسيذكره المص بقوله: "وتلاعنا إن رماها بغصب"، وقال عبد الباقي: وفي المدونة: التعريض كالتصريح. انتهى. قال بناني: ما في المدونة
стр. 4713
عزاه الباجي لقذفها وجعله ابن عرفة مقابلا للقول المعروف من المذهب، ونصه: وفي لغو تعريضه ولعانه قولا المعروف ونقل الباجي مع عياض عن قذفها. انتهى. وبه يبطل ما أشار إليه الزرقاني من الجمع بينهما، وذكر في التوضيح أن القولين معا في المدونة وأن عياضا أشار إلى الجمع بينهما بنحو ما ذكر الزرقاني، وأن ابن عبد السلام رده فانظره. والله أعلم. انتهى. في نكاحه صفة لزنى أي زنا كائن في نكاحه أي إنما يلاعن إن قذفها بزنى واقع في نكاحه. قاله بناني. ولابد من أن يكون القذف حاصلا في النكاح ومثل قذفها في النكاح قذفها في توابعه كالعدة، فإذا قذفها في النكاح أو في العدة فإنهما يتلاعنان ولو لم ترافعه إلا وهي في عصمة غيره وإلا بأن رماها بزنى ولم تكن في نكاحه بأن كانت أجنبية أو خرجت من عدته ثم قذفها أو قذفها وهي في نكاحه بزنى تقدم عقد النكاح فليس له أن يلاعن، وحد في الصور الثلاث، وخالف أبو حنيفة في الأخيرة ورأى أنه يصدق عليه أنه رام لزوجته بالزنى فيدخل تحت عموم آية اللعان، وما في شرح عبد الباقي من أنه يلاعن في الصورة الأخيرة إنما يتمشى على مذهب أبي حنيفة لا على مذهب مالك، ففي المواق عن الباجي: إن قال: رأيتك تزنين قبل أن أتزوجك حد اتفاقا. انتهى. وفي الجواهر: وإن قذفها في النكاح بزنى قبل النكاح لم يلاعن وحد ونحوه لابن الحاجب ونقل عليه في التوضيح كلام الباجي، وقال ابن عبد السلام في شرحه له: قال مالك: يحد ولا يلاعن انتهى. وإذا قذف أجنبية أو قذف زوجته بعد خروجها من العدة فإنه يحد ولا يلاعن كما عرفت وذلكَ ثابت ولو تزوجها القاذف، وقال الشارح عند قوله: في نكاحه، ما نصه: احترازا مما إذا رماها بزنى قبل نكاحه فإنه يحد، ولهذا قال: وإلا حد. الباجي: ولا خلاف في ذلك في المذهب. تيقنه أعمى يعني أن الزوج إذا كان أعمى فإنه أي إنما يلاعن إذا تيقن زنى زوجته، ويحصل له اليقين بالجس بفتح الجيم أي اللمس، ويحصل بالحس بكسر الحاء المهملة، ويحصل بالإخبار المفيد للقطع ولو من غير مقبول الشهادة، وقوله: تيقنه أعمى أتى بصيغة العموم، ففيه رد على ابن القصار القائل بأن الأعمى إنما يلاعن إذا وضع يده على الفرج. انظر الشبراخيتي. وقال الشارح مفسرا للمص: أي فلا يعتمد الملاعن في القذف في الزنى إلا على أمر يقوى عنده فإن كان أعمى اعتمد على يقينه: والمشهور في الأعمى ما ذكره وهو مذهب المدونة، وعن مالك: لا يجوز له اللعان إلا أن يقول: مسست الفرجين انتهى ورءاه غيره يعني أن الزوج البصير إنما يلاعن إن رآه
стр. 4714
يزني بها بأن رأى فرجه في فرجها ولا يشترط وصفه كالشهود، هذا هو المشهور وقيل: كالشهود وهو ظاهر المدونة ونصها: وذلك أن يدعي أنه رآها تزني كالمرود في الكحلة. انتهى. ويدخل في قوله: رآه غيره، الأصم.
تنبيه: قال عبد الباقي: المراد بالرؤية في كلام المص العلم وإن لم يبصره فلو قال: تيقنه ولو بصيرا. انتهى. قوله: المراد بالرؤية في كلام المص العلم وإن لم يبصره لخ، قال بناني: كلامه غير صحيح بل مراده هنا حقيقة الرؤية كما هو ظاهر المدونة وغيرها، وأما العلم دون رؤية فسيذكر المص ما فيه من الخلاف، ونص ابن الحاجب: ويعتمد على يقينه بالرؤية، وقيل: كالشهود، وقيل: يعتمد على يقينه كالأعمى على المشهور فيه. انتهى. قوله: فيه أي الأعمى، التوضيح: يعني قيل: إذا تحقق وقوع الزنى منها جاز له اللعان وإن لم يرها تزني كالمشهور من القول في الأعمى. انتهى. وانتفى به ما ولد لستة أشهر يعني أنه ينتفي بلعان الرؤية وما في حكمه من تيقن الأعمى لا ولد كاملا لستة أشهر فأكثر من يوم الرؤية أو أنقص منها بخمسة أيام بأن يتوالى ثلاثة على النقص والرابع كامل ثم اثنان ناقصان، هذا ما عليه الأكثر وهو الصحيح، وقيل: نقص الستة الأيام كالخمسة. ابن ناجي: ووقعت قديما بفاس في امرأة أتت بولد لخمسة أشهر وأربعة وعشرين يوما فاختلف فيها فقهاؤنا على قولين، والصحيح عدم الإلحاق إذ لا يصح توالي ستة أشهر نقص، وبه قال أحمد بن لقاضي وعبد الله بن المسلم، وخالف أبو علي القيسي قاله الشبراخيتي. وإلا تلد لستة أشهر بل ولدت لأقل من ستة أشهر وما في حكمها من يوم الرؤية لم ينتف الولد باللعان المذكور، ولحق حتى به لأن لعانه في الحقيقة إنما هو للرؤية وما في حكمها لا لنفي الحمل. والله سبحانه أعلم. إلا أن يدعي الاستبراء لما كان قوله: لحق شاملا لما إذا ادعى الاستبراء قبل الرؤية ولما إذا لم يدعه أخرج من ذلك ما إذا ادعى الاستبراء قبل الرؤية بقوله: إلا أن يدعي الاستبراء؛ يعني أن محل لحوق الولد بالزوج في لعان الرؤية وما في حكمه من التيقن إنما هو حيث لم يدع الاستبراء، فإن ادعى الآن الاستبراء قبل الرؤية لم يلحق به الولد بل ينتفي باللعان الأول، وهو قول أشهب؛ وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينفيه بلعان ثان وإن ادعى الاستبراء عند لعانه للرؤية انتفى عنه الولد بإجماع، ومحل كلام المص حيث أتت بالولد لستة أشهر وما في حكمها فأكثر من يوم الاستبراء فإن أتت به لأقل من ذلك من يوم الاستبراء لحق.
стр. 4715
ابن ناجي: وقعت بتونس مسألة امرأة تزوجت قبل حيضة فأتت بولد لخمسة أشهر ثم بآخر لشهر، وصدرت الفتوى بأن الأول للأول والثاني للثاني، قال بعض: في البطن زوايا فقد يتأخر الولد في إحداها، قاله عبد الباقي عن التتائي. قال: وقوله: قبل حيضة، صوابه بعد حيضة، وأما قبلها فيلحق ما أتت به بالأول ولو لأقصى أمد الحمل، قال: والظاهر ضعف هذا الفرع لما يأتي من أن الولدين بينهما أقل من ستة أشهر توأمان وبطن واحدة وكون البطن لها زوايا لا يقتضي وجود حمل على حمل انتهى. قوله: وانتفى به ما ولد إلى هنا، يأتي تحريره إن شاء الله عند قوله: وإن لاعن لرؤية وادعى الوطء قبلها لخ، وبنفي حمل الأول من المتضايفين عطف على قوله: بزنى قاله الشارح؛ يعني أن الزوج إذا رمى زوجته بنفي حملها الظاهر فإنه يلاعنها إن بادر على ما يأتي، وقوله: بنفي حمل، لا مفهوم للحمل عن الولد، فلو قال: وبقطع لنسب لكان أشمل، واقتصر على الحمل لكونه الغالب، وإلا فلا فرق بين الحمل وغيره، وقد مر قولي: حملها الظاهر، قال عبد الباقي: وبنفي حمل ظاهر بشهادة امرأتين فيلاعن كما يدفع لمطلقة نفقة حمل ظهر بها وترد جارية ظهر حملها بعد الشراء. انتهى. وإن مات قال الشارح مفسرا للمص: أي الولد أو الحمل، قال في المدونة: وإن ولدت ولدا ميتا أو مات بعد الولادة ولم يعلم به الزوج لغيبة أو غيرها ثم نفاه إذا علم به فإنه يلاعن لأنه قاذف. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن مات الولد بعد وضعه أو ولدته ميتا ولم يعلم به الزوج لغيبته أو غيرها فيلاعن، وفائدة لعانه سقوط الحد عنه، ولو انفش الحمل بعد لعانه لم تحل له أبدا، كما يأتي آخر الباب انتهى. أو تعدد الموضع اعلم أن مقتضى كلام غير واحد أنه يقدر بعد قوله: وبنفي حمل واتحد أو نحوه، فترجع له المبالغة الكائنة في قوله: أو تعدد الوضع أو التوأم وما بعدها، وعبارة الأمير: واتحد إن تعدد، وتقرير المص على هذا أن تقول: وبنفي حمل حيث حيي واتحد، بل وإن مات أو تعدد لخ، والله سبحانه أعلم؛ يعني أن من قدم من غيبته فوجد امرأته ولدت ولدين أو أكثر فأنكرهم يبرأ منهم بلعان واحد معجل، ومحل ذلك إن أمكن إتيانه لها سرا وإلا انتفوا عنه بغير لعان، كما يأتي في قوله: أو ادعته مغربية على مشرقي، سمع عيسى ابن القاسم: من قدم من غيبته سنين فوجد امرأته ولدت أولادا فأنكرهم، وقالت: بل هم منك لم يبرأ منهم ومن الحد إلا بلعان. ابن رشد: هذا إذا أمكن إتيانه إليها سرا لمسألة المدونة في دعواها ذلك قبل البناء. قاله الشبراخيتي وغيره.
стр. 4716
وقوله: أو التوأم من عطف الجمل أي أو حصل التوأم انظر حاشية الشيخ بناني: يعني أنه يكتفي بلعان واحد معجل فيما إذا ولدت المرأة توأمين فأكثر فينتفي النسب به عنه كالتي قبلها، وقد علمت أن قوله: أو تعدد الوضع في حمل متعدد، وقوله: أو التوأم هو الولد المتعدد في حمل واحد، وفي الشبراخيتي: ولا شك أن قوله: أو تعدد الوضع، يغني عن قوله: أو التوأم، وقوله: بلعان معجل متعلق بمحذوف تقديره وانتفى الحمل والولد، ولا يصح تعلقه بنفي حمل؛ يعني أنه ينتفي النسب في جميع الحور من قوله: وبنفي حمل لخ: بلعان واحد معجل: ويأتي مفهوم معجل في قوله: وإن وطئ أو أخر لخ، ويعجل اللعان ولو كان الزوجان مريضين أو أحدهما وأما الحائض والنفساء فتؤخران، وقوله: كالزنى والولد تشبيه في الاكتفاء بلعان واحد يعني أن الزوج إذا قال: رأيتها تزني وهذا الولد الذي معها أو الحمل الذي في بطنها ليس مني، فإنه يكتفى لذلك بلعان واحد سواء كانت رؤية الزنى بها قبل الولادة أو بعدها، قرره بهذا غير واحد، وقرره أحمد عن بعض شيوخه بأن قوله: والولد معطوف على الحمل، ومعنى ذلك أنه إذا نفى الولد بأن قال: ما هذا الولد مني والحال أنه لم يعلم حمل فإنه يلاعن وينتفي عنه الولد كما أنه يلاعن إن قذفها بنفي حمل. انتهى. قال مقيده: وفيه ما فيه، وعبارة الشارح عند قوله: كالزنى والولد أي فإنه يكفي فيهما لعان واحد؛ لأن قوله: ما هذا الحمل مني وقد زنت قبل الحمل أو بعده، بمنزلة ما لو قذفها بالزنى مرات. انتهى. إن لم يطأ بعد وضع مقتضى كلام غير واحد أو صريحه أنه شرط في قوله: إنما يلاعن بالنظر لأحد موضعيها وهو بنفي حمل أي وإنما يلاعن في نفي الحمل والولد إن لم يطأ بعد وضع لخ؛ يعني أن ما مر من أن الزوج يلاعن لنفي الحمل والولد مقيد بأن يعتمد الزوج في لعانه على واحد من هذه الأمور، أحدها: أن يقول: أنا ما وطئتها من حين وضعت الحمل الأول الذي قبل هذا الحمل المنفي، وبين الوضعين ما يقطع الثاني عن الأول وهو ستة أشهر فأكثر، فإنه حينئذ يلاعن، وأما لو كان بينهما أقل من ستة أشهر لكان الثاني من تتمة الأول فهما توأمان فيكونان ولدين له، ثانيها وثالثها: أشار إليهما بقوله: أو وطئها بعد رضع الأول بشهر مثلا وأمسك عنها وأتت بولد بعد هذا الوطء لمدة لا يلحق لولد فيها بالزوج، إما لقلة كخمسة أشهر فأقل بين الوطء والولادة فإنه يعتمد على ذلك ويلاعن؛ لأن الولد ليس للوطء الثاني لنقصه عن ستة أشهر ولا من بقية الأول لقطع الستة له عنه، أو لكثرة عطف على
стр. 4717
لقلة يعني أنه إذا وطئها بعد وضع الأول وأمسك عنها ثم أتت بولد لمدة لا يلحق الولد فيها بالوطء الذي بعد الوضع لأجل كثرة كخمس سنين أو أكثر فإنه يعتمد على ذلك ويلاعن، رابعها أشار إليه بقوله: أو استبرأ بحيضة عطف على قوله: لم يطأ؛ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته ثم استبرأها بحيضة بعد وطئه ولم يطأ بعد ذلك الاستبراء وأتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم الاستبراء فإنه يعتمد على ذلك في نفي الولد ويلاعن وإن لم يدع رؤية، وهو المشهور، وقيل: ليس له أن يلاعن حينئذ، وهو مقابل للمشهور، وتشهير الشارح له منتقد، ومقتضى المص وغيره أنه لا يعتمد على عقمه حتى يلاعن بل إنما يلاعن لاعتماده على غيره، وقد علمت أن المشهور أن لم أن يعتمد على الاستبراء بحيضة واحدة، وقال عبد الملك: ثلاث حيض، وحكى عنه ابن عبد السلام إن كانت أمة فحيضة وإن كانت حرة فثلاث، وقيل: لا يعتمد على الاستبراء بالحيض مطلقا واحدة أو أكثر. انظر الشارح. ولو تصادقا على نفيه مبالغة في مقدر؛ أي وانتفى الحمل والولد بلعان معجل لا بغيره ولو صدقت المرأة الرجل على أن الحمل أو الولد ليس منه. ابن يونس: ويكون اللعان من الزوج وحده دون الزوجة لحق الولد، فلو لاعنت فلا يفيدها لأنها مصدقة، فإن لم يلاعنها لحق به ولا حد عليه لأنه قذف غير عفيفة سواء كان ذلك قبل البناء أو بعده، كما قاله أكثر الرواة، ومقابله رواية الأقل: لا يحتاج نفي الولد للعان حيث تصادق الزوجان بعد البناء على أن الولد ليس منه، ابن عبد السلام: قلت: الأظهر ما ذهب إليه الأكثرون من الرواة أنه لا ينتفي النسب بتقارِّ الزوجين لأنه إقرار على الغير فلا يقبل. انتهى. وللخمي تخريج أنه ينتفي بلا لعان حيث تصادقا على نفيه قبل البناء. والله سبحانه أعلم إلا أن تأتي به لأقل من ستة أشهر مستثنى من المقدر المذكور؛ أي وانتفى الحمل والولد بلعان لا بغيره إلا أن تأتي لخ؛ يعني أنه لا يحتاج في نفي الولد إلى لعان حيث أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم العقد قلة زائدة عما يمكن أن تنقصه الشهور كستة أيام، وهذا إذا اتفق الزوج والمرأة على المدة المذكورة فإن اختلفا في تاريخ العقد لم ينتف إلا بلعان ويقول في يمينه، وما تزوجتها إلا من خمسة أشهر مثلا، وتقول هي: ولقد تزوجتني أكثر من ستة أشهر مثلا والولد منك. أو هو صبي حين الحمل عطف على قوله: لأقل؛ يعني أن المرأة إذا حملت وزوجها صبي حين الحمل فإن الحمل منتف عن الزوج بلا لعان ولو كان يقدر على الوطء حين الحمل لأن الصبي لا يولد له، أو
стр. 4718
مجبوب يعني أن المرأة إذا حملت وزوجها مجبوب حين الحمل فإن الحمل ينتفي عنه بلا لعان والمجبوب هو المقطوع الذكر والأنثيين معا، وقوله: أو مجبوب ظاهره ولو كان ينزل، وكذا لو كان خصيا أو مقطوع البيضة اليسرى لفساد منيه. قاله المحقق الأمير. وفي الشبراخيتي ناقلا عن ابن القاسم وابن حبيب: أنه إذا أتت زوجة الخصي بقسميه يعني مقطوع الذكر أو الأنثيين بولد فلا لعان عليه إذ لا يلحق به، ومشى عليه في الجلاب، فقال: ولا لعان على خصي. انتهى. وفي الشبراخيتي أيضا عن ابن حبيب: أن من ذهبت بيضته اليسرى لا يلاعن لنفي الحمل لأنها تطبخ المني فإذا فقدت فقد الولد واليمنى لنبات الشعر. انتهى. وفي الشبراخيتي أيضا عن القرافي: أن الخصي والمجبوب إذا كانا لا ينزلان لم يلحق بهما ولد وإن أنزلا لاعنا كغيرهما. انتهى. وقال الشبراخيتي أيضا: وقال في الشامل عاطفا على من ينتفي عنه الولد بلا لعان: أو مجبوب وذاهبُ الأنثيين يلاعن حيث أنزل وكذا مقطوع الذكر والبيضة اليمنى وأما قائم الذكر مقطوع الأنثيين أو اليسري فقط فإنه ينتفي عنه الولد بلا لعان. انتهى. أو ادعته مغربية على مشرقي معطوف على المستثنى يعني أن الولد ينتفي بلا لعان في هذه الصورة، وهي ما إذا ادعت زوجة مغربية مثلا على زوجها المشرقي مثلا في ولد أتت به أنه منه وأنه طرقها ليلا مثلا، وكل منهما ببلده، وليس المدار على المسافة المذكورة، وإنما المدار أن تدعيه زوجة على زوج وبينهما مدة لا يمكن عادة مجيئه إليها مع خفائه، مثال ذلك: ما لو عقد عليها وهو غائب وبينهما من المسافة ما لو قدم بعد العقد كان الباقي أقل من ستة أشهر وكذا لو كان أكثر، ويشهد من هو بينهم أنه لم يغب طول المدة أو غاب ما لا يكون مدة لذهابه ورجوعه؛ نقله ابن عرفة عن اللخمي. وقوله: "أو ادعته مغربية على مشرقي"، قال عبد الباقي: وهذا بخلاف من أقام بينة على شخص أنه في وقت كذا قتل فلانا وشهدت بينة أخرى أنه في ذلك الوقت بعينه في مكان آخر بعيد فإن بينة القتل مقدمة لأنها مثبتة، والفرق بين المسألتين أن اللعان ليس فيه إلا دعواها والبينة أقوى ومحل تقديم بينة القتل ما لم يكثر الشاهدون بأنه كان في ذلك الوقت في مكان آخر، بحيث يفيد خبرهم العلم الضروري فيعمل بشهادتهم. انتهى. وفي حده بمجرد القذف ولعانه خلاف مبتدأ وخبره في حده وهذا مفهوم قوله: ورءاه غيره؛ يعني أنه لو قذفها بالزنى دون رؤية ولا نفي حمل، أو نفي حمل دون استبراء، فإن الشيوخ اختلفوا في ذلك على قولين، فأكثر الرواة يحد ولا
стр. 4719
يلاعن وهو قول ابن القاسم والمخزومي وابن دينار، قال في المقدمات: وهو الأصح، وقال ابن نافع: يلاعن ولا يحد، وهو قول ابن القاسم أيضا واختاره كبار المتأخرين وشهره في الإرشاد، والقولان في المدونة قاله الشارح. وحجة القول الثاني عموم آية اللعان فإنه لم يذكر فيها رؤية زنى ولا نفي حمل ولا ولد وإن لاعن لرؤية وادعى الوطء قبلها وعدم الاستبراء يعني أن الزوج إذا ادعى أنه رأى زوجته تزني وادعى أنه وطئها قبل أن يراها تزني وادعى مع ذلك أنه لم يستبرئها من وطئه الحاصل قبل الرؤية ولاعنها ثم أتت بعد ذلك بولد فقد ثبت لمالك ثلاثة أقوال في إلزامه أي الزوج به أي بالولد، ومعنى هذا أن الولد يكون لاحقا به أي لا ينتفي عنه أصلا لا بلعان ثان ولا بغيره إذ عدوله عن دعوى الاستبراء رضي منه باستلحاقه، وإذا استلحقه فليس له أن ينفيه بعد ذلك؛ وهذا مفاد ما قاله أبو الحسن. وعدمه عطف على قوله: في إلزامه، والضمير فيه عائد على الإلزام أي أن الإمام قال مرة بالإلزام ومرة قال بعدم الإلزام؛ أي أن الولد لاحق به إلا أن ينفيه بلعان. قاله أحمد بابا. ونفيه أي الولد أي أن الإمام قال مرة أيضا: إنه منتف عنه باللعان الحاصل لأنه موضوع لنفي الحد والولد فإن ادعاه بعد ذلك حد ولحق به. قاله غير واحد. وقوله: أقوال مبتدأ وخبره قوله: لمالك، أو فاعل للثبوت والاستقرار الذي تضمنه المجرور، كما أشرت إليه في الحل، وبهذا التقرير ظهر لك الفرق بين الأقوال الثلاثة؛ إذ القول الأول هو أن الولد لاحق به ولا ينتفي عنه أصلا لا بلعان ثان ولا بغيره، والقول الثاني أن الولد لاحق به إلا أن ينفيه بلعان ثان، والقول الثالث أنه منتف عنه باللعان الحاصل ولا يحتاج إلى لعان ثان فإن استلحقه بعد ذلك لحق به وحد، ولابد من تحرير هذه المسألة وتحرير قوله قبل: "وانتفى به ما ولد لستة أشهر"، فأقول طالبا من الله التوفيق، والإرشاد والتحقيق:
اعلم أن موضع هذه الأقوال مطلق سواء ولدته لستة فأكثر أو لأقل منها. قاله بناني. وهذه المسألة داخلة في عموم قوله: وانتفى به ما ولد لستة أشهر، قاله الحطاب. ولهذا قال بعض الشيوخ: ينبغي أن يكون القول الأخير هو الراجح لما تقدم من قوله: وانتفى به ما ولد لستة أشهر. والحاصل أن اللعان للرؤية له حالتان، إحداهما: أن يدعي الاستبراء وفيها صورتان، الأولى: أن يدعي الآن أنة كان استبرأها قبل الرؤية فينتفي عنه الولد بذلك اللعان ولا يحتاج إلى لعان ثان وهو قول أشهب، وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينفيه بلعان ثان، قال في المقدمات: وفي المدونة ما
стр. 4720
يدل للقولين. نقله بناني وغيره؛ الصورة الثانية: أن يدعي الاستبراء عند لعانه للرؤية فينتفي عنه الولد بذلك اللعان إجماعا ومحل انتفائه في الصورتين إن أتت به لستة أشهر وما في حكمها من يوم الاستبراء وإلا لحق به؛ الحالة. الثانية: أن لا يدعي الاستبراء، قال الإمام الحطاب عن ابن رشد: وإن لم يدع الاستبراء فاختلف هل ينتفي الولد بذلك اللعان أم لا؟ على ثلاثة أقوال، أحدها: أن الولد ينفيه اللعان على كل حال وإن ولدته لأقل من ستة أشهر وهو أحد قولي مالك في المدونة؛ والثاني: أنه لا ينفيه بحال وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر ويلحق به الولد وهو قول عبد الملك وأشهب والثالث: التفرقة بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أو لأكثر منها وهو القول الثاني لمالك في المدونة، وظاهر كلام المص وابن رشد أن الحكم كذلك سواء كانت ظاهرة الحمل يوم الرؤية أم لا، ويأتي للمص عن ابن القاسم أنها إذا كانت ظاهرة الحمل يوم الرؤية فإنه يلحق به، وهو ظاهر فيقيد به ما هنا والله أعلم انتهى كلام الحطاب عند قوله: "وانتفى به ما ولد لستة أشهر وإلا لحق إلا أن يدعي الاستبراء"، فإذا عرفت هذا عرفت أن المص مشى في قوله وانتفى به ما ولد لستة أشهر وإلا لحق فيما إذا لم يدع الاستبراء، على القول الثالث في كلام ابن رشد بالتفصيل بين أن تلده لستة أشهر من يوم الرؤية فأكثر فلا يلحق به أو تلده لأقل فيلحق به. كما قاله الحطاب. فإذا عرفت هذا عرفت أن قوله: وانتفى به ما ولد لستة أشهر وإلا لحق، حيث لم يدع الاستبراء، شامل بحسب ظاهره لما إذا ادعى الوطء قبل الرؤية وادعى مع ذلك عدم الاستبراء ولما إذا لم يدع ذلك، بأن سكت، وقوله وإن لاعن لرؤية لخ، خاص بما إذا ادعى الوطء قبل الرؤية وادعى مع ذلك عدم الاستبراء وهي المسألة المعهودة في المدونة، واختلف الشيوخ فيها فمنهم من فهم قول المدونة: اختلف قول مالك فمرة ألزمه الولد ومرة لم يلزمه الولد ومرة قال بنفيه وإن كانت حاملا. انتهى. على قولين، كابن رشد وابن لبابة جعلوا قوله: ومرة قال بنفيه، تأكيدا لقولها: ومرة لم يلزمه، ومنهم من فسرها بثلاثة، وهو ما للمص، وعدلت عما في التوضيح تبعا لما عزوه لأبي الحسن في الأول ولأحمد بابا في الثاني؛ لأن ما قالاه هو المظاهر إذ به يتميز كل قول. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: قد مر قول أحمد بابا عند قول المص، وعدمه: أن معناه أنه لاحق به إلا أن ينفيه بلعان، واللعان حينئذ لنفي الولد كما هو ظاهر وفي كلام عبد الباقي نظر. والله تعالى أعلم.
стр. 4721
ابن القاسم: ويلحق إن ظهر يوميا يعني أن ابن القاسم فصل فقال: إن كانت حاملا يوم الرؤية فإنه يلحق به الولد وإن تعدد ولا يصح نفيه، وتفصيله ظاهر لأنه لا يلزم من لعانه لنفي الحد عنه نفي حمل ظاهر، وقوله: إن ظهر المراد بظهور الحمل تحققه وثبوت وجوده بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من يوم الوطء، وكلام المص يوهم أن هذا لابن القاسم وليس كذلك، بل هو لمالك، وإنما لابن القاسم فيه الاختيار.
تنبيهان: الأول: هذا الخلاف أعني قوله: فلمالك في إلزامه به لخ، جار سواء كانت يوم الرؤية ظاهرة الحمل أم لا، ولهذا قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إلي إن كان لها يوم الرؤية حمل ظاهر لا يشك فيه أن الولد لاحق، قال في التوضيح: وتفصيل ابن القاسم ظاهر. انظر الحطاب. وكلام المدونة هو: وقد اختلف قول مالك فمرة ألزمه الولد ومرة لم يلزمه إياه ومرة قال بنفيه وإن كانت حاملات وأحب ما فيه إلي أنه إذا رآها تزني وبها حمل ظاهر لا يشك في أنه يلحق به الولد إذا التعن للرؤية.
الثاني: قال في التوضيح: فإن قيل في قول ابن القاسم أخب إلي نظر إذ هو موضع الجزم لعظم أمر الأنساب، وإنما يقال أحب في باب العبادات قيل إنما حمله على ذلك اضطراب مدرك الإمام فلم يستطع الجزم بمخالفته. انتهى قاله الحطاب. ولما ذكر ما يعتمد عليه ذكر ما لا يعتمد عليه بقوله: ولا يعتمد فيه على عزل يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته وعزل عنها ماءه ثم أتت بولد فإنه لا يجوز له أن ينفيه بلعان معتمدا فيه على عزله لأنه قد يخرج منه من الماء ما لا يشعر به فيكون عنه الولد. قاله غير واحد. وأشار بعض الأشياخ إلى اعتبار ذلك في الإماء. قاله الشارح. ولا مشابهة لغيره يعني أن المشابهة في هذا الباب لم يلتفت إليها الشرع كما التفت إليها في باب القافة، بل نص على إلغائها فلا عبرة بها، وإن كانت المشابهة حاصلة بسواد في الولد وأبواه أبيضان كالعكس فمخالفة الولد لأبيه ومشابهته لغيره ملغاة في هذا الباب فلا تكون معتمدا شرعيا يعتمد عليه في نفي الولد، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته، فقال له النبي ﷺ : (هل لك من إبل؛ قال: نعم، قال: ما لونها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : ما هو؟ قال يا رسول الله لعله يكون
стр. 4722
نزعة عرق له (١))؟ ولم يرخص له في الانتفاء منه ففهم الأئمة من هذا الحديث أن الاشتباه لا يعتمد عليه في اللعان وأنه مما لا يصلح مظنة في ذلك ولا علة وقوله ﷺ (فهل فيها من أورق) الأورق هو الذي فيه بياض وسواد ومنه قيل للرماد أورق وللحمامة ورقاء وجمعه ورق بضم الوار وإسكان الراء كأحمر وحمر، وقال في الصحاح: الأورق من الإبل الذي لونه بياض إلى سواد وهو أطيبها لحما وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره، والمراد بالعرق هنا الأصل من النساء شبهها بعرق الثمرة؛ ومعنى نزعه أشبهه واجتذبه إليه وأظهر لونه عليه وأصل النزع الجذب، ولا وطء بين الفخذين إن أنزل يعني أنه لا يعتمد الزوج في اللعان لنفي الولد على أنه كان يطؤها بين الفخذين إن أنزل، لأنه يحتمل أن يكون وصل من مائة شيء إلى الفرج، وكذا لا يعتمد أيضا في نفي الولد على أنه كان يطأ في الدبر، واستشكل الباجي هذا أي الوطء بين الفخذين والوطء في الدبر كما في الحطاب، فقال: ويبعد عندي أن يلحق الولد من الوطء في غير الفرج، فلو صح هذا لما جاز أن تحد امرأة ظهر بها حمل وليست متزوجة لجواز أن تكون وطئت في غير الفرج، فلا يجب به حد وإن وجبت به عقوبة، قال ابن عبد السلام: وكلامه هذا صحيح. والله تعالى أعلم ولا وطء بغير إنزال إن أنزل قبله ولم يبل يعني أن الزوج لا يعتمد أيضا في نفي الولد على أنه وطئ ولم ينزل، بشرط أن يكون قد أنزل قبل هذا الوطء في وطء آخر أو ملاعبة والحال أنه لم يبل بعد إنزاله حتى وطئ هذا الوطء الذي لم ينزل فيه لاحتمال بقاء شيء من المني في قصبة الذكر خرج في هذا الوطء فحملت منه المرأة؛ ويلحق به الولد في المسائل الأربع، ولا حد عليه لعذره، وظاهره ولو عالما بتلك المسائل، ومفهوم قوله: إن أنزل أنه لو لم يحصل منه إنزال أصلا أنه يعتمد على ذلك ويلاعن، ومفهومه أيضا أنه إن أنزل قبل هذا الوطء وبال ثم وطئ ولم ينزل لكان ذلك معتمدا يلاعن بسببه، ولاعن في الحمل مطلقا يعني أن الرجل له أن يلاعن في نفي الحمل معتمدا على شيء مما تقدم مطلقا سواء كانت المرأة حية أو ميتة وسواء كانت في العصمة أو مطلقة، كان الطلاق رجعيا أو بائنا، في العدة أو بعدها، إلا أن يتجاوز أقصى أمد الحمل فإنه ينتفي عنه حينئذ بلا لعان، وقد مر: أو لمدة لا يلحق الولد فيها لكثرة، وتقدم هناك أنه يلاعن، ولا يعارض هذا لأن ما مر هي زوجة فيه، وفي الرؤية يعني أن الزوج إذا قذف المرأة بأنه رآها
стр. 4723
تزني فإنه يلاعنها إذا ادعى ذلك وهي في عصمته، وإن لم تكن في عصمته فإنما يلاعن بشرط أن تكون الرؤية مدَّعاة في العدة بأن قال لها وهي معتدة منه: رأيتك تزنين، فقوله: في العدة، متعلق بكون خاص صفة للرؤية أي الرؤية الدعاة في العدة كما أشرت إليه في الحل. وقاله غير واحد. ولفظ عبد الباقي: أي إنما يلاعن إذا ادعى في العدة أنه رأى. انتهى. وهو صادق بصورتين: أن يراها تزني في العدة، والثانية أن يدعي في العدة أنه رآها تزني وهي في عصمته. والله سبحانه أعلم، ويلاعن في الرؤية الدعاة في العدة حيث كانت العدة من طلاق رجعي، بل وإن كانت العدة التي ادعى فيها أنه رآها تزني من طلاق بائن، فيلاعن في العدة وبعدها؛ وهذا الذي ذكره في البائن قول ابن القاسم ورواه ابن وهب عن مالك، وقال محمد: يحد من غير لعان، يريد لأنها أجنبية، وقال المغيرة: لا حد ولا لعان، ومال إليه سحنون. قاله الشارح. وحد بعدها يعني أن الرجل إذا رمى من كانت زوجة له بعد انقضاء عدتها منه بأنه رآها تزني فإنه يحد، وهو صادق بصورتين، إحداهما: أن يقول لها بعد العدة: رأيتك تزنين في زمن عدتك، الثانية: أن يقول لها بعد العدد رأيتك تزنين بعد انقضاء زمن عدتك، فلا يمكن من اللعان بل يحد فيهما. قاله غير واحد وقال الشارح عند قوله: وحد بعدها؛ أي بعد العدة إذا رماها بزنى بعد خروجها منها ولا خلاف في ذلك. انتهى. وهو صادق بما إذا رماها بعد العدة بزنى رآه وهي في عصمته. والله سبحانه أعلم كاستلحاق الولد يعني أن الزوج إذا انتفى ولده باللعان ثم استلحقه فإنه يحد، وسواء كان هذا اللعان المنتفي به الولد بنفي حمل أو ولد ثم استلحق أو لرؤية فقط ثم استلحق، وهذا الإطلاق هو ظاهر الجلاب، وعلى نقله اقتصر المواق، وهو خلاف ظاهر المدونة فإن ظاهرها كما قال ابن عرفة: إنما يحد إذا لاعن لنفيه فقط أو لنفيه مع الرؤية وأما إذا لاعن للرؤية فقط ثم استلحق ما ولدته لستة أشهر فلا حد عليه، وقال ابن المواز: لا يحد إلا إذا لاعن لنفيه فقط، ونص ابن عرفة بعد نقول: فالحاصل إن لاعن لنَفْي حملها فقط حد باستلحاقه وإلا فثالثها إن لاعن لنفي حملها مع رؤية أو قذف، للجلاب ومحمد وظاهرها. انتهى. نقله بناني. وقوله: كاستلحاق الولد ولو استلحق واحدا بعد واحد قال عبد الباقي: فحد واحد للجميع إلا أن يستلحق واحدا بعد ما حد من استلحقه قبله فيتعدد فيما يظهر. انتهى. قال بناني: فيه نظر، والظاهر أنه لا يتعدد مطلقا لأنه قذف واحد. والله أعلم. انتهى. وقوله: كاستلحاق الولد أي
стр. 4724
فيحد إذا استلحقه سواء كان حيا أو ميتا إلا أن تزني بعد اللعان مستثنى من قوله: كاستلحاق الولد يعني أنه إذا استلحق الولد بعد أن نفاه بلعان وقلنا: إنه يحد فإنما ذلك حيث لم يثبت عليها الزنى، وأما إن ثبت أنها زنت فإنه لا يحد لأنه قذف غير عفيفة وسواء زنت بعد اللعان أو قبله فلا مفهوم لقوله بعد. قاله بناني. وتسمية الزني بها يعني أن الزوج إذا قال لزوجته: رأيت فلانا يزني بك فإنه يلاعن زوجته ويحد للأجنبي الذي قذفه فإن حد له قبل اللعان سقط عنه حد اللعان أي إن نكل، فإن لاعن قبل أن يحد للأجنبي فإنه يحد له، وإن حد للزوجة ابتداء سقط حده للرجل قام بحقه أم لا، ومفهوم قوله: "وتسمية الزاني بها" أنه لو لم يسمه كقوله: رأيت رجلا يزني بك لكفاه اللعان، قوله: وتسمية، عطف على قوله: كاستلحاق: ومعناه كما مر أن لعانه لا يسقط حده المرتب عليه من جهة غيرها وإنما يسقط الحد المرتب عليه من جهتها كما عرفت. وقوله وتسمية الزاني بها عورض هذا بحديث البخاري وغيره عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن [سحماء] (١) لخ، الحديث، فسمي الزاني بها ولم ينقل أن هلالا حد من أجله؛ فقال الداوودي: إن مالكا لم يبلغه الحديث، وأجاب بعض المالكية بأن المقذوف لم يطلب حقه، وذكر عياض أن بعض الأصحاب اعتذر عن ذلك بأن شريكا كان يهوديا. قاله ابن حجر. وذكر قبل هذا في شريك خلافا وأن البيهقي نقل عن الشافعي أنه كان يهوديا. قاله بناني. قوله: وتسمية الزاني بها، قال ابن الحاجب: وهو المشهور ولم يوجد مقابل المشهور. قاله الشارح. واعلم بحده يعني أن هذا الذي سماه الزوج في قوله: رأيت فلانا يزني بك، يعلم بحده الذي ترتب له على الزوج، بأن يقال له: فلان قذفك بزوجته وترتب لك عليه حد القذف، فقد يعترف أو يعفو لأجل إرادة الستر، وظاهر نقل المواق أن إعلامه واجب، وأن الوجوب متعلق بالحاكم وهو ظاهر إن علم الحاكم بذلك ويجري فيه قوله: وبعده إن أراد سترا فإن علم به عدلان فالظاهر وجوب إعلامهما المقذوف أيضا:
تنبيه: هذه المسألة ليست من النميمة لأن النميمة هي نقل كلام الغير على وجه الإفساد، وهذه ليست على وجه الإفساد لوجوب الإعلام بها، وقوله: وأعلم بحده، هذا مبني على أن الحد
стр. 4725
للقذف حق لآدمي، وقيل: ليس عليه إعلامه بناء على أنه حق لله تعالى قاله الشارح، وقوله: وأعلم بحده عبارة الأمير وجب إعلامه على الراجح فيحد أو يعفو سترا كما سيأتي لا إن كرر قذفها به أي بما رماها به أولا؛ يعني أن الزوج لا حد عليه فيما إذا كرر قذف زوجته بعد اللعان بما رماها به أولا، كقوله: ما كذبت عليها، وكقوله: زنيت بزيد، ثم لاعنها، ثم قال لها: زنيت بزيد: واحترز بقوله: به، عما إذا رماها بعد اللعان بأمر آخر كنفي حمل بعد قذف برؤية، وعما إذا رماها بأعم من الأول كزنيت مع كل الناس بعد لعانه لها بسبب قوله لها: زنيت بزيد، فإنه يحد ثانيا، وانظر هل تحصل المغايرة في قوله لها: زنيت بزيد بعد قوله لها: زنيت بعمرو؟ وانظر أيضا هل تحصل المغايرة في قوله: زنيت بفرجك بعد لعانه في زنيت بدبرك؟ وعكسه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: لا إن كرر الزوج قذفها به أي بما لاعنها بسببه فلا يحد، كقوله: ما كذبت عليها، فإن قذفها بأمر آخر أو بأعم حد، فالأول: كأن يقذفها ثانيا بنفي النسب: والثاني: كقوله: أنت تزني مع كل الناس بعد أن قال لها أولا: زنيت بفلان، والفرق بين ما إذا كرر قذفها وبين من قذف شخصا فحد له ثم قذفه ثانيا فإنه يحد له ثانيا على الأصح، أن أحد التلاعنين كاذب ولا يدرى من هو، فإذا قال لها الزوج: ما كنت إلا صادقا لم يحد إذ لعله كان صادقا، والقاذف إنما حد تكذيبا له فيحد ثانيا. انتهى المراد منه. وما مشى عليه المص هو الأصح وهو قول محمد، وفي المدونة لربيعة: يحد، ومثله في الموازية لابن شهاب، وقال الشارح: وفي المدونة وإذا لاعن ثم قال: والله ما كذبت عليها أو قذفها به فإنه لا يحد لأنه إنما لاعن لقذفه، وقال ابن شهاب يحد لأنه قذفها وليست بزوجة، واختاره التونسي. انتهى. وورث المستلحق الميت قوله: المستلحق بكسر الحاء مرفوعا فاعل ورث وهو صفة الأب، وقوله: الميت بالنصب يتنازعه ورث والمستلحق وهو صفة الابن؛ يعني أن الأب إذا استلحق ميتا فإنه أي الأب يرث ذلك المستلحق الميت ويضرب الحد، ولا يقال: كيف ورثه وقد نفاه باللعان واللعان من موانع الإرث؟ لأنه لما جعل له الشرع الاستلحاق فكأنه لم يلاعن أصلا، وإنما يرث المستلحق بكسر الحاء المستلحقَ بالفتح الميت بشرط أشار له بقوله: إن كان له أي للمستلحق بالفتح ولد ذكر أو أنثى حر سلم صفتان لولد، واحترز بهما عما إذا كان ولد المستلحق بالفتح عبدا أو
стр. 4726
كافرا، فإنه لا يرثه لقوة التهمة لكونه لا يزاحمه في الإرث، قال ابن غازي: ولم أر التقييد بالحرية والإسلام لغيره ممن يقتدى به. والذي في أنقالهم: حتى هو في التوضيح تبعا لابن عبد السلام أنه إذا كان الولد الذي للولد الميت عبدا أو نصرانيا صدق الأب في الاستلحاق ولحق به أي وورثه. انتهى. قال عبد الباقي: والأول هو المعقول، ويقال: وإن لم يقع في كلامهم التصريح به لكنه مراد لهم لدفع تقوي التهمة. انتهى. قال محمد بن الحسن: تعبير المص بورث، يفيد أن التفصيل إنما هو في الميراث، وأما النسب فثابت باعترافه مطلقا، وهذا هو الذي نقله ابن عرفة عن أبي إبراهيم وغيره من الفاسيين، ونقل قبله عن ابن حارث أن التفصيل في لحوق النسب وعدمه وأنه حكى عليه الاتفاق، ونص ابن عرفة بعد كلام ابن حارث: وما ذكره ابن حارث من الاتفاق على عدم لحوقه إن لم يترك ولدا مثله لابن المواز وابن القاسم وأصبغ، وقال أبو إبراهيم وغيره من الفاسيين: إنما يتهم إن لم يكن له ولد في ميراثه فقط وأما نسبه فثابت باعترافه. انتهى.
أو لم يكن وقل المال يعني أن الأب يرث ولدا استلحقه بعد الموت وإن لم يكن للمستلحق بالفتح ولد ولكن قل المال الذي تركه الميت المستلحق بالفتح لضعف التهمة لقلة المال. ولو استلحقه في حياته فإن استلحقه في صحته ورثه مطلقا، وأما استلحاقه في مرضه فكاستلحاقه بعد موته. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. وقوله: إن كان له ولد، قال ابن غازي: قال: يعني المص: إن كان له ولدت ولم يقل: إن كان له ابن، تبعا لقوله في المدونة: ومن نفى ولدا بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال فإن كان لولده ولد ضرب الحد ولحق به، وإن لم يترك ولدا لم يقبل قوله لأنه متهم في ميراثه فيحد ولا يرثه وقد قال ابن عرفة ظاهره ولو كان الولد بنتا وقوله: أو لم يكن وقل المال، ذكره أبو إبراهيم الأعرج الفاسي عن فضل، ومفهوم قوله أو لم يكن وقل المال، أنه لو لم يكن له ولد وكثر المال لم يرثه.
وإن وطئ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته بعد علمه بوضعها أو حملها فإنه يمتنع لعانه وتبقى المرأة زوجتد مسلمة أو كتابية وحد للحرة المسلمة، أو أخر يعني أن الزوج إذا أخر لعانه الكائن لنفي الحمل أو الولد بعد علمه بوضعها أو حملها يوما أو يومين وكان تأخيره اللعان بلا عذر فإنه يمتنع لعانه وتبقى زوجته ويحد للحرة المسلمة.
стр. 4727
وعلم مما قررت أن قوله: بعد يتنازعه الفعلان قبله أعني وطئ وأخر، وهو مضاف إلى علمه والضمير للزوج والمصدر مضاف إلى فاعله، وعلق بالمصدر قوله: بوضع أي بوضع المرأة للحمل أو حمل عطف على وضع فهو معمول للمصدر، وقوله: بلا عذر متعلق بأخر، وقوله: امتنع جواب الشرط أعني قوله: وإن وطئ أو أخر فعلم أن الصور أربع وأن اللعان ممتنع في جميعهن، وهي: وطؤه بعد أن علم بالوضع، وطؤه بعد أن علم بالحمل، تأخيره اللعان بعد أن علم بالوضع، تأخيره اللعان بعد أن علم بالحمل. وقد علمت أن اللعان ممتنع فيها كلها فيلحق به الولد وتبقى المرأة زوجته ويحد للحرة المسلمة كما مر، ومفهوم قوله: بلا عذر أنه لو كان تأخيره اللعان لأجل عذر فله القيام وليس من العذر تأخيره لاحتمال كون الحمل ريحا فينفش، وهذه الصور في نفي الولد والحمل كما عرفت، وأما الرمي بالرؤية فله القيام فيه ولو طال وإنما يمنع منه الوطء قال الحطاب: قال ابن عرفة: الباجي عن محمد وابن حبيب عن ابن الماجشون: وإن ادعى رؤية قديمة ثم قام الآن بها حد ولم يقبل. ابن عرفة: ظاهره ولو قال: لم أمسها بعد رؤيتها، وقال اللخمي: لم يختلف المذهب أنه إن رآها وسكت ولم يذكر ذلك إلا بعد مدة أو ظهور الحمل إلا أنه لم يصب بعد الرؤية أن له أن يلاعن. انتهى. نقله الحطاب. وقال: قلت: يقيد الأول بما إذا كان قد وطئ كما هو المتبادر منه ويتفق النقلان، ويفهم منه أنه إذا وطئ بعد الرؤية لم يكن له أن يلاعن ولا ينفي الولد وهو ظاهر، وقد صرح به ابن الحاجب وقبله في التوضيح. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن من شرط اللعان في نفي الولد أن لا يطأ امرأته بعد علمه بوضعها أو حملها لأن وطئه بعد علمه دليل على الرضى بالبقاء معها، وقوله: أو أخر أي ومن شرطه أيضا أن لا يؤخر رفعها بعد العلم بالوضع أو الحمل فإن أخر، قال في المدونة: يوما أو يومين يريد أو أكثر لم ينفعه نفيه ولحق به وتبقى له زوجة سواء كانت مسلمة أو كتابية ويحد للحرة المسلمة دون الأمة والكتابية، وإنما قال: بلا عذر لأن عبد الوهاب قيده به. انتهى والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: وسقط إن أخره بعد علمه الحملَ أو وطئ ولو بعد رؤية. انتهى. وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني يعني أن اللعان تارة يكون للرؤية وتارة يكون لنفي الحمل، فإن كان للرؤية فصفته أن يقول هو أربع مرات: أشهد بالله لرأيتها تزني، فيكرر الصيغة بتمامها أربع مرات، لا أنه يكرر أشهد بالله فقط، كما يوهمه، وهذا إذا كان بصيرا، وأما الأعمى فيقول أشهد بالله لعلمتها
стр. 4728
أو تيقنتها تزني، ولا يشترط زيادة البصير كالمرود في المكحلة، وقيل: يزيد ذلك كالشهود، وقوله: وشهد بالله، أي يقتصر على لفظ الجلالة، ولا يأتي بعده إلا بقوله: لرأيتها تزني ونحوه، وقال محمد: يزيد الذي لا إله إلا هو، قال ابن الحاجب: صفة يمينه أن يقول أربع مرات: أشهد بالله، وقال محمد: يزيد الذي لا إله إلا هو. التوضيح: قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه اختلف ابتداء هل يزيد الذي لا إله إلا هو وظاهر ما حكاه غيره أنه يقوله وإنها الخلاف إذا تركه، خليل: وفيه نظر فقد ذكر المتيطى وابن شأس القولين كما ذكر المص. انتهى. قال الحطاب: المظاهر ما قاله ابن عبد السلام، وسيأتي للمؤلف في الشهادات واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو فيحمل كلام المتيطي وابن شأس على ما قاله ابن عبد السلام. انتهى. ابن عرفة: اللخمي: في لزوم إني لمن الصادقين قولان للموازية ولها، والصواب الأول لوروده في القرآن. انتهى. نقله الحطاب. وقال بناني: والذي رأيته لابن يونس نسبة الأول للمدونة، ونصه: ومن المدونة قال مالك: ويبدأ الزوج في اللعان يشهد أربع شهادات بالله يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني. انتهى. وفي الحطاب قال ابن عرفة: شرط اللعان ثبوت الزوجية إلا أن يكونا طارئين. انتهى. وقال الحطاب أيضا: قال المتيطى: إذا ثبتت مقالتهما وزوجيتهما سجنه الإمام. الباجي: اختلف في سجنه، وسألت أبا عمران بن عبد الملك؟ فقال: يسجن لقول مالك فيها: إنه قاذف. انتهى. ونقله في التوضيح. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني"، وهذا على القول بأنه يعتمد على مطلق الرؤية، وأما على القول بأنه لا يعتمد إلا على الوصف كالشهود فإنه يقول لرأيتها تزني، يلج فرج الرجل في فرجها كالمرود في المكحلة، ابن المواز: ويزيد على قوله: أشهد بالله، في كل مرة، الذي لا إله إلا هو، وحكى اللخمي أنه يزيد على ذلك الرحمن الرحيم: وعن ابن كنانة: الذي لا إله إلا هو عالم المغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وقيل: يجوز أقسم بالله، وعن مالك: وأشهد بعلم الله وقيل: يجزئ بعزة الله: المازري: والمنصوص أنه لا يجزئ في أسمائه إلا بالله، وعن ابن القاسم: يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني في كل مرة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وزيادة ما عدا الذي لا إله إلا هو ضعيف، وظاهره يعني المصنف أنه لا يزيد وإني لمن الصادقين، وهو موافق لما في المدونة أو هذا الحمل مني يعني أن اللعان إذا كان لنفي الحمل فإن الزوج
стр. 4729
يقول أربع مرات: أشهد بالله ما هذا الحمل مني؛ وهذا هو ما عليه ابن المواز وجماعة، ومذهب المدونة وهو المشهور: أنه يقول: لزنت، ويوافقها قوله في المرأة فيما يأتي: أو ما زنيت، ووُجّه ما في المدونة بأنهم شددوا عليه بالحلف على الزنى لاحتمال أن ينكل فيتقرر النسب، والشارع متشوف له، قاله عبد الباقي. ولا يلزمه أن يذكر السبب الذي يعتمد عليه، وقيل: لابد منه. واعلم أنه لا يلزم من كون الحمل من غيره زناها ولا يلزم من زناها كون الحمل من غيره كما في الشبراخيتي، قال: وانظر على المشهور لو قال: ما هذا الحمل مني هل يعيد الأيمان أو يكتفى به بعد الوقوع؟ والمطابق لما هنا أن تقول: هذا الحمل منه. انتهى. ووصل خامسته يعني أن الزوج إذا شهد الشهادات الأربع المتقدمة فإنه لابد أن يصل بها الشهادة الخامسة، فوصل متعلق بمحذوف؛ أي وصل اليمين الخامسة بالشهادات الأربع كما قررت؛ ثم بين خامسته بقوله: بلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين الباء للتصوير يعني أن يمين الرجل الخامسة صورتها: أن يقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويرد الضمير الأول والثاني إلى نفسه، وقررت المص بأن الباء فيه للتصوير ليوافق مذهب الرسالة ومختار الجلاب والمحققين من أنه لا يأتي بالشهادة في الخامسة ولا يتعين في الخامسة أن يقول: أن وذكرها أولى ليوافق القرآن، وقوله من الكاذبين أولى ليوافق القرآن، وله أن يقول إني لمن الصادقين، انظر شرح عبد الباقي. وقوله: بلعنة يمكن أن يكون حالا من خامسته أي حال كون الخامسة كائنة بلعنة الله عليه لخ، وحملت المص على ما عرفت ليوافق المشهور كما حمله عليه غير واحد، وقال الحطاب: أشار بقوله: بلعنة الله إلى أنه لا يتعين أن يقول: أن لعنة الله، قال في التوضيح: ولكن ينبغي أن يكون ذكرها أولى، ومقتضى كلامه أن يحلف في الخامسة كما حلف في الأيمان قبلها ويزيد فيها اللعنة، وتفعل المرأة كذلك وتزيد الغضب، وهذا الذي صرح به في كتاب محمد خلاف ما قاله القابسي. انتهى. أو إن كنت كذبتها يعني أن الملاعن لى أن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه، ويرد الضمير إلى نفسه إن كنت كذبتها أي كذبت عليها، فهو مخير بين أن يقول: إن كنت من الكاذبين، وأن يقول: إن كنت كذبتها، والأول أولى لأنه لفظ القرآن. قاله غير واحد. قال الشبراخيتي: وقوله: كذبتها أي كذبت عليها، كقوله كذبتك عينك البيت أي كذبت عليك. أصبغ: وأحب إلينا لفظ القرآن.
стр. 4730
انتهى. وقال عبد الباقي: وظاهره يعني المص التخيير، ابن حبيب: يجزئ وأحب إلينا لفظ القرآن. قاله التتائي. والبيت الذي أشار إليه الشبراخيتي هو:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظلام من الرباب خيالا
وأشار الأخرس يعني أن الأخرس ذكرا كان أو أنثى يلاعن بالإشارة المفهمة لصيغ لعانه كلها، وعبارة الشبراخيتي: وأشار الرجل الأخرس والمرأة الخرساء إلى ما يتعلق باللعان من رمي وأيمان ونكول واعتراف بما يفهم عنهما، أو كتب يعني أن الأخرس وهو الذي لا يستطيع النطق يكتب ما يفهم منه اللعان؛ أي لابد من لعان الأخرس ذكرا كان أو أنثى: فإما أشار أو كتب، ويكرر الكتب والإشارة كاللفظ، ويعلم قذفه أيضا بالكتب أو الإشارة، ولو قال بعد انطلاق لسانه ولو بالقرب: لم أرده لم يقبل، وإذا لاعن الأخرس ثم انطلق لسانه لم يعد عليه اللعان، ومن اعتقل لسانه قبل اللعان ورجي زواله عن قرب انتظر. قاله الشبراخيتي وغيره. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن اللفظ المذكور في اللعان لا يطلب من غير القادر بل إن كان عاجزا عن ذلك كالأخرس لاعن بما يفهم منه من إشارة أو كتابة. وقاله في المدونة. انتهى. ولما أنهى الكلام على صفة لعان الرجل أتبعه بالكلام على صفة لعان المرأة فقال: وشهدت ما رآني أزني يعني أن الرجل إذا لاعن زوجته في الرؤية فإنها تكذبه بأربع شهادات بأن تقول: أربع مرات أشهد بالله ما رآني أزني أو ما زنيت يعني أنه إذا لاعنها لنفي حمل فإنها تكذبه بأربع شهادات أيضا بأن تقول: أشهد بالله ما زنيت، تكرر هذه الصيغة أربع مرات وهذا مطابق لمذهب المدونة، خلاف ما مر له من أنه يقول: ما هذا الحمل مني والمطابق له أن تقول: هذا الحمل منه، فمشىى الأول على قول ابن المواز وهنا على مذهب المدونة.
وعلم مما قررت أن أو للتفصيل لا للتخيير. كما قاله الشبراخيتي. أو لقد كذب يعني أنه لابد من تكذيبها له بأربع شهادات إما أن تقول ما تقدم وإما أن تقول: أربع مرات أشهد بالله لقد كذب فيهما أي في قوله: لرأيتها تزني، وفي قوله: لزنت، وجوز الشارح عود ضمير التثنية للعان الرؤية وللعان نفي الحمل. قاله عبد الباقي. وقال بناني: قال ابن عرفة: قول ابن الحاجب: أو لقد كذب ظاهره الاقتصار على هذا اللفظ وفيه نظر، على ما في الجلاب؛ لأن في لقد كذب علي فيما