كافرا، فإنه لا يرثه لقوة التهمة لكونه لا يزاحمه في الإرث، قال ابن غازي: ولم أر التقييد بالحرية والإسلام لغيره ممن يقتدى به. والذي في أنقالهم: حتى هو في التوضيح تبعا لابن عبد السلام أنه إذا كان الولد الذي للولد الميت عبدا أو نصرانيا صدق الأب في الاستلحاق ولحق به أي وورثه. انتهى. قال عبد الباقي: والأول هو المعقول، ويقال: وإن لم يقع في كلامهم التصريح به لكنه مراد لهم لدفع تقوي التهمة. انتهى. قال محمد بن الحسن: تعبير المص بورث، يفيد أن التفصيل إنما هو في الميراث، وأما النسب فثابت باعترافه مطلقا، وهذا هو الذي نقله ابن عرفة عن أبي إبراهيم وغيره من الفاسيين، ونقل قبله عن ابن حارث أن التفصيل في لحوق النسب وعدمه وأنه حكى عليه الاتفاق، ونص ابن عرفة بعد كلام ابن حارث: وما ذكره ابن حارث من الاتفاق على عدم لحوقه إن لم يترك ولدا مثله لابن المواز وابن القاسم وأصبغ، وقال أبو إبراهيم وغيره من الفاسيين: إنما يتهم إن لم يكن له ولد في ميراثه فقط وأما نسبه فثابت باعترافه. انتهى.
أو لم يكن وقل المال يعني أن الأب يرث ولدا استلحقه بعد الموت وإن لم يكن للمستلحق بالفتح ولد ولكن قل المال الذي تركه الميت المستلحق بالفتح لضعف التهمة لقلة المال. ولو استلحقه في حياته فإن استلحقه في صحته ورثه مطلقا، وأما استلحاقه في مرضه فكاستلحاقه بعد موته. قاله عبد الباقي والشبراخيتي. وقوله: إن كان له ولد، قال ابن غازي: قال: يعني المص: إن كان له ولدت ولم يقل: إن كان له ابن، تبعا لقوله في المدونة: ومن نفى ولدا بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال فإن كان لولده ولد ضرب الحد ولحق به، وإن لم يترك ولدا لم يقبل قوله لأنه متهم في ميراثه فيحد ولا يرثه وقد قال ابن عرفة ظاهره ولو كان الولد بنتا وقوله: أو لم يكن وقل المال، ذكره أبو إبراهيم الأعرج الفاسي عن فضل، ومفهوم قوله أو لم يكن وقل المال، أنه لو لم يكن له ولد وكثر المال لم يرثه.
وإن وطئ يعني أن الزوج إذا وطئ زوجته بعد علمه بوضعها أو حملها فإنه يمتنع لعانه وتبقى المرأة زوجتد مسلمة أو كتابية وحد للحرة المسلمة، أو أخر يعني أن الزوج إذا أخر لعانه الكائن لنفي الحمل أو الولد بعد علمه بوضعها أو حملها يوما أو يومين وكان تأخيره اللعان بلا عذر فإنه يمتنع لعانه وتبقى زوجته ويحد للحرة المسلمة.
стр. 4727
وعلم مما قررت أن قوله: بعد يتنازعه الفعلان قبله أعني وطئ وأخر، وهو مضاف إلى علمه والضمير للزوج والمصدر مضاف إلى فاعله، وعلق بالمصدر قوله: بوضع أي بوضع المرأة للحمل أو حمل عطف على وضع فهو معمول للمصدر، وقوله: بلا عذر متعلق بأخر، وقوله: امتنع جواب الشرط أعني قوله: وإن وطئ أو أخر فعلم أن الصور أربع وأن اللعان ممتنع في جميعهن، وهي: وطؤه بعد أن علم بالوضع، وطؤه بعد أن علم بالحمل، تأخيره اللعان بعد أن علم بالوضع، تأخيره اللعان بعد أن علم بالحمل. وقد علمت أن اللعان ممتنع فيها كلها فيلحق به الولد وتبقى المرأة زوجته ويحد للحرة المسلمة كما مر، ومفهوم قوله: بلا عذر أنه لو كان تأخيره اللعان لأجل عذر فله القيام وليس من العذر تأخيره لاحتمال كون الحمل ريحا فينفش، وهذه الصور في نفي الولد والحمل كما عرفت، وأما الرمي بالرؤية فله القيام فيه ولو طال وإنما يمنع منه الوطء قال الحطاب: قال ابن عرفة: الباجي عن محمد وابن حبيب عن ابن الماجشون: وإن ادعى رؤية قديمة ثم قام الآن بها حد ولم يقبل. ابن عرفة: ظاهره ولو قال: لم أمسها بعد رؤيتها، وقال اللخمي: لم يختلف المذهب أنه إن رآها وسكت ولم يذكر ذلك إلا بعد مدة أو ظهور الحمل إلا أنه لم يصب بعد الرؤية أن له أن يلاعن. انتهى. نقله الحطاب. وقال: قلت: يقيد الأول بما إذا كان قد وطئ كما هو المتبادر منه ويتفق النقلان، ويفهم منه أنه إذا وطئ بعد الرؤية لم يكن له أن يلاعن ولا ينفي الولد وهو ظاهر، وقد صرح به ابن الحاجب وقبله في التوضيح. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن من شرط اللعان في نفي الولد أن لا يطأ امرأته بعد علمه بوضعها أو حملها لأن وطئه بعد علمه دليل على الرضى بالبقاء معها، وقوله: أو أخر أي ومن شرطه أيضا أن لا يؤخر رفعها بعد العلم بالوضع أو الحمل فإن أخر، قال في المدونة: يوما أو يومين يريد أو أكثر لم ينفعه نفيه ولحق به وتبقى له زوجة سواء كانت مسلمة أو كتابية ويحد للحرة المسلمة دون الأمة والكتابية، وإنما قال: بلا عذر لأن عبد الوهاب قيده به. انتهى والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: وسقط إن أخره بعد علمه الحملَ أو وطئ ولو بعد رؤية. انتهى. وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني يعني أن اللعان تارة يكون للرؤية وتارة يكون لنفي الحمل، فإن كان للرؤية فصفته أن يقول هو أربع مرات: أشهد بالله لرأيتها تزني، فيكرر الصيغة بتمامها أربع مرات، لا أنه يكرر أشهد بالله فقط، كما يوهمه، وهذا إذا كان بصيرا، وأما الأعمى فيقول أشهد بالله لعلمتها
стр. 4728
أو تيقنتها تزني، ولا يشترط زيادة البصير كالمرود في المكحلة، وقيل: يزيد ذلك كالشهود، وقوله: وشهد بالله، أي يقتصر على لفظ الجلالة، ولا يأتي بعده إلا بقوله: لرأيتها تزني ونحوه، وقال محمد: يزيد الذي لا إله إلا هو، قال ابن الحاجب: صفة يمينه أن يقول أربع مرات: أشهد بالله، وقال محمد: يزيد الذي لا إله إلا هو. التوضيح: قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام المؤلف أنه اختلف ابتداء هل يزيد الذي لا إله إلا هو وظاهر ما حكاه غيره أنه يقوله وإنها الخلاف إذا تركه، خليل: وفيه نظر فقد ذكر المتيطى وابن شأس القولين كما ذكر المص. انتهى. قال الحطاب: المظاهر ما قاله ابن عبد السلام، وسيأتي للمؤلف في الشهادات واليمين في كل حق بالله الذي لا إله إلا هو فيحمل كلام المتيطي وابن شأس على ما قاله ابن عبد السلام. انتهى. ابن عرفة: اللخمي: في لزوم إني لمن الصادقين قولان للموازية ولها، والصواب الأول لوروده في القرآن. انتهى. نقله الحطاب. وقال بناني: والذي رأيته لابن يونس نسبة الأول للمدونة، ونصه: ومن المدونة قال مالك: ويبدأ الزوج في اللعان يشهد أربع شهادات بالله يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني. انتهى. وفي الحطاب قال ابن عرفة: شرط اللعان ثبوت الزوجية إلا أن يكونا طارئين. انتهى. وقال الحطاب أيضا: قال المتيطى: إذا ثبتت مقالتهما وزوجيتهما سجنه الإمام. الباجي: اختلف في سجنه، وسألت أبا عمران بن عبد الملك؟ فقال: يسجن لقول مالك فيها: إنه قاذف. انتهى. ونقله في التوضيح. انتهى. وقال الشارح عند قوله: "وشهد بالله أربعا لرأيتها تزني"، وهذا على القول بأنه يعتمد على مطلق الرؤية، وأما على القول بأنه لا يعتمد إلا على الوصف كالشهود فإنه يقول لرأيتها تزني، يلج فرج الرجل في فرجها كالمرود في المكحلة، ابن المواز: ويزيد على قوله: أشهد بالله، في كل مرة، الذي لا إله إلا هو، وحكى اللخمي أنه يزيد على ذلك الرحمن الرحيم: وعن ابن كنانة: الذي لا إله إلا هو عالم المغيب والشهادة الرحمن الرحيم، وقيل: يجوز أقسم بالله، وعن مالك: وأشهد بعلم الله وقيل: يجزئ بعزة الله: المازري: والمنصوص أنه لا يجزئ في أسمائه إلا بالله، وعن ابن القاسم: يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني في كل مرة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وزيادة ما عدا الذي لا إله إلا هو ضعيف، وظاهره يعني المصنف أنه لا يزيد وإني لمن الصادقين، وهو موافق لما في المدونة أو هذا الحمل مني يعني أن اللعان إذا كان لنفي الحمل فإن الزوج
стр. 4729
يقول أربع مرات: أشهد بالله ما هذا الحمل مني؛ وهذا هو ما عليه ابن المواز وجماعة، ومذهب المدونة وهو المشهور: أنه يقول: لزنت، ويوافقها قوله في المرأة فيما يأتي: أو ما زنيت، ووُجّه ما في المدونة بأنهم شددوا عليه بالحلف على الزنى لاحتمال أن ينكل فيتقرر النسب، والشارع متشوف له، قاله عبد الباقي. ولا يلزمه أن يذكر السبب الذي يعتمد عليه، وقيل: لابد منه. واعلم أنه لا يلزم من كون الحمل من غيره زناها ولا يلزم من زناها كون الحمل من غيره كما في الشبراخيتي، قال: وانظر على المشهور لو قال: ما هذا الحمل مني هل يعيد الأيمان أو يكتفى به بعد الوقوع؟ والمطابق لما هنا أن تقول: هذا الحمل منه. انتهى. ووصل خامسته يعني أن الزوج إذا شهد الشهادات الأربع المتقدمة فإنه لابد أن يصل بها الشهادة الخامسة، فوصل متعلق بمحذوف؛ أي وصل اليمين الخامسة بالشهادات الأربع كما قررت؛ ثم بين خامسته بقوله: بلعنة الله عليه إن كان من الكاذبين الباء للتصوير يعني أن يمين الرجل الخامسة صورتها: أن يقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويرد الضمير الأول والثاني إلى نفسه، وقررت المص بأن الباء فيه للتصوير ليوافق مذهب الرسالة ومختار الجلاب والمحققين من أنه لا يأتي بالشهادة في الخامسة ولا يتعين في الخامسة أن يقول: أن وذكرها أولى ليوافق القرآن، وقوله من الكاذبين أولى ليوافق القرآن، وله أن يقول إني لمن الصادقين، انظر شرح عبد الباقي. وقوله: بلعنة يمكن أن يكون حالا من خامسته أي حال كون الخامسة كائنة بلعنة الله عليه لخ، وحملت المص على ما عرفت ليوافق المشهور كما حمله عليه غير واحد، وقال الحطاب: أشار بقوله: بلعنة الله إلى أنه لا يتعين أن يقول: أن لعنة الله، قال في التوضيح: ولكن ينبغي أن يكون ذكرها أولى، ومقتضى كلامه أن يحلف في الخامسة كما حلف في الأيمان قبلها ويزيد فيها اللعنة، وتفعل المرأة كذلك وتزيد الغضب، وهذا الذي صرح به في كتاب محمد خلاف ما قاله القابسي. انتهى. أو إن كنت كذبتها يعني أن الملاعن لى أن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه، ويرد الضمير إلى نفسه إن كنت كذبتها أي كذبت عليها، فهو مخير بين أن يقول: إن كنت من الكاذبين، وأن يقول: إن كنت كذبتها، والأول أولى لأنه لفظ القرآن. قاله غير واحد. قال الشبراخيتي: وقوله: كذبتها أي كذبت عليها، كقوله كذبتك عينك البيت أي كذبت عليك. أصبغ: وأحب إلينا لفظ القرآن.
стр. 4730
انتهى. وقال عبد الباقي: وظاهره يعني المص التخيير، ابن حبيب: يجزئ وأحب إلينا لفظ القرآن. قاله التتائي. والبيت الذي أشار إليه الشبراخيتي هو:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … غلس الظلام من الرباب خيالا
وأشار الأخرس يعني أن الأخرس ذكرا كان أو أنثى يلاعن بالإشارة المفهمة لصيغ لعانه كلها، وعبارة الشبراخيتي: وأشار الرجل الأخرس والمرأة الخرساء إلى ما يتعلق باللعان من رمي وأيمان ونكول واعتراف بما يفهم عنهما، أو كتب يعني أن الأخرس وهو الذي لا يستطيع النطق يكتب ما يفهم منه اللعان؛ أي لابد من لعان الأخرس ذكرا كان أو أنثى: فإما أشار أو كتب، ويكرر الكتب والإشارة كاللفظ، ويعلم قذفه أيضا بالكتب أو الإشارة، ولو قال بعد انطلاق لسانه ولو بالقرب: لم أرده لم يقبل، وإذا لاعن الأخرس ثم انطلق لسانه لم يعد عليه اللعان، ومن اعتقل لسانه قبل اللعان ورجي زواله عن قرب انتظر. قاله الشبراخيتي وغيره. وقال الشارح مفسرا للمص: يريد أن اللفظ المذكور في اللعان لا يطلب من غير القادر بل إن كان عاجزا عن ذلك كالأخرس لاعن بما يفهم منه من إشارة أو كتابة. وقاله في المدونة. انتهى. ولما أنهى الكلام على صفة لعان الرجل أتبعه بالكلام على صفة لعان المرأة فقال: وشهدت ما رآني أزني يعني أن الرجل إذا لاعن زوجته في الرؤية فإنها تكذبه بأربع شهادات بأن تقول: أربع مرات أشهد بالله ما رآني أزني أو ما زنيت يعني أنه إذا لاعنها لنفي حمل فإنها تكذبه بأربع شهادات أيضا بأن تقول: أشهد بالله ما زنيت، تكرر هذه الصيغة أربع مرات وهذا مطابق لمذهب المدونة، خلاف ما مر له من أنه يقول: ما هذا الحمل مني والمطابق له أن تقول: هذا الحمل منه، فمشىى الأول على قول ابن المواز وهنا على مذهب المدونة.
وعلم مما قررت أن أو للتفصيل لا للتخيير. كما قاله الشبراخيتي. أو لقد كذب يعني أنه لابد من تكذيبها له بأربع شهادات إما أن تقول ما تقدم وإما أن تقول: أربع مرات أشهد بالله لقد كذب فيهما أي في قوله: لرأيتها تزني، وفي قوله: لزنت، وجوز الشارح عود ضمير التثنية للعان الرؤية وللعان نفي الحمل. قاله عبد الباقي. وقال بناني: قال ابن عرفة: قول ابن الحاجب: أو لقد كذب ظاهره الاقتصار على هذا اللفظ وفيه نظر، على ما في الجلاب؛ لأن في لقد كذب علي فيما
стр. 4731
رماني به، وقوله: كذب علي فقط يصدق بكذبه عليها في غير ما رماها به من الزنى. انتهى. ولعل المص عن هذا احترز بقوله: فيهما، وبه يترجح احتمال الزرقاني الأول. انتهى. قال مقيدة عفا الله عنه: أي لأنه على الاحتمال الأول يكون قوله: فيهما، متعلقا بكذب فيفيد عدم الاقتصار على قولها: لقد كذب، وأما على الاحتمال الثاني يكون قوله: فيهما، متعلقا بالقول، فيفيد الاقتصار على قولها: لقد كذب. والله سبحانه أعلم. وعلى هذا الأخير؛ ففيهما من كلام المص لا من كلام المرأة ومن كلامها على الأول. وفي الخامسة يعني أن المرأة لابد في لعانها من أن تصل شهاداتها الأربع بخامسة وصورة يمينها الخامسة أن تقول: غضب الله ما وترجع الضمير إلى نفسها إن كان الرجل الملاعن لها من الصدقين فيما رماني به بغير لفظ أن كما في الجلاب، وفي المدونة وغيرها: أن قبل غضب، وتصح قراءة غضب بالفعل وبالمصدر أي غضب بفتحتين، والزوج مدع ومدعى عليه، فلذلك حلف هو والمرأة؛ قال عبد الباقي: فإن قيل: لم خولفت القاعدة في اليمين هنا وفي القسامة لأن الزوج وأولياء المقتول مدعون، والقاعدة أنه إنما يحلف أولا المدعى عليه: قيل: أما الملتعن فإنه مدع ومدعى عليه، ولذلك يحلف هو والمرأة، وبدئ باليمين لأنه لما قذفها طالبته بحقها فاحتاج لذلك أن يحلف إذ صار مدعى عليه الحد، وأما أولياء المقتول فهم مدعى عليهم حكما وإن كانوا مدعين صورة، فإن المدعى عليه من ترجح قوله بمعهود أو أصل، وهم كذلك؛ إذ ترجح قولهم باللوث. انتهى. أصبغ: فإن قالت مكان إن كان من الصدقين: إنه لمن الكذبين أجزأها، ولفظ القرآن أحب إلي. قاله الشارح. ووجب أشهد يعني أن لفظ أشهد يجب في اللعان في حق الرجل والمرأة فلا يجزئ أحلف ولا أقسم ولا يعلم الله ولا غيرها من الألفاظ المغايرة لأشهد، وهذا هو المشهور. قال الشارح: أي ووجب أن يقول: كل من الزوجين في يمينه أشهد بالله، وهذا هو المشهور فلا يجزئه أحلف أو أقسم ونحوه، وقيل: يجزئ. انتهى. واللعن يعني أن الرجل يجب في خامسته اللعن لأنه مبعد لأهله وولده فناسبه ذلك إذ اللعن معناه لغة البعد كما مر. والغضب يعني أن المرأة يجب في خامستها الغضب، فلو عكس في المسألتين لم يفد خلافا لمن قال: إن أبدلت الغضب باللعن لم يُجْزِ، وإن أبدل اللعن بالغضب أجزأه؛ لأنه من اللعنة. قاله بعض أهل المعاني. قال: وإنما خصت به المرأة لأنها أصل الفجور لخيانتها، ولذلك قدمت في آية الجلد. وفي الشبراخيتي: فلو أبدل اللعن بالغضب أو عكس لم يجز. قاله عبد
стр. 4732
الوهاب. وهو المذهب، ابن عبد السلام: وأشار بعض أهل المعاني إلى أن الغضب أشد، فعليه لو أبدلته المرأة لم يجزها وأعادت الخامسة على سنتها، وإن أبدل الرجل أجزأه، وفيه نظر لأن اللعن أشد من الغضب لحصوله لإبليس والغضب لعصاة هذه الأمة. انتهى. وبأشرف البلد يعني أنه يجب لحق الله تعالى إيقاع اللعان بأشرف موضع في البلد لأنها أيمان مغلظة. قاله التتائي. وظاهره أي جامع كان لخبر (أحب البقاع إلى الله تعالى مساجدها وأبغضها إلى الله أسواقها (١))، وقال الشارح: المسجد الأعظم قاله ابن الجلاب وغيره. انتهى. لعله وقع للإمام في مسجد المدينة خاصة ونحوه المكي والمقدسي، وإلا فلا يتقيد بالأعظم، ولكن ما حل به هو ظاهر قول المص بأشرف البلد إذ أشرف مكان بالبلد حتى من بقية المساجد هو المسجد الأعظم، وأما تقرير التتائي فالمراد بأشرف البلد بالنسبة إلى الأسواق. قاله عبد الباقي. ولفظ الشارح: أي وكذا يجب أن يكون لعانها في أشرف أمكنة البلد وهو المسجد الأعظم. قاله في الجلاب وغيره. انتهى. وقال الشبراخيتي: ووجب إيقاعه بأشرف موضع في البلد كالجامع فلا يقبل رضاهما أو أحدهما بدونه ويؤخر لعانها لحيض أو نفاس ويعجل لعانه خوف نزول مانع به فيلزمه الولد، كما حمل ابن عبد السلام وابن هارون قول ابن الحاجب: وتؤخر لعانها على وجوب تعجيل لعانه ولكن تقدم أن اللعان يؤخر للحيض والنفاس وهو موافق لما للباجي وابن يونس. انتهى. وقوله: وبأشرف البلد نقل الحطاب عن القرطبي خلافه وأنه مستحب، فإنه قال: قال القرطبي في سورة النور: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء عدد الألفاظ وهي أربع شهادات، والمكان وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلد، إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وبيت المقدس عند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين في الكنيسة أو مجوسيين فبيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين ففي مجلس حكمه، والوقت وذلك بعد صلاة العصر بالجامع، وجمع الناس وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. انتهى. وقال قبله: وإذا فرغ المتلاعنان من لعانهما جميعا تفرقا وخرج كل واحد منهما من باب من المسجد الجامع غير الباب الذي يخرج منه صاحبه، ولو خرجا من باب واحد لم يضر
стр. 4733
لعانهما ولا خلاف أنه لا يكون اللعان إلا في مسجد واحد تجمع فيه الجمعة بحضرة السلطان أو من يقوم مقامه من الحكام. انتهى. انتهى. وبحضور جماعة أقلهما أربعة يعني أنه يجب إيقاع اللعان بحضور جماعة من المسلمين أقلها أربعة؛ لأن هذه شعيرة من شعائر الإسلام يطلب ظهورها، وأقل ما تظهر به تلك الشعيرة أربعة. قال الشارح: لاحتمال أن يحصل من المرأة نكول أو إقرار، وذلك لا يتم إلا بأربعة شهداء على أحد القولين عندنا. انتهى. وقال الشبراخيتي: ووجب كونه بحضور جماعة من الناس لوقوعه في زمنه ﷺ كذلك، وتقدم في كلام ابن عرفة أنه إنما يكون بحكم قاض، أقلها أربعة من أشراف الناس، كما قال ابن المواز، لإظهار شعيرة الإسلام، وقول التتائي: لاحتمال نكولها أو إقرارها ولا يتم إلا بأربعة. انتهى. إنما يأتي على أحد القولين عندنا بناء على أن ثبوت الزنى بالنكول أو الإقرار بمنزلة الرؤية، وعلى هذا فلابد من كونهم عدولا، وأما على القول الثاني فإنه يثبت الإقرار والنكول باثنين واقتصر عليه في الحاشية. انتهى. وندب إثر صلاة يعني أنه يندب إيقاع اللعان إثر صلاة من الصلوات الخمس، ابن وهب: وبعد العصر أحب إلي لخبر (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يولم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماما فلم يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه شيئا سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت فيها كذا وكذا وصدقه (١)) والثالث هو الشاهد هنا وإن لم يكن لعان. نقله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وندب كونه إثر صلاة من الصلوات الخمس في أي ساعة شاء الإمام، وروى ابن وهب وبعد العصر أحب إلي. وسحنون: بعدها سنة، لأن ذلك وقت تجمع فيه ملائكة الليل وملائكة النهار (٢))، ولأنه ﵊ كان يعظمه ولهذا جاء في الحديث (ثلاثة لا يكلمهم الله (٣)) لخ، ولأن ذلك الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف، ولأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة فيه. انتهى. وقال الشارح: أي ويستحب أن يكون اللعان إثر صلاة من الصلوات، وهكذا نص عليه الباجي وغيره. وعن مالك: كان عندنا
стр. 4734
بعد العصر وهو أحب إلي، وقال سحنون: هو بعد العصر سنة، وقال ابن شعبان: بعد العصر والصبح، وقيل: بعد الظهر والعصر، وظاهر كلام عبد الملك أن وقوعه بإثر صلاة شرط؛ تخويفهما يعني أنه يستحب للإمام أن يخوف المتلاعنين، يقول لكل منهما: تب إلى الله، ويذكرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن أحدهما كاذب بلا شك. قال الشبراخيتي مفسرا للمص: وندب تخويفهما ابتداء قبل الشروع في اللعان عند الأولى، وعند الشروع في الثانية، وعند الشروع في الثالثة، وعند الشروع في الرابعة والمراد وعظهما. انتهى. وقال الحطاب عند قول المص: وتخويفهما لخ؛ نحوه لابن الحاجب وقبله شراحه، وقال ابن عرفة: ابن شعبان: يخوفان قبل اللعان ويذكران عذاب الآخرة، يقال للرجل: أنت تجلد ويسقط إثمك، ويقال لها: نحو ذلك: قلت: في صحيح مسلم في رواية ابن عمر فأنزل الله هؤلاء الآيات: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة (١))، عياض: حديث مسلم سنة في وعظ المتلاعنين يعظ كلا منهما بعد تمام الرابعة قبل الخامسة. وخصوصا عند الخامسة يعني أنهما يخوفان ندبا أي يذكران ويوعظان ولاسيما عند الخامسة؛ لأنها هي المكملة للأيمان. قال ابن عرفة: عياض: حديث مسلم سنة في وعظ المتلاعنين يعظ كلا منهما بعد تمام الرابعة قبل الخامسة، وقول ابن الحاجب: يستحب تخويفهما وخصوصا عند الخامسة لا أعرفه إلا ما عزاه عياض للشافعي وظاهره أنه غير المذهب. انتهى. وقال الشبراخيتي: خصوصا بعد الرابعة وعند الخامسة أي وأخص الوعظ عند الخامسة خصوصا أي أحث عليه حثا، وكلام المص مساو لكلام ابن عرفة، واعتراض ابن عرفة على ابن الحاجب إنما هو لتخصيصه التخويف بالخامسة فلا يرد على المص خلافا للتتائي. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: يعسر الفرق بين عبارة المص وعبارة ابن الحاجب. تأمل. والله سبحانه أعلم. ولهذا قال عبد الباقي عند قول المص: وخصوصا عند الخامسة ما نصه: نحوه لابن الحاجب، ابن عرفة لا أعرف كونه عند الخامسة، وعزاه عياض للشافعي. انتهى. والقول بأنها موجبة لعذاب يعني أنه يستحب أن يقال لكل منهما عند خامسته: إنها موجبة للعذاب، لخبر النسائي وأبي داوود: (أمر ﵊ رجلا حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة ويقول:
стр. 4735
إنها موجبة (١)) العذاب ومعنى موجبة العذاب أن الله تعالى بمحض اختياره رتب العذاب عليها، أو بمعنى أنها متممة للأيمان، والمراد حينئذ بالعذاب الرجم أو الجلد على المرأة إن لم تحلف وعلى الرجل إن بدأت قبله على القول بعدم إعادتها. قاله عبد الباقي. وقال: وظاهره قصره على الرجل، وقرره الشارح والتتائي على ظاهره من أن القول لكل منهما وإن لم يضع يده على في كل مثهما، إما لدليل آخر فيه تخويفهما وفيه وضع يده على في كل منهما عند الخامسة أو بالقياس على الرجل. انتهى. وفي إعادتها إن بدأت خلاف مبتدأ وخبره المجرور بفي يعني أن المشروع في أمر المتلاعنين أن يبدأ الزوج فيلتعن أولا ثم تلتعن المرأة بعده، فلو خولف الأمر المشروع في ذلك فبدأت المرأة في اللعان قبله بأن التعنت ثم التعن هو بعدها فإن الشيوخ اختلفوا في وجوب إعادتها للعان، وهو قول أشهب واختاره ابن المكاتب ورجحه اللخمي ونقله القاضي عن المذهب كما قال ابن عرفة. وقال ابن عبد السلام: إنه الصحيح، قال الخرشي: وهو المذهب، كما لو حلف الطالب قبل نكول المطلوب فلا يجزئ وعدم إعادتها وهو قول ابن القاسم في الموازية والعتبية، قال بعض الشيوخ ولم أر من شهره أو رجحه بعد البحث وإنما الواقع في نقول الأئمة ترجيح قول أشهب انظر حاشية بناني: ومحل الخلاف حيث حلفت كما يحلف الرجل بأن قالت: أشهد بالله إني لمن الصادقين أو أن حملي منه، وفي الخامسة غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، وأما إن حلفت كما تحلف بعد الرجل بأن شهدت ما رآني أزني أو ما زنيت أو لقد كذب، فلا خلاف في إعادتها لأنها حلفت على تكذيبه وهو لم يتقدم له يمين، كذا قيده إمام المذهب ابن رشد.
تنبيه: قال الأجهوري: ظاهره يعني المص سواء حلفت كما يحلف الرجل أو حلفت كما تحلف
بعد الرجل خلاف تقييد ابن رشد محل الخلاف بالأول، قال عبد الباقي: وانظر كيف يقال خلاف؟ لخ، ويقدم ظاهر المص على تقييد إمام المذهب ابن رشد. انتهى. قوله: وانظر كيف يقال خلافا لتقييد ابن رشد لخ، قال بناني: اعتراضه على علي الأجهوري صحيح، وقد نقل المص في التوضيح تقييد ابن رشد وأقره وكذا ابن عرفة فيقيد به كلام المؤلف. والله سبحانه أعلم. انتهى. وفي الشبراخيتي أن تقييد ابن رشد حكى ابن رشد عليه الاتفاق. انتهى. وقال الأمير: وأعادت إن
стр. 4736
بدأت على الراجح. انتهى. ولاعنت الذمية بكنيستها يعني أن الكافرة تلاعن حيث تعظم فاليهودية تلاعن بالكنيسة والنصرانية تلاعن بالبيعة والمجوسية ببيت النار والوثنية بمجلس الحكم، ويخير الزوج المسلم في الحضور مع الذمية، ولا تدخل هي معه المسجد، وبلعانها ينقطع نكاحها وكذا الكافرة مع زوجها الكافر حيث ترافعا إلينا فيبعثهما القاضي إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه. ولم تجبر يعني أن الذمية لا تجبر على اللعان إن امتنعت منه لأنها لو أقرت بالزنى لم تحد؛ قال أحمد: ولقائل أن يقول: اللعان لا يجبر عليه أحد، فما فائدة التعرض له في الذمية؟ ولعل التنبيه على ذلك ليلا يتوهم أن الذمية تجبر لحقه. انتهى. قاله عبد الباقي. وأدبت يعني أن الذمية إذا امتنعت من اللعان فإنها تؤدب لإذايتها زوجها المسلم وإدخالها اللبس في نسبه، وهذا هو الفرق بينها وبين الصغيرة التي توطأ فإنها لا تلاعن بل يلاعن الزوج فقط ولا تؤدب، والجامع بينهما أن كلا لا يحد لإقراره. قال الشارح مفسرا لقوله: ولم تجبر لخ؛ أي فإن امتنعت الذمية من اللعان لم تجبر عليه لأنها لو أقرت بالزنى لم تحد؛ مطرف: وتؤدب لإذايتها لزوجها، وردت لملتها يعني أن الذمية إذا أبت اللعان وأدبت فإنها بعد الأدب ترد لحكام أهل ملتها لاحتمال تعلق حدها عندهم بنكولها أو إقرارها، ولا يمنعون من رجمها إن كانوا يرونه. وفي بعض النسخ: وإن أبت أدبت وردت لملتها، وفيها نوع تكرار مع قوله: ولم تجبر إن فسر بما مر، ومنهم من فسره بأنها لا تجبر على اللعان في الكنيسة إن امتنعت منه ويكون قوله: وإن أبت أدبت، معناه أنها أبت عن أصل اللعان وهو حسن وعليه فلا تكرار. كقوله وجدتها مع رجل في لحاف يعني أن الزوج إذا قال: وجدت فلانة زوجتي مع رجل مضاجعة له في لحاف أو متجردة معه في لحاف فإنه يؤدب ولا حد عليه ولا لعان، ولو قال شيئا من ذلك لأجنبية حد ويعايى بها فيقال: قذف لأجنبية لا يحد فيه الزوج ولا يلاعن، قاله عبد الباقي. وقال: عبارته هنا تفيد أن تعريض الزوج بالقذف ليس كتصريحه وسيأتي أول القذف ما يفيد خلافه. انتهى. قال بناني عند قوله: ولو قال شيئا لخ؛ قال ابن المنير: والفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض أن الأجنبي في التعريض يقصد الإذاية المحضة والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب. انتهى. نقله ابن حجر. انتهى. وفي المدونة: إذا قال: وجدتها مع رجل في لحاف أو قد تجردت له أو ضاجعته أنه يؤدب: إلا أن يدعي رؤية الفرج في الفرج، فيلاعنها، ابن المواز: وهذا تعريض لو قاله
стр. 4737
لأجنبية حد؛ ابن يونس عنه: وقيل: يحد ولا يلاعن. انتهى. نقله الشارح. كقوله: لأجنبية لخ، تشبيه في الأدب، وتلاعنا إن رماها بغصب يعني أن الزوج إذا رمى زوجته بوطء الغصب فإنهما يتلاعنان، أو وطء شبهة يعني أن الزوج إذا رمى زوجته بأنها وطئت شبهة، كما إذا قال لها: وطئك زيد مثلا وسكنت له لظنك أنه أنا، فإنهما يتلاعنان وسواء في ذلك أنكرت الوطء في الصورتين بأن كذبت قول زوجها أو صدقت زوجها على أنها وطئت غصبا أو شبهة، ولهذا قال: وأنكرته أو صدقته والضمير الأول للوطء والثاني للزوج وأعني البارزين، ولم يثبت الواو واو الحال يعني أن محل كونهما يتلاعنان في الصورتين إنما هو حيث لم يثبت ما ذكر من الغصب ووطء الشبهة بالبينة، ولم يظهر للجيران، قوله: ولم يثبت، هو الذي عبر به ابن شأس، وقوله: ولم يظهر، هو الذي عبر به ابن الحاجب، وكأنه أعم لأن الثبوت بالبينة والظهور ولو بالإشاعة أو القرينة، وجمع المص بينهما والمطابق للاختصار أن يقتصر على الثاني. قاله الشبراخيتي. ويأتي للمص قريبا مفهوم قوله: ولم يثبت ولم يظهر، وصفة لعانه هو أن يقول في الغصب: أشهد بالله لقد غُصبَتْ، وفي الاشتباه لقد وُطِئتْ بشبهة، ولا يحلف لقد زنت لأنه يدعي أنها غصبت أو وطئت بشبهة وصفة لعانها أشار إليها بقوله: وتقول ما زنيت ولقد غلبت يعني أن المرأة إذا صدقت الزوج في أنها وطئت بالشبهة، تقول: أشهد بالله ما زنيت ولقد غلبت، وأما في دعوى الغصب فتقول: ما زنيت بحال. قاله الشبراخيتي. وأما إن كذبته فتقول: ما زنيت بحال فيهما. قاله الشبراخيتي أيضا: فإن نكلت عن اللعان رجمت فيما إذا صدقته. قاله الشبراخيتي أيضا. ومقتضى ما لعبد الباقي أنها تقول: إن صدقته فيهما ما زنيت وقد غلبت، وإن أنكرته تقول فيهما: ما زنيت، وأنها إن نكلت رجمت صدقته أو أنكرته، وقال الأمير: إنها تقول إن صدقته في الغصب: لقد غصبت. والله سبحانه أعلم. وأشار إلى مفهوم قوله: ولم يثبت بقوله: وإلا بأن ثبت ما ذكر من الغصب ووطء الشبهة ولو بقرينة التعن فقط واحترز بقوله: فقط منها هي فإنها لا تلتعن لأنه يمكن أن يكون من الغاصب أو صاحب الشبهة؛ وعبارة الأمير: وإن رماها بغصب أو شبهة فإن ثبت ولو بقرينة التعن فقط لنفي الحمل، وإلا التعنت أيضا لدفع الحد، ولو صدقته فتقول: لقد غصبت. انتهى. وقال عبد الباقي: وظاهر كلامه لعانه فقط سواء كان بها حمل أم لا وهو ظاهر نقل المواق عن ابن يونس، وظاهر ابن شأس أنه إنما يلتعن إذا كان بها حمل وإلا فلا
стр. 4738
ويمكن حمل ما لابن يونس على ما لصاحب الجواهر، ثم إن تصادقا على الغصب لا ينتفي عنه الولد إلا بلعان عند ابن القاسم، بخلاف ما إذا تصادقا على الزنى فينتفي بلا لعان، وفرق عبد الحق بأن الزانية لما كانت تحد لإقرارها بالزنى انتفت عنها التهمة بخلاف المقرة بالغصب فإنه لا حد عليها فلم تصدق في رفع النسب. انتهى. قوله: بخلاف ما إذا تصادقا على الزنى فينتفي بلا لعان، أي بلا لعان منها لأنها تحد قطعا وأما الزوج فلابد من لعانه عند أكثر الرواة، كما مر، قاله بناني. وأما هي فلا فائدة في لعانها، وقوله: وإلا التعن فقط، فإن نكل لم يحد.
تنبيه: قال بناني عند قوله: وأنكرته أو صدقته: ظاهره أنه يلاعنها سواء كان حمل أم لا، قال في التوضيح: وهو ظاهر الروايات خلافا لظاهر ابن الحاجب وابن شاس: أنه إن فقد الحمل فلا لعان، وحينئذ فوجه لعان الزوج نفي الولد والحد وهو الموافق لقوله في القذف: ومكرهة، وأما التعانها فلنفي الحد عنها لأنها بمنزلة من أقرت بالوطء وعقبته برافع، الحد ونكولها في صورة الإنكار يتنزل منزلة الإقرار في التصديق، وهذا قول محمد. قال اللخمي: والصواب إذا التعن الزوج أن لا لعان عليها لا في الإقرار ولا في الإنكار لأن الزوج إنما أثبت لعانه اغتصابا. انتهى. انظر التوضيح ومثله في نقل المتيطى وابن عرفة وغيرهما.
تنبيه: فإن نكل الزوج لم يحد وهو ظاهر إن ثبت الغصب أو صدقته، قال ابن عرفة: وكذا إن ادعى الغصب وأنكرت أن يكون أصابها أحد لم يحد الزوج لأن محمل قوله الشهادة لا التعريض، وقول الزرقاني: ويفرق بينهما وإن نكلت رجمت لخ: هو لمحمد أيضا، وصوب اللخمي أن لا لعان عليها كما مر قائلا: لا نعلم لرجمها وجها لأن الزوج لم يثبت عليها في لعانه زنى، وإنما أثبت عليها غصبا، فلا لعان عليها، كما لو ثبت الغصب بالبينة، ولو لاعنته لم يفرق بينهما لأنه إنما أثبت بالتعانها الغصب وتصديق الزوج، وهذا خارج عما ورد في القرآن مما يوجب الحد في النكول والفراق في الحلف. قال ابن عرفة: قبل التونسي قول محمد وساقه مساق تفسير المذهب. انتهى. ولعل المص لذلك اعتمده واقتصر عليه، وأما ابن عبد السلام فقبل قول اللخمي كله واقتصر عليه. انتهى كلام بناني. قوله: فوجه لعان الزوج نفي الولد والحد، هو مخالف لما نقله بعد عن ابن عرفة. والله سبحانه أعلم. قاله مقيده عفا الله عنه: وقوله وإلا التعن فقط، قال الشبراخيتي: وإن لم يكن حمل خوف ظهور حمل بها ولا يفرق بينهما لأنه إنما يفرق
стр. 4739
بينهما بتمام لعانها. انتهى. وشبه في التعانه دونها قوله: كصغيرة توطأ يعني أن الزوج إذا رمى بالزنى زوجته الصغيرة عن سن من تحمل إلا أن مثلها يوطأ، بأن قال: رأيتها تزني فإنه يلتعن فقط ولا تلتعن هي، وقوله: توطأ معناه بلغت من من تطيق الوطء وطئت بالفعل أم لا فإن كانت في سن من تحمل فله الملاعنة اتفاقا إذا ادعى رؤية؛ وهل تجب؟ قولان. ووقفت فإن ظهر حمل لم يلحق به ولاعنت هي أيضا فإن نكلت حدت حد البكر، ولو لم يقم بحقه حتى ظهر حملها وجب لعانها اتفاقا فإن نكل حد ولحق به وإن نكلت حدت حد البكر، ولو لاعنت قبل ظهور الحمل ثم ظهر بحيث يعلم أنها كانت حين الملاعنة بالغا فالظاهر أنه يكتفى بذلك اللعان في نفي ذلك الحمل ولا يحتاج في نفيه للعان ثان. انظر شرح عبد الباقي. واحترز المص بقوله: توطأ، مما إذا لم تطق الوطء فإن الزوج لا حد عليه ولا لعان لأن قذفه إياها لم تلحق به معرة. قاله اللخمي. نقله الشارح. وإن شهد مع ثلاثة التعن ثم التعنت وحد الثلاثة يعني أنه لو شهد أربعة بزنى امرأة ثم اطلع قبل إقامة الحد عليها على أن أحدهم زوج لها فإن الزوج يلتعن ويسقط عنه الحد، ثم تلتعن هي، وإذا التعنت حد الثلاثة الباقون بعد الزوج لعدم تمام النصاب، ومن فوائد التعانها حد الثلاثة وتأبيد حرمتها، ولا حد على واحد من الثلاثة إن نكلت عن اللعان لأنهم قذفوا غير عفيفة وتحد هي وتبقى زوجة إن كان حدها الجلد، فإن كان الرجم بقيت بعده على حكم الزوجية فيرثها، إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها أو يقر بذلك فلا يرثها، وقوله: وإن شهد مع ثلاثة، قاله في المدونة. وقوله: لا إن نكلت، قاله ابن أبي زمنين. قال: وهكذا فسره ابن الماجشون. قاله الشارح. أو لم يعلم بزوجيته حتى رجمت يعني أنه إذا شهد أربعة بزنى امرأة وأحدهم زوج لها ولم يطلع على أنه زوجها حتى رجمت فإنه لا حد على واحد من الثلاثة ويلاعن الزوج فإن نكل حد دون الثلاثة وورثها، سواء نكل أم لا لأنها لم تلاعن، إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها أو يقر في لك فلا يرثها حينئذ وإنما لم يحد الثلاثة في حال نكوله لأن نكوله كرجوعه وهو بعد الحكم يوجب حد الراجع فقط ولا دية على الإمام لأنه مختلف فيه فليس بخطإ صريح؛ ومثل الرجم الجلد وحينئذ فلا حد على واحد من الثلاثة ويلتعن هو فقط، فإن نكل حد دون الثلاثة؛ لأن ظهور الزوجية في بعض الشهود كرجوع أحدهم، وهو هنا بعد الحكم فلا يحد إلا الراجع فقط، فلم يظهر بين الحكم بالجلد والحكم بالرجم فرق. انظر حاشية الشيخ
стр. 4740
بناني والله سبحانه أعلم. وقوله: أو لم يعلم بزوجيته حتى رجمت، نحوه في الموازية، وزاد ويلاعن الزوج فإن نكل حد وورثها، قال: إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها أوأقر بذلك فلا يرثها. قاله الشارح. ولما قدم اللعان في الزوجة دون الأمة ذكر مسألة مركبة من القسمين، فقال: وإن اشترى زوجته فولدت لستة فكالأمة يعني أن الزوج إذا اشترى زوجته الأمة وليست ظاهرة الحمل حين الشراء ووطئها بعد الشراء واستبرأها من وطئه الحاصل بعد الشراء فأتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم الاستبراء، فإن حكمها حكم الأمة أي ينتفي عنه الولد بلا لعان ولا يمين، وأما إن اشتراها ووطئها بعد الشراء ولم يستبر فولدت لستة أشهر فأكثر من وطئه الحاصل بعد الشراء ونفاه فإنه لا ينتفي عنه ولا لعان لعدم شيء يعتمد عليه مما تقدم أنه يعتمد عليه، والحاصل أنه إن أقر أنه وطئ بعد الشراء فكالأمة، إن استبرأ انتفى عنه بلا لعان وإلا لم ينتف أصلا ولا لعان، وإن أقر أنه لم يطأ بعد الشراء فهو للنكاح، ولأقل فكالزوجة يعني أن الزوج إذا اشترى زوجته ووطئها بعد الشراء واستبرأها وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الاستبراء، أو لم يستبرئها وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الوطء، أو كانت ظاهرة الحمل يوم الشراء، أو لم يطأها بعد الشراء، فإن حكمها حكم الزوجة، فلا ينتفي عنه الولد إلا بلعان معتمدا فيه على شيء مما مر أنه يعتمد عليه، ويمنع منه ما تقدم أنه يمنع منه من تأخير أو وطء على ما مر. وأشار إلى ما يترتب على اللعان بقوله: وحكمه يعني أن حكم اللعان أي فائدته وثمرته وما يترتب عليه ستة أمور، ثلاثة مرتبة على لعان الزوج، أولها: رفع الحد يعني أن الزوج إذا لاعن زوجته فإنه يسقط عنه الحد للقذف حيث كانت الزوجة حرة مسلمة أو رفع الأدب عنه في الزوجة الأمة في في الزوجة الذمية وعلم مما مر في تفسير الحكم أنه ليس المراد به حكم الإقدام عليه لأنه لم يذكره، وقد مر حكم الإقدام عليه في أول الباب فراجعه إن شئت. وثانيها: إيجابه أي ما ذكر من الحد في الحرة والأمة والأدب في الذمية على المرأة إن لم تلاعن، فيجب الحد على الزوجة المسلمة بلعان الزوج حيث نكلت حرة كانت أو أمة ويجب الأدب على الزوجة الذمية بلعانه إن نكلت عن اللعان؛ لأن نكولها تصديق لأيمانه، وهذا في الزوج المسلم، وأما إن كان كافرا والزوجة مسلمة ولاعنها بناء على أنه ليس بزنى ولم تلاعن لم يجب عليها حد إذ لا يجب بأيمان كافر، بخلاف عبد وفاسق والثالث من الأمور التي تترتب على لعان الزوج: قطع نسبه
стр. 4741
يعني أن الزوج إذا لاعن زوجته يترتب على ذلك قطع النسب لحمل ظاهر أو سيظهر أو لولد والثلاثة التي تترتب على لعان الزوجة أحدها أفاده بمفهوم قوله إن لم تلاعن وهو رفع الحد والأدب أي أنها إذا التعنت بعد لعانه يرتفع عنها الحد إن كانت مسلمة حرة أو أمة والأدب إن كانت ذمية والثاني والثالث أشار إليهما بقوله وبلعانها تأبيد حرمتها يعني أنه يجب بسبب لعان المرأة تأبيد حرمتها على زوجها الذي لاعنها، ومن لازم تأبيد تحريمها فسخ نكاحها، فعلم أن الثلاثة المترتبة على لعانها هي: رفع الحد أو الأدب، وفسخ نكاحها، وتأبيد تحريمها. والله سبحانه أعلم. وسواء في ذلك حصل اللعان قبل البناء أو بعده ولها النصف إن تلاعنا قبل البناء لأنه يتهم على إسقاطه باللعان. وإن ملكتْ يعني أن الزوجة يتأبد تحريمها بسبب لعانها وإن ملكها الزوج بعد اللعان، كما لو كانت أمة واشتراها أو ورثها أو نحو ذلك فلا يجوز له وطؤها بالملك فهو مبالغة في تأبيد تحريمها عليه. أو انفش حملها يعني أنه يتأبد عليه تحريمها بسبب لعانها لنفي حمل، ولو انفش حملها بأن ظهر أنها لا حمل بها لاحتمال أن تكون أسقطته، كذا علل في المدونة، وظاهره أنه لو تحقق انفشاشه بحيث لا يشك فيه كأن تلازمها بينة ولا تفارقها لانقضاء أمد الحمل لوجب أن ترد إليه لانكشاف الغيب عن صدقهما جميعا، وكذا نص عليه ابن عبد الحكم، بعض الشيوخ: هو ظاهرها، قاله ابن عبد السلام. ابن عرفة: من تأمل وأنصف علم استحالة ذلك عادة، وليس من شأن الفقهاء التكلم في خوارق العادة، وما عزاه لابن عبد الحكم وبعض الشيوخ لا أعرفه. انتهى. قلت: من حفظ حجة على من لم يحفظ. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ بناني: قد يقال: يمكن أن ينفش بقرب اللعان بحيث تشهد النساء القوابل بعدم حملها فلا يلزم أن تصحب البينة أربعة أعوام. انتهى. وقوله: "وبلعانها تأبيد حرمتها"، ظاهره ولو انفردت باللعان كما إذا نكل والتعنت وكذا ظاهره ولو سبقت الرجل، وهو واضح على القول بعدم إعادتها، وأما على إعادتها فلا إذ لعانها الذي بدأت به كالعدم، ولو عاد إلبه قبل يعني أن الزوج إذا نكل عن اللعان ثم عاد إليه فإنه يقبل ذلك منه ويمكن من اللعان كالمرأة يعني أن المرأة إذا نكلت عن اللعان ثم عادت إليه فإنها يقبل منها ذلك وتمكن من اللعان على القول الأظهر. واعلم أن الطرق في هذه المسألة ثلاث؛ الأولى لابن شأس وابن الحاجب والمؤلف: أن الرجوع إلى اللعان مقبول في الرجل اتفاقا والخلاف في المرأة، والثانية لابن يونس: الخلاف
стр. 4742
فيهما، والثالثة لابن رشد: الخلاف في المرأة، وأما الرجل فمتفق على عدم قبول رجوعه، والمص مشى في الرجل على الأولى وفي المرأة على ما لابن رشد، فكلامه ملفق من طريقين، ولو مشى على طريقة ابن رشد في الرجل والمرأة لكان أصوب؛ لأنها هي المذهب، ولوح المص بقوله: "على الأظهر": إلى تصحيح ابن رشد لقبول عود المرأة إلى اللعان بعد نكولها عنه بعد ما حكى الخلاف فيه، والفرق بين الرجل والمرأة أن نكول المرأة عن اللعان كالإقرار منها على نفسها بالزنى، ولها أن ترجع عن الإقرار به، ونكول الرجل عن اللعان كالإقرار منه على نفسه بالقذف، وليس له أن يرجع عن الإقرار به. واعلم أن المص مشى هنا على ما في التوضيح من تصحيح القول بقبول رجوع الرجل وهو وهم ولو سلك المص في الزوجين طريقة ابن رشد التي هي المذهب لقال مثلا: ولو عاد إليه لم يقبل لا للمرأة على الأظهر فيهما وإن استلحقى أحد التوأمين لحقا يعني أن حكم التوأمين حكم الولد الواحد فلا يمكن لحوق أحدهما وانتفاء الآخر، فإذا استلحق الزوج أحدهما بعد اللعان لحقا به معا، والتوأمان ما وُضِعَا معا أو كان بين وضعهما أقل من ستة أشهر، ولو لاعن لأحدهما انتفى عنه الآخر، كما أشار إلى ذلك بقوله: وإن تعدد الموضع أو التوأم، ويتوارث توأما الملاعنة على أنهما شقيقان كما في توأمي المستأمنة والمسبية، بخلاف توأمي الزانية والمغتصبة فإنهما يتوارثان على أنهما أخوان لأم على المشهور. وقوله: "وإن استلحق أحد التوأمين لحقا"، هذا هو المشهور خلافا للمغيرة. قاله الشارح. وفي التوضيح: وكذلك إذا لاعن لأولهما خروجا انتفى الثاني بذلك اللعان، ومتى استلحق أحدهما لحق الآخر وحد فإن نفى أحدهما وأقر بالآخر حد ولم ينتف شيء. انتهى. نقله الحطاب. وفي المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ولدت المرأة ولدين في بطن أو وضعت ولدا ثم وضعت آخر بعده لخمسة أشهر فهو حمل واحد، فإن أقر الزوج بأحدهما ونفى الآخر حد وألحقا به جميعا. انتهى. نقله الحطاب. قال: والمسألة من كلام مالك كما في الأم وإن كان البرادعي عزاها لابن القاسم. انتهى. وإن كان بينيهما ستة فبطنان أفاد بمفهوم هذا أن التوأمين هما ما ليس بينهما ستة أشهر، وبمنطوقه أن الولدين بين وضعهما ستة أشهر فأكثر بطنان؛ أي ليسا بتوأمين، فإذا نفى أحدهما بلعان لا يكون ذلك نفيا للآخر، كما لا يكون استلحاق أحدهما بعد نفيهما باللعان استلحاقا للآخر، فإذا أقر بالأول ونفى الثاني، وقال: لم أطأ بعد ولادة الأول فإنه يلاعن للثاني. قاله مالك وإنما لاعن للثاني لأن كل واحد منهما حمل
стр. 4743
مستقل، والموضوع كما علمت أنهما لامرأة واحدة. إلا أنه قال: إن أقر بالثاني وقال: لم يطأ بعد الأول سئل النساء يعني أن الإمام ﵀ بعد أن قال: إنهما إن كان بينهما ستة أشهر فهما بطنان وفرع على ذلك الفرع الذي قدمته، وهو ما إذا أقر بالأول ونفى الثاني، ذكر هذا الفرع الثاني: وهو أنه إذا أقر بالثاني مع إقراره بالأول وقال: لم أطأ بعد وضع الأول والحال أن بينهما ستة أشهر فإنه يسئل النساء هل يتأخر الحمل هكذا؟ فإن قلن: إن الحمل لا يتأخر هكذا حد، وإن قلن إنه أي الحمل قد يتأخر هكذا أي ستة أشهر لم يحد وإنما لم يحد إذا قلن: يتأخر لعدم نفيه إياه بقوله: لم أطأها بعد وضع الأول، لجواز أن يكون ناشئا عن الوطء الذي كان عند الأول عملا بقولهن: يتأخر، وإذا قلن: لا يتأخر فيحد لنفيه بقوله: لم أطأها بعد وضع الأول والحال أن بينهما ستة أشهر وانضم إلى ذلك قول النساء؛ إن الحمل لا يتأخر هكذا، والموضوع في هذا الفرع الذي ذكره المص أنه أقر بالولدين جميعا، وقوله: وإن كان بينهما أي التوأمين بمعنى الولدين لا حقيقة التوأمين، ففيه شبه استخدام، وأشار المص بأداة الاستثناء إلى أن المسألة قد استشكلت، وتقرير الاستشكال أن الستة إن كانت قاطعة فيحد ولا يرجع للنساء، وإن لم تكن قاطعة فيرجع لهن ولا يحد، فأشكل الفرع الثاني الذي ذكره المص على الفرع الأول الذي لم يذكره، وهو ما قدمته قبل فرعه الذي ذكره، والجواب أن الستة قاطعة ما لم يعارضها أصل وهو درء الحد بالشبهة، والظاهر أنه إذا نفى الأول ولاعن فيه وأقر بالثاني وقال: لم أطأ بعد وضع الأول أنه يحد ولا يسئل النساء؛ لأن الولد الثاني قد أقر به بعد أن نفاه فيحد على كل حال، وهنا أربعة فروع، أحدها: أن يقر بالأول وينفي الثاني ويقول: لم أطأ بعد ولادة الأول، فإنه يلاعن للثاني، ثانيها: الفرع الذي ذكره المص بقوله: إلا أنه إن أقر بالثاني لخ، والموضوع فيه أنه أقر بالأول كما علمت فيسئل النساء كما قال المص وهو مسألة الإشكال، ثالثها: أن يقر بالثاني بعد أن نفى الأول ولاعن فيه، وهذا الفرض هو الذي صور به ابن عبد السلام مسألة الإشكال، أعني قوله: إلا أنه إن أقر بالثاني لخ، ورد ابن عرفة على ابن عبد السلام، قال الحطاب: والظاهر في المسألة التي فرضها ابن عبد السلام أنه إذا نفى الأول ولاعن فيه وأقر بالثاني وقال: لم أطأ بعد الأول أنه يحد ولا يسئل النساء؛ لأن الولد الثاني قد أقر به بعد أن نفاه فيحد على كل حال. والله أعلم، رابعها: مفهوم قول المص: إن أقر بالأول وقال: لم أطأ
стр. 4744
بعد الأول وأتت بالثاني لستة فأكثر فإنه ينفي الثاني بلعان لأنهما بطنان ولا ينظر لقول النساء، رقوله: فإن قلن لخ، ابن عرفة: انظر لو شكت النساء في تأخره كذا وعدمه الأظهر أنه لا يحد قاله التتائي. نقله عبد الباقي.
ولما أنهى الكلام على النكاح وعلى ما يَحُله من طلاق وفسخ، شرع في الكلام على توابعه من عدة واستبراء ونفقة وسكنى وغيرها، وبدأ بالكلام على العدة فقال:
стр. 4745
باب: في العدة
وهي لغة العدد قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وشرعا قال ابن عرفة: دليل براءة الرحم عدة واستبراء العدة مدة منع النكاح لفسخه أو موت الزوج أو طلاقه، فيدخل مدة منع من طلق رابعة نكاح غيرها إن قيل: هو له عدة، وإن أريد إخراجه قيل: هو مدة منع المرأة لخ: وقوله: فيدخل لخ، إذ قوله: منع النكاح، صادق بمنعه للرجل وبمنعه للمرأة ثم إن اقتصاره على دخول هذه فيه قصور؛ إذ تدخل بقية المسائل التي قيل: إن الرجل يعتد فيها، كأختها أو ضمتها أو خالتها، فلو قال: ونحوه، لكان أولى. قاله الشبراخيتي. وقال: قال الحطاب: ويظهر أن في حده للعدة دورا؛ لأن صرفة مدة منع النكاح تتوقف على معرفة العدة، فإنه قد تقدم أن من موانع النكاح كون المرأة معتدة، فتوقف معرفة كونها معتدة على معرفة كونها ممنوعة من النكاح دورٌ، فالأولى تعريفها بأنها المدة التي جعلت دليلا على براءة الرحم لفسخ النكاح أو لموت الزوج أو طلاقه؛ وأما تسمية مدة منع الزوج من النكاح إذا طلق الرابعة أو أخت زوجة أو من يحرم الجمع بينهما عدةً فلا شك أنه مجاز، فلا ينبغي إدخاله في حقيقة العدة الشرعية. انتهى. فإن قيل: يخرج من هذا الحد عدة الصغيرة التي لا يوطأ مثلها من الوفاة لتيقن براءة رحمها، وكذلك من علم أن الزوج لم يدخل بها، فالجواب أن أصل وجوب العدة إنما هو للدلالة على براءة الرحم، فلا يضر عدم وجود العلة في بعض الصور، ولا لم يكن في قدر من يوطأ مثلها حد يرجع إليه من كتاب ولا سنة حمل الباب محملا واحدا فوجبت على من في المهد حسما للباب، فعلم أن أصل وجوب العدة إنما هو للدلالة على براءة الرحم ولا يضر عدم وجود العلة في بعض الصور. فتأمله. والله أعلم. قول الحطاب: على براءة الرحم، قال بناني: يعني أن هذا أصل مشروعيتها وإن كانت قد تكون في برية الرحم، وقول ابن عرفة: لفسخه، اللام فيه بمعنى بعد لأن الفسخ وما بعده ليست أسبابا لمنع النكاح بل لإباحته، وأورد عليه الرصاع أنه غير جامع لعدم صدقه على مدة إقامة أم الولد بعد موت سيدها فإنها عدة على المشهور، كما في ابن عرفة نفسه، وهو مذهب المدونة كما يأتي في الاستبراء إن شاء الله. انتهى.
تنبيه: قال ابن عبد السلام: ويجب الاعتناء بالعدة؛ لأن الله سبحانه أكد ذلك بقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ واختلف المفسرون من المخاطب بالإحصاء هل الحكام أو المطلقون؟ وهو الأظهر، أو المطلقات، واختار
стр. 4746
بعضهم أن الأمر بالإحصاء يتناول الجميع؛ لأن لكل واحد منهم تعلقا بذلك، ومعنى ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ احفظوها، ومعنى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه في أمره ونهيه، ومعنى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ النهي عن الإخراج والخروج حتى تنقضي العدة، ومعنى أن يأتين بفاحشة مبينة بفتح الياء وكسرها أنهن إذا أتين بفاحشة كالزنى يخرجن لإقامة الحد عليهن. والله سبحانه أعلم. تعتد حرة يعني أن الحرد إذا طلقها زوجها المسلم أو فسخ نكاحه فإنها تعتد بثلاثة قروء ولا فرق في ذلك بين المسلمة والكتابية، ولهذا قال: وإن كتابية ومعنى تعتد تترك التزوج بغير المطلق حتى تنقضي تلك القروء الثلاثة وجوبا، وكذا تمكث الذمية ثلاثة قروء إذا طلقها زوجها الكافر وأراد مسلم تزوجها، إلا أن هذا استبراء لا عدة؛ لأن أنكحتهم فاسدة أطاقت الوطء الجملة صفة لحرة يعني أن الحرد مسلمة أو كتابية إنما تعتد من طلاق زوجها إذا كانت مطيقة للوطء، بأن كان مثلها يوطأ فتجب عليها العدة ولو كان لا يمكن حملها على المشهور، ولو لم تبلغ تسع سنين على المعتمد، ومفهوم قوله: أطاقت الوطء، أنها إن لم تطقه لا تخاطب بالعدة ولو وطئها زوجها لأن وطئها كالجرح؛ ابن عبد السلام: وهذا مما لا أعلم فيه خلافا. انتهى. وأما لو أرادت الكتابية أن تتزوج كافرا بعد مفارقة كافر لها فلا نتعرض لهم إلا أن يتحاكموا إلينا. قاله الشبراخيتي. وقال عند قوله: أطاقت الوطء، واختار ابن لبابة أن لا عدة عليها ولا على مسنة لا يخشى حملها وإطاقة الوطء تختلف باختلاف أحوال النساء. انتهى بخلوه بالغ الباء للسببية؛ يعني أن العدة تجب على الحرة المذكورة بسبب خلوة زوج بالغ، والمراد بالخلوة إرخاء الستور، واحترز بالبالغ عن غيره إذا خالع عنه وليه فلا تجب العدة بوطئه ولو قوي على الجماع؛ لأن دخوله ووطأه كلا شيء، والفرق بين الصغيرة التي تطيق الوطء تجب عليها العدة، والصغير الذي يطيق الوطء لا عدة في وطئه، أن الصبي لا ماء له قطعا، فلا يولد له قطعا ونفي الولد عن الصغيرة المطيقة للوطء لا يبلغ القطع فوجبت العدة للاحتياط. قاله ابن عرفة. وقاله اللخمي. وذكر بعض أهل العلم أنه رأى جدة بنت إحدى وعشرين سنة، وعرفت أنا في بلاد مكة مثل ذلك كثيرا كاليمين. انتهى. نقله الحطاب. وقوله: بخلوة بالغ: أي سواء كانت خلوة اهتداء أو غيرها ولو كان الزوج مريضا، ولو كانت هي حائضا أو نفساء أو صائمة. قاله عبد الباقي. وقوله: بخلوة، احترز بذلك عمن طلقت دون خلوة فلا عدة عليها. غير مجبوب؛ يعني أنه يشترط
стр. 4747
في لزوم العدد بسبب خلوة الزوج البالغ أن يكون غير مجبوب، وأما المجبوب وهو مقطوع الذكر والأنثيبن فلا توجب خلوته ولا وطؤه عدة على الراجح. خلافا لقول عياض والرجراجي: إن دنا المجبوب من النساء والتذ وعالج وأنزل ثم طلق زوجته فإنها تعتد. انتهى. وهذا معنى وطئه عندهما، وعلى ما لهما لابد أن يقول النساء: إنه يولد له من ذلك الماء. قاله عبد الباقي. ابن عبد السلام: مقطوع الذكر والخصيتين لا تجب على امرأته عدة في الطلاق، ولا خلاف منصوص في ذلك، وأما مقطوع الخصيتين فظاهر المذهب لزوم العدة، وقال ابن حبيب: لا عدة على امرأته وهو ظاهر؛ لأن الولد لا يلحقه عند ابن حبيب وابن القاسم، قال ابن حبيب: وكذلك ذاهب الخصية اليسرى، وقال ابن دينار الولد لا حق في الخصي كيف كان، قال بعض الشيوخ فعلى هذا تجب العدة كيف كان، وقال أبو حنيفة والشافعي: يلحق الخصي والمجبوب نسب ولد زوجته إن كان ينزل، أمكن شغلها منه صفة للخلوة. قاله الشبراخيتي؛ يعني أنه يشترط في لزوم العدد بسبب الخلوة المذكورة أن يكون وطء الزوج لها في تلك الخلوة ممكنا، فإنه إذا طلقها حينئذ تعتد، وأما لو لم يمكن شغل المرأة منه بالوطء فلا عدة عليها، كما لو كانت الخلوة لحظة، وكذا لا عدة عليها حيث لم تحصل خلوة كما مر، قال في المدونة: فلو كان معها نساء حين أقبل وانصرف بمحضرهن فلا عدة عليها، الباجي: وكذلك امرأة. انتهى. وقال ابن عبد السلام: إثر كلام الباجي وهو صحيح؛ لأن الخلوة قد فقدت. انتهى. ونقل الشيخ أبو الحسن في الكبير كلام الباجي عن ابن يونس ونصه: ابن يونس: قال بعض أصحابنا: وامرأة واحدة فأكثر في ذلك سواء لأن الخلوة لم تثبت؛ الشيخ: وهذا إذا كانت المرأة الواحدة أو النساء من أهل العفاف والصيانة، وأما إن كانت المرأة أو النساء من شرار النساء فعليها العدة لأنهن لا يمنعن الخلوة. انتهى. نقله الحطاب. وقوله: أمكن شغلها منه، بالوطء كما مر، وقول التتائي: بالحمل، مراده لو كان يمكن حملها فلا اعتراض عليه. قاله أحمد. أي لا اعتراض عليه بأنه يوهم خروج مطلقة العقيم مع أنها تعتد. قاله عبد الباقي. والضمير في شغلها عائد على المرأة، والضمير في منه عائد على الرجل.
تنبيه: الشغل فيه أربع لغات ضم أوله وتسكين ثانية وضمهما معا وفتح أوله وتسكين ثانية وفتحهعما معا. قاله في الصحاح. قاله الحطاب. وفي المدونة: ومن خلا بصغيرة يجامع مثلها في بيت أهلها وطلقها، ثم قال: لم أطأ فصدقته أو كذبته؛ فالقول قوله في طرح السكنى، كما أقبله
стр. 4748
في نصف الصداق، وعليها العدة، وحيث يجب جميع الصداق يجب السكنى. وإن نفياه أي الوطء يعني أن العدة تجب بالخلوة المذكورة وإن تصادق الزوج والمرأة على عدم الوطء في الخلوة لأنها حق لله فلا تسقط باتفاقهما على نفي الوطء. وأخذا بإقراهما يعني أن الزوجين إذا نفيا الوطء في الخلوة فإنهما يؤخذان بإقرارهما بالنسبة لغير العدة، فتؤاخذ هي فيما هو حق لها بإقرارها، فلا نفقة لها ولا كسوة ولا يتكمل لها الصداق، ويؤاخذ هو بإقراره فلا رجعة له في العدة لإقراره بنفي الوطء،
فعلم مما قررت أن معمول المصدر محذوف؛ أي بنفي الوطء فهو أي قوله: وأخذا بإقرارهما، تفريع على قوله: وإن نفياه، والفرض بحاله أن الخلوة علمت بينهما، وبهذا قرره ابن غازي ﵀ وهو أحسن من تقرير الشارح والتتائي، حيث قال التتائي: وإن ادعى أحدهما الوطء وأنكره الآخر. وقال الشارح: حيث لم يعلم دخول. انتهى. وقوله: وأخذا بإقرارهما، المعية ليست شرطا أي كل من أقر بأمر أخذ به أي أخذا بإقرارهما اجتماعا وانفرادا. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم لا بغيرها أي الخلوة وهو مفهوم قوله: بخلوة؛ يعني أن العدة لا تجب بغير الخلوة، فإن عدمت وطلقت قبل البناء أو عدمت أوصافها بأن يكون الزوج صبيا أو مجبوبا أو لا يمكن شغلها منه فيها فلا عدة عليها في ذلك كله، وقد مر أن الصداق لا يتكمل إلا بالدخول. وأما ما روي أن النبي ﷺ قال: (من كشف امرأة فنظر إلى عورتها فقد وجب الصداق)، وكذلك ما روي من أنه ﷺ قال: (من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل)، فحديثان ضعيفان عند الأئمة مع مخالفتهما لظاهر القرآن، وقوله: لا بغيرها، عطف على قوله: بخلوة؛ أي لا بغير الخلوة المقيدة بالقيود السابقة، فيشمل ما إذا لم تكن خلوة أصلا أو خلوة صبي أو مجبوب كما مر التنبيه عليه، انظر الشبراخيتي. إلا أن تقر به يعني أنه إذا لم تحصل الخلوة المذكورة بينهما فلا عدة عليها، حيث لم تقر المرأة بالوطء من بالغ، وأما إن أقرت به فتلزمها العدة، بخلاف ما لو أقر به وأنكرته ولم تثبت الخلوة فلا عدة عليها، وهذا كالتكرار مع قوله في الرجعة: وأخذا بإقرارهما، ويظهر أن ذلك هو مراد البساطي، وقوله: إلا أن تقر به: علم منه بالأولى أنه إذا ثبت الوطء لزمت العدة وإن لم تحصل خلوة، واعلم أن ما تقدم من قوله: "وهل إن أدام الإقرار الرشيدة" لخ، إنما هو في
стр. 4749
تكميل الصداق كما مر، وأما النفقة والكسوة فلا يؤخذ بهما إلا إذا صدقته لقوله هناك: وللمصدقة النفقة، أي والكسوة، راجع ما تقدم. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. أو يظهر حمل ولم ينفه عطف على المستثنى؛ يعني أنه إذا لم تحصل الخلوة لا عدة عليها حيث لم يظهر بها حمل، وأما إن ظهر بها حمل فإنها تلزمها العدة، فتعتد بالوضع، ومحل كونها تعتد بالوضع حيث لم ينف الزوج الحمل المذكور بلعان فترث وتورث وترتجع، ولها النفقة والكسوة، وأما إن نفى الحمل المذكور بلعان فتستبرأ بوضع الحمل ولا تعتد من الزوج لعدم البناء، فلا تلزمه نفقة ولا سكنى؛ والحاصل أنها تتربص بنفسها الوضع نفاه أو لم ينفه لكن إن لم ينفه، فهي معتدة منه تجري عليها أحكام الرجعية إن لم تَبن، وإن نفاه بلعان فإنها تُستبرأ بوضع حملها وهي غير معتدة منه لكونه لم يَبْن بها، فلا توارث، كما لو لم يصح استلتحاقه لكونها وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم العقد. وعلق بقوله: تعتد قوله: بثلاثة أقراء والباء للآلة وقول الشارح خبر عن قوله: تعتد حرة وإن كتابية، معناه متمم للفائدة لا أنه خبر حقيقة. والله سبحانه أعلم؛ يعني أن العدة اللازمة للحرة مسلمة أو كتابية تكون بثلاثة أقراء، والأقراء جمع قرء بفتح القاف وضمها لغتان حكاهما القاضي عياض وأبو البقاء، أشهرهما الفتح، وهو الذي قاله جمهور أهل اللغة واقتصروا عليه. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: بثلاثة أقراء ولو في مجمع على فساده حيث درأ وطؤه الحد وإلا فزنى، وسيأتي أنها تمكث قدر عدتها لكن لا يسمى عدة بل استبراء قاله عبد الباقي. قوله: ولو في مجمع على فساده حيث درأ وطؤه الحد لخ، صحيح نحوه قول التهذيب: وما فسخ من نكاح فاسد أو ذات محرم أو المنعي لها تنكح أو الأمة بغير إذن السيد فالعدة في ذلك كله كالعدة في الصحيح. انتهى. قال أبو الحسن في الأمهات: أو ذات محرم من الرضاع أو النسب جهل ذلك ولم يعلم ثم علم بذلك بعد ما دخل. وانظر قولها: جهل لخ، يدل على أنه لو علم لم يكن لها سكنى لأنه يحد ولا يلحق به الولد انتهى قاله بناني. ويجمع القرء أيضا على قروء، واعلم أن القرء يقال للطهر ويقال للحيض، ومذهب الأئمة الثلاثة أن المراد بالقروء في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الأطهار، فلهذا قال: أطهار يعني أن الأقراء هي الأطهار التي بين الحيض، وذهب الإمام أبو حنيفة ومن وافقه إلى أن القروء هي الحيض، وبقول الأئمة الثلاثة قالت السيدة عائشة ﵂ وزيد بن ثابت، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن
стр. 4750
الحارث بن هشام: ما أدركنا أحدا من السلف إلا وهو يقول بهذا ومثله عن ابن عمر. وقاله القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وابن شهاب الزهري، وأبان بن عثمان، وأبو ثور، وداوود؛ وبقول الإمام أبي حنيفة قالت جماعة كبيرة، فروي عن أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي موسى الأشعري وأنس؛ وقال الشعبي: قاله أحد عشر أو اثنا عشر من الصحابة، وقاله من التابعين ابن المسيب ومكحول وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس وابن سيرين والحسن والشعبي وقتادة، وقال الأوزاعي: الجماعة على أن الأقراء الحيض، وقاله الثوري. انتهى. نقله ابن عبد السلام. واعلم أن الأقراء هي الأطهار في المذهب ولا يختلف في ذلك، وإن كان قد جاء في عبارات أهل المذهب إطلاق لفظ الحيض موضع الطهر، وإنما ذلك على التسامح كما في عبارة ابن عبد السلام: عدة الأمة في النكاح الصحيح والفاسد حيضتان. وقوله: أطهار، بدل من أقراء أو عطف بيان. وقوله بثلاثة أقراء؛ أي ولو في نكاح مجمع على فساده حيث درأ وطؤه الحد. قال في التهذيب: وما فسخ من نكاح فاسد أو ذات محرم أو المنعي لها تنكح أو الأمة بغير إذن السيد فالعدة في ذلك كله كالعدة في الصحيح. انتهى. وهذا هو مذهب المدونة كما علمت، وقيل: هذا في النكاح المختلف فيه، وأما المجمع على فساده فيكفي من ذلك حيضة، وأما إن لم يدرأ الحد فزنى؛ ويأتي إن شاء الله أنها تمكث قدر العدة لكن ألا يسمى عدة بل يسمى استبراء، واعلم أنه استدل لمذهبنا بوجوه، قال الشبراخيتي: منها تأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ والعرب تؤنث مع المذكر وتذكر مع المونث والطهر مذكر والحيضة مؤنثة، قال مقيد هذا الشرح: وفي هذا الوجه نظر يعلم بالوقوف على ما قاله النحاة في العدد. والله تعالى أعلم. وعدة ذي الرق أي الشخص صاحب الرق من مكاتبة ومبعضة فمن دونهما قرآن اتفاقا؛ يعني أن الزوجة الأمة عدتها قرآن أي طهران، وإنما تعتد حيث أطاقت الوطء، بخلوذ بالغ إلى آخر ما اشترط معدة الحرة من غير فرق، فتعتد بطهرين ولو في نكاح مجمع على فساده إن درأ الحد وإلا فزنى؛ والحاصل أن الأمة كالحرة إلا أنها تعتد بطهرين لا بثلاثة، وإلا في الاستبراء فإنها تستبرأ في الزنى والاشتباه بحيضة وما عدا ذين هما فيه سواء، وذو وصف للشخص وهو يشمل المذكر والمؤنث. والجميع للاستبراء يعني أن الأقراء الثلاثة في الحرة أو الاثنين في الأمة إنما شرعت كلها لأجل أن تظهر براءة الرحم من الحمل، هذا
стр. 4751
هو قول الأبهري ورجحه ابن يونس، ومقابله للقاضي، وعليه رد المص بقوله: لا لأول؛ يعني أنه ليس الأمر كما قال القاضي: من أن غير الأول إنما شرع تعبدا، والذي للاستبراء إنما هو القرء الأول فقط؛ ورجح عبد الحق قول القاضي، وإلى ترجيح ابن يونس لقول الأبهري الذي هو القول الأول أشار المص بقوله: على الأرجح فهو راجع لقوله: والجميع للاستبراء، وتظهر فائدة الخلاف في الذمية، فعلى القول بأن الثلاثة للاستبراء يلزمها الجميع، وعلى أن الأول للاستبراء والأخيران عبادة فإنه يختلف هل تلزمها الثلاثة بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة؟ أو لا يلزمها إلا الأول بناء على أنهم غير مخاطبين بها، وعليه يأتي ما قاله ابن القاسم في النصرانية إذا تزوجت بعد حيضة: أنها لا يفسخ نكاحها. انتهى. ولا فرق بين أن يكون زوجها الذي طلقه مسلما وأن يكون ذميا حيث أراد مسلم أن يتزوجها في هذا الأخير، فلا تتزوج إلا بعد ثلاثة أقراء، بناء على خطابهم بالفروع، على أن الأول للاستبراء والأخيرين عبادة، وهذا في المدخول بها، وأما إن لم تكن مدخولا بها فلا عدة عليها، هذا في الطلاق، وأما في الوفاة فتعتد بأربعة أشهر وعشر بناء على أنهم مخاطبون بها، وعلى أنهم غير مخاطبين بها كان عليها ثلاثة قروء إن كانت كلها للاستبراء، وإذا قلنا: إن اثنتين عبادة كان عليها حيضة، وهذا في المدخول بها، وإلا فيختلف على هذا الأصل هل هم مخاطبون بها أو لا؟ حكى ابن الجلاب عن مالك أنه لا عدة عليها قبل الدخول في الوفاة وأنها تخرج على روايتين، وكذلك ذكر عبد الوهاب. انتهى. قاله ابن السلام. وإنما قال المص لا الأول، ليلا يتوهم أن مقابل الأرجح يقول اثنتان للاستبراء وواحد (١) للتعبد. قاله الحطاب. وقوله: والجميع؛ أي جميع الأقراء بمعنى الحيض لا بمعنى الأطهار؛ لأن الذي للاستبراء إنما هو الحيض ففيه شبه استخدام. قاله. الباقي. وقوله: والجميع للاستبراء لخ، مما تظهر فيه فائدة الخلاف أيضا المتوفى عنها التي تعتد كعدة الطلاق لفساد نكاحها فعليها الإحداد في الثلاثة على القول الأول وهو المعتمد، وعلى الثاني لا يلزمها الإحداد إلا في الأول فقط. قاله عبد الباقي. قال بناني: هذا على أن المتوفى عنها في النكاح الفاسد عليها الإحداد، ويأتي قريبا إن شاء الله أنه لا إحداد عليها أصلا، ونقل المواق عنها ما يقتضي القولين. فتأمله. انتهى. وقال الشبراخيتي. قوله: والجميع للاستبراء، ما
стр. 4752
نصه: ولا فرق بين الحرة والأمة. ولو اعتادته في كالسنة يعني أن المرأة إذا كانت عادتها أن لا يأتيها الحيض إلا في كل سنة أو أكثر منها مرة واحدة فإنها لا تعتد إلا بالأقراء ولا تخرج بذلك عن كونها من أهل الأقراء فتنتظر عادتها، لقضاء عمر ﵁ بذلك، وهذا هو المشهور؛ ورد المص بلو القول بأنها تحل بمضي سنة، حكاه ابن الحاجب، وأنكر ابن عبد السلام والمؤلف وابن عرفة وجوده. وقال طاووس: تعتد بثلاثة أشهر ولا تنتظر الحيض؛ ونقل كريم الدين والناصر اللقاني وأبو الحسن على المدونة عن أبي عمران: أنها لو اعتادته في كل خمس سنين أنها تنتظر الخمس، فإن لم تحض حلت، فإن حاضت انتظرت الحيضة الثانية عند الخمس الثانية، فإن لم تحض حلت؛ فإن حاضت عند الخمس انتظرت الثالثة لتمام خمس عشرة، فتحل حينئذ حاضت أو لم تحض؛ قال عبد الباقي: وأما من عادتها عشر سنين فانظر هل تعتد بسنة أو بثلاثة أشهر. قاله الأجهوري. قال بناني: لا وجه لهذا التنظير وكلام المدونة صريح في أنها تعتد بسنة، ونصها: ولو تقدم لها حيض مرة لطلبت الحيض فإن لم يأتها اعتدت بسنة من يوم الطلاق، مفهومه لو تقدم لها أكثر من مرة تعتد بسنة من باب أحرى. انتهى. وقال الأمير: وإنما يعتبر الحيض حيث اعتيد في خمس سنين وإلا فسنة بيضاء. انتهى. ونقل أحمد الزرقاني عن أبي عمران خلاف ما نقله عنه كريم الدين والناصر اللقاني وأبو الحسن؛ وهو: أنها تعتد بالأقراء ولو في كل عشر سنين مرة، فإن جاء وقت مجيئه وهو العشر ولم تحض حلت، فإن حاضت عند العشر انتظرت الثانية عند العشر الثانية، فإن لم تحض حلت؛ فإن حاضت الثانبة انتظرت الثالثة لتمام الثلاثين سنة؛ حاضت أو لم تحض. انتهى. وقال الحطاب: ما ذكره المص من انتظار هذه المرأة الحيض هو المشهور، وقيل: تحل بانقضاء السنة. وقد أنكره ابن عبد السلام والمص، وقال ابن عرفة: ابن رشد عن محمد: من حيضتها السنة أو أكثر عدتها سنة بيضاء إن لم تحض لوقتها وإلا فأقراؤها؛ ولا مخالف له من أصحابنا، وتعقب شارحي ابن الحاجب نقله عدم اعتبار انتظار الأقراء بانفراده به حسن. انتهى. وقال في التوضيح: ويمكن أن يريد به المص أنها تحل بثلاثة أشهر لكن هذا القول إنما حكاه أشهب عن طاووس. انتهى. قال في التوضيح: وعلى الانتظار فقال محمد: إن لم تحض عند مجيئها حلت، وإن حاضت من الغد. انتهى. وقال ابن عبد السلام: وإذا فرعنا على القول الأول يعني الانتظار، فقالوا: إذا طلقت تربصت سنة فإن
стр. 4753
جاء فيها وقت الحيض ولم تحض حلت للأزواج، وإن لم يجئ وقتها في هذه السنة طلبت وقتها بعد السنة، فإن جاء وقتها أيضا ولم تحض حلت، وإن جاء وقتها فحاضت اعتدت بقرء واحد، ثم تفعل في الثاني والثالث كما في الأول؛ قال ابن المواز: [إذا أقرت] (١) حيضتها بعد تمام سنة فلم تحض عند مجيئه حلت وإن حاضت من الغد. قال اللخمي: وليس هذا أصل المذهب لأن الحيض يتقدم ويتأخر، وإنما قال هذا مراعاة للخلاف الذي ذكر أشهب في مدونته عن طاووس، قال: يكفيها ثلاثة أشهر. انتهى. انتهى كلام الحطاب. أو أرضعت عطف على ما في حيز لو، يعني أن المطلقة تعتد بالأقراء ولو كانت ترضع فتأخر حيضها بسبب الرضاعة لا ينقلها عن الاعتداد بالأقراء، والواجب عليها أن تنتظر الحيض حتى تفطم ولدها، فإن حاضت في زمن الرضاع ثلاثا حلت للأزواج، فإن لم تحض في مدة الرضاع لم تحل إلا بثلاث بعد مدة الرضاع، فإن مضت لها سنة بعد الرضاع ولم تحض حلت، فإن رأت الدم في آخرها انتظرته أو تمام سنة بيضاء فإن رأته انتظرت الثالثة أو تمام سنة بيضاء؛ وقوله: أو أرضعت لا فرق فيه بين الأمة والحرة. وقوله: أو أرضعت لو المقدرة فيه لدفع التوهم لا للخلاف لأن هذا حكى ابن الحاجب الاتفاق عليه، ونقل ابن عرفة عن ابن يونس الإجماع عليه، ونصه: ومتأخرته لرضاع بأقرائها، الصقلي: إجماعا. انظر الحطاب. أو استحيضت وميزت هذا أيضا معطوف على مدخول لو والخلاف فيه موجود؛ يعني أن المطلقة حرة أو أمة تعتد بالأقراء ولو كانت مستحاضة بشرط أن تميز دم الحيض من الاستحاضة برائحة أو لون، وهذا مروي عن مالك واختاره ابن القاسم، وروي عن مالك: أنه لا يعتبر الحيض المميز فتكون كالمرتابة فتعتد بالسنة، واختاره ابن وهب. نقله في التوضيح. وغيره. والله أعلم. قاله الحطاب. وقال: قال في التوضيح وغيره: وتميزه برائحته ولونه، وقال ابن المواز: بكثرته؛ أي أن دم الحيض كثير ودم الاستحاضة قليل. انتهى. وقال عبد الباقي: أو استحيضت وقد ميزت دم الحيض من الاستحاضة برائحة أو لون أو كثرة، فتعتد بالأقراء الثلاثة، والأمة كالحرة في هذا. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو استحيضت وميزت" بين دم الحيض والاستحاضة بقلة أو كثرة أو لون أو رائحة على المشهور عن مالك وابن القاسم، ولا فرق بين الحرة والأمة في المسائل الثلاث أي المعتادة في كالسنة والمرضع والمستحاضة المميزة.
стр. 4754
انتهى. فإن لم تميز اعتدت بالسنة باتفاق. قاله الشارح. وللزوج انتزاع ولد المرضع فرارا من أن ترثه يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا وهي مرضع بكسر الضاد وتأخر حيضها عن عادتها لأجل الرضاع، فإن له أن ينتزع منها ولدها إذا ظهر في ذلك غرض بأن ينتزعه فرارا من أن ترثه أي انتزعه لينقطع عنها الرضاع فتتم عدتها الحاصلة بالأقراء قبل أن يموت على تقدير موته، فلا ترثه لانقضاء العدة بتمام الأقراء، وليس للأب أن ينتزعه منها إلا أن يتبين صدق قوله ويعلم أنه لم يرد بذلك الضرر. قاله ابن رشد. واحترز بذلك والله أعلم. عما إذا علم أن حيضها يأتي في زمنه المعتاد ولم يتأخر من أجل الرضاع، فليس له حينئذ انتزاعه لتبين أنه إنما أراد ضررها. قاله بناني. وللأب أن ينتزعه أيضا من باب أحرى إذا كان غرضه إسقاط النفقة والكسوة لأن مصلحة الميراث لغيره، ومصلحة النفقة والكسوة له، وإذا انتزع ولده أو مات فله أن يمنعها من أن ترضع ولد غيره بأجر أو بغير أجر لأن مقصوده لا يحصل إلا بمنعها من الرضاع جملة، وحقه مقد على حقها في النفقة والسكنى، وقوله: فرارا من أن ترثه، سواء كان مريضا أم لا، لأن الموت قد يأتي فجأة. قاله أحمد. نقله عبد الباقي. وقد ورد أن حبان بن منقذ طلق امرأته وهي مرضع فمكثت نحو ستة لا تحيض لأجل الرضاع فمرض فخاف أن ترثه إن مات فخاصمها إلى عثمان وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ﵃، فقال لهما: ما ترون؟ فقالا: نرى أن ترثه لأنها ليست من القواعد التي يئسن من المحيض، ولا من الأبكار التي لم يحضن، فهي عندنا على حيضها وما كان من قليل أو كثير لم يمنعها إلا الرضاع، فانتزع حبان ابنه فلما حاضت حيضتين مات حبان فورثته واعتدت عدة الوفاة، ولم ينكر أحد ممن حضر ذلك على عثمان ﵁ نقله الشارح. أو ليتزوج أختها عطف على قوله: فرارا؛ يعني أن الزوج له أن ينتزع ولد المرضع التي طلقها طلاقا رجعيا وتأخر حيضها إذا كان انتزاعه ذلك لأجل أن يأتيها الحيض فتنقضي عدتها فيتزوج أختها مثلا أي ومثلها من يحرم جمعه معها. أو رابعة يعني أن الزوج إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا وهي مرضع وتأخر حيضها لذلك فله أن ينتزع ولدها ليأتيها الحيض فتنقضي عدتها فيتزوج رابعة غيرها، ومقتضى صنيع الشارح أن هاتين المسألتين مقيستان على الأولى، فإنه قال: وإذا كان له انتزاع الولد خوف الميراث فلا يكون له ذلك إذا أراد تعجيل حيضها لأجل تزويج أختها أو لأن يتزوج رابعة من باب الأولى؛ لأنه لا فائدة له في منعه
стр. 4755
الإرث، وإنما ذلك لورثته، وأما كونه يتزوج من لا يحل له أن يجمعها معها فهي فائدة تختص به. انتهى. وكذلك انتزاعه لأجل إسقاط النفقة والكسوة كما هو مقتضى الحطاب. إذا لم يضر بالولد شرط في الانتزاع يعني أنه إنما يجوز له انتزاع الولد في جميع ما مر إذا لم يضر الانتزاع بالولد، كأن قبل غير أمه، فإن أضر الانتزاع بالولد كأن لا يقبل غير أمه لم يجز له انتزاعه منها؛ وفهم من كلام المص أن الطلاق رجعي إذ لو كان بائنا لما ورثته ولَحَلَّ له تزويج رابعة ومن يحرم جمعه معها، ومثل ولدها ولد غيرها التي (١) ترضعه، وله فسخ الإجارة ما لم يكن علم بالإجارة وأقرها قبل الطلاق؛ وفي الحطاب عن ابن رشد: أن الزوجة مثل الزوج لها طرح الولد له للحيض إن قبل غيرها، قال الحطاب: وهو مشكل، فإن الرجعية يجب عليها الرضاع كما صرح به في كتاب الرضاع من المدونة، وسيصرح المص به في باب النفقات. انتهى. قال عبد الباقي: ويمكن حمل ما لابن رشد على علية القدر، فإن قلت: علية القدر لها رده وإن لم يكن لها مصلحة في رده فلا يتم هذا الحمل، قلت: لم يقع في النقل تقييد رده لمصلحتها فليست كالزوج. انتهى.
تنبيه: عورضت هذه المسألة بقوله: ولو وجد من ترضعه عنده مجانا، ويمكن الجمع بأن تكون هنا أسقطت حضانتها أو أراد الأب السفر أو أن هذا مبني على أن الحضانة حق للولد لا للأم، وهذا وإن كان ضعيفا لا غرابة في بناء مشهور عليه، وكأن تلك المسألة خرجت عن المشهور من أن الحضانة حق للأم لما فيها من الإجماع السكوتي، كما في التتائي، أو أن هذا من الأعذار المسقطة للحضانة. انتهى. قوله في التنبيه: عورضت لخ، الظاهر في الجواب أن ما هنا عذر يسقط حقها في إرضاعه، وأما حضانتها فباقية، وعلى الأب أن يأتيها بمن يرضعه عندها. والله أعلم. ويسقط جميع الأجوبة التي في الزرقاني. قاله بناني. وإن لم تميز هذا مفهوم قوله: أو استحيضت وميزت؛ يعني أن المطلقة المستحاضة إذا لم تميز بين الدمين أي دم الحيض ودم الاستحاضة فإنها تمكث تسعة أشهر لأجل زوال الريبة لأنها مدة الحمل غالبا، ثم بعد التسعة تعتد بثلاثة أشهر، وعبارة الشبراخيتي: وإن لم تميز المطلقة المستحاضة بين الدمين تربصت سنة تسعة ثم ثلاثة بلا خلاف، وظاهره سواء كانت السنة كلها استحاضة أو بعضها استحاضة وبعضها ريبة،
стр. 4756
وأنها تضم زمن الاستحاضة إلى الربية، وسواء تقدمت الاستحاضة على الريبة أو تأخرت. انتهى. وقال الشارح مفسرا لقوله: وإن لم تميز: أي وإن لم تكن المستحاضة مميزة بين الدمين تربصت تسعة أشهر استبراء ثم ثلاثة عدة، وهذا مما لا خلاف فيه كما سبق. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: وإن لم تميز: أي تربصت سنة ولا خلاف في ذلك. أو تأخر بلا سبب يعني أن المرأة المطلقة إذا تأخر حيضها بلا سبب مما تقدم أو لحق فإنها تتربص تسعة أشهر لأجل براءة رحمها لأنها مدة الحمل غالبا ثم تعتد بثلاثة أشهر، قال عبد الباقي: كمن حاضت مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين كثيرة ولدت أو لم تلد ثم طلقت ولم تر حيضا. انتهى. قول عبد الباقي: كمن حاضت مرة في عمرها لخ، قال بناني: هذا ذكره في المدونة، ونقله التوضيح والحطاب، ويتبادر إشكاله مع قوله الآتي: ثم إن احتاجت لعدة لخ، وأشار أبو الحسن إلى الجواب بأن ما هنا محله إذا لم تعتد بالسنة من زوج قبله، وإلا فتصير ممن عدتها ثلاثة أشهر فلا تنتقل عنها إلا أن يعاودها حيض. وقاله ابن يونس. ونقله الحطاب. انتهى. وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أن المرأة إذا رأت الحيض ولو مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين ثم طلقت فإن عدتها الأقراء، فإن أتتها وإلا تربصت سنة. قاله في التوضيح. وقال في كتاب طلاق السنة من المدونة: وإذا بلغت المرأة الحرة عشرين سنة أو ثلاثين ولم تحض فعدتها في الطلاق ثلاثة أشهر، ولو تقدم لها حيضة مرة لطلبت الحيض، فإن لم يأتها اعتدت سنة من يوم الطلاق تسعة أشهر براءة لتأخير الحيض ثم ثلاثة أشهر عدة؛ قال أبو الحسن: قال ابن المواز: إلا أن تعتد بالسنة من زوج قبله فتصير ممن عدتها ثلاثة أشهر حتى يعاودها حيض فتطالب به أو تعاود السنة، ابن يونس: وجهه أنها لما جلست أولا تسعة أشهر للريبة غالب مدة الحمل صارت من أهل الاعتداد بالشهور فلا تنتقل عنها إلا أن يعاودها حيض. انتهى. أو مرضت يعني أن المطلقة إذا تأخر حيضها بسبب مرض فإنها تتربص تسعة أشهر لبراءة رحمها لأنها أقل الحمل وبعد التسعة تعتد بثلاثة أشهر؛ قال الشارح: واختلف في المريضة هل حكمها كذلك؟ أي تعتد بسنة وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم؛ أصبغ وروي مثله عن مالك، وقال أشهب هي كالمرضع واختاره ابن المواز. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو مرضت عند ابن القاسم وأصبغ وابن عبد الحكم، وقال أشهب: هي كالمرضع واختاره ابن المواز، وفرق ابن القاسم بينهما بأن المرضع قادرة على إزالة مانع الحيض فكانت
стр. 4757
قادرة على الأقراء، بخلاف المريضة فليست قادرة فأشبهت الآيسة، قال في الحاشية: هل المراد خصوص المرض أو حصول أمر عارض من غير رضاع؛ وهو المظاهر فيشمل ما إذا تأخر لجوع من قحط أو نحوه أو طربة. انتهى. وقال عبد الباقي: أو مرضت قبل الطلاق أو بعده ولو بلا سبب فانقطع حيضها. انتهى. وقوله: تربصت تسعة جواب الشرط فهو راجع للمسائل الثلاث؛ وهل تعتبر التسعة في المسائل الثلاث من يوم الطلاق أو من يوم ارتفعت حيضتها؟ قولان. قاله الزناتي. والذي في المدونة أن التسعة من يوم الطلاق ومثله في سماع عيسى، ونص المدونة: ولو تقدم لها حيضة مرة لطلبت الحيض فإن لم يأتها اعتدت سنة من يوم الطلاق تسعة براءة لتأخير الحيض ثم ثلاثة أشهر عدة. انتهى. نقله بناني. ثم اعتدت بثلاثة عطف على تربصت تسعة وهو راجع للمسائل الثلاث أيضا أي تعتد بسنة في المسائل الثلاث. تنبيه: اعلم أنهم ذكروا خلافا هنا في كون العدة ثلاثة أشهر والتسعة لزوال الريبة وفي كون التسعة مع الثلاثة عدة، والصواب أنه خلاف لفظي كما تفيده عبارة الأئمة. قاله محمد بن الحسن بناني. وقال عبد الباقي: وقد وقع خلاف في تزوجها زمن الريبة في الوفاة هل هو كالتزوج في العدة في الفسخ وتأبيد التحريم إن دخل بعد تمام أربعة أشهر وعشر وقبل زوال الريبة؟ أو لا فسخ أصلا وإنما يكره فقط قولان نقلهما ابن عمر على الرسالة، ونقل ابن عرفة الثاني عن ابن أبي زيد. انتهى. وحاصل ما أشار إليه المص من أول الباب إلى هنا أن المعتدة بالأقراء قسمان، معتادة ومرتابة، فالمعتادة هي التي لم يتأخر حيضها، والمرتابة خمسة أصناف، من تأخر حيضها لرضاع تتنظر تمام سنة بيضاء بعد مدة الرضاع فتحل بها إن لم تحض وإلا انتظرته على ما مر، مستحاضة مميزة فيها روايتان لمالك كما مر أي تعتد بالأقراء على ما اختاره ابن القاسم وبالسنة كما اختاره ابن وهب، مستحاضة لم تميز، من تأخر حيضها بلا سبب، من تأخر حيضها لمرض كلها تعتد بالأقراء فإن أتتها وإلا تربصت سنة كعدة من لم تر الحيض تشبيه في أنها تعتد بثلاثة أشهر فقط يعني أن من لم تر الحيض لصغر مع إطاقتها الوطء أو لكونها لم يأتها دم ويقال لها: بغلة، عدتها ثلاثة أشهر، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. ومعنى إن ارتبتم شككتم في عدتهن، والمحيض بمعنى الحيض، وعدل المص عن أن يقول: كعدة الصغيرة واليائسة، لشمول ما ذكره للكبيرة إذا لم تحض والحكم فيها كالحكم في
стр. 4758
الصغيرة. قاله الحطاب. وقال: قال ابن الحاجب والتي لم تحض وإن بلغت الثلاثين كالصغيرة، قال في التوضيح: يريد وأكثر من الثلاثين، وقد صرح في أصل المدونة بأن الأربعين كذلك، قال علماؤنا: وأما لو حاضت مرة في عمرها ثم انقطع عنها سنين لمرض أو غيره وقد ولدت أو لم تلد ثم طلقت فإن عدتها الأقراء حتى تبلغ من من لا تحيض فإن أتتها الأقراء وإلا تربصت سنة كما تقدم. انتهى. واليائسة يعني أن اليائسة من الحيض عدتها ثلاثة أشهر، وسيأتي تبيين اليائسة. ولو برق الظاهر أن الباء للملابسة أي ولو كانت المطلقة متلبسة برق؛ يعني أن الأمة كالحرة في كونها تعتد بثلاثة أشهر حيث لم تر الحيض أو كانت يائسة، هذا هو مقتضى الشارح أن المبالغة راجعة لما بعد الكاف. فإنه قال بعد قوله: كعدة من لم تر الحيض واليائسة ما نصه: ولا خلاف أن عدة هاتين ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. وسواء كانت المرأة حرة أو أمة، ولهذا قال: ولو برق، وهو المشهور وحكى ابن بشير قولين، أحدهما: أن عدتها شهر ونصف، والآخر: أنها شهران. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "ولو برق"، مقابل المشهور قولان، أحدهما: أن عدتها شهر ونصف، والثاني: أنها شهران. حكاهما ابن بشير. والله أعلم انتهى. وصرح غير واحد بأن المبالغة راجعة لما قبل الكاف ولما بعدها، ولفظ الشبراخيتي: راجع لجميع ما تقدم من قوله: ولو اعتادته في كالسنة وما بعده يعني أن الحرة والأمة في انتظار الأقراء وفي السنة والأشهر مستويان (١) ونحوه لعبد الباقي، وقوله: ولو برق. وجه بأن الحمل لما كان لا يظهر في أقل من ثلاثة لم تشطر كالأقراء. قاله في التوضيح. وتمم من الرابع في الكسر يعني أن المطلقة التي تعتد بالأشهر تحتسب بها كلها ناقصة أو كاملة إن وقع الطلاق في أول ليلة من الشهر بأن طلقت فيها قبل طلوع الفجر، فإن وقع الطلاق في أثناء الشهر فإنها تحتسب بشهرين ناقصين أو كاملين وتكمل الذي وقع الطلاق في أثنائه من الشهر الرابع ثلاثين؛ أي تضيف إلى بقية الأول من الرابع ما يكملها ثلاثين، قال الشارح: لا إشكال أن ذات الأشهر إذا ابتدأت العدة من أول الأشهر أنها تعمل على الأهلة، وأما إن وقع طلاقها في أثناء الشهر وهو الذي أشار إليه هنا فإنها تعمل أيضا على الأهلة في الشهر الثاني والثالث، وتكمل الشهر الذي وقع فيه من الشهر الرابع، وهذا مذهب المدونة، ذكره في أكرية الدور وصرح
стр. 4759
بمشهوريته بعض الأشياخ، وفي بعض روايات المدونة أنها تكمل الأشهر الثلاثة ثلاثين ثلاثين انتهى وألغي يوم الطلاق يعني أن المرأة إذا طلقت في أثناء اليوم وهي تعتد بالأشهر فإنها تلغي ذلك اليوم الذي وقع فيه الطلاق إن سبق بالفجر وتحتسب به إن وقع الطلاق قبل فجره، وكذا يقال في الوفاة، وقيل لا يلغى وتعتد إلى مثل الساعة التي طلقت فيها أو توفي عنها فيها، وهذا قول مالك الذي رجع عنه إلى ما ذكره المص، والقول المرجوع عنه هو القياس؛ إذ لا اختلاف في أنه يجب عليها أن تبتدئ العدة من الساعة التي طلقها فيها أو توفي فيها زوجها، ولا يصح بإجماع أن تلغي بقية ذلك اليوم فتبتدئ العدة من غروب الشمس، فإذا وجب عليها بالإجماع أن تبتدئ العدة من تلد الساعة وتجتنب الطيب والزينة من حينئذ إن كانت عدة وفاة وجب أن تحل في تلك الساعة من النهار. فتأمله. والله أعلم. قاله الحطاب. وإن حاخمت في السنة انتظرت الثانية يعني أن التي أمرت بسنة تسعة استبراء وثلاثة عدة إذا حاضت في السنة ولو في آخر يوم منها فإنها تعتد بالأقراء بأن تنتظر الحيضة الثانية فإن مضت لها سنة ولم تحض ثانية حلت، وإن حاضت ثانية فيها ولو في آخر يوم منها انتظرت الحيضة الثالثة، فإن حاضت حلت وإن لم تحض انتظرت تمام سنة بيضاء فتحل بمضيها وإن لم يحصل حيض، وليس مرادد أنها تنتظر الحيضة ولو مضت لها سنة بيضاء، وهذا في الحرة وأما الأمة فتحل بالحيضة الثانية أو مضي سنة بيضاء، والحاصل أن كلا منهما تنتظر أقصر الأجلين من الحيض أو تمام سنة بيضاء، وما ذكره في انتظار الثانية والثالثة هو المشهور، وقال ابن نافع: إذا حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع وكانت ممن تحيض انتظرت أقصى أمد الحمل خمس سنين وإن كانت ممن يئس مثلها اعتدت بالسنة. قاله الشارح. ثم إن احتاجت لعدة فالثلاثة يعني أن المرأة التي تتربص تسعة أشهر استبراء ثم تعتد بثلاثة أشهر إذا لم يأتها فيها دم فإنها إذا احتاجت لعدة بعد ذلك بأن تزوجت وطلقت بعد الدخول تعتد بثلاثة أشهر لأنها صارت يائسة، وقيل تنتظر سنة، وأما لو أتاها دم وانتظرت الثانية والثالثة فإنها إذا احتاجت إلى عدة بعد ذلك فتعتد بسنة بيضاء، فإن أتاها دم فيها انتظرت الثانية أو تمام سنة بيضاء، وكذا يقال في الثالثة ووجب إن وطئت بزض يعني أن الحرة إذا زني بها فإنه يجب عليها أن تستبرأ من ذلك الزنى بقدر ما تعتد به، على تفصيلها السابق من معتدة بالأقراء والأشهر الثلاثة والسنة فتمكث ثلاثة أقراء إن كانت حرة،
стр. 4760
وقرأين إن كانت أمة، وثلاثة أشهر إن كانت ممن لم ير الحيض أو آيسة، أو سنة أو تأخر حيضها بلا سبب أو مستحاضة لم تميز أو مريضة، على ما سبق، وهذا هو المشهور من أن الحرة تستبرأ بثلاث حيض. انتهى. قاله الشارح. أو شبهة يعني أن الحرة إذا وطئت باشتباه بأن وطئت غلطا فإنه يجب عليها أن تستبرأ من ذلك الوطء بمقدار ما تعتد به على تفصيلها المسابق من معتدة بالأقراء والأشهر والسنة، ولا يمثل للشبهة بالنكاح المجمع على فساده لأن اللازم فيه يقال له: عدة الاستبراء؛ تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: أو شبهة، ما نصه: بغلط أو بنكاح فاسد مجمع عليه كمحرم بنسب أو رضاع. انتهى. قوله: أو بنكاح لخ، قال بناني: أي لا يدرأ الحد فإن درأ الحد فالواجب فيه عدة كما مر، وقد أجمل هنا تبعا لابن غازي، والحق ما ذكرنا من التفصيل كما تقدم على أن الصواب عدم ذكره هنا كما أسقطه المص وابن عرفة. والله أعلم. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: والذي لا يدرأ الحد زنى محض وليدى بشبهة. والله سبحانه أعلم. ولا يطأ الزوج؛ يعني أن هذه المرأة التي زني بها أو وطئت بشبهة يحرم على زوجها أن يطأها زمن استبرائها، ومثل الوطء أنواع الاستمتاع، ومحل الحرمة ما لم تكن ظاهرة الحمل منه، وإلا فقيل: يكره: وقيل: يجوز، وقيل: يندب تركه؛ ذكرها ابن عرفة. نقله عبد الباقي. قال بناني. هكذا ذكر هذه الأقوال ابن يونس، لكن في البيان ما يقتضي أن المذهب في ظاهرة الحمل هو التحريم. نقله الشيخ أبو علي. وبالتحريم وقع الجواب في البرزلي عن نوازل ابن الحاج، وفي المعيار آخر نوازل الإيلاء والظهار واللعان عن أبي الفضل العقباني وغيره، وعلله بأنه ربما ينفش الحمل فيكون قد خلط ماء غيره بمائه وهو ظاهر. انتهى. وفي نوازل ابن هلال أن من زنت زوجته وحملت من الزنى يستحب له أن لا يقربها حتى تفع، فإن فعل فقد أساء ولا يفسخ نكاحها لأنها زوجته قبل ذلك. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: ويأتي في الاستبراء أنه يحرم الاستمتاع بالأمة زمن الاستبراء سواء كانت حاملا من الزنى أو من غيره مسبية كانت أو لا وهو المعروف، ونقل المازري وابن شاس وغيرهما عن ابن حبيب أن الحامل من الزنى لا يحرم منها الاستمتاع ما عدا الوطء، وعنه أن الاستمتاع من السبية لا يحرم ما عدا الوطء، نقله في النوادر. قاله الشارح. فقول ابن هلال: يستحب له أن لا يقربها، يحمل على غير الوطء لأن فيه سقي زرع غيره بمائه، ولهذا النقل وإن كان يبعد هذا الحمل السؤال، وكلامه على أن المراد به غير الوطء خلاف
стр. 4761
المعروف. والله سبحانه أعلم. ولا يعقد يعني أن هذه المستبرأة من زنى أو شبهة لا يجوز لأحد أن يعقد عليها زمن استبرائها، سواء كان الذي يريد أن يعقد عليها زوجا فسخ نكاحه، أو طلقها بائنا زمنه، أو أجنبيا؛ لأن القاعدة أن كل زمن امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد، إلا الحيض والنفاس والصيام والاعتكاف، واستعمل المص الزوج في حقيقته ومجازه أو غاب غاصب يعني أن الحرة إذا غاب عليها غاصب غيبة يمكنه فيها الوطء فإنه يجب استبراؤها بمقدار عدتها المتقدمة على تفصيلها السابق، من معتدة بالأقراء أو الأشهر أو السنة، ولا يطأ الزوج ولا يستمتع بها زمن الاستبراء تحريما ولا يعقد عليها أحد زمن استبرائها أو ساب يعني أن الحرة إذا سباها العدو وغاب عليها غيبة يمكنه فيها الوطء فإنه يجب استبراؤها بمقدار عدتها المتقدمة على تفصيلها السابق، ولا يطأ الزوج ولا يلستمتع بها زمن الاستبراء تحريما، ولا يعقد عليها أحد زمن الاستبراء، وأما إن كانت غيبة الغاصب أو السابي عليها غيبة لا يمكنه فيها الوطء فلا شيء عليها. أو مشتر يعني أن الحرة إذا اشتراها مشتر جهلا أو فسقا وغاب عليها، فإنه يجب عليها أن تتربص مقدار عدتها على تفصيلها السابق، ولا يستمتع الزوج بها زمن استبرائها ولا يعقد عليها أحد زمنه أيضا، وإنما وجب عليها الاستبراء في هذه الثلاثة لأن غيبة كل مظنة الوطء. ولا يرجع لها يعني أنه لا يرجع لها أي للمرأة أي لقولها في واحد من الثلاثة؛ أي لا تصدق في دعواها عدم وطء واحد منهم ولو وافقها الغاصب ومن ذكر معه على عدم الوطء لحق الله . وقوله: قدرها فاعل وجب؛ أي وجب على الحرة في المسائل الخمس أن تمكث مقدار عدتها على تفصيلها المتقدم.
تنبيهات: الأول: استشكل لزوم الاستبراء مع وجوب لحوق الولد، وأجيب بإفادته نفي الحد في تعريض من قال لذي نسب منه: يا ابن الماء المفاسد، فإن الماء المفاسد فيه تعريض في نفي النسب؛ لأنه يطلق على ماء الزنى أيضا، وأما من رماه بأنه ابن زنى فيحد على كل حال ولدته لدون ستة أشهر أو لأكثر، وفي كلام عبد الباقي نظر بخلاف من رماه بأنه ابن شبهة فلا يحد لأن الشبهة لا تستلزم نفي النسب، والضمير في وطئت للحرة المتقدمة في قوله: تعتد حرة، وهذا يجب المصير إليه لأن استبراء الأمة مما ذكر حيضة، كما نص عليه المواق عن المدونة، ومن حمل المص على شموله للحرة والأمة لا يعول عليه هنا؛ ونسبة بعضهم له للمدونة مردودة، وممن نص
стр. 4762
على ما نص عليه المواق عن المدونة الجلاب، نصه: وإذا زنت الحرة أو غصبت وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض وإن كانت أمة استبرئت بحيضة كانت ذات زوج أو غير ذات زوج. انتهى. والعجب كيف غاب ذلك عن الحطاب. قاله بناني. وممن نص عليه أيضا ابن الحاجب وابن عبد السلام، ونصه: واستبراؤها أي الأمة في الزنى والاشتباه حيضة، وكذلك غيبة الغاصب والسابي والمشتري. الثاني: قول المص: قدرها، هو الشار إليه بقولهم: استبراء الحرة كعدتها، وقد استثنوا ممن ذلك استبراءها لإقامة الحد عليها في الزنى، واستبراءها للقتل في الردة، واستبراءها الذي يعتمد عليه الملاعن، فإنه بحيضة في هذه الثلاثة، ونظمها الشيخ علي الأجهوري بقوله:
الحرة استبراؤها كالعده … لا في لعان وزنى ورده
فإنها في كل ذا تستبرا … بحيضة فقط وقيت الضرا
وعلم منه ومن المص أن استبراء الحرة من زنى ونحوه له ثلاث حالات، الأولى: أن تستبرأ لوطء الزوج لها أو للعقد عليها فلابد من قدر العدة، الثانية: أن تستبرأ لإقامة حد الزنى عليها فحيضة فقط إن كانت ذات زوج كما يأتي والأمة في هذا مثلها، فإن حاضت وأقيم عليها غير الرجم لفقد شرطه لم يحل لزوج ولا لسيد وطؤها ولا تزوجها حتى تمضي حيضتان. قاله عبد الباقي. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا ظاهر في الحرة لا والأمة والله سبحانه أعلم، الثالثة: زنت حرة وليست ذات زوج فيقام عليها الحد من غير تأخير لحيض ومثلها الأمة في هذه أيضا. الثالث: ظاهر قول المص: ولا يطأ الزوج، أن له الاستمتاع بغير الوطء. قال عبد الباقي عن أحمد عن بعض شيوخه: وهو مذهب ابن القاسم، نقله في التوضيح وكذا الشارح، ولا يخالف ما لابن القاسم هنا ما يأتي في الاستبراء من قول المص. وحرم وزمنه الاستمتاع؛ لأن ما يأتي في أمة تجدد ملكها ولم يسبق فيها استمتاع، وما هنا في زوجة سبق له فيها استمتاع؛ وانظر نقل التوضيح والشارح عن ابن القاسم الجواز مع نقل المواق عن ابن عرفة المنع، ولعل نقل ابن عرفة المنع هو المعتمد، وفرق أحمد المتقدم مبني على تسليم نقل التوضيح والشارح عن ابن القاسم. انتهى المراد
стр. 4763
منه. قوله: نقله في التوضيح لخ، قال محمد بن الحسن: إنما نقل الجواز في التوضيح عن عياض ولم ينقله عن ابن القاسم، وما ذكر من أن المواق نقل عن ابن عرفة المنع فيه نظر، فإن سياق المواق يفيد أن كلام ابن عرفة في الأمة التي تجدد ملكها لا في مسألتنا. تأمله. والله أعلم. انتهى. وفي إمضاء الولي يعني أن المحجور إذا تزوج بغير إذن وليه ووطئ وأمضى الولي النكاح فإنه اختلف هل يجب الاستبراء من ذلك الوطء فلا يطؤها بعد الإمضاء حتى يستبرئها من الماء الفاسد الحاصل قبل الإمضاء أو لا يحتاج الزوج إلى استبراء من ذلك الماء بل له أن يطأ، وكذا لو زوج أجنبي امرأة شريفة القدر بولاية عامة مسلم مع وجود ولي غير مجبر ودخل بها الزوج ولم يطل، فإنه اختلف إذا أمضى وليها النكاح المذكور هل يجب الاستبراء من ذلك الماء الحاصل قبل الإجازة أو لا يجب بل له أن يطأ قبل الاستبراء، فعلم أن الولي هنا شامل لولي السفيه وسيد العبد وولي المرأة. أو فسخه يعني أنه اختلف أيضا إذا فسخ ولي المرأة المذكورة النكاح أو ولي السفيه أو السيد الذين وقع النكاح بغير إذنهم هل يجب الاستبراء حيث أرادوا العقد للزوج الأول ثانيا؟ أو لا يجب، والحال أن الزوج قد دخل. وقوله: تردد مبتدأ وخبره قوله: وفي إمضاء الولي أو فسخه، قال عبد الباقي: والراجح وجوب الاستبراء في الإمضاء وفي الفسخ، قال بناني: مقتضى نقل التوضيح والمواق أنهما في الفسخ تأويلان، وذكر ابن عرفة الخلاف في المسألة ونسب وجوب الاستبراء لسحنون وابن الماجشون، وعدمه لمالك وابن القاسم، ومقتضاه أنهما قولان، ويظهر منه أن عدم الوجوب هو الراجح، خلاف ما ذكره عبد الباقي. والله أعلم انتهى. ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي، وقال الأمير وفي وجوبه بوطء المحجور ولو أجازه الولي أو فسخ وأراد العقد ثانيا خلاف، في عبد الباقي ترجيح الوجوب، وفي الرماصي وبناني وحش ترجيح عدمه. انتهى. وقد مر أن محل كلام المصنف مع الدخول فلو لم يدخل فلا استبراء في القسمين كما هو ظاهر، ويجب الاستبراء قولا واحدا فيما إذا فسخ الولي وأراد العقد عليها غير من فسخ نكاحه كما هو واضح، وقوله: "وفي إمضاء الولي أو فسخه تردد"، هذا الخلاف يجري في نكاح المغرور وفي كل عقد فاسد بعد البناء لا في فاسد لصداقه إذا مضى بالبناء ولا في وطء فاسد في نكاح صحيح لازم كحائض ومعتكفة، ولا فيما حصل فيه خيار بعد العقد كحدوث جذام بالزوج بعد البناء فلا استبراء لوقوع النكاح صحيحا لازما، وإنما طرأ فيه الخيار بعد، بخلاف المغرور فإن عقده غير
стр. 4764
لازم ابتداء. والظاهر أن نكاح من فيه عيب فيه الاستبراء إن غر ذو العيب وإلا فلا استبراء. واعتدت بظهر الطلاق يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي طاهر فإنها تعتد بذلك الطهر الذي طلقها فيه ولو مسها فيه كما نص عليه الشيخ ميارة بمعنى أنها تحسُبه من الأطهار الثلاثة، قوله: واعتدت بطهر الطلاق ولا خلاف في ذلك. قاله الشارح. وفيه نظر كما يأتي عن ابن شهاب وإن لحظه أي أنها تحسب طهرا لطلاق من الأطهار الثلاثة التي تعتد بها سواء طال أو قصر بأن أتاها الحيض عقب الطلاق بلحظة مثلا، فإن حاضت ثانية فقد تم لها قرآن، فإن حاضت ثالثة فقد تمت لها أقرات كاملة. فتحل بأول الحيضة الثالثة يعني أنه إذا طلقها طاهرا فإنها تحتسب بذلك الطهر، فإذا حاضت فقد تم لها قرء فإذا حاضت ثانية فقد تم لها قرآن فإذا حاضت ثالثة حلت بمجرد رؤية الدم من أول تلك الحيضة الثالثة. أو الرابعة يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي حائض فإنها لا تحل إلا بأول الحيضة الرابعة، ومثل الحيض النفاس فإذا طلقها وهي نفساء فإنها تحسب الطهر الذي يلي نفاسها ويتم بحيضها بعد النفاس، فإذا حاضت ثالثة بالنسبة لدم النفاس فقد تم لها قرآن، فإذا حاضت رابعة فقد تم لها ثلاثة قروء، فتحل بأول تلك الحيضة الرابعة بالنسبة للنفاس، ولهذا قال: إن طلقت بكحيض، والكاف مدخلة للنفاس وقوله: واعتدت بطهر الطلاق؛ أي وإن مسها فيه كما قدمته عن الشيخ ميارة، ذكره في شرح القواعد، قوله: واعتدت بطهر الطلاق، خلافا لابن شهاب ﵀ وهو ممن يقول إن القرء هو الطهر، لكن قال: إنها لا تعتد بطهر الطلاق، وأبو حنيفة ممن يقول: إن القرء هو الحيض لكن قال إنها لا تعتد بالحيض الذي طلقت فيه، وقوله: فتحل بأول الحيضة الثالثة؛ أي تحل عند ابن القاسم بمجرد رؤية الدم؛ لأن الغالب عدم انقطاعه بعد ظهوره، وقال أشهب: ينبغي أن لا تعجل التزويج برؤية أول الدم بل تصبر حتى تستمر الحيضة. وهل ينبغي أن لا تعجل برؤيته تأويلان مقتضى ما للشبراخيتي أن قوله: ينبغي، مبتدأ وخبره محذوف أي وفاق أو خلاف، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول أشهب: ينبغي أن لا تعجل التزويج برؤية أول الدم، هل هو وفاق لقول ابن القاسم إنها تحل بأول الحيضة الثالثة أو الرابعة وعليه الأكثر؟ وذهب إليه ابن الحاجب بناء على حمل ينبغي على الاستحباب، أو خلاف بناء على حمل ينبغي على الوجوب، وإليه ذهب سحنون لقوله:
стр. 4765
هو خير من رواية ابن القاسم، وإلى هذا التأويل ذهب غير واحد، وأوضح من عبارة المص لو قال: وفيها: وينبغي أن لا تعجل برؤيته، وهل هو وفاق؟ تأويلان. والله سبحانه أعلم. ويبين التأويل بالوجوب بتعليل أشهب حيث قال في المدونة: وينبغي أن لا تعجل بالتزويج لاحتمال أن ينقطع قبل استمراره حيضة فلا تعتد بها، واقتصر الشيخ المحقق الأمير على تأويل الوفاق فيفيد اعتماده. والله أعلم.
تنبيه: فإن عجلت برؤية أول الدم وتزوجت ولم ينقطع فتزوج في غير العدة اتفاقا، فإن انقطع فنبل يوم أو بعضه فتزوج في العدة لأنها لا تحتسب به حيضة عند الجمهور، وفي غير عدة عند ابن رشد وأبي عمران وغيرهما كما في التتائي والحطاب. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال في التوضيح: اختلف القائلون بحمل قوله على الخلاف لو انقطع الدم ما الحكم عند ابن القاسم؟ فقال أبو عمران وابن رشد: لا يضرها ذلك وقد حلت للأزواج برؤيته أولا، ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض واحد في باب العبادات والعدد، ومنهم من قال: بل يضرها وإنما لم يطلب منها ابن القاسم ما طلبه أشهب لأن الأصل عدم انقطاع الدم وهو أيضا الغالب فلا يلزمها وجوبا ولا استحبابا رعيا لمخالفة الأصل في الغالب، وإلى هذا ذهب جمهورهم أنه إن لم يتماد بها لا تحتسب به حيضة. انتهى. ومشى المص على هذا في قوله: ورجع في قدر الحيض لخ، كما يأتي. والله سبحانه أعلم. تنبيه آخر: قال في التوضيح: إذا ماتت الزوجة بعد رؤية الدم وقبل التمادي فإنه يحمل أمرها فيه على التمادي ولا يرثها مطلقها، وإن مات الزوج حينئذ لم ترثه إن تمادى، وإن قالت قبل موته باليومين والشيء القريب: انقطع الدم عني وكان (١) مباشر قولها ذلك ورثته. نقله ابن عبد السلام. قاله الحطاب. وقال في التوضيح: قال عياض: اختلفوا إذا راجعها زوجها عند انقطاع هذا الدم وعدم تماديه ثم رجع الدم بالقرب، هل هي رجعة فاسدة إذ قد ظهر أنها حيضة صحيحة وقعت الرجعة فيها فتبطل؟ وهو الصحيح، وقد قيل لا تبطل رجع عن قرب أو بعد، خليل: وهذا الكلام يدل على أنها لو لم يعاودها الدم أن الرجعة صحيحة، وأن للزوج الرجعة وإن قالت قبل ذلك قد رأيت الدم ثم ادعت انقطاعه. انتهى. قاله الحطاب. ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه يعني أنه قد مر قول ابن القاسم: إن المرأة تحل بأول