المعروف. والله سبحانه أعلم. ولا يعقد يعني أن هذه المستبرأة من زنى أو شبهة لا يجوز لأحد أن يعقد عليها زمن استبرائها، سواء كان الذي يريد أن يعقد عليها زوجا فسخ نكاحه، أو طلقها بائنا زمنه، أو أجنبيا؛ لأن القاعدة أن كل زمن امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد، إلا الحيض والنفاس والصيام والاعتكاف، واستعمل المص الزوج في حقيقته ومجازه أو غاب غاصب يعني أن الحرة إذا غاب عليها غاصب غيبة يمكنه فيها الوطء فإنه يجب استبراؤها بمقدار عدتها المتقدمة على تفصيلها السابق، من معتدة بالأقراء أو الأشهر أو السنة، ولا يطأ الزوج ولا يستمتع بها زمن الاستبراء تحريما ولا يعقد عليها أحد زمن استبرائها أو ساب يعني أن الحرة إذا سباها العدو وغاب عليها غيبة يمكنه فيها الوطء فإنه يجب استبراؤها بمقدار عدتها المتقدمة على تفصيلها السابق، ولا يطأ الزوج ولا يلستمتع بها زمن الاستبراء تحريما، ولا يعقد عليها أحد زمن الاستبراء، وأما إن كانت غيبة الغاصب أو السابي عليها غيبة لا يمكنه فيها الوطء فلا شيء عليها. أو مشتر يعني أن الحرة إذا اشتراها مشتر جهلا أو فسقا وغاب عليها، فإنه يجب عليها أن تتربص مقدار عدتها على تفصيلها السابق، ولا يستمتع الزوج بها زمن استبرائها ولا يعقد عليها أحد زمنه أيضا، وإنما وجب عليها الاستبراء في هذه الثلاثة لأن غيبة كل مظنة الوطء. ولا يرجع لها يعني أنه لا يرجع لها أي للمرأة أي لقولها في واحد من الثلاثة؛ أي لا تصدق في دعواها عدم وطء واحد منهم ولو وافقها الغاصب ومن ذكر معه على عدم الوطء لحق الله . وقوله: قدرها فاعل وجب؛ أي وجب على الحرة في المسائل الخمس أن تمكث مقدار عدتها على تفصيلها المتقدم.
تنبيهات: الأول: استشكل لزوم الاستبراء مع وجوب لحوق الولد، وأجيب بإفادته نفي الحد في تعريض من قال لذي نسب منه: يا ابن الماء المفاسد، فإن الماء المفاسد فيه تعريض في نفي النسب؛ لأنه يطلق على ماء الزنى أيضا، وأما من رماه بأنه ابن زنى فيحد على كل حال ولدته لدون ستة أشهر أو لأكثر، وفي كلام عبد الباقي نظر بخلاف من رماه بأنه ابن شبهة فلا يحد لأن الشبهة لا تستلزم نفي النسب، والضمير في وطئت للحرة المتقدمة في قوله: تعتد حرة، وهذا يجب المصير إليه لأن استبراء الأمة مما ذكر حيضة، كما نص عليه المواق عن المدونة، ومن حمل المص على شموله للحرة والأمة لا يعول عليه هنا؛ ونسبة بعضهم له للمدونة مردودة، وممن نص
стр. 4762
على ما نص عليه المواق عن المدونة الجلاب، نصه: وإذا زنت الحرة أو غصبت وجب عليها الاستبراء من وطئها بثلاث حيض وإن كانت أمة استبرئت بحيضة كانت ذات زوج أو غير ذات زوج. انتهى. والعجب كيف غاب ذلك عن الحطاب. قاله بناني. وممن نص عليه أيضا ابن الحاجب وابن عبد السلام، ونصه: واستبراؤها أي الأمة في الزنى والاشتباه حيضة، وكذلك غيبة الغاصب والسابي والمشتري. الثاني: قول المص: قدرها، هو الشار إليه بقولهم: استبراء الحرة كعدتها، وقد استثنوا ممن ذلك استبراءها لإقامة الحد عليها في الزنى، واستبراءها للقتل في الردة، واستبراءها الذي يعتمد عليه الملاعن، فإنه بحيضة في هذه الثلاثة، ونظمها الشيخ علي الأجهوري بقوله:
الحرة استبراؤها كالعده … لا في لعان وزنى ورده
فإنها في كل ذا تستبرا … بحيضة فقط وقيت الضرا
وعلم منه ومن المص أن استبراء الحرة من زنى ونحوه له ثلاث حالات، الأولى: أن تستبرأ لوطء الزوج لها أو للعقد عليها فلابد من قدر العدة، الثانية: أن تستبرأ لإقامة حد الزنى عليها فحيضة فقط إن كانت ذات زوج كما يأتي والأمة في هذا مثلها، فإن حاضت وأقيم عليها غير الرجم لفقد شرطه لم يحل لزوج ولا لسيد وطؤها ولا تزوجها حتى تمضي حيضتان. قاله عبد الباقي. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا ظاهر في الحرة لا والأمة والله سبحانه أعلم، الثالثة: زنت حرة وليست ذات زوج فيقام عليها الحد من غير تأخير لحيض ومثلها الأمة في هذه أيضا. الثالث: ظاهر قول المص: ولا يطأ الزوج، أن له الاستمتاع بغير الوطء. قال عبد الباقي عن أحمد عن بعض شيوخه: وهو مذهب ابن القاسم، نقله في التوضيح وكذا الشارح، ولا يخالف ما لابن القاسم هنا ما يأتي في الاستبراء من قول المص. وحرم وزمنه الاستمتاع؛ لأن ما يأتي في أمة تجدد ملكها ولم يسبق فيها استمتاع، وما هنا في زوجة سبق له فيها استمتاع؛ وانظر نقل التوضيح والشارح عن ابن القاسم الجواز مع نقل المواق عن ابن عرفة المنع، ولعل نقل ابن عرفة المنع هو المعتمد، وفرق أحمد المتقدم مبني على تسليم نقل التوضيح والشارح عن ابن القاسم. انتهى المراد
стр. 4763
منه. قوله: نقله في التوضيح لخ، قال محمد بن الحسن: إنما نقل الجواز في التوضيح عن عياض ولم ينقله عن ابن القاسم، وما ذكر من أن المواق نقل عن ابن عرفة المنع فيه نظر، فإن سياق المواق يفيد أن كلام ابن عرفة في الأمة التي تجدد ملكها لا في مسألتنا. تأمله. والله أعلم. انتهى. وفي إمضاء الولي يعني أن المحجور إذا تزوج بغير إذن وليه ووطئ وأمضى الولي النكاح فإنه اختلف هل يجب الاستبراء من ذلك الوطء فلا يطؤها بعد الإمضاء حتى يستبرئها من الماء الفاسد الحاصل قبل الإمضاء أو لا يحتاج الزوج إلى استبراء من ذلك الماء بل له أن يطأ، وكذا لو زوج أجنبي امرأة شريفة القدر بولاية عامة مسلم مع وجود ولي غير مجبر ودخل بها الزوج ولم يطل، فإنه اختلف إذا أمضى وليها النكاح المذكور هل يجب الاستبراء من ذلك الماء الحاصل قبل الإجازة أو لا يجب بل له أن يطأ قبل الاستبراء، فعلم أن الولي هنا شامل لولي السفيه وسيد العبد وولي المرأة. أو فسخه يعني أنه اختلف أيضا إذا فسخ ولي المرأة المذكورة النكاح أو ولي السفيه أو السيد الذين وقع النكاح بغير إذنهم هل يجب الاستبراء حيث أرادوا العقد للزوج الأول ثانيا؟ أو لا يجب، والحال أن الزوج قد دخل. وقوله: تردد مبتدأ وخبره قوله: وفي إمضاء الولي أو فسخه، قال عبد الباقي: والراجح وجوب الاستبراء في الإمضاء وفي الفسخ، قال بناني: مقتضى نقل التوضيح والمواق أنهما في الفسخ تأويلان، وذكر ابن عرفة الخلاف في المسألة ونسب وجوب الاستبراء لسحنون وابن الماجشون، وعدمه لمالك وابن القاسم، ومقتضاه أنهما قولان، ويظهر منه أن عدم الوجوب هو الراجح، خلاف ما ذكره عبد الباقي. والله أعلم انتهى. ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي، وقال الأمير وفي وجوبه بوطء المحجور ولو أجازه الولي أو فسخ وأراد العقد ثانيا خلاف، في عبد الباقي ترجيح الوجوب، وفي الرماصي وبناني وحش ترجيح عدمه. انتهى. وقد مر أن محل كلام المصنف مع الدخول فلو لم يدخل فلا استبراء في القسمين كما هو ظاهر، ويجب الاستبراء قولا واحدا فيما إذا فسخ الولي وأراد العقد عليها غير من فسخ نكاحه كما هو واضح، وقوله: "وفي إمضاء الولي أو فسخه تردد"، هذا الخلاف يجري في نكاح المغرور وفي كل عقد فاسد بعد البناء لا في فاسد لصداقه إذا مضى بالبناء ولا في وطء فاسد في نكاح صحيح لازم كحائض ومعتكفة، ولا فيما حصل فيه خيار بعد العقد كحدوث جذام بالزوج بعد البناء فلا استبراء لوقوع النكاح صحيحا لازما، وإنما طرأ فيه الخيار بعد، بخلاف المغرور فإن عقده غير
стр. 4764
لازم ابتداء. والظاهر أن نكاح من فيه عيب فيه الاستبراء إن غر ذو العيب وإلا فلا استبراء. واعتدت بظهر الطلاق يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي طاهر فإنها تعتد بذلك الطهر الذي طلقها فيه ولو مسها فيه كما نص عليه الشيخ ميارة بمعنى أنها تحسُبه من الأطهار الثلاثة، قوله: واعتدت بطهر الطلاق ولا خلاف في ذلك. قاله الشارح. وفيه نظر كما يأتي عن ابن شهاب وإن لحظه أي أنها تحسب طهرا لطلاق من الأطهار الثلاثة التي تعتد بها سواء طال أو قصر بأن أتاها الحيض عقب الطلاق بلحظة مثلا، فإن حاضت ثانية فقد تم لها قرآن، فإن حاضت ثالثة فقد تمت لها أقرات كاملة. فتحل بأول الحيضة الثالثة يعني أنه إذا طلقها طاهرا فإنها تحتسب بذلك الطهر، فإذا حاضت فقد تم لها قرء فإذا حاضت ثانية فقد تم لها قرآن فإذا حاضت ثالثة حلت بمجرد رؤية الدم من أول تلك الحيضة الثالثة. أو الرابعة يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وهي حائض فإنها لا تحل إلا بأول الحيضة الرابعة، ومثل الحيض النفاس فإذا طلقها وهي نفساء فإنها تحسب الطهر الذي يلي نفاسها ويتم بحيضها بعد النفاس، فإذا حاضت ثالثة بالنسبة لدم النفاس فقد تم لها قرآن، فإذا حاضت رابعة فقد تم لها ثلاثة قروء، فتحل بأول تلك الحيضة الرابعة بالنسبة للنفاس، ولهذا قال: إن طلقت بكحيض، والكاف مدخلة للنفاس وقوله: واعتدت بطهر الطلاق؛ أي وإن مسها فيه كما قدمته عن الشيخ ميارة، ذكره في شرح القواعد، قوله: واعتدت بطهر الطلاق، خلافا لابن شهاب ﵀ وهو ممن يقول إن القرء هو الطهر، لكن قال: إنها لا تعتد بطهر الطلاق، وأبو حنيفة ممن يقول: إن القرء هو الحيض لكن قال إنها لا تعتد بالحيض الذي طلقت فيه، وقوله: فتحل بأول الحيضة الثالثة؛ أي تحل عند ابن القاسم بمجرد رؤية الدم؛ لأن الغالب عدم انقطاعه بعد ظهوره، وقال أشهب: ينبغي أن لا تعجل التزويج برؤية أول الدم بل تصبر حتى تستمر الحيضة. وهل ينبغي أن لا تعجل برؤيته تأويلان مقتضى ما للشبراخيتي أن قوله: ينبغي، مبتدأ وخبره محذوف أي وفاق أو خلاف، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في قول أشهب: ينبغي أن لا تعجل التزويج برؤية أول الدم، هل هو وفاق لقول ابن القاسم إنها تحل بأول الحيضة الثالثة أو الرابعة وعليه الأكثر؟ وذهب إليه ابن الحاجب بناء على حمل ينبغي على الاستحباب، أو خلاف بناء على حمل ينبغي على الوجوب، وإليه ذهب سحنون لقوله:
стр. 4765
هو خير من رواية ابن القاسم، وإلى هذا التأويل ذهب غير واحد، وأوضح من عبارة المص لو قال: وفيها: وينبغي أن لا تعجل برؤيته، وهل هو وفاق؟ تأويلان. والله سبحانه أعلم. ويبين التأويل بالوجوب بتعليل أشهب حيث قال في المدونة: وينبغي أن لا تعجل بالتزويج لاحتمال أن ينقطع قبل استمراره حيضة فلا تعتد بها، واقتصر الشيخ المحقق الأمير على تأويل الوفاق فيفيد اعتماده. والله أعلم.
تنبيه: فإن عجلت برؤية أول الدم وتزوجت ولم ينقطع فتزوج في غير العدة اتفاقا، فإن انقطع فنبل يوم أو بعضه فتزوج في العدة لأنها لا تحتسب به حيضة عند الجمهور، وفي غير عدة عند ابن رشد وأبي عمران وغيرهما كما في التتائي والحطاب. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال في التوضيح: اختلف القائلون بحمل قوله على الخلاف لو انقطع الدم ما الحكم عند ابن القاسم؟ فقال أبو عمران وابن رشد: لا يضرها ذلك وقد حلت للأزواج برؤيته أولا، ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض واحد في باب العبادات والعدد، ومنهم من قال: بل يضرها وإنما لم يطلب منها ابن القاسم ما طلبه أشهب لأن الأصل عدم انقطاع الدم وهو أيضا الغالب فلا يلزمها وجوبا ولا استحبابا رعيا لمخالفة الأصل في الغالب، وإلى هذا ذهب جمهورهم أنه إن لم يتماد بها لا تحتسب به حيضة. انتهى. ومشى المص على هذا في قوله: ورجع في قدر الحيض لخ، كما يأتي. والله سبحانه أعلم. تنبيه آخر: قال في التوضيح: إذا ماتت الزوجة بعد رؤية الدم وقبل التمادي فإنه يحمل أمرها فيه على التمادي ولا يرثها مطلقها، وإن مات الزوج حينئذ لم ترثه إن تمادى، وإن قالت قبل موته باليومين والشيء القريب: انقطع الدم عني وكان (١) مباشر قولها ذلك ورثته. نقله ابن عبد السلام. قاله الحطاب. وقال في التوضيح: قال عياض: اختلفوا إذا راجعها زوجها عند انقطاع هذا الدم وعدم تماديه ثم رجع الدم بالقرب، هل هي رجعة فاسدة إذ قد ظهر أنها حيضة صحيحة وقعت الرجعة فيها فتبطل؟ وهو الصحيح، وقد قيل لا تبطل رجع عن قرب أو بعد، خليل: وهذا الكلام يدل على أنها لو لم يعاودها الدم أن الرجعة صحيحة، وأن للزوج الرجعة وإن قالت قبل ذلك قد رأيت الدم ثم ادعت انقطاعه. انتهى. قاله الحطاب. ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه يعني أنه قد مر قول ابن القاسم: إن المرأة تحل بأول
стр. 4766
الحيضة الثالثة أو الرابعة، وتأوله الجمهور على أنه قال ذلك لأن أصل الحيض الاستمرار، وحينئذ إذا انقطع رجع فيه للنساء العارفات؛ أي رجع إلى قولهن فيما يدل على براءة الرحم من الحيض، هل هو يوم ومثله اليومان؟ كما في المدونة أو بعض يوم لاختلاف الحيض في النساء بالنظر إلى البلدان، فقد تعد النساء العارفات اليوم حيضا باعتبار بلدهن، ولم يعين البعض ولعل المراد بعض له بال، وعلى هذا التأويل مشى المص، فالحيض على هذا في باب العدد والاستبراء ليس كالحيض في باب العبادة، وتأول ابن رشد وأبو عمران وغيرهما قول ابن القاسم المذكور على ظاهره أنها تحل بأول الدم وإن انقطع، ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض هنا كالعبادة. ولم يجر عليه المص لقول المازري: مشهور قول مالك نفي التحديد وإسناد الحكم لا يقول النساء إنه حيض. انتهى. نقله ابن عرفة. قاله محمد بن الحسن بناني. والله سبحانه أعلم. وفي أن المقطوع ذكره أو أنثياه يولد له فتعتد زوجته أو لا يعني أنه كما يرجع لقول النساء العارفات في قدر الحيض هل هو يوم أو بعضه؟ يرجع إلى قولهن أيضا فيمن قطع ذكره أو أنثياه هل يولد له؟ فبسبب ذلك تعتد زوجته أو لا يولد له فلا تعتد زوجته؛ أي فإن قلن: يولد له، لزمت زوجتَه العدةُ في الطلاق، وإن قلن: لا يولد له، لم يكن على زوجته عدة في الطلاق.
تنبيه: قال عبد الباقي: هذان الفرعان ضعيفان، والراجح في الأول يعني المقطوع الذكر سؤال أهل المعرفة، وفي الثاني أي المقطوع الأنثيين أنها تعتد من غير سؤال أحد. انتهى. قال بناني: أما الاعتراض الأول فتبع فيه المواق إذ نقل نص عياض في أن الرجوع في المقطوع ذكره لأهل المعرفة ولم يقل: للنساء، وأجاب مصطفى بأن المعرفة ترجع للنساء لأن هذا شأنهن: فالمراد بأهل المعرفة النساء، ولا مخالفة بين المص وعياض، ويدل لذلك أن عياضا جعل قول ابن حبيب بالرجوع في ذلك لأهل الطب خلاف مذهب الكتاب، فلا يبقى إلا معرفة الولادة وهذا باب النساء، وكلامه في التوضيح يدل على أنه اعتمد كلام عياض، وأما الاعتراض الثاني فتبع فيه الحطاب حيث اعتمد فيد كلام صاحب النكت: إذا كان مجبوب الذكر والخصيتين فلا يلزمه ولد ولا تعتد امرأته. وإن كان مجبوب الخصيتين قائم الذكر فعلى المرأة العدة لأنه يطأ بذكره. وإن كان مجبوب الذكر قائم الخصى فهذا إن كان يولد لمثله فعليها العدة وإلا فلا، وهذا معنى ما في المدونة، ونحوه حفظت عن بعض شيوخنا القرويين. انتهى. قال الحطاب: والحق في ذلك الذي يجمع كلام المدونة هو
стр. 4767
كلام صاحب النكت وإياه اعتمد الشيخ أبو الحسن. انتهى. وكلامه غير ظاهر لأن المؤلف اعتمد هنا كلام عياض: الخصي إن كان قائم الذكر أو بعضه وهو مقطوع الأنثيين أو باقيهما أو إحداهما فهذا الذي قال فيه في المدونة: يسئل عنه أهل المعرفة لأنه يشكل إذا قطع بعض ذكره دون أنثييه أو أنثياه أو إحداهما دون الذكر، هل ينسل له أم لا؟ انتهى. فنسب المسألة للمدونة كما ترى، وكأن الحطاب لم يقف على كلام عياض. انظر مصطفى. وكذا أبو الحسن اقتصر عليه. على أن الحطاب نقل من كلام المدونة ما يشهد للمص وهو قولها في كتاب طلاق السنة: والخصي لا يلزمه ولد إن أتت به امرأته إلا أن يعلم أنه يولد لمثله. انتهى. والعجب منه بعد نقله هذا قال: وليس فيها شيء يوافق ما ذكره المص وابن الحاجب. انتهى. والله أعلم. انتهى. وفي ما تراه اليائسة كمل هو حيض؟ يعني أنه كما يرجع فيما تقدم لقول النساء العارفات يرجع لقولهن أيضا في الدم الذي تره المرأة المشكوك في يأسها وهي من بلغت خمسين ولم تبلغ سبعين، كمل هو حيض؟ وإذا قلن: إنه حيض اعتدت بالأقراء، أو ليس بحيض وحينئذ فتعتد بالأشهر وتصوم وتصلي ولا تغتسل على أحد قولين، والآخر أن حكمها في الصلاة والصوم وغير ذلك حكم الحائض إلا العدة والله تعالى أعلم. وإذا أشكل الأمر عليهن فإنه يحمل على أنه حيض.
وعلم مما قررت به المص أن المراد باليائسة المشكوك في يأسها، وأما من تحقق يأسها كمن بلغت سبعين فدمها غير حيض قطعا، ومن لم تبلغ خمسين دمها حيض قطعا، ولا يسئل النساء فيهما، والظاهر أن المراد بذات السبعين الموفية لها قياسا على ما قيل في قوله في اليتيمة: وبلغت عشرا، لا الداخلة فيها؛ وأقسام النساء بالنسبة للحيض خمسة، أحدها: الصغيرة التي لا يشبه أن تحيض كبنت سبع ونحوها فما تراه ليس بحيض، ثانيها: من يشبه أن تحيض كبنت عشر ونحوها، ثالثها: البالغة التي لم تبلغ خمسين فما ترياه حيض قطعا ولا يسئل النساء في هذه الأقسام الثلاثة، رابعها: المشكوك في يأسها وهي من بلغت خمسين ولم تبلغ سبعين يرجع فيما تراه لقول النساء العارفات، فإن قلن: إنه حيض أو لا عملت على ذلك، وإن أشكل الأمر عليهن فهكو حيض خامسها: من تحقق يأسها وهي من بلغت سبعين ففوق فما تراه ليس بحيض ولا يسئل عنه النساء للنساء متعلق برجع وهو راجع للفروع الأربعة، والجمع فيه غير مقصود فيكتفى بواحدة لأنه من باب الخبر لا الشهادة بشرط سلامتها من جرحة الكذب. قاله غير واحد بخلاف
стр. 4768
الصغيرة يعني أن الصغيرة تخالف اليائسة، فما تراه من الدم لا يرجع فيه لقول النساء بل هو حيض قطعا بشرط أشار إليه بقوله: إن أمكن حيضها وأما إن لم يمكن حيضها فما تراه دم علة وفساد كبنت ست أو سبع وانتقلت للأقراء يعني أن الصغيرة التي يمكن حيضها إذا كانت تعتد بالأشهر لكونها لم يأتها الحيض فإنها تنتقل إلى عدة الأقراء إذا أتاها الحيض ولو في آخر يوم من الأشهر ولم يرجع فيها لسؤال النساء لغلبة الظن أن ما تراه حيض لكون حيضها ممكنا، وقد روي عن الشافعي أنه رأى جدة بنت إحدى وعشرين سنة، وأنها حاضت لاستكمال تسع، ووضعت لاستكمال عشر، فإن قلت ما الفرق بين الصغيرة واليائسة؟ وقد جمع الله في القرآن بينهما في الأشهر بل قدم اليائسة، فالجواب أن مع اليأس شك في كونها يائسة أو لا على حد سواء، فناسب أنا نرجع فيه لسؤال النساء ليترجح أحد المتساويين فنعمل به، ومع الصغر عندنا غلبة ظن من حيضها فنعمل على غلبة الظن ونحكم به فلا نرجع للنساء؛ لأن الفرض أن حيضها ممكن وسماها صغيرة مع إمكان الحيض تجوزا باعتبار ما كان لأن الحيض علامة البلوغ. قاله عبد الباقي. ولما لم تفترق العبادة والعدة إلا في قدر الحيض نبه على استوائهما في الطهر بقوله: والطهر كالعبادة يعني أن الطهر في باب العدة خمسة عشر يوما فهو كالطهر في باب العبادة، وإنما يختلفان في قدر الحيض فلا حد لأقله في العبادة وأقله في العدة يوم أو بعضه احتياطا في البابين. ولا يخالف كالأم المص هنا ما مر من قوله: واعتدت بطهر الطلاق وإن لحظة؛ لأن معناه: طلقت وقد بقي من طهر تم لحظة مثلا. وإن أتت بعدها بولد لدون أقصى أمد الحمل لحق يعني أن المرأة إذا طلقها زوجها وتوفي عنها واعتدت وانقضت عدتها ثم إنها أتت بولد بعدها أي العدة لدون أقصى أمد الحمل من يوم انقطاع وطئه لها فإن ذلك الولد يلحق بالزوج المطلق أو الميت وهذا إذا لم تتزوج أو تزوجت غيره قبل حيضة مطلقا أو بعدها وأتت به لدون ستة أشهر من عقد الثاني: وحينئذ يفسخ نكاح الثاني لأنه ناكح في عدة وترجع إلى الأول، وأما لو أتت به لستة أشهر فأكثر من عقد الثاني فهو لاحق بالثاني قطعا، وقوله: وإن أتت بعدها بولد لخ، علم منه أنه لا يضر إقرارها بأن عدتها قد انقضت لأن الحامل تحيض لأن دلالة الحيض على براءة الرحم أكثريه، ومفاد كالأم المص أنها إن وضعته قبل تمام خمس أو أربع يلحق به ولو بقدر ما وضعته فيه. إلا أن ينفيه بلعان يعني أن محل لحوق الولد الذي أتت به بعد العدة لدون أقصى أمد
стр. 4769
الحمل بالزوج صاحب العدة إنما هو حيث لم ينفه الزوج الحي بلعان، وأما إن نفاه بلعان فلا يلحق به.
تنبيهات: الأول: قوله وإن أتت بعدها بولد لدون لخ، مثل دون أقصى أمد الحمل وضعها عقب تمعام الأقصى الثاني: قال ابن يونس قال مالك: وإن نكحت امرأة معتدة ودخل بها قبل حيضة ثم ظهر بها حمل فهو للأول وتحرم على الثاني، ولو نكحت بعد حيضة فهو للثاني إن وضعته لستة فأكثر من يوم دخل بها، وإن وضعته لأقل فهو للأول، هذا حكم النكاح، وإنما القافة في الأمة يطؤها السيدان في طهر واحد فتأتي بولد، قال: وكذلك من نكح في عدة وفاة بعد حيضة أو قبلُ في لحوق الولد. انتهى. فظاهره أن التفصيل خاص بالتي نكحت بعد حيضة وقال ابن شأس: إذا نكحت ثم أتت بولد لزمن يحتمل كونه من الزوجين ألحق بالثاني إن كانت وضعته يعد حيضة من العدة إلا أن ينفيه بلعان فيلحق ولا يلزمها لعان لأنه نفاه إلى فراش فإن نفاه الأول ولاعن أيضا لاعنت وانتفى منهما جميعا، وإن كانت وضعته قبل حيضة فهو للأول إلا أن ينفيه باللعان فيلحق بالثاني، وتلاعن هي فإن نفاه الثاني أيضا ولاعن لاعنت وانتفى منهما جميعا. انتهى. وقول ابن يونس: من يوم دخل بها الثاني هو المشهور خلاف ما في الزرقاني ونحوه في التوضيح: من أن الستة تعتبر من يوم العقد، ونص ابن عرفة: وفي كونه له بوضعه لستة أشهر من يرم نكحها بعد حيضة أو من يوم دخل بها قولان، الأول للخمي مع الجلاب، والثاني للصقلي عن أصبغ، والشيخ عن العتبية والموازية، وابن رشد مع الباجي وسماع أصبغ ابن القاسم، ونص المدونة وابن محرز قائلا: عقد الثاني دون وطئه لغو لفساده وصحة فراش الأول. انتهى. نقله بناني. الثالث قد مر عن ابن يونس: وإنما القافة في الأمة يطؤها السيدان في طهر واحد لخ، ولابد من بيان ذلك وتحقيقه، فأقول: قال في فتح الجليل الصمد، في شرح التكميل والمعتمد: قال ابن هارون في اختصار النهاية: اختلف العلماء في القضاء بالقافة على ثلاثة مذاهب، أثبته الشافعي في الحرائر والإماء، ورواه ابن وهب عن مالك، ونفاه أبو حنيفة فيهما لأنه حكم بالحدس وقد يخطئ ويصيب، والمشهور عن مالك أنه يقضى بها في الإماء دون الحرائر وبه القضاء. انتهى. أبو عمران: إنما اختصت القافة بالإماء دون الزوجات لأن القافة إنما يحكم بها مع تساوي الفراش وهذا إنما يوجد في الإماء، ولا كذلك الزوجة فإنها لا تكون لاثنين في حال واحد ولا يصح فيها
стр. 4770
فراشان متساويان، وأيضا ولد الحرة لا ينتفي إلا بلعان. انتهى. ومرادهم بالحرائر الزوجة تتزوج في عدتها حرة كانت أو أمة، ومرادهم بالإماء الأمة الموطوءة لسيديها الشريكين أو المتبايعين، لا كل أمة فإن ولد الثانية تدعى له القافة وولد الأولى يلحق بزوجها الأول إن تزوجت قبل حيضة أو بعدها ووضعته لأقل من ستة أشهر من دخول الثاني وإلا فيلحق بالثاني، ولا تدعى له القافة هكذا ذكر المسألة في طلاق السنة من المدونة، وما عدا ما ذكر لا فرق فيه بين الحرائر والإماء، فتدخل القافة إذا كان لكل منهما زوج واختلط ولداهما حرتين كانتا أو أمتين أو مختلفتين، وكذا بين الأمتين من غير نكاح كل واحدة بسيدها وبين الحرة المتزوجة والأمة ذات السيد إذ ليس في هذا كله مزية لأحد الفراشين على الآخر، ذكر معنى هذا الشيخ مصطفى وغيره انتهى. وفي نوازل ابن هلال: أن من زنى بامرأة ثم تزوجها وأتت بولد فهو لاحق فيما حملت به بعد حيضة إن أتت به لستة أشهر من يوم نكاحها وما كان قبل حيضة فهو من الزنى فلا يلحق به. وقاله كله أصبغ انتهى نقله عن النوادر. وتربصت إن ارتابت به أي بالحمل قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر أن الباء بمعنى في ومعنى كلامه أن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا حصلت لها ريبة بأن شكت في كونها حاملا فإنها تتربص أي تترك التزوج في حال ريبتها أقصى أمد الحمل، وأشار إلى بيان المدة التي تترك التزوج فيها وهي أقصى أمد الحمل بقوله: وهل تتربص لريبة الحمل خمسا من السنين؟ وهو مذهب المدونة في كتاب العدة؛ ابن شأس: وهو المشهور. قاله الشارح وقال الشبراخيتي: وشهره ابن شأس وغيره، وقوله: خمسا منصوب على الظرفية. قاله الشبراخيتي. أو تتربص أربعا، وهو قوله في العتق الأول من المدونة؛ عبد الوهاب: وهي الرواية المشهورة؛ ابن الجلاب: وهو الصحيح؛ وعن أشهب: أن أقصاه سبع سنين، وعنه: لا تحل أبدا حتى تتبين براءتها من الحمل، وعن ابن عبد الحكم: أن أقصاه تسعة أشهر ولا وجه له. قاله الشارح. وقوله: خلاف، مبتدأ حذف خبره أي وذلك خلاف، قال عبد الباقي: فإن مضت المدة المذكورة يعني خمسا أو أربعا ولم تزل الريبة مكثت حتى ترتفع الريبة من أصلها. كما لو مات الولد في بطنها. انتهى. قوله: ولم تزل الريبة، صوابه وزادت الريبة؛ إذ لو لم تزد لحلت وإن لم تذهب، ولهذا قال الحطاب: فإذا مضت الخمسة أو الأربعة على أحد القولين حلت ولو بقيت الريبة. انتهى. وفي المدونة: ولا تنكح مسترابة البطن إلا بعد زوال الريبة أو بعد خمس
стр. 4771
سنين. انتهى. قال أبو الحسن: وإن قالت: أنا باقية على ريبتي لأن خمس سنين أمد ما ينتهي إليه الحمل. انتهى. قال ابن عبد السلام: وسواء كان ذلك في عدة الطلاق أو الوفاة. انتهى. والحاصل أنها تحل بعد المدة المذكورة ولو بقيت الريبة والحال أنها لم تزد، ومحل حليتها مع بقاء الريبة بعد المدة المذكورة إنما هو حيث شك هل هي حركة حمل أو ريح، أما إن تحقق أنها حركة حمل لم تحل أبدا، وكذا لو مات الحمل في بطنها. قاله غير واحد. وفي الحطاب: فإن مات في بطنها فلا تحل إلا بخروجه كما سيأتي، نقل ذلك المشدالي وابن سلمون. انتهى. وفيها: إن تزوجت قبل الخمس بأربعة أشهر فولدت لخمسة لم يلحق بواحد منهما وحدت يعني أنه وقع في المدونة أن المرأة لو تزوجت بعد انقضاء عدتها وقبل أن تتم خمس سنين من وطء صاحب العدة بل بقي من الخمس المذكورة أربعة أشهر، فأتت بولد بعد مضي خمسة أشهر من نكاح الثاني فإن الولد الذي أتت به لا يلحق بواحد منهما لا بالأول لإتيانها به لأكثر من خمس سنين بشهر ولا بالثاني لكونها وضعته لأقل من ستة أشهر من نكاحه؛ لأنه تبين أنه نكح حاملا فنكاحه مفسوخ وعدم لحوقه بالثاني واضح، وتحد المرأة رجما أو جلدا لأن الولد لم يلحق بواحد منهما. واستشكلت يعني أن بعض الشيوخ استشكل ما في المدونة من الحد وعدم لحوق الولد بالزوج الأول فنقلوا عن الشيخ أبي الحسن القابسي: أنه كان يستعظم أن ينفى الولد من الزوج الأول وأن تحد المرأة حين زادت المدة على الخمس شين شهرا، كأن الخمس سنين فرض من الله ورسوله، وهي لم يتفق عليها فقد اختلف مالك وغيره في مدة الحمل، فقال مرة: يلحق إلى سبع سنين، وقال: إلى دون ذلك فكيف ينفى الولد وترجم المرأة فيمن كان القول فيها على مثل هذا؟ وهكذا هو العزو في التوضيح وغيره، ثم اعلم أن المسألة فرضها في المدونة في المرتابة وهي محل الإشكال، وأما غيرها فتحد قطعا. قاله بعضهم. قاله بناني. وقال الشيخ عبد الباقي: والإشكال مفرع على القول بأن أقصى أمد الحمل خمس سنين، وأما على أن أقصاه أربع فلا إشكال. انتهع. ولما أنهى الكلام على عدة الحائل أتبعه بالكلام على عدة الحامل، فقال: وعدة الحاهل في وفاة أو طارق وضع حملها كله يعني أن عدة الحامل حرة أو أمة مسلمة أو كتابية كانت معتدة من وفاة أو طلاق هي وضع حملها اللاحق أو الذي يصح استلحاقه كالمنفي باللعان، ولا تنقضي عدتها حتى تضع حملها كله بعد الطلاق في المطلقة وبعد الموت في المتوفى عنها ولو بلحظة، ورد
стр. 4772
بقوله: كله، قول ابن وهب: إنها تتم عدتها بوضع ثلثي حملها بناء على تبعية الأقل للأكثر، وإنما خولفت هنا للاحتياط، وقوله: وضع حملها سواء اتحد أو تعدد فلا تنقضي عدتها حتى يخرج الأخير كله فإن طلقت أو مات عنها بعد خروج بعضه حلت بخروج باقيه لدلالته على براءة الرحم، فإن شك هل وقع الطلاق أو الموت قبل خروج بقيته أو بعده فالظاهر الاستئناف للاحتياط، وله رجعتها قبل خروج باقيه أو قبل خروج الأخير فيما إذا كان في بطنها اثنان فأكثر، ففي النوادر: ولو طلقها بعد وضع الأول فله الرجعة إلى آخر ما تضع، وقد مر أن قوله: وضع حملها. محله في الحمل اللاحق أو الحمل الذي يصح استلحاقه، فإن لم يكن لاحقا بالزوج ولا يصح استلحاقه له فإن استند لوطء صحيح من غيره بنكاح أو ملك كالمنعي لها زوجها أو وطء شبهة فكذلك في الطلاق ويهذم أثر الشبهة أيضا، فإذا اعتدت وتزوجت ثم تبين أنه حي ردت له ولو ولدت الأولاد من الثاني، ولا يقربها إلا بعد العدة من ذلك الماء بثلاث حيض أو ثلاثة أشهر أو وضع حمل، وأما في الوفاة فعليها أقصى الأجلين: وضعه وانقضاء عدة الوفاة، فتحل بالمتأخر منهما، وكذا إن استند لزنى في الوفاة كما لو كان الزوج صبيا أو ادعته مغربية على مشرقي: وأما في الطلاق فثلاثة أقرات، قال عبد الباقي: تعد نفاسها منها حيضة أولى إن لم تكن حاضت زمن الحمل وإلا فهل تعده من الثلاث أيضا أو إنما تعُد النفاس فقط: احتمالان أظهرهما الثاني، فلا تحسب ما حاضت قبل النفاس بحال. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: تعد نفاسها منها حيضة أولى، سيأتي إن شاء الله عند قول المص في التداخل: وبفاسد أثره وأثر الطلاق لخ، أن هذا قول ابن محرز، وجعله عياض محل نظر وأن الذي حكى ابن رشد الاتفاق عليه أنه لابد من ثلاث حيض بعد الوضع. انتهى. وإن داما اجتمع يعني أن الحامل تنقضي عدتها بوضع حملها كله وإن كان الحمل دما مجتمعا بحيث إذا صب عليه الماء الحار لم يذب فإذا خرج منها بعد الطلاق أو الوفاة حلت للأزواج لانقضاء عدتها، وكذا يقال في الغرة، وكذا يقال في أم الولد. قال أبو الحسن: وإن أشكل أمر الخارج منها أي من أم الولد هل ولد أو دم؟ اختبر بالماء الحار، فإن كان دما انحل وإن كان ولدا لا يزيده ذلك إلا شدة، وقوله: وإن دما اجتمع، هو قول ابن القاسم في كتاب الاستبراء من المدونة، وقال أشهب: لا تحل بوضع الدم المجتمع، وهذا النقل عنهما هو
стр. 4773
المعروف وعكس القاضي عياض النقل عنهما في بعض تآليفه (١))، فلعل لكل واحد منهما قولين. قاله الشارح. وقال: وإذا كان الدم المجتمع دليلا على براءة الرحم فأحرى المضغة والعلقة، وقاله في المدونة. انتهى. وقوله: وضع حملها كله، ظاهره ولو أبدا ولو لأزيد من أقصى أمد الحمل حيث تحقق أو غلب على الظن وجوده ببطنها ولو ميتا، وكذا إن لم يتحقق وجوده عند جمع، وصححه ابن العربي، وللشادلي في غير كفاية الطالب عن ابن ناجي: المشهور الاكتفاء يمضي الحمل في هذا الفرض. وقال أحمد: قوله: وضع حملها كله؛ أي ولو مات. قاله ابن سلمون عن ابن دحون. وتسقط النفقة لأنها للحمل وقد مات؛ ووقع لبعضهم أن العدة تنقضي بموته. انتهى. وانظر لو بقي في بطنها عضو من أعضائه كما لو مات بعد أن خرج بعضه وقطع، هل عدتها باقية حتى يخرج ما بقي؟ أم لا، قال بعض شيوخنا: لا عبرة بذلك وقد خرجت من العدة. انتهى. لأن ذلك يدل على براءة رحمها. انتهى كلام أحمد. وما استظهره بعض شيوخه يستفاد من الرجراجي، لكن في مسألة أخرى ذكر فيها قولين. انتهى. قاله عبد الباقي. وقوله: وإن دما اجتمع، خلافا لأبي حنيفة والشافعي فإنهما قالا: لابد فيما تنقضي به العدة وتكون به الأمة أم ولد أن يكون تام الحلقة. وإلا مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا تكن المتوفى عنها حاملا فلا تخلو من أمرين: إما أن يكون نكاحها مجمعا على فساده أو لا، فإن كانت مجمعا على فساد نكاحها فحكمها حكم المطلقة فتعتد بثلاثة قروء إن كانت حرة وبقرءين إن كانت أمة، هذا إن كانت من ذوات الأقراء وبثلاثة أشهر إن كانت آيسة أو صغيرة ولا إحداد عليها أي الزوجة حيث كان نكاحها مجمعا على فساده ولا مبيت، ومحل كونها تستبرأ بما ذكر إن كانت مدخولا بها وإلا فلا استبراء عليها.
وعلم مما قررت أن قوله: "وإلا" راجع للحامل في وفاة ولا يرجع للحامل في الطلاق إلى ما ذكر من أن عدة المتوفى عنها في النكاح المجمع على فساده وهي غير حامل كعدة المطلقة أشار بقوله: فكالمطلقة إن فسد أي عدتها كعدة المطلقة بشرط أن يكون نكاحها فاسدا، يريد المفاسد المجمع على فساده، وهذا هو المشهور، وقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشر، وأما إن كان مختلفا فيد فإن دخل بها فهل تعتد بالأشهر أو بالأقراء؟ خلاف، وإن لم يدخل اعتدت عند من ورثها لا عند
стр. 4774
غيره. قاله الشارح. وقال الشبراخيتي: إن فسد نكاحها أتي فسادا مجمعا عليه أو مختلفا فيه حيث لا إرث كنكاح المريض فإن لم يدخل بها فلا عدة عليها، وأما المختلف فيه الذي فيه الإرث فحكمه حكم الصحيح فيدخل تحت قوله: وإلا فأربعة أشهر وعنتر: لأن المذهب أن حكمه حكم الصحيح، فتعتد بأربعة أشهر وعشر دخل أم لا وفيه الإرث، وما في الشارح إنما هو لبيان حكاية الخلاف. انتهى. وجعل عبد الباقي المختلف في فساده كالصحيح، قال: ولو نكاح مريض كما في التوضيح والشارح. وأدخل ذلك تحت: وإلا فأربعة أشهر وعشر. والله سبحانه أعلم. وقال بناني: جَعْلُه يعني: عبد الباقي المختلف فيه كالصحيح كهو الذي استظهره والتوضيح وهو الجاري على قوله فيما سبق: وفيه الإرث. انتهى. كالذميمة تحت ذمي تشبيه في كونها كالمطلقة يعني أن الذمية الحرة التي ليست بحامل تحت ذمي مات أو طلق وأراد مسلم أن يتزوجها أو تحاكموا إلينا تمكث ثلاثة أقراء إن كانت مدخولا بها، فتحل للمسلم بثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها حلت مكانها من غير شيء، إجراء لنكاح الكفار مجرى المتفق على فساده، واحترز بقوله: تحت ذمي، عما لو كانت تحت مسلم فإنها تجبر على أربعة أشهر وعشر من وفاته دخل بها أم لا، وعلى ثلاثة أقراء من طلاقه إن دخل المسلم بها. أراد مسلم تزوجها أم لا، إما لعموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾، وإما لأنه حكم بين مسلم وكافر، وما هذا شأنه يغلب فيه المسلم. قاله غير واحد. وهذا أي كونها في الوفاة تجبر على أربعة أشهر وعشر حيث كانت تحت مسلم هو المشهور، ابن شاس: وروي أنها تستبرأ بثلاث حيض يريد إذا كانت مدخولا بها وهكذا أشار إليه ابن الجلاب وغيره قاله الشارح. وإلا يكن نكاح المتوفى عنها مجمعا على فساده بأن كان صحيحا أو مختلفا في فساده ولو نكاح مريض كما مر والفرض بحاله أنها غير حامل دخل بها أم لا، كان الزوج المتوفى حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة مسلمة أو كتابيه، فعدتها أربعة أشهر وعشر أي عشر ليال بأيامها فلا يعقد عليها شخص إلا بعد غروب اليوم العاشر بعد الأشهر الأربعة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أي عشر ليال بأيامها وترك التاء من عشر لأن المراعى في التاريخ الليالي قال في الكافية:
стр. 4775
وراع في تاريخك الليالي … لسبقها بليلة الهلال
أي تغلب الليالي، وإن كان المعدود مجموع الأيام والليالي، واعلم أنه إذا حذف المعدود يجوز تذكير العدد وتأنيثه، نحو رجال عشر وعشرة ونساء عشر وعشرة وقد مر أنه لابد من تمام اليوم العاشر، وجعلت العدة أربعة أشهر لأنها بها يتحرك الحمل، وزيدت العشر لأن الأشهر قد تنقص أو تبطئ حركة الجنين، وقال الحطاب بعد جلب نقول: فتلخص أن المشهور في المختلف فيه أن حكمها حكم المتوفى عنها. انتهى. أي في الصحيح. والله سبحانه أعلم. ابن فرحون: وأما المختلف فيه فهي على الميراث، فمن ورثها قال: تعتد بأربعة أشهر وعشر وعليها الإحداد، ومن نفى الميراث: فلا عدة عليها إن لم يدخل وعليها إن دخل ثلاثة أقراء ولا إحداد عليها. انتهى. وروي ابن المواز عن ابن القاسم فيمن تزوج في المرض ثم مات أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، وقال أيضا: تعتد بثلاثة أقراء، والأول أظهر. انتهى. وما مر من أنه لابد من تمام اليوم العاشر هو مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي والكوفيين. قال ابن المنذر: ولو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليال كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى أربعة أشهر وعشر ليال حلت لأنه تأول العدة على الليالي وهو مذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبي بكر الأصم من المتكلمين، وروي عن ابن عباس أنه قرأ أربعة أشهر وعشر ليال، وتأول المبرد قوله تعالى: ﴿وَعَشْرًا﴾ على المدد فكل ليلة مع يومها مدة وهذا يأتي على مذهب الأولين. وإن رجعية مبالغة في أنها تعتد عدة وفاة؛ يعني أن المتوفى عنها عدتها أربعة أشهر وعشر، وإن كانت قد طلقت طلاقا رجعيا ومات المطلق قبل انقضاء عدتها فتنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة حرة أو أمة، إلا أن عدة الأمة شهران وخمس ليال، كما يأتي؛ وتنهذم الأولى، واحترز بالرجعية عن البائن فإنها لا تنتقل لعدة الوفاة بل تستمر على عدة الطلاق حرة أو أمة، وقوله: وإن رجعية، هو المشهور، وقال سحنون: عليها أقصى الأجلين. قاله الشارح. إن تمت قبل زمن حيضتها يعني أن كون الحرة تكتفي بأربعة أشهر وعشر في الوفاة إنما هو إن تمت تلك المدة قبل زمن حيضتها بأن كانت تحيض في كل خمسة أشهر وتوفي عنها عقب طهرها، أو كانت مأمونة الحمل لصغر أو كبر أو لم تحض، وكذا من تأخرت حيضتها لرضاع أو مرض، ففي
стр. 4776
التوضيح: اتفق على أن المرضع والمريضة تحل بمضي أربعة أشهر وعشر. قاله ابن بشير. انتهى. وور ذكر ابن رشد في البيان والمقدمات أن الراجح في المرض كونه ريبة تمكث معه تسعة أشهر. انظر الحطاب. قاله البناني. وقال الشبراخيتي مفسرا للمص: إن حاضت فيها أو تمت أي الأربعة الأشهر والعشر قبل زمن حيضتها أي حقيقة، كما لو كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر وتوفي عقب طهرها، أو حكما كمن عادتها أن تحيض فيها لكنها لم تحض وهي مأمونة الحمل لعقمها أو عقم الزوج أو صغره، أو غير مأمونة الحمل وتأخرت للرضاع لأن تآخره للرضاع ليس للريبة، وهل تأخرها لمرض كتأخرها لرضاع، وحكى ابن بشير عليه الاتفاق، أو لا وهو الموافق لما ذكره ابن عرفة أن قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تمكث تمام تسعة. انتهى. إلا أن ترى الدم قبلها وعليه فيدخل في قوله وإلا انتظرتها، وقال النساء: لا ريبة بها يعني أنه لابد مع الشرط المذكور من أن يقول النساء عند رؤيتهن لها: لا ريبة حمل بها، وإيضاح هذا أن تقول. إن الحرة إنما تكتفي بأربعة أشهر وعشر بشرطين، أحدهما: أن تتم المدة المذكورة قبل زمن حيضتها، ثانيهما: أن يقول النساء: لا ريبة بها، وقوله: وقال النساء: لا ريبة بها، قال الشبراخيتي: ومثل قول النساء: لا ريبة بها، ما إذا لم يقلن شيئا، كما يفيده كلام الحطاب وغيره فكان الأولى أن يقول المص: ولم يقل النساء بها ريبة. انتهى. وقال عبد الباقي: وقال النساء عند رؤيتها ألا ريبة حمل بها قيل أو لم يقلن شيئا. انتهى. وإلا تتم العدة قبل زمن حيضتها بأن كانت تحيض أثناءها ولم تحض، أو استحيضت ولم تميز، أو تأخرت لمرض، على ما مر عن ابن رشد أنه الراجح، أو تمت قبل زمن حيضتها، لكن قال النساء: بها ريبة حمل أو ارتابت هي من نفسها، انتظرتها أي الحيضة، فإن حاضت قبل تمام تسعة أشهر حلت، فإن مضت لها تسعة أشهر ولم تحض حلت إن لم تزد الريبة، فإن زادت ارتفعت إلى أقصى أمد الحمل. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: انتظرتها أي انتظرت الحيضة أي حيضة واحدة أو تسعد أشهر، فإن زالت الريبة حلت، وإلا انتظرت أقصى أمد الحمل، إلا أن تزول الريبة قبله، ثم زمن الانتظار هل هو عدة؟ وهو ظاهر الرسالة أو لا، وهو قول، وينبني عليهما لو عقد عليها فيه، وكذا التزين ونحوه من الإحداد. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: قد مر ما يقوي قول الخرشي. حلت إن لم تزد الريبة لخ.
стр. 4777
تنبيهان: الأول: لو كانت العدة إنما تتم بعد زمن حيضتها ورأت الحيض في الأربعة والعشر حلت بلا خلاف. الثاني: يلغى يوم الوفاة إن سبق بالفجر كما يلغى يوم الطلاق، وقيل: لا يلغى في الطلاق ولا في الوفاة، وتعتد إلى مثل الساعة التي طلقها فيها أو توفي عنها، وقد مر هذا، ونظمه من قال: يلفق بعض اليوم لليوم قبله … وقد صح لا تلفيق فاحفظه ترفع وقوله: إن دخل شرط في قوله: إن تمت قبل زمن حيضتها، وما بعده يعني أن المتوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر على التفصيل المتقدم حيث دخل بها الزوج قبل موته، وأما إن لم يدخل بها فعدتها أربعة أشهر وعشر مطلقا أي تمت الأربعة والعشر قبل زمن حيضتها أم لا، ولا تنتظر الحيضة لأنها إنما كانت تنتظر خشية الحمل وهو مأمون هنا. تنبيه: علم مما مر أن من عادتها تأخر زمن حيضتها عن زمن العدة تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء كانت مستحاضة مميزة، أو مستحاضة غير مميزة، أو غير مستحاضة، بخلاف ما لو كانت عادتها أن تحيض قيها واستحيضت ولم تميز، فإنها تنتظر حيضة أو تمام تسعة أشهر. وتنصفت بالرق يعني أن عدة الأمة في الوفاة على النصف من عدة الحرة، فتعتد بشهرين وخمس ليال، وهذا حيث لم تكن مدخولا بها مطلقا على أي حالة كانت، أو دخل بها وأتاها الحيض فيها أي المدة المذكورة وهي شهران وخمس ليال، وكذا لو دخل بها وهي صغيرة يؤمن حملها، وكذا لو دخل بها وكانت آيسة يؤمن حملها. وقوله: وإن لم تحض فثلاثة؛ يعني أن عدة الأمة في الوفاة ثلاثة أشهر حيث لم تحض، وذلك في خمس مسائل: في المدخول بها وهي صغيرة يمكن حملها، وآيسة يشك في حملها، وَمَن عادتها أن يتأخر حيضها، ومن تأخر حيضها لرضاع، والمسماة ببغلة. إلا أن ترتاب فتسعة يعني أن الأمة المتوفى عنها تعتد بتسعة أشهر فيما إذا كانت مدخولا بها وارتابت، وذلك في ثلاث: من تأخر حيضها لغير سبب، أو لمرض، ومستحاضة غير مميزة؛ فمعنى ترتاب: ترتاب بتأخر الحيض ولا يدخل في قوله: إلا أن ترتاب، المرتابة بحس بطن لأن هذه لابد فيها من زوال الريبة أو مضي أقصى مدة الحمل. حرر هذا الرهوني رحمه الله تعالى. ولمن وضعت غسل زوجها يعني أن المرأة إذا توفي عنها زوجها وهي حامل فوضعت بعد موته فلها
стр. 4778
أن تغسله ولو وضعت بعد موته بلحظة ويقضى له بذلك. ولو تزوجت غيره أي لها تغسيله ويقضي لها به ولو تزوجت، فتكون تحت رجل حي وتغسل زوجها الميت، لكنه مكروه، كما مر في قوله: والأحب نفيه إن تزوج لخ، ولا بنقل العتق لعدة الحرة يعني أن عتق الأمة الحاصل في عدة وفاة أو طلاق لا ينقلها إلى عدة الحرة، بخلاف ما لو مات زوجها بعد عتقها في أثناء عدتها من رجعي فإنها تنتقل لعدة الحرة. واعلم أن جهل العبد والأمة بحريتهما لا تأثير له فيما يلزمهما من الأحكام، فلها عدة حرة وله طلاق حر ويحدان حد الأحرار ويرثان. ولا موت زوج ذميه أسلمت يعني أن الذمية إذا أسلمت بعد بناء زوجها الكافر بها ومكثت تستبرأ منه ثم مات في أثناء الاستبراء ولم يسلم فإنها لا تنتقل عن الاستبراء لعدة الوفاة، وإن كان أحق بها إذا أسلم في عدتها لأنها في حكم البائن، وإنما كان أحق بها ترغيبا له في الإسلام، فإن أسلم في استبرائها ثم مات انتقلت لعدة الوفاة؛ لأنه أحق بها حينئذ. قاله غير واحد. وإن أقر بطلاق متقدم يعني أن الزوج إذا أقر في صحته أنه طلق زوجة طلاقا متقدما عن إقراره فإنه يصدق في وجود الطلاق لا في إسناده للوقت السابق ولو صدقته المرأة؛ لأن العدة حق لله فليس لأحد إسقاطها، فلأجل ذلك استأنفت هذه المرأة المقر بطلاقها العدة من وقت إقراره الزوج بالطلاق، كان الطلاق الذي أقر به رجعيا أو بائنا، وقوله: استأنفت جواب الشرط أي ابتدأت. ولم يرثها إن انقضت علي دعواه يعني أن هذا المقر بالطلاق لا يرث هذه المرأة إن انقضت عدتها على دعواه، ولا يصح له ارتجاعها حيث كانت حية فإن لم تنقض على دعواه ورثها وله ارتجاعها، ورثته فيها يعني أنها ترثه فيما إذا مات في العدة المستأنفة حيث كان الطلاق الذي أقر به رجعيا ولو كانت العدة انقضت على دعواه؛ لأنه إنما يؤاخذ بإقراره في نفسه لا في غيره، وقوله: وورثته فيها؛ يعني إلا أن تصدقه فلا ترثه إن انقضت على دعواه التي صدقته فيها، وقوله: فيها، متعلق بعامل من الموت إلا أن تشهد بينة له مستثنى من قوله: استأتفت، ومن قوله: وورثته، يعني أنه إذا شهدت بينة له على ما أقر به من الطلاق المتقدم فإن الحكم وذلك ليس كما مر فلا تستأنف العدة من إقراره، والمعتبر اليوم الذي أسندت إليه البينة الطلاق فهو الذي تبتدأ منه العدة ولا ترثه إن انقضت، قال فيها: وإن بلغها موت زوجها فعدتها من يوم مات، فإن لم يبلغها ذلك حتى انقضت عدتها فلا إحداد عليها وقد حلت، وكذلك إن طلقها وهو غائب
стр. 4779
فعدتها من يوم طلق إذا قامت على الطلاق بينة، وإن لم تكن على ذلك بينة، إلا أنه لا قدم قال: كنت طلقتها، فالعدة من يوم إقراره. انتهى. وقوله: إلا أن تشهد بينة له وأما لو أنكر الطلاق أو قامت له البينة فالعدة من يوم الحكم، وذكر ابن عرفة في ذلك طريقين، ونصه: من شهدت بينة بطلاقه فعدته من يوم تاريخها إن لم ينكره (١))، وإلا ففي كونه من يوم تاريخها إن اتحد أو من آخره إن تعدد أو من يوم الحكم مطلقا طريقا عياض عن المذهب مع الصقلي عن الشيخ وابن محرز. انتهى. ثم ذكر أن الطريق الثانية هي ظاهر المدونة. انتهى. نقله الشيخ بناني.
تنبيه: قد علمت أن المقر هنا صحيح، وقدم إقرار المريض بالطلاق في الخلع بقوله: والإقرار به فيه كإنشائه والعدة من الإقرار. انتهى. ولها الإرث فيها وبعدها، هذا هو الفرق بين الصحيح والمريض، وما يقال هنا من قوله: إلا أن تشهد بينة له، يقال هناك، وكذا لو قامت عليه بينة وهو منكر كما مر؛ والحاصل أن الصور ست: أقر الصحيح بطلاق متقدم وقامت له بينة فالعدة من اليوم الذي أسندت البينة إليه الطلاق، لم تقم له بينة فالعدة من الإقرار، أنكر الطلاق وقامت عليه بينة ففي العدة طريقان، هل هي من يوم الحكم أو من يوم التأريخ إن اتحد؟ ومن آخره إن تعدد، أقر المريض بطلاق متقدم وقامت له بينة فالعدة من اليوم الذي أسندت إليه البينة الطلاق، لم تقم له بينة فالعدة من الإقرار، أنكر الطلاق وقامت عليه بينة ففي العدة طريقان، هل هي من يوم الحكم أو من يوم التأريخ إن اتحد؟ ومن آخره إن تعدد، فتحصل من هذا أن الحكم في الصحيح والمريض متحد إلا أن المريض ترثه زوجته مطلقا، والصحيح إنما ترثه إن لم تنقض العدة؛ والمصنف هنا تكلم على ما إذا أقر الصحيح من حيث الإرث والعدة، قامت له بينة أم لا، ولم يتكلم على ما إذا أنكر وشهدت عليه بينة، وتكلم في باب الخلع على إقرار المريض بإيقاع الطلاق في صحته من جهة الإرث والعدة، ولم يتكلم على ما إذا أقر به، وشهدت بينة على ما أقر به ولا على ما إذا أنكر وشهدت عليه بينة بوقوعه في صحته من حيث الإرث والعدة، وقد علمت أحكام الجميع. وللشيخ علي الأجهوري ﵀:
طلاق من أقر فيه العدة … من يوم إقرار به قد أثبتوا
стр. 4780
أما الذي فيه تقوم البينة … فاعمل بما نقوله (١) معينه
وقيل إن أنكر ما به حكم … فبدءها من يوم حكم قد رسم
ومن يقل من يوم فيه يشهد … ليس له فيما ادعى مستند
رذيله مر قال:
وهكذا قال مع ان الثاني … دعمه الرهوني والبناني
ولا يرجع بما أنفقت المطلقة يعني أن الإنسان إذا طلق زوجته وبعد طلاقه وقبل علمها به أنفقت من ماله شيئا فإنه لا يرجع عليها به باتفاق لعذرها بعدم علمها بالطلاق، ولا يعتبر في ذلك إلا من يثبت به الطلاق وهو عدلان ذكران فلو أعلمها بذلك عدل وامرأتان فإنه لا يرجع عليها بشيء، قال في أول رسم من سماع ابن القاسم من طلاق السنة: ولا غرم عليها فيما أنفقت من ماله أو أُنفِقَ عليها منه من يوم الطلاق إلى يوم علمها به لأنه فرط إذ لم يعلمها بطلاقه. قاله الحطاب. ابن المواز: ولو قدم عليها رجل واحد يشهد بطلاقها أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد لها من يحكم به السلطان في الطلاق. انتهى. نقله الحطاب وقال في الرسم المذكور وتكون عدتها من يوم طلق إن اتفق الشاهدان على اليوم، فإن اختلفا اعتدت من الآخر، ولو لم يذكر اليوم الذي طلق فيد وفات سؤال المشهود كانت عدتها من يوم شهدا عند القاضي لا من يوم الحكم إن تأخر عن الشهادة. قاله الحطاب. وقوله: ولا يرجع بما أنفقت المطلقة؛ أي ولو أقام بينة تشهد بصدق دعواه كما علمت. ويغرم ما تسلفت يعني أن الزوجة إذا طلقت ثم تسلفت شيئا من عند احد وأنفقته على نفسها قبل علمها بالطلاق فإن الزوج يلزمه أن يغرم ما تسلفته، وكذا ما أنفقته من مالها قبل علمها بالطلاق قاله مالك في سماع أشهب. والمعلم إنما يحصل بعدلين لا بعدل وامرأتين كما مر. وقال ابن نافع: لا يغرم ما أنفقته من عندها ولا ما تسلفته ولا يلزم بالغبن
стр. 4781
اتفاقا. مثل أن تشتري ما قيمته دينار بأكثر من دينار إلى أجل فتبيعه بدينار في نفقتها، فلا يلزمه ما ازدادت في الشراء على الدينار الذي باعته فيه باتفاق، وقوله: لا يرجع بما أنفقت المطلقة ويغرم ما تسلفت قد علمت أن قيد المعلم فيه إنما هو في ما إذا انقضت العدة أو كان الطلاق بائنا، بخلاف المتوفى عنها يعني أن المتوفى عنها تخالف المطلقة فيما ذكر، فيرجع عليها الورثة بما أنفقت على نفسها من مال زوجها الميت وكانت أنفقته قبل علمها بالموت، ويلزمها غرم ما تسلفتة، ولا ترجع بما أنفقت على نفسها من مالها لا نتقال الحق للورثة، فليس لها أن تختص دونهم بشيء من ماله. والوارث يعني أن الوارث إذا أنفق على نفسه من مال موروثه قبل علمه بموته فإن الورثة ترجع عليه بذلك ولا يختص به دونهم؛ لأن لزوم النفقة له إنما كان في حياته، وأما بعد موته فقد انتقل المال للورثة؛ وقوله: والوارث من كطف العام على الخاص، وقوله: بخلاف المتوفى عنها والوارث، إنما كان ذلك لأن الميت لم يحصل منه تفريط بخلاف ما مر. والله سبحانه أعلم. وإن اشتريت معتدة طلاق فارتفعت حيضتها حلت إن مضت سنة للطلاق وثلاثة للشراء يعني أن من اشترى أمة معتدة من طلاق زوجها وهي ممن تحيض ولم تحصل بها ريبة حلت إن مضى قرآن للطلاق وحيضة للشراء، فإذا اشتريت قبل أن تحيض شيئا من عدة الطلاق حلت بقرءين عدة الطلاق، وإن اشتريت بعد قرء حلت بالقرء الباقي، وبعد مضي القرءين حلت بحيضة ثالثة بعد الشراء، وهذه لم تبق لها عدة وإنما ذكرتها تتميما للمسألة؛ هذا كله إن لم ترتفع حيضتها، وأما إن ارتفعت حيضتها فإنها تحل بأقصى الأجلين أي المتأخر منهما، وهما سنة للطلاق عدة المسترابة كما مر وثلاثة أشهر استبراء انتقال الملك من يوم الشراء، فإذا اشتريت بعد تسعة أشهر من طلاقها حلت بمضي سنة من يوم الطلاق؛ أي حلت بمضي ثلاثة أشهر من يوم الشراء وقد تم الأجلان هنا معا، وإن اشتريت بعد عشرة أشهر حلت بمضي سنة من يوم الطلاق وشهر؛ أي حلت بمضي ثلاثة أشهر من يوم الطلاق، وبعد أحد عشر شهرا حلت بمضي سنة من يوم الطلاق وشهرين؛ أي حلت بمضي ثلاثة أشهر من يوم الشراء، وبعد سنة حلت بمضي ثلاثة أشهر من يوم الشراء، وهذه الأخيرة لا يقال فيها: اشتريت معتدة طلاق؛ إذ لم تبق عدة وإنما ذكرتها استيفاء لأقسام المسألة، ويستثنى من كلام المص من ارتفعت حيضتها لرضاع فإنها لا تخرج من العدة إلا بقرءين، وأما من استحيضت وميزت فإنها لم ترتفع
стр. 4782
حيضتها، وتدخل في كلام المص من استحيضت ولم تميز لأنها ارتفعت حيضتها حكما، فتحل بمضي سنة للطلاق وثلاثة للشراء، وأما إن كانت ممن لا تحيض لصغر أو لإياس أو خلقت كذلك فعدة طلاقها ثلاثة أشهر كاستبرائها، ولا يتصور في هذه تأخرها عنه بك تساويهما أو تأخر زمن الاستبراء عن زمن العدة، وقوله: وإن اشتريت معتدة طلاق لخ، نحوه في المدونة. أو معتدة من وفاة فأقصى الأجلين يعني أن الأمة المتوفى عنها زوجها إذا اشتراها شخص فانها تحل بمضي المتأخر من الأجلين، وهما شهران وخمس ليال عدة الوفاة، وحيضة استبراء لنقل الملك، فإن حاضت قبل تمام عدتها انتظرت آخر المدة، فإن ارتابت تربصت تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زادت لم توطأ حتى تذهب الريبة، فإن قيل: لم خص المصنف المتوفى عنها بأقصى الأجلين مع أن المطلقة كذلك؟ فالجواب أنه لو أجاب عن المسألتين بذلك لم يفهم قدر الأجل الثاني الذي هو أجل الشراء وهو الاستبراء بثلاثة أشهر؛ لأنه لم يتقدم له ذكر ويكون إحالة على ما يأتي، فلذا بادر بإفادته في مسألة الطلاق، ومن ثم حسن تعبيره بأقصى الأجلين في مسألة الوفاة لعلمها مما قبلها. فتأمله. انتهى من خط سيدي أحمد بابا نقله محمد بن الحسن بناني. وفي الحطاب عند قوله: فأقصى الأجلين؛ أي إما العدة مع حيضة أو تسعة أشهر. والحاصل أن المشتراة المعتدة من وفاد عليها أقصى الأجلين وهما حيضة استبراء وشهران وخمس ليال، هذا إن لم يبن بها أو بنى بها ركان حيضها يأتيها كل شهر وأتاها، فإن تأخر لكونها اعتادته بعد ثلاثة حلت بها بعد الشراء إن لم تحض أثناءها فإن تأخرت لرضاع أو مرض لم تخرج من عدتها إلا بثلاثة أيضا، لكن منها شهران وخمس ليال عدة والباقي لزوال الريبة. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: وإن اشتريت معتدة وجب استبراؤها وتداخل مع العدة فتنتظر الأقصى. انتهى. ولما أنهى الكلام على أقسام العدة وكان من متعلقات عدة الوفاة الإحداد أشار لد بقوله: وتركت المتوفى عنها يعني أن المعتدة من وفاة يجب عليها أن تترك التزين بالمصبوغ إلى آخر ما يأتي وهذا هو الإحداد، قال في الرسالة: والإحداد أن لا تقرب المعتدة من الوفاة شيئا من الزينة بحلي، قال الشيخ زروق: والحلي الخاتم فما فوقه. انتهى. قالوا: ولو خاتما من حديد، وقال ابن عرفة: الإحداد ترك ما هو زينة ولو مع غيره، فيدخل ترك الخاتم فقط للمتبذلة أي يجب عليها أن تترك ما هو زينة وحدة كثوب الزينة، وكذا ما يتزين به مع غيره كالخاتم، فإن لبس الخاتم وحده ليس بزينة
стр. 4783
معتادة ولكنه زينة مع غير، فيجب على المتبذلة التي لا زينة لها غيره طرحه. انظر الحطاب. والإحداد مأخوذ من الحد وهو المنع، يقال: حددت الرجل من كذا منعته منه، ومنه الحدود الشرعية لأنها تمنع، ويقال للبواب: حداد، ويقال: حدت المرأة وأحدت، وقوله: وتركت المتوفى عنها، أي الزوجة المتوفى عنها احترازا من أم الولد المتوفى عنها فليس عليها إحداد كما في الحطاب، وإن كانت معتدة من وفاة، وقوله: المتوفى عنها سواء كانت حرة أو أمة، فقط يعني أن المعتدة التي يلزمها الإحداد إنما هي المعتدة من وفاة، وأما المعتدة من طلاق فلا يلزمها الإحداد، وقوله: المتوفى عنها، ظاهره ولو اعتدت بالأقراء لكون نكاحها مجمعا على فساده، قال الشبراخيتي: وهو كذلك. انتهى. لكن مر عن المدونة أنه لا إحداد عليها. وإن صغرت يعني أن الإحداد يجب في حق المعتدة من وفاة سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لكن الوجوب يتعلق بالمكلفة وولي الصغيرة، والدوام كالابتداء فيجب عليها أو على وليها نزغ ما يأتي، ولا فرق في لزوم الإحداد بين الحرة والأمة؛ الباجي: وتؤمر الصغيرة بذلك إن عقلت الأمر والنهي وإلا جنَّبها أهلها ذلك، وقوله: وتركت المتوفى عنها لخ؛ أي وجوبا كما علمت. والله سبحانه أعلم. ولو كتابيه يعني أن الكتابية يجب في حقها الإحداد إن مات زوجها المسلم، هذا هو المشهور، وقال ابن نافع وأشهب وابن كنانة: لا إحداد على الكتابية، والحكمة في الإحداد أنه يمنع تشوف الرجال إلى المعتدة؛ لأنها إذا تزينت يؤدي ذلك إلى التشوف، وهو يؤدي إلى العقد عليها في العدة، وهو يؤدي إلى الوطء، وهو يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وهو حرام، وما أدى إلى الحرام حرام. أو مفقودا زوجها يعني أنه يجب في عدة الوفاة الإحداد ولو كانت الوفاة حكما كالمفقود زوجها؛ إذ هي تمويت لا موت، كما يأتي إن شاء الله، فإنها تعتد عدة وفاة بعد ضرب الأجل، ورد بلو القول بعدم وجوب الإحداد في حق المفقود زوجها، وما مشى عليه المص في الكتابية وامرأة المفقود هو قول مالك، وقال ابن الماجشون: لا إحداد عليها أي امرأة المفقود، وقال ابن نافع: ورواه أشهب عن مالك: لا إحداد على الكتابية، والأقرب إثباته لامرأة المفقود. التزين بالمصبوغ قوله: التزين، مفعول تركت؛ يعني أنه يجب على الزوجة المعتدة من وفاة أن تترك التزين بالمصبوغ أي التجمل به، وقوله: بالمصبوغ، قال عبد الباقي: من ثياب وجباب حرير أو كتان أو قطن أو صوف؛ ونحوه للشبراخيتي، وزاد الشبراخيتي: وربما أشعر الترك بنزع لابسته حين
стр. 4784
الموت وهو كذلك، ولو قال: بكالمصبوغ كان أولى ليشمل الخلقي لأن من الألوان ما هو خلقي، والفرق بين الطلاق لم يجب فيه الإحداد والموت وجب فيه أن الزوج في الطلاق حي يذب عن نفسه وفي الوفاة الزوج مفقود فاحتيط له، وفي المدونة: وتلبس رقيق البياض كله وغليظه، قال في التوضيح: ومال غير واحد إلى المنع من رقيق البياض، ابن رشد: لو رجع في أمر اللباس إلى الأحوال لكان حسنا، فرب امرأة يكون شأنها لبس الخز والحرير فإذا لبست كتانا أي لون كان لا يكون زينة، خليل: فعلى هذا تمنع الناصعة البياض من السواد فإنه يزينها. انتهى. وهو يدل على أن المدار في ذلك على العوائد، ولذا قال في الكافي: والصواب أنه لا يجوز لبسها لشيء يتزين به بياضا ولا غيره. انتهى. قاله بناني. ولو أدكن يعني أنه يجب عليها ترك التزين بالمصبوغ ولو كان هذا المصبوغ أدكن، والأدكن ما لونه فوق لون الحمرة ودون السواد، والأدكن بالدال المهملة هو المسمي بالحمامي، وقوله: ولو أدكن، هكذا قال في المدونة، وفي الجلاب: جواز لبسها له. إن وجد غيره أي المصبوغ يعني أن محل وجوب تركها للمصبوغ إنما هو إن وجد غيره، وأما إن لم يوجد غيره فإنها تلبسه؛ وقوله: إن وجد غيره؛ أي ولو ببيعه واستخلاف غيره. قاله غير واحد. اللخمي: وكذا إذا قدرت على تغيير صبغه بالسواد، إلا الأسود مستثنى من المصبوغ يعني أن المعتدة من وفاة يجوز لها أن تلبس الثوب الأسود ما لم تكن ناصعة البياض، وإلا فلا تلبسه، وما لم تكن ممن زينتهن لبس الأسود، وإلا تركته كما مر، وقد مر أن الدار في ذلك على العوائد، وقال الشبراخيتي عند قوله: إلا الأسود أي فلا تتركه ما لم يكن زينة قومها كالتَّكَارِرَة، وما لم تكن اللابسة له ناصعة البياض، والأول ذكره الناصر اللقاني عن أبي الحسن، وفي شرح الحدود ما يفيده، والثاني ذكره غير واحد عن ابن رشد، وقال بعضهم في امرأة اسمها سعاد وهي ناصعة البياض توفيت وعليها ثوب أسود:
ما كنت أحسب أن الشمس قد غربت … حتى رأيت الدجى يلقى على القمر
ناشدتك الله في حفظ الوداد فقد … ماتت سعاد وهذا آخر الخبر
стр. 4785
والتحلي يعني أنه يجب عليها أيضا أن تترك التحلي لأنه من الزينة، والإحداد هو ترك الزينة فلا تتحلى بخلخال ولا بسوار ولا بقرط ولا بخاتم ولو من حديد ونحوها مما هو زينة، وتنزع ما ذكر عند طرو الموت، وأخذ من هذا جواز ثقب أذن المرأة للبس القرط، ويؤيده أن سارة حلفت لتمثلن بهاجر حين علمت بوطء الخليل لها صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه بعد هبتها له فخفضتها وثقبت أذنيها بأمر الخليل، وفي الموطإ: ولا تلبس الحاد على زوجها شيئا من الحلي خاتما ولا خلخالا ولا غير ذلك من الحلي. انتهى. وكذا تترك التحلي برأسها وينبغي ما لم تخش على نفسها بنزعه ضررا والتطيب يعني أن المعتدة من وفاة يجب عليها أن تترك التطيب بالطيب ومعنى التطيب استعمال الطيب كالتبخير والتضمخ به، وعمله يعني أنه يجب عليها أن تترك العمل في الطيب، والتجر فيه يعني أنه يجب في حقها أيضا أن تترك التجر في الطيب وإن لم تكن لها صنعة غيره إذا كانت تباشره بنفسها، فإن كان يباشره غيرها بأمرها لم تمنع؛ قال ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب: ولا تتطيب، هذا هو المقصود الأعظم من الإحداد. انتهى. وقال ابن عرفة: قال في الموازية: ولا تحضر حاد عمل الطيب ولا تتجر فيه ولو كان كسبها، وقال أيضا في العتبية: ولا تمس طيبا إذا كانت حاملا حتى تضع حملها وإن قعدت سنتين (١))، وإن كان عليها طيب فمات زوجها فقال مالك لا تنقض مشطها. انتهى. ابن رشد: معناه إن كانت امتشطت بغير طيب وإلا لموجب عليها أن تغسل الطيب، وقال بناني عند قول المص: والتطيب، فإن تطيبت قبل وفاة زوجها فقال ابن رشد بوجوب نزعه وغسله كما إذا أحرمت، وللباجي وعبد الحق عن بعض شيوخه أنها لا تنزعه وكذا نقل الشاذلي عن القرافي، وفرق عبد الحق بينها وبين من أحرمت بأن المحرمة أدخلته على نفسها. انتهى. والتزين يعني أنه يجب على المعتدة من وفاة أن تترك التزين في بدنها كما يجب عليها أن تترك التزين بالمصبوغ والتحلي، وبما فسرت به قوله: والتزين، يعلم أنه لا تكرار بينه وبين قوله التزين بالمصبوغ لخ، ويبين ذلك تفريعه عليه حيث قال: فلا تمتشط بحناء يعني أنه يجب عليها أن تترك الحناء في امتشاط رأسها، القاضي عبد الوهاب: الحناء مما تجتنبه الحاد ولا تستعمله إلا لضرورة. أو كتم بفتح أوله وثانيه وهو بمثناة فوقية، صبغ يذهب حمرة الشر ولا يسوده؛ يعني أنه يجب عليها
стр. 4786
أن تترك الامتشاط بالكتم، قال عبد الباقي: ولا تدهن أيضا بطيب زنبق بزاى مفتوحة فموحدة دهن مطيب، وفي الصحاح: دهن الياسمين زاد في القاموس وورد أبيض. ولا خيرى بكسر الخاء المعجمة بعدها مثناة تحتية نبت له رائحة بالليل دون النهار، قال الشاعر:
عجبت من الخيري إذا فاح في الدجى … فأصبح ريانا وفي الصبح يحجب
فخلت الريا لمن طبعه فكأنه … فقيه يراءي وهو بالليل يشرب
وفي المدونة: ولا تمتشط بدهن مربب ولا حناء ولا كتم ولا بما يختمر في رأسها ومربب بباءين من تحت هو الدهن المطيب. قاله الشارح. بخلاف نحو الزيت والسدر يعني أنه يجوز للمعتدة من وفاة أن تدهن بالزيت وتمتشط به وأن تمتشط بالسدر وأن تدهن بالشِّبرق وتمتشط به وكل دهن لا طيب فيه، والشبرق بكسر الشين المعجمة فباء موحدة ساكنة فراء مهملة مكسورة فقاف وتبدل جيما دهن السمسم. قاله عبد الباقي. وفي الشارح: فمثل الزيت والشبرق ونحوهما من الأدهان غير المطيبة لا تمنع منها. انتهى. وفي الشبراخيتي: قال في المدونة: ولا تدهن بزنبق ولا خيرى وقد مر أن الزنبق دهن الياسمين وورد أبيض، وعلى أنه ورد أبيض يجري قول بعضهم:
قد نشر الزنبق أعلامه … وقال: كل الزهري في خدمتي
لو لم أكن في الحسن سلطانه … ما رفعت من دونه رايتي
فقهقه الورد به هاذيا … وقال ما تحذر من سطوتي
وقال للأزهار ماذا الذي … يقوله الأشيب في حضرتي
فانتفض الزنبق من قوله … وقال للأزهار يا عصبتي
стр. 4787
يكون هذا الحسن بي محدقا … ويضحك الورد على شيبتي
واستحدادها عطف على نحو الزيت؛ يعني أنه يجوز للمعتدة من وفاة أن تستحد أي تحلق شعر عانتها وإن كان زينة لكنه لم يظهر، والاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة، هذا تفسيره في الاشتقاق، وقوله: واستحدادها قاله اللخمي وابن يونس وغيرهما. ولا تدخل الحمام يعني أنه لا يجوز للمعتدة من وفاة أن تدخل الحمام. قال الشيخ عبد الباقي: لا تدخله ولو لضرورة، وقال الشيخ محمد بن الحسن: قال ابن ناجي: اختلف في دخولها الحمام فقيل: لا تدخله أصلا، وظاهر قائله ولو من ضرورة، وقال أشهب: لا تدخله إلا من ضرورة. انتهى. ونحوه في التوضيح وهو يدل على ترجيح الثاني، فيجوز دخوله مع الضرورة لأن القول الأول ظاهر فقط لا صريح، وحينئذ فقول المص إلا لضرورة يرجع لهذا أيضا. انتهى. ولا تطلي جسدها يعني أنه لا يجوز للمعتدة أن تطلي جسدها بنؤرة ونحوها حكاه اللخمي وغيره عن أشهب. مالك: لا باس أن تحضر الحاد العرس ولا تتهيأ فيه بما لا تلبسه الحاد ولا تبيت إلا في بيتها، زاد غيره: ولا بأس أن تنظر في المرآة وتحتجم وتقلم أظفارها وتنتف إبطها. نقله الخرشي ولا تكتحل يعني أن المعتدة من وفاة ليس لها أن تكتحل وإن بغير مطيب لأنه زينة. إلا لضرورة يعني أن منع الاكتحال في حقها مشروط بأن لا تدعو إليه ضرورة، وأما إن دعت إلى الاكتحال ضرورة فإنه يجوز لها. قال الشبراخيتي: الاستثناء يرجع لمسألة الاكتحال كما هو ظاهر صنيعه في توضيحه، ورجحه الطخيخي لقوله: ولا تدخل الحمام وما بعده، واقتصر عليه في الحاشية. انتهى. وقوله: إلا لضرورة، وأما ما روي أن امرأة توفي زوجها فأتت أمها النبي ﷺ فقالت: إن ابنتي اشتكت عينها، قال (وإن انفقأت) وصححه عبد الحق فقد أجابوا عنه بأنه ﷺ فهم من المرأة عدم الصدق. قاله الشبراخيتي. وإن بطيب مبالغة في المستثنى فقط أي يجوز الاكتحال للضرورة بمطيب وبغير مطيب، والمراد بالضرورة مطلق الحاجة، ويدل على ذلك قول أبي الحسن: ودين الله يسر، وقوله: ولا تكتحل إلا لضرورة وإن بطيب، هكذا قال في المدونة: وروي عن ابن عبد الحكم المنع من ذلك ولو مع الضرورة. قاله الشارح. وتمسحه نهارا يعني أن الإمام مالكا قال: إنها تكتحل ليلا لأجل الضرورة وتمسحه نهارا، والضمير في تمسحه للكحل.
стр. 4788
وقوله: وتمسحه نهارا؛ أي إن كان به طيب وإلا لم يجب عليها المسح على ظاهر المذهب. قاله الأبي. نقلد عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: وتمسحه نهارا سواء فعلته لضرورة أم لا انتهى. وقوله: تمسحه نهارا، نقله محمد عن مالك؛ وفي المختصر الصغير نحوه. قاله الشارح. وقال الأمير: ومسحته نهارا إن كان مطيبا انتهى. واتفق العلماء ﵃ على وجوب الإحداد من حيث الجملة إلا الحسن البصري. وجاءت فيه أحاديث صحيحة ففي الصحيح (عن زينب بنت أم سلت قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو بخور فدهنت منه ثم مست بعارضيها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر (لا يحل لامرأة تومن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (١)) قالت زينب سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال ﷺ : لا: مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر رقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأسها حولا (٢)) وخالف جماعة كثيرة منهم أبو حنيفة فأوجبوا الإحداد على المطلقة، وقال الشافعي: استحبه ولا أوجبه عليها، وتمسك مالك ومن وافقه بأن أصل الإحداد إنما هو الحديث المتقدم، وليس فيه ما يدل على شرعيته للمطلقة. وخالف أبو حنيفة أيضا في الأمة وقال: ليس عليها إحداد. ولما أنهى الكلام على العدة وكان سببها أمرين طلاقا ووفاة شرع فيما يحتملهما وهي عدة امرأة المفقود فقال:
стр. 4789
فصل: يذكر فيه حكم زوجة المفقود
والمفقود اسم مفعول من فقده بالفتح يفقده بالكسر إذا لم يجده، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ ويقال: فقده فقدا وفقدانا بالكسر وفقدانا بالضم وفقدت المرأة زوجها فهي فاقد بلا هاء. قاله النووي. وعرف ابن عرفة المفقود بقوله: المفقود من انقطع خبره ممكن الكشف عنه، فيخرج الأسير، ابن عات: والمحبوس الذي لا يستطاع الكشف عنه، واعلم أن المفقود على أربعة أقسام: المفقود ببلد الإسلام، والمفقود بأرض الشرك في غير معترك فيهما، ومفقود المعترك بين المسلمين، ومفقود المعترك بين المسلمين والكفار، فأشار المص إلى حكم زوجة الأول بقوله: ولزوجة المفقود الرفع للقاضي يعني أن المفقود ببلد الإسلام بقرينة ما يأتي، لزوجته إن أحبت الفراق أن ترفع أمرها إلى القاضي، وسواء كان هذا المفقود حرا أو عبدا صغيرا أو كبيرا، كانت الزوجة حرة مسلمة أو كتابية أو أمة مسلمة صغيرة أو كبيرة، ولها أن لا ترفع وتبقى زوجته حتى يتضح أمره، وقوله: للقاضي، القاضي يتبين شرحه بقول المازري في شرح التلقين: القضاء ينعقد بأحد وجهين، أحدهما: عقد أمير المؤمنين أوأحد أمرائهم الذين جعل لهم العقد في مثل هذا، والثاني: عقد ذوي الرأي وأهل المعلم والمعرفة والعدالة لرجل منهم كملت فيه شروط القضاء، وهذا حيث لا يمكنهم مطالعة الإمام في ذلك ولا أن يستدعوا منه ولايته ويكون عقدهم له نيابة عن عقد الإمام الأعظم ونيابة عمن جعل الإمام له ذلك للضرورة الداعية إلى ذلك. انتهى. ولابد من ثبوت التولية والوالي يعني أن امرأة المفقود لها أيضا أن ترفع أمرها إلى الوالي أي حاكم البلد على معروف المذهب. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: واختلف فيمن يتولى ضرب الأجل للمفقود فالمعروف أنه الخليفة والقاضي والوالي؛ وقال أبو مصعب: هو مختص بأمير المؤمنين، وقال عبد الملك: إذا كان الإمام الأعظم حاضرا لم يضرب غيره، وقال عبد الباقي عند قوله: والوالي؛ أي حاكم البلد على معروف المذهب، وكذا الشرطي أي حاكم السياسة على ما في ثاني نكاحها كما في ابن عرفة، وقول علي الأجهوري: لا الشرطي؛ أي فقط كما قصره عليه أحمد. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: والوالي: أي والي الشرط أي السياسة. انتهى. ويأتي قريبا إن شاء الله تبيين والي الشرطة. ووالي الماء يعني أن لها أيضا أن ترفع أمرها إلى والي الماء وهو الساعي وسمي جباة الزكاة ولاة الماء لأنهم يخرجون عند اجتماع المواشي على المياه، وإذا رفعت لمن ذكر أمرها فإنهم يكشفون لها عن خبر زوجها، ويأتي الكلام في أجرة البعث على من
стр. 4790
تكون، وعبارة ابن الحاجب: ولامرأة المفقود دون الأسير مدخولا بها أم لا أن ترفع أمرها إلى الحاكم؛ قال ابن عبد السلام: أطلق القول في الحاكم، فيتناول القاضي والخليفة وأئمة البلدان. انتهى. وإلا يوجد واحد من الثلاثة القاضي والوالي ووالي الماء فلها أن ترفع أمرها لجماعة المسلمين من صالحي جيرانها وغيرهم العدول من معظم البلد لأنهم كالإمام؛ قال عبد الباقي: والواحد كاف. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني والواحد كاف، تبع فيه عليا الأجهوري ولم أر من ذكره ولا أظنه يصح. قاله الشيخ أبو علي. انتهى. وظاهر المص أنها مخيرة في الرفع لأحد الثلاثة الأول؛ أي القاضي والوالي ووالي الماء، والنقل أنها حيث أرادت الرفع ووجدت الثلاثة رجب للقاضي، فإن رفعت مع وجوده للوالي ووالي الماء حرم ذلك وصح، وإن رفعت لجماعة المسلمين مع وجوده بطل، وأما إن لم يكن قاض فتخير فيهما، وإن رفعت لجماعة المسلمين مع وجودهما فالظاهر الصحة. قاله عبد الباقي.
تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: قال ابن ناجي: الصواب أن أجرة البعث أي للمفقود على المرأة لأنها طالبة للفراق لاسيما إذا ادعى منع عدو له عن الإتيان لبلده، واختار شيخنا الغبريني أننهاس بيت المال. انتهى. ويمكن الجمع بين القولين بأنها عليها إن كان لها مال فإن لم يكن لهما مال فمن بيت المال. انتهى. الثاني: اعلم أن من سافر في البحر فانقطع خبره سبيله سبيل المفقود. قاله ابن عبد الحكم. وفي مسائل الشيخ أبي الحسن القابسي: وسئل عن مركبين مرسيين بجانب البر وفي أحد المركبين رجل يعرفه بعض من في الركب الآخر فمال عليهم البحر في الليل فسمع تكبير أهل المركب الذي فيه الرجل للغرق فأصبحوا فلم يجدوا للمركب خبرا ولا أثرا فهل يشهد الذين يعرفون الرجل أنه مات؟ فقال: يشهدون بصفة الأمر والحاكم يحكم بالموت في مثل هذا، قيل له. فلو كانوا في الموسطة؟ فقال: قد يكون هؤلاء رمتهم الريح إلى موضع آخر هؤلاء سبيلهم سببل المفقود. انتهى. وقال البرزلي لما تكلم على المفقود ومن فقد زمن الوباء أنه محمول على الموت: ومن هذا ما يوجد اليوم ممن يفقد من مراكب المسلمين فلا يدرى أغرق أو أخذه العدر ولم يظهر له خبر البتة، والصواب أنهم محمولون على الموت بعد الفحص عنهم بإخبار مراكب النصارى، وأما من أخذه العدو على ظهر البحر كما يجري اليوم فحكمه حكم الأسير. نقله الحطاب. واحترز المص بالزوجة عن أم الولد ومن في حكمها. الثالث: قوله المفقود؛ أي الذي له
стр. 4791
مال بدليل قوله: إن دامت نفقتها ولا شرط لزوجته، وأما التي لها شرط كقوله: إن غبت عنك فأمرك بيدك فأخذها بالشرط أحسن، كان له مال أم لا، وأما ألذي لا مال له ولا شرط فتطلق لعدم النفقة.
الرابع: لابد هنا من ذكر شيء من بيان الولايات التي ترتب عليها الأحكام، وهي سبعة، إحداها: أصلها التي تنبني عليها الستة الأخرى وهي الخلافة العظمى، ويأتي الكلام عليها في باب القضاء إن شاء الله، ثانيتها: القضاء وهو أعظمها بعد الخلافة العظمى وقد مر ما يعلم منه شرح القاضي ويأتي الكلام عليه إن شاء الله، الثالثة: ولاية المظالم قال بعض شراح الزقاقية، والمتولي لرد المظالم بين الناس يكون نظره في تعدي الولاة وجور العمال ورد المغصوبات من أيدي المتغلبة إلى أربابها. انتهى. قال الماوردي: ونظر المظالم هو قود المتظالين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، فكان من شروط الناظر فيها أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وتثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد لظهور الدين عليهم، ولما تجاهر الناس بالظلم والتغالب احتاجوا إلى ردع المتغلبين وإنصاف المتظلمين، فكان أول من أفرد للمظلمات يوما تصفح فيه قصص المتظلمين عبد الملك بن مروان، فكان إذا وقف على مشكل منها رده إلى قاضيه أبو إدريس الأودي فينفذ فيه أحكامه فكان أبو إدريس هو الباشر وعبد الملك هو الآمر، ثم زاد من جور الولاة وظلم العتاة ما لم يكفهم إلا أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان عمر بن عبد العزيز أول من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها، ورد مظالم بني أمية على أهلها، حتى قيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ: إنما يخاف عليك من ردها العواقب، ثم جلس لها خلفاء بني العباس حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها، ويجعل الناظر في المظالم لنظره يوما معروفا يقصده فيه المتظلمون ويراجعه فيه المتنازعون، ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول إليه من السياسة والتدبير، إلا أن يكون من عمال المظالم المنفردين فيها فيكون مندوبا للنظر في جميع الأيام، وليكن سهل الحجاب، نزيه الأصحاب ولابد لناظر المظالم من خمسة لا يستغني عنهم، ولا ينتظم نظره إلا بهم، أحدهم: الحماة والأعوان، الثاني: القضاة والحكام، الثالث: الفقهاء ليرجع إليهم فيما
стр. 4792
أشكل، الرابع: الكتاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم وعليهم من الحقوق، الخامس: المشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم، فإذا استكمل ما ذكر من الأصناف الخمسة شرع حينئذ في نظره والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام، الأول: النظر في تعدي الولاة على الرعية، فيكون لسيرة الولاة متصفحا ليقويهم إن ضعفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا. الثاني: جور العمال فيما يجبونه من الأموال: فيرجع به إلى القوانين العادلة من دواوين الأئمة، فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها، وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه لأربابه. الثالث: كتب الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على بيوت أموالهم فيما يستوفونه له ويوفونه منه، فيتصفح أحوال ما وكل إليهم، فإن عدلوا بحق من دخل ومن خرج إلى زيادة أو نقصان أعاده إلى قوانينه رقابل على تجاوزه. حكي أن المنصور بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه أنهم زوروا فيه وعثروا، فأمر بإحضارهم وتقدم لتأديبهم فقال حدث منهم وهو يضرب:
أطال الله عمرك في صلاح … وعزك يا أمير المومنينا
بعفوك نستجير فإن تجرنا … فإنك عصمة للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا … فهبنا للكرام الكاتبينا
فأمر بتخليتهم ووصل الفتى وأحسن إليه؛ لأنه ظهرت منه الإنابة وتلوحت فيه النجابة، وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظلم. الرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقنهم أو تأخرها عنهم وإجحاف النظار بهم، فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه. الخامس: رد الغصوب وهي على ضربين: غصوب سلطانية وقد تغلب عليها ولاة الجور كالأملاك المقبوضة على أربابها، فإن علم بها والي المظالم عند تصفح الأمور أمر برده قبل التظلم إليه، وإن لم يعلم فهو موقوف على تظلم أربابه، والضرب الثاني من المغصوب: ما تغلب عليه ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيها تصرف الملاك بالقهر والغلبة فهو موقوف على تظلم أربابه،
стр. 4793
فلا ينزع من أيديهم إلا بأحد أمور أربعة: إما باعتراف الغاصب، وإما بعلم والي المظالم فيجوز له أن يحكم عليه بعلمه، وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه، وإما بتظاهر الأخبار التي ينتفي عنها التواطؤ ولا يختلج فيها الشكوك. السادس: مشارفة الأوقاف وهي ضربان: عامة فيتصفحها وإن لم يكن فيها متظلم يجريها على سبيلها ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفها، وأما الخاصة فإن نظره فيها موقوف على تظلم أهلها عند التنازع فيها لوقفها على خصوم معينين، فيعمل عند التشاجر فيها على ما ثبتت به الحقوق عند الحكام. السابع: تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة لضعفهم عن إنفاذه وعجزهم عن المحكوم عليه لتعذره وقوة يده، أو لعلو قدره فينفذ الحكم على ما يتوجه إليه بانتزاع ما في يده وبإلزام الخروج مما في ذمته الثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة من المصالح العامة كالمجاهدة بمنكر ضُعِف عن دفعه، وتعدٍّ عجز عن منعه والحيف فيمن لم يقدر على ردعه، فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه ويأمر بحملهم على موجبه وواجبه. التاسع: مراعاة العبادة الظاهرة كالجُمَع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها أو إخلال بشروطها، وإن حقوق الله تعالى أولى أن تستوفى وفروضه أحق أن تودي. العاشر: النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين، فلا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه ولا يسوغ أن يحكم بينهم بما لا يحكم به الحاكم والقضاة. قاله الشيخ ميارة في شرح لامية الزقاق. رابعة الولايات: ولاية الحسبة وهي ولاية السوق قال بعض شراح الزقاقية: ووالي السوق يكون نظره في الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. يكون هذا عليه بالولاية وعلى غيره بفرض الكفاية، ويدخل في فرض الكفاية أيضا ويكون طلبه أوكد من طلب غيره، ويكون نظره أيضا في المكاييل والموازين وبيع الفاكهة قبل أن تطيب والخبازين والجزارين والغش والتدليس. انتهى. وقال الشيخ ميارة: وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهذا واضح في كل مسلم، والفرق بين المولى المحتسب وغيره أن المحتسب فرضه ذلك بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فرض الكفاية، وأيضا فإن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما ترك الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص، وأيضا فهو منصوب للاستعداء إليه فيما
стр. 4794
يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوبا للاستعداء، وأيضا فإن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب، ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن ينصب لذلك، وأيضا فإن له أن يعزر على المنكرات الظاهرة ولا يتجاوزها إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعزر على منكر، ويجب أن يكون من ولي النظر في الحسبة فقيها في الدين، قائما مع الحق، نزيه النفس، علي الهمة، معلوم العدالة، ذا أناة وحلم وتيقظ وفهم، عارفا لجزءيات الأمور وسياسة الجمهور، لا يستفزه طمع، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مع مهابة تمنع من الإدلال عليه. وتوافق الحسبة القضاء في وجهين، الوجه الأول: جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المدعى عليه في حقوق الآدمي، وليس ذلك في عموم الدعاوي، وإنما يختص بثلاثة أنواع، أحدها: أن تكون فيما يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن، والثاني: فيما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن، والثالث: فيما يتعلق بمطل أو تأخير لدين مستحق مع المكنة. والوجه الثاني. أن له إلزام المدعي عليه الخروج من الحق الذي عليه، وليس هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاص بالحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعتراف، وليس له سماع الدعاوي الخارجة عن ظهور المنكرات من الدعاوي في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، ولا يجوز له النظر فيما يدخله التجاحد والتناكر؛ لأن الحكم فيها يتوقف على سماع البينات وإحلاف اليمين، ولا يجوز ذلك للمحتسب، وإنما ذلك للقضاة والحكام، ويجب أن يمنع الناس من الحكرة إذا أضرت بالناس وكانوا بحال ضيق وشدة، ويأمر في وقت الشدة بإخراج الأطعمة إلى السوق يباع فيه ولا يباع في الدور، ومن احتكر طعاما في وقت الرخاء وحدث غلاء السعر فهل يجبر على إخراجه للناس؟ قولان؛ وكان بالكوفة محتسب لم يترك مؤذنا يؤذن إلا معصوب العينين من أجل التكشف على دور الناس، ومن صفات المحتسب أن يستعمل اللين من غير ضعف، والشدة من غير عنف، حتى لا ترجى لكثرة التيقظ غفلته، ولا يؤمن على ذي منكر سطوتة، يكتفي في أدب الجاني أول مرة بالتوبيخ والزجر، وفي الثانية بالسجن والوعيد، وفي الثالثة بالضرب والشهرة، فإن استمر على سوء فعله تابعه في التنكيل وجعل أهم أموره تفقده لسقوط الثقة به حتى يتوب أو يرتفع عن سوق المسلمين، ويقدم من ثقات أهل السوق ووجوه أرباب الصنائع من تعرف ثقته وينفع المسلمين نصحه ومعرفته، يستظهر بهم على سائرهم
стр. 4795
ويطلعونه على خفي أسرارهم وخبث سرائرهم، حتى لا يخفى من أمورهم كثير ولا قليل، ويتفقد أحوال رجاله، ولا يعين أحدا منهم لشغل معين كوزن الخبز على الخبازين ونحوه، ليلا يتقدم إلى ذلك الرجل بالرشوة، ولا يعلم رجاله أبدا خروجه لأمر معين من أمور الحسبة خشية أن يتقدم واحد منهم إلى أرباب ذلك الأمر الذي يخرج إليه ويشعرهم بقصده فيتغيب صاحب الدلسة أو يغيب عن الشيء المفاسد فلا تمكن إقامة الحجة، ويكسر الناقص الوزن والقليل الطبخ، ويريق الشيء الفاسد كاللبن، ويتولى ذلك بنفسه ولا يكله إلى رجاله، ويلزم عملة الخبز أن يصنع كل واحد منهم طابعا ينقش فيه اسمه ويطبع به على خبزه، ليتميز خبز كل واحد بطابعه وتقوم الحجة به عليه. الولاية الخامسة: ولاية الرد قال الشيخ ميارة: وأما ولاية الرد فلم أقف فيها الآن إلا على قول ابن عرفة أول باب القضاء عن ابن سهل: متعلق حكم والي الرد ما استرابه القضاة وردوه عن أنفسهم، وصاحب السوق يعرف بصاحب الحسبة لأن أكثر نظره فيها بالأسواق من غش وتفقد مكيال وميزان. قال بعض من لقيت: لا يجوز له الحكم في عيوب الدور ولا مخاطبة حكام البارد بالأحكام. انتهى. وقال بعض شراح الزقاقية: ووالي الرد هو الذي يكون نظره فيمن خالف صوابا مما حكم به أهل هذه الولايات غير القاضي؛ لأن حكمه لا يتعقب وحكم غيره يتعقب فما كان صوابا أمضي وما كان غيره رد، وهذا إنما يتولاه الإمام أو من يقدمه لذلك وقد يكون قاضيا. انتهى. الولاية السادسة: ولاية الشرطة قال الإمام الشهير أبو العباس سيدي أحمد الونشريسي: وأما ولاية الشرطة قال ابن الأمين القرطبي: وضع صاحبها لشيئين أحدهما: معونة الحكام لمن أصحاب المظالم وأصحاب الدواوين في حبس من أمروه بحبسه وإطلاق من أمروه بإطلاقه، وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه، وإخراج الأيدي مما دخلت فيه وإقرارها. والثاني: النظر في الجنايات وإقامة الحدود على من وجبت إقامتها عليه. انتهى. وسموا بذلك لأن لهم شرطا أي علامات تميزهم. الولاية السابعة: ولاية المصر وهي الولاية على البلاد، قال بعض شراح الزقاقية: ولاية المصر هي الولاية على إقليم أو بلد، فإذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كان نظره في جباية الخراج وقبض الصدقات وتفريق ما يستحق منها، والإمامة في الجمعة والجماعات يقوم بها أو يستخلف عليها، وجهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم وأخذ أخماسها، ويشترط في هذه الولاية المشروط المعتبرة في الإمامة الكبرى إلا النسب وهو كونه قرشيا.
стр. 4796
انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال الماوردي: إذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين، إمارة استكفاء بعقد عن اختيار، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار، فأما إمارة استكفات فتشتمل على محدود ونظر مفهوم، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله ونظرا في المحدود من سائر أعماله، فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل ومعهودا من نظر، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور، أحدها: النظر في تدبير الجيش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم، إلا أن يكون الخليفة قدركما فيدبرها عليهم. والثاني: النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام. والثالث: جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيها وتفريق ما يستحق منها. والرابع: حماية الحريم والذب عن البيضة ومراعاة الدين من تغيير وتبديل. والخامس: إقامة الحدود في حق الله تعالى وفي حق الآدمي. والسادس: الإمامة في الجُمعَ والجماعات حتى يقوم بها أو يستخلف عليها. والسابع: تسيير الحج من عمله ومن يسلكه من خير أهله حتى يتوجهوا منه معانين عليه، فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو اقترن بها ثامن، وهو: جهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس، ويعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض، ووزارة التفويض يشترط فيها شروط الإمامة الكبرى إلا النسب وحده، ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة، وهو: أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج، له خبرة بهما ومعرفة بتفاصيلهما؛ وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار فهو أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة على إمارتها ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون الأمير باستيلائه مستبدا بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذا لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة، وأما الإمارة الخاصة فهو أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم، وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام ولا لجباية الخراج والصدقات، فأما إقامة الحدود فيما افتقر منها إلى اجتهاد لاختلاف الفقهاء فيها أو افتقر لإقامة البينة لتناكر المتنازعين فيه فليس له التعرض لإقامتها لأنها من الأحكام الخارجة عن خصوص إمارته انتهى وإلى الولايات الست دون الخلافة العظمى أشار الإمام الزقاق بقوله:
لها خطط ست قضاء مظالم … ورد وسوق شرطة مصر انجلى
стр. 4797
وأعظمها قدرا وأكمل منظرا … قضاء نعم إن أم قاض علا على
الضمير في لها للأحكام في بيت متقدم، والخطط جمع خطة وهي الولاية، والضمير في أعظمها للخطط، وقوله: إن أم قاض؛ أي إذا اجتمعت للقاضي إمامة الصلاة مع القضاء علا أي ارتفع وعلى بضم العين منصوب على أنه مفعول مطلق. قاله الشيخ ميارة. فتؤجل أربع سنين يعني أن المرأة المفقود زوجها في بلاد الإسلام إذا رفعت أمرها للقاضي أو لمن ذكر معه فإنه يكلفها أن تثبت الزوجية وأن زوجها غائب وأنها بقيت في عصمته إلى غيبته، ثم بعد ذلك يسئل الحاكم عن معارف زوجها، ومَن جيرانُه وأهل سوقه، ثم يرسل إلى البلد الذي يظن أنه خرج إليه، ويكتب في كتابه صفة زوجها وحرفته واسمه واسم أبيه، فإذا عاد إليه الخبر بعدم معرفة موضعه ضرب لها الأجل، وهو أربع سنين للحر وأجرة البعث عليها لأنها الطالبة وقيل: من بيت المال، واستظهر أحمد الأول إن كان لها مال والثاني إن لم يكن لها مال. إن دامت نفقتها يعني أن التأجيل للحر أو للعبد في الفقد إنما هو إن دامت نفقة الزوجة، وإلا فتطلق لعدم النفقة، وهو أيضا في الذي لم يشترط لزوجته إن غبت عنك فأمرك بيدك، وإلا فأخذها بالشرط أحسن كان له مال أم لا كما مر، وقوله: إن دامت نفقتها؛ أي من ماله ولو غير مدخول بها أو غير داعية له قبل غيبته، ومثلها في فرض النفقة في ماله زوجة مطيقة لغائب غير مفقود، ولم يكن دخل بها، ولم يدع قبل الغيبة حيث طلبتها الآن قربت غيبته أو بعدت، فتجب على المعتمد؛ وأما ما يأتي في النفقات من اشتراط الدعاء إلى الدخول ففي الحاضر فقط؛ والظاهر أن المراد بها هنا ما يشمل المتوسطة وهي العشرة الأيام مع الأمن واليومان مع الخوف ذهابا. والعبد نصفها يعني أن العبد المفقود تؤجل زوجته سنتين فهو على النصف من الحر، هذا هو المشهور، وقيل: هو مساو لأجل الحر. ابن عبد السلام: وهو الأظهر؛ إذ سبب ذلك إنما هو الفقد ولا يفترق فيه الحال بالحرية والرق. وقوله: والعبد نصفها، قال المتيطى: وسواء كان مغيبه بإباق أو بيع فغاب به مشتريه وانقطع خبره. قاله الحطاب. وقوله: فتؤجل أربع سنين، اعلم أن التأجيل بالأربع تعبد لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه، وقيل: لأنها أقصى أمد الحمل، ورد بأنه يضرب لها وإن أمن
стр. 4798
حملها، بل وإن تقدم لها أقصى أمد الحمل على يوم الرفع، وأيضا لو صح لاستوى فيه الحر والعبد، وقيل: لأنها أمد وصول الكَتْبِ، ورد بأن ضرب هذا الأجل إنما يكون بعد المكاتبة وعدم علم خبره، وقيل: لأن الجهات أربع، ورد بما رد به القول الثالث، فالصواب القول الأول الذي هو القول بالتعبد وقوله: إن دامت نفقتها، يشمل ما لو أعسر ابتداء وما لو كان له مال لا يكفي في الأجل فإنها تطلق عليه قبل الأجل بعد فراغ ماله. واعلم أنه إذا ظهر موت المفقود يرجع عليها بما أنفق عليها من ماله من يوم مات، كما يعلم من قوله السابق: بخلاف المتوفى عنها والوارث. قاله الشبراخيتي. تنبيه: اعلم أن السلطان ينظر في مال المفقود ويجمعه ويجعله في يد من يرتضيه، وإن كان من ورثته من يراه لذلك أهلا أقامه له، وينظر في قراضه وودائعه ويقبض ديونة. ولا يبرأ من رفع من غرمائه إلى ورثته لأن ورثته لم يرثوه بعد، وما أسكن أو أعار أو آجر إلى أجل أرجئ إليه، وإن قارض إلى أجل فسخ وأخذ المال، وما لحقه من دين أو اعتراف أو عهده ثمن أو عيب قضي به عليه، ولا يقام له وكيل وتباع عروضه في ذلك، وإن أقام رجل البينة أنه أوصى له بشيء أو أسند إليه الوصية سمعت بينته، فإذا قضي بموته بحقيقة أو تعمير جعل الوصي وصية وأعطيتُ الموصى إليه وصيته إن كان حيا وحملها الثلث ولا أعيد البينة، وكذلك إن أقامت المرأة بينة أنه زوجها قضيتُ لها كقضائي على الغائب. انتهى. قاله في المدونة. نقله الحطاب. قال أبو الحسن: قوله: أو اعتراف؛ أي استحقاق، وقوله: أو عهدة ثمن؛ أي استحق ما باع فرجع عليه بالثمن، وقوله: أو عيب؛ أي باع سلعة فظهر بها عيب، وقوله: ولا يقام له وكيل، وجهه أن الوكيل لا يعلم حجج الغائب ويقوم بحجته إذا قدم. نقله الحطاب. وقال الشيخ أبو الحسن: القاعدة أن الإمام لا يتعرض لديون الغائب يقبضها إلا أن يكون مفقودا أو مولى عليه، أو يكون المدين حاضرا ويريد أن يبرئ ذمته ورب الدين غائب، وهذا بخلاف ما إذا أفسد شخص مال غائب فإن الإمام يأخذ منه القيمة ويحبسها للغائب. انتهى. ونحوه في النكت. قاله الحطاب. وقال في المتيطية: وأما مال المفقود فينبغي للإمام أن ينظر فيه ويجعله في يد من يرتضيه من أكمله أو من غيرهم ويقدمه للقيام بتمييز ماله والنظر في جميع أحواله، فإن كانت له أملاك اغتلها ورم ما وهى منها، وإن كان له عبيد في خراجهم ما يفضل عن نفقتهم وكسوتهم حبسهم له وإلا باعهم عليه، ويقتضي ديونه إن كانت له عند حلول آجالها، ويمكن من إثباتها والخصام
стр. 4799
فيها، وما كانت عليه من ديون ثبتت قضاها عند حلول آجالها بعد أيمان أربابها، وما تراخى أجله منها ومن مهور نسائه فلا يحل إلا بانقضاء تعميره. انتهى. قوله: وما تراخى أجله؛ يعني تراخى أجله بعد مدة التعمير. قاله الحطاب. وقال في المتيطية. أيضا: وينفق من ماله على أزواجه ويخدمن إن كن مُخدَماتٍ وكان له مال يتسع لذلك، هذا إن كن مدخولا بهن، وأما غير المدخول بهن فالمشهور من المذهب والذي عليه العمل وقاله ابن القاسم من رواية المصريين عنه ورواه أيضا عيسى وبه قال ابن المواز ولم يذكر في ذلك اختلافا مع معرفته باختلاف أصحاب مالك: أن لها النفقة وإن لم يدخل بها المفقود. انتهى. نقله الحطاب. وقال في المتيطية أيضا: وينفق على فقراء صغار بنيه وأبكار يناته حتى يحتلم الذكر منهم وهو صحيح الجسم والعقل، ويدخل بالأنثى زوجها. انتهى. نقله الحطاب. وقال ابن عبد الحكم: من سافر في البحر فانقطع خبره فسبيله سبيل المفقود، وفي مسائل القابسي أن الريح إذا قام على المراكب في المرسي فلم يتبين لهم خبر يحكم بموتهم وغرقهم، لكن لا يشهد الشاهد إلا بصورة الحال، وإن كان في المواسطة فكالمفقود. اننهى. نقله الشبراخيتي. ومن شك في فقده هل في أرض الإسلام أو في أرض الشرك؟ ينبغي العمل فيه بالأحوط، فيعامل في زوجته معاملة مفقود أرض الشرك. قاله الشبراخيتي. من العجز عن خبره اللفظ الأول متعلق بتؤجل والثاني متعلق بالأول؛ يعني أن التأجيل بالأربع للحر وبالسنتين للعبد مبدؤه من عجز من ذكر من زوجة كل من الحر والعبد، ومن رفع إليه الأمر من قاض، ومن مر ذكره عن خبر المفقود بعد البحث عنه والمكاتبة في أمره، ودل كلام المص بالالتزام على أن رفعها يوجب البحث عن أمره وهو إجماع الصحابة ﵃، ولم يعلم فيه في عصر الصحابة مخالف، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والحسن بن صالح وأبو قلابة وإبراهيم والشعبي وجابر وابن زيد وابن سيرين والحكم وحماد: إن امرأة المفقود لا تنكح أبدا حتى يعلم موته أو طلاقه، وذكر الدارقطني من حديث محمد بن شرحبيل وهو متروك عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله ﷺ (في امرأة المفقود هي امرأته حتى يأتيها الخبر (١)). قاله ابن عبد السلام. وقوله: "من العجز عن خبره"، قاله في المدونة، وهو المشهور، وفي مختصر ابن عبد الحكم: من يوم الرفع إذا أثبتت الزوجة الغيبة، وبه قال ابن عبد
стр. 4800
الحكم. قاله الشارح. وأجرة البعث عليها لأنها الطالبة، كما صوبه ابن ناجي. وقد مر ذلك. تم أي بعد مضي الأربع للحر ونصفها للعبد اعتدت كعدة الوفاة أي تعتد بأربعة أشهر وعشر إن كانت حرة وبشهرين وخمس ليال إن كانت أمة، بنى بها أم لا، وما زعم زاعم أنه لا عدة عليها إن لم يبن بها باطل، وإنما قال: كالوفاة، ولم يقل عدة وفاة؛ لأن هذا تمويت لا موت، واختلف هل يتكمل لها الصداق إن لم يبن بها بهذا التمويت؟ أم لا؛ قال ابن عرفة: قال مالك: لها جميعه، وقال ابن دينار: لها نصفه، وبعض أصحابنا إن دفعه لها لم ينزع منها وإلا دفع لها نصفه، وعلى الأول قال مالك: يعجل المعجل والمؤجل لأجله، وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع. وللشيخ محمد بن أبي القاسم محمد بن عبد الجليل الفلالي:
وإن يكن قبل البناء فقدا … وأجلت زوجته ما عهدا
من السنين فالصداق مستحق … جميعه لها على القول الأحق
وإن أتى من بعد ما فاتت عليه … فلا تر نصف ذلك إليه
قال في شرحه لهذه الأبيات: قال في اختصار المتيطية: وإن فقد قبل البناء ففي الصداق روايتان، إحداهما: أن لها جميعه، قال ابن بطال في المقنع: وبهذه الرواية القضاء، والأخرى: أن لها النصف تأخذه عند تمام العدة ويبقى النصف الآخر إلى انقضاء تعميره. وقال عبد الملك. تعطى نصف صداقها وإن كانت قبضت الجميع لم ينزع منها، وعلى أنها تأخذ الجميع فقال مالك: يعجل لها المعجل ويبقى المؤجل إلى أجله. وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع. ومنشأ الخلاف أن هذه المرأة فيها شائبتان شائبة الموت بدليل أنها تعتد عدة الوفاة وشائبة الطلاق بدليل أن دخول الثاني يوجب على الأول طلقة، وإذا قدم المفقود في الوقت الذي لا يكون أحق بها فهل ترد نصف الصداق؟ أم لا فيه روايتان عن مالك. قال بعض الموثقين والعمل على أنها لا ترد شيئا لأنه حكم نفذ. وقال اللخمي: القول بالرد أحسن لأنه طلاق قبل البناء انتهى. ونحوه في التوضيح والحطاب. انتهى. وقوله: ثم اعتدت كالوفاة، قد مر أنها تترك التزين بالمصبوغ إلى آخر ما سبق