بذلك إلى قول ابن عبد السلام في شرح قول ابن الحاجب: فإن ولدت بغير دم فروايتان، الظاهر من الروايتين الوجوب حملا على الغالب. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وعلى القول بعدم الوجوب فيستحب الغسل؛ لأنه لا يأتي إلَّا بخير. قاله الإمام الحطاب. فإن قيل: الاستحسان إنما هو في ولادته بغير دم، لا فيما إذا ولد بدم، ففي الإتيان بالواو إشكال. فالجواب أنه نقل عن مالك روايتان، إحداهما؛ مفصلة بين أن يخرج الولد بدم، فيجب الغسل، وبين أن يخرج بلا دم، فلا يجب الغسل، بل يندب. والأخرى أنه لا فرق، فهو واجب على كلّ حال خرج بدم أو بلا دم، وهذه هي المستحبة، فلذا حسنت الواو. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال بعضهم: إن الواو للحال.
وعلم مما قررت أن الحيض والنفاس من موجبات الغسل، وأما انقطاعهما فهو شرط في صحته. ابن ناجي: وكان بعض من أدركناه يحكي عن من يثق به أنه شاهد خروجه بلا دم البتة، ولم يعقبه دم بعده.
لا باستحاضة هذا محترز قوله: "وبحيض"، يعني أن الاستحاضة لا يجب بها الغسل. والاستحاضة هي: الدم الآتي عقب الحيض والنفاس، وإذا لم يجب الغسل بدم الاستحاضة فإنه يندب عند انقطاعه، وإلى ذلك أشار بقوله: وندب لانقطاعه لاحتمال أن يكون خالطه دم حيض ولم تشعر به، وندب أيضًا اتصاله بالصلاة إن حمل على انقطاع يعود بعده. قوله: "واستحسن وبغيره" فلو خرج الولد جافا بغير دم، فهل ينقض الوضوء أو لا؟ قولان مبنيان على القولين بوجوب الغسل، وندبه. وقد تقدم ذلك في نواقض الوضوء، واللام في قوله: "لانقطاعه" بمعنى: عند. كما في الشيخ الخرشي.
ويجب غسل كافر بعد الشهادة يعني أن الكافر إذا أسلم وتلفظ بالشهادة فإنه يجب عليه الغسل إذا تقدم له سبب يقتضي وجوب الغسل من الموجبات الأربع، الإنزال، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس. فإن لم يتقدم له شيء من ذلك لم يجب عليه الغسل، بل يندب. ولهذا قال: بما ذكر أي يجب عليه الغسل بسبب شيء مما ذكر من موجبات الغسل، لا إن لم يقع له شيء من ذلك، فلا يجب بل يندب: وهذا هو المشهور. وقيل: يجب، وإن لم يتقدم له سبب، لأنه تعبد. ورد المصنف هذا القول بقوله: "بما ذكر" وهو متعلق بقوله: "يجب" والباء للسببية
стр. 527
كما قررت، ورد بقوله: "يجب" قول القاضي إسماعيل: الغسل مستحب، وإن كان جنبا؛ لأن الإسلام يَجُبُّ في قبله. وألزمه اللخمي بسقوط الوضوء؛ لأن الإسلام إن كان يَجُبُّ ما قبله من حدث في حال الكفر جب فيهما، وإلا فلا. وأجيب: بأن إسماعيل علل وجوب الوضوء؛ بأن الصلاة لا تصح إلَّا به، لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. الآية. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
قال جامعه عفا الله عنه: إن كان إسماعيل علل وجوب الوضوء بأن الصلاة لا تصح إلَّا به لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، كذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؛ وهو واقع بعد قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فيكون المعنى: إن كنتم غير جنب. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فلا يندفع البحث المذكور والله سبحانه أعلم. لكن يدلُّ لقول إسماعيل قول مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أمر أحدا إذا أسلم بالغسل، ولو أمرهم لاشتهر وقد قدمت تبعا لغير واحد أن المشهور أنه لا يجب الغسل على الكافر إذا أسلم، إلَّا بسبب موجب من الأربع. وقال الفاكهاني: المشهور وجوب الغسل على الكافر إذا أسلم. وإن لم يقع له موجب من الأربع. قال الشيخ عبد الباقي: والمراد بالشهادة ما دل على ثبوت الوحدانية لله تعالى، وثبوت الرسالة لمحمد ﷺ ، بشرط عدم اعتقاد مكفر، كزعم عدم عموم رسالته، وأنها للعرب، وعدم فعل أو قول مكفر، ولا يشترط لفظ أشهد، ولا النفي، ولا الإثبات كما صرح به الأبي كالمشدالي. وقال: إنه المنصوص عليه عندنا. واقتصر الشيخ سالم على كلام الأبي فيفيد قوته، خلافا لابن عرفة في أنه لابد من لفظ الشهادتين. ولا يشترط أيضًا الترتيب، ولا الفورية كما يفيده غير واحد كالسنوسي، ولا اللفظ العربي من قادر عليه كذا يفيده الأجهوري. وقال، يعني الأجهوري في باب الأذان: العيسوي إذا نطق بالشهادتين لا يعتد بنطقه عند الله: وأما إن رفع للقاضي فيحكم بإسلامه. انتهى.
ونقل الشيخ محمد بن الحسن في الشهادتين أن الأولى لا تستلزم الثانية، وأن الثانية تستلزمها. ونقل أنهم اختلفوا هل يتعين الدخول في الإسلام أو لا؟ بل يكفي كلّ ما يدلُّ على الإسلام من قول أو فعل على قولين. قال الشيخ أبو زيد: ومبنى الخلاف على أن المقاصد معتبرة بما يدلُّ
стр. 528
عليها كيف كان، أو لا بد من اللفظ المشروع، والأصل في ذلك قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله) (١))، وحديث خالد؛ حيث قتل من قال صبأنا؛ أي أسلمنا، ولم يحسنوا غير هذا، فقال ﵊: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) (٢))، ثم وَدَاهم ﵊، وعذر خالدا في اجتهاده. انتهى.
وصح قبلها وقد أجمع على الإسلام يعني أن من كان كافرا يصح غسله إذا أجمع على الإسلام؛ أي صمم وعزم عليه بأن تكون نيته النطق بالشهادتين، بأن آمن بقلبه، ولم يتلفظ بالشهادتين، ولكنه صمم على النطق بهما. فقوله: "وصح قبلها"، أي الشهادة بمعنى الشهادتين؛ لأنَّها صارت علما عليهما كما في ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، أي الشهادتين. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "وقد أجمع" جملة حالية؛ أي والحال أنه قد أجمع، وأجمع على كذا عزم عليه. وإنما صح الغسل قبل النطق بالشهادتين؛ لأن إسلامه بقلبه إسلام حقيقي، ولو مات قبل نطقه، مات مؤمنا. قاله ابن رشد. ابن العربي: الصحيح لا يكون مسلما حتى ينطق، ولا يصح غسلة قبل نطقه. ولعل قول ابن رشد في العازم، وابن العربي في غيره، أو فيه، وهو أبى لاستحياء ونحوه كأبي طالب، وعبر بصح لإفادة عدمها في المخرج؛ ولأن غسله قبلها خلاف الأولى، وقوله: "وصح الغسل" الخ، أي سواء نوى الجنابة أو مطلق الطهارة أو الإسلام؛ لأنه نوى أن يكون على طهر من كلّ ما كان فيه؛ وهو يستلزم رفع المانع، واعتقاد الإسلام يصحح القربة. وكذا يقال في الحائض والنفساء الكافرتين إذا عزمتا على الإسلام، ومثل الغسل الوضوء والتيمم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: سواء نوى الجنابة أو مطلق الطهارة أو الإسلام أي وأما إذا نوى التنظيف أو إزالة الأوساخ فإنه لا يجزئه عن غسل الجنابة، قاله اللخمي. وتنظير الحطاب فيه بقول ابن رشد: إذا اغتسل نوى الجنابة فإن لم ينو الجنابة، ونوى به الإسلام، أجزأه؛ لأنه أراد به الطهر من كلّ ما كان فيه. انتهى. فيه نظر، فإن بين مسألتيهما ما بين الضب والنون. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وما شرحت به قول المصنف: وقد أجمع على الإسلام، من أنه آمن بقلبه بالفعل، هو
стр. 529
مقتضى ما للشيخ الحطاب والشيخ عبد الباقي، وهو خلاف ما للشيخ إبراهيم من شموله لمن لم يؤمن بقلبه. لكنه عزم عليه، فإنه قال عند قوله: "وقد أجمع على الإسلام": وأولى إذا آمن بقلبه. انتهى. والظاهر الحمل الأول، وأن هذا الأخير لا يصح؛ لأنه لا اعتداد بفرع من فروع الإسلام مع عدم الإيمان بالقلب. والله سبحانه أعلم. لا الإسلام يعني أنه إذا عزم وصمم على النطق بالشهادتين، ومات قبل أن ينطق بهما، فإنه لا يصح إسلامه، بمعنى أنه لا تجري عليه أحكام الإسلام، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يرث مسلما، ولا يرثه مسلم، ولا يدفن في قبور المسلمين. وأما إسلامه فيما بينه وبين الله فصحيح، وبحسب الظاهر ليس بصحيح، فلا تجري عليه أحكام الإسلام، ولهذا قال: "لا الإسلام" ولم يقل: لا الإيمان إلا لعجز يعني أن محل كونة لا تجري عليه أحكام الإسلام، إنما هو حيث لم يكن عدم نطقه بالشهادتين لعجز. فأما إن كان لعجز كخوف مثلا. فإنه يصح إسلامه، ويصدق عند المفتي وغيره إن ادعاه بعد زوال خوفه مثلا، وعند القاضي إن قامت بذلك قرائن، وفائدة تصديقه الآن فيما مضى، الإرث. فيرث من مسلم موروث له مات حال عدم نطقه لعجز. وكونه يصح إيمانه فيما بينه وبين الله: هو لابن رشد واللخمي والمازري والمحققين والجمهور. وذكر القاضي عياض فيمن صدق بقلبه ثم اخترمته المنية قبل اتساع وقت الشهادة بلسانه، قولين قال: والصحيح أنه مؤمن مستوجب للجنة. وذكر فيمن صدق بقلبه وطالت مهلته: وعلم ما يلزمه من النطق بالشهادة ولم ينطق بها ولا مرة في عمره، قولين أيضًا، والصحيح أنه ليس بمؤمن. انتهى مختصرا. وإذا جمعت المسألتين حصل فيهما ثلاثة أقوال: الإجزاء فيهما: وعدمه فيهما: وثالثها الصحيح الإجزاء في الأولى دون الثانية، ونحوه في القباب والتونسي. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ محمد بن الحسن: حمل المصنف على أن معنى قوله: "لا الإسلام" لا تجري عليه أحكام الإسلام، مبني على أن النطق شرط في إجراء الأحكام الظاهرة فقط متعين؛ وهو المنسوب للجمهور، وبذلك الحمل ينتفي الإشكال عن المصنف. وقيل: شرط في صحة الإيمان وقال عياض: إنه المذهب. وأشار في المراصد إلى الخلاف في ذلك والتفصيل فقال:
стр. 530
ومن يكن ذا النطقُ منه ما اتفق … فإن يكن عجزا يكن كمَن نطق
وإن يكن ذلك عن إباء … فحكمة الكفر بلا امتراء
وإن يكن لغفلة فكالإبا … وذا الذي حكى عياض مذهبا
وقيل كالنطق وللجمهور … نسب والشيخ أبي منصور
المسناوي: هذا التفصيل إنما هو في الكافر، وأما من ولد في الإسلام فهو على الفطرة الإسلامية، وإنما يجب عليه النطق وجوب الفرع، فإذا تركها مع الإمكان كان عاصيا لا كافرا، ولا يجري فيه التفصيل المذكور، وهذا هو التحقيق خلافا لما في شرح المرشد. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن بناني. ولو كان الكافر يعتقد دينا يرى الغسل من الجنابة، فاغتسل من جنابته في حال كفره، ثم أسلم، فإنه لا يجزئه ذلك؛ لأن الكفر لا تصح معه قربة بوجه. وزعم بعض الشافعية أنه يجزئه تخريجا على صحة غسل الذمية من الحيض، فإنها إذا أسلمت بقي زوجها على استباحة الوطء بذلك الغسل، وهذا فاسد، فإن غسل الذمية وقع صحيحا حال الكفر في حق الآدمي، ولم يقع عبادة بخلاف الغسل في حق الله تعالى. نقله الإمام الحطاب. قال: فعلم أن الذمية إذا أسلمت يجوز لزوجها وطؤها قبل أن تغتسل. انتهى أي لكونها اغتسلت في حال كفرها ولم تحض بعد ذلك، ويؤمر من أسلم بأن يختتن، ويحلق رأسه إن كان شعر رأسه على غير زي العرب. قاله في الطراز. وقال: واستحب مالك أن يحلق على عموم الأحوال، وفي الحديث أنه قال للذي أسلم (ألق عنك شر الكفر واختتن) (١))، أي الشعر الذي هو من زي أهل الكفر. وقد كانت العرب تدخل في دين الله أفواجا ولم يرو في ذلك أنهم كانوا يحلقون. انتهى. قال الإمام الحطاب: وانظر قوله واستحب مالك، لعله: واستحب الشافعي، فإن القرافي نقله في الذخيرة بلفظ: واستحب الشافعي مطلقًا، وآخر كلام صاحب الطراز يدلُّ على ذلك. والله أعلم. انتهى.
стр. 531
وإن شك أمذي أم مني اغتسل يعني أن من رأى شيئًا في ثوبه مثلا، وشك هل هو مذي أو مني، ولا خصوصية للمذي بذلك، بل مثله ما إذا شك هل هو مني أو بول مثلا، فإنه يجب عليه أن يغتسل للصلاة مثلا، وهذا حيث كان شكه على السواء، فإن ترجح عنده شيء بقرينة من غسل وعدله عمل على ذلك.
وعلم مما قررت بقولي: شيئا أنه أولى من التعبير ببلل لقصوره، والحاصل أن من رأى شيئًا في ثوبه فلا، يخلو إما أن ينام فيه أولا، فإن لم ينم فيه فلا شيء عليه لتحققه أنه ليس بموجب، وإن نام فية فلا يخلو أن يتيقن أنه احتلام أو يشك، فإن شك وجب عليه الغسل، أو استحب على القول بإلغاء الشك أو إعماله، وإن تيقن أنه احتلام فإن تذكر أنه احتلم وجب عليه الغسل بلا خلاف، وإن لم يتذكر فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح وجوب الغسل إذا لم يلبسه غيره ممن يمني، وإلا ندب لاحتمال أن يكون الغير هو المحتلم.
واعلم أن أسباب الغسل سبع: التقاء الختانين، وإنزال الماء الدافق من رجل أو امرأة والشك في أحدهما ما لم يستنكح. وتجدد الإسلام بعد البلوغ على خلاف فيه، والولادة مع جفوف الولد من الدم، وانقطاع دم الحيض، وانقطاع دم النفاس، والموت في غير الشهداء. وقال الشيخ الأمير: والمرأة تجد الحيض في ثوبها تغتسل، وتعيد من يوم لبسه اللبسة الأخيرة كالصوم إلَّا أن تبيت كلّ ليلة فتعيد عادتها إن أمكن استغراقه لها، وإلا فبحسبه، فإن لم يتصور زيادته على يومين في ظن العادة قضتهما فقط. وهكذا ثم ذكر مسألة الجوار الآتية، ثم قال: وظاهر كلامهم إلغاء الاستظهار هنا لعدم التحقيق وقوله: "وإن شك أمذى" الخ قد مر أنه لا خصوصية للمذي بذلك، بل مثله ما إذا شك أبول أم مني، أو شك هل هو ودي أو مني أو نحو ذلك، فإن شك في ثلاثة أحدها المني لم يجب عليه غسل لضعف الشك في المني حينئذ، ولو تردد بين أمرين ليس أحدهما منيا بل مذي أو بول أو ودي مثلا، فإنه يجب عليه أن يغسل ذكره بنية. وتقييده بما قيد به وجوب الغسل في كلام المصنف، وهو أن محل قوله: اغتسل حيث لم يلبسه غيره ممن يمني، وإلا لم يجب عليه الغسل، بل يندب فقط لجواز كونه من ذلك الغير.
стр. 532
وأعاد من آخر نومة يعني أن هذا الذي شك في شيء رآه في جسده أو ثوبه، هل مني أو غيره؟ إذا حكمنا عليه بوجوب الاغتسال فإنه يعيد ما صلى من آخر نومة نامها في هذا الثوب، وهذا الذي مشى عليه المصنف هو قول الموطإ: من وجد في ثوبه احتلاما، وقد بات فيه ليالي أنه لا يعيد إلا من آخر نومة. كتحققه يعني أن من رأى شيئا في جسده أو في ثوبه، وتحقق كونه منيا وشك في وقت حصوله، فإنه يغتسل وجوبا ويعيد ما صلى من آخر نومة نامها فيه ما لم يلبسه غيره ممن يمني، وإلا ندب. وهذا القيد في المسألتين مخالف لقول البرزلي: لو نام شخصان تحت لحاف ثم وجدا منيا عزاه كل منهما لصاحبه، فإن كانا غير زوجين اغتسلا وصليا من أول ما ناما فيه لتطرق الشك إليهما معا، فلا يبرآن إلا بيقين، وإن كانا زوجين اغتسل الزوج وحده؛ لأن الغالب أن الزوجة لا يخرج منها ذلك. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وشك المرأة في وقت حيض رأته في ثوبها كشكها في الجنابة، فتغتسل وتعيد الصوم أيام عادتها من أول يوم صامت فيه مطلقا، وكذا الصلاة إن لبسته ولم تنزعه أصلا فتعيدها من أول يوم لبسته، كما نقله ابن عرفة عن ابن القاسم، فإن لبسته وكانت تنزعه فتعيده من آخر نومة. والفرق بين الصوم والصلاة في هذه الحالة الأخيرة أنها إن كانت [مما] (١) قبل حائضا فالصلاة ساقطة عنها أولا فقد صلتها، والصوم يجب عليها قضاؤه. قاله بعض الشراح. لكنه أطلق في أنها تعيد الصلاة من آخر نومة، والصواب تقييده بما إذا كانت تنزعه، فإن لم تنزعه أعادت من أول نومة عند ابن القاسم كما مر، وإنما أعادت هذه من أول نومة، ومن وجد منيا في ثوبه الذي لا ينزعه يعيد من آخر نومة؛ لأن الحيض ربما يحصل ممن لا يشعر به بخلاف المني، ومحل قضاء صوم أيام عادتها من الحيض دون غيرها حيث لم تصم المدة بنية واحدة، فإن صامتها كذلك وجب عليها قضاء ما صامته لبطلان النية بانقطاع التتابع بالحيض. ومحله أيضا إذا كان الدم الذي رأته يمكن حصوله في أيام عادتها فإن كان يسيرا بحيث لا يحصل إلا في يوم واحد، قضت يوما واحدا. وكذا يقال في سقوط صلاة أيام عادتها، وعلى هذا فلا يخالف ذلك ما ذكره صاحب الوجيز من قوله في ثلاث جوار لبسن ثوبا
стр. 533
في رمضان جميعا، لبسته إحداهن العشر الأول، والثانية العشر الثانية، والثالثة العشر الثالثة، ثم وجد به آخر الشهر نقطة دم يابسة لا يدري من أيتهن حصلت: أن كل واحدة منهن تصوم يوما واحدا، وتقضي الأولى صلاة الشهر كله، أي لاحتمال حصوله منها، وأنه أول يوم من الشهر فقد صلت وهي حائض، والثانية عشرين يوما أي لاحتمال حصوله منها وأنه أول يوم من لبسها له، والثالثة عشرة أيام ووجه عدم المخالفة أن يحمل ما رئي في الثوب من الدم على اليسير الذي لا يحصل إلا في يوم واحد. انتهى. وقد علمت أن المصنف مشى في مسألتي الشك والتحقق على قول الموطإ: من وجد في ثوبه احتلاما وقد بات فيه ليالي إنه لا يعيد إلا من آخر نومة، وقوله: وتعيد الصوم من أول يوم صامت فيه، قال الشيخ محمد بن الحسن: فرق بين الصوم والصلاة وأصله للتتائي تابعا لعبارة ابن فرحون، وفيه نظر، بل لا فرق بينهما على المعتمد. ابن عرفة: قال ابن القاسم: من رأت في ثوبها حيضا لا تذكر إصابته إن كانت لا تتركه ويلي جسدها، أعادت الصلاة مدة لبسه، وإن كانت تتركه فمدة آخره، وتعيد صوم ما تعيد صلاته ما لم يجاوز عادتها. ابن حبيب: بل يوم فقط اللخمي عدد نقط الدم إن لبسته بعد الفجر ما لم تجاوز عادتها. انتهى. وقد رد به الرماصي على التتائي: قال ابن يونس ووجه قول ابن القاسم في إعادة الصوم إمكان تمادي الدم أياما ولم تشعر، ووجه قول ابن حبيب أبين عندي؛ لأنه لو تمادى لشعرت به ولظهر في ثوبها نقط، وإنما أعادت هذه من أول نومة. ومن وجد منيا في ثوبه الخ هذا التفريق صحيح على ما عزاه ابن عرفة لظاهر الموطإ، ورواية على وابن القاسم من أنه في المني يعيد من آخر نومة مطلقا، وعلى ما نقله في الواضحة عن مالك: لا فرق بينهما، فإنه قال في الاحتلام: يعيد من آخر نومة إن كان ينزع الثوب، فإن كان لا ينزعه أعاد من أول يوم نام فيه. انتهى، وقال ابن يونس: إعادته من آخر نوم لمالك في الموطإ؛ لأن عمر ﵁ فعله، وإنما قال ذلك؛ لأنه ينزعه ويلبسه ولم ير شيئا، فلما رآه علم أنه من آخر نوم، فإن استدام لبسه والمني بموضع يخفي، أعاد من أول نوم؛ لأنه به شك من حينئذ فيحتاط، وكذا رؤية الحيض. وقال ابن عبد الحكم: لا يعيد إلا من آخر نوم استمر لبسه، أم لا. ابن يونس: ويجري هذا الاختلاف في الحيض، انتهى. نقله ابن مرزوق. فقد علمت أنه لا فرق بين الاحتلام والحيض في التفصيل بين النزع وعدمه على
стр. 534
قول مالك، وأن قول المص: "وأعاد من آخر نومة" يقيد أيضا بما إذا كان ينزعه، وإلا فمن أول يوم نام فيه، تأمله. والله أعلم. لكن في التوضيح ما نصه: قسم الباجي المسألة على قسمين: إن كان ينام فيه وقتا دون وقت أعاد من أحدث نومة اتفاقا، وهل يعيد ما قبل ذلك؟ قولان، وإن كان لا ينزعه، فروى ابن حبيب عن مالك أنه يعيد من أول نومة. الباجي: ورأيت أكثر الشيوخ يحملون هذا على أنه تفسير للموطإ، والصواب عندي أن يكون اختلف قوله في الجميع. انتهى. قال في التوضيح: وعلى هذا فإطلاق المصنف موافق لطريق الباجي، لا ما حكاه عن الأكثر. انتهى. وكذا يقال في إطلاق المصنف لكن لا ينبغي مخالفة الأكثر. والله سبحانه أعلم. وقوله: وكذا يقال في سقوط أيام عادتها فيه نظر؛ إن الصلاة لا تتقيد بأيام عادتها كما هو ظاهر، ويفيده كلام ابن عرفة المتقدم فلا يجري فيها القيد المذكور.
ولما ذكر موجبات الغسل الأربع، أتبعه بواجباته؛ أي بجلها، فقال: وواجبه نية وهي أي واجباته خمسة: تعميم الجسد كما مر، والنية، والموالاة، وتخليل الشعر، والدلك. ومعنى كلامه أن النية في الغسل واجبة، وهي كالنية المتقدمة في الوضوء، بمعنى أنها هنا عند أول مفعول ولو ممسوحا. كما أن النية في الوضوء كذلك، فالتشبيه بالنسبة للنية في الصفة فقط، ومعناه أنها عند أول مفعول كما علمت، ويجري هنا أنواع النية الثلاثة من رفع الحدث، وهو هنا الأكبر، أو الفرض الخ وجميع ما مر في نية الوضوء. وقد علمت أن التشبيه إنما هو في الصفة فقط، إذ النية هنا واجبة قطعا.
وعلم مما قررت أن من نوى حدثا غير ما حصل منه ناسيا، غسلُه صحيحٌ كما في شرح الشيخ عبد الباقي. وموالاة يعني أن الموالاة في الغسل واجبة؛ وهي هنا كالموالاة في الوضوء، فالتشبيه في هذه في الصفة والحكم لجريان الخلاف هنا في الموالاة. وتشترط القدرة والذكر، ويجري هنا جميع ما مر في موالاة الوضوء، فقوله: كالوضوء راجع للأمرين قبله كما قررت؛ أي أن النية في الغسل كالنية في الوضوء، والموالاة في الغسل كالموالاة في الوضوء.
وإن نوت الحيض والجنابة يعني أن المرأة إذا تطهرت ونوت في ابتداء طهرها رفع حدث الحيض والجنابة فإنهما؛ أي طهر الحيض والجنابة يحصلان، فيحصل ثوابهما، ويباح لها ما كانت
стр. 535
ممنوعة منه بسبب الحيض والجنابة، وكذا لو نوت النفاس والجنابة فإنهما يحصلان، وكذا لو نوت الحيض والنفاس والجنابة فإن الثلاثة تحصل. قاله الشيخ عبد الباقي.
أو أحدهما ناسية للآخر يعني أن المرأة إذا تطهرت بعد طهرها من الحيض؛ وهي جنب، ونوت عند ابتداء طهارتها أحد الأمرين؛ أي نوت رفع حدث الجنابة ناسية للحيض، أو نوت رفع حدث الحيض ناسية للجنابة، فإن الطهرين يحصلان، فيباح لها ما كانت ممنوعة منه. أما إن نوت الجنابة ناسية للحيض، فكونهما يحصلان هو الذي ذهب إليه أبو الفرج وابن عبد الحكم وابن يونس، وهو مذهب المدونة. خلافا لسحنون قائلا بعدم الإجزاء؛ لأن موانع الحيض أكثر فلا يندرج تحت الجنابة، وللأول أنهما متساويان في أكثر الأشياء، ومن القواعد جعل الأقل تابعا للأكثر، وأما إن نوت الحيض ناسية للجنابة فالمنصوص الإجزاء عنهما كما قال المص لكثرة موانعه. وخرج الباجي نفي الإجزاء، فإن الجنابة تمنع القراءة، والحيض لا يمنعها على المشهور. ومفهوم ناسية للآخر فيه تفصيل، فإن ذكرته ولم تخرجه أجزأ كما مر، وإن ذكرته وأخرجته لم يحصلا فلا يباح لها شيء مما كان ممنوعا عليها. قال الشيخ عبد الباقي: وقد يفهم منه صحة نيابة أحدهما عن الفرض الآخر بالأولى، وانظره. انتهى.
أو نوى الجنابة والجمعة يعني أن الجنب إذا نوى باغتساله غسل الجنابة، وغسل الجمعة؛ بأن أشركهما في النية، ومثل الجمعة العيد والإحرام. أو نيابة عن الجمعة يعني أن الجنب إذا اغتسل وجعل نية الغسل خاصة بالجنابة، وعلق بالجمعة نية أخرى؛ وهي نيابة الجنابة عنها، فإنهما؛ أي غسل الجنابة وغسل الجمعة يحصلان له.
وعلم مما قررت أن قوله: حصلا راجع للمسائل الأربع، ومعنى حصلا: حصل ثوابهما، ومفاد عبارة المص؛ أعني قوله: "وإن نوت الحيض والجنابة أو أحدهما ناسية للآخر" أن المانعين حصلا من المرأة، فإن حصل منها أحدهما، ونوت من الآخر الذي لم يحصل نسيانا، فهل يجزئها غسلها؟ وهو الموافق لما مر في الوضوء، وربما يشمله قوله: "وواجبه نية" الخ أم لا. قاله الشيخ علي الأجهوري. قاله الشيخ عبد الباقي. وما ذكره المص هنا غير ضروري الذكر مع قوله: كالوضوء فهو إيضاح، والظاهر أن نية الغسل المسنون والمندوب معا، أو نيابة مسنون عن مندوب
стр. 536
يحصلان لا إن نوى المندوب أو نيابة عن مسنون، ولا نيابة مندوب منذور عن فرض أصلي. ويفهم منه أن الغسل المنذور لا يندرج فيه الوضوء، ولا نيابة مسنون عن مثله بخلاف نيتهما معا فيما يظهر، كغسل مقيم بمكة لجمعة وإحرام. قاله الشيخ عبد الباقي.
وإن نسي الجنابة يعني أن الجنب إذا اغتسل، ونوى بغسله اغتسال الجمعة ناسيا للجنابة، فإنه لا يحصل له غسل الجنابة، ولا غسل الجمعة. أو قصد نيابة عنها يعني أن الجنب إذا نوى بغسله الجمعة، والحال أنه لم ينس الجنابة، ولكن قصد بغسل الجمعة، ولو منذورا فيما يظهر نيابة الجمعة عن الجنابة؛ أي جعل نية الغسل خاصة بالجمعة، وعلق بالجنابة نية أخرى، وهى نيابة الجمعة عنها. وبما قررت علم أن قوله: انتفيا جواب عن المسألتين، وضمير التثنية راجع للجنابة والجمعة أي انتفى غسل الجنابة لعدم نيتها، وانتفي غسل الجمعة، فلا يحصل له ثوابه معاملة له بنقيض مقصوده لتعديه الحكم الشرعي بقصده نيابة السنة عن الفرض. وفائدة انتفاء غسل الجمعة طلبه بغسلها إذا اغتسل الجنابة دون قصد نيابتها عن الجمعة أو نسيها. قاله الشيخ عبد الباقي.
وتخليل شعر يعني أنه يجب في الغسل تخليل الشعر، ولم يقيده فيعم كل شعر خفيفا تظهر البشرة تحته، أو كثيفا. قال ابن الحاجب: والأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما. انتهى. ويشمل ذلك شعر الحاجبين، والهدب، والشارب، والإبط، والعانة إن كان فيها شعر. فمن توضأ للصلاة وهو جنب ولم يخلل شعر لحيته الكثيفة، يجب عليه تخليلها في اغتساله كما يشعر بذلك قوله الآتي: وغسل الوضوء عن غسل محله؛ أي وأما ما زاد عن محله كالكثيفة فلا بد من غسله في الغسل. وقوله: "وتخليل شعر" هذا التخليل هو بعد صب الماء على الرأس أو معه، وأما التخليل قبله فمستحب، وصفة التخليل المستحب أن يغمس يديه في الماء بعد أن يتوضأ، فيخلل بأصابعه أصول شعر رأسه، ويبدأ فيه من مؤخر الجمجمة فإنه يمنع من الزكام، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات. قاله الشيخ ميارة. وهو تحرير عجيب، وإنما وجب التخليل
стр. 537
لخبر: [خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة] (١)). انتهى. وأحرى الشقوق، والأعكان. وغائر البدن ما لم يشق فيعمه بالماء ويدلكه، وأما الخاتم فلا يلزمه تحريكه كالوضوء حيث كان مأذونا فيه خلافا لناظم مقدمة ابن رشد حيث قال:
وحرك الخاتم في اغتسالك … والخرص والسوار مثل ذلك
قال الشيخ إبراهيم: إلا أن يحمل على غير المأذون فيه. انتهى. أو يحمل على الندب كما للشيخ عبد الباقي، وقد تقدم أن غير المأذون لا بد من نزعه. ونقل عن ابن مرزوق أن ما أفتى به المص من وجوب التخليل هو الراجح على ما يظهر من الأنقال والحديث، وإن كان خلاف رواية ابن القاسم في اللحية. وعلم مما مر أن الخاتم لا يلزم نزعه ولو ضيقا عض بالإصبع؛ لأنه لما جاز لبسه صار كالجبيرة انظر شرح عبد الباقي.
وضغث مضفوره يعني أن المغتسل رجلا أو امرأة يجب عليه ضغث مضفوره؛ أي جمعه وتحريكه واتكاؤه عليه بيده ليداخله الماء، ومربوطه كمضفوره. وقد علمت أن الرجل في ذلك كالمرأة، وقد مر أنه مثلها في جواز الضفر. والضمير في مضفوره للشعر، وهو بالضاد غير المشالة. قاله الشيخ إبراهيم. لا نقضه يعني أن المغتسل رجلا أو امرأة لا يلزمه نقض مضفوره أي حله ما لم يشتد بنفسه، فإن اشتد ضفره بنفسه فلا بد من حله، هذا إذا لم يكن عليه خيط، وهذا في الغسل كما علمت. وأما في الوضوء فلا يلزمه حله، وأما إن كان عليه خيط أو خيطان، فإن اشتد فلا بد من حله غسلا أو وضوءا، وإن لم يشتد فلا يلزم نقضه، وإن كان عليه خيوط ثلاثة ففوق وجب النقض غسلا أو وضوءا. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ المحقق الأمير: ونقض مضفور ثلاثة خيوط اشتد أو لا في وضوء، أو غسل كالأقل إن اشتد، وإلا فلا وضوءا أو غسلا كبنفسه في الغسل، ولبعض شيوخنا:
стр. 538
إن في ثلاث الخيط يضفر الشعر … فنقضه في كل حال قد ظهر
وفي أقل إن يكن ذا شده … فالنقض في الطهرين صار عمده
وإن خلا عن الخيوط أبطله … في الغسل إن شد وإلا أهمله
انتهى. قوله: "لا نقضه" قال في المفهم: لا يفهم من التخفيف في ترك حل الضفر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر كما يأتي في حديث أسماء (١) بنت شكل، ولما صح من حديث على مرفوعا وفي المواق: والصواب وجوب تخليل شعر اللحية، وسمعه أشهب، وسمع ابن القاسم سقوطه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقد مر قول ابن الحاجب: والأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما. انتهى قاله الشيخ محمد بن الحسن. وتعقب بأنه يقتضي الخلاف في الشعر مطلقا، وليس كذلك بل في اللحية فقط. انتهى. وقال عن أبي الحسن وفي شرح ابن بطال عن بعض التابعين: أن العروس ليس عليها غسل رأسها لما في ذلك من فساد المال. قاله أبو محمد صالح. وهذا يسمع في بعض المجالس ولم أقف عليه نصا. انتهى. والله أعلم. انتهى. وقال الوانوغي: ما ذكره أبو محمد صالح من نقل ابن بطال الترخيص للعروس لا يبعد كل البعد، وفي فروعنا ما يشهد له، ونقله ابن غازي في تكميله وسلمه، وكذا نقله ابن ناجي عن أبي عمران الجورائي: لا تغسله بل تمسح عليه. قاله الشيخ محمد بن الحسن.
وذلك يعني أن الدلك من واجبات الغسل، ولا تشترط مقارنته لصب الماء، بل يكفي. ولو حصل بعد صب الماء عند ابن أبي زيد، خلافا للقابسي في اشتراطه المعية، وفيه حرج، وهو واجب على كلا القولين، وإنما اختلافهما في إجزائه بعد صب الماء وعدمه، ولا يكفي فيه غلبة الظن إلا المستنكح، ويكفي هنا إمرار العضو ولو باطن ذراعه، وهذا؛ أي وجوب الدلك هو المشهور من مذهب مالك، وإن ضعف مدركه. وقيل إنه واجب لإيصال الماء إلى البشرة لا لذاته، والراجح مدركه. وقال القرافي في مثل هذا يجب العمل بما قوي مدركه. وبما قررت علم أن المبالغة في
стр. 539
مقدر؛ وهو ويجزئ لأنه واجب على كلا القولين، وإنما اختلافهما في إجزائه بعد صب الماء وعدمه كما علمت. وقوله: ولو بعد صب الماء؛ أي ولا بد من كون الماء على العضو بحيث لا يصير مسحا أو بخرقة يعني أن الدلك لا بد منه في الغسل إما بعضو من أعضائه، أو بخرقة إن تعذر العضو أو استنابة يعني أنه لا بد من الدلك في الغسل إما بنفسه، أو بالاستنابة بأن يوكل من يتولى دلكه حيث لم يمكنه التدلك بنفسه.
وعلم مما قررت أن محل الخرقة والاستنابة إنما هو عند تعذر الدلك باليد كما نص عليه الشيخ محمد بن الحسن، ودعمه بالنقل. وقال الشيخ عبد الباقي: وظاهر المص أنه لا مزية لأحدهما على الآخر. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: والحق أن الخرقة والاستنابة سواء عند التعذر باليد فيخير بينهما كما أنهما سواء في اشتراط تعذر اليد في كل منهما كما يستفاد ذلك كله من ابن الحاجب وابن عرفة. انظر الرماصي. "فأو" الأولى للتنويع، والثانية للتخيير. وفيه عن الرماصي: الظاهر أن الخرقة حكمها حكم النيابة في الإجزاء وعدمه. وفي شرح الشيخ عبد الباقي ما نصه: والذي يظهر تقديم الخرقة على الاستنابة؛ لأن الدلك بها فعله. وقد جرى خلاف فيمن استناب مع قدرته بيده، ففي الحطاب: المشهور لا يجوز ابتداء ويجزئ، وفي الطخيخي وأحمد المشهور عدم الإجزاء. وهو الموافق لقول ناظم مقدمة ابن رشد:
والدلك لا يصح بالتوكيل … إلا لذي آفة أو عليل
ومن تكن قصيرة يداه … فالدلك بالمنديل أو سواه
انتهى. وقد مر ما للشيخ محمد بن الحسن من أن الخرقة والاستنابة سواء، وقال الشارح: ما ذكره المص من وجوبه بالخرقة أو الاستنابة عند التعذر باليد هو قول سحنون، قيل وهو الظاهر. وذهب ابن حبيب إلى سقوطه، وصوبه ابن رشد انتهى. وارتضاه ابن عرفة والقرافي. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ودلك وإن بعد انفصال الماء بحيث لا يصير مسحا بعضو أو خرقة، ولا يشترط خصوص اليد، وتجزئ الخرقة مع القدرة على العضو في الأظهر. وقيل لا يدلك بالخرقة؛ لأنه ليس من عمل السلف، ثم استناب. انتهى. وقال الشيخ أحمد: ومعنى الدلك بالخرقة أن يجعل
стр. 540
شيئا بين يديه يجعل طرفه بيده اليمنى والآخر بيده اليسرى ويدلك بوسطة، وأما لو جعل يده في شيء ودلك به فهو من الدلك باليد، هكذا وقع في مجلس المذاكرة، وارتضاه بعض شيوخنا. انتهى. وتعقبه الأجهوري بأن هذا يقتضي إجزاء الدلك به بل جوازه مع القدرة عليه باليد من غير حائل، وهذا خلاف ظاهر ما ذكروه في تعريف الدلك لا سيما إن كانت الخرقة كثيفة. وقد ذكروا أنه إذا حال بين الحشفة والفرج خرقة كثيفة يكون وطؤه غير موجب للغسل، فيحمل هذا بتقدير تسليمه على ما إذا كانت الخرقة التي يجعلها على يده رقيقة. انتهى.
وإن تعذر سقط يعني أن الدلك إذا تعذر بعضو أو خرقة أو استنابة أو حائط مثلا فإنه يسقط، وإذا سقط عنه فإنه يجتزئ بصب الماء. قال الشيخ زروق: وإن كان لا يصل إليه بوجه سقط وليكثر من صب الماء في محله، كذا نص عليه غير واحد، وليس من التعذر إمكانه بحائط يملكه غير حمام لا حائط حبس أو حمام ولو بملكه؛ لأنه يورث البرص على قول بعض الناس، ولا حائط بملك غيره إن تضرر بدلكه به، لا إن لم يتضرر لما ذكروه من أنه ليس للشخص منع غيره من نفعه بما لا يضر كاستقلاله بجداره أو استصباح أو انتفاع بنور مصباحه. قاله الشيخ عبد الباقي. ومن ترك الدلك مع الإمكان يعيد أبدا. وفي الحطاب عن الشيخ زروق: وليحذر من التدلك بالحيطان؛ لأن ذلك يضر بأهلها، وربما كانت نجاسة أو بعض المؤذيات إلا ما يكون معدا لذلك. وحائط الحمام خصوصا قالوا: يورث البرص، وليحذر تمكين الدلاك مما تحت الإزار، وليحذر أيضا تمكين من لا يرضى حاله من دلك بدنه، ولا سيما إن كان ناعما، وليتق الوسوسة جهده، ويستعين عليها بالنظر لاختلاف العلماء إن كان مبتلى بها. كذلك كان يقول شيخنا أبو عبد الله القوري؛ يعني بحيث يتحقق تدلكه، ولا تكفي غلبة الظن؛ لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين ما لم يكن مستنكحا، فيكفيه ما غلب على ظنه، انتهى.
واعلم أنه لا يلزم الرجل أن يدلك لزوجته ما لا تصل إليه من جسدها، ولا يلزمها ذلك بل يستحب لهما ذلك، وكذلك لو لم تصل لغسل فرجها للسمن الذي بها لا يلزمه أن يغسل لها بل يستحب، فإن لم يفعل فإنها تصلي بالنجاسة، ولا تمكن أحدا من فعله، وهي عاصية إن تسببت للسمن، غير عاصية إن لم تتسبب فيه. وكذلك الرجل لا يجب على المرأة غسل عورته إذا لم
стр. 541
يصل لها، بل يستحب لها، فإن لم تفعل تعين عليه أن يشتري جارية إن قدر، فإن لم يقدر صلى بالنجاسة، ولا يمكن أحدا من غسله وهو في العصيان وعدمه كالمرأة؛ إلا أن السبب منه أقبح، انتهى بالمعنى من المدخل. قاله الإمام الحطاب.
وسننه غسل يديه أولا يعني أن سنن الغسل ولو مندوبا خمس: أولها غسل اليدين أولا: أي قبل دخولهما في الإناء كما صرح به الحطاب والمواق والدردير وعبد الباقي، وزاد أو قبل إزالة الأذى. انتهى. وعلى كلا الاحتمالين يكون غسلهما قبل إزالة الأذى، والأول هو المعتمد، والتحقيق الذي في الأحاديث الصحيحة كما قاله العدوي. وبكون غسل اليدين أول ما يفعل صرح عياض، وكذا ابن الحاجب. وصاحب التلقين، وابن يونس وغير واحد. ولا ينقضه مس الذكر عند هؤلاء ويغسلهما ثلاثا وهي من تمام السنة تعبدا بمطلق ونية، ويعيد غسلهما للتعميم، فالسنة في غسل اليدين تتوقف على ثلاثة أشياء. غسلهما بنية السنة، وكونه أولا، وكونه ثلاثا، فلو اختل واحد منها لم يكن آتيا بالسنة. وقوله: "وسننه غسل يديه أولا" الكلام فيه كالكلام في الوضوء، وقد تقدم مستوعبا فراجعه إن شئت. قال الرماصي: وظاهر كلام الأئمة أنه لا يعيد غسلهما في وضوء الجنابة، لجعلهم السنة غسلهما قبل إدخالهما في الإناء، فلا معنى لإعادته بعد حصول السنة. وقول أحمد: يعيد غسلهما ثانيا في الوضوء لا مساعد له، إلا ما يؤخذ من قولهم يتوضأ وضوء الصلاة مع أن ذلك محمول على غير غسل اليدين لتقدمه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يعارض سنية التثليث هنا قوله في توضيحه: ليس شيء في الغسل يندب فيه التكرار غير الرأس. انتهى؛ لأنه في المندوب كما هو صريحه، والتثليث هنا من تمام السنة. انتهى.
وثانيها صماخ أي مسح صماخ أذنيه، والمراد بالصماخ جميع الثقب الذي في مقعر الأذنين، وهو ما يدخل فيه طرف الإصبع، ولا يغسله، ولا يصب الماء فيه لما فيه من الضرر، وما يمسه رأس الإصبع خارجا عن الثقب يجب غسله، ولا يصب الماء في الأذنين؛ لأن ذلك يضره، بل يكفيهما على كفه مملوءة، ويدير إصبعه إثر ذلك أو معه ما أمكن، ويتعهد تكسيرهما. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 542
وغيره. والثقب الذي في الأذن تجعل الحلقة فيه له حكم الباطن، فلا يجب غسله خلاف لبعض المجتهدين، ولناظم مقدمة ابن رشد حيث قال:
وحرك الخاتم في اغتسالك … والخرص والسوار مثل ذلك
وقوله: "وصماخ" بالرفع، عطف على غسل، وفي الكلام حذف مضاف كما قررت فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وعلم من المصنف أن ما عدا الصماخين من ظاهر الأذنين وباطنهما يجب غسله، وهو كذلك. قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: ويراعى في غسل باطن الأذنين إيصال الماء إلى التجعد والتكسر بحمل الماء في اليد إلى الأذن، ووضعها في الماء، ثم يدلكهما. قاله الإمام الحطاب. وقد مر قول ناظم مقدمة ابن رشد:
. . . . . . . . . . . . . . … والخرص والسوار مثل ذلك
وأنه مقابل. وقول الشيخ عبد الباقي: تحريكه لا يقتضي وجوب غسله؛ بمعني دلكه، بل تحريكه قائم مقام دلكه، ويوصل الماء إلى ما تحته إن أمكن. انتهى. غيرُ ظاهر بل الظاهر أنه من الباطن وأنه لا يجب تحريكه، ولا إيصال الماء إليه، والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. وثالثها مضمضة مرة، وقد تقدم أن المضمضة هي إدخال الماء فاه، وخضخضته ومجه. ورابعها استنشاق مرة، وقد مر أن الاستنشاق هو جذب الماء بالنفس، والكلام على المضمضة والاستنشاق هنا كالكلام عليهما في الوضوء، إلا أنهما هنا يفعلان مرة مرة كما عرفت راجع الكلام عليهما في الوضوء إن شئت وخامسها استنثار وقد مر الكلام عليه في الوضوء، قال الشيخ إبراهيم واعلم أن هذه السنن المذكورة جارية في الغسل سواء كان واجبا أو مسنونا أو مستحبا كما مر، ومحل كونها له حيث لم يفعل قبله الوضوء المستحب، فإن فعله قبله كانت هذه سننا له لا للغسل، كما يفيده كلام الشيخ زروق في شرح الإرشاد وكلام الزرقاني. انتهى.
ولما فرغ من موجباته، وواجباته، وسننه، أتبعها بالكلام على مندوباته فقال: وندب بدء بإزالة الأذى يعني أنه يندب للمغتسل أن يبدأ بعد غسل يديه بإزالة الأذى؛ أي النجاسة بولا أو غائطا
стр. 543
أو منيا أو مذيا أو وديا أو غيرها عن المحل الذي هي فيه، ويدخل في ذلك ما على فرجه، كما في الشبراخيتي، فيزيلها بالماء ليقع الغسل على أعضاء طاهرة كما في الحطاب، وغيره. والابتداء هنا إضافي؛ أي بالنسبة لما بعده، والابتداء بغسل اليدين حقيقي كما نصوا عليه. والوجه الأكمل أن يغسل مواضع الأذى، ثم يغسل تلك المواضع بنية غسل الجنابة فلو غسلها ابتداء بنية الجنابة وانفصل الماء طاهرا كفى ذلك وفاته الندب، فإن غسلها ابتداء بنية الجنابة وانفصل الماء متغيرا بالنجاسة لم يكتف بذلك، ولو اقتصر عليه لبطل الغسل. والقول بوجوب البدء بإزالة الأذى حيث كان الأذى يغير الماء غير ظاهر لجواز حصول غسل الجنابة والنجاسة معا؛ بأن يغسل حتى ينفصل الماء طاهرا. والله تعالى أعلم. وفي الجزولي الكبير: واختلف إذا غسل مواضع الأذى بنية الجنابة وزوال النجاسة غسلا واحدا، فالمشهور أنه يجزئه وإن شرك بينهما. المازري: وقيل: لا يجزئه، وفي الطراز: فإن كان على ذكره نجاسة فغسله بنية الجنابة أجزاه. وفي تهذيب عبد الحق أنه لا يجزئه غسل النجاسة أو غيره من الحوائل عن غسل الجنابة، وإن نواه حتى يغسل المحل بنية الجنابة فقط، والأول أظهر؛ لأنه إذا وصل الماء إلى البشرة بنية الجنابة أو الحدث فقد وفي بما أمر به من حقيقة الغسل، وإن بقي حائل فلا يجزئه. وقال الأبي في شرح مسلم: المشهور أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن ترد على الأعضاء وهي طاهرة وقال في الجلاب شرطها ذلك. وعلم مما مر أنه لو غسل ذكره ولم ينو رفع الجنابة، فإنه لا بد من غسله ثانيا بنية رفعها ليعم جسده، وكثير من الناس لا يتفطن لذلك فينوي رفع الجنابة بعد غسل فرجه، ثم لا يمسه حفظا للوضوء فيؤدي ذلك لبطلان غسله لعرو غسل الفرج عن نية. قاله المصنف في شرح المدونة.
ثم أعضاء وضوئه يعني أنه يندب بعد غسل اليدين وإزالة الأذى أن يغسل أعضاء وضوئه بنية الجنابة، ولو نوى الأصغر لأجزاه كما يدل عليه قوله: وغسل الوضوء عن غسل محله، ولو ذاكرا للأكبر ما لم يخرجه. كما في الشبراخيتي. وغيره. وهذا هو الظاهر. وقال الأقفهسي: المشهور المعروف في المذهب عدم الإجزاء لعدم اندراج الأكبر تحت الأصغر، ولو نوي الفضيلة لوجب عليه إعادتها في الغسل. وفي شرح الشيخ عبد الباقي: ولا يسن في هذا الوضوء مضمضة ولا استنشاق،
стр. 544
ولا غسل يدية لكوعيه، ولا استنثار لما تقدم أنها من سنن الغسل. وقد تقدم ما للشبراخيتي، ونحوه للخرشي عند قول المصنف: "واستنثار"، وقوله: "ثم أعضاء وضوئه"، أي فيمسح رأسه، وإذا غسل أعضاء وضوئه فإنه يغسلها كاملة ولا يؤخر غسل رجليه مرة يعني أن المغتسل إنما يغسل أعضاء وضوئه مرة مرة قال عياض: لأنه لم يأت تكراره في الأحاديث والحق وروده كما قال ابن حجر، وقد رد الرماصي ما قاله عياض ناقلا عن ابن حجر، فإنه قال: ورد عليه ابن حجر في فتح الباري بأنه ورد من طرق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة: عن عائشة ﵂ وعن أبيها أنها وصفت غسل رسول الله ﷺ من الجنابة، وفيه: ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا ثم أفاض على رأسه ثلاثا. فقد علمت أن معتمد المصنف مردود. وما في هذا الحديث هو ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك. وقد جمعها الحافظ سيدي أحمد بن يوسف الفاسي في جزء مستقل، والتكرار هو الذي عول عليه أبو محمد صالح، واعتمد عليه. والله تعالى أعلم. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ الأمير: ثم أعضاء وضوئه، قال: الأصل مرة، ورده الرماصي بأنه تابع لقول عياض: لم يرد تثليثه، والحق وروده كما قال ابن حجر. فانظره انتهى.
وما تقدم من أنه يغسل أعضاء وضوئه كاملة، ولا يؤخر غسل رجليه صرح غير واحد بأنه المشهور. قال الإمام الحطاب: وهذا هو المشهور. وقال الشيخ محمد بن الحسن: أشار بقوله كاملة إلى أن الأولى تقديم غسل رجليه، وعدم تأخيره إلى تمام غسله، وهو خلاف الراجح؛ إذ الراجح أنه يؤخر غسل رجليه؛ لأنه قد جاء التصريح بذلك في الأحاديث، ووقع في بعضها الإطلاق، والمطلق يحمل على المقيد. انتهى. قال القلشاني عن المازري: فمقتضاه عدم تخليل اللحية في الوضوء، وعدم تخليل الرأس عند مسحه، وعلى التأخير العكس. ابن الحاجب: وعلى تأخيرهما في ترك المسح روايتان. انتهى، سند: ومن نسي أن يتوضأ قبل غسل الجنابة توضأ بعده. انتهى، قاله الحطاب. وقال الخرشي: وأشعر بأنه لو لم يقدمها لا يتوضأ بعد الغسل، وفي الاستذكار إجماع أهل العلم على ذلك. ثم ذكر ما لسند.
стр. 545
وأعلاه؛ يعني أنه يندب للمغتسل أن يقدم أعلاه؛ أي أعلى كلِّ جانب منه يقدم ندبا على أسفله، ومنتهى الأعلى إلى الركبتين، فيبدأ بأعلى الأيمن إلى ركبته ندبا، ثم بركبته إلى أسفل الأيمن. ثم بأعلى اليسار كذلك، ثم بأسفله، ثم يلي اليسار الظهر، ثم البطن، والصدر. نقله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ القطب زروق. وأما الضمير في قوله وميامنه فإنه يعود على الشخص المغتسل؛ أي يندب للمغتسل أن يقدم ميامنه على مياسره، وحينئذ فيقدم أسفل الجانب الأيمن على أعلى الجانب الأيسر، وهذا موافق لما في الفاكهاني والنوادر. وما قرره به التتائي كما في الشبراخيتي. وما قررته من أن اليمين كله بأعلاه، وأسفله يقدم على اليسار وهو الذي اختاره أحمد قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر ففي الحطاب: واعلم أن ظواهر نصوصهم تقتضي أن الأعلى بميامنه ومياسره مقدم على الأسفل بميامنه ومياسره، وميامن كل من الأعلى، والأسفل مقدم على مياسر كل بل هذا صريحُ ابن جماعة. وبهذا قرر ابن عاشر، ونصه: ازدحم الأعلى والأيمن في التقديم فتعارض أعلى الجهةَ اليسرى وأسفل الجهة اليمنى في حكم التقديم، والذي نص عليه بعضهم تقديم الأعلى مطلقا مع تقديم الجهة اليمنى أيضا، وربما أشعر بهذا تقديم المص الأعلى على الميامن، والتقدير يستحب تقديم الأعلى على الأسفل، وتقديم ميامن كل على يساره، ونحو هذا الفقه لابن مرزوق. انتهى. ويؤخذ منه أن الضمير في أعلاه يعود على المغتسل، والضمير في ميامنه على كل من الأعلى والأسفل، وجعل عبد الباقي الضمير في أعلاه لكل جانب، وفي ميامنه للمغتسل، وهو مبني على تقريره. والله أعلم. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن.
وتثليث رأسه؛ يعني أنه يندب للمغتسل أن يثلث رأسه؛ بأن يعم بواحدة، ويزيد ثانية يعم بها أيضا، وثالثة كذلك، ولو اجتزأ بالواحدة أجزأته، وإن لم تكف الثلاثة زاد إلى الكفاية. والله أعلم. وقال عياض: يفرق الثلاث على الرأس فلكل جانب واحدة، والثالثة للوسط، وقيل الكل للكل وكل جائز، وعلى الأول تكون واحدة يمينا، وواحدة شمالا، وأخرى في الوسط. وعليه فالندب غسله على هذا الوجه، وإلا فتعميمه واجب. قاله الشيخ إبراهيم. والتحقيق أنه يعم جميع الرأس بكل غرفة. كما قاله الشيخ الأمير. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وتثليث رأسه" قال في الرسالة: ثم يغمس يديه في الإناء. قال الشيخ زروق: إثر وضوئه أو ما قدم من أعضائه، أو
стр. 546
يفرغ عليهما الماء، ويرفعهما من الإناء أو غيره غير قابض بهما شيئا من الماء، فيخلل بهما أصول شعره ليانس ببرد الماء فلا يتضرر ويقف الشعر فيدخل الماء عند الغسل لأصوله، وسواء كانت عليه وفرة أم لا. قال الشيخ أبو عمران الجورائي: ويبدأ في ذلك من مؤخر الجمجمة؛ لأنه يمنع الزكام والنزلة وهو صحيح مجرب. انتهى. وقد مر عن الشيخ ميارة أن هذا التخليل مندوب، وفي هذا التخليل فائدتان، طبية، وشرعية؛ فالطبية: عدم التضرر ببرد الماء، والشرعية إسراع الماء إلى الشعر فلا يدفعه.
وكيفية الغسل على الكمال قال الإمام الحطاب عن ابن جماعة: هي أن يجلس في موضع طاهر ثم يغسل يديه، ثم يزيل الأذى إن كان، ثم ينوي رفع حدث الجنابة، ثم يغسل السبيلين وما والاهما، ثم يتوضأ، وينوي بوضوئه رفع الحدث الأكبر. فإذا أكمل وضوءه غمس يديه في الماء وخلل بهما شعر رأسه، ثم يغرف عليه ثلاث غرفات حتى يوعب غسله، ثم يضغثه بيديه، ثم ينقل الماء إلى أذنيه يغسل ظاهرهما وباطنهما، ثم ما تحت ذقنه وعنقه وعضديه، ثم ما تحت إبطيه ويخلل عمق سرته، ثم يفرغ الماء على ظهره، ويجمع يديه خلفه في التدلك، ثم يغسل الجانب الأيمن، ثم الأيسر، ثم ما تحت الركبتين، ثم الساق اليمني، ثم الساق اليسرى، ثم يغسل رجليه. وإن استعان بإناء له أنبوب يفرغ على جسده به فهو أبعد من السرف. انتهى وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة: ويقدم أعاليه، ويختم بصدره وبطنه. قاله الغزالي. ونقله عنه ابن ناجي. وهذا كله استحباب. انتهى. وقال في شرح الإرشاد: وذكر بعضهم تأخير صدره عن ظهره. انتهى كلام الحطاب. وقد نقل الحطاب وغيره أنه لا يصب الماء في أذنيه، قال الشيخ عبد الباقي: لأن ذلك يضره قالوا ويكفيهما؛ أي أذنيه على كفه مملوءة ماء، ويدير إصبعيه إثر ذلك أو معه إن أمكن. وقد مر عن ابن فرحون: ويراعي في غسل باطن الأذنين إيصال الماء إلى التجعد والتكسر بحمل الماء في اليد إلى الأذن ووضعهما في الماء، ثم يدلكهما. انتهى. وقال الشيخ الأمير: والأكمل أن يسمي، ثم يغسل يديه، ثم الأذى، ثم فرجه بالنية، ووجب استرخاء بغسل مخرج، ثم أعضاء وضوئه، ومسح رأسه قبل غسلها لتأنيسه بالماء، ويمنع الزكام، والنزلة بقليل. في
стр. 547
الحطاب: يبدأ من المؤخر، ثم [ثلثها] (١) يعم بكل مرة على التحقيق، ثم رقبته، ثم شقه الأيمن، وهل ولو ظهرا وبطنا، أو يؤخرهما؟ ويبدأ بالظهر، وهل يغسل جميع الأيمن قبل الأيسر أو للركبة ثم مثله من الأيسر؟ وجهان. انتهى.
وقلة ماء يعني أنه يندب للمغتسل تقليل الماء، وهذا التقليل بلا حد أي ليس محدودا بصاع خلافا لابن شعبان، ولا بسيلان عن العضو كما تقدم، ولكن لا بد من سيلانه عليه كله، وإلا كان مسحا؛ أي فلا يعتبر، ولا بد من إحكام الغسل بكسر الهمزة؛ أي إتقانه بأن يوعب ولا ينقص، وليس هذا تكرارا مع ما تقدم في الوضوء؛ لأنه إنما ذكره هناك ليشبه به قاله الشيخ إبراهيم عن الحاشية. وقال غير واحد إنه تكرار. فذكره هناك استطراد، وهنا لأن هذا بابه. والله سبحانه أعلم. وقوله: "وقلة ماء" البرزلي: ومما رويناه عن النووي الإجماع على أنه لا يجوز الإسراف في الطهارة ولو كان على ضفة النهر، وهو معنى ما في الرسالة. والسرف منه غلو وبدعة، وكل هذا في حق غير ذي الوسواس. وأما الموسوس فهو شبيه بمن لا عقل له فيغتفر في حقه لما أبتلي به. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: ضفة النهر؛ أي جانبه. وقال الشيخ إبراهيم: ويغتفر من السرف للموسوس ما لا يغتفر لغيره لابتلائه. انتهى.
كغسل فرج جنب لعوده لجماع تشبيه في الندب؛ يعني أن من وطئ يندب له إذا أراد أن يطأ ثانيا قبل الاغتسال أن يغسل فرجه، ونكتة الكاف هنا دون الواو أن هذا من مندوبات الجنب وليس من مندوبات الغسل. قاله الشيخ عبد الباقي. والمراد بالجنب هنا الذكر، وأما الأنثى فلا يندب لها، خلافا لأحمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: يندب للذكر وللأنثى. كما قاله الزرقاني. وفيه فوائد: تقوية العضو، وإتمام اللذة، وإزالة النجاسة، وهي رطوبة فرج المرأة. انتهى. وخص الشيخ الأجهوري الجنب هنا بالذكر لقوله ﷺ : [إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد الجماع فليتوضأ] (٢))، وقوله: "كغسل فرج جنب" ظاهره الندب مطلقا، وخصه بعضهم
стр. 548
بما إذا عاد لجماع موطوءته الأولى، وأما لغيرها فيجب غسل فرجه ليلا يدخل فيها نجاسة الغير. قاله الشيخ الخرشي. وحكم وطئه قبل غسل فرجه الكراهة.
ووضوئه لنوم؛ يعني أنه يستحب للجنب أن يتوضأ عند النوم، ولو نهارا كما في سماع ابن القاسم. وأوجبه ابن حبيب، قال في المدونة: ولا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه، وليس ذلك على الحائض. وفي العارضة: قال أبو يوسف يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ. وقال مالك والشافعي: لا يجوز أن ينام حتى يتوضأ. قال الإمام مالك: فإن فعل فليستغفر الله. رواه عنه في المجموعة. وقال بعض أشياخنا: لا تسقط العدالة بتركه لاختلاف العلماء فيه. انتهي قاله الإمام الحطاب. وقوله: "ووضوئه" عطف على مدخول الكاف من قوله: "كغسل فرج جنب" كما يفيده الشيخ إبراهيم. وقوله: "ووضوئه لنوم"؛ أي سواء كان ذكرا أو أنثى، واللام في قوله: "لنوم" بمعني عند كما في الشبراخيتي. وقال الشيخ عبد الباقي: إنها للتعليل، وإذا انقطع الحيض عن الحائض فهي كالجنب يندب لها الوضوء للنوم لا قبل انقطاعه، فلا تغتسل للنوم ولا تتوضأ له، وهل تطلب الحائض بالوضوء عند أوقات الصلاة، أو يكره ذلك في حقها؟ قال عياض: وكان قوم من فقهاء السلف يأمرون الحائض إذا دخل الوقت أن تتوضأ، وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى. قال مكحول: وكان ذلك هدي نساء المسلمين، واستحبه. وقال بعضهم: هذا أمر تركه مكروه عند جماعة. انتهى من الأبي. قاله الشيخ الخرشي. وكما يندب الوضوء عند النوم للجنب، يندب لغير الجنب من كل مريد النوم لخبر: [إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع ونم على شقك الأيمن] (١)). ومعنى إذا أخذت مضجعك أردت أن تنام، وتضمن هذا الحديث ثلاث سنن: الوضوء للنوم للموت على طهارة وذكر الله عند النوم، والنوم على الشق الأيمن. قاله الإمام الحطاب. وقد مر شيء من آداب النوم عند قول المص في نواقض الوضوء: "وإن بنوم ثقل" وللطبراني في الكبير، عن ميمونة بنت سعد قالت: [قلت يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإني أخاف أن يتوفى ولا يحضره جبريل] (٢)). لا
стр. 549
تيمم؛ يعني أن الجنب لا يستحب له التيمم عند النوم هذا هو المشهور، ومقابله يتيمم إن لم يجد الماء، وعليه قال ابن فرحون. وفي هذه المسألة لا يتيمم على الحجر بل على التراب. وفي حاشية الشيخ بناني أنه لا خلاف أن الجنب مأمور بالوضوء، فقد ورد أنه ﷺ أمر الجنب بالوضوء (١)). واختلف في علة الأمر، فقيل لينشط، وعلى هذا لو فقد الماء لم يؤمر بالتيمم. وقيل ليبيت على إحدى الطهارتين؛ لأن النوم موت أصغر، فشرعت فيه الطهارة الصغرى، كما شرعت في الموت الأكبر الطهارة الكبرى، فعلى هذا إن فقد الماء يتيمم. انتهى. وقد مر أنه على هذا القول إنما يتيمم على تراب لا على حجر. قال الشيخ عبد الباقي: ولعله لورود [أنه ﵊ تيمم على حائط] (٢)؛ أي طين فكان رخصة يقتصر فيها على ما ورد. انتهى. وجعل الشبراخيتي قوله: "لا تيمم" مفرعا على العلتين. قال: لأن التيمم مبيح لا مطهر؛ ولأنه لا نشاط فيه خلافا لمن فرعه على الثانية، ونحوه للخرشي. ورده العلامة بناني بالنقل عن ابن بشير، واللخمي، وابن شأس، وابن الحاجب فهو مفرع على الثانية. والله سبحانه أعلم.
ولم يبطل إلا بجماع يعني أن وضوء الجنب للنوم لا يبطل بحيث يطلب بوضوء آخر للنوم إلا بالجماع. قاله مالك. اللخمي: إن قلنا إن الغسل للنشاط لا يعيد الوضوء إن أحدث، وإن قلنا لينام على إحدى الطهارتين، أعاد الوضوء إن أحدث. ولبعضهم:
يا سائلا عن وضوء ليس ينقضه … إلا الجماع وضوء النوم للجنب
وقوله: "ولم يبطل إلا بجماع" ظاهره ولو بعد مرور سنين كثيرة، وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وانظره فإني لم أر التصريح بشيء في ذلك. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ولم يبطل إلا بجماع" ينبغي أن يكون مثله في ذلك التيمم على القول به. قال الشيخ عبد الباقي: وأما وضوء غير الجنب للنوم فينقضه الحدث الواقع قبل الاضطجاع، ولا تنقضه المباشرة إلا مع قصد اللذة. كذا للأبي.
стр. 550
والذي لابن عمر أنه يبطل بما يبطل به الوضوء لغير النوم، وهو ظاهر جار على القواعد، والصحيح أنه إذا نوى بهذا الوضوء البيات على طهارة استبيحت له الصلاة به، فإن قلت: هو لم ينو به إحدى نيات الوضوء الثلاث، قلت: نية البيات على طهارة تتضمن رفع الحدث، وكذا يقال في الوضوء لزيارة الأولياء لا تستباح به الصلاة إلا إذا نوى أن يزور على طهارة؛ لأنها كأنها مقصودة أصالة، وإن كان الباعث عليها نوم غير الجنب والزيارة بخلاف نيته بها الزيارة أو النوم. انتهى. قوله: والذي لابن عمر لخ هذا يقتضي مخالفة ما لابن عمر لكلام الأبي الذي قبله، وفيه نظر. بل كلام ابن عمر هو عين ما نقله عن الأبي، ونصه على نقل الحطاب: وإن نام الرجل على طهارة وضاجع زوجته وباشرها بجسده فلا [ينقض] (١) إلا إذا قصد بذلك اللذة. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني وقال الشيخ الأمير: وينتقض وضوء غير الجنب للنوم بمطلق الناقض. عياض: إن لم يضطجع كلزيارة ولي وسلطان ودخول سوق. انتهى. قوله كلزيارة لخ تشبيه في ندب الوضوء كما نص عليه الشيخ الأمير. وقوله: ولم يبطل إلا بجماع؛ أي لأنه لم يشرع لرفع حدث، وإنما هو عبادة فلا ينقضه إلا ما أوجبه. قاله الشيخ الخرشي. ولما فرغ من موجبات الغسل وواجباته وسننه ومندوباته، شرع في الكلام على موانع أي ممنوعات الجنابة فقال.
وتمنع الجنابة موانع الأصغر يعني أن الجنابة تمنع ممنوعات الحديث الأصغر المتقدمة في قوله: "ومنع حدث صلاة وطوافا ومس مصحف" إلى آخره فكل ذلك تمنعه الجنابة، وتزيد عليه ما يأتي قريبا إن شاء الله وبما قررت علم أن قوله: موانع؛ بمعني ممنوعات، فهي فواعل جمع مانع على وزن فاعل بمعنى مفعول، كدافق بمعنى مدفوق كما نص عليه الشيخ بناني. وأشار إلى ما تزيده الجنابة على الحدث الأصغر بقوله: والقراءة يعني أن الجنابة كما تمنع موانع الأصغر، تمنع أيضا القراءة للرجال والنساء بحركة اللسان، وأما بالقلب فللجنب أن يقرأ بقلبه إجماعا لقوله ﵊: [اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنبا] (٢))، ولفظ الشبراخيتي عند
стр. 551
قوله: والقراءة للرجال والنساء بحركة لسان لا بقلب فلا إثم ولا حنث، إجماعا تقوله ﵇: [اقرأ القران الخ] (١)).
إلا كآية يعني أن الجنب لا يمتنع عليه أن يتكلم بآية أو ءايتين أو ثلاث، بل يجوز إذا كان تكلمه بها لأجل تعوذ عند نوم أو روع لدفع مفسدة المتعوذ منه. قاله الشيخ إبراهيم. وكما جاز للجنب التكلم بالآية والآيتين والثلاث لأجل تعوذ يجوز ذلك لنحوه أي التعوذ كالرقي والاستدلال. وقوله: "إلا كآية لتعوذ ونحوه" أي ولا يجوز ذلك على وجه التلاوة. قاله الشيخ عبد الباقي. ودخل بالكاف الآيتان والثلاث والمعوذتان للتعوذ كذلك، بل ظاهر كلام الباجي أن له قراءة المعوذتين وآية الكرسي. لقوله: يقرأ اليسير ولا حد فيه تعوذا، بل ربما يشمل كلامه ﴿قُلْ أُوْحِيَ﴾ فلو قال المص إلا يسيرا لكتعوذ لكان أخصر وأحسن لشموله لما للباجي. ولقوله: "ونحوه". وفي الحطاب: جمل القرآن على قسمين: أحدهما: ما لا يذكر إلا قرآنا كقوله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ فيحرم على الجنب قراءته؛ لأنه صريح في القراءة ولا تعود فيه. ثانيهما: ما هو تعوذ كالمعوذتين، فتجوز قراءتهما للضرورة، ودفع مفسدة المتعوذ منه. انتهى. الشبراخيتي: ويجري نحوه فيما يرقى به أو يستدل به. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا بد فيما يقرأ لتعوذ أن يكون مما يتعوذ به لا نحو آية الدين، وكذا يجري نحوه فيما يرقى به أو يستدل. انتهى. وهذا غير ظاهر فقد صرح ابن مرزوق أنه يتعوذ بالقرآن وإن لم يكن فيه لفظ التعوذ ولا معناه. انظر حاشية الشيخ بناني. وهذا الذي قاله ابن مرزوق في غاية الوضوح. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ الأمير: ونوقش؛ يعني ما مر عن الحطاب وغيره بأن القرآن كله حصن وشفاء. انتهى. قال الشيخ عبد الباقي: ولا ثواب فيما يقرأ لتعوذ ونحوه أصلا؛ لأن الثواب منوط بالقصد امتثالا إن لم يقصد الذكر، فإن قصده فله ثواب الذكر فيما يظهر، كما ذكره الشافعية فيما يقرأ يقصد به الذكر. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: قوله ولا ثواب فيما يقرأ لتعوذ ونحوه الخ فيه نظر، والذي في الحطاب عن الطراز: ولا يعد قارئا ولا له ثواب القراءة انتهى. وهذا لا
стр. 552
ينفي الثواب مطلقا بل ينفي ثواب التلاوة فقط انتهى. وقوله: "إلا كآية" ظاهره ولو كانت الآية طويلة كآبة الدين وهي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾. انظر الشبراخيتي. والاستثناء منقطع كما في الخرشي وغيره، وقوله: "إلا كآية لتعوذ ونحوه" إنما جاز ذلك لما في المنع على الإطلاق من المشقة. وفي الخرشي: وله أن يجمع بين آيات الاستدلال والتعوذ، ونحو التعوذ الرد على القارئ لمنعه عن الوقوع في الحرمة، ولا بأس بكتابة صحيفة فيها البسملة وشيء من القرآن والمواعظ والظاهر أن من الرقى ما يقال عند ركوب الدواب مما يدفع عنها مشقة الحمل. انتهى.
ودخول مسجد يعني أن الجنابة تمنع ما مر، وتزيد عليه أنها تمنع دخول المسجد، ولو لم يكن مؤبدا، ولذا نكره، وشمل ما كان مستأجرا، ويرجع بعد مدة الإجارة حانوتا، وشمل المغصوب أيضا، وشمل مسجد بيته. وقال الأقفهسي: يجوز مكثه فيه؛ يعني في مسجد بيته. ونحوه لابن عرفة، وليس للصحيح الحاضر أن يتيمم ويدخل المسجد إلا أن لا يجد الماء إلا في جوفه، أو يلتجئ إلى المبيت به، أو يكون بيته داخله، وأما المريض والمسافر فلهما دخوله بالتيمم. ويخرج من أصابته جنابة فيه من غير تيمم إن أمكنه الخروج منه، وإلا تيمم لمكثه فيه. قاله الشبراخيتي. وفي ابن عرفة: وينبغي لمن احتلم في مسجد تيممه لخروجه وفي كتاب الشيخ الأمير: وإن احتلم فيه فهل يتيمم لخروجه منه كما في النوادر، أولا؟ وهو الأقوى كما في الحطاب لما فيه من طول المكث، والإسراع بالخروج أولى؛ [لأنه ﷺ لم يتيمم لما دخله ناسيا، وخرج واغتسل وعاد للصلاة رأسه يقطر] (١))، وقد يقال من خصوصياته ﷺ : إباحة مكثه بالمسجد جنبا إلا أن يلتفت للتشريع. انتهى. وسطح المسجد وصحنه حكمهما حكم المسجد، وأما الخارج عن جداره؛ وهو المسمى بفنائه فلا، وإنما منع الشيوخ صلاة الفجر به والإمام يصلي، ووضع الجنازة فيه حتى يفرغ الإمام فيصلي عليها لقربه منه لا لأنه منه والمنع حاصل، ولو بني
стр. 553
بأرض مغصوبة لصحة الجمعة فيما بني بأرض مغصوبة على الراجح، وللجنب الأكل والشرب. قاله ابن عرفة. وقال الشيخ زروق: ويقال إن الأكل على الجنابة يورث الفقر. انتهى. قال الشيخ ابن زكري: يقيد بما إذا لم يتوضأ واتخذ ذلك عادة. انتهى.
ولو مجتاز يعني أنه يحرم على الجنب أن يدخل المسجد ولو مارا به ذاهبا عنه؛ ورد بلو القول بأن المجتاز، وهو الذي لا يمكث، وإنما مر به ذاهبا عنه لا يمنع له دخول المسجد في تلك الحالة مستدلا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال زيد بن أسلم: لا بأس للجنب أن يمر بالمسجد عابر سبيل انتهى. ويكون المراد بالصلاة مواضع الصلاة، أي لا تقربوا مواضع الصلاة إلا عابري سبيل أي مجتازين، وتأول إمامنا مالك ﵁، قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، الآية أي لا تفعلوا الصلاة في حال السكر، ولا تفعلوها وأنتم جنب إلا عابري سبيل؛ أي إلا وأنتم مسافرون بالتيمم. وأجاز ابن مسلمة دخوله مطلقا. واعلم أنه لا اختلاف في أن لظهر المسجد من الحرمة ما للمسجد، قال إمامنا مالك: وكان عمر بن عبد العزيز يفرش له على ظاهر (١) المسجد في الصيف فيبيت فيه، ولا تأتيه امرأة ولا تقربه، وكان فقيها. قاله الإمام الحطاب. وفيه: ولا فرق بين المسجد المحبس والمستأجر، وإن كان يرجع بعد الإجارة حانوتا. انتهى. وقوله: مسجد بكسر الجيم وتفتح جيمه.
ككافر يعني أن الكافر يمنع من دخول المسجد كما يمنع منه الجنب؛ يعني أي مسجد كان، فالتشبيه في المنع من دخول المسجد كما علمت. وإن أذن مسلم يعني أن الكافر لا يبيح له دخول المسجد إذن مسلم له في ذلك، خلافا لقول الإمام الشافعي: يجوز بإذنه ما عدا المسجد الحرام، ولقول الإمام أبي حنيفة: لا يمنع الكافر من جميع المساجد. انتهى. وقوله: "ككافر وإن" الخ، ومحل المنع ما لم تدع ضرورة إليه وإلا جاز، ولذا لم يمنع الإمام من بنيان النصاري مسجد الرسول ﷺ ومن الضرورة قلة أجرة الكافر عن المسلم وإتقانه على الظاهر. قاله
стр. 554
الشيخ الأمير. وأباح إمامنا مالك ذلك مع الضرورة؛ لأن من العلماء من أباح دخولهم كما مر، ولحديث: [كان ثمامة مربوطا في المسجد قبل أن يسلم] (١))، ولما ذكر فيما مر أن من شك أمذى أم أمنى اغتسل، ذكر علامات ليعرفه بها فيغتسل وكان الأولى ذكرها هناك فقال: وللمني تدفق يعني أن المني له علامات منها التدفق؛ وهو الخروج بقوة وهذا إذا كان من رجل، وإن كان من أنثى فلا يتدفق بل يسيل كما يفيده الشبراخيتي. ومنها رائحة طلع أي طلع الذكر من النخل إن كان من رجل، ورائحة طلع الأنثى من النخل إن كان من امرأة؛ أي للمني رائحة كرائحة الطلع، والطلع نور النخل، أو عجين يعني أن من علامات المني أن رائحته قريبة من رائحة الطلع وقريبة من رائحة العجين في الرجل والمرأة. كما للشيخ عبد الباقي. وهذا إذا كان المني في حال رطوبته، وأما إذا يبس فكرائحة البيض. ومني الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر كما في الحديث (٢)، قالوا ومني الرجل مر، ومني المرأة مالح. وجميع ما مر مع اعتدال مزاج كل، وأما المريض فإنه يتغير منيه وتختلف رائحته كما في الخرشي. وقال الفاكهاني: خواص المني ثلاث: الأولى الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، الثانية الرائحة كرائحة الطلع قريبة من رائحة العجين، الثالثة الخروج بتدفق. فكل واحدة من هذه الثلاث إذا انفردت اقتضت كونه منيا فإن فقدت كلها فليس بمني. قاله الإمام الحطاب. وقال الشبراخيتي: وقوله: "أو عجين" عبارة غيره رائحته كرائحة الطلع قريبة من رائحة العجين، فأو في كلامه بمعنى الواو. انتهى.
ويجزئ عن الوضوء يعني أن الغسل بنية الجنابة أو الحيض أو النفاس يجزئ عن غسل أعضاء الوضوء للحدث الأصغر إن كان شيء مما ذكر حاصلا في نفس الأمر. وسواء طرأت على الحدث الأصغر أو هو عليها خلافا لبعض الشافعية في إيجاب الوضوء بعد الغسل في الثانية، بل وإن تبين بعد اغتساله عدم جنابته أو حيضها أو نفاسها؛ لأن الأصغر يدخل تحت الأكبر لخبر: [أي
стр. 555
وضوء أعم من الغسل] (١)). قاله الشيخ إبراهيم. والمراد بالعموم في الخبر الاستيعاب كما في الخرشي، وقوله: "ويجزئ"؛ أي والأفضل الوضوء كما صرح به غير واحد، وهو ما مر من قول المصنف. ثم أعضاء وضوئه. وقوله: "وإن تبين عدم جنابته" فهم منه أنه يعتقد أن عليه الأكبر، وأما إن تلاعب بنية الغسل مع جزمه أنه لا جنابة عليه، فإنه لا يجزئه كما نص عليه الشيخ الأمير. وذلك واضح؛ لأنه خرج بذلك عن سنن الشرع، ومحل إجزاء الغسل إن لم يُحدث بعد غسل شيء من أعضاء الوضوء، فإن أحدث بعده فلا يخلو من صورتين: الأولى: أن يحدث بعد تمام غسله فهذا كمحدث، فيغسل ثلاثا، ويلزمه أن يجدد وضوءه بنية اتفاقا. الثانية: أن يُحدث في أثناء غسله بعد أن غسل أعضاء الوضوء أو بعضها، فهذا إن لم يرجع فيغسل ما غسل من أعضاء وضوئه قبل حدثه فإنه لا يجزئه الغسل عن الوضوء. وهل يفتقر في رجوعه إلى نية أو تجزئه نية الغسل؟ قولان لابن أبي زيد والقابسي مبنيان على القولين: هل يرتفع الحدث عن كل عضو بكماله. أو لا؟ ولا قائل بالإجزاء إن ترك ما قبل الحدث من أعضاء الوضوء بالكلية. هذا تحرير المسألة. وأما كلام الشيخ عبد الباقي فغير صحيح. والله سبحانه أعلم. انظر حاشية الشيخ بناني. وشرح الشيخ الخرشي الكبير. وما تقدم عن الشيخين واضح حيث فعل ذلك في أثناء الغسل، فإن لم يفعله إلا بعد تمام الغسل، فأبو محمد يقول بتجديد النية بالأولى، وهل يلزم تجديدها عند القابسي لانقضاء الطهارة أو لا؛ لأن الفصل يسير قولان للشيوخ المتأخرين. قاله الإمام المازري وغسل الوضوء عن غسل محله هذه المسألة عكس التي قبلها باعتبار أن نية الأصغر هنا أجزأت عن نية الأكبر وفي التي قبلها أجزأت نية الأكبر عن نية الأصغر، يعني أن الجنب إذا غسل أعضاء وضوئه بنية رفع الحدث الأصغر، وبقية جسده بنية الأكبر، فإن ذلك يجزئه عن إعادة غسل تلك الأعضاء مرة أخرى بنية الجنابة حيث كان متذكرا لجنابته عند غسل أعضاء وضوئه بنية الأصغر، بل ولو كان ناسيا لجنابته عند غسلها بنية الأصغر. قال الشيخ أحمد في تقرير المصنف: ومعنى ذلك أنه غسل أعضاء الوضوء بنيته، ثم أراد أن يقتصر على ذلك، ولا يغسلها
стр. 556
بنية الجنابة فإن ذلك يجزئه لأن نية الوضوء. تجزئ عن نية الغسل وليس المعنى أنه يفعل الجميع بنية الوضوء حتى أنه لو ذهل عن النية للغسل بعد الوضوء وفعل الباقي بعد الذهول يكفيه ذلك؛ لأنه قد فعل ما بعد الوضوء بغير نية؛ إذ نية الوضوء لا تعم جميع الأعضاء وهذا ظاهر. انتهى. نقله الشيخ عبد الباقي. وأشار المصنف هنا بلو لرد قول مخرج وليس لمجرد التوهم، خلافا للسنهوري. انظر كبير الخرشي. واحترز بقوله: وغسل الوضوء عن مسح الوضوء فلا يجزئ؛ لأن مسح الوضوء لا يجزئ عن غسل محله، وكذا لا يجزئ مسحه عن مسح محله عند أشياخ ابن عبد السلام. وأفتى هو بالإجزاء، وصورة ذلك أن من به نزلة في رأسه ولا يقدر على غسله في الغسل فإنه يمسحه، فإن مسحه بنية الوضوء فيجزئه ذلك عن مسح محله في الغسل عند ابن عبد السلام دون أشياخه. ويفهم مما هنا أن المراد بغسل الوضوء الغسل الأصلي، وأما لو غسل رأسه في الوضوء فلا يجزئه عن غسله في الغسل؛ لأن غسله في الوضوء إما حرام أو مكروه أو خلاف الأولى على ما مر من الخلاف فيه فلم ينب واجب عن واجب، وليس كمسألة ابن عبد السلام وأشياخه؛ لأن تلك لم يرتكب فيها منهيا عنه بخلاف هذه. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ويجزئ عن الوضوء وإن تبين عدم جنابته لا إن تلاعب بنية الغسل بلا جنابة كعكسه، وإن ناسيا لها؛ أي الجنابة عند الوضوء، ولو غسل رأسه في الوضوء ولمعة الغسل منها على الظاهر، وكذا غسل جبيرته وأولى مسح عن مسح، لا تيمم الوضوء عنه كما يأتي. انتهى. يعني عن التيمم بنية الأكبر، والله سبحانه أعلم. وقوله: كعكسه تشبيه في الإجزاء كلمعة منها أي من الجنابة. ولما شمل قوله: "وغسل الوضوء عن غسل محله" ما إذا تقدم غسل الوضوء عن غسل الجنابة أو تأخر، وإن كانت المبالغة؛ أعني قوله: "ولو ناسيا لجنابته" قاصرة عن الأول ذكر هذا على وجه التمثيل للإيضاح؛ يعني أن من ترك لمعة من الجنابة في أعضاء الوضوء ثم غسلت في الوضوء بنية الأصغر، فإن ذلك يجزئه في استيعاب جميع ظاهر الجسد الواجب في غسل الجنابة. واللمعة بضم هي ما لا يصيبه الماء عند الغسل.
وإن عن جبيرة يعني أن اللمعة المتروكة من الجنابة في أعضاء الوضوء إذا انغسلت فيها بنية الأصغر فإن ذلك يجزئ كما عرفت، ولا فرق في الإجزاء بين أن تكون اللمعة من عضو صحيح بأن
стр. 557
يكون لا جبيرة عليه، وبين أن تكون اللمعة عن جبيرة بأن يغتسل بنية الجنابة، وعلى أحد أعضاء وضوئه جبيرة فسقطت الجبيرة وغسل محلها في أعضاء الوضوء بنية الأصغر، فالإجزاء ثابت في الصورتين. قال غير واحد: كان المناسب أن يبالغ على العضو الصحيح، فيقول: وإن في صحيح؛ لأن هذا هو الذي يكون فيه ما قبل المبالغة أولى بالحكم مما بعدها. انتهي، ولو قدم هذه المسائل من قوله: "ويجزئ عن الوضوء" إلى هنا عند قوله: ثم أعضاء وضوئه كاملة لكان أحسن ولما أنهى الكلام على الطهارة الأصلية صغرى وكبرى، شرع في الكلام على نائب عن بعض الصغرى خاص ببعض الأعضاء، وبدأ بحكمه فقال:
стр. 558
فصل يذكر فيه المسح على الخفين ؛ وهو إمرار اليد المبلولة في الوضوء على خفين ملبوسين على طهارة مائية تحل بها الصلاة بدلا عن غسل الرجلين. والمسح على الخفين مروي عن سبعين صحابيا، نص عليه الشاذلي في التحقيق رخص بالبناء للمفعول ونائبه مسح الآتي؛ يعني أن المسح على الخفين رخصة، والرخصة بإسكان الخاء لغة: السهولة، واصطلاحا: حكم شرعي متغير من صعوبة لسهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي، والصعوبة هنا: وجوب غسل الرجلين، والسهولة: جواز المسح، والعذر هنا هو: مشقة النزع واللبس، والسبب للحكم الأصلي: القيام إلى الصلاة. قال جل من قائل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية. والحكم هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون، وهذا على رأي الأكثر. ورأى بعضهم أن بعض أقسام الحكم يتعلق بغير المكلف؛ وهو الندب، والإباحة، والكراهة. والذي يخص المكلف إنما هو الوجوب، والحرمة. وعلى هذا يجري الخلاف في تعلق هذه الرخصة بغير المكلف. والرخصة بفتح الخاء: المتتبع للرخص. انتهى ملخصا من حاشية الشيخ بناني، والشبراخيتي. وفي الخرشي أن الرخصة تكون واجبة ومندوبة ومباحة، وخلاف الأولى كأكل الميتة، والقصر والسلم وفطر مسافر لا يجهده الصوم، فالرخصة حل المذكورات من وجوب وندب وإباحة وخلاف الأولى، وحكمها الأصلي الحرمة، وأسبابها؛ أي الحرمة: الخبث في الميتة، ودخول وقتي الصلاة والصوم لا القصر، والفطر؛ لأنه سبب لوجوب الصلاة تامة، والصوم والغرر في السلم؛ وهي قائمة أي موجودة حال الحل وأعذار الحل الاضطرار ومشقة السفر، والحاجة إلى الثمن، وسهولة الوجوب في أكل الميتة لموافقته لغرض النفس في بقائها، وقيل عزيمة لصعوبته من حيث وجوبه. ومن الرخصة إباحة ترك الجماعة لمرض مثلا، وحكمه الأصلي الكراهة الصعبة بالنسبة إلى الإباحة، وسببها الانفراد فيما يطلب فيه الاجتماع من شعائر الإسلام، فإن لم يتغير الحكم أصلا كوجوب الصلوات الخمس، أو تغير إلى صعوبة كحرمة اصطياد المحرم، أو إلى سهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلا لمن لم يحدث بعد حرمته في صدر الإسلام، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات الواحد مثلا من المسلمين للعشرة من الكفار في القتال، وسبب الحرمة قلة المسلمين ولم تبق مع الكثرة
стр. 559
والعذر مشقة الثبات المذكور لما كثروا فعزيمة؛ وهى لغة: القصد المصمم؛ لأنه عزم أمره أي قطع، وحتم، صعب على المكلف أو سهل. انتهى. وأخرج الطبراني عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: [إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه] (١))، ولا يرد هذا على ما ذموه من تتبع الرخص؛ لأن مرادهم بالرخص المذموم تتبعها ما ينقض عنه حكم الحاكم، وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي. قاله الشبراخيتي. ففيه يجوز تقليد المخالف في الفروع بشروط الأول: أن لا يلفق بحيث يجمع بينهم على صفة تخالف الإجماع؛ أي إجماع من عمل بقوله أولا، ومن يريد تقليده ثانيا كمن تزوج بلا ولي وبلا شهود، ومن ترك الدلك وقلد الشافعي ولم يبسمل في الفاتحة في صلاته التي ترك الدلك من وضوئها. الثاني: أن يعتقد فيمن قلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلده في عماية. الثالث: أن لا يتتبع رخص المذاهب؛ والمراد بالرخص ما ينقض عنها حكم الحاكم وهو أربعة: ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي. وليس المراد بها ما فيه سهولة على المكلف كيفما كان، فمن قلد مالكا في الأرواث والمياه وترك الألفاظ في العقود لا يقال إنه مخالف لتقوى الله تعالى. وقد أفتى ابن القاسم ولده حين حلف بالمشي إلى مكة بكفارة يمين وقال: أفتيتك بقول الليث، وإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك بلزوم المشي، ويجوز التقليد ولو بعد الفعل، فمالكي مسح بعض رأسه وصلى ثم قلد الشافعي صح له ذلك. انتهى كلام الشبراخيتي. وهو مخالف لما قاله ابن زكري عند قول الشيخ زروق في النصيحة الكافية: ومن أعظم الآفات صحبة الأحداث وتتبع الرخص والتأويلات، ونصه تقدم في مبحث الأمر بالمعروف أن تتبع الرخص ممتنع إجماعا، وأن ما ذكر عن أبي إسحاق المروزي من تجويزه غير صحيح، فلا يجوز لأحد أن ينتقد من كل المذاهب أطيبها، فيعتمد قول من رخص في الخلوة بالمرد والنظر إليهم، وقول من رخص في السماع وإنشاد الأشعار المشتملة على ذكر الخدود والقدود، وهكذا يتبع رخص المذاهب. ثم قال: وأعظم بلية من هذا الأخذ بالأقوال الشاذة والتأويلات كعدم قضاء الفوائت على القول بأن قضاء الفوائت
стр. 560
لا يجب، وقد أنكره عياض وغيره عن مالك، وكعدم رد المظالم أخذا من أن الإسلام يجب ما قبله؛ وهو رأي فاسد، وكالقول بأن النوافل تسد مسد الفرائض. انتهى كلام ابن زكري. وقوله: "رخص"؛ أي جوازا على المشهور، والغسل أفضل عند الجمهور قاله الفاكهاني. فلا عبرة بإنكار أبي على له. وقيل يجب، ومعناه إن اتفق كونه لابسا لهما لا أنه يجب عليه أن يلبسهما ويمسح. وقيل يندب. وقيل لا يجوز، وحمل القول بالوجوب على ما إذا كان لابسا فأراد أن يخلعه لغير عذر، لا أنه يجب عليه أن يلبس ليمسح، فإن قيل كيف يكون المسح مباحا مع أن ابن ناجي صرح بأنه ينوي به الفرض؟ فالجواب أنه لا مانع من أن يكون مباحا باعتبار جهة، وواجبا باعتبار أخرى فيكون مباحا من جهة أنه لا يتعين فعله، وواجبا إن فعله لتأدية الصلاة به؛ إذ المتوضئ يجب عليه أحد أمرين: إما الغسل، وإما المسح. فهو من قبيل الواجب المخير فيه: قال الشيخ إبراهيم والأولى أن لا يؤم الماسح غير الماسح للخلاف المذكور وليس بمكروه، كما تكره إمامة المتيمم للمتوضئ، وإمامة ماسح الجبيرة لغيره. انتهى. وفي حديث الطبراني: [إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه] (١))، لرجل متعلق برخص؛ يعني أنه يرخص للرجال في المسح على الخفين وامرأة يعني أن رخصة المسح على الخفين لا تختص بالرجال بل تعم النساء والرجال، وعمم المصنف؛ لأنه يتوهم قصر رخصة المسح على الرجل؛ لأنه الذي يضطر إلى أسباب المسح غالبا من شغل وخوف فوات رفقة مثلا، فلذا نص على أنه لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك. قاله غير واحد. وإن مستحاضة يعني أن المرأة المستحاضة لها أن تمسح على الخفين. والمستحاضة هي التي زاد دمها على عادتها، وعلى أيام الاستظهار لازمها الدم أكثر الزمن أو ساوى أو نقص أو دام، وبالغ عليها للرد على من يقول من الحنفية إنها إن لبسته بعد تطهرها، وقبل أن يسيل منها شيء مسحت كما يمسح غيرها أي تمسح دائما، وإن لبسته والدم سائل مسحت ما دام الوقت باقيا على قول، أو يوما وليلة على قول حكاه صاحب الطراز. نقله الحطاب، وغيره.
стр. 561
بحضر الباء للظرفية متعلقة برخص أو مسح. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم، وغيرهما. أو سفر عطف على بحضر، ومعنى كلام المصنف أنه لا فرق بين الحضر والسفر في جواز المسح على الخفين، فيجوز للرجال والنساء المسح عليهما في الحضر والسفر، وما ذكره المصنف من التعميم في الحضر والسفر هو المذهب، وبه قال في الموطإ، وهو رواية ابن وهب والأخوين عن مالك. وروى ابن القاسم عنه أيضا: لا يمسح الحاضر. وعنه أيضا: لا يمسح هو ولا المسافر. فما ذكره الشيخ عبد الباقي وغيره من أن السفر متفق على المسح فيه، غير صحيح. انظر حاشية الشيخ بناني.
واعلم أن المستحاضة إذا كان انقطاع الدم عنها أكثر من إتيانه لها، وقلنا إن ذلك يوجب عليها الوضوء كما هو المشهور، يجب أن يكون لبسها للخف قبل أن يسيل منها شيء، وإن لبسته بعد أن سال منها شيء لم يجزها المسح: لأنها لبسته على غير طهارة، كما هو واضح. وأما إذا استوى الأمران أو كان إتيانه لها أكثر من انقطاعه، فإن المذهب أنها تمسح عليه سواء لبسته بعد تطهرها وقبل أن يسيل منها شيء، أو بعد أن سال؛ لأن ما سال لا يوثر في نقض الطهارة، إلا أنها إذا استحب لها أن تتطهر لكل صلاة، استحب لها أن يكون لبسها للخف عقب غسلها من الحيض، ووضوئها قبل أن يسيل منها شيء، قاله الإمام الحطاب.
مسح جورب: مضاف ومضاف إليه، والأول نائب رخص، وضمنه معني أبيح؛ لأن رخص إنما يتعدى بفي، والمرخص له يتعدى باللام؛ يعني أنه يباح للرجل والمرأة مسح الجورب في الوضوء. والجورب هو ما كان على شكل الخف من قطن أو كتان أو غيرهما، وإنما يمسح على الجورب بشرط أن يكون قد جلد ظاهره وباطنه يعني أنه يشترط في المسح على الجورب أن يجلد ظاهره أي يجعل عليه جلد، وأن يجلد باطنه أيضا. وظاهره هو ما يلي السماء، وباطنه هو ما يلي الأرض، وليس المراد بالباطن ما يلي الرجل.
وخف: بالجر عطف على جورب؛ يعني أنه يرخص في المسح على الخف للرجال والنساء، وكان ينبغي للمصنف تقديم الخف على الجورب؛ لأن الخف هو الأصل، لكن قدم الجورب اهتماما به نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ من أنه قدم الوصية اهتماما
стр. 562
بأمرها لكونها كانت غير معهودة عندهم على الدين المعهود عندهم وعند كل أحد، وهو آكد منها ولو على خف يعني أنه لا يشترط في المسح على الخف أن يكون الخف الذي يمسح عليه منفردا، وكذا الجورب، بل يمسح على خف ملبوس على خف، كما يمسح على جورب على خف أو جورب، فالمبالغة راجعة لهما. كما قاله الطخيخي، قاله الشيخ إبراهيم. لكن يشترط أن يلبس الثاني بعد مسح الأول، أو يلبسهما وهو غاسل رجليه، وأما إذا لبس خفين بشرطهما ثم أحدث، فلبس فوقهما آخرين، فإنه لا يمسح على الأعليين. والحاصل أنه يمسح حين لبسهما معا على طهارة كاملة، أو الأعلى قبل انتقاضها وقبل المسح على الأسفل أو بعد المسح على الأسفل، وقبل انتقاض طهارته فيمسح الأعلى بعد انتقاضها في هذه الثلاث، فإن لبسه مع انتقاضها لم يمسح الأعلى بل ينزعه ويمسح على الأسفل. فهذه أربع يمسح على الأعلى في ثلاث منها، ولا يمسح عليه في واحدة. وكذا يقال في الذي في إحدى رجليه جورب، وفي الأخرى خف؛ إذ لا يشترط تساوي ما في الرجلين جنسا ولا عددا، وقوله: "ولو على خف" رد بلو القول بأنه لا يمسح على الأعليين، والخلاف جار مطلقا سواء لبس الأعليين قبل أن مسح على الأسفلين، أو بعد أن مسح عليهما. وزعم اللخمي أن الخلاف إنما هو إذا لبس الأعليين عقب طهارة غسل الرجلين، وأما إن لبس الأول ثم أحدث فتوضأ ومسح عليه ثم لبس خفا آخر ثم أحدث فإنه يمسح على الأعلى قولا واحدا. انتهى. وليس الأمر كما زعم، بل القولان لمالك مطلقا بل الصورة التي جعل الخلاف فيها هي أولى بالجواز قولا واحدا، والتي جعل الجواز فيها قولا واحدا هي أحرى بالخلاف. قاله في الطراز. قاله الحطاب. قال: وما قاله صاحب الطراز ظاهر. والله أعلم. ولا فرق بين أن يلبس خفا على خف، أو جوربا مجلدا على خف. انتهى. فإن قيل إذا كان مسح الأعليين بدلا عن الأسفلين فلا يمسح عليهما حتى يلبسهما بعد مسح الأسفلين، وإن كان بدلا عن غسل الرجلين لزم أنه إذا نزع الأعليين بادر لغسل الرجلين، فالجواب أن مسحهما بدل عن غسل الرجلين. وإنما يلزم غسل الرجلين لو لم يحصل عنه بدل آخر، وقد حصل؛ وهو مسح الأسفل إذا نزع الأعلى. قاله الأبي. نقله الشيخ إبراهيم بلا حائل: هو ظرف لغو متعلق بمسح، والباء باء المصاحبة أي مسحا مصاحبا لعدم الحائل، لا حال خلافا للزرقاني، قاله الشيخ إبراهيم. يعني أنه
стр. 563
لا بد من مباشرة الخف بالمسح فإذا مسح على الخف من فوق حائل فكمن ثم يمسح عليه، ولهذا إذا كان الحائل بأعلى الخف؛ أي ما يلي السماء، كان الماسح عليه كمن ترك مسح على الخف فتبطل صلاته، وإذا كان الحائل بأسفل الخف، أعني ما يلي الأرض، كان الماسح عليه كمن ترك مسح أسفل الخف. قاله الشيخ إبراهيم. وسيقول المصنف: وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله، ففي الوقت كطين مثال للحائل، وذكر الطين لأنه محل توهم المسامحة، فلا فرق بين الطين وغيره. وعلم مما قررت أن المراد بالحائل ما يحول بين اليد المبلولة والخف، وأما الحائل بين الخف والرجل فلغو. قاله غير واحد. وفي الأمير: وإن لبس فوق حائل على القدم كلفائف. وانظر هل من الحائل شعر الجلد أم لا، وظاهر قوله: جلد، يشمل ما به شعر، لكنه يبعد فيما كثر شعره كالغنم والمعز. قاله الشيخ إبراهيم. ومن مسح ليدرك الصلاة ونيته أن ينزع ويغسل إذا صلي فإنه يجزئه، بخلاف من توضأ ومسح على خفيه ونوى إن حضرت الصلاة نزع وغسل رجليه، فإنه لا يجزئه، ويبتدئ الوضوء كمن تعمد تأخير غسل رجليه. قاله الإمام الحطاب. ونقله الشيخ إبراهيم. وقال: يفهم من التشبيه أن هذا في حال الطول. انتهى. وسيأتي أن الخف إذا تمزق من أسفله امتنع المسح عليه، وإن كان أعلاه صحيحا. كما في الطراز. فليس الخرق كالحائل كما علمت، فإن المسح مع الحائل على الأسفل كلا مسح، فيعيد في الوقت. والفرق أن الخرق انعدمت فيه حقيقة الخف. وفي الخرشي أن الخف يقال للفردتين؛ فهو مثنى في المعنى مفرد في اللفظ انتهى.
إلا المهماز مستثنى من الحائل؛ يعني أن الحائل يمنع من المسح على الخف إلا أن يكون الحائل الذي على الخف مهمازا، فإنه يجوز المسح على الخف من فوقه بشرط أن يكون مأذونا في اتخاذه لراكب بسفر فقط، لا من كذهب ولا غير راكب ولا حاضر، ثم من زمن ركوبه غالب يمسح عليه ركب أم لا، ومَن زمنُ ركوبه نادر يمسح عليه إن ركب لا إن لم يركب قاله الشيخ عبد الباقي. وفي نوازل سحنون: وسئل عن الركوب بالمهاميز فقال: لا بأس بذلك، وأراه خفيفا. ابن رشد: وهذا كما قال لأن الدواب لا تملك ولا يتأتى فيها ما أذن الله فيه من ركوبها إلا به في أغلب الأحوال. وقال في التوضيح: ونقله الباجي وغيره عن مالك أنه قال: لا بأس بسرعة السير في
стр. 564
الحج على الدواب وأكره المهاميز، ولا يصلح الفساد، وإذا كثر ذلك خرقها. وقد قال: لا بأس أن ينخسها حتى يدميها. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: واغتفر مهماز صغر كسلك أو كبر، وهو مباح احتاج له مسافر. انتهى. والمهماز كمفتاح: آلة همز الدابة، قاله الأمير.
ولا حد يعني أنه لا حد لمقدار زمن المسح؛ أي لا حد واجب، وأما الحد المندوب فسيقول المصنف: وندب نزعه كل جمعة. وشروط المسح عشرة، خمسة منها في الممسوح أشار إليها بقوله: بشرط جلد الباء بمعنى مع متعلقة برخص، يعني أن المسح إنما يكون على الجلد لا على ما كان على شكل الخف من قطن أو كتان ونحوهما، ولا مالف على الرجل من الخرق. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وشرط هنا بمعنى اشتراط فهو من إضافة المصدر لمفعوله؛ أي اشترط الشارع أن يكون المسح على جلد طاهر يعني أنه كما يشترط في المسح أن يكون على جلد، يشترط فيه أيضا أن يكون الخف أو الجورب المجلد ظاهره وباطنه طاهرا، أو معفوا عنه كما تقدم في قوله: وخف ونعل من روث دواب أو بولها، وهذان شرطان كون الممسوح عليه جلدا، وكون الجلد طاهرا. وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: خرز يعني أن يشترط في المسح مع الشرطين المذكورين أن يكون الجلد الممسوح عليه مخروزا، فاحترز بالطاهر من النجس كجلد الميتة فلا يمسح عليه، وكذا المتنجس، وشمل كلامه الكيمخت؛ لأنه طاهر على أحد الأقوال: وهو جلد الحمار، ونحوه المدبوغ. وعليه فيمسح على الخف المعمول منه، واحترز بقوله: "خرز" مما لصق أو سلخ على هيئة الخف. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذان الشرطان؛ يعنى قوله جلد طاهر غير محتاج إليهما، أما الأول فلأن الخف لا يكون إلا من جلد، والجورب قد تقدم اشتراطه فيه، وقد يجاب بأن لفظ جلد هنا إنما ذكر توطئة لما بعده. وأما الثاني فاعترضه الرماصي بأنه يؤخذ من فصل زوال النجاسة، ولا يذكر هنا إلا ما هو خاص بالباب، وبأن ذكره هنا يوهم بطلان المسح عند فقده عمدا أو سهوا أو عجزا، كما أن الشروط المذكورات كذلك، وليس كذلك في شرط الطهارة؛ لأن له حكم إزالة النجاسة من التفريق بين العمد والسهو والعجز كما تقدم، والخلاف بين الوجوب والسنية. انتهى. باختصار انتهى. وفي الحطاب ما نصه: فلا
стр. 565
يمسح على خف من جلد ميتة ولو دبغ على المشهور. قاله في الشامل. انتهى. وقوله: "خرز" إنما اشترط الخرز قصرا على الوارد كما للشيخ الأمير.
وستر محل الفرض هذا هو الشرط الرابع؛ يعني أنه يشترط في المسح على الخف أن يكون الخف ساترا لمحل الفرض لا ما نقص عنه إعطاء للبدل حكم المبدل منه، وإن جمع مع المسح الغسل لم يجز، فلذا لابد من ستره لمحل القرض. ومحل الفرض قد قدم المص تبيينه بقوله: وغسل رجليه بكعبيه الناتئين بمفصلي الساقين. قال الشيخ عبد الباقي: عقب قوله، وستر محل الفرض بذاته دائما لا ما نقص عن محل الفرض، وخيط في سروال لعدم ستره بذاته، ولأنه لم يجلد ظاهره وباطنه لمنتهي الفرض، وأما ما ستر في حالة دون أخرى فيمسحه في حالة ستره لا في حالة عدمه كالنعل المسمى بالزربون الجمالي، فإنه إذا زرر مسح عليه، وإلا لم يمسح. ولا يقال أزراره كالربط فلا يمسح عليه مطلقا لأنا نقول لما كانت منه لم تعد ربطا. ودخل في قولنا بذاته ما ينزل عن محل الفرض لثقل خياطته بسروال، ويمكن تتابع المشي به مع ستره أصالة لمحله فيرفعه حال المسح عليه، ويصح المسح عليه كما أفتى به الأجهوري فليس كما نقص بذاته عن محل الفرض، وخيط بسروال. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن في قوله فيمسحه في حالة ستره الخ: هذا مثل ما نقله الحطاب عن الطراز في الخف يقطع فوق الكعبين، ونصه وإن كان فيه شرج (١) يفتح ويغلق، فإذا أغلقه جاز المسح، وإن فتح غلقه بطل المسح وإن كان لا يبين منه شيء؛ لأنه إذا مشي بان منه. وقوله: في قولنا بذاته ما ينزل عن محل الفرض الخ فيه نظر؛ لأن نزوله عن محل الفرض يصيره غير ساتر لمحل الفرض، فلا يصح المسح عليه. انتهى. والمسح في مسألة الشرح المتقدمة متفق عليه بين المذاهب حتى قال الشافعي: وإن كان فيها شرح يفتح ويغلق، فإذا غلق جاز المسح، وإن فتح غلقه بطل المسح، وإن كان لا يبين منه شيء؛ لأنه إذا مشى بان منه. انتهى. قاله الحطاب.