انتهى. وقال الشيخ ميارة: قال الماوردي: إذا قلد الخليفة أميرا على إقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين، إمارة استكفاء بعقد عن اختيار، وإمارة استيلاء بعقد عن اضطرار، فأما إمارة استكفات فتشتمل على محدود ونظر مفهوم، والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله ونظرا في المحدود من سائر أعماله، فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل ومعهودا من نظر، فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور، أحدها: النظر في تدبير الجيش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم، إلا أن يكون الخليفة قدركما فيدبرها عليهم. والثاني: النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام. والثالث: جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيها وتفريق ما يستحق منها. والرابع: حماية الحريم والذب عن البيضة ومراعاة الدين من تغيير وتبديل. والخامس: إقامة الحدود في حق الله تعالى وفي حق الآدمي. والسادس: الإمامة في الجُمعَ والجماعات حتى يقوم بها أو يستخلف عليها. والسابع: تسيير الحج من عمله ومن يسلكه من خير أهله حتى يتوجهوا منه معانين عليه، فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو اقترن بها ثامن، وهو: جهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس، ويعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض، ووزارة التفويض يشترط فيها شروط الإمامة الكبرى إلا النسب وحده، ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة، وهو: أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج، له خبرة بهما ومعرفة بتفاصيلهما؛ وأما إمارة الاستيلاء التي تعقد عن اضطرار فهو أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة على إمارتها ويفوض إليه تدبيرها وسياستها، فيكون الأمير باستيلائه مستبدا بالسياسة والتدبير، والخليفة بإذنه منفذا لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة، وأما الإمارة الخاصة فهو أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم، وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام ولا لجباية الخراج والصدقات، فأما إقامة الحدود فيما افتقر منها إلى اجتهاد لاختلاف الفقهاء فيها أو افتقر لإقامة البينة لتناكر المتنازعين فيه فليس له التعرض لإقامتها لأنها من الأحكام الخارجة عن خصوص إمارته انتهى وإلى الولايات الست دون الخلافة العظمى أشار الإمام الزقاق بقوله:
لها خطط ست قضاء مظالم … ورد وسوق شرطة مصر انجلى
стр. 4797
وأعظمها قدرا وأكمل منظرا … قضاء نعم إن أم قاض علا على
الضمير في لها للأحكام في بيت متقدم، والخطط جمع خطة وهي الولاية، والضمير في أعظمها للخطط، وقوله: إن أم قاض؛ أي إذا اجتمعت للقاضي إمامة الصلاة مع القضاء علا أي ارتفع وعلى بضم العين منصوب على أنه مفعول مطلق. قاله الشيخ ميارة. فتؤجل أربع سنين يعني أن المرأة المفقود زوجها في بلاد الإسلام إذا رفعت أمرها للقاضي أو لمن ذكر معه فإنه يكلفها أن تثبت الزوجية وأن زوجها غائب وأنها بقيت في عصمته إلى غيبته، ثم بعد ذلك يسئل الحاكم عن معارف زوجها، ومَن جيرانُه وأهل سوقه، ثم يرسل إلى البلد الذي يظن أنه خرج إليه، ويكتب في كتابه صفة زوجها وحرفته واسمه واسم أبيه، فإذا عاد إليه الخبر بعدم معرفة موضعه ضرب لها الأجل، وهو أربع سنين للحر وأجرة البعث عليها لأنها الطالبة وقيل: من بيت المال، واستظهر أحمد الأول إن كان لها مال والثاني إن لم يكن لها مال. إن دامت نفقتها يعني أن التأجيل للحر أو للعبد في الفقد إنما هو إن دامت نفقة الزوجة، وإلا فتطلق لعدم النفقة، وهو أيضا في الذي لم يشترط لزوجته إن غبت عنك فأمرك بيدك، وإلا فأخذها بالشرط أحسن كان له مال أم لا كما مر، وقوله: إن دامت نفقتها؛ أي من ماله ولو غير مدخول بها أو غير داعية له قبل غيبته، ومثلها في فرض النفقة في ماله زوجة مطيقة لغائب غير مفقود، ولم يكن دخل بها، ولم يدع قبل الغيبة حيث طلبتها الآن قربت غيبته أو بعدت، فتجب على المعتمد؛ وأما ما يأتي في النفقات من اشتراط الدعاء إلى الدخول ففي الحاضر فقط؛ والظاهر أن المراد بها هنا ما يشمل المتوسطة وهي العشرة الأيام مع الأمن واليومان مع الخوف ذهابا. والعبد نصفها يعني أن العبد المفقود تؤجل زوجته سنتين فهو على النصف من الحر، هذا هو المشهور، وقيل: هو مساو لأجل الحر. ابن عبد السلام: وهو الأظهر؛ إذ سبب ذلك إنما هو الفقد ولا يفترق فيه الحال بالحرية والرق. وقوله: والعبد نصفها، قال المتيطى: وسواء كان مغيبه بإباق أو بيع فغاب به مشتريه وانقطع خبره. قاله الحطاب. وقوله: فتؤجل أربع سنين، اعلم أن التأجيل بالأربع تعبد لفعل عمر وإجماع الصحابة عليه، وقيل: لأنها أقصى أمد الحمل، ورد بأنه يضرب لها وإن أمن
стр. 4798
حملها، بل وإن تقدم لها أقصى أمد الحمل على يوم الرفع، وأيضا لو صح لاستوى فيه الحر والعبد، وقيل: لأنها أمد وصول الكَتْبِ، ورد بأن ضرب هذا الأجل إنما يكون بعد المكاتبة وعدم علم خبره، وقيل: لأن الجهات أربع، ورد بما رد به القول الثالث، فالصواب القول الأول الذي هو القول بالتعبد وقوله: إن دامت نفقتها، يشمل ما لو أعسر ابتداء وما لو كان له مال لا يكفي في الأجل فإنها تطلق عليه قبل الأجل بعد فراغ ماله. واعلم أنه إذا ظهر موت المفقود يرجع عليها بما أنفق عليها من ماله من يوم مات، كما يعلم من قوله السابق: بخلاف المتوفى عنها والوارث. قاله الشبراخيتي. تنبيه: اعلم أن السلطان ينظر في مال المفقود ويجمعه ويجعله في يد من يرتضيه، وإن كان من ورثته من يراه لذلك أهلا أقامه له، وينظر في قراضه وودائعه ويقبض ديونة. ولا يبرأ من رفع من غرمائه إلى ورثته لأن ورثته لم يرثوه بعد، وما أسكن أو أعار أو آجر إلى أجل أرجئ إليه، وإن قارض إلى أجل فسخ وأخذ المال، وما لحقه من دين أو اعتراف أو عهده ثمن أو عيب قضي به عليه، ولا يقام له وكيل وتباع عروضه في ذلك، وإن أقام رجل البينة أنه أوصى له بشيء أو أسند إليه الوصية سمعت بينته، فإذا قضي بموته بحقيقة أو تعمير جعل الوصي وصية وأعطيتُ الموصى إليه وصيته إن كان حيا وحملها الثلث ولا أعيد البينة، وكذلك إن أقامت المرأة بينة أنه زوجها قضيتُ لها كقضائي على الغائب. انتهى. قاله في المدونة. نقله الحطاب. قال أبو الحسن: قوله: أو اعتراف؛ أي استحقاق، وقوله: أو عهدة ثمن؛ أي استحق ما باع فرجع عليه بالثمن، وقوله: أو عيب؛ أي باع سلعة فظهر بها عيب، وقوله: ولا يقام له وكيل، وجهه أن الوكيل لا يعلم حجج الغائب ويقوم بحجته إذا قدم. نقله الحطاب. وقال الشيخ أبو الحسن: القاعدة أن الإمام لا يتعرض لديون الغائب يقبضها إلا أن يكون مفقودا أو مولى عليه، أو يكون المدين حاضرا ويريد أن يبرئ ذمته ورب الدين غائب، وهذا بخلاف ما إذا أفسد شخص مال غائب فإن الإمام يأخذ منه القيمة ويحبسها للغائب. انتهى. ونحوه في النكت. قاله الحطاب. وقال في المتيطية: وأما مال المفقود فينبغي للإمام أن ينظر فيه ويجعله في يد من يرتضيه من أكمله أو من غيرهم ويقدمه للقيام بتمييز ماله والنظر في جميع أحواله، فإن كانت له أملاك اغتلها ورم ما وهى منها، وإن كان له عبيد في خراجهم ما يفضل عن نفقتهم وكسوتهم حبسهم له وإلا باعهم عليه، ويقتضي ديونه إن كانت له عند حلول آجالها، ويمكن من إثباتها والخصام
стр. 4799
فيها، وما كانت عليه من ديون ثبتت قضاها عند حلول آجالها بعد أيمان أربابها، وما تراخى أجله منها ومن مهور نسائه فلا يحل إلا بانقضاء تعميره. انتهى. قوله: وما تراخى أجله؛ يعني تراخى أجله بعد مدة التعمير. قاله الحطاب. وقال في المتيطية. أيضا: وينفق من ماله على أزواجه ويخدمن إن كن مُخدَماتٍ وكان له مال يتسع لذلك، هذا إن كن مدخولا بهن، وأما غير المدخول بهن فالمشهور من المذهب والذي عليه العمل وقاله ابن القاسم من رواية المصريين عنه ورواه أيضا عيسى وبه قال ابن المواز ولم يذكر في ذلك اختلافا مع معرفته باختلاف أصحاب مالك: أن لها النفقة وإن لم يدخل بها المفقود. انتهى. نقله الحطاب. وقال في المتيطية أيضا: وينفق على فقراء صغار بنيه وأبكار يناته حتى يحتلم الذكر منهم وهو صحيح الجسم والعقل، ويدخل بالأنثى زوجها. انتهى. نقله الحطاب. وقال ابن عبد الحكم: من سافر في البحر فانقطع خبره فسبيله سبيل المفقود، وفي مسائل القابسي أن الريح إذا قام على المراكب في المرسي فلم يتبين لهم خبر يحكم بموتهم وغرقهم، لكن لا يشهد الشاهد إلا بصورة الحال، وإن كان في المواسطة فكالمفقود. اننهى. نقله الشبراخيتي. ومن شك في فقده هل في أرض الإسلام أو في أرض الشرك؟ ينبغي العمل فيه بالأحوط، فيعامل في زوجته معاملة مفقود أرض الشرك. قاله الشبراخيتي. من العجز عن خبره اللفظ الأول متعلق بتؤجل والثاني متعلق بالأول؛ يعني أن التأجيل بالأربع للحر وبالسنتين للعبد مبدؤه من عجز من ذكر من زوجة كل من الحر والعبد، ومن رفع إليه الأمر من قاض، ومن مر ذكره عن خبر المفقود بعد البحث عنه والمكاتبة في أمره، ودل كلام المص بالالتزام على أن رفعها يوجب البحث عن أمره وهو إجماع الصحابة ﵃، ولم يعلم فيه في عصر الصحابة مخالف، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والحسن بن صالح وأبو قلابة وإبراهيم والشعبي وجابر وابن زيد وابن سيرين والحكم وحماد: إن امرأة المفقود لا تنكح أبدا حتى يعلم موته أو طلاقه، وذكر الدارقطني من حديث محمد بن شرحبيل وهو متروك عن المغيرة بن شعبة قال قال رسول الله ﷺ (في امرأة المفقود هي امرأته حتى يأتيها الخبر (١)). قاله ابن عبد السلام. وقوله: "من العجز عن خبره"، قاله في المدونة، وهو المشهور، وفي مختصر ابن عبد الحكم: من يوم الرفع إذا أثبتت الزوجة الغيبة، وبه قال ابن عبد
стр. 4800
الحكم. قاله الشارح. وأجرة البعث عليها لأنها الطالبة، كما صوبه ابن ناجي. وقد مر ذلك. تم أي بعد مضي الأربع للحر ونصفها للعبد اعتدت كعدة الوفاة أي تعتد بأربعة أشهر وعشر إن كانت حرة وبشهرين وخمس ليال إن كانت أمة، بنى بها أم لا، وما زعم زاعم أنه لا عدة عليها إن لم يبن بها باطل، وإنما قال: كالوفاة، ولم يقل عدة وفاة؛ لأن هذا تمويت لا موت، واختلف هل يتكمل لها الصداق إن لم يبن بها بهذا التمويت؟ أم لا؛ قال ابن عرفة: قال مالك: لها جميعه، وقال ابن دينار: لها نصفه، وبعض أصحابنا إن دفعه لها لم ينزع منها وإلا دفع لها نصفه، وعلى الأول قال مالك: يعجل المعجل والمؤجل لأجله، وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع. وللشيخ محمد بن أبي القاسم محمد بن عبد الجليل الفلالي:
وإن يكن قبل البناء فقدا … وأجلت زوجته ما عهدا
من السنين فالصداق مستحق … جميعه لها على القول الأحق
وإن أتى من بعد ما فاتت عليه … فلا تر نصف ذلك إليه
قال في شرحه لهذه الأبيات: قال في اختصار المتيطية: وإن فقد قبل البناء ففي الصداق روايتان، إحداهما: أن لها جميعه، قال ابن بطال في المقنع: وبهذه الرواية القضاء، والأخرى: أن لها النصف تأخذه عند تمام العدة ويبقى النصف الآخر إلى انقضاء تعميره. وقال عبد الملك. تعطى نصف صداقها وإن كانت قبضت الجميع لم ينزع منها، وعلى أنها تأخذ الجميع فقال مالك: يعجل لها المعجل ويبقى المؤجل إلى أجله. وقال سحنون: بل يعجل لها الجميع. ومنشأ الخلاف أن هذه المرأة فيها شائبتان شائبة الموت بدليل أنها تعتد عدة الوفاة وشائبة الطلاق بدليل أن دخول الثاني يوجب على الأول طلقة، وإذا قدم المفقود في الوقت الذي لا يكون أحق بها فهل ترد نصف الصداق؟ أم لا فيه روايتان عن مالك. قال بعض الموثقين والعمل على أنها لا ترد شيئا لأنه حكم نفذ. وقال اللخمي: القول بالرد أحسن لأنه طلاق قبل البناء انتهى. ونحوه في التوضيح والحطاب. انتهى. وقوله: ثم اعتدت كالوفاة، قد مر أنها تترك التزين بالمصبوغ إلى آخر ما سبق
стр. 4801
وتلزم مسكنها ولا يعقد عليها. تنبيه: قوله: ثم اعتدت كالوفاة. قال علي الأجهوري: انظر لو كانت من ذوات الحيض ومضت عدة الوفاة ولم تنقض عدة الطلاق كمن تحيض كل خمس سنين هل تنتظر بقية عدة الطلاق؟ أم لا، وهو الملائم لقوله: كالوفاة، وليس هنا ريبة. انتهى. نقله عبد الباقي. وقال بناني: التنظير قصور، قال ابن عرفة: ابن عات على قول عبد الملك: لا إحداد عليها لابد من الحيض فيلزمها أقصى الأجلين، وعلى قول ابن القاسم لا تحتاج إلى حيض ويحتمل أن يكون الإحداد على وجه الاحتياط فيتعين مع ذلك الحيض فيلزمها أقصى الأجلين. انتهى. وسقطت بها النفقة يعني أن امرأة المفقود تسقط نفقتها بالعدة أي بالشروع فيها؛ لأن المتوفى عنها ولو حاملا لا نفقة لها، وهذه تعتد عدة وفاة، والباء في بها للسببية، وتحتمل الظرفية، وهي أولى، قال في المتيطية: وينفق على زوجة المفقود في الأربع سنين ويكسوها بعد أن تحلف أن زوجها لم يترك لها نفقة ولا كسوة ولا أرسل بشيء وصل إليها ولا يكلفها إثبات الزوجية لثبوتها عنده قبل الأجل، ويكلف بذلك غيرها من نسائه، ولا ينفق عليها في العدة، وينفق على صغار بنيه وأبكار بناته بعد ثبوت البنوة، وأنه لا مال لهم في علم الشهود، ثم قال في عقد الوثيقة: دفع فلان الناظر للمفقود إلى فلانة بعد أن ثبت عند القاضي أنها زوجة المفقود فلان، لم تنقطع عصمته عنها إلى حين قيامها عنده، وبعد أن ثبت عنده يمينها في المسجد الجامع أنه بموضع كذا ما ترك لها نفقة ولا كسوة ولا شيئا تمون به نفسها ولا أرسل إليها بشيء وصل إليها، ولا أسقطت ذلك عنه، ولا شيئا منه، كذا وكذا دينارا لخ. ثم قال: وإن كان له بنون قلت: إلى فلانة زوج المفقود وحاضنة بنيها منه فلان وفلان الصغيرين وفلانة البكر بعد أن ثبت عند الفقيه القاضي أنها زوجةُ، إلى آخره. وأن بنيها المذكورين هم من المفقود فلان، وأن فلانا وفلانا صغيران، وأن فلانة بكر، وأنهم لا مال لهم في علم من ثبت ذلك بشهادتهم. انتهى. نقله الإمام الحطاب. ولا تحتاج فيها لإذن يعني أن امرأة المفقود لا تحتاج في العدة بعد انتهاء
الأجل المضروب إلى أن يأذن لها الإمام فيها، ولا تحتاج بعد انقضائها أي العدد لإذن منه في
التزويج؛ لأن إذنه حصل أو لا بضرب الأجل، فبمجرد انتهاء الأجل تدخل في العدة، وقوله: ولا
تحتاج فيها لإذن. قاله في المدونة. وقولي: ولا تحتاج بعد انقضائها لخ، قاله عبد الوهاب. انظر
الشبراخيتي. وليس لها البقاء بعدها يحتمل أن الضمير في بعدها راجع للأربع، فيكون ماشيا
стр. 4802
على قول أبي عمران وهو المعتمد؛ أي أن المرأة إذا انقضت السنون الأربع ليس لها أن تبقى في عصمة الزوج المفقود، وأما في أثناء الأجل فلها ذلك، وإنما لم يكن لها البقاء في العصمة بعد انتهاء الأجل لأنها بمجرد انقضاء الأجل تدخل في العدة، كما أفاده ابن عرفة؛ لأنها لا تحتاج لنية ولا لإذن من الإمام، وفي كلام عبد الباقي والشامل نظر، ويحتمل أن يكون ماشيا على قول أبي بكر بن عبد الرحمن: لها البقاء في العصمة ما لم تخرج من العدة وتحل للأزواج، وهو المتبادر من المص بجعل الضمير للعدة. انظر حاشية الشيخ بناني، وفي الشبراخيتي: وأما في الأربع سنين فلها ذلك، ومتى رفعت بعد ذلك ابتدئ لها الأجل. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: أبو عمران. لها البقاء على عصمته في خلال الأربع سنين لأنها لم تجب لها عدة، ومتى رجعت للرفع للسلطان ابتدأ لها الضرب وليس لها ذلك إن تمت الأربع. انتهى. وقدر طلاق يعني أن الشرع يقدر وقوع طلاق من المفقود عند شروع امرأته في العدة لتفوت به على زوجها المفقود لاحتمال حياته، ولكن ذلك الطلاق إنما يتحقق وقوضه حكما بدخول الزوج الثاني بها، فإن جاء الأول قبل دخول الثاني كان أحق بها، وأما إن جاء بعد دخول الثاني فإنها تفوت على المفقود لبينونتها بدخول الثاني، وتأخذ من المفقود جميع المهر أو نصفه على الخلاف السابق إن لم يبن بها وقضي بكل منهما، وعلى القول بالنصف إن مضت مدة التعمير أو ثبت موته كمل لها، وهل تحل ديونه قبل أجلها؟ نقل فيه الحطاب قولين. قاله بناني. والمراد بدخول الثاني خلوته وإن أنكر التلذذ بها لأن الخلوة مظنته أو قائمة مقامه. قال الشبراخيتي: قال التتائي واستشكل هذا الطلاق لعدم جريانه على الأصول لوقوعه بدخول الثاني وهي في عصمته، وبأن العدة قبل وقوعه ولا نظير له قال بعض الشارحين: وإذا علمت أن الطلاق واقع حين أخذها في العدة وإنما دخول الثاني يحقق وقوعه وليس واقعا حين دخوله زال ذلك الإشكال وظهر التفريع الآتي، والمراد بالدخول الخلوة ولو مع إنكار تلذذه بها وكذا تلذذه بها، ولو بغير خلوة، ومحل ذلك في التلذذ ولو بغير الوطء حيث كان غير عالم والزوجة كذلك. كما يفيده قوله الآتي: فتحل للأول إن طلقها اثنتين يعني أنه إذا دخل بها الثاني فإنها تفوت على الأول كما علمت، فإذا طلقها الثاني أو مات عنها فإنها تحل للأول إن كان قد طلقها اثنتين، لكن يشترط في حلها للأول أن يحصل من الثاني ما يحل المبتوتة من إيلاج بالغ قدر الحشفة بلا منع ولا نكرة فيه بانتشار وعلم خلوة
стр. 4803
بامرأتين؛ لأنها مبتوتة حكما؛ لأنه طلقها اثنتين وتحققت ثالثة بدخول الثاني، وأما إن طلقها الثاني أو مات عنها بعد أن دخل بها دخولا لا يحل المبتوتة فإنها لا تحل للأول. قاله غير واحد. وأشار بهذا أعني قوله: فتحل الخ، لرد قول أصبغ: إنها لم تنكح بعد الطلاق لأن الثالثة إنما تقع بدخول الثاني ولم يحصل بعده نكاح وحلها موقوف على نكاح بعد الثلاث. اللخمي: والأول أحسن. قاله الشبراخيتي. وقال ابن عبد السلام: قالوا فلو قدم الزوج الأول بعد أن دخل بها الثاني وزعم الثاني أنه لم يدخل بها لم تحل للأول لظهور أن الثاني أفاتها، ولا للثاني لإقراره أن الأول أحق بها، يعنون إلا أن يطلقها الثاني فيتزوجها الأول إن كان تقدم له فيها طلقة أو لم يتقدم له فيها طلاق، وإن كان قد تقدم له في هذا الفرع طلقتان فعلى المشهور تحل للأول ولا يضرها إنكار الثاني للدخول. وعلى قول أصبغ لا تحل له وإن أقر بوطئها. انتهى. وهو مخالف لما مر عن غير واحد، وهو الخرشي وعبد الباقي والشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. فإن جاء يعني أن المفقود إذا جاء فإن حكم زوجته كحكم ذات الوليين، فقوله الآتي: فكالوليين، جواب الشرط أعني قوله: فإن جاء؛ أي فإن جاء المفقود فحكم زوجته كحكم ذات الوليين المتقدمة في قوله: وإن أذنت لوليين فعقدا لخ، وتحت قوله: فإن جاء فكالوليين سبع صور، إحداها: أن يجيء في العدة أعني المتقدمة في قوله: ثم اعتدت كالوفاة فهي له، الثانية: أن يجيء بعد العدة وقبل عقد أحد عليها فهي له أيضا، الثالثة: أن يجيء بعد عقد الثاني وقبل دخوله فهي للأول أيضا، الرابعة: أن يجيء بعد دخول الثاني مع علمه بمجيء الأول فهي للأول أيضا، الخامسة: أن يجيء بعد دخول الثاني بلا علم بمجيء الأول لكن في فاسد يفسخ بغير طلاق فتكون للأول أيضا. فهي للمفقود في هذه الصور الخمس، السادسة: أن يجيء بعد دخول الثاني بها في نكاح صحيح، السابعة: أن يجيء بعد دخول الثاني بها في نكاح فاسد يفسخ بطلاق فهي للثاني في هاتين الصورتين. أو تبين أنه حي يعني أن المفقود إذا لم يجيء لكن تبين أنه حي فإن حكم زوجته كحكم ذات الوليين أيضا، وتحت ذلك سبع صور أيضا، إحداها: أن يتبين أنه حي في العدة فهي للمفقود، الثانية: أن يتبين أنه حي بعد العدة وقبل عقد الثاني فهي للمفقود أيضا، الثالثة: أن يتبين أنه حي بعد عقد الثاني وقبل دخوله فهي للمفقود أيضا، الرابعة: أن يتبين أنه حي بعد دخول الثاني مع علمه بحياة الأول فهي للمفقود أيضا،
стр. 4804
الخامسة: أن يتبين أنه حي بعد دخول الثاني بلا علم بحياة الأول لكن في نكاح فاسد يفسخ بغير طلاق فهي للمفقود أيضا، السادسة: أن يتبين أنه حي بعد دخول الثاني غير عالم بحياة الأول في نكاح صحيح، السابعة: أن يتبين أنه حي بعد دخول الثاني غير عالم بحياة الأول في نكاح فاسد يفسخ بطلاق، فهي للثاني في هاتين الصورتين، فهي للأول في خمس وللثاني في صورتين. أو مات عطف على حي لأنه اسم يشبه الفعل لأنه صفة مشبهة؛ يعني أن المفقود إذا تبين أنه مات فإن حكم زوجته كحكم ذات الوليين. وعلم مما قررت أن قوله فكالوليين جواب الشرط أعني قوله: فإن جاء لخ، فهو راجع للمسائل الثلاث. وقوله: أو مات، حاصل مسألة الموت أن لها حالتين، إحداهما: أن يتبين موته والحال أنه لم يعقد عليها أحد فإنها ترث المفقود قطعا، الحالة الثانية: أن يتبين أنه مات بعد عقد أحد عليها، وفيها ثلاثة أقسام، الأول: أن يعقد عليها في حياة المفقود، الثاني: أن يعقد عليها في عدتها منه، الثالث: أن يعقد عليها بعد العدة، وفي كل قسم صور، القسم الأول: أن يعقد عليها في حياته فإن لم يدخل أو دخل في حياته عالما بحياته أو دخل في عدته عالما بحياته وموته أو لا علم عنده، ورثت الأول في هذه الصور ولم تكن للثاني، فإن دخل في حياة الأول غير عالم بحياته كانت للثاني ولم ترث الأول، فإن عقد عليها قبل موته ودخل بعد العدة ورثت الأول وتأبد تحريمها على الثاني عند ابن أبي زيد لا عند اللخمي فتكون للثاني. القسم الثاني: أن يعقد في عدة المفقود فترث الأول على كل حال دخل أم لا علم أم لا ولا تكون للثاني، وتتأبد عليه إن دخل كان دخوله في العدة أو بعدها. القسم الثالث: أن يعقد عليها بعد العدة فهي للثاني وترث الأول دخل أو لم يدخل. والحاصل أنها ترث الأول في جميع هذه الأقسام إلا في صورة واحدة وهي إذا تبين أنه عقد ودخل في حياة الأول غير عالم، وهذا القسم الأخير واضح ويدخل في قوله: وورثت الأول إن قضي له بها كما قاله الشيخ بناني؛ يعني أن امرأة المفقود ترثه حيث قضي له بها وذلك في جميع الأقسام المذكورة إلا في الصورة المستثناة، وهي: ما إذا تبين أنه عقد ودخل في حياة الأول غير عالم. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأول: قال اللخمي: فإن جهلت التواريخ وقد دخل الثاني لم يفسخ نكاحه ولم ترث الأول لأنه لا يفرق بينها وبين الثاني بالشك، ولا ترث أيضا بالشك. نقله الإمام الحطاب. قال
стр. 4805
مقيده عفا الله عنه: وهذا يفيده المص حيث قال: أو تبين، والله سبحانه أعلم. الثَّاني: لو عقد عليها الثاني ثم مات قبل أن يبني بها وورثته ثم ثبت موت الأول بعد أن نكحت ردت ميراث الثاني وورثت الأول. قاله غير واحد. الثالث: قال في المنتقى: قال ابن حبيب من تزوج امرأة لها زوج غائب لا يدرى أحي هو أم ميت ثم تبين أنه مات لمثل ما تنقضي فيه عدتها قبل نكاحه أن نكاحه ماض. نقله الحطاب. الرابع: لو قدم المفقود بعد أن خلا بها الثاني فقال للأول: ما قربتها، لحرمت على الثاني لأنه أقر أنها زوجة للأول ولم تحل للأول لظهور الإبانة إلا أن يخطبها بعد ثلاث حيض، وجعل اعترافه كالطلاق وإن لم يطلق، فتحل لذلك الزوج ولا تحل لغيره إن اعترفت أن الثاني لم يصبها لأنها مقرة أنها زوجة للأول، وإن ادعت أنه أصابها حلت له ولغيره لأنه يعد ذلك منه طلاقا، وإن أنكرت أن يكون أصابها ولم يصدقها الأول ولا راجعها كان لها أن ترفع أموها إلى السلطان فيطلق على الأول لأنها تقول: لا أبقى بغير نفقة، ولو أنفق عليها لكان لها أن تقوم بعدم الإصابة؛ لأن إنكار الأول أن تكون صدقت وقوله: لا علم عندي، لا يعد طلاقا. انتهى. نقله في التوضيح عن محمد. ونقله ابن عرفة عن اللخمي عن محمد أيضا. قاله بناني. الخامس: ما مشى عليه المص مخالف لما في الموطإ من أنها إن تزوجت بعد انقضاء عدتها فهي للثاني دخل بها أم لا لا للأول. والله أعلم. ولو تزوجها الثاني في عدة فكغيره يعني أنه إذا تبين أن الثاني تزوج امرأة المفقود في عدتها منه فإنه يكون كغيره ممن تزوج في العدة فيفسخ نكاحه إن لم يدخل وكان خاطبا إن أحب، فإن تلذذ فيها أو وطئ ولو بعدها تأبد تحريمها عليه، وأشار المص إلى مسائل لا تفوت فيها المرأة بالدخول بقوله: وأما إن نعي لها جواب أما قوله الآتي: "فلا تفوت بدخول"؛ يعني أن المرأة إذا نعي لها زوجها أي أخبرت بموته من عدلين أو غيرهما كما لبناني فاعتدت وتزوجت ثم قدم الزوج المنعي فإنها لا تفوت على زوجها المنعي لها ولو ولدت الأولاد، فليست كامرأة المفقود تفوت بدخول الثاني بها غير عالم بحياة الأول ونحوها، وهذا هو المشهور. وقال القاضي إسماعيل: حكمها حكم امرأة المفقود، وقيل: تفوت بدخول الثاني إن حكم حاكم بموت الأول وإلا فلا. وقد علمت أن المشهور القول الأول: وهو أنها لا تفوت بدخول الثاني مطلقا حكم حاكم بموت الأول أم لا، علم الثاني حين الدخول أم لا والفرق للمشهور أن الحكم في المفقود استند إلى اجتهاد الحاكم بثبوت الفقد ولم يتبين خطؤه
стр. 4806
لوجود الفقد، والمنعي لها زوجها حكم الحاكم بموته مستندا إلى شهادة تبين خطؤها وإن لم يحكم بذلك حاكم فواضح، وقوله: وأما إن نعي لها، المنعي هو الإخبار بالموت ونعي فعل ماض مركب والمنعي اسم مفعول وهو بفتح اليم وسكون النون وكسر المعين وتشديد الياء.
تنبيهان: الأول: إذا ردت إلى الأول فلا يقربها حتى تحيض أو تضع حملها إن كانت حاملا وتعتد في بيتها الذي كانت تسكن فيه مع الآخر ويحال بينه وبين الدخول عليها. عياض: لا إشكال في منع الثاني من النظر إليها لأنه أجنبي، وأما الأول فلا إشكال في منع الوط لاختلاط الأنساب، وأما ما عداه من الاستمتاع فمباح لأنها زوجته، وإنما حبسه لأجل اختلاط النسبين كما لو استبرأها من زنى، وبدليل لو كانت المغصوبة ظاهرة الحمل من زوجها لجاز له وطؤها إذ الإلد ولده عند ابن القاسم، وكرهه أصبغ كراهة لا تحريما. نقله الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله: وأما إن نعي لها، وتعتد من الثاني بثلاث حيض أو ثلاثة شهور أو وضع الحمل في بيته التي (١) كانت تسكن فيه معه ويحال بينه وبينها، فإن مات القادم فعدة وفاة ولا ترجم إن لم يكن موته فاشيا لأن دعواها شبهة. انتهى. وقوله: وأما إن نعي لها، قال الشارح عنده بعد أن حكى الأقوال الثلاثة: فإن لم يدخل بها الثَّانِي لم تفت بلا خلاف. الثاني: قال ابن الحاجب: قال أبو عمران: لو ثبت موته عندها برجلين ولم يظهر خلافه لم يفسخ إلا أن يكونا غير عدلين أو لم يعلم إلا بقولها. قال في التوضيح: ما ذكره عن أبي عمران لا يؤخذ منه جواز ذلك ابتداء، ونقل عنه ابن يونس وغيره أنه يجوز لها أن تتزوج بخبر العدلين. وليس عليها أن ترفع إلى الحاكم ولا يفسخ انتهى نقله الحطاب. أو قال: عمرة طالق مدعيا غائبة فطلق عليه ثم أثبته يعني أن الرجل إذا كان له زوجة تسمى عمرة لا يعرف له غيرها من امرأة تسمى باسمها، فقال: عمرة طالق وادعى أن له زوجة غائبة تسمى عمرة وأنها التي قصدها بالطلاق فلم يصدق وطلقت عليه الحاضر لعدم معرفة نكاحه غيرها، فاعتدت وتزوجت ودخل بها هذا الزوج الأخير، ثم إن الزوج الأول الذي قال: عمرة طالق أثبته أي أثبت نكاح امرأة غائبة تسمى عمرة، فإن الحاضرة ترد إليه ولا تفوت بدخول الثاني. قاله محمد. فالضمير في أثبته عائد على النكاح أي أثبت نكاح المرأة التي ادعى نكاحها. وقوله: غائبة، صفة لموصوف محذوف أي امرأة غائبة. قاله الشارح.
стр. 4807
وذو ثلاث وكل وكيلين يعني أن الرجل إذا كان له ثلاث زوجات في عصمته ووكل وكيلين على أن يزوجاه فعقدا له مترتبين وفسخنا نكاح الأولى ظنا منا أنها الخامسة فاعتدت وتزوجت ودخل بها الثاني ثم ثبت بالبينة أنها الرابعة فإنها لا تفوت بدخول الثاني على من فسخ نكاحها منه، ويفسخ نكاح التي أبقاها بلا إشكال ولو ولدت الأولاد؛ لأنها الخامسة، وقرر المص أيضا بأن ذا الثلاث زوجة كل من وكيليه زوجة وجهل تاريخ الأخيرة ففسخ نكاحهما لذلك وتزوجتا ودخل بهما، ثم ثبت سبق إحداهما للأخرى، فإن السابقة لا تفوت بدخول الثاني. والمطلقة لعدم النفقة ثم ظهر إسقاطها يعني أن المرأة إذا قامت بحقها في النفقة فطلقها الحاكم وتزوجت ودخل بها هذا الزوج الثاني ثم بعد دخول الزوج الثاني بها ظهر إسقاطها عن الزوج الذي طلقت عليه لعدم النفقة بأن أقام بينة أنه كان يرسلها لها وأنها وصلتها أوأنه تركها عندها مثلا فإنها لا تفوت بدخول الثاني، وهل إقامة بينة على أنها أسقطتها عنه في المستقبل كذلك؟ كما نقله أبو الحسن عن عبد الحق ولم يذكر خلافه، وهو ظاهر تقييد المص بإسقاط دون سقوط أو لا يلزمها ذلك؛ لأنه من إسقاط الشيء قبل وجوبه وهو ما للقرافي وأقره ابن الشاط خلاف. قاله، عبد الباقي. وقال الشبراخيتي بعد أن حكى الخلاف ما نصه: وأما لو ظهر إسقاطها بسبب علمها حين تزوجته أنه فقير أو أنه من السؤَّال فإنها لا تفوت بدخول أيضا ولو على ما ذكره القرافي. انتهى. وذات المفقود تتزوج في عدتها فيفسخ يعني أن زوجة المفقود إذا تزوجت في عدتها المقدرة لها في تمويته وأحرى لو تزوجت في الأجل المضروب لها وفسخنا نكاحها إعطاء للمقدر حكم المحقق فاستبرئت ثم تزوجت بثالث ودخل بها، ثم ظهر أن نكاحها في العدة المقدرة لها صحيح لكون المفقود قد مات قبل ذلك وانقضت عدتها منه قبل النكاح المذكور، فإنها لا تفوت على الثاني بدخول الثالث بل ترد إلى الثاني. أو تزوجت بدعواها الموت يعني أن المرأة إذا ادعت أن زوجها مات وتزوجت لذلك ولم يعلم ذلك إلا من قولها ففسخنا نكاح هذا الثاني لأجل ذلك ثم تزوجت بثالث ودخل بها، ثم ظهر أن دعواها موافقة لما في نفس الأمر وأن نكاح الثاني كان على الصحة، فإنها لا تفوت على الثاني بدخول الثالث، ولا حد عليها؛ لأن دعواها شبهة تدرأ عنها الحد. أو بشهادة غير عدلين يعني أن المرأة إذا غاب زوجها فشهد غير عدلين بموته، فتزوجت معتمدة على شهادتهما ففسخ نكاح هذا الثاني لعدم عدالتهما، ثم تزوجت ثالثا ثم يظهر أن نكاح من
стр. 4808
تزوجته بشهادة غير عدلين كان على الصحة لكون عدلين أرخا بتاريخ تنقضي فيه عدتها قبل نكاح المتزوج بشهادة غير عدلين فإنها لا تفوت بدخول الثالث. فقوله: فيفسخ. راجع لهذه وللتي قبلها. وقوله: ثم يظهر أنه كان على الصحة راجع لهذه واللتين قبلها. وقوله: فلا تفوت بدخول. جواب أما فهو راجع للمسائل السبع، ومفهوم قوله: غير عدلين، أنه لو شهد عدلان لا يفسخ نكاح الثاني إلا أن يتبين نقض ما يوجب الحكم بشهادتهما، كمجيء المشهود بموته فإنها لا تفوت بدخول الثاني وترد للأول، كما قدمه بقوله: وأما إن نعي لها فإنه يشمل ما إذا أخبرها بموته عدلان وغيرهما، كما مر عن الشيخ بناني. وقوله: أو بشهادة غير عدلين، قدمت في أول الحل أنهما شهدا على الموت تبعا للخرشي وعبد الباقي والشبراخيتي والأمير؛ وأما لو شهدا على الطلاق ففسخ لكونهما غير عدلين وتزوجت ثالثا ثم ظهر أن نكاح الثاني كان صحيحا، لم تفت بدخول الثالث وترد إلى الثاني، فلا فرق بين الموت والطلاق، لقول ابن عبد السلام: إن عقود النكاح إذا ترتبت وكثرت فإن صحة الثاني مشروطة بخلو المرأة عن الزوج. وفيه أيضا ما يفيد ما ذكرته وهو واضح. قال بعضهم: بقي على المص مسألتان، الأولى: إذا أسلمت زوجة النصراني وتزوجت ثم ثبت أنه أسلم قبلها أو بعدها في العدة كان أحق بها من الثاني ولو ولدت. الثانية: الأسير يتنصر ولا يدرى أكان طائعا أم مكرها ثم تتزوج امرأته ثم يقدم فيثبت أنه كان مكرها فإنها ترد إليه وإن دخل بها الثاني. قال عبد الباقي: وهو ضعيف في المسألتين، والمذهب أنها تفوت بالدخول فيهما انتهى وقال الشبراخيتي بعد أن ذكر المسألتين ولكن مقتضى ما ذكر الحطاب وابن عرفة أن الراجح أنها تفوت بالدخول، فقد علم من هذا أن ترك المص لهاتين المسألتين في المسائل التي لا تفوت فيها بالدخول، موافق لما تجب به الفتوى واعلم أن المرأة إذا بلغها طلاق زوجها أو موته ولو بخبر من لا يثبت به ذلك فإنها تعتد من يوم طلق أو مات، فلذلك لو لم يبلغها الخبر حتى انقضت عدتها حلت للأزواج في الموت والطلاق. وقد نظمه بعضهم بقوله:
ألا قل لمن تاتيك تسئل عدة … بموت مُغيب أو طلاق ولم تدر
فإن فات قبل العلم مقدار عدة … فَحَسْبُهَـ ذاك حل بُضعهـ عن خبر
стр. 4809
وإن قل ما قد فات تمكث ما بقي … من العدد المذكور في محكم الذكر
وفي المدونة: وإذا بلغها موت زوجها فعدتها من يوم الموت، فإن لم يبلغها ذلك حتى انقضت عدتها فلا إحداد عليها وقد حلت. انتهى. والضرب لواحدة ضرب لبقيتهن وإن أبين يعني أن من قام من نساء المفقود بعد ضرب الأجل لواحدة منهن مثلا لا يضرب للقائمة الآن أجل ثان بل يكفي أجل الأولى، وإن أبين من القيام وضرب الأجل حين قامت الأولى فلها أن تقوم بعد الإباية ويكتفى لها بأجل الأولى ولا تحتاج لضرب أجل آخر، حتى أن من قامت منهن بحقها بعد مضي الأجل وانقضاء العدة لا تحتاج لعدة، بل تتزوج إن أحبت وإن قامت قبل ذلك تنتظر ما بقي. والحاصل أن من قامت منهن بعد انقضاء العدة المقدرة في تمويته لها أن تتزوج في ذلك الوقت الذي قامت فيه من غير احتياج إلى شيء من تأجيل وعدة، فإن لم يقمن بحقهن وطلبن البقاء فلهن ذلك، وتستمر لهن النفقة ولا عدة عليهن. وليس معنى المصنف أن من قامت من نسائه فضرب لها الأجل ثم اعتدت أن الباقي منهن تلزمه العدة وتنقطع عنه النفقة. وقوله: وإن أبين، هو قول مالك وابن القاسم، وقيل: لا يكون ضربا لمن لم ترفع أمرها منهن. والأول هو الظاهر، ابن عبد السلام: والثاني أقرب. قاله الشارح. وبقيت أم ولده يعني المفقود تبقى أم ولده في ملكه لمضي التعمير وإن رفعت أمرها للحاكم ليضرب لها أجلا، فلا تجاب إلى ذلك، وهذا إن كان له ما تنفق منه وإلا نجز عتقها عند أكثر الموثقين وصوبه ابن سهل. وحلت بحيضة بعد أن تثبت أمومة ولدها وغيبة السيد، وعدم إمكان الإعذار فيها، وعدم النفقة، وما يعدى فيه، من غير يمين عليها أنه لم يخلف شيئا؛ وذهب ابن الشقاق وابن العطار وابن القطان إلى أنها لا تعتق وتسعى في معاشها حتى يثبت موته أو تمضي مدة التعمير. ذكر التتائي هذين القولين. قاله عبد الباقي. وقال محمد بن الحسن: ذكر يعني عبد الباقي عن التتائي في أم الولد يغيب عنها سيدها وتعدم النفقة قولين: تنجيز العتق، وسعيها في معاشها؛ وزاد ابن عرفة قولا ثالثا ونصه: معن أعسر بنفقة أم ولده فقيل: تزوج ولا تعتق. وقيل تعتق، وكذا إن غاب سيدها ولم يترك لها نفقة. انتهى. وماله يعني أن مال المفقود يبقى في ملكه ولا يورث عنه لمضي التعمير إذ لا ميراثظ
стр. 4810
بالشك، فالتمويت المتقدم إنما هو بالنسبة للزوجة، وإذا مضت مدة التعمير ورث ماله ويقسم على ورثته حين الحكم بتمويته لمضي التعمير، فالمعتبر وارثه إذ ذاك لا يوم بلوغه سن التعمير وإن لم يحكم. كما قاله بناني رادا على عبد الباقي. ونص بناني: المعتبر وارثه يوم الحكم بتمويته. كما نقله الحطاب عن ابن عرفة. وأقوال المذهب واضحة بأن مستحق إرثه وارثه يوم الحكم بتمويته لا يوم بلوغه سن تمويته. انتهى. وقوله: وماله يعني ما لم يثبت موته فإن ثبت موت قسم حين ثبوته كما في المدونة. قال الشارح: قال في المدونة: أو يصح موته فيرثه ورثته يوم صح موته، وحكى ابن راشد قولا: إن ذلك يقسم بعد الأربعة أعوام. انتهى. فإن جاء المفقود بعد قسم تركته فإن القسم لا يمضي ويرجع له متاعه، ولا يقاس هذا على ما في آخر الاستحقاق أن الوصي لا يضمن ويمضي المبيع إن عذرت بينته؛ لأن ذلك بمعاوضة. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وينفق من ماله على رقيقه وولده لا على أبويه إن لم يكن قضى بها قاض قبل الفقد انتهى. وقوله: وماله من عطف العام على الخاص لأن أم الولد مال. قاله الشبراخيتي. وزوجة الأسير يعني أن زوجة الأسير أي الذي أسره العدو أي الكفار لا يضرب لها الأجل المتقدم، بل تبقى في عصمته لمضي التعمير أو يثبت موته، سواء علم موضعه أم لا: وإنما لم يضرب لزوجة الأسير أجل لتعذر الكشف كن حاله والفحص عن خبره؛ لأن الإمام لا يصل إلى كشف حاله كما يفعل بالمفقود، وقاله في المدونة. قال: وسواء علمنا موضعه أم لا لأنه معلوم أنه قد أسر، وخرج اللخمي أن امرأته تطلق عليه، قياسا على أحد القولين فيمن قطع ذكره. ولا خلاف أنه متى عرف مكانه وثبتت حياته أن اسرأته لا تتزوج حتى يموت. ذكره ابن حارث. فلو هرب من بلاد العدو وجهل خبره فإن لم يثبت دخوله بلاد الإسلام فله حكم الأسير وإلا فكالمفقود قاله الشارح. ومفقود أرض الشرك هذا هو القسم الثاني من أقسام المفقود؛ يعني أن المفقود بأرض الشرك تبقى زوجته في عصمته لانقضاء أمد التعمير ولا يضرب لها الأجل المتقدم، ومحل بقاء زوجة الأسير ومفقود أرض الشرك للتعمير إنما هو إن دامت نفقتهما، وإلا فلهما الطلاق، وإذا ثبت لهما الطلاق بذلك فبخشية الزنى أولى؛ لأن ضرر ترك الوطء أشد من ضرر عدم النفقة، ألا ترى أن إسقاطها يلزمها؟ على ما مر وإسقاطها حقها في الوطء لها أن ترجع فيه، والنفقة يمكن تحصيلها بتسلف أو سؤال، بخلاف الوطء. وإذا مضت مدة التعمير حكم بموته واعتدت زوجة كل عدة وفاة وقسم ماله على
стр. 4811
ورثته، فإن جاء بعد القسم لتركته لم يمض القسم ويرجع له متاعه، ومن شك في فقده بأرض الإسلام أو الكفر فينبغي أن يلحق بمفقود الكفر احتياطا في زوجته وماله. قاله عبد الباقي. وبحث فيه الرهوني عن شيخه بأنه لا يصح، وقد قال مالك وأصحابه فيمن وطئ مرة وانقطع ذكره: إن زوجته لا تطلق عليه ولو كانت تشتعل نارا من الشهوة. وجلب ما يتيسر به إبطال كلام عبد الباقي ولم يتسع هنا المحل لجلب بعضه. والله تعالى أعلم. وقوله للتعمير غاية للبقاء في المسائل الأربع؛ أي تبقى أم ولد المفقود وماله وزوجة الأسير ومفقود أرض الشرك إلى الحكم بالتمويت بعد مضي مدة التعمير. فقوله: للتعمير، فيه مقدر أي للحكم بالتعمير يدل عليه قوله: وإن اختلف الشهود لخ؛ لأن الشهادة لا تكون إلا عند حاكم، وبهذا يوافق ما أفتى به ابن عرفة. قاله الشبراخيتي. وأشار المص إلى أمد التعمير بقوله: وهو سبعون يعني أن نهاية مدة التعمير سبعون سنة من يوم ولد هذا الشخص، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب، وتسميها العرب دقاقة الأعناق، وقوله: وهو سبعون لخبر (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين (١)) وقل من يجاوز ذلك. قاله الشبراخيتي. وقال الشارح: قال عبد الوهاب: وهو الصحيح. وقال ابن يونس: هو الظاهر لقوله ﵊: (أعمار أمتي) لخ، ولمالك وابن القاسم قول أيضا: أن أمد التعمير ثمانون سنة، وإليه أشار بقوله: واختار الشيخان ثمانين يعني أن الشيخين وهما أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني والشيخ أبو الحسن علي القابسي اختارا كون أمد التعمير ثمانين سنة وحكم بخمس وسبعين يعني أنه حكم ابن زرب وغيره بأن أمد التعمير خمس وسبعون سنة. قال الباجي في سجلاته: وبه القضاء. قاله الشبراخيتي. وقال الشارح: هكذا قال ابن العطار: إن الحكم به عندهم، وبه كان يحكم ابن زرب. وعن ابن الماجشون: تسعون، وعنه: مائة، ونحوه لأشهب وابن حبيب، وإليه رجع مالك. وعن ابن القاسم: هو الثمانون أو التسعون. وعن ابن عبد الحكم: أنه مائة وعشرون. انتهى. قال التتائي: وظاهر كلام المص ترجيح الأول. وإلَّا حَكَاها أقوالا على عادته. قال ابن عرفة: أخبرني بعض قضاة شيوخنا عن نفسه أو عن بعض شيوخه أنها نزلت بتونس فحكم القاضي حينئذ بتمويته بخمس وسبعين سنة، وأشهد القاضي على حكمه بذلك بعد ثبوت ما يجب في ذلك شهيدين، ورُفِع الرسم إلى سلطانها، فقيل:
стр. 4812
هذا القاضي والشهيدان كل منهم جاز هذا السن، فألغي الإعمال به بعد ضحك أهل المجلس تعجبا من حكم القاضي وشهادة شهيديه. انظر الشبراخيتي. وفيه: ورُدَّ هذا بأن حكم الحاكم جزءي لا كلي، وأيضا النظر في السن للغالب من أحوال الناس. انتهى. وقال بناني: قال ابن عرفة: وعلى السبعين إن فقد لها زيد عشرة أعوام، أبو عمران: وكذا ابن الثمانين، وإن فقد ابن خمس وتسعين زيد له خمس سنين، وإن فقد ابن مائة اجتهد فيما يزاد له. انتهى. وقال الشبراخيتي: سئل أبو عمران عن الذي يفقد وهو ابن ثمانين سنة؟ قال: يضرب له عشر سنين، وكذلك إن كان ابن تسعين سنة. وأما إن كان ابن خمس وتسعين سنة فإنما يضرب له خمس سنين، وإن كان ابن مائة اجتهد فيما يضرب له قال غيره: كالسنة ونحوها. انتهى. ابن يونس: وفي كتاب ابن سحنون: إذا فقد ابن ثمانين أو تسعين أو مائة استحب أصحابنا أن يزاد على ذلك عشر سنين، وقال بعض أصحابنا: الأول أصوب؛ المتيطية: إن فقد وهو ابن مائة عمر بأعوام يسيرة بقدر الاجتهاد، وقيل: بعشر سنين، وقيل: بالعام والعامين، وإن كان ابن مائة وعشرين تلوم له بعام واحد. قاله الشبراخيتي. وفيه: أن من فقد وهو ابن سبعين أو ابن خمس وسبعين أو ابن ثمانين أو أكثر ينظر إلى حاله من قوة وضعف يوم فُقِدَ، فَقَد يكون صحيح البنية مجتمع القوى وعكسه. فيعتبر في الزيادة حاله، والذي ينبغي في جميع ذلك الرجوع لما يقوله أهل المعرفة بذلك.
فائدة: الشيخان قد عرفتهما، والقرينان: ابن نافع وأشهب، والأخوان: مطرف وابن الماجشون، والقاضيان: عبد الوهاب وإسماعيل، والمحمدان: محمد بن المواز ومحمد بن سحنون. وقال التتائي: محمد بن المواز ومحمد بن عبد الحكم. وإن اختلفت الشهود في سنه فالأقل يعني أن المفقود إذا اختلفت الشهود في سنة حين فقد، فقال بعضهم: سنة عشرون مثلا، وقال بعضهم سنة كذا، أقل أو أكثر، فإنه يعمل بقول الأقل من الشهادتين لأنه أحوط، ويشمل المصنف صورتين، إحداهما: أن تشهد بينة بأن سنه كذا وتشهد أخرى بأن سنه كذا أقل منه أو أكثر، الثانية: أن يشهد واحد أن سنة كذا ويشهد آخر أن شه كذا أقل أو أكثر. انظر. الشبراخيتي وتجوز شهادتهم على التقدير يعني أنه تجوز شهادة الشهود في سن المفقود على التقدير أي على ما يقدرونه في أنفسهم بغلبة ظنهم فلا يشترط التحقيق في قدره للضرورة بأن يقولوا: يغلب على
стр. 4813
ظننا أنه فقد وسنه كذا. قاله الشبراخيتي. وحلف الوارث حينئذ أي حين الشهاة على التقدير يعني أنه إذا شهد الشهود على سن المفقود على التقدير فإنه لابد مع ذلك أن يحلف الوارث على البت على وفق ما ذكره الشهود. قال الشارح: لابد مع ذلك من يمين الوارث على وفق ما ذكر الشهود. انتهى. ومفهوم حينئذ أنه إن شهد الشهود على القطع فلا يمين على الوارث وهو كذلك، وإنما يحلف من الورثة من يظن به المعلم. وظاهر المص أنه لابد من حلف الوارث وإن لم يختلف الشهود في سنه. قاله عبد الباقي. وعلم منه أن قول المص: وإن اختلفت الشهود في سنة فالأقل، شامل لما إذا شهدت الشهود على التقدير. قاله مقيده عفا الله عنه. والله أعلم. وإن تنصر أسير فعلى الطوع يعني أن المسلم إذا أسره العدو ثم ثبت أنه تنصر أو تهود أو تمجس والعياذ بالله تعالى، فالمراد أنه ارتد عن ملة الإسلام أعاذنا الله من ذلك، فإنه يحمل في حكم الشرع عند جهل حاله على أنة كفر طائعا حتى يثبت الإكراه، نسئل الله السلامة، فتبين زوجته ويوقف ماله، فإن مات مرتدا كان للمسلمين، وإن أسلم كان له. قاله ابن يونس. ونحوه في المدونة، وكذا في المواق عن المتيطية. قاله بناني. ولو تزوجت زوجته ثم تبين أنه مكره فكامرأة المفقود، وقيل: كالمنعي لها زوجها. وقد مر أن المشهور هو الأول. وإذا علم الإكراه فكالمسلم تبقى زوجته في عصمته وينفق عليها من ماله، وإن شهدت بينة بالإكراه وأخرى بالطوع فبينة الإكراه مقدمة لأنها علمت ما لم تعلم الأخرى. وقوله: وإن تنصر أسير فعلى الطوع، قال الشبراخيتي: وهو مقيد بما إذا لم يكن من أسره ممن اشتهر عنهم أنهم يكرهون الأسير المسلم على الكفر، وإلا حمل على الإكراه، وهو تقييد متجه انتهى وقوله: وإن تنصر أسير فعلى الطوع، قال الشارح: هو مذهب المدونة وهو المشهور، وإنما حمل على الطوع مع جهل الحال لأنه الأصل فيما يصدر من العقلاء في الأفعال والأقوال؛ وعن مالك: أنه محمول على الإكراه لأنه الغالب من حال المسلم، أما إذا علم طوعه أو إكراهه عمل على ذلك بلا إشكال. وقاله في المدونة. انتهى. واعتدت في مفقود المعترك بين المسلمين بعد انفصال الصفين يعني أن من فقد في القتال الحاصل لأجل الفتن بين المسلمين وشهدت البينة العادلة أنه حضر المعترك أي موضع القتال تعتد زوجته بعد انفصال الصفين؛ أي من حين فراغ القتال، ويحمل أمر من فقد في ذلك القتال على أنه مات، وأما لو شهد البينة بأنه خرج في الجيش ولم يروه في المعركة فإن زوجته تكون كزوجة المفقود في بلاد
стр. 4814
الإسلام، ويجري فيه ما مر. وما مشى عليه المص هو قول مالك فإنه قال: تعتد زوجته من يوم التقاء الصفين، وهذا يحتمل من الابتداء، ويحتمل من الانتهاء، فيحمل على الانتهاء للاحتياط في العدة والانتهاء هو انفصال الصفين أي الفراغ من القتال، وقال أصبغ: يضرب لامرأته بقدر ما يستقصى أمره ويستبرأ خبره، وليس لذلك حد معلوم. واختلف الشيوخ في فهم كلام الإمام، فمنهم من فسره بكلام أصبغ فيكون قول أصبغ موافقا له، ومنهم من فسره بظاهره فيكون قول أصبغ مخالفا له. إلى ذلك أشار بقوله: وهل يتلوم ويجتهد تفسيران يعني أن الشيوخ اختلفوا في فهم كلام الإمام فمنهم من فسره بكلام أصبغ فيكون قول أصبغ موافقا له، وعليه فالإمام مالك يقول: يتلوم له؛ أي تنتظر مدة يستقصى فيها أمره بعد انفصال الصفين تعتد بعدها ولا تعتد بمجرد انفصال الصفين ويجتهد في تلك المدة بقدر ما يستبرأ خبره، وعلى هذا حمله ابن عبد السلام فإنه جعل قول أصبغ تفسيرا لقول الإمام مالك، فقوله: ويجتهد، كعطف التفسير على: يتلوم، ومنهم من حمل قول الإمام على ظاهره، فتعتد الزوجة المذكورة بعد انفصال الصفين من غير تلوم، فيكون قول أصبغ خلافا لقول لمالك، وهذا تفسير ابن الحاجب، فأشار المص إلى تفسير ابن عبد السلام وابن الحاجب بقوله: وهل يتلوم ويجتهد تفسيران، وقوله: تفسيران، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تفسيران. وقال الشارح: الأقرب أنَّه تفسير، وقال الحطاب: هذا إذا شهدت البينة العادلة أنه حضر المعترك، وأما إن كان إنما رأوه خارجا عن العسكر ولم يرود في المعترك فحكمه حكم المفقود في زوجته وماله باتفاق. انتهى من التوضيح ناقلا له عن المقدمات. انتهى. وورث ماله حينئذ يعني أنه يورث ماله حينئذ أي حين الشروع في العدة بعد انفصال الصفين وانقضاء التلوم على القول به، وقوله: واعتدت في مفقود لخ، وقيل: كالفقود، وقيل: تتربص سنة، قال الشارح: اللخمي: ومن جعل حكمه كالمفقود وأن الزوجة تتربص أربع سنين وقف ماله إلى التعمير. وقال: واختلف على القول بأنها تتربص سنة، فقيل: يقسم ماله في ذلك الوقت، وقيل: يوقف إلى التعمير. انتهى. وقال الشبراخيتي: على أن قول أصبغ خلاف تعتد وترث بعد انفصال الصفين ولو ماتت قبل الإمام والاجتهاد؛ وعلى الوفاق لا ترث إلا بعد الأمر بالاجتهاد ومضي قدره وكذا غيرها من ورثته. انتهى. كالمنتجع لبلد الطاعون الانتجاع هنا بمعنى التوجه والارتحال؛ يعني أن من ارتحل إلى بلد الطاعون يحمل على الموت. قال عبد الباقي: تعتد زوجته
стр. 4815
بعد ذهاب الطاعون ويورث ماله حينئذ ويحمل على الموت ولا يضرب له أجل المفقود. قوله: بعد ذهاب الطاعون، قال بناني: الظاهر من نقل المواق خلافه. انتهى. وقال الشارح: اللخمي وغيره: ويحمل من فقد في زمن الطاعون أو في بلد توجه إليه وفيه طاعون على الموت. انتهى. ومثل الطاعون ما في حكمه مما يكثر عنه الموت كسعال ونحوه، فقد ذكر بعض أصحاب مالك: أنه كان بطريق مكة سعال وكان الرجل لا يسعل إلا يسيرا فيموت، فَفُقِدَ ناسٌ ممن خرج إلى الحج فلم يأت لهم خبر بحياة ولا موت، فرأى مالك أن تقسم أموالهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيره للذي نقلوه من موت الناس من ذلك السعال. قالوا: وكذلك الشأن في أهل البوادي في الشدائد ينتجعون من ديارهم إلى غيرها من البوادي ثم يفقدون أنهم يحملون على الموت، وقد علم ذلك من حالهم. قاله ابن عبد السلام. أو في زمنه أي الطاعون يعني أن من فقد ببلده من غير انتجاع لكنه فقد في زمن الطاعون تعتد زوجته بعد ذهاب الطاعون. فائدة أخرج أبو نعيم في الحلية عن الشافعي: قال: أحسن ما يداوى به الطاعون البنفسج، وفي لفظ: لم أر للوباء أنفع من البنفسج يدهن به ويشرب، ومما يكتب للوباء ويعلق، اللهم سكن فتنة صدمة قهرمان الجبروت بألطافك الخفية الواردة النازلة من باب الملكوت حتى نتشبث بلطفك ونعتصم بك عن إنزال قدرتك، يا ذا القدرة الكاملة والرحمة الشاملة، يا ذا الجلال والإكرام. انظر الشبراخيتي. والطاعون أخص من الوباء الأنه طعن الجن، والوباء مرض عام، فكان الأولى بالص أن يقول: لبلد الوباء. قاله الشبراخيتي. وأشار إلى القسم الرابع من أقسام المفقود بقوله: وفي الفقد بين المسلمين والكفار بعد سنة بعد النظر يعني أن الزوج إذا فقد في القتال الواقع بين المسلمين والكفار فإن زوجته تعتد بعد مضي سنة من اليأس منه، وتكون تلك السنة بعد النظر في أمره من السلطان، ثم بعد مضي عدتها الكائنة بعد السنة الكائنة بعد النظر تتزوج ويورث ماله حينئذ، فالظرف الأول أعني قوله: بعد سنة، متعلق بما تعلق به المجرور قبله وهو قوله: في الفقد، والظرف الثاني أعني قوله: بعد النظر، صفة لسنة، فهو ظرف مستقر متعلق بالكون أو بالاستقرار أو نحوهما، فلا يحكم بموته إلا بعد أمرين: النظر في أمره، ثم سنة بعد ذلك. قال مقيده: ومعنى النظر الكشف عنه هل هو حي أو ميت؟ وبقي على المص من أقسام المفقود خامس، وهو: من فقد في توجهه لأرض الحرب أو حين وصوله، وفيه أربعة أقوال: قيل: كمفقود أرض الإسلام، وقيل: كالأسير، وقيل: كالأول إن
стр. 4816
فقد قبل الوصول وكالأسير إن فقد بعده، وقيل: كالأول إن سافر ببحر وفقد قبل الوصول وببر فكالأسير. ابن عبد الحكم: من سافر في البحر فانقطع خبره فسبيله سبيل المفقود. وظاهره عذبا أو ملحا علم غرق المركب أم لا.
تنبيهان: الأول: قال الشارح عند قوله: وفي الفقد بين المسلمين والكفار لخ، ذكر في المقدمات فيها أربعة أقوال، روى ابن القاسم عن مالك أن حكمه حكمُ الأسير، وروى أشهب عنه أن حكمه حكم المعترك بعد أن يتلوم له سنة من يوم ترفع أمره إلى السلطان ثم تعتد، وقيل: حكمه حكم المفقود في جميع أحكامه، وحكاه محمد وعابه. وقال أحمد بن خالد: حكمه حكم المعترك في الزوجة فتعتد بعد التلوم وتتزوج، وحكمه حكم المفقود في المال، فلا يقسم حتى يعلم موته أو يأتي عليه من الزمان ما لا يحيى إلى مثله، وكلام الشيخ هنا نص عليه ابن الحاجب بهذه العبارة وتأول رواية أشهب عليه، وفيه بعدٌ. انتهى الثاني، قال بناني عند قوله: "بعد سنة بعد النظر": اعترضه مصطفى بأن الذي في عبارة المتيطي وابن رشد وابن شأس وابن عرفة ومعين الحكام وجميع من وقفت عليه من أهل المذهب سوى ابن الحاجب وتبعه المؤلف: أن السنة من يوم الرفع للسلطان لا بعد النظر، قال: ولم ينتبه ابن غازي ولا غيره شيء من هذا. والكمال لله. قلت: ما قاله المؤلف تبعا لابن الحاجب نقله في المتيطية عن بعض الموثقين ووقع القضاء به في الأندلس ونظمه صاحب التحفة رادا للقول الآخر:
وإن يكن في الحرب فالمشهور … في ماله والزوجة التعمير
وقد أتى قول بضرب عام … من حين يأس منه لا القيام
وذا به القضاء في الأندلس … لمن مضى فحققنه تأتس
قال ولده: وفي المتيطية: قال بعض الموثقين: ينبغي أن يكون ضرب السلطان للأجل من يوم اليأس من المفقود لا من يوم قيام الزوجة عنده على ما استحسن من الخلاف. انتهى. قال ولد الناظم عقبه: ولا تعارض بين نقل ابن رشد قول أشهب: إنه يتلوم من يوم الرفع مع ما تقدم عن
стр. 4817
بعض الموثقين؛ لأن محمل نقل ابن رشد إنما هو من يوم اليأس لأنه يكون قريبا من يوم الرفع فعبر بالرفع عنه تجوزا. انتهى. فتأول عبارة ابن رشد وردها لما به القضاء. انتهى. وللمعتدة المطلقة يعني أن المعتدة المطلقة تجب لها السكنى مدة عدتها، سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيا، فإن استمر الزوج حيا استمرت السكنى لها، فإن مات استمرت للبائن. وقال ابن نافع: تصير كالمتوفى عنها، وأما الرجعية فتكون كالمتوفى عنها اتفاقا. فيأتي فيها التفصيل الآتي في قوله: وللمتوفى عنها لخ، أو المحبوسة بسببه يعني أن السكنى تجب لكل امرأة محبوسة مدة تربصها على من حبست بسببه عن النكاح من مغتصبة ومزني بها غير عالة وكمعتقة ومن فسخ نكاحها لفساد أو قرابة أو رضاع أو صهر أو لعان لنفي حمل أو رؤية. وقوله: في حياته قرر على أنه متعلق بمقدر وعليه فالمعنى: أن المحبوسة بسببه إنما لها السكنى حيث اطلع على موجب الحبس في حياته، واحترز بذلك عما لو اطلع على موجب الحبس بعد موته أو قبله ولم يحصل فسخ فلا سكنى لها مدة استبرائها. قاله عبد الباقي. قال: والمعتمد أن لها السكنى في استبرائها من النكاح المفاسد ولو اطلع على فساده بعد موته. انتهى. وقال الشارح: المحبوسة بسببه من باب عطف العام على الخاص، وذكره واجب ليشمل من فسخ (نكاحُها لفساده (١)) لأنها محبوسة، وكذلك الملاعنة على المشهور. وقيل: لا سكنى لها. واختاره ابن رشد لانقطاع الزوجية وأسبابها بينهما. واحترز بقوله: في حياته، مما إذا لم يعثر على فساد النكاح إلا بعد ممات الزوج فإن المرأة حينئذ لا يكون لها في مدة الاستبراء سكنى. انتهى. وقال الشبراخيتي: إن للمحبوسة بسببه السكنى في حياته وبعدها، سواء عثرنا عليه وفسخناه في حياته أم لا، كما يفيده ما ذكره امن عبد السلام وكلام المدونة، وحينئذ فللمرأة السكنى في استبرائها من الماء الفاسد سواء اطلع على فساده في حياته أو بعد موته، وسواء فسخ ما يحتاج للفسخ في حياته أم لا، وعليه فيجب حذف قوله: في حياته، كذا في الشرح. انتهى. ونقل محمد بن الحسن عن مصطفى أنه قال: الصواب حذف قوله: في حياته، والله الموفق. انتهى. وقال بناني: إن جعل قوله: في حياته، متعلقا بالمحبوسة كما قرره به الزرقاني أي من حبست في حياته أي اطلع على موجب حبسها قبل الموت وفرق بينهما في حياته يجب لها السكنى ولو مات بعد ذلك صح كلام المؤلف
стр. 4818
وكان جاريا على قول ابن القاسم في المدونة وموافقا لا يأتي. والله أعلم. انتهى؛ يعني قوله: واستمر إن مات. والله سبحانه أعلم. وقال الأمير: وللمحبوسة بغير الوفاة السكنى كبها إن كان السكن له أو نقد كراءه. انتهى. وعلم منه أن الصواب عنده حذف قول المص: في حياته، وقوله: السكنى مبتدأ وخبره: للمعتدة لخ، وللمتوفي ما يعني أن المتوفى عنها لها السكنى مدة عدتها بشرطين، أحدهما أشار له بقوله: إن دخل يعني أن الزوجة المتوفى عنها إنما تكون لها السكنى بشرطين، أحَدُهُمَا أن تكون مدخولا بها سواء مات عنها وهي في العصمة أو كانت رجعية وفهم من قوله: إن دخل بها، أنها مطيقة لأن الدخول بغير المطيقة كلا دخول، وسواء سكن معها أم لا، وشمل قوله: وللمتوفى عنها أم الولد فلها السكنى، وقال عبد الباقي عند قول المص: إن دخل، سواء كانت مطيقة أم لا، سكن معها أم لا وتقييد ابن ناجي بما إذا سكن معها إنما هو في غير الدخول بها. انتهى. وقال بنائي: الصواب تقييده يعني المص بالمطيقة، قال: لأن الدخول بغير المطيقة كعدمه، وحينئذ فغير المطيقة لا يكون لها السكنى إلا بالشرط الآتي. وهو إذا سكنها قبل الموت مطلقا دخل بها أم لا. يدل عليه قول المدونة ونقله المواق. ومن دخل بصغيره لا يجامع مثلها فلا عدة عليها ولا سكنى لها في الطلاق وعليها عدة الوفاة ولها السكنى إن كان ضمها إليه. وإن لم يكن نقلها اعتدت عند أهلها. ابن يونس: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وإن كان إنما أخذها ليكفلها ثم مات لم يكن لها سكنى. انتهى. فقد جعل موضوع القيد الآتي إذا دخل بها وأحرى إن لم يدخل، وحينئذ فتقييد ابن ناجي واقع في محله لأنه في غير المطيقة دخل بها أم لا. انتهى. ثانيهما أشار إليه بقوله: والمسكن له يعني أنه يشترط في كون السكنى للمتوفى كنها مع الدخول أن يكون السكن الذي هي ساكنة فيه وقت موته للميت أي يملك ذاته. أو نقد كراءة يعني أنه لابد أن يكون الميت يملك ذات البيت الذي هي ساكنة فيه وقت الموت أو يعملك منفعته كإجارة إذا كان الميت قد نقد الكراء؛ أي دفع الأجرة كلها لأهل المسكن الذي هي ساكنة فيه وقت موته؛ قال الشبراخيتي: إن دخل بها وكان المسكن الذي هي ساكنة فيه قبل موته لد أو نقد كراءه انتهى. وأما إن دفع بعض الأجرة سكنت بقدر ما نقد ولو أقل من مدة العدة، ويجري مثل ذلك في الوجيبة على القول بأنها كالنقد، فإن انقضت مدتها قبل تمام العدة لم يلزم الوارث سكناها بقيتها. قاله غير واحد. وقد مر أن هذا فيمن مات عنها وهي في العصمة أو
стр. 4819
رجعية؛ وأما من طلقت طلاقا بائنا ثم مات عنها فإن لها السكنى مطلقا كان المسكن له أو نقد كراءه أم لا؛ لأنها مطلقة والمطلقة لها السكنى بلا شرط. قاله غير واحد. وما ذكره المص هو مذهب المدونة وهو المشهور، وروى ابن دينار عن ابن القاسم إن كان المسكن له فلها السكنى وإلا فلا وعن مالك: سقوط السكنى ولو كان السكن له أي لأن ملكه قد زال عنه وانتقل الحق للورثة. قاله الشارح. لا بد نقد يعني أن الميت إذا لم يكن قد نقد كراء المسكن المذكور فإن المتوفى عنها لا سكنى لها، وهذا تصريح بمفهوم قوله: "أو نقد كراءه"، أتى به ليرتب عليه ما بعده، قال الشبراخيتي: لا إن مات عنه بلا نقد، قال فيها: فلا سكنى لها في ماله وتودي الكراء من مالها، ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار، أو يطلب من الكراء ما لا يشبه. انتهى. وقال الشارح: لا بلا نقد. أي فلا سكنى لها. وقاله في المدونة. وزاد: ولو كان الزوج موسرا، وتؤدي ذلك من مالها ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه. انتهى. وهل مطلقا؟ يعني أن ما مر من كون المتوفى عنها لا سكنى لها إذا لم ينقد الميت الكراء هو الذي في المدونة كما علمت، وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الكراء مشاهرة أي كل شهر بكذا، أو وجبية وهي المدة المعينة، وعلى هذا الظاهر حملها الباجي واللخمي؛ قال الشبراخيتي: هذا التأويل هو المذهب فكان ينبغي للمص الاقتصار عليه. انتهى. وقال الأمير: لا إن لم ينقد ولو وجيبة على الراجح مما في الأصل. انتهى. وقال عبد الباقي: وهو الراجح، كما يفيده الحطاب. انتهى. وقال الحطاب: وعلى هذا الظاهر حمل المدونة الباجي وغيره واحتجوا بأن المسألة وقعت لمالك كذلك في الموازية وهذا التأويل أرجح. انتهى. أو إلا الوجيبة يعني أن المدونة حملها بعض القرويين على المشاهرة، وأما الوجيبة فالمرأة أحق بالسكنى فيها سواء نقد الميت الكراء أم لا، واحتج له في تهذيب الطالب بأن أبا قرة روى عن مالك أنها تكون في الوجيبة مطلقا أحق بها، قاله الحطاب. وقال ابن عرفة بعد ذكره كلام بعض القرويين: وهو خلاف ما في الموازية وغيرها. انتهى. نقله الحطاب.
تنبيهان: الأول: قال الحطاب: إذا لم يكن لها السكنى في مال الميت فلا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه. قال في المدونة: وإن كانت الدار بكراء ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسر فلا سكنى لها في ماله وتؤدي الكراء من مالها ولا تخرج إلا أن يخرجها رب
стр. 4820
الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه. انتهى. واحتج بعض القرويين على تأويله المتقدم بقوله: إلا أن يطلب منها رب الدار ما لا يشبه، فإن ذلك يدل على أنه لم يكن الكراء سنة بعينها؛ لأنه لو أكرى سنة بعينها كان الكراء قد لزم بما تعاقداه، وليدر لرب الدار أن يطلب غيره، وحمله الأولون على أن مدة الكراء قد انقضت. والله أعلم انتهى. الثَّاني: إذا كان الكراء وجيبة ولم ينقد وقلنا: لا سكنى لها، فتسكن في حصتها وتسلم الكراء. قاله الحطاب. وإذا قلنا بالسكنى لها في الوجيبة فكراء المسكن في مال الزوج. قاله الشبراخيتي. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، وحاصل ما أشار إليه المص أن الصور أربع: نقد الكراء، فلها السكنى؛ كان الكراء وجيبة، أو مشاهرة لم ينقد، لا كراء لها في مال الزوج وعليها الكراء ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار أو يطلب من الكراء ما لا يشبه، حيث كانت الإجارة مشاهرة وإن كانت وجيبة فتأويلان، أحدهما: لها السكنى في مال الزوج، ثانيهما: تسكن بكراء تدفعه مما يخصها. ولا كلام لرب الدار إلا أن تنقضي المدة. والله سبحانه أعلم. ولا إن لم يدخل هذا مفهوم قوله: إن دخل، ذكره لما فيه من التفصيل؛ يعني أن المعتدة المتوفى عنها لا سكنى لها في مال الميت إن لم يدخل بها، إلا أن يسكنها يعني أن المعتدة من وفاة إذا لم تكن مدخولا بها لا سكنى لها إلا أن يكون الزوج قد أسكنها وضمها إليه في حياته فلها السكنى حينئذ؛ لأن سكناها عنده بمنزلة دخوله بها، وهذا إذا كان المسكن له أو نقد كراءه، والدخول بالصغيرة التي لم تطق الوطء كلا دخول، فلا سكنى لها إلا أن يسكنها معه ويضمها إليه. ففي المدونة: ومن دخل بصغيرة لا يجامع مثلُها فلا عدة عليها ولا سكنى لها في الطلاق، وعليها عدة الوفاة ولها السكنى إن كان ضمها إليه، وإن لم يكن نقلها اعتدت عند أهلها. نقله بناني. وقال الشارح عند قوله: ولا إن لم يدخل إلا أن يسكنها أي وكذا لا سكنى لها إن لم يكن الزوج قد دخل بها إلا أن يكون قد أسكنها قبل موته. بعض الأشياخ: وهو صحيح إن كان أسكنها معه لأنه كالدخول بها وتردد فيما إذا أسكنها في موضع له غير محل سكناه. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: إلا أن يسكنها، عام في الصغيرة والكبيرة، فالتي لم يدخل بها إذا كانت كبيرة وأسكنها معه فلها السكنى، وكذا الصغيره مطيقة أم لا، وقد مر أن الدخول بالتي لا تطيق الوطء كلا دخول فلا سكنى لها إلا إذا أسكنها معه. إلا أن يكفلها استثناء من الاستثناء
стр. 4821
يعني أن الزوج إذا أسكن الزوجة الصغيرة غير المطيقة معه لأجل أن يكفلها ثم مات فإنه لا سكنى لها، والصور أربع، اثنتان في المطيقة وهما: ما إذا أسكن المطيقة معه ليكفلها أو لا ثم مات فلها السكنى فيهما، واثنتان في غير المطيقة: فإن أسكنها معه لا ليكفلها فلها السكنى، وإن كان أسكنها معه ليكفلها فلا سكنى لها. وفي نسخة: إلا ليكفها أي عما يكره، والصواب النسخة الأولى؛ لأن المسألة مفروضة في الصغيرة التي لا تطيق الوطء إذ هي محل الخلاف، ومقتضى نسخة: ليكفها، أنه إذا أسكن المطيقة معه ليكفها عما يكره لا سكنى لها وقد علمت أن لها السكنى، وفي الأمير: لها السكنى إن أسكنها معه ولو لحفظها من كف وكفالة على الراجح خلافا لما في الأصل. وسكنت على ما كانت تسكن يعني أن المعتدة من وفاة أو طلاق تسكن على ما كانت تسكن في عصمة الزوج قبل فراقها له بموت أو طلاق شتاء وصيفا فلا تبيت إلا في مقصورتها ولا تصيف وتشتي إلا في مصيفها ومشتاها، ومعنى "ما": الحال والوصف؛ أي وسكنت على حسب الحال الذي كانت تسكن عليه كما في الشبراخيتي. وقال الشارح: أي فحالها في السكنى كحالها في الزوجية، وسواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، ولهذا كانت التي لم تبوأ بيتا تعتد في بيت سيدها، ولا يجب على زوجها إسكانها لا في طلاق ولا غيره. انتهى. وقوله: وسكنت أي المرأة ولولا سكنى لها فالأجرة عليها. قاله الأمير. ورجعت له إن نقلها يعني أن المرأة إذا نقلها زوجها من مسكنها الذي كانت تعرف بالسكنى فيه ثم طلقها أو مات عنها فإن حكم الشرع فيها أن ترجع لمسكنها الذي نقلها منه لتعتد به. قاله عبد الباقي. واتهم بالبناء للمفعول يعني أن الشرع أمر برجوع المرأة للمنزل الذي نقلها منه لأنه يتهم أنه إنما نقلها ليسقط سكناها بذلك المنزل إذا طلقها أو مات. وما أحسن عبارة الأمير: وإن نقلها قبل اتهم ورجعت. انتهى.
وهذا الذي قررت به المص هو الذي يفهم من عبارة الأمير، وعليه فلا محترز لقوله: واتهم؛ إذ معناه يحكم باتهامه، وقال عبد الباقي والشبراخيتي: الواو واو الحال. ومقتضى ذلك أنه إذا لم يتهم لا يلزم الرجوع للمنزل الذي نقلها منه. وانظره وعبارة عبد الباقي: واتهم أنه إنما نقلها ليسقط سكناها به في العدة إذا طلقها أو مات من مرضه الذي نقلها فيه بقرينة واو الحال في واتهم كما في الشيخ سالم، قال الشارح: ولم يكتفوا منه هنا باليمين أي على أنه لم ينقلها لإسقاط السكنى بمسكنها؛ أي لم يطلبوا منه اليمين ليكتفوا بها للاحتياط في العدة؛ لأنها حق الله،
стр. 4822
كإحداد الصغيرة. انتهى كلام عبد الباقي. أو كانت بغيره قوله: أو كانت، عطف على نقلها يعني أن المعتدة من طلاق أو وفاة ترجع إلى مسكنها الذي كانت تعرف بالسكنى فيه إن كانت مقيمة بغيره وقت الطلاق أو الموت، ولا فرق في ذلك بين أن تكون مختارة في إقامتها بغيره كزائرة أو لأجل شرط عليها كما قال: وإن بشرط في أجرة رضاع يعني أنها ترجع إلى مسكنها وإن كانت إقامتها بغيره لأجل شرط في معاقدة رضاع أي آجرها أهل رضيع على إرضاعه وهي في عصمة زوجها، واشترطوا عليها أن تقيم عندهم ثم مات زوجها أو طلقها فإنها ترجع إلى مسكنها الذي كانت تعرف بالسكنى فيه؛ لأنه حق لله، وحق الله آكد من حق الآدمي، كما ذكروا مثله فيمن قطع يمنى شخص وسرق فإنه يقطع للسرقة لا للقصاص. وانفسخت يعني أن الإجارة تنفسخ إذا لم يرض أهل الرضيع برضاعها في مسكنها ولو كانت قابلة أو ماشطة لم يجز أن تبيت في غير بيتها ولو محتاجة، كما يؤخذ من قوله في الإحداد: والطيب وعمله ولو محتاجة. قاله عبد الباقي. وقوله: وانفسخت أي حيث لم يرض أهل الطفل بإرضاعها في مسكنها، وأما إن رضي أهل الطفل بإرضاعها في بيتها فلا فسخ. قاله الشبراخيتي. ومع ثقة إن بقي شيء من العدة إن خرجت صورة يعني أن المرأة إذا خرجت إلى حجة الإسلام فمات زوجها أو طلقها بائنا أو رجعيا فإنها ترجع مع ثقة محرم أو غيره إلى منزلها الذي كانت ساكنة فيه إن كان يبقى شيء من العدة بعد وصولها لمنزلها الذي تعتد به. وظاهره ولو يوما وهو ظاهر المدونة أيضا، وقيدها اللخمي بما له بال، وإلا اعتدت بموضعها إن كان مستعتبا أي يمكن مقامها فيه، وإلا فبالموضع الذي خرجت له. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: إن كان مستعتبا وإلا انتقلت إلى أقرب مستعتب إليه. انتهى. والصرورة هو الذي لم يحج الفرض، ومفهوم قوله: إن بقي شيء من العدة، أنه إذا لم يبق شيء منها بعد رجوعها إلى منزلها لم ترجع وهو كذلك، فتقيم بموضعها أو حيث شاءت. قاله الشبراخيتي. وقوله: في كالثلاثة الأيام متعلق برجعت أي ورجعت في بعدها من منزلها كالثلاثة الأيام مع ثقة لخ؛ يعني أن محل رجوعها المذكور إنما هو حيث كانت في بعدها من مسكنها الذي تؤمر بالرجوع له على مسافة كثلاثة أيام، أدخلت الكاف الرابع وهل يدخل الخامس؟ أم لا، وهذا ما لم تحرم، وأما لو أحرمت فإنها لا ترجع كما يأتي، وكذا لو سارت كثيرا فإنها لا ترجع بل تستمر في ذهابها إلى الحج واستشكل قوله: إن بقي شيء من
стр. 4823
العدة مع فرض أنه مات أو طلق بعد ثلاثة أيام وبقاء شيء من العدة ضروري، وأجيب بأنه يتصور في الحامل المقرب وفيمن تقدم طلاقه أو موته وثبت ذلك بعد كالثلاثة إلا أن هذا ينافي قوله فمات أو طلقها ومثل حجة الإسلام المنذور قاله عبد الباقي. وفي التطوع هذا مفهوم قوله: صرورة، يعني أنها ترجع في الحج التطوع إذا مات زوجها أو طلقها ولو بعد سير كثير؛ يعني ما لم تحرم كما يأتي. وقوله: في التطوع متعلق برجعت على ما يفيده عبد الباقي وبخرجت عند الشبراخيتي. أو غيره يعني أنها إذا سافرت لغير الحج فإما أن تسافر لكرباط ونحوه، وإما أن تسافر للانتقال؛ فإن سافرت لكرباط فإنها ترجع ولو وصلت إلى الكان الذي خرجت إليه، ولهذا قال: إن خرج لكرباط أي إذا سافرت لغير حج التطوع من سفر القربة والإباحة كرباط وزيارة وتجارة فمات الزوج أو طلق، فإنها ترجع ولو وصلت إلى الكان الذي خرجت إليه؛ فقوله: إن خرج؛ أي الزوج معها ولو قال: إن خرجت لكان أظهر؛ إذ الدار على خروجها خرج هو أم لا، فقوله: إن خرج لخ، شرط في قوله: أو غيره، واحترز بذلك عن خروجها منتقلة، ولهذا قال: لا لمقام؛ أي لا يكون الحكم كذلك إن خرجت لمقام أي انتقال لرفض السكنى بالمحلّ الذي كانت هي وزوجها به، فإنها تعتد بالمكان الذي شاءت، كما يأتي قريبا إن شاء الله.
وعلم مما قررت أن قوله: وإن وصلت مبالغة فيما قبل لا لمقام. قاله غير واحد. وقال الشارح: وترجع في حج التطوع والخروج إلى الرباط ونحوه وإن وصلت إلى المكان المقصود. وقالى في المدونة. ومنهم من سوف بين حجة الفرض والتطوع، بخلاف الغزو والرباط. انتهى. وعبارة عبد الباقي: وإذا قلنا ترجع في كالرباط فترجع وإن وصلت للمكان الذي خرجت إليه. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو حذف لا لمقام لكان أحسن؛ لأنه سيأتي حكم خروجها للمقام في قوله: وفي الانتقال الخ، انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والجواب عما قال أنه أتى بقوله: لا لمقام، لإفادة أن المراد بقوله: لكرباط، ما عدا سفر النقلة. والله سبحانه أعلم.
والأحسن أي والقول الأحسن أنها ترجع بعد وصولها للمكان الذي خرجت إليه. ولو كانت قد أقامت به نحو الستة أشهر والمختار عند اللخمي خلافه يعني أن اللخمي اختار القول بأنها لا ترجع إذا أقامت نحو الستة الأشهر، بل تعتد بمحل إقامتها. هذا تقرير المص بحسب ظاهره وهو معترض؛ قال بناني: الذي في التوضيح: أن محمدا يعني ابن عبد الحكم استحسن الرجوع في
стр. 4824
الأشهر وفي السنة خلاف ما يقتضيه المص وهو الموافق لعبارة التونسي وابن عرفة واللخمي، فلعل ما في المتن تحريف، وأن الأصل: ولو أقامت السنة أو الأشهر. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: واختلف إذا أقامت به الأشهر أو السنة فذكر التونسي وغيره قولين، أحدهما وهو ظاهر المدونة: أنها ترجع، والآخر: أنها لا ترجع وهو قول مالك والموازية، ابن عبد الحكم: والأول أحسن. انتهى فالمستحسن للقول الأول ابن عبد الحكم، والمختار لقول مالك اللخمي. والله سبحانه أعلم. وقوله: أشهر بدل من الستة وليس مضافا إليه وقال الشبراخيتي: اعلم أن القول المستحسن أنها ترجع ولو أقامت العام، واختيار اللخمي أنها لا ترجع بعد ستة أشهر وكلام المؤلف لا يفيد ذلك. انتهى. وأشار إلى حكم المقام بقوله: وفي الانتقال تعتد بأقربهما أو بأبعدهما أو بمكانها أتى بهذا لبيان الحكم، وليس مفهوم قوله: لمقام، كما قيل. قاله مقيده عفا الله عنه. يعني أن الزوج إذا سافر بزوجته سفر نقلة فمات أو طلقها في أثناء الطريق فإنها مخيرة في الموضع الذي تعتد به، فتعتد بأقربهما أي الموضع الذي خرجت منه والموضع الذي خرجت إليه إن شاءت، أو بأبعدهما إن شاءت، أو بمكانها الذي هي به حين لزمتها العدة، فلها أن تعتد حيث شاءت، قال عبد الباقي: ولو عبر بتعتد حيث شاءت لكان أشمل وأخصر. انتهى. وإيضاح تقرير غيري أن تقول: ترجع ولو وصلت إن خرج للرباط غير منتقل، فإن انتقل اعتدت حيث شاءت. وعدلت عنه لقصوره على من خرج لكرباط منتقلا ولأن ما قررته به أحسن. والله أعلم.
وعليه الكراء راجعا يعني أنه إذا ألزمها الرجوع وكانت معتدة من طلاق فإن الزوج يجب عليه الكراء عنها في مسافة سفر الرجوع لإدخاله الطلاق على نفسه إن رجع معها فإنها ترجع لأجل رجوعه، كذا إن لم يرجع هو معها ولزمها الرجوع، ويلزمه أيضا كراء المنزل الذي ترجع إليه، فإن اعتدت بمحلها ولم ترجع أثمت ولم يلزمه كراء، كما أنه في موته لا كراء عليه في رجوعها للمسكن اللازم لها، لانتقال تركته للورثة، وكذا لا كراء عليه إذا كانت تعتد حيث شاءت قاله عبد الباقي.
وعلم مما قررت أن قوله: وعليه الكراء، مرتب على ما إذا لزمها الرجوع في عدة الطلاق، وليس مرتبا على قوله وفي الانتقال لخ؛ لأن الرجوع في هذه الحالة جائز، وقوله: راجعا، حال من الضمير في: عليه، وقد علمت أن المدار على رجوعها هي فيلزمه الكراء إذا لزمها الرجوع ورجعت
стр. 4825
رجع أم لا. ومضت المحرمة يعني أن من أحرمت بحج أو عمرة ثم طرأت عليها عدة تمضي على إحرامها حتى تتم ما أحرمت به من حج أو عمرة، ويبطل حقها في المسكن فلا سكنى لها، وكذا إن أحرمت بحج أو عمرة ثم طرأ عليها اعتكاف فإنها تمضي على إحرامها حتى تتم ما أحرمت به. والمعتكفة يعني أن المعتكفة إذا طرأت عليها عدة فإنها تمضي على اعتكافها حتى تتمه ويبطل حقها في المسكن فلا سكنى لها، وكذا لو اعتكفت وطرأ عليها إحرام فإنها تمضي على اعتكافها حتى تتمه. أو أحرمت الضمير يعود على المعتدة والمعطوف محذوف أي ومضت التي أحرمت؛ يعني أن المرأة إذا أحرمت وهي معتدة من وفاة أو طلاق فإنها تمضي على إحرامها، ولكنها عصت ربها بسبب إحرامها وهي معتدة، وأشعر قوله: أو أحرمت، أن المعتدة لو اعتكفت لا تمضي على اعتكافها بل تتم بمسكنها عدتها السابقة على اعتكافها، والصور ست: طرو عدة أو اعتكاف على إحرام، طرو إحرام أو عدة على اعتكاف، طرو إحرام أو اعتكاف على عدة، فقد اشتمل كلام المص عليها. ونظمها بعضهم فقال:
عدة أو عكوف أو إحرام … سابقها قطعا له إتمام
وطارئ لمس بدافع لهُ … لكن مبيت ثالث أبطله
وقد مر ذكرها في باب الاعتكاف فراجعه إن شئت. وقوله: أو أحرمت وعصت، قال الشارح: وانظر هل يكون حكم من اعتكفت بعد موت زوجها أو طلاقه كذلك؟ أو لا. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: ولا وجه للتوقف في ذلك لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ ولقول المص فيما مر وأتمت ما سبق منه أو عدة، والله سبحانه أعلم. ولا سكنى لأمة لم تبوأ يعني أن الأمة المعتدة من وفاة أو طلاق لا سكنى لها إذا لم تبوأ أي لم يتخذ لها بيت مع زوجها، وأما من بوئت مع زوجها فلها السكنى. ولها حينئذ الانتقال مع ساداتها يعني أن الأمة التي لم تبوأ لها أن تنتقل مع ساداتها حين لزمتها العدة في الطلاق أو الموت، كما كان لها ذلك وهي في عصمته، كما مر. وقوله: حينئذ؛ أي حين لم تبوأ، وما مر من أن الأمة المبوأة
стр. 4826
إذا كانت معتدة ليس لساداتها أن ينقلوها معهم هو الذي حمل عليه أبو عمران المدونة، ونظر فيه ابن عرفة بقولها: إن انتجع سيدها لبلد آخر فله أن يخرجها معه. انتهى. ومثله قول ابن يونس. يجبر سيدها على ردها حتى تنقضي عدتها إلا أن يخرجها من البلد. انتهى. قاله بناني كبدوية ارتحل أهلها تشبيه في الانتقال يعني أن المرأة البدوية إذا مات زوجها أو طلقها وارتحل أهلها فإن لها أن تتتقل معهم إذا كان يتعذر لحوقها لهم بعد انقضاء عدتها لو اعتدت بمحل زوجها وإلا لم ترتحل معهم، واحترز بقوله: فقط عما إذا ارتحل أهل زوجها فقط فلا ترتحل معهم وتعتد عند أهلها، فإن ارتحل أهل كل فمع أهلها إن افترقوا، وإلا فمع أهل زوجها كما إذا لم يكن لها أهل وارتحل أهل زوجها: واحترز بالبدوية عن الحضرية ولو حكما كأهل الأخصاص، فلا ترتحل مع أهلها بل تعتد بمحلها. قاله عبد الباقي. قوله واحترز بقوله: فقط ععا إذا ارتحل أهل زوجها لخ، قال بناني: نحوه في المواق عن اللخمي ونصه: وإن انتوى أهله خاصة لم تنتو معهم. انتهى. أي لا يقضى عليها بذلك، وظاهره سواء كان عليها مشقة في عودها لأهلها أم لا وهو الظاهر، خلاف ما يقتضيه أول كلام اللخمي من التفصيل، وجرى عليه الزرقاني قريبا؛ يعني قوله: واعلم لخ، واعلم أن الصور أربع؛ لأنه إذا ارتحل أهلها فإما أن يكون عليها إذا بقيت مع أهل زوجها مشقة في لحوقها بأهلها بعد العدة أم لا، ففي الأول ترتحل مع أهلها، وفي الثاني لا ترتحل معهم، وإذا ارتحل أهل زوجها فقط فإما أن يكون عليها إذا ارتحلت معهم مشقة في عودها لأهلها بعد العدة أم لا، ففي الأول لا ترتحل معهم، وفي الثاني ترتحل معهم. وكلام المص كما علمت في عدتها من طلاق أو موت؛ وأما الزوج فترتحل معه حيث ارتحل كما يفيده ما ذكروه في مسألة سفر الزوج بزوجته إذ لم يخصوا ذلك ببدوية ولا حضرية. انتهى كلام عبد الباقي. وقال بناني: قال في الجلاب: وإذا توفي الرجل البدوي عن امرأته ثم انتقل أهلها فلها أن تنتقل معهم، وإن انتقل أهل زوجها لم تنتقل معهم، وإن كانت في حضر وقرار لم يجز أن تنتقل مع أهلها ولا مع أهل زوجها حتى تنقضي عدتها. انتهى. ونحوه في الكافي. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: وفيها إن كانت في قرار فانتوى أهلها لم تنتو معهم، وإن تبدى زوجها فمات رجعت للعدة في بيتها يدل على أنه لم ينتقل للبادية رفضا للإقامة ولو كانت رفضا
стр. 4827
لها لكانت كالبدوية. انتهى. ابن عرفة: سئلت عمن ماتت وأراد زوجها دفنها بمقبرته وأرادت عصبتها دفنها بمقبرتهم؟ فأجبت بأن القول قول عصبتها أخذا من هذه المسألة؛ أي قوله: كبدوية، لعدم النص بها. انتهى. التتائي: ونسبه أبو القاسم العبدوسي للقصور فإنها منصوصة. كذلك قاله عبد الباقي. ونقله عنه أيفا ابن غازي في تكميله. قاله بناني. والله سبحانه أعلم. وقوله: كبدوية، فسرها الباجي وابن عبد السلام بساكنة العمود، واللخمي وعياض بساكنة العمود والخصوص. قال في توضيح: والأول أصح لأن أهل الخصوص تلزمهم الجمعة على الأصح. قاله الشبراخيتي. ولهذا قدمت أن الخصِّيَّة حضرية حكما. الذخيرة: البدوية: من البادية وهي الفلاة لأنها تبدي ما فيها أي تظهره، بخلاف القرى والمدن. انتهى. نقله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. وقال الشارح عند قوله: "كبدوية ارتحل أهلها فقط"، هكذا شبه في المدونة مسألة الأمة بمسألة البدوية، بعض الأشياخ: وهذا إذا ارتحل أهلها إلى المكان البعيد لانقطاعها عنهم، فأما ما قرب من ذلك بحيث لا تنقطع عنهم وترجع عند تمام عدتها إليهم فإنها تقيم مع أهل زوجها، واحترز بقوله: فقط من أهل زوجها ونحوهم فإنها لا تنتقل معهم وهذا إذا كان معها أهلها أو عشيرتها، وإلا فإنها تعتد مع أهل زوجها وترتحل معهم حيث ارتحلوا. انتهى. وفي الشبراخيتي: وهذا إذا كان لكلٍّ أهلٌ فإن لم يكن لها أهل اعتدت حيث كانت مع أهل زوجها، ولما ذكر ما يبيح الخروج للبدوية ذكر ما يبيحه لها وللحضرية بقوله: أو لعذر لا يمكن المقام معه يعني أنه لو طلقها أو مات عنها فأخذت في العدة ثم حصل لها ضرر في المكان الذي هي به لا يمكن المقام معه فإنها تنتقل إلى غيره بدوية أو حضرية حرة أو أمة لها السكنى. كسقوطه مثال للعذر الذي لا يمكن المقام معه يحتمل حقيقة السقوط ويحتمل مجاز الحذف أي خوف سقوطه كما لابن الحاجب قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: كسقوطه؛ أي خوف سقوطه وأولى مع سقوطه بالفعل. انتهى. وقوله: أو لعذر لا يمكن المقام معه، قال عبد الباقي في حضرية أو عمودية لا ترتحل لمشقة تحولها ولا تقدر على رفع ضررها بوجه: لا فيمن ترتحل من عمودية لا مشقة عليها فيه. انتهى. أو خوف جار سوء مثال ثان للعذر الذي لا يمكن المقام معه؛ يعني أن من الأعذار المبيحة لخروج المعتدة من مسكنها الخوف على نفسها أو مالها من جار السوء، وكذا
стр. 4828
خوف اللصوص كما قاله غير واحد، وكذا انتقال جيرانها من حولها وتجد وحشة كما للأمير. فإنه قال: ولها الانتقال لما أحبت لعذر كوحشة لانتقال الجيران والخوف يؤتى بمؤنسة ولا تخرج، والمؤنسة تابعة للنفقة. انتهى. أي تلزمه المؤنسة إن كانت النفقة عليه وإلا فعليها، وفاعل تخرج ضمير يعود على المعتدة. والله سبحانه أعلم. ويأتي ذلك للمص أيضا حيث يقول: وإن اختلفا في مكانين أجيبت. والله سبحانه أعلم. وقوله: أو لعذر لا يمكن المقام معه؛ أي وتنتقل لما أحبت من الأمكنة ولو أراد الزوج خلافه إلا لغرض شرعي كصون نسبه. قاله الأمير. ولزمت الثاني يعني أنها إذا انتقلت لعذر وأتت مسكنا آخر فإنها تلزم ذلك المسكن الذي انتقلت إليه ولا تخرج عنه إلا لعذر لا يمكن المقام معه. والثالث يعني أنها إذا انتقلت من الثاني لأجل عذر لا يمكن المقام معه فإنها تلزم المسكن الثالث الذي انتقلت إليه وهكذا فإن انتقلت لغير عذر ردت بالقضاء ولو أذن المطلق؛ لأن بقاءها فيه حق لله تعالى. قال مقيده عفا الله عنه: وتحصل من هذا أن المعتدة تلزم المقام في المسكن الذي طلقت فيه أو توفي عنها فيه أي يلزمها المقام في المسكن الذي لها على زوجها أو المسكن الذي شرعت تعتد فيه حيث لا سكنى لها عليه، فإن حصل ما لا يمكنها المقام معه فيه انتقلت إلى حيث شاءت، ولو أراد الزوج خلافه إلا لغرض شرعي كصون نسبه، وإذا انتقلت إلى مسكن آخر لزمها المقام فيه إلا لعذر لا يمكن المقام معه، وهكذا إلى أن تنقضي عدتها. والله سبحانه أعلم. والخروج في حوائجها طرفي النهار يعني أن اللازم للمعتدة إنما هو المبيت في مسكنها، وأما ما عدا المبيت فإن لها أن تخرج في حوائجها أو غيرها جميع النهار، ولها أن تخرج في حوائجها أيضا طرفي الليل المكتنفين النهار، فالمراد بطرفي النهار في كلام المص قرب الفجر وما بين المغرب والعشاء، فهو مجاز علاقته المجاورة؛ قال عبد الباقي ما معناه: ولا تخرج في حوائجها بعد العشاء إذ يتعين عليها الرجوع بين المغرب والعشاء كما في النص، وفهم من المص عدم جواز خروجها طرفيه بغير حوائجها وجواز خروجها نهارا بالأولى ولو لغير حاجة ولو لعرس إذا دعيت إن شاءت، ولا تلبس زينة ولا تبيت إلا ببيتها. انتهى. وقال بناني: ابن عرفة: وفيها لها التصرف نهارا والخروج سحرا قرب الفجر وترجع ما بينها وبين العشاء الأخيرة، اللخمي قال مالك لا باس أن تخرج قبل الفجر وأرى أن يحتاط للأنساب فتؤخر
стр. 4829
خروجها لطلوع الشمس وتأتي حين غروبها انتهى قال بعض العلماء وكلام اللخمي هو اللائق بعرف هذا الزمان فالمدار على الوقت الذي ينتشر فيه الناس ليلا يطمع أهل الفساد انتهى انتهى وقوله الخروج في حوائجها يعني سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق بائن قال في كتاب طلاق السنة من المدونة ولا تبيت معتدة من وفاة أو طلاق بائن أو غير بائن إلا في بيتها ولها التصرف نهارا والخروج سحرا قرب الفجر وترجع ما بينها وبين العشاء الأخيرة انتهى قاله الحطاب وقال ابن عرفة وسمع ابن القاسم: للمتوفى عنها الخروج للعرس ولا تبيت إلا في بيتها ولا تتهيأ بما لا تتهيأ به الحاد، ابن رشد هذا إن لم يكن فيه من اللهو إلا ما أجيز في العرس انتهى نقله الحطاب مسألة قال في المسائل الملقوطة: قال عيسى في كتاب ابن مزين إذا أنهي إلى الإمام أن المعتدة تبيت في غير بيتها أرسل إليها وأعلمها بما جاء في ذلك وأمرها بالكف فإن أبت أدبها على ذلك وأجبرها عليه (انتهى (١)) من تهذيب الطالب قاله الحطاب وعطف على قوله أو لعذر قوله لا لضرر جوار لحاضرة يعني أن الحضرية لا تخرج لأجل ضرر جوار وهذا فيمن يمكن رفعها للحاكم وقوله أو خوف جار سوء فيمن لا يمكنها بقرينة لا يمكن المقام معه وقوله لحاضرة أي بخلاف البدوية لأنهم في الغالب في غير مواضع الأحكام ولهذا لو كان حاكم ينصف لم تخرج فالمدار إذا على وجود الحاكم وعدم وجوده في الحضر والبدو ولهذا قال ورفعت للحاكم يعني أنها ترفع أمرها للحاكم فيرفع عنها الضرر فيزجرهم إن ظهو له ظلمهم فإن لم ينكفوا عنها أخرجهم أو هي زجرها فإن لم تنكف أخرجها فإن ثبت ببينة ظلم أحد أخرج المظالم وإن لم يثبت أقرع لمن يخرج من المعتدة وجيرانها إن أشكل أي التبس المظالم من المظلوم بسبب ادعاء كل من غير مرجح أو بإقامة كل بينة بالضرر ولم ترجح إحداهما وانتقد ابن عرفة القرضة وقال الصواب إخراج غير المعتدة لأن إقامتها بمسكنها حق لله، قال الحطاب وفيه نظر لأنه قد ثبت جواز إخراجها (لحديث فاطمة بنت قيس) انتهى، وقال بناني اللخمي كانت فاطمة بنت قيس لسنة على الجيران وتنظير الحطاب في بحث ابن عرفة إنما هو في العلة وإلا فلا يخفى أن الذي في الحديث إنما هو إخراج من تبين شرها وبحث ابن عرفة فيما إذا أشكل الأمر كما هو ظاهر فتأمله انتهى
стр. 4830
وقال الحطاب قال ابن عرفة وفيها لا تنتقل من مسكنها إلا لضرر لا قرار معه كخوف سقوط أو لصوص بقرية لا مسلمين بها، وإن كانت بمدينة لا تنتقل لضرر جوار، ولترفع زلك إلى الإمام. وقال ابن عرفة: قلت: ضابطه إن قدرت على رفع ضررها بوجهٍ مَّا لم تنتقل؛ وحملها ابن عات على الفرق بين القرية والمدينة لأن بها من ترفع إليه أمرها بخلاف القرية غالبا. اللخمي: وإن وقع بينها وبين من ساكنها شر فإن كان الشر منها أخرجت عنه، وفي مثله جاءت حديث فاطمة بنت قيس، وإن كان من غيرها أخرج عنها، فإن أشكل الأمر أقرع بينهم، قلت: إنما يقع الإخراج للشر بعد الإياس من رفعه بزجر من هو منه. وقبل ابن عات وابن عبد السلام وغيرهما قوله أقرع بينهم، والصواب إخراج غير المعتدة لأن إقامتها حق لله تعالى. وهو مقدم على حق الآدمي. انتهى المراد منه. وهل لا سكنى لمن سكنت زوجها ثم طلقها يعني أن المرأة إذا تبرعت لزوجها بالسكنى معها في منزلها الذي تملك ذاته أو منفعته ثم إنه طلقها فطلبت منه أجرة السكنى في مدة العدة فامتنع، فهل لا يلزمه ذلك ولا سكنى لها أو يلزمه أن يدفع لها كراء المسكن؟ لأن المكارمة قد انقطعت بالطلاق، في ذلك قولان: الأول لابن القطان والأصيلي وابن المكوى ورده ابن رشد، قال ابن عرفة: ابن عات: قال ابن رشد: قول ابن المكوى وهم، والثاني ذهب إليه ابن عات وابن زرب واللخمي. وقوله: قولان، حقه تردد. قاله غير واحد. لأنه لعدم نص المتقدمين. ومحل القولين عند الإطلاق، فإن طاعت له بالسكنى في العصمة وتوابعها فلا سكنى لهما قولا واحدا، وإن طاعت مدة عصمتها فقط فلها السكنى قولا واحدا، وأما إن شرطت له في العقد السكنى فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل ويسقط الشرط، وحينئذ فإذا طلقها فعليه السكنى، ومحلهما أيضا إذا اكترت المسكن قبل العقد أو كان ملكا لها قبل العقد، فإن اكترته بعد العقد أو ملكته بعد العقد فعليه قولا واحدا، ومفهوم طلقها أنه لو مات عنها فلا سكنى ليها في عدتها. قاله عبد الباقي. قال مقيده عفا الله عنه: تأمل هذا التحرير البديع، والتقرير الرفيع، وعبارة الأمير: ومن سكنته فطلقها فلها الأجرة على الراجح لانقطاع المكارمة. انتهى. وسقطت أجرة المسكن أن أقامت بغيره يعني أن المعتدة من وفاة أو طلاق إذا أقامت بغير منزلها الذي لزمها أن تعتد فيه فإنها لا تستحق أجرة السكنى إذا طلبت أجرتها في المنزل الذي
стр. 4831
خرجت منه لأنها تركت ما كان واجبا لها فلا يلزمه بعُدولها عنه عوض، وسواء أكرى الزوج الموضع الذي هربت منه أو تركه خاليا كما هو ظاهر المص، وهو ظاهر المدونة وابن الحاجب، وقال اللخمي: لا شيء لها إلا إن أكراه فترجع بالأقل مما اكترت أوأكرى به ولها النفقة إن كان طلاقها رجعيا ولو خرجت بغير رضاه، والكراء في هذا بخلاف النفقة لأن المطلقة لا متعة له فيها، ولو ارتجعت فامتنعت من العود سقطت من حينئذ نفقتها. قاله عبد الباقي وغيره. كنفقة ولد هربت به يعني أن الولد إذا هربت به أمه المعتدة مدة ثم جاءت تطلب نفقته تلك المدة فإنها لا شيء لها لأجل هروبها به، وهذا إذا لم يعلم الزوج بموضعها أو علم وعجز عن ردها، وإلا لم تسقط وترد لتبيت بمسكنها إلى أن تنقضي عدتها. قاله عبد الباقي. فقوله: هربت، فاعله ضمير يعود على المعتدة. قال مقيده عفا الله عنه: وظاهر عبارة الأمير أن هذا الحكم جار في المعتدة وغيرها، فإنه قال: ولا شيء لمن انتقلت ولو أكرى موضعها كهاربة بولده فلا نفقة لها. انتهى. وللغرماء بيع الدار في المتوفي عنها يعني أن المعتدة من وفاة يجوز لغرماء زوجها أن يبيعوا الدار التي تعتد فيها لكن، بشرط أن يستثنوا مدة السكنى للمعتدة وهي أربعة أشهر وعشر. وقاله في المدونة. وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز ذلك لأنه غرر لجواز الريبة. قاله الشارح. فإن لم يبين البائع ذلك على ما في المدونة فإن البيع صحيح ويثبت للمشتري الخيار لكنه لا يجوز ابتداء لأنه بمنزلة كتم العيب. وهي أحق من الغرماء لأن هذا حق تعلق بعين، ومفهوم قوله: للغرماء منع الورثة من بيعها وهو كذلك إذا كان البيع في غير دين، وأما في دين فيجوز. قاله غير واحد. أي يجوز مع استثناء سكناها مدة العدة، ومحل الجواز إذا طلب رب الدين ذلك. قاله عبد الباقي. وقال أبو الحسن: واختلف هل للورثة بيع الدار واستثناء العدة؟ فأجازه اللخمي ومنعه غيره، لأنه غرر لا يدري المشتري متى يتصل بقبض الدار، وإنما رخص فيه في الدين. انتهى. نقله الحطاب. وقال الشبراخيتي: ولم يتعرض المص لبيع الدار فيمن تعتد بالموضع والظاهر أنها كمن تعتد عدة الوفاة. انتهى. وقال الأمير: وجاز بيع الدار إن اعتدت بالأشهر لا بالوضع أو الأقراء للجهالة. انتهى. وما قاله هو الظاهر لا ما للشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. وإن ارتابت فهي أحق يعني أنه إذا بيعت الدار بشرط مدة العدة في الوفاة فارتابت المرأة بحس بطن أو تأخير
стр. 4832
حيض فإنها تكون أحق من الغرماء بالسكنى إلى انقضاء عدتها إذ لا مدخل لها في التطويل. قوله: فإن ارتابت فهي أحق، قاله مالك في الموازية. نقله الشارح. وللمشتري الخيار يعني أنها إن ارتابت فهي أحق إلى أن تنتهي عدتها كما عرفت، ويثبت الخيار للمشتري عند مالك، فإن شاء أمضى البيع وإن شاء رده؛ وقال ابن القاسم: يلزمه المبيع لدخوله على ذلك وهي مصيبة نزلت به فلا خيار له والقولان مرويان عن سحنون. قاله الشارح. وللزوج في الأشهر يعني أنه يجوز للزوج بيع الدار التي تعتد فيها زوجته المطلقة حيث كانت تعتت بالأشهر كالصغيرة واليائسة مع البيان، كمن باعها واستثنى سكناها ثلاثة أشهر فهو معلوم، وأما إن كانت تعتد بالأقراء أو الحمل فإنه لا يجوز للزوج أن يبيعها كما في الجواهر، لعدم العلم بأمدها، وقوله: وللزوج في الأشهر؛ أي وكذا الغرماء ومع توقع الحيض قولان يحتمل أن يكون الظرف متعلقا بمقدر هو الخبر أي وفي بيعه مع لخ، ويحتمل أن يكون الخبر هو الظرف، ومعنى كلامه: أنه لا إشكال في جواز بيع الزوج للدار فيمن تحقق أنها تعتد بالأشهر، وأما إذا كانت يتوقع حيضها وهي تعتد بالأشهر واشترط البائع أنها إن حاضت تمكث حتى تنقضي مدة الأقراء فإنه اختلف هل يؤثر هذا الشرط في البيع الفساد؟ أو لا، على قولين؛ هكذا قرره بناني والرماصي، وقال بناني هذا هو المراد بقول عبد الباقي: واستثناء مدة العدة؛ يعني عدتها في نفس الأمر وأصله لابن عبد السلام. انتهى. والقولان مبنيان على مراعاة الطواري والأحوال، فمن نظر إلى الطواري منع ومن نظر إلى الحال أجاز، وعلى القول بالجواز لا كلام للمشتري إذا حصل لها حيض وانتقلت للأقراء لأنه دخل مجوزا لذلك، وعلى القول بالمنع يفسخ البيع. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وعلى هذا التقرير لو باع مع توقع الحيض واستثنى الأشهر فالظاهر أنه يصح ويكون للمشتري الخيار، كما يفيده الأمير، ولابد من تحرير هذه المسألة، فأَقُولُ متبرئا من القوة والحول معتصما بمن له المنة والطول: المعتدة هنا إما من وفاة أو طلاق، والبائع في الأولى إما الغرماء أو الورثة، وفي الثانية إما الغرماء أو الزوج فتلك أربع، والعدة في الأولى إما بالوضع أو بأربعة أشهر وعشر مثلا، وفي الثانية إما بالأشهر أو بالوضع أو بالأقراء، فتلك عشر صور، الأولى: أن تكون معتدة من وفاة بالأربعة وعشر مثلا والبائع الغرماء فلهم المبيع خلافا لابن عبد الحكم، وعلى الأول فإنما يجوز
стр. 4833
بشرط أن تبين مدة العدة، فإن لم تبين لم يجز ذلك والبيع صحيح وللمشتري الخيار. الثانية: كذلك إلا أن البائع الورثة في غير دين، أجاز المبيع اللخمي ومنعه غيره، وهو مقتضى المص، وإن باع الورثة في دين جاز. الثالثة: أن تكون معتدة من وفاة بالموضع والبائع الغرماء فالمنع، كما مر عن الأمير وهو الظاهر، ومر عن الشبراخيتي استظهار الجواز. الرابعة: كذلك إلا أن البائع الورثة فالمنع، وإذا فرعنا على المشهور من أن للغرماء المبيع حيث اعتدت بالأربعة الأشهر وعشر وارتابت فهي أحق بالسكنى، وللمشتري الخيار عند مالك خلافا لابن القاسم. الخامسة والسادسة: أن تكون معتدة من طلاق بالأشهر ولا يتوقع حيضها والبائع الغرماء أو الزوج فالجواز فيهما، ومع توقع الحيض فالجواز للغرماء وفي الزوج القولان المتقدمان على ما مر. السابعة والثامنة: أن تكون معتدة من طلاق بالأقراء والبائع الزوج أو الغرماء فالمنع فيهما كما في الأمير. التاسعة والعاشرة: أن تكون معتدة من طلاق بالوضع والبائع الغرماء أو الزوج فالمنع فيهما. وعبارة الأمير: وجاز بيع الدار إن اعتدت بالأشهر، وقال في الشرح: لا بالوضع أو الأقراء للجهالة، وأتبعه في المتن بقوله: ولو توقع حيضها والبائع الغرماء، قال في الشرح: جملة حالية، وأتبعه في المتن بقوله: وفي الزوج خلاف وبين وإلا فللمشتري الخيار كإن حدثت ريبة وفسد بشرط زوالها. انتهى. وما مر من صور الجواز فيما إذا لم يبع بشرط زوال الريبة، وإلا فهو قوله: ولو باع إن زالت الريبة فسد وعبارة ابن الحاجب: والبيع بشرط زوال الريبة فاسد؛ يعني أن من ذكر من الغرماء في المتوفى عنها والزوج في الأشهر إذا باع الدار التي تعتد فيها المرأة، وقال في عقد البيع: إذا زالت الريبة فالبيع بيننا لازم وإن استمرت فالبيع مردود فإن هذا البيع الذي وقع فيه هذا الشرط فاسد، وقوله: إن زالت الريبة؛ يعني الحاصلة وقت البيع أو التي ستحصل. قاله عبد الباقي: وقوله: الحاصلة؛ أي زالت في زمن العدة. والله أعلم. قاله مقيده عفا الله عنه. وقال الشبراخيتي عند قوله: إن زالت الريبة: بأن لم تحصل أصلا أو حصلت وزالت قبل انقضاء العدة فالبيع لازم، وإن استمرت فهو مردود. انتهى. وقال الشارح مفسرا للمص: أي إن دخل البائعان على أن المرأة إن لم تحصل لها ريبة أو حصلت وزالت في زمن العدة فالبيع ماض، وإن استمرت بها فالبيع مردود كان البيع فاسدا؛ وهو مذهب الواضحة، واختاره ابن المواز، ويفسخ إن وقع،
стр. 4834
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن المبتاع لا حجة له؛ قال سحنون: ولو تمادت بها الريبة خمسة أعوام لأنه قد علم أن ذلك أقصى أمد الحمل كأنه داخل على علم. انتهى. وفي الشبراخيتي نحوه. وما قررت به المص هو الذي قرره به غير واحد؛ قال بناني: ومثله في التوضيح، واعترضه الناصر اللقاني، ووضحه مصطفى قائلا: إنه تقرير غير صحيح، وإنما معنى كلام ابن الحاجب المبيع بشرط مكث المعتدة إلى زوال الريبة، هذا هو المفروض في كلام الأئمة وبه قرر المواق. قال في الجواهر: ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا، قال القاضي أبو الوليد: وهذا عندي على من يرى للمبتاع الخيار، وأما على قول من يلزم ذلك فلا تأثير للشرط. انتهى. وأبدلت في المنهدم يعني أن الزوجة المطلقة إذا انهدم المسكن الذي تعتد به فإنه يجب على الزوج أن يبدلها غيره من مسكن تعتد بد سواء كان ملكا للزوج أم لا، وكذا المتوفى عنها إن انهدمت مقصورتها فتبدل بمقصورة أخرى من دار الميت التي هي له أو نقد كراءها على ما مر، فإن انهدمت الدار بتمامها لم تبدل بغيرها ولو كان للميت دار أخرى، لانتقالها للورثة مع عدم تعلق حقها بها بخلاف الدار التي كانت مقصورتها بها فإنها وإن انتقلت للورثة للمرأة تعلق حق بها. وهو اعتدادها. والمعار يعني أن الزوجة المطلقة إذا كانت تعتد في منزل معار لزوجها وانقضت مدة الإعارة فإنه يجب على زوجها أن يبدلها مسكنا غيره. والمستأجر بفتح الجيم يعني أن الزوجة المطلقة إذا كانت تعتد في منزل استأجره زوجها وانقضت مدة الإجارة فإنه يجب على زوجها أن يبدلها مسكنا غيره ووصف المعار والمستأجر بقوله: المنقضي المدة أي الذين انقضت مدتهما فهو بفتح الياء الأولى بصيغة التثنية وأشعر قوله: المنقضي المدة، أنه إن لم يقيد بمدة فلربهما إخراجها ولها في الطلاق البدل قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عند قوله: وأبدلت في المنهدم والمعار والمستأجر المنقضي المدة ما نصه: يريد إذا امتنع ربه من كرائه وكان لامتناعه وجه وإلا فليس له الامتناع. انظر التوضيح وغيره انتهى. وإن اختلفا في مكانين أجيبت مرتب على الإبدال؛ يعني أنه إذا انهدم المسكن أو انقضت مدة العارية أو الإجارة واختلفا أي المطلق والمطلقة في مكانين بأن دعت هي إلى محل ودعا هو إلى محل آخر ولا ضرر على واحد منهما بذلك فإن المرأة تجاب إلى السكنى في المكان الذي دعت إليه، ولا تجاب إلى المكان الذي فيه ضرر على الزوج، كجوارها
стр. 4835
لغير مأمون أو بعدها عنه بمحل لا يمكنه التحفظ عليها فيه؛ لأن له التحفظ على نسبه، وكما لو كان عليه في المكان الذي دعت إليه ضرر بكثرة الكراء حيث لم تتحمل بالزائد. قاله اللخمي. وقال ابن عرفة: إنما يلزمها الزائد في الأكثر إن كان ما دعا إليه يليق بها. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية بناني. وقال الحطاب: قال في المدونة: وإذا انهدم المسكن فدعت المرأة إلى سكنى موضع ودعا الزوج إلى غيره فذلك لها، إلا أن تدعوه إلى ما يضر به لكثرة كراء أو سكنى، فتمنع ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت. قال ابن يونس: قوله: أو سكنى؛ يعني بد مثل أن تدعو إلى موضع بعيد منه أو فيه جيران سوء ونحو ذلك؛ لأن له التحفظ لنسبه. وقوله: سكنت حيث شاءت، يريد حيث يعرف أنها معتدة في موضع لا يخفى عنه خبرها. انتهى. انتهى، وامرأة الأمير ونحوه لا يخرجها القادم يعني أن الدار المبنية من بيت المال لمن يكون أميرا ونحوه كأبيه والقاضي إذا سكنها أحد ممن ذكر فمات عنها في الدار المذكورة أو طلقها ثم عزل فإنه لا يجوز لمن قدم مكانه أن يخرجها من الدار المذكورة حتى تتم عدتها من طلاق أو موت، وقولي: من بيت المال، قال الشبراخيتي: وأما لو كانت بأجرة كبيت القاضي بمصر فله إخراجها ما لم تدفع الأجرة من عندها فتكون أحق بها حتى تنقضي العدة. وإن ارتابت أي لا يخرجها القادم وإن ارتابت بحس بطن أو تأخر حيض فلا تخرج حتى تمضي لها خمس سنين كالحبس حياته تشبيه في عدم الإخراج؛ يعني أن من حبست عليه دار حياته فيموت عن زوجته فيها تستمر امرأته على السكنى فيها حتى تتم عدتها ولا يخرجها من صارت إليه بحبس أو غيره ولو إلى خمس سنين، وكذا الحكم لو طلقها ثم مات فإنها تستمر على السكنى فيها حتى تتم عدتها ولا يخرجها من صارت إليه بحبس أو غيره ولو إلى خمس سنين، ولو أسقط المطلق حقه لم يكن للمستحق أن يخرجها لأن الإسقاط هبة وليس للمطلق هبة مسكن المعتدة وإخراجها منه، وكذا العمر بالفتح. كما في الشبراخيتي والأمير. وقال عبد الباقي: قال أحمد: مثل الحبس حياته ما إذا جعل الدار وقفا على ذريته بعده فإنها تستحق السكنى، وذلك لأن هذه الوقفة خارجة مخرج الوصية، والسكنى من توابع الملك. انتهى. وقوله: فإنها أي زوجة الواقف نفسه وكذا زوجة واحد من الذرية فتستحق السكنى في عدتها من موته أو طلاقه لدخولها في قوله