وللأب تعاهده؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يتعاهد المحضون الكائن عند أمه ذكرا أو أنثى، ومعنى تعاهده الإتيان إليه لتفقد أحواله، وقوله: وللأب، قال الشبراخيتي: لا خصوصية للأب، بل كل من له الولاية كذلك، إلا أنه نص على التوهم لأنه ربما يتوهم أنه ليس له تعهده لأنه يتهم على التواصل لأمه لما سبق بينهما من الألفة. انتهى. وأدبه؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يؤدب المحضون. قال مقيده عفا الله عنه. والمراد بالأدب هنا التأديب أي العاقبة على أمر سيء ليرجع إلى الأدب الذي هو حسن السيرة.
وبعثه للمكتب؛ يعني أن للأب وغيره من الأولياء أن يبعث المحضون للمكتب أي موضع الكتابة، وله أن يبعثه لمن يعلمه، قال الحطاب هنا: هذا نحو قوله في المدونة: للأب تعاهد ولده عند أمه وأدبه وبعثه للمكتب، ولا يبيت إلا عند أمه. انتهى. قال ابن عرفة: قلت: يجب كون الظرف الذي هو عند أمه في موضع الحال من ولده لا أنه معمول للفظ تعاهد؛ لأن ذلك ذريعة لاتصاله بمطلقته مع زيادة ضرر زوجها بذلك. انتهى. وفي كلام ابن عرفة أعني قوله: مع زيادة ضرر زوجها بذلك نظر ظاهر؛ لأنها إذا تزوجت سقطت حضانتها. والله سبحانه أعلم. والحاصل أن للأب القيام بجميع أمور المحضون وله أن يختنه في داره ثم يرسله للأم، والحق في زفاف البنت للحاضنة مطلقا، أمًّا أو غيرها كما قاله بناني. فإذا قال الولي: تزف من عندي، وقالت الحاضنة: تزف من عندي، فالقول قول الحاضنة. وقوله: وبعثه للمكتب، قال الشبراخيتي: بفتح الميم والتاء، ويجوز كسرها، وكذا بقية الصنائع. ولو قال للمعلم كان أشمل. انتهى.
ثم أمها؛ يعني أن الأم إذا ماتت أو سقطت حضانتها بتزويج أو غيره فإن الحضانة تنتقل لأمها وهي جدة المحضون؛ لأن شفقتها وحنانها على ولد ابنتها تقرب من شفقة أمه وحنانها عليه. ثم جدة الأم؛ يعني أنه إذا لم يكن للمحضون أم ولا أم أم، أو كان من ذكر وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لجدة أم المحضون أي الجدة من قبل أمها، أو من قبل أبيها، ولذا لم يقل ثم أمها لأنه لا يشمل جدة الأم من قبل أبيها. قاله الشبراخيتي. وقال الحطاب: قوله، ثم جدة الأم، ظاهره سواء كانت جدتها لأمها أو لأبيها وهو كذلك. قاله ابن عرفة عن اللخمي. قال: فإن اجتمعتا فأم أمها أحق من أم أبيها، فإن لم تكن واحدة منهما، فأم أم أمها أو أم أم أبيها، أو أم أبي أمها أو أم أبي أبيها، فإن اجتمع الأربع فأم أم الأم، ثم أم أبي الأم وأم أم الأب بمنزلة
стр. 5007
واحدة، ثم أم أبي الأب. وعلى هذا الترتيب أمهاتهن ما علون، فإن لم تكن واحدة منهن فأخت الأم الشقيقة. انتهى. وقاله في المقدمات. انتهى كلام الحطاب.
إن انفردت بالسكنى عن أم سقطت حضانتها؛ يعني أنه يشترط في انتقال الحضانة إلى من ذكر من النسوة أن تنفرد هذه التي انتقلت الحضانة إليها بالسكنى عن الأم التي سقطت حضانتها بتزوج أو غيره، وإذا كان يشترط فيمن تنتقل الحضانة إليها أن لا تسكن مع الأم التي سقطت حضانتها، فاشتراط ذلك في غير الأم أولى كما لا يخفى؛ لأن شأن الأم الشفقة والحنان، واعلم أن هذا الشرط يجري في كل من تنتقل إليها الحضانة كائنة من كانت، قال عبد الباقي: ثم هذا الشرط هو المشهور عند المص، وذكر المواق أن المتيطي اقتصر على عدم اعتبار هذا الشرط، ابن الحاج: وبه أفتيت، وهو قول سحنون. انتهى. قال بناني بعد ما ذكر المواق ذلك نقل عن ابن سلمون أن المشهور، والذي به العمل خلاف ما قال المتيطي. انتهى. قلت: الذي في عبارة ابن سلمون ما نصه: الذي أفتى به ابن المواز أنه لا حضانة للجدة إذا سكنت مع ابنتها، قال: وهي الرواية المشهورة عن مالك، وبها العمل، واختاره المتأخرون من البغداديين وغيرهم. انتهى. وعلى هذا المشهور فللأب أخذه لا على ما لسحنون كما في ابن سلمون. والله سبحانه أعلم. مسألة: قال في المسائل الملقوطة: إذا كان للولد جدتان من قبل الأب ومن قبل الأم وليس له إلا دار قيمتها عشرون دينارا أو نحوها فقالت أم الأب: أنا أنفق عليه من مالي ويكون معي وتبقى له داره رفقا به، وأرادت جدة الأم بيعها لتنفق ثمنها، فجدة الأم أولى بالحضانة، ونقلها ابن عرفة عن بعض المفتين، وزاد: وقال المشاور: ينظر إلى الأرفق بالصبي. قال ابن عرفة: قلت: في كون الحضانة حقا للحاضن أو للمحضون، ثالثها: لهما، لروايتي القاضي واختيار الباجي مع ابن محرز، فعلى الثاني تقدم الجدة للأب. انتهى. والمشاور هو ابن الفخار كما قال ابن غازي هنا. انتهى كلام الحطاب.
ثم الخالة؛ يعني أنه إذا لم يكن للمحضون من ذكر أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل للخالة أخت الأم الشقيقة، ثم أختها للأم، ثم أختها للأب، هذا هو صريح ابن عرفة، وما في الشارح غير صحيح. انظر حاشية الشيخ بناني. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: وهذا؛ أي
стр. 5008
قوله: ثم الخالة، كالصريح في أن الجدة إن لم تنفرد بالسكنى عن أم سقطت حضانتها، فإن الحضانة تنتقل للخالة، وهو مقتضى كلام غير واحد والظاهر أنه لا يخالف ما مر عن ابن سلمون. والله سبحانه أعلم. ثم خالتها؛ يعني أنه إذا لم يكن من ذكر من النساء، أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لخالة الأم، وفي شرح الشيخ عبد الباقي: أنه لا حضانة لخالة الجدة: ولا حضانة لعمة الجدة قال الشيخ محمد بن الحسن بناني: انظر من أين له هذا الجزم؟ وظاهر ابن عرفة خلافه. انتهى. قال عبد الباقي: وأسقط مرتبة بعد خالتها وهي عمة الأم، وقوله: ثم خالتها، قد علمت أن الضمير للأم وهو بحسب ظاهره يشمل الشقيقة والتي للأم والتي للأب. والله سبحانه أعلم.
ثم جدة الأب؛ يعني أن الحضانة بعد قرابات الأم تنتقل لجدة المحضون من قبل الأب، فتنتقل لأم الأب وأمهاتها وإن علون، وأم أب الأب، وقوله: ثم جدة الأب، قال بناني: قدمها على الأب دون غيرها وهو مذهب المدونة. ابن عرفة: فإن لم تكن قرابات الأم ففي تقديم الأب على قرابته وعكسه، ثالثها: الجدات من قبله أحق منه، وهو أحق من سائرهن، لنقلي القاضي، ولها، وعزاه في البيان لابن القاسم. انتهى. وعلى الأول جرى في التحفة، وقول عبد الباقي عن أحمد: إن جدة الأب من قبل أمه لا حضانة لها لخ، ما ذكره أحمد وإن أفتى به بعض شيوخه قصور، بل غير صحيح، لقول المقدمات ما نصه: فإن انقطعت قرابات الأم فالجدة للأب، ثم أم جدة الأب، ثم أم أبي الأب، ثم أم أمه، ثم أم أم أبيه، ثم الأب. انتهى.
ثم الأب؛ يعني أن الحضانة تنتقل للأب أي أبي المحضون بعد من ذكر، وهذا هو مذهب المدونة. ثم الأخت؛ يعني أن الحضانة بعد من ذكر تنتقل لأخت المحضون الشقيقة ثم للأم ثم للأب. ثم العمة؛ يعني أنه إذا لم يكن أحد ممن ذكر أو كان وسقطت حضانته، فإن الحضانة تنتقل لعمة المحضون، وتليها عمة أبيه، وتليها خالة الأب، وذكر هنا العمة الشاملة لعمة الطفل ولعمة أبيه، وأسقط خالة الأب، وذكر فيما تقدم الخالة وخالة الأم، وأسقط عمة الأم. ففيه شبيه بالاحتباك. ثم؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر، أو قام به مانع فإن الشيوخ اختلفوا هل التي تنتقل لها الحضانة بنت الأخ؟ شقيقا أو لأم أو لأب. قاله في المقدمات ومقتضى نقل المواق أنه الراجح.
стр. 5009
أو التي تنتقل لها الحضانة بنت الأخت شقيقة أو لأم أو لأب، واختاره الرجراجي. أو الذي تنتقل إليه الحضانة الشخص الأكفى؛ أي الأشد كفاية منهن، في القيام بأمور المحضون.
وهذا القول هو الأظهر عند ابن رشد، وإنما ذكَّر صيغة التفضيل هنا وإن كان تلو أل لأن الموصوف الشخص كما قررت، ومن الداخلة على ضمير الإناث للتبعيض وهي ومتعلقها حال؛ أي حال كون الأكفى بعضهن، وليست هي من التي يوصل بها أفعل التفضيل؛ لأنه هنا تلو أل، ولفساد المعنى حينئذ لاقتضائه أن الأكفى غيرهما، مع أن المراد الأكفى الذي هو أحدهما، وجمع الضمير باعتبار كونها شقيقة أو لأم أو لأب، مع أن الراجح أن الأخ للأب والأخت للأب لا حضانة لهما، فبنتاهما كذلك. وقوله: الأكفى، معناه الأشد كفاية بقيام الصبي وطعامه وشرابه وتنظيفه وتنظيف ثيابه، وفي كلام المص ثلاثة أمور أحدها: التعبير بالأكفى ولم يقل الكفأى وأجيب عنه بما مرت الإشارة إليه أنه صفة للشخص وهو مذكر. ثانيها: وصل الأكفى بمن، وقد مر الجواب عنه بأن من هذه للتبعيض، وليست هي من التي يوصل بها أفعل التفضيل. ثالثها: جمعه للضمير وقد مر الجواب عنه أيضا بأنه جمع باعتبار الشقاقة والأخوة للأب والأم. والله تعالى أعلم. وقوله أقوال، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك أقوال.
ثم الوصي؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الذي تنتقل إليه الحضانة هو الوصي، أي الذي جعله أبو المحضون وصيا عليه، أو الذي قدمه القاضي عليه، سواء كان الوصي ذكرا أو أنثى، إن كان المحضون ذكرا، وكذا إن كان أنثى غير مطيقة والوصي ذكر، كمطيقة إن تزوج الوصي بأمها أو جدتها وتلذذ حتى صار محرما، وإلا فلا حضانة له على الراجح، وأراد المص بالوصي ما يشمل مقدم القاضي كما قررت، والظاهر أن وصي الوصي كهو، وقولي: فلا حضانة له على الراجح؛ أي على ما يفيده التوضيح ومن وافقه، وله الحضانة على ما يقتضي ابن عرفة أنه الراجح، فهما مرجحان، قاله عبد الباقي وغيره. وقال الشارح عند قوله: ثم الوصي، النصوص أنه مقدم على سائر العصبة، وقيل لا حق له. انتهى.
стр. 5010
ثم الأخ؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل للأخ؛ أي أخي المحضون. ثم ابنه؛ يعني أنه يلي الأخ في المرتبة ابن الأخ، وهو متأخر عن الجد للأب، فهو متوسط بين الأخ وابنه، قال الشيخ علي الأجهوري:
بغسل وإيصاء ولاء جنازة … نكاح أخا وابنا على الجد قدم
وعقل ووسطه بباب حضانة … وسوه مع الآباء في الإرث والدم
والعقل الدية، والآباء هنا الإخوة أي ءاباء أبناء الإخوة، وهم الإخوة،
ثم العم؛ يعني أنه إن فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل للعم، ثم ابنه؛ يعني أنه إذا فقد من ذكر أو قام به مانع فإن الحضانة تنتقل إلى ابن العم، قرب كل من العم وابنه أو بعد، وعبارة عبد الباقي: ثم العم ثم ابنه، قرب كل أو بعدث إن أريد بالجد دِنْيَة، وكذا إن أريد به مطلقا فيما يظهر. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: قرب كل أو بعد. إن أريد الجد دنية؛ أي إن أريد بالجد المتوسط بين الأخ وابنه الجد دنية لكن حينئذ يكون أبو الجد متوسطا بين العم وابنه وهذا كما لابن عرفة. انتهى. لا جد لأم؛ يعني أن الجد للأم لا حضانة له، ونص في المقدمات على أنه لا حق له في الحضانة. وفي الوثائق المجموعة: إذا اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم وهو قول ابن العطار.
واختار خلافه؛ يعني أن اللخمي اختار من عند نفسه أن الجد للأم تنتقل إليه الحضانة. قال الشارح: قال اللخمي: لم أر له نصا في الحضانة وأرى له فيها حقا لأن له حنانا وعطفا، ولهذا غلظت فيه الدية وسقط عنه القود. قال ﵊ في الحسن: (إن ابني هذا سيد (١))، ولا خلاف أنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وأن ابن الابن داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. وقال ابن عرفة بعد أن ذكر كلام اللخمي: قلت: قول ابن الهندي: الجد للأب أولى من الجد للأم دليل حضانته.
стр. 5011
انتهى. وعلى أن له حضانة فيلي مرتبة الجد للأب، كما فهم التتائي من قول الوثائق: إذا اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم.
ثم المولى الأعلى؛ يعني أنه يلي آخر عصبة النسب وهو العم وابنه، المولى الأعلى وهو المعتق بكسر التاء وعصبته نسبا ثم ولاء، ثم لا حضانة لمولاة النعمة إذ لا تعصيب فيها. ابن عرفة: الأظهر تقديمها على الأجنبي؛ أي قياسا على استحقاقها لولاية النكاح، وتوكل كما قدم المص. قاله عبد الباقي. وقوله: إذ لا تعصيب فيها في إطلاقه نظر ظاهر؛ لأن المعتقة بالكسر وهي مولاة النعمة عاصبة الإرث، وعبارة ابن عرفة: ابن محرز لا حضانة لمولاة النعمة إذ لا تعصيب فيها كالذكر. قلت: الأظهر تقديمها على الأجنبي. انتهى. وقال الشارح: ثم المولى الأعلى، وقاله في المدونة، وهو المشهور. وقال ابن محرز: لا حق للمولى الأعلى في ذلك؛ إذ لا رحم له، وعليه فلا حق للأسفل من باب أولى. انتهى.
ثم الأسفل؛ يعني أنه إذا مات معتق بكسر التاء وترك ابنا لا حاضن له ممن تقدم ذكره فإن حضانة ذلك الابن تنتقل للمولى الأسفل، وهذا واضح ولا حاجة إلى تكلف بعض الشراح حيث يقول: صورتها: إنسان انتقل له حضانة وهو مولى أعلى، فوجد قد مات وله عتيق فإن الحضانة تنتقل إلى عتيقه، وقال الأمير: بأن انجر ولاؤه للمحضون أو أعتق عنه مثلا. وقدم الشقيق؛ يعني أن ما تقدم من المراتب مما يتصور فيه التساوي إذا استووا في الرتبة يقدم فيها بالشقاقة؛ أي فيما تمكن فيه الشقاقة كالإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم احتراز من الوصي والمولى الأعلى ونحوهم، وقوله: وقدم الشقيق؛ أي الشخص الشقيق ذكرا كان أو أنثى. ثم للأم؛ يعني أن الشقيق يليه في الحضانة الذي للأم، فيقدم الأخ للأم مثلا على الذي للأب.
ثم للأب؛ يعني أنه يلي الأخ الذي للأم الأخ الذي للأب، وكذا من فيه الشقاقة من غير الإخوة كما عرفت، وفي الذخيرة: أسقط مالك وابن القاسم حق الأخت للأب لأن العادة تباغض أبناء الضرائر، وكذا الأخ للأب، وقيل: لهما الحضانة. انتهى. ونحوه في تكميل التقييد لكن قال ابن ناجي: ظاهر المدونة أن للأخت للأب الحضانة، وهو كذلك على أحد القولين، وكونه لها هو ظاهر المص كظاهر المدونة، كما قال ابن ناجي، ورجح بعض ما في الذخيرة. قاله عبد الباقي.
стр. 5012
وقوله: في الجميع. متعلق بقدم أي جميع المراتب التي تمكن فيها الشقاقة، كما مر التنبيه عليه احترازا من الوصي والمولى الأعلى ونحو ذلك.
في المتساويين بالصيانة والشفقة؛ يعني أنه إذا حصل التساوي في المرتبة كأختين أو عمتين أو خالتين مثلا، فإنه يقدم من هو أكثر صيانة أي حفظا للمحضون وشفقة أي رأفة به، فإن تساووا فيهما قدم الأسن لأنه أقرب إلى الصبر والرفق بالمحضون من غيره، فإن استووا في ذلك فالظاهر القرعة، فإن كان في أحدهما صيانة وفي الآخر شفقة، فالظاهر تقديم ذي الشفقة، وربما يفيده الرجراجي. قال ابن عرفة: فإن تزوجت أمه عمة وأراد عم آخر أخذه لم يكن له ذلك؛ لأن كونه مع أمه وعمة أولى؛ أي وإن تزوجت خالته عمة فأراد أبوه أخذه لم يكن له ذلك؛ لأن الغالب من زوجة الأب عليه الجفاء إذا كانت أجنبية، والغالب أن يكله الأب إليها. نقله عبد الباقي. وصرح بناني بأنه لابن عرفة كما مر التنبيه عليه، وقوله بالصيانة نائب فاعل قدم مقدرا. ولما كانت الحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على الأطفال في كثرة البكاء والتضجر وغيرهما من الهيئات العارضة لهم، وإلى مزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بهم، ولذا فرضت على النساء غالبا، لأن علو همة الرجال تمنعهم مما يليق بالصبيان من التكلف والعاملات وملازمة الأقذار وتحمل الدناءة. شرع في صفاتها المحصلة لذلك فقال:
وشرط الحضن للعقل؛ يعني أنه يشترط في الشخص الحاضن ذكرا كان أو أنثى أن يكون عاقلا، فلا حق في الحضانة لمجنون ولو غير مطبق، قال الشارح: وعندي أن الحكم كذلك إذا كان يجن أحيانا، دون أحيان ولا حق في الحضانة أيضا لمن به طيش، وقال عبد الباقي: وشرط الحاضن العقل، وما عطف عليه من الشروط الثمانية بعده التي آخرها قوله: وأن لا يسافر ولي، فيراعى العطف قبل الإخبار ليصح الإخبار كما أشار له الشنواني وغيره، وهي شروط استحقاقها لا مباشرتهات فدخل المسن إذا كان عنده من يحضن كما يأتي. انتهى. قوله: ليصح الإخبار كما أشار له الشنواني، فيه نظر، بل الإخبار هنا يصح وإن لم يراع العطف سابقا عليه؛ لأن لفظ المبتدإ في كلام المص مفرد لا جمع، والشنواني لم يقل ذلك في مثل هذا بل فيما المبتدأ فيه جمع. انتهى. وقال عبد الباقي: ومن شروطه يعني الحاضن أيضا عدم علم قسوته، فإن علمت قدم
стр. 5013
الأبعد. انتهى. وقال عليه بناني: لفظ ابن عرفة في هذا هو ما نصه. اللخمي: إن علم جفاء الأحق لقساوته ورأفة الأبعد قدم عليه. انتهى. قلت: إن كان قسوة ينشأ عنها إضرار الولد قدم الأجنبي عليه وإلا فالحكم العلق بالمظنة لا يتوقف على تحقق الحكمة. انتهى.
والكفاية؛ يعني أنه يشترط في استحقاق الحضانة أن يكون الحاضن ذكرا أو أنثى فيه كفاية أي قيام بأمور المحضون، فلا حضانة لزمن أو كبير لا يمكنهما التصرف إلا بمشقة، ولهذا قال: لا كمسنة؛ يعني أن الذات المسنة ذكرا كانت أو أنثى لا تثبت لها الحضانة كبالغة ستين سنة، والسنة هي التي أقعدها السن عن القيام بأمور المحضون، ومحل كون المسنة لا حضانة لها حيث لم يكن عندها من يحضن، وأدخلت الكاف العمى والصمم والخرس والإقعاد. قاله عبد الباقي. وقوله: لا كمسنة عطف على مقدر أي فتثبت الخضانة لقادر لا كمسنة.
وحرز المكان في البنت يخاف عليها؛ يعني أنه يشترط في حق الحاضن أيضا ذكرا كان أو أنثى أن يكون المكان الذي سكن فيه بالنسبة إلى البنت حرزا أي حافظا مصونا إذا كانت البنت يخاف عليها الفساد؛ أي يخشى عليها من الزنى، ويعتبر خوف الفساد من وقت إطاقتها، فاشتراط حرز المكان إنما هو من وقت إطاقتها لا قبله ومثل البنت الابن يخاف عليه ذلك، إلا أن ذلك فيها أوكد، وأما البنت والابن اللذان لم يبلغا سنا يخاف عليهما الفساد فيها فلا يشترط فيهما ذلك، وقوله: يخاف عليها حال، قال عبد الباقي: إما مقارنة أو مقدرة منتظرة. انتهى. قال بناني: فيه نظر بل هي مقارنة قطعا لما بينه من أنه لا يشترط الحرز إلا من وقت الخوف، وقوله: يخاف عليها؛ أي الفساد إذا بلغت حد الوطء كما قررت، وكذا إذا خيف سرقة مالها مثلا فلا بد من الأمن على النفس والمال وكذا الابن، وقوله: يخاف عليها، اللخمي: إن كانت جميلة مطلقا، أو غير جميلة والموضع كثير الفساد، وإن لم تكن جميلة والموضع غير موضع فساد، والبنت مطيقة للوطء فالحرز مستحب. انظر الشبراخيتي.
والأمانة؛ يعني أنه يشترط في الحاضن ولو أبا أوأما أن يكون أمينا أي سالما من الفسق، فرب شريب يذهب يشرب ويترك ابنته يدخل عليها الرجال، فلا حضانة له ويأخذها الأبعد، وقال الشارح عند قوله: والأمانة، ما نصه: فإن عدمت صفة من هذه الصفات من الأقرب وهي في
стр. 5014
الأبعد انتقل الحق إليه، وقاله في المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي: والأمانة بأن يكون صالحا لدينه بأن لا يكون فاسقا، ولا يحمل على أن يكون صالحا لدينه ودنياه، وإن كان هذا هو حقيقة الأمانة، ليلا يكون قوله: ورشد ضائعا، انتهى. ونحوه لعبد الباقي.
وأثبتها: يعني أن الحاضن محمول على الأمانة؛ لأن الأصل العدالة حتى ينسب لغيرها، فإذا نسب لغير الأمانة فعليه أن يثبت الأمانة، والأولى عوده على الشروط المتقدمة ما عدا العقل، وكذا يقال في الشروط الآتية إن نوزع في شيء منها أثبته، وهذا الذي قررت به المص هو ظاهره، وقرره به عبد الباقي، وقال بناني: قال المواق: لم أجد هذا في الحضانة؛ يعني بهذا قوله: وأثبتها، إنما هو في الولي يريد أن يسافر بالمحضون. انتهى. وفي ابن سلمون: أن من نفى الشروط فعليه إثبات دعواه والحاضن محمول عليها حتى يثبت عدمها، وبذلك تعلم ما في تقرير هذا الشارح، يعني عبد الباقي على ظاهر المص، وما في التوضيح معترض بمثل ما في المواق. انتهى كلام بناني. وقال الأمير: وشرط الحاضن الكفاية الشرعية، وتتضمن العقل والأمانة وحرز المكان حيث خيف على النفس أو المال وهو محمول عليها حتى يثبت خلافها: وعكس الأصل ضعيف. انتهى.
وعد كجذام مضر؛ يعني أنه يشترط في حق الحاضن ذكرا أو أنثى، كان المحضون ذكرا أو أنثى أن لا يكون به؛ أي بالحاضن جذام تضر ريحه أو رؤيته بالولد، ويخشى منه العدوى، ومثل الجذام كل عاهة يخشى بريحها أو برؤيتها على الولد، كبرص وجرب دامٍ وحكة، ولو كان بالمحضون مثله؛ لأنه قد يحصل له به زيادة، وكذا لو كان عنده من يحضن لاحتمال اتصاله بالمحضون.
واعلم أنه ورد في الحديث: (لا عدوى ولا طيرة (١))، وفيه: (فمن أعدى الأول (٢))، وفيه: (فر من المجذوم فرارك من الأسد (٣))، وفيه: (لا يورد ممرض على مصح (٤)). وهذا متعارض بحسب ظاهره، والجواب: عن هذه المعارضة أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها: لاكن الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببا لإعدائه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب، وهذا
стр. 5015
الجواب لابن الصلاح، وهو الذي اختاره كثير من الأئمة، وقال الحافظ بن حجر: الأولى في الجمع بينها أن نفيه ﷺ للعدوى باق على عمومه، وقد صح قوله ﷺ لمن عارضه (بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها فتجرب رادا عليه: فمن أعدى الأول)؟ يعني أن الله تعالى ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأ في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع، ليلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسما للمادة. والله أعلم.
واعلم أنه لا ينبغي التطير من شيء لأن ما قدر كان، فإن وقع التطير من شيء فالبعد عنه أولى، وفي الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود: (الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل (١)) وقوله وما منا لخ، مدرج من كلام ابن مسعود، وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي الدرداء: (لا ينال الدرجات العلى من تكهن أو استقسم أو رجع من سفره تطيرا (٢))، وفي الجامع الصغير: (لن يلج (٣)) بدل لا ينال، والكهانة الإخبار عن المغيبات، والاستقسام طلب القسم الذي قسم له، وكانوا إذا أرادوا سفرا أو تزوجا أو نحو ذلك من المهمات ضربوا بالأزلام، وهي القداح وكان على بعضها مكتوب أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى الآخر غُفْلٌ، فإن خرج أمرني ربي مضى لشأنه، وإن خرج نهاني ربي أمسك، وإن خرج الغفل عاد لها وضرب بها حتى يخرج الأمر أو النهي، وحرم الله ذلك بقوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾.
ورشد؛ يعني أنه يشترط في الحاضن ذكرا كان أو أنثى أن يكون رشيدا أي حافظا للمال؛ لأن له قبض نفقة المحضون، وهذا إن لم يكن عنده من يحضن، فالصبي والسفيه إذا كان لهما ولي يحضن يكون لهما حق في الحضانة، وأفتى ابن هارون بأن السفيهة لها الحضانة، وصوب ابن عرفة فتواه، وقول عبد الباقي: وصوب المتيطي فتواه، قال بناني: غلط فاحش؛ لأن المتيطي توفي قبل ولادة ابن هارون بسنين، وقد اختصر ابن هارون كتابه النهاية، وهو مشهور عند الناس.
стр. 5016
انتهى. وقيدت المص بما مر لأنه لم يفرق في المدونة بين كون من يستحق الحضانة صغيرا أو كبيرا؛ لأن الصغير قد يكون له ضبط. انظر الشبراخيتي وغيره. وقال المشاور: وحضانة أولاد السؤَّال والفقراء ومن لا قرابة له ينظر في ذلك السلطان للأصاغر بالأحوط لهم وما يراه صلاحا من أحد الأبوين. انتهى. وقد مر أن المشاور هو ابن الفخار.
لا إسلام؛ يعني أنه لا يشترط في الحاضن أن يكون مسلما، فلا يشترط ذلك في أم ولا في غيرها بحال، وهذا هو المشهور، والشاذ لابن وهب: لا حق للكافرة. قال في المدونة: والذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها وتأبى هي الإسلام فيفرق بينهما، ولها من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرز، وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير. نقله الشارح. ثم قال: وهذا هو المشهور وبه قال سحنون في الجد والخالة. وقال ابن وهب لا حق للأم النصرانية لأن الأم إذا كانت غير نصرانية يثنى عليها ثناء سوء ينزعون منها، فكيف بنصرانية؟ وهو أحسن وأحوط للولد. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقال: قلت: يجاب للمشهور عن تعليله بما قيل في النكاح من عدم جواز خطبة المسلم الصالح على الكافر دون الفاسق من أن الكافر الأصلي على دين يقر عليه، بخلاف الفاسق لا يقر على فسقه مع مراعاة خبر: (ألا لا قوله والدة عن ولدها). وخبر: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة). ذكره الحطاب عند قوله: كتفريق أم. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا إسلام فإنه غير شرط في الحاضن ذكرا أو أنثى، وسواء كانت أما أو غيرها، وسواء انتقلت لها من مسلمة أو لا، وهو بالرفع عطف على العقل. انتهى.
وضمت إن خيف للمسلمين، متعلق بضمت؛ يعني أن الحاضن ذكرا أو أنثى إذا كان كافرا وخيف أن يغذي المحضون بخمر أو خنزير أو خيف على المحضون عنده الفساد، فإن ذلك الكافر يضم للمسلمين وقت الخوف عليه لا قبله، وليس الجمع قيدا بل يكفي الضم لمسلمة فتمنعه مما خيف منه. قال عبد الباقي: وضمت ذات حاضنة أصالة أو بطريق العروض، كما إذا كان الحاضن جدا أو ذكرا غيره وعنده أنثى تحضن كافرة، فلا حاجة لقول التتائي: أنث الضمير تبعا للمدونة، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى، كما في التوضيح. انتهى. وقال الشبراخيتي: وضمت أي الحاضنة بطريق الأصالة أو العروض، كأن يكون الحاضن جدا مثلا وعنده أنثى تحضن، ففي
стр. 5017
الحقيقة ليست الحضانة إلا للأنثى؛ لأنه يشترط للذكر أن يكون عنده من يحضن من الإناث كما يأتي، وبهذا يسقط الاعتراض بأنه أنث الضمير تبعا للمدونة انتهى وبالغ على استحقاق الكافرة للحضانة بقوله:
وإن مجوسية أسلم زوجها؛ يعني أن المجوسية إذا أسلم زوجها فإن حضانة ولدها الذي أسلم أبوه ثابتة لها.
وعلم مما قررت أن هذا ليس مبالغة في الضم للمسلمين، لكن إذا خيف على الولد فإن حاضنه الكافر يضم للمسلمين كائنا من كان، كما مر قريبا.
وعلم مما قررت أيضا أن قوله: وضمت لخ، شامل للحاضنة أصالة أو بطريق العروض، كما إذا كان الحاضن ذكرا وعنده أنثى تحضن، وقوله: وإن مجوسية أسلم زوجها، يريد وأبت هي الإسلام فيفرق بينهما ولها الحضانة، وتستحق المجوسية الحضانة أمًّا كانت أو غيرها.
وشرط ثبوت الحضانة للذكر أن يكون عنده من يحضن؛ يعني أن الحاضن إذا كان ذكرا فإنه لا يستحق الحضانة إلا أن يكون عنده من الإناث من يصلح للحضانة من زوجة مستوفية لشروط الحضانة أو سرية كذلك، أو أمة خدمة كذلك، أو مستأجرة كذلك، أو متبرعة، ويشترط في الحاضن الذكر أن يكون محرما للأنثى المحضونة إذا كانت مطيقة، ولو في زمن الحضانة، كأن يتزوج بأم المحضونة، وإلا فلا حضانة له ولو مأمونا ذا أهل عند مالك، وأجازه أصبغ. قاله عبد الباقي. وقال الأمير: لا بلوغ ولا حرية ولا إسلام، وضم الكافر إن خيف لمسلم، وشرط الذكر مصاحبة أنثى تحضن وكونه محرما للمطيقة. انتهى. وقوله: وللذكر من يحضن، فإن لم يكن عنده من يحضن فلا حق له. قاله الشبراخيتي. وقوله: من يحضن، عطف على العقل.
وللأنثى الخلو عن زوج؛ يعني أن الحاضنة إذا كانت أنثى حرة أو أمة أما أو غيرها، فإنه يشترط في استحقاقها الحضانة أن تكون خالية عن زوج دخل بها، فإن دخل بها ولو غير بالغ سقطت حضانتها، وإن لم يحكم حاكم بالسقوط لاشتغالها بأمره، وليس الدعاء للدخول كالدخول، ووطء السيد الأمة الحاضنة وإن لم يتخذها للوطء دائما كدخول الزوجة، ومحل المص إن لم يكن في نزع الولد من هذه الدخول بها ضرر عليه، وإلا لم تسقط، كما يفيده قوله الآتي: أو لا يقبل الولد غير
стр. 5018
أمه؛ وارتضاه علي الأجهوري. وقوله: وللأنثى الخلو، يقال فيه ما قيل في قوله: وللذكر من يحضن؛ أي فقوله: الخلو، معطوف على العقل.
تنبيهات: الأول: اعلم أنه يشترط في ثبوت الحضانة للأنثى أن تكون ذات رحم ومحرم، فغير المحرم كبنت الخالة وبنت العم، والمحرم غير ذات الرحم كالمحرمة بالرضاع أو غيره لا حضانة لها. الثاني: قال الشيخ عبد الباقي: قال شيخنا النشمرلسي (١): وكأن المص أتى باللام في هذين ليفيد أن الإضافة في قوله: وشرط الحاضن العقل، على معنى اللام. انتهى. قال بناني: قوله: أتى باللام ليفيد أن الإضافة لخ، ما أضعف هذه الفائدة وما أبعدها عن قصد المص. انتهى. الثالث: قال بناني: قول عبد الباقي: حرة أو أمة أو غيرهما الخ، صوابه إسقاط قوله: أو غيرهما؛ إذ لا غير. تأمل. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظر هذا فإن بيدي نسختين من شرح عبد الباقي، ونصهما ويشترط للأنثى الحاضنة حرة أو أمة أما أو غيرها الخلو عن زوج إلى آخر كلامه: وحينئذ فكلام عبد الباقي صحيح لا يعترض عليه، وكأن هذا الرجل قد سقط من نسخته لفظ أما ووقع فيها لفظ أو غيرهما بصيغة التثنية، وذلك يحمل على الناسخ لا على المؤلف. والله سبحانه أعلم. واستثنى ثماني مسائل لا يسقط التزويج فيها الحضانة على تفصيل في بعضها، إحداها: أشار إليها بقوله:
إلا أن يعلم، مستثنى من مفهوم قوله: الخلو عن زوج دخل؛ يعني أن من تنتقل له الحضانة بعد هذه المتزوجة إذا علم بتزوجها ودخول الزوج بها وعلم أن ذلك مسقط لحضانتها وسكت طويلا فإنه يبطل حقه في الحضانة؛ لأن سكوته طويلا بعد علمه يعد رضي منه بإسقاط حقه. ويسكت العام؛ يعني أن من انتقلت إليه الحضانة إذا علم بتزوج هذه المرأة وسكت طويلا بعد علمه بتزوجها ودخولها وأن ذلك مسقط لحضانة المتزوجة، فإنه يبطل حقه في الحضانة كما علمت، ومثال الطول الذي يسقط حقه بسببه عام، فإذا سكت بعد العلم بالدخول والحكم معا بلا عذر عاما من يوم العلم فلا تسقط حضانتها بالتزويج والدخول، بل تبقى حضانتها، فإن لم يعلم من انتقلت له الحضانة بالتزويج والدخول، أو علم به وجهل الحكم، أو سكت دون عام، أو سكت عاما لعذر: انتقلت له الحضانة، وسقط حق الدخول بها، إلا أن تتأيم قبل قيامه في سكوته دون
стр. 5019
عام، فليس له نزعه أيضا، كما يفيده في يأتي من قوله: أو لتأيمها قبل علمه؛ أي وأولى بعده وقبل نزعه منها، فلا مخالفة بين مفهوم قوله هنا: العام، ومفهوم قوله الآتي: قبل علمه؛ لأن مفهوم قبل أولى بالحكم من منطوقه كما علمت. فما هنا فيما إذا لم يزل المانع، والآتي فيما إذا زال قاله عبد الباقي. الثانية: أشار إليها بقوله:
أو يكون محرما، عطف على يعلم، واسمها عائد على الزوج، ومحرما خبرها؛ يعني أن الحاضنة لا تسقط حضانتها بتزوجها ودخولها إذا كان الزوج الذي دخل بها محرما للمحضون، حيث كان هذا الذي دخل بها تثبت له الحضانة كالعم، بل تبقى لها الحضانة حيث تزوجت بمحرم المحضون. وإن كان هذا المحرم الذي تزوجته ودخل بها لا حضانة له، ومثل للمحرم الذي لاحضانة له بقوله: كالخال؛ أي خال المحضون تتزوجه الحاضنة للصبي كعمة الصبي ونحوها، فتبقى لها الحضانة ولو كان ثم حاضنة فارغة أقرب منها أي من الحاضنة المتزوجة بالمحرم، وقوله: كالخال، وكالجد للأم على قول غير اللخمي والله سبحانه أعلم. وقوله: محرما؛ أي بالأصالة فيخرج الأجنبي المتزوج بأمه لعروض محرميته. أو وليا، عطف على قوله: محرما، يعني أن الحاضنة لا تسقط حضانتها بسبب تزوجها بولي للمحضون، وإن لم يكن محرما، ومثل له بقوله: كابن العم؛ أي ابن عم المحضون تتزوج به حاضنته ويدخل بها، فلا تسقط حضانتها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المحضون ذكرا أو أنثى، لكن يشترط فيها إذا كانت أنثى مطيقة للوطء أن يصير الزوج بتزوج الحاضنة محرما لها، كأن تتزوجه أمها، بخلاف خالتها الحاضنة لها، تتزوج ابن عم لها، فتنزع منها قاله اللخمي. وبقي قيد ثان لكنه عام في المحضون الذكر والأنثى، وهو أن لا يكون هناك حاضنة فارغة أقرب من المتزوجة، كما لو كانت الجدة ابتداء متزوجة بأجنبي حين تزوجت الأم، وانتقلت الحضانة للخالة، ثم طلقت الجدة، وتزوجت الخالة بابن عم المحضون، فإن الحضانة تنتقل لها، ولا يعارض هذا قوله الآتي: لا تعود بعد الطلاق؛ لأنه فيمن تقرر لها حق فيها وسقط بالنكاح، لا فيمن لم يتقرر لها حق فيها؛ وقوله: وليا؛ أي ولي حضانة ولو أبعد، أو ولي قال. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: ذكر في السائل الملقوطة: أن بعضهم جعل من ذلك إذا كان زوجها وصي الطفل. انتهى.
стр. 5020
تنبيه: قال عبد الباقي عند قوله: محرما، بالأصالة أو بالعروض، قال بناني: ما معناه: في قوله بالعروض نظر، لاقتضائه أن تزوج الأم لا يسقط حضانتها مطلقا لحصول المحرمية لزوجها بالعروض وإن كان أجنبيا، وليس كذلك، بل حصول المحرمية بالتزوج مقيد بأن تكون للزوج الحضانة في الجملة كابن العم، كما ذكره المص. انتهى. الثالثة: أشار إليها بقوله:
أو لا يقبل الولد غير أمه؛ يعني أن الأم إذا تزوجت ودخل بها زوجها ولم يقبل الولد غيرها، بأن امتنع من أن يرضع غيرها، فإن الحضانة تبقى لها؛ لأن كونه في رضاع أمه وإن كانت متزوجة أرفق له من أن يسلم إلى غيرها مع أنه لا يقبل إرضاع غير أمه، وتبقى الحضانة لأمه سواء تزوجت بمحرم المحضون، أو وليه، أو بغيرهما ممن ليس بمحرم ولا ولي للمحضون، ومثل الأم غيرها ممن له الحضانة إذا لم يقبل الولد غيرها فيما إذا تزوجت أجنبيا من المحضون. وعبارة عبد الباقي: أو لا يقبل الولد غير أمه أو نحوها ممن له حضانة، فلا تسقط بتزوجها. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو لا يقبل الولد الرضيع غير أمه فيبقى في حضانتها لأن في نزعه هلاكه. انتهى. وقال بناني: أو لا يقبل الولد غير أمه؛ أي وهو رضيع، كما في التوضيح، ونصه: لا يسقط التزويج بالأجنبي الحضانة في ست مسائل، هذه أي الوصية على أحد القولين، وإذا كان الولد رضيعا لا يقبل غير أمه. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: ولو قال أو لا يقبل الولد غير الحاضن لكان أشمل، وقوله أو لا يقبل بالنصب. انتهى. الرابعة: أشار إليها بقوله:
أو لم ترضعه المرضعة عند أمه. صوابه عندَ بدل أمِّه كما قاله غير واحد؛ يعني أن الأم إذا تزوجت بأجنبي أي من ليس بمحرم للمحضون ولَا ولي له والحال أن المحضون رضيع وأبت الرضعة أن ترضعه عند من انتقلت إليها الحضانة، بأن قالت: لا أرضعه إلا في بيتي أو عند أمه مثلا، فإن حضانة الأم لا تسقط، فقوله: عند أمه، على حذف مضاف؛ أي بدل أمه، وهو من له الحضانة بعد تزوج أمه، لكن لا دليل عليه وصواب العبارة كما مر أن يقول عندَ بدل أمِّه، وحمله بعضهم على أنها قالت: لا أرضعه إلا في بيتي، ولا دليل عليه أيضا، والنقل شَاهد للتقرير الأول، وظاهر كلامهم أن غير الأم كالجدة إذا أسقطت حضانتها بالتزويج، وقالت المرضعة: لا أرضعه إلا في بيتي وطلبت الجدة أن يكون عندها وترضعه، فإنها لا تكون أحق بحضانته من الخالة. قاله عبد الباقي. وأشار إلى الخامسة: بقوله:
стр. 5021
أو لا يكون للوك حاضن؛ يعني أن الحاضنة لا تسقط حضانتها بسبب دخول زوج أجنبي بها حيث لم يكن للولد حاضن غيرها، لا من رجال ولا من نساء أمًّا كانت أو غيرها. وللسادس بقوله: أو غير مأمون؛ يعني أن الحاضنة لا تسقط حضانتها بسبب دخول زوج أجنبي بها إذا كان للمحضون غيرها من الأقارب يحضن لو توفرت فيه شروط الحضانة لكنه ليس بمأمون؛ لأن من شرط الحاضن الأمانة كما مر. السابعة: أشار إليها بقوله: أو عاجز؛ أي وكذلك لا تسقط حضانتها بسبب دخول زوج أجنبي من المحضون بها حيث كان له غيرها ممن يستحقها لو وجدت شروطها، لكنه عاجز عن القيام بأمور المحضون، فتبقى لها الحضانة أمًّا كانت أو غيرها، وكذا الحكم لو كان للمحضون حاضن غائب، فتبقى بيدها. قال عبد الباقي: وانظر لو وكل الغائب الذي يباشر الحضن كالأنثى هل تصح وكالته أم لا؟ لأنه من الأعمال البدنية، فإن كان الغائب ممن لا يباشره كالذكر فتصح وكالته لمن يباشرها فيما يظهر. انتهى. قوله: فتصح وكالته لمن يباشرها لخ، قال بناني: فيه نظر بل غير ظاهر. انتهى. الثامنة: أشار إليها بقوله: أو كان الأب عبدا وهي حرة؛ يعني أن أبا المحضون إذا كان عبدا وأمه حرة وكان قد فارقها بموت أو طلاق فتزوجت بعده أجنبيا من الولد ودخل بها فإن حضانتها لا تسقط، وكذا لو كانت أمة ولو تزوجت بحر، وكلام المص مقيد بقيدين، أحدهما: أن لا يكون العبد قائما بأمور سيده، فإن كان قائما بها انتقلت حضانته له بتزوج أمه، فلو قال: أو الأب عبد غير قائم بأمور سيده مطلقا أو حر والولد عبد لوفى بذلك مع زيادة، ثانيهما: أن لا يكون هناك من يستحق الحضانة سوى الأب، فإن كان ثم جدة أو خالة للولد انتقلت لها بتزوج أمه.
وفي الوصية روايتان؛ يعني أن الوصية إذا كانت حاضنة وتزوجت بأجنبي من المحضون ودخل بها فإنه ورد في سقوط حضانتها روايتان عن مالك، قال عبد الباقي: وهما في الأم وغيرها خلافا لقصر الشارح لهما على الأم، وهما أيضا جاريان، ولو قال الأب في إيصائه: إن تزوجتْ فانزعوهم منها؛ لأنه لم يقل: فلا وصية لها. رواه محمد. قاله أحمد. انتهى. قوله: وهما في الأم وغيرها لخ، هذا العموم هو ظاهر ابن عبد السلام والتوضيح، والصواب أنها مخصوصة بالأم لأنها مفروضة فيها في مواضع من العتبية، وفي كلام ابن أبي زمنين واللخمي ومعين الحكام وغيرهم. انظر مصطفى. انتهى. وقوله: وفي الوصية روايتان، الرواية بأنها أحق بالمحضون وقعت بها الفتوى
стр. 5022
وحكم بها أحمد بن نصر واقتصر عليها ابن عرفة والقلشاني، وقال صاحب الفائق: إنها أولى لأن حق الوصية لا تسقطه الزوجية. انتهى. قاله بناني. وقوله: روايتان؛ أي عن مالك كما عرفت، فمرة قال: ينزعون منها؛ لأن المرأة إذا تزوجت غلبت على جل أمرها حتى تفعل ما ليس بصواب: ومرة قال: يبقون عندها إن جعلت لهم بيتا يسكنون فيه ولحافا وطعاما وما يصلحهم إلا أن يخشى عليهم، وينبغي أن تكون الوصية الأجنبية في مرتبة الأب لأنها بمنزلته. انظر شرح عبد الباقي. وقال عبد الباقي: قال التتائي: وعكس مسألة المص لو تزوجت الحاضنة بالوصي عليهم وجعلتهم في بيت نفقتهم وخادمهم لم ينزعوا منها. قاله ابن القاسم. انتهى. وقوله: قال التتائي: وعكس مسألة المص لخ، هذا وهم من التتائي ومن تبعه؛ لأن كلام ابن القاسم في مسألة المص لا في عكسها كما توهموه. قال مصطفى: وغره قول ابن عرفة في الوصايا: إن تزوجت الأم الوصي وجعلت الولد في بيت [بنفقتهم] (١) وخادمهم لم ينزعوا. وروى محمد: وإن قال في إيصائه: إن تزوجت فانزعوهم؛ لأنه لم يقل: فلا وصية لها. المازري: إلا أن يخاف ضيعتهم. انتهى. فإن التتائي في كبيره استدل بكلام ابن عرفة هذا على عكس المص توهم أن الوصي في كلامه مفعول تزوجت وليس كذلك، بل هو نعت للأم كما يدل عليه كلامه آخرا. والعجب منه كيف فهم ما فهم مع قول الرواية: وإن قال في إيصائه. انتهى. قال جميعه بناني. والله سبحانه أعلم. قال مقيده عفا الله عنه: ومسألة التتائي هي المتقدمة في قوله: أو وليا، كما مر التنبيه على ذلك.
وأن لا يسافر ولي حر عن ولد حر. قوله: وأن لا يسافر، عطف على العقل؛ يعني أنه يشترط في ثبوت الحضانة وبقائها للحاضن أن لا يسافر ولي حر من مكان ولد حر سفر نقلة، سواء كانت ولايته ولاية مال كأب أو وصي أو مقدم قاض، أو ولاية عصوبة بنسب كأخ أو عم ونحوهما، أو بسبب كمعتق بكسر التاء؛ وإنما يعتبر سفر ولي العصوبة حيث عدمت ولاية المال. واحترز بحرية الولي من العبد فإن سفره لا يسقط حق الحاضنة حرة أو أمة؛ لأنه لا قرار له ولا سكنى وقد يباع، وهذا إذا لم يكن ولي للولد حاضر يساويه في الدرجة، فإن وجد من يساويه درجة لم تسقط حضانتها بإرادة السفر من أحدهما. ومعنى قوله: أن لا يسافر: أن لا يريد سفرا. وقوله: ولد
стр. 5023
سواء كان ذكرا أو أنثى. وقوله: ولد حر احترز بحرية الولد من الولد العبد إذا سافر وليه فلا يأخذه معه لأن العبد تحت نظر سيده سفرا وحضرا.
وإن رضيعا؛ يعني أن الولي الحر إذا أراد السفر المذكور فإن الحاضنة أمًّا أو غيرها تسقط حضانتها وإن كان الولد رضيعا، ويأخذه الولي معه بشرط أن يقبل الولد غيرها، فهو مبالغة في مفهوم قوله: وأن لا يسافر؛ أي فإن سافر أخذه وإن رضيعا ولعل خبر: من فرق بين والدة وولدها، مخصوص بغير هذا وبغير سائر المسقطات. قاله عبد الباقي. وقال الشارح: وإن رضيعا هو المشهور، وقيد بأن يقبل غير أمه. ولابن القاسم: ليس له أخذه إلا بعد الفطام. ولمالك: لا يخرج بهم حتى يثغروا وفي المدونة: ليس للأم أن تنتقل بالولد من موضع الولي إلا لما قرب كالبريد ونحوه حيث يبلغه خبره، ولها أن تقيم هناك. انتهى.
أو تسافر هي، عطف على قوله: وأن لا يسافر؛ يعني أنه يشترط في حضانة الحاضنة أن لا تسافر أي تريد سفرا عن ولي المحضون سفر نقلة، حيث كان الولي حرا والولد حرا فإن سافرت السفر المذكور سقطت حضانتها، وتأنيث الفعل فرض مسألة أو تبع للمدونة أو لأن الأصل أن الحضانة للأنثى كما سبق. انظر الشبراخيتي. وقوله: سفر نقلة، يتنازعه الفعلان وهما وأن لا يسافر، وأو تسافر؛ يعني أنه يشترط في سفر كل من الحاضنة والولي أن يكون سفر نقلة؛ أي انقطاع عن ذلك البلد الذي سافر منه ومفهومه أنها لا تسقط حضانتها إن كان سفره أو سفرها سفر تجارة أو نزهة أو نحو ذلك، مما ليس سفر نقلة، فتأخذ الولد معها ولو بعد بإذن أبيه فيهما، أو وصية في البعيد، فإن لم يكن أب ولا وصي سافرت به إن خيف بتركها له ضيعة. قال الحطاب: بل الظاهر وإن لم تخف عليه. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: ومثل الأم غيرها ممن له الحضانة، وحاصل حكم السفر بالصغير أنه ليس للولي أبا أو غيره أن يسافر بمحجوره حيث كان يخاف عليه من السفر، وإن لم يخف عليه فللأب السفر به حيث كان ذلك نظرا له، وله تركه؛ وأما غير الأب فليس له السفر به إلا أن يخاف بتركه عليه ضيعة، فإن خاف عليه ذلك- ويدخل في ذلك ما إذا لم يجد من يكفله -حمله معه، والأم تسافر به إن كان ذا أب بإذنه، سواء قرب السفر أو بعد، وإن كان ذا وصي فتسافر به السفر القريب بلا إذنه، بخلاف
стр. 5024
البعيد فإن لم يكن أب ولا وصي فتسافر به إن خيف عليه ضيعة. واستظهر الحطاب أنها تسافر به وإن لم تخف عليه ضيعة؛ وما قاله بعض الشراح غير ظاهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال: ولو أدخل الكاف على تجارة لكان أحسن.
وحلف كل منهما؛ يعني أنه يحلف هو أن سفره سفر نقلة وإن لم يثبت قصد استيطان، وتحلف هي أنها تريد سفر تجارة ونحوها ليبقى بيدها، ولو طلبت الانتقال به إلى موضع بعيد فشرط الأب عليها نفقته وكسوته واحدا أو متعددا جاز ذلك، وكذا إن خاف أن تخرج بغير إذنه فشرط عليها إن فعلت ذلك كان عليها نفقتهم وكسوتهم لزمها ذلك، وظاهر قوله: حلف، أنه يحلف مطلقا سواء كان متهما أم لا، وقيل: إنما يحلف المتهم منهما دون غيره، واستحسنه بعض القرويين وارتضاه المواق، دون الأجهوري والتتائي والشيخ سالم قاله عبد الباقي. وقال: وحق المحضون باق حين خروج الحاضنة للتجارة على ظاهر المذهب. انتهى. وقال بناني عند قول المص: وحلف، ما نسب ابن عرفة لزوم اليمين إلا لابن الهندي، ونسب الاكتفاء بمجرد دعوى الاستيطان دون يمين لابن يونس وجماعة مع ظاهر المدونة لكن في المواق عن المتيطي ما يفيد ترجيح اليمين. انتهى.
ستة برد، يتنازعه يسافر وتسافر؛ يعني أنه يشترط في سفر النقلة منه أو منها أن يكون ستة برد فأكثر فتسقط به حضانتها، وهذا هو الراجح دون قوله: وظاهرها بريدين؛ يعني أن ظاهر المدونة أن سفر البريدين يكفي في قطع الحضانة، سواء سافرت هي أو سافر هو، وقوله: بريدين، قال الشبراخيتي: على حذف مضاف أي مسافة بريدين، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه مجرورا من غير شرط، وما كان ينبغي له ذلك، وإلا كان الواجب أن يقول: بريدان بالألف؛ كذا في الحاشية. انتهى المراد منه قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: الظاهر ما قال المص: بريدين، ويكون معمولا ليسافر أو تسافر مضمرين على جهة التنازع. والله سبحانه أعلم. وقوله: بريدين، قال عبد الباقي عقبه كلاما قال فيه بناني: لا يخفى ما في هذا الكلام من الركاكة والتناقض. انتهى. والله سبحانه أعلم.
إن سافر لأمن؛ شرط في جواز السفر بالمحضون مطلقا كان السفر من الولي أو من الحاضن؛ يعني أن الولي إذا سافر سفر نقلة وقلنا: إنه يأخذ المحضون، فإنما يأخذه بشرط أن يكون الموضع
стр. 5025
الذي سافر إليه مأمونا لا يخشى على الصبي فيه، وإذا سافرت هي للتجارة فإنما تذهب به إذا كان الموضع الذي سافرت إليه مأمونا.
وفهم مما قررت أن قوله: إن سافر، شرط في مقدر أي ولى أن يسافر به. وأمن في الطريق؛ أي وكذلك يشترط أيضا أن يأمن كل منهما في الطريق على نفسه وماله وعلى المحضون؛ أي تغلب السلامة في كل من الطريق والبلد، ولا يشترط القطع بذلك فيما يظهر، ونحوه للبدر، وإلا لم ينزعه الولي، ونزع من الحاضنة إن لم يخف عليه وقبل غيرها. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: إن سافر لأمن أي لموضع مأمون وأمن في الطريق على حريمه وماله، وهذان الشرطان يعتبران في سفر الزوج بزوجته، ويزاد عليهما كونه مأمونا في نفسه، وكون المكان المنتقل إليه قريبا بحيث لا يخفى أمرها على أهلها ويبلغهم خبرها، وغير معروف الإساءة عليها. انظر أبا الحسن. كذا في الشرح. انتهى. ونحوه لعبد الباقي، وزاد: كونه حرا، وقال الشارح عند قوله: إن سافر لأمن وأمن في الطريق، احترازا مما إذا كان الطريق غير مأمون والبلد كذلك فلا يسقط حق الحاضنة. وقاله غير واحد. وقوله: وأمن، عطف على: سافر.
ولو فيه بحر، اسم كان مضمرة بعد لو؛ يعني أنه إذا حصل الأمن في الموضع والطريق، يجوز السفر بالمحضون ولو كان في الطريق بحر، لقوله : ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾. ويقيد بما إذا لم يغلب عطب البحر كما مر في الحج، وقوله: ولو فيه بحر، هو الأصح. قاله غير واحد. ومقابله يشترط أن لا يكون في الطريق بحر. إلا أن تسافر هي أي الحاضنة معه، وقوله إلا أن تسافر مستثنى من مفهوم قوله: وأن لا يسافر؛ يعني أن ولي المحضون إذا سافر السفر الذي مر أنه تسقط الحضانة لأجله، فإنما محل ذلك السقوط حيث لم تسافر الحاضنة معه، وأما إذا سافرت الحاضنة مع الولي فحضانتها باقية. واعلم أنه لا فرق بين الحاضن الذكر والأنثى فيما مر من قوله: وأن لا يسافر إلى هنا، وإنما أنث الضمير هنا وهناك لأن الغالب كون الحاضن أنثى، أو لأنه فرض مسألة، وقد مر هناك أنه يمكن أن يكون أنثه تبعا للمدونة، وقوله: معه؛ أي مع الولي أو مع المحضون. قاله عبد الباقي. وقال الشبراخيتي: أي مع المحضون، ولما كان الضمير في سافر لأمن مفردا مذكرا عائدا على الولي أبرز الضمير العائد على الحاضنة للمغايرة بين الضميرين وإن لم يخش اللبس. انتهى.
стр. 5026
لا أقل؛ يعني أن سفر النقلة الحاصل من الحاضن أو الولي إذا كان أقل من ستة برد فإن الولد يبقى بيد الحاضنة ولا تمنع من السفر به حينئذ، وإذا سافر ولي المحضون سفر نقلة وأخذ الولد ثم رجع فإن الحضانة تعود للأم، وإن سافرت هي ثم رجعت فإن كان سفرها اختيارا لم تعد، وإن كان بغير اختيارها عادت لها الحضانة، وتسقط حضانتها بالتزويج ولو ألجأتها إليه ضرورة. نقله الحطاب. وما قررته به هو على الراجح من أن سفر النقلة المسقط للحضانة هو ما كان مسافة ستة برد. وعبارة الشبراخيتي: لا أقل من ستة برد على الأول، ومن بريدين على الثاني. انتهى. والقول بستة برد قال ابن شعبان: به مضت الفتوى عند شيوخ المذهب. أبو إسحاق: وظاهر المدونة أن سفر البريدين يسقط حقها من ذلك، ونص أصبغ على أن سفر بريدين مسقط، ولأشهب الثلاثة برد بعيد. وقال مالك مرة: حد البعيد مرحلتان. وقيل. ما كان على رأس بريد بعيد، وروى ابن وهب في الموطإ: حتى يرتحل من المدينة، ونحوه عن أشهب. نقله الشارح.
ولا تعود بعد الطلاق؛ يعني أن الحضانة إذا سقطت بتزوج الحاضنة أمًّا أو غيرها ثم طلقت أو مات زوجها فإن الحضانة لا تعود لها بعد الطلاق أو موت الزوج، بل تستمر لمن انتقلت له، إلا أن تختار إسلامه لمن طلقت إن كانت أما فتعود لها، ولا مقال للأب، فإن كانت أختا فللأب المنع حينئذ. فقوله: لا تعود، أي جبرا على من انتقلت له، ويقيد كلامه أيضا بما إذا لم يمت من بعدها بدليل قوله: أو لموت الجدة والأم خالية؛ أي بعد طلاقها أو موت زوجها، وبما إذا تزوجت بمن يسقط حضانتها بتزوجه وإلا لم تسقط. كما مر. قاله عبد الباقي. وقوله: وبما إذا تزوجت بمن يسقط لخ، الظاهر أنه لا حاجة لذكر هذا القيد والله سبحانه أعلم. وقوله: وإن كانت أختا لخ؛ أي لأن الأب أقعد منها كما يأتي، فعلم منه أنها إذا وهبته لمن هو مقدم على الأب يمضي ذلك، ويأتي بحث ابن عرفة في ذلك إن شاء الله.
وأشعر قوله: لا تعود، أنها كانت واجبة لمن حدث لها التزوج والطلاق، فلو لم تجب لها ابتداء لتقدم غيرها عليها شرعا، ويتصور ذلك في غير الأم ثم طلقت تلك الغير، كانت لها الحضانة حيث أفضت (١) النوبة لها. قاله عبد الباقي؛ يعني كما لو تزوجت الأم وأمها متزوجة فانتقلت الحضانة لأخت الأم خالة المحضون، ثم تأيمت الجدة فإن الحضانة تنتقل لها، كما مر. قاله
стр. 5027
مقيده عفا الله عنه. وقوله: حيث [أفضت] (١) النوبة لها؛ أي حيث كانت النوبة لها أي كانت النوبة من الحضانة نوبتها. والله سبحانه أعلم وقوله: ولا تعود بعد الطلاق؛ أي بخلاف ما إذا رجع هو من سفر النقلة، وخلاف ما إذا رجعت هي من سفر النقلة إذا كان السفر بغير اختيارها؛ كما مر قريبا عن الحطاب. وقال الشارح ولا تعود بعد الطلاق، هذا هو المشهور وهو مذهب المدونة. وقال ابن وهب: تعود، وكذلك بعد موت الزوج الثاني، وهكذا الخلاف فيما إذا أسقطت حقها ثم أرادت القيام به فليس لها ذلك، خلافا لابن وهب، قال في المقدمات: وهذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضن، وأما على قول ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في ذلك للمحضون فلها أخذه متى خلت من الزوج انتهى كلام الشارح.
أو فسخ الفاسد يعني أن الحاضنة إذا تزوجت تزوجا فاسدا وفسخ نكاحها بعد البناء فإن حضانتها تسقط بسبب بناء الزوج بها في هذا النكاح، ولا تعود لها الحضانة بعد الفسخ، وهذا إذا درأ وطؤه الحد وإلا عادت. قاله غير واحد. قال مقيده عفا الله عنه: وانظره مع ما مر من أن شرط الحاضن الأمانة أي السلامة من الفسق، إلا أن يحمل هذا على ما إذا تأيمت وحسن حالها. والله سبحانه أعلم. وقوله: على الأرجح، خاص بهذه دون ما قبلها. قاله غير واحد؛ يعني أنه اختلف في عود الحضانة للحاضنة بعد فسخ النكاح الفاسد الذي درأ وطؤه الحد، فقيل: لا تعود، قال ابن يونس: وهو الصواب، وقيل: تعود؛ لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وإنما لم تعد لها الحضانة بعد الطلاق والفسخ لأنها لما اتصفت بالمانع انتقل الحق لمن بعدها.
أو الإسقاط معطوف على الطلاق؛ يعني أن الحاضنة إذا أسقطت حقها من الحضانة بعد وجوبها لغير عذر ثم أرادت أن تعود لها فإنها لا تعود لها بعد الإسقاط. قال عبد الباقي: بناء على أن الحضانة حق للحاضن وهو المشهور، ويجوز إقدامها عليه، وقيل: تعود بناء على أنها حق للمحضون، ولا يجوز لها إقدامها على هذا الإسقاط على هذا الضعيف، وهو مذهب الشافعي، وقولنا: بعد وجوبها، شامل لإسقاطها للأب وهي في عصمته لأن الحق لهما وهما زوجان، كما مر عن ابن عرفة، وأما إذا خالعها على إسقاطها فتسقط ولا تعود، وأما إن خالعها على إسقاطها
стр. 5028
وإسقاط حق أمها بعدها لم يسقط حق أمها قطعا، فإن أسقطت حقها حال مخالعة بنتها ففي سقوطه وعدمه قولان مبنيان على لزوم إسقاط الشيء قبل وجوبه وعدمه، فإن أسقطتها بعد طلاق بنتها بالفعل لزمها الإسقاط لأنه بعد وجوبها بالفعل، فالأقسام ثلاثة. فتأمل. انتهى.
قوله: لم يسقط حق أمها قطعا، لما نقل المشدالي الخلاف فيما إذا أسقطت الجدة حقها عند مخالعة بنتها، قال: هذا إنما هو إذا حضرت الجدة أو الخالة وأشهدت على نفسها بإسقاط ما يرجع إليها من الحضانة، وأما إن لم تشهد على نفسها بذلك ففيه خلاف أيضا، قال المتيطي: الذي عليه العمل. وقاله غير واحد من الموثقين أن الأم إذا أسقطت حقها في الحضانة بشرط في عقد المبارأة كما ذكرنا أن ذلك يرجع إلى الجدة أو الخالة. وقاله أبو عمران. قال: القياس أن لا يسقط حق الجدة بترك الأم، وقال غيره من القرويين: يسقط بذلك حق الجدة والخالة ولا كلام لهما في ذلك. انتهى. انظر الحطاب وحاشية الشيخ بناني. وقال ابن عرفة: وفي إمضاء نقل ذي حضانة إياها لغيره على من هو أحق بها من المنقول إليه نقل ابن رشد مع أخذه من قولها: إن صالحت زوجها عن كون الولد عنده جاز وكان أحق به ظاهره ولو كان له جدة، ونقله قائلا كالشفعاء ليس لمن هو أحق بالشفعة تسليمها لشريك غيره أحق بها منه. اللخمي: إن تزوجت الأم وأخذته الجدة ثم أحبت أن تسلمه لأخته فلأبيه منعها لأنه أقعد منها، وإن أمسكته ثم طلقت الأم لم يكن له منعها من رده لأمه لأنه نقل لما هو أفضل. قلت: إنما يتم هذا على أن تزويج الأم لا يسقط حضانتها دائما بل ما دامت زوجة. انتهى كلام ابن عرفة. نقله الإمام الحطاب. وقال بعد جلب أنقال ما نصه: فعلم من هذا أن الراجح الذي عليه الفتوى في إسقاط الحضانة قبل وجوبها عدم اللزوم، وأن صورة ذلك أن يسقط من له الحضانة بعد الأم حضانته قبل وجوبها كالجدة والخالة مثلا، وأنه ليس من ذلك إسقاط الأم حقها من الحضانة في حال العصمة وإلا لكان حكمها حكم الجدة والخالة ولم يفرق بينهما، وأيضا فلا يمكن أن يقال إن الأم لا حضانة لها في حال العصمة لأنها إذا وجبت لها الحضانة بعد الطلاق فأحرى في حال العصمة، وقد صرح بذلك ابن عرفة، فقال لما تكلم على الحضانة ومستحقُّها وأبَوا الولد زوجان هما وفي افتراقهما أصناف، الأولى: الأم إلى آخره، ولا أعلم أحدا أجاز للأب أخذ ولده من أمه
стр. 5029
في حال العصمة، بل ذكر اللخمي في الشروط المناقضة لمقتضى العقد أن يتزوج المرأة على أن لا يكون الولد عندها، وأنه إن تزوجها على ذلك فسخ النكاح قبل الدخول وصح بعده وسقط الشرط، وليس المراد ولدها من غيره لأن ذلك صحيح لازم إذا كان للولد من يحضنه كما ذكر ذلك المص في أول باب النفقات، حيث قال: كولد صغير لأحدهما إن كان له حاضن. والله أعلم. انتهى.
إلا لكمرض، مستثنى من الإسقاط وهو استثناء منقطع؛ لأن هذا سقوط والمستثنى منه إسقاط، والله سبحانه أعلم؛ يعني أن الحضانة إذا سقط حق الحاضن منها لمرض لا تقدر معه على القيام بأمور المحضون أو عدم لبن أو حج فرض أو سفر زوج بها غير طائعة فإن الحضانة تعود لها بعد زوال ما ذكر، وكذا رجوع ولي به من سفر نقلة كما مر، إلا أن تتركه بعد زوال جميع ما مر سنة ونحوها في الكثرة مختارة فلا تأخذ الولد ممن هو بيده، أو يكون الولد ألف من هو عندها وشق عليه نقله منها، ولو انتزع الولد الأب فرارا من أن ترثه وتمت عدتها لعادت لها الحضانة على المعتمد، ولو تركته بعد أن زال العذر حتى طال الأمر السنة وقلنا ليس لها أن تأخذه كما مر، فإذا مات الأب فإنه اختلف هل لها أن تأخذه ممن تصير إليه الحضانة بعد الأم أم لا؟ فقال في سماع أشهب: ليس لها أن تأخذه لأنه رأى تركها إياه عند أبيه إسقاطا منها لحقها، وحجة المقابل أن تركها له عند أبيه إنما يحمل على إسقاط حضانتها للأب خاصة. قاله الحطاب.
أو لموت الجدة، عطف على قوله: إلا لكمرض، فهو في حيز الاستثناء؛ يعني أن الحضانة لا تعود بعد الطلاق أو موت الزوج إلا أن تموت من انتقلت إليها الحضانة من جدة وغيرها، فإن الحضانة تعود لمن سقطت حضانته من أم وغيرها وهذا إذا كانت الأم أو غيرها ممن سقطت حضانتها ليس لها مانع من نكاح مثلا، بل هي خالية بسبب موت زوجها أو طلاقه لها أو فسخ نكاحها، فإن الحضانة تعود لها، ولا فرق في ذلك بين الأم وغيرها، ولا بين موت الجدة وغيرها، فالمراد موت من انتقلت إليه الحضانة جدة أو غيرها، وتأيم من سقطت حضانتها أما أو غيرها. قرره غير واحد بما قررته به. قال الشارح: وفي الموازية: إذا تزوجت الأم فأخذت الجدة الولد، ثم فارق الزوج الأم، فإن للجدة أن ترد الولد إلى الأب، وقال ابن محرز: إذا ماتت الجدة وطلقت الأم فهي أحق من الأب، وإليه أشار بقوله: أو بموت الجدة والأم خالية؛ أي من زوج
стр. 5030
وهي جملة حالية. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الأم إذا تزوجت ودخل بها زوجها فأخذت الجدة الولد، ثم فارق الزوج الأم، فإن للجدة رده إليهاة ولا مقال للأب: ولذلك إذا ماتت الجدة أو تزوجت والأم خالية من الموانع فهي أحق من الأب، ولا مفهوم للجدة ولا للأم ولا للموت، بل تزوج الجدة وبقية الموانع المسقطة للحضانة كذلك. فلو قال: أو لكموت من انتقلت له الحضانة وقد خلا من قبله لكان أشمل انتهى وقال عبد الباقي: أو لموت الجدة التي انتقلت لها الحضانة بتزوج الأم، وكالموت تزوج الجدة كما في أحمد عن معين الحكام، والأم خالية لموت زوجها أو طلاقه لها، وكالجدة والأم غيرهما، ثم قال عبد الباقي: وما ذكره أحد أقوال ثلاثة ذكرها ابن رشد: وصدر بعدم عودها للأم، وعزاه لظاهر المدونة. وانظر [لم] (١) اقتصر مع قوة هذا على غيره؟ انتهى. وبهذا قررد أيضا الشبراخيتي، فتحصل من هذا أن قوله: أو لموت الجدة والأم خالية، راجع لقوله ولا تعود بعد الطلاق أو فسخ الفاسد. وكذا قوله:
أو لتأيمها قبل علمه، عطف على ما في حيز الاستثناء؛ يعني أن الحاضنة تستمر لها الحضانة إذا تزوجت ودخل بها زوجها، ولم يعلم بذلك من انتقلت إليه الحضانة حتى تأيمت بموت أو طلاق من تزوجها، وهذا تقييد لقوله: وللأنثى الخلو عن زوج دخل؛ أي تسقط حضانة الحاضنة إذا تزوجت ودخل بها زوجها إلا أن تتأيم قبل أن يعلم من انتقلت إليه الحضانة بتزوجها ودخول الزوج بها، ومفهوم: قبل علمه أحروي؛ أي فإذا علم ولم يقم بحقه حتى تأيمت لم ينزع منها. واعلم أن قوله: إلا أن يعلم ويسكت العام، فيما إذا لم تتأيم، وهذا فيما إذا تأيمت، فالموضوع مختلف وقوله: أو لتأيمها قبل علمه، قد علمت أن تقدير كلامه ولا تعود بعد الطلاق إلا لتأيمها قبل علمه، فيقال عليه: إنه لم تنتقل عنها الحضانة حتى تعود إليها ففيه تجوز، والجواب عن المص أنه عود شرعي، بعد انتقال شرعي والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فلا تجوز فيه. أشار له عبد الباقي. قال عبد الباقي: وهذا وما قبله معطوفان على زوال المقدر قبل لكمرض كما قال البدر. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: والظاهر لو قال: معطوفان على لكمرض، أو قال: المعطوف محذوف. والله سبحانه أعلم.
стр. 5031
وللحاضنة قبض نفقته؛ أي المحضون يعني أن الحاضنة أما أو غيرها لها على ولي المحضون أن يدفع لها نفقة محضونها فتقبضها منه، ويقضى لها بذلك وتكون باجتهاد الحاكم، ومعنى الاجتهاد في قبض نفقته أن الحاكم ينظر في حال الحاضنة وما يليق بها من إقباضها، فيقدر باليوم أو بالجمعة أو بالشهر أو بالسنة، فالاجتهاد متعلق بتقدير النفقة. انظر الشبراخيتي. وقوله: وللحاضنة قبض نفقته؛ أي فليس للولي أن يقول للحاضنة: ابعثيهم إليَّ يأكلون عندي ثم يعودون إليك؛ لأن في ذلك ضررا على الولد وعلى من هو في حضانته. انظر الشبراخيتي. أي ليس له أن يجبرها على ذلك. وقال عبد الباقي: وللحاضنة أمًّا أو غيرها قبض النفقة من أب أو وصي على مال، وقبض كسوته وغطائه ووطائه وجميع ما يحتاج إليه، وليس للأب أن يقول: ابعثيه يأكل عندي ثم يعود لك؛ لأن في ذلك ضررا على الولد وإخلالا بصيانته، وفيه ضرر أيضا على الحاضنة، وليس لها موافقة الأب على ذلك لضرر الولد إذ أكله غير منضبط في وقت، فاللام بمعنى على، كما هي في: ﴿ويخرون للأذقان﴾ أو للاختصاص، وضمنتها بالقبض إلا لبينة على الضياع كما قدمه، لأن الضمان ضمان تهمة تنتفي بإقامة بينة، لا ضمان أصالة. انتهى. وقال الحطاب: قال في التوضيح: ولمن الولد في حضانته من أم وغيرها أن تأخذ ما يحتاج إليه الولد من نفقة وكسوة وغطاء ووطاء، وإن قال هو: يأكل عندي ثم يعود إليك لم يكن له ذلك؛ لأن في ذلك ضررا على الولد وعلى الحاضنة؛ إذ الأطفال يأكلون في كل وقت. قاله غير واحد. وكتب شجرة لسحنون في الخالة الحاضنة إذا قال الأب: إنها تأكل ما أعطيه، وطلب الأب أنه يأكل عنده ويطعمه، فكتب إليه: القول للأب، فجعل للحاضنة أن يأوي إليها فقط، والأول هو الأصل، ولعله ظهر صدقه في السؤال، وقد ذكر ابن يونس عن مالك هذا التفصيل نصا في العتبية. انتهى. وما ذكره عن سحنون نقله الباجي أيضا في المنتقى ونصه: وإن شكا الأب ضياع نفقة ابنه فأراد أن يطعمه، فقد كتب سحنون إلى شجرة في الخالة تجب لها الحضانة، فيقول الأب: يكون الولد عندي لأعلمهم وأطعمهم لأن الخالة تأكل ما أرزقهم، وهي تكذبه، أن للأب أن يطعمه ويعلمه وتكون الحضانة للخالة، فجعل للحاضنة أن يأوي إليها وتباشر سائر أحواله مما لا تغيب عليه من نفقة. انتهى. ونقله ابن زرقون عن الباجي، قال ابن عرفة: هذا خلاف الروايات: أن إطعام
стр. 5032
المحضون إنما هو عند حاضنته من كانت، والعجب من الباجي وابن زرقون وقبولهما هذا وتصديق الأب على الخالة أنها تأكل رزقهم. انتهى. وقرر الشارح كلام المص بما قرره به غير واحد ثم ذكر ما لسحنون.
والسكنى؛ يعني أن الحاضنة لها السكنى على الأب أي يعطيها أجرة ما يخص المحضون فقط من السكن، وتكون بالاجتهاد فيما ينوب المحضون من المسكن، فيقال مثلا: يكرى المسكن بتسعة، فإن أدى الحاكم اجتهاده إلى أنه ينوب المرأة ثلثان وينوب الولد ثلث، فإنه يدفع الأب للحاضنة ثلاثة. والله تعالى أعلم.
وما قررته به من أن الأب إنما يلزمه من السكنى ما يخص الولد هو المشهور المعمول به المذكور في المدونة وغيرها؛ سحنون: ويكون عليه من الكراء على قدر ما يجتهد فيه، وقول سحنون تفسير للمدونة، وقال يحيى بن عمر على قدر الجماجم، وروي: لا شيء على المرأة ما كان الأب موسرا. وقيل: إنها على الموسر من الأب والحاضنة؛ يعني أن الحاضنة إذا أيسرت دون الأب لم تكن على الأب سكنى على هذا القول. وحكى ابن بشير قولا: بأن السكنى كلها على الأب أي سكنى الولد والحاضنة، والقول بأنها على الموسر من الأبوين ثابت، وبذلك يرد ما في شرح عبد الباقي. وأما سكنى ما يخص المحضون فعلى الأب اتفاقا لخ؛ إذ الخلاف موجود وهذا التقرير لبناني. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما قررت أن قوله: بالاجتهاد، راجع للنفقة والسكنى؛ أي يجتهد الحاكم في تقدير النفقة وفرضها، وفي تقسيط كراء المسكن على الأم وولدها وقربه أي المسكن من الأب والأم.
فرع: قال الحطاب: وللحاضنة الإخدام إن كان الأب مليا واحتاج المحضون لمن يخدمه، قال في كتاب إرخاء الستور من المدونة: وإذا أخذ الولد من له الحضانة فعلى الأب نفقتهم وكسوتهم وسكناهم ما بقوا في الحضانة، ويخدمهم إن احتاجوا إلى ذلك وكان الأب مليا ولحاضنتهم قبض نفقتهم. انتهى. وقال ابن وهب: ليس على الأب إخدام، نقله عنه اللخمي. ونقل أبو الحسن والمص في التوضيح وابن عرفة وغيرهم كلام اللخمي، ونص ابن عرفة: اللخمي: واختلف في خدمته: ففيها: إن كان لا بد لهم من الخادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقدر على إخدامهم
стр. 5033
أخدمهم، ولابن وهب: لا خدمة عليه، به قضى أبو بكر على عمر، وأرى أن يفتى في الخدمة مثل ما تقدم في الإسكان. انتهى؛ يعني أن اللخمي رأى أن يفصل في الخدمة مثل ما تقدم في السكنى. والله أعلم. قاله الحطاب؛ يعني تفصيل للخمي في المسكن وهو: أنه إن كان في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم تزد عليه في الكراء فلا شيء عليه، وإن كان يزاد عليه وعليها لأجل الولد فعليه الأقل مما يزاد عليها. والله سبحانه أعلم. قوله: والسكنى، لهذه المسألة نظائر اختلف فيها هل هي على الجماجم أم لا؟ منها هذه؛ يعني أجرة المسكن الذي فيه المحضون، ومنها أجرة كاتب الوثيقة، ومنها كنس المرحاض، ومنها حارس الأندر، ومنها أجرة القسام، ومنها التقويم على المعتقين، ومنها الشفعة إذا وجبت لشركاء هل هي على الشركاء أو على قدر الانصباء، ومنها العبد المشترك في زكاة الفطر، ومنها النفقة على الأبوين، ومنها إذا أرسل أحد الصائدين كلبا والآخر كلبين، ومنها إذا أوصى لمجاهيل من أنواع. نقله الإمام الحطاب.
ولا شيء لحاضن لأجلها يعني أن الحاضنة لا تستحق بسبب حضانتها نفقة ولا أجرة مسكن، فار ينفق عليها من مال المحضون، ولا يكرى له منه مسكن تسكنه. قال الشيخ المحقق الأمير: ولا أجرة للحاضن على الحضانة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا شيء لحاضن على الأب ولا في مال الولد لأجلها. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا شيء لحاضن زيادة على أجرة المسكن، بدليل ما قبله لأجلها أي الحضانة، وإنما قال: لأجلها؛ لأن الحاضن قد تجب له النفقة كالأم الفقيرة على الولد الموسر، وقوله: ولا شيء لحاضن لأجلها، هو قول مالك المرجوع إليه، وبه أخذ ابن القاسم، وكان يقول: ينفق عليها من مال الغلام، والخلاف في غير الأم الفقيرة، وأما الأم الفقيرة فينفق عليها من مال ولدها لأجل عسرها لا لأجل الحضانة، والأصل في ثبوت الحضانة للأم وتصير لمن بعدها: حديث ابن عمر، قالت امرأة طلقها زوجها ومعها ابن منه: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال ﷺ : أنت أحق به ما لم تنكحي ويدخل بك الزوج. انتهى.
стр. 5034
وحجري بفتح الحاء والحواء اسم للمكان الذي يحوي الشيء ويجمعه. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال اللخمي: واختلف إذا كانت الأم موسرة، فقال مالك: لا نفقة لها، وقال مرة: لها النفقة إذا قامت عليهم بعد وفاة الأب، وقال أيضا: تنفق بقدر حضانتها إذا كانت لو تركتهم لم يكن لهم بد من حضانة، فجعل لها في هذا القول الأجر دون النفقة. انتهى. واعلم أنه تجاذب الحضانة أمران لخ.
انتهى النصف الأول من لوامع الدرر في هتك أستار المختصر، للعبد الغني بالله تعالى عن خلقه المالكي الأشعري محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم تسليما، وعلى جميع عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك، وأضعاف أضعاف ذلك، عدد ذلك، وسلم تسليما كذلك،
الله عظم قدر جاه محمد … وأناله فضلا عليه عظيما
في محكم التنزيل قال لخلقه … صلوا عليه وسلموا تسليما.
стр. 5035
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، صلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه وسلم تسليما. واعلم أنه تجاذب الحضانة أمران أحدهما: النكاح لأنه منشؤها، والآخر البيع لأن الحاضن عليه حفظ المحضون وله قبض نفقته وتحصيل ما به قوامه، وذلك إنما يحصل بالبيع فلذا وضع البيع متصلا بالحضانة فقال:
باب: في البيع الشامل للصرف والمراطلة
قال الشيخ أبو علي: البيع مصدر باع الشيء إذا أخرجه عن ملكه بعوض أو أدخله فيه، فإنه من الأضداد، قال في القاموس: باعه يبيعه بيعا ومبيعا، والقياس مباعا إذا باعه وإذا اشتراه ضد، وهو مبيع ومبيوع، وكسيد البائع والمشتري والمساوم، وابتاعه اشتراه، والتبايع المبايعة، واستباعه سأله أن يبيعه، وشراه يشريه ملكه بالبيع وباعه كاشترى فيهما ضد، وكل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه، ومنه: ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾. وشاراه مشاراة وشراء بايعه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: فتبين منه أن البائع يطلق على آخذ السلعة، وعلى دافعها، وهو قابض الدراهم أو الدنانير أو هما، وكذا المشتري والشاري يطلق عليهما أيضا: ﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ يبيع، ومنه ﴿وشروه بثمن بخس﴾. وقال الزناتي في شرح الرسالة: إن لغة قريش استعمال باع فيما إذا أخرج واشترى فيما إذا أدخل، وهي أفصح، وعلى ذلك اصطلح العلماء تقريبا للفهم، والشراء يمد ويقصر. انتهى. وقال عبد الباقي: وهو يعني البيع من الأبواب المحتاج إليها، ففي القبس: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام العالم؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان محتاجا للغذاء مفتقرا للنساء، وخلق له ما في الأرض جميعا، كما أخبر في كتابه، ولم يتركه سدى يتصرف باختياره كيف شاء، فيجب على كل أحد أن يتعلم ما يحتاج إليه، فإن كل مكلف يجب عليه أن لا يفعل شيئا حتى يعلم حكم
الله فيه. انتهى. وقول بعضهم: يكفي ربع العبادات، ليس بشيء؛ إذ لا يخلو مكلف غالبا من بيع أو
شراء، فإن فعل متفقا على تحريمه من غير علم أثم من جهتي القدوم والفعل، فإن كان مختلفا فيه،
فقال القرافي: هل نؤثمه بناء على التحريم أو لا بناء على التحليل؟ لم أر لأصحابنا فيه نصا. وكان عز
الدين بن عبد السلام يقول: إنه آثم من جهة أنه قدم غير عالم. انتهى. قوله: فقال القرافي: هل نؤثمه
стр. 5036
لخ، قال بناني: الظاهر أن تردد القرافي إنما هو من جهة الفعل، وأما إثمه من جهة الإقدام فلا إشكال فيه كما نقله عن عز الدين. والله أعلم. وقوله: وقول بعضهم يكفي ربع العبادات.
اعلم أن أصل العلوم أربعة، الأول: ربع العبادات، ويشتمل على كل ما يرجع إلى التعبد، كتعليم الفقه في باب الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومعرفة عقائد الدين والأذكار، وغير ذلك، والربع الثاني: ربع العادات، وهو كل ما يرجع إلى مصلحة الجسد، كالأدب والأكل والشراب، ومعرفة وجوه الكسب من الحلال والحرام والبياعات، وما يتعلق بها. والربع الثالث: ربع المهلكات، وهو كل خلق مذموم شرعا، كالكبر والحسد والعجب والغضب والسرقة، كما لا ينحصر. والربع الرابع: وبه يتم الكلام، هو: ربع المنجيات، وهو كل خلق محمود شرعا: كالخوف من الله تعالى والزهد في الدنيا والمحبة له، كما لا ينحصر، نقلته من خط من عزاه للقرافي، مفسرا به هذا المحل من الخرشي. وفي الشادلي: أن الفقه أربعة أرباع، ربع العبادات، وربع العادات، وربع الجنايات، وربع الأقضية والشهادات. انتهى. وفي شرح عبد الباقي: وحكمه؛ يعني البيع الجواز، لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾. ولخبر أحمد والطبراني: (أفضل الكسب بيع مبرور وعمل الرجل بيده (١)) وقد يعرض وجوبه لمضطر لشراء طعام أو شراب، وندبه كمن أقسم على إنسان أن يبيع سلعة لا ضرورة عليه في بيعها؛ لأن ابرار القسم مندوب في مثل ذلك، والكَرَاهةُ كبيع هر أو سبع لا لأخذ الجلد، وَالتَّحرِيمُ كالبيوع المنهي عنها. قال الرهوني: قال الحطاب: البيع المبرور الذي بر صاحبه فلم يعص الله فيه ولا به ولا معه. قاله الشيخ زروق. والذي يقتضيه الوضع اللغوي أن مَعْنَى لم يعص الله فيه، لم يجعله ظرفا للمعصية، فإذا جعله ظرفا لها فليس بيعه بمبرور، وذلك بأن تكون المعصية متعلقة بالبيع، ومَعْنَى لم يعص الله به، لم يجعله آلة للمعصية، فإن كان آلة لها فليس بمبرور، وذلك أن تكون المعصية وقعت بنفس البيع، كبيع الإنسان مال غيره بغير إذنه مثلا، ومعنى لم يعص الله معه، أنه لم تقع معصية مصاحبة له وقت وقوعه خارجة عنه، والله أعلم. ومثل هذا الحديث في الدلالة على فضل البيع ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (التاجر الصدوق مع النبيئين
стр. 5037
والصديقين والشهداء يوم القيامة (١)). ذكره عبد الحق. وكما دل هذان الحديثان على مدح الصدق والبر في التجارة دل غيرهما على ذم ضد ذلك، فقد أخرج الترمذي عن رفاعة بن رافع: أنه خرح مع النبي ﷺ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: (يا معشر التجار- فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم، فقال- إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق (٢)). قال: حديث حسن صحيح.
فائدة: أخرج البزار عن سلمان الفارسي: أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته (٣)). وهذا الحديث يفيد أن السوق مؤنثة، وفي المصباح ما نصه: والسوق يذكر ويؤنث، وقال أبو إسحاق: والسوق التي يباع فيها مؤنثة وهي أفصح وأصح، وتصغيرها سويقة، وقال في القاموس: والسوق معروفة ويذكر. انتهى. وقال عبد الباقي: ومن إطلاق البيع على الشراء خبر: (إلا يبع أحدكم على بيع أخيه (٤))؛ أي لا يشتر على شرائه؛ لأن النهي إنما وقع على المشتري، كما يدل عليه لفظ: أحدكم وأخيه، لا على البائع. انتهى. وما ذكر من إطلاق البيع على الشراء في الحديث هو الذي نقله الباجي عن ابن حبيب وأبي عبيد قائلا: ليس للحديث وجه غير هذا عندي؛ لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المعروف أن يزيد المشتري على المشتري. قال الباجي: وعندي أنه يحمل اللفظ على ظاهره، فيمنع البائع أيضا من أن يبيع على بيع أخيه إذا كان قد ركن المشتري إليه، ووافقه في ثمن سلعته، ولم يبق إلا إتمام العقد، فيأتي من يصرفه عن ذلك بأن يعرض عليه على غير وجه الإرخاص عليه، وإنما حمل ابن حبيب على ما قاله لأن الإرخاص مستحب مشروع، فإذا أتى من يبيع بأرخص من بيع الأول فلا منع في ذلك عنده. والله أعلم. ولا فرق بين المسلم والذمي، ولفظ الأخ في الحديث خرج مخرح الغالب قاله ابن حجر. وقول عبد الباقي: كما يدل عليه لفظ، أحدكم وأخيه، لا دلالة في
стр. 5038
لفظ أحدكم ولا في لفظ أخيه على أن البيع في الحديث بمعنى الشراء، ورجح الرهوني كون البيع بمعنى الاشتراء في الحديث بوجوه، منها: ما وقع من الزيادة في حديث ابن عمر، فقد أخرجه النسائي بلفظ: قال رسول الله ﷺ : لا يبع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر. وأخرجه الدارقطني كذلك، وزاد إلا الغنائم والمواريث فدل: حتى يبتاع أو يذر، على أن معنى لا يبع لا يشتر، وكذا إلا الغنائم والمواريث كما يظهر بأدنى تأمل. وَمِنْهَا: أنه جزم بذلك غير واحد من الأئمة مع كونه مرويا عن الإمام في الموطإ. ومنها: أن حمل البيع على ظاهره يحتاج معه إلى التقييد بأن لا يقصد بذلك الإرخاص، وإلا فلا نهي، بل هو إذ ذاك مستحب، وما لا يحتاج إلى تقييد أولى مما يحتاج إلى تقييد. ثم قال: فتحصل أن ما جزم به الحطاب ومن تبعه هو الراجح. انتهى. قال عبد الباقي وغيره: وحكمة مشروعيته التوصل إلى ما في يد الغير على وجه الرضا، وذلك يفضي إلى عدم المنازعة والمقاتلة والسرقة والخيانة والحيل المكروهة. وقال الحطاب: يقال: باع الشيء يبوعه بوعا إذا قاسه بالباع وهو قدر مد اليدين. قاله في الصحاح: وهذا واوي العين، والبيع ياءي العين، وأبعت الشيء عرضته للبيع، ويقال: بايعته من البيع والبيعة، والبيع يطلق على الإخراج والإدخال، وكذلك الشراء وخبر: لا يبع أحدكم على بيع أخيه. أي لا يشتر على شرائه. انتهى. وقد مر تفسير البيع لغة، وأما معناه شرعا فقال ابن عرفة: البيع الأعم عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، فتخرج الإجارة والكراء والنكاح، وتدخل هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم، والغالب عرفا أخص منه بزيادة: ذو مكايسة، أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة، معين فيه غير العين، فتخرج الأربعة. انتهى بلفظه. قاله الشيخ أبو علي. قوله: بزيادة أي إذا أردت تعريف الأخص فقل فيه ما قيل في الأعم، وتزيد ما ذكره من قوله: ذو مكايسة، بأن تقول: البيع الأخص عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة، ذو مكايسة أحد عوضيه لخ، وحاصل ما لابن عرفة: أن البيع في الشرع يطلق على معنى أعم ومعنى أخص، والأخص أكثر استعمالا من الأعم عند أهل الشرع، وقوله: عقد معاوضة، خرج به نحو الهبة والصدقة، وقوله: على غير منافع، أخرج به ما ذكره في نفس حده، وتدخل فيه الأربعة المذكورة
стр. 5039
في الحد نفسه، كما بينه هو بنفسه، وتدخل المبادلة والإقالة والتولية والشركة في المشتري، والقسمة على القول بأنها بيع، والشركة في الأموال والأخذ بالشفعة، وأما الشفعة فاستحقاق، ويدخل التصيير، وقوله: معين فيه غير العين، هو نعت للفظ عقد، وضمير: فيه، عائد على عقد؛ وقوله: غير العين، هو نائب عن الفاعل لمعين، وفيه، متعلق بمعين؛ وقوله: ولا متعة لذة، هو من إضافة الأعم إلى الأخص؛ إذ التمتع يكون بالجاه مثلا، وبالأكل فهو يكون بالمحسوس وبالمعنوي، ولا كذلك التلذذ إذ إنما يكون بالمحسوس؛ وقوله: معين فيه غير العين، معناه أن البيع إذا وجد في عقدته عين، وغير عين أو لم يكن في عقدته إلا غير العين، فإن غير العين في الصورتين يكون معينا شخصيا لا كليا، كما إذا باع ثوبا بعينه بدراهم فالثوب معين وهو غير العين، وكذا بغل بعينه بثوب بعينه؛ إذ يصدق عليهما غير العين في الصورتين، ولو كان هذا الغير غائبا فإنه معين أيضا، كما إذا اشترى بدراهم عبدا غائبا، فإن لم يكن هذا الغير معينا، كما لو باع دراهم بعرض في الذمة: أو باع عرضا معينا بعرض في الذمة، فالعقدة سَلَمٌ في الصورتين، وظاهر كلامه أن العين إذا عينت كقوله لغيره: أشتري بهذه الدراهم الحاضرة المعينة منك عبدك الفلاني، فذلك بيع؛ لأن الدراهم لا تتعين بدليل قولها: لو كان رأس المال عرضا يكال أو يوزن أو يعد أو طعاما أسلم في عرض، فأقاله لم يكن لك إلا ذلك بعينه؛ لأن ذلك يباع لعينه، والدراهم لا تباع لعينها، فإن أسلمت إليه دراهم في طعام أو غيره، ثم أقالك بعد التفرق ودراهمك في يده، فأراد أن يعطيك غيرها مثلها فذلك له وإن كرهت، اشترطت استرجاعها بعينها أم لا. انتهى. انظر شرح الشيخ أبي علي. وقوله: غير العين: المراد بالعين في كلام ابن عرفة المسكوك من الدنانير والدراهم إذ ذاك هو العين عند هذا الشيخ كما في الرصَّاع، وعلى ما لابن عرفة يكون من دفع ثوبا في معلوم قدرٍ ذهبٍ أو فضةٍ لأجَلٍ؛ عقدته عقدة سلم، بخلاف ما لودفعه في دنانير لأجل فإن ذلك بيع لا سلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر أن هذا فرق من جهة الاصطلاح فقط، لا من جهة ما يترتب من الأحكام، كما يفيد ذلك الرهوني. والله سبحانه أعلم. وقوله: ذو مكايسة، يخرح الهبة للثواب إذ الكايسة هي المغالبة، وهي يقضى فيها على الواهب بقبول ما يباع به الموهوب وإن لم يرض، فلا مغالبة، ويخرج الصرف والمراطلة بقوله: أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة، وكذا المبادلة،
стр. 5040
ويخرج السلم بقوله: معين فيه غير العين، ويرد على حد ابن عرفة الإقالة بزيادة أو نقص؛ أي لقوله: إن الإقالة تدخل في الأعم، ثم عرف الأخص بعد ذلك. انظر الحطاب. ولم يعرف المؤلف البيع بل أشار إلى ما ينعقد به بقوله:
ينعقد البيع بما يدل على الرضى؛ يعني أن البيع ينعقد أي يحصل وتوجد حقيقته بسبب ما يدل على رضي المتبايعين من قول من الجانبين، أو قول من أحدهما وفعل من الآخر، أو فعل منهما كما بالغ عليه بقوله: وإن بمعاطاة أي ينعقد بما يدل على الرضى وإن حصل الرضا بمعاطاة من الجانبين. قال عبد الباقي مفسرا للمص: ينعقد أي يحصل البيع؛ إذ هو عقد معاوضة كما مر، فلا معنى لانعقاد العقد، ولا يفسر بيصح أو يلزم لأنه قد يحصل البيع أي العقد المذكور ولا يصح ولا يلزم، ولا يفسر أيضا بيوجد عقده لما فيه من إضافة الشيء إلى نفسه، وأشار المص إلى أن أركانه ثلاثة العاقد، ويشمل البائع والمشتري. والمعقود عليه: ويشمل الثمن والمثمن. والصيغة: وبدأ بها لقصر الكلام عليها فقال: بما يدل على الرضا، من العاقدين قولا من الجانبين أو فعلا منهما أو من أحدهما، وبالغ بقوله: وإن بمعاطاة، المقتضية للفعل من الجانبين لأنها هي محل الخلاف بيننا وبين الشافعية، ويفهم منه حكمه من أحدهما، وسيصرح به بقوله "وبابتعت وبعتك ويرضى الآخر فيهما" وقوله: وإن بمعاطاة، خلافا لقول الشافعي: لا بد من القول مطلقا، ولأبي حنيفة في غير المحقورات، واختاره النووي، واستحسنه ابن عمار المالكي. وقوله: وإن بمعاطاة، الباء للسببية؛ أي وإن حصل الرضا بسبب معاطاة أو وإن كانت الدلالة على الرضا بمعاطاة. قال الأجهوري تبعا للحطاب: بيع المعاطاة العاري عن اللفظ من الجانبين يتوقف اللزوم فيه على قبض الثمن والثمن، وأما أصل وجود العقد فلا يتوقف على ذلك. انتهى. وذكره غيرهما. نقله الشيخ أبو علي. وقال بعد كلام:
وحَاصِلُ ما تقدم إن كان عرف عمل عليه، وإن لم يكن عرف وحصل التقابض من الجانبين فلا إشكال في اللزوم، وإن حصل من أحد البائعين إعطاء والآخر لم يعط فمن لم يعط فلا إشكال في
стр. 5041
عدم البيع من ناحيته فضلا عن لزومه، والمعطي الظاهر لزوم البيع من ناحيته لأن إعطاءه بمنزلة قول أحد المتبايعين: بعتك، وهذا هو الظاهر من كلام الشاطبي. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن حصل قبض في أحد العوضين فقط فالبيع صحيح، وإلا كان أكله فيه غير حلال ولكن لا يلزم، فمن أخذ ما علم ثمنه كرغيف ولم يدفع الثمن، فله رده وله أخذ بدله بعد قبضه وقبل دفع الثمن، وليس فيه بيع طعام بطعام لما علمت أنها منحلة قبل القبض من الجانبين. انتهى.
قوله: فالبيع صحيح لخ، قال بناني: محل الصحة حيث وجد من الآخر ما يدل على الرضا، وإلا لم ينعقد البيع بينهما، وأكله غير حلال. ابن عرفة: بياعات زماننا في الأسواق إنما هي بالمعاطاة، فهي منحلة قبل قبض المبيع، ولا يعقدونها بالإيجاب والقبول اللفظيين، وقول المص: ينعقد البيع، أراد به المعنى الأعم بدليل ذكره فيه الصرف والمراطلة والإشارة كالنطق، كانت من غير أخرس أو من أخرس إلا أن يكون أعمى فتمنع معاملته لتعذر الإشارة منه. قاله عبد الباقي عن القرافي. قال بناني: إنما تتعذر من الأعمى الأصم كما في الوثائق المجموعة، فيقيد كلام القرافي بكون الأخرس الأعمى أصم قال عبد الباقي:
فروع: الأول: يجوز لشخص شراء سلعة لا يعلم صحة ملك بائعها ولا عدمه، فإن استحقت رجع بثمنها، وأما ما علم صحة ملك بائعها فيجوز شراؤها بالأولى، ولكن إن استحقت من مبتاعها لم يرجع بثمنها كما يذكره المص، وأفي ما علم عدم صحة ملك بائعها فلا يجوز شراؤها، ولكن له الرجوع بالثمن إذا استحقت من يده، نظرا لسبق ظلم البائع بيعه (١) ما ليس في ملكه، فهو أحق بالحمل عليه، ولم ينظر لعلم المشتري بعدم ملك البائع لتأخره عن البائع، قوله: ولكن إن استحقت من مبتاعها لخ، قال بناني: هذا على ما فيه من الخلاف كما يأتي مقيد بما إذا لم تتضمن الوثيقة عهدة الإسلام في درك العيب والاستحقاق، وإلا ارتفع الخلاف وثبت الرجوع. قاله ابن الهندي. انتهى.
стр. 5042
الثاني: لشخص أيضا أن يشتري وقت السعة قوت سنة أو أكثر لا بوقت الضيق، فإنما يشتري ما لا يضيق على غيره كقوت شهر أو أيام، فإن اشترى ما يضيق أو اشترى كثيرا وقت السعة، تم حصل للناس ضرر، وجب عليه بيع ما زاد على قوته وقوت من تلزمه نفقته إن خيف بحبسه إتلاف المهج باتفاق الباجي والقرطبي وابن رشد، فإن مسّت الحاجة ولم يكن الخوف المذكور بل دونه وجب عند ابن رشد، وقال الباجي: لا، واتفق على جواز احتكار غير الطعام كصوف وكتان حيث لا ضرر على الناس في احتكاره، وفي الطعام خلاف، قوله: وجب عليه بيع ما زاد على قوته لخ، أما من اشترى ما يضيق على الناس فإنه يؤخذ منه بالسعر الذي اشتراه به، وأما من اشتراه وقت السعة فإنه يؤخذ بسعر وقته، كما في الحطاب عن القرطبي. وقوله: وفي الطعام خلاف: قال المازري: قال ابن القاسم وابن وهب: سئل مالك عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء؟ قال: ما سمعت فيه بنهي، ولا أرى بأسا أن يحبس إذا شاء، ويبيع إذا شاء، ويخرجه إلى بلد آخر. وقال ابن العربي في العارضة: إذا كثر الجالبون للطعام وكانوا إن لم يشتر منهم ردوه كانت الحكرة مستحبة. انتهى. ونحوه للخمي. قاله بناني. وقال الرهوني: قوله: يجوز لشخص أيضا أن يشتري قوت سنة، يدل عليه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من فعله ﵊. وقوله: وفي الطعام خلاف، يقتضي أن الخلاف لم يعتمد منه شيء وليس كذلك، بل الجواز هو المشهور ومذهب المدونة، ثم نقل عن ابن رشد: أنه لا خلاف أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة في وقت يضر احتكاره بالناس. وأما في وقت لا يضر احتكارها فيه بالناس ففيه أربعة أقوال.
أحَدُهَا: إجازة احتكارها كلها: القمح والشعير وسائر الأطعمة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثاني: المنع من احتكارها جملة من غير تفصيل، للآثار الواردة في ذلك عن النبي ﷺ : لا يحتكر إلا خاطئ، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون. والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير، وهو دليل رواية أشهب عن مالك في رسم البيوع الأول من
стр. 5043
كتاب جامع البيوع. والرَّابعُ: المنع من احتكارها ما عدا الأدم والفواكه والسمن والعسل والتين والزبيب وشبه ذلك. وقال مالك فيمن احتكر في وقت يضر بالناس: اشترك فيه أهل السوق بالثمن الذي اشتراه به، وإن لم يعلم سعره فبسعره يوم اشتراه، وأرى إذا طال أمد ذلك أن يمضي ولا يرد. انتهى. وهو أتم مما مر عن بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الرهوني: وهذا التفصيل مبني على المشهور، وأما على القول بالمنع مطلقا فإنه يباع عليه بالثمن الذي اشتراه به مطلقا. وفي سماع ابن القاسم: إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام فلا بأس أن يأمر الإمام أهل الطعام بإخراجه للناس. ابن رشد: مثله في الموازية، وهوأمر لا أعلم فيه خلافا؛ لأن هذا وشبهه مما يجب الحكم فيه للعامة على الخاصة، كالنهي عن بيع حاضر لباد، وتلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق. الباجي: من معه طعام زراعة وجلبه لم يمنع من احتكاره كان في ذلك ضرورة أو غيرها، قال محمد عن مالك: يبيع هذا متى شاء ويمسك متى شاء ولو بالمدينة، وأما من صار إليه طعام بابتياع في وقت سعة ورخاء ثم لحق الناس شدة، قال محمد: قيل لمالك: إن كان الغلاء الشديد وعند الناس طعام مخزون يباع عليهم؟ قال: ما سمعته، وقال في موضع آخر: لا بأس أن يأمر الإمام بإخراجه إلى السوق. ابن عرفة: ظاهر العتبية وقول ابن رشد: أنه إذا وقعت الشدة أمر أهل الطعام بإخراجه مطلقا كان زراعة أو غيرها، خلاف ما نقله الباجي. وقال الرهوني: المتعين عندي في فهم ما نقله الباجي وابن يونس عن الموازية وسلماه أن ذلك حيث لا يؤدي عدم إخراجه إلى هلاك النفوس، وإلا فيتعين إخراج ذلك، وقد جزم القرطبي بذلك في الطعام المجلوب، ونقله مقتصرا عليه كأنه المذهب، ولم يحك فيه خلافا. فتأمله بإنصاف. والله أعلم. وإذا اشترى ليبيع في الحين فليس باحتكاره وإنما ذلك إذا اشتراه ليدخره رجاء الزيادة. واعلم أن دخول السوق لا يزري بأهل الهيئات ولا يحط من مرتبتهم، فقد كان عمر ﵁ يدخل السوق ويكفي في هذا من الحجة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ردا لقول المشركين ﴿﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
стр. 5044
الفَرْعُ الثَّالِثُ من فروع عبد الباقي: لا يقبل البيع تعليقا إلا في مسألة، وهي من اشترى شيئا عرضا أو حيوانا أو عقارا كما في الناصر اللقاني وطلب البائع الإقالة، فقال له المشتري: أخاف أن تبيعه لغيري، فقال: إن أو إذا بعته لغيرك فهو لك بالثمن الأول أو بالذي أبيعه به فأقاله المشتري، فإذا باعه البائع لغيره فهو له إن باعه بالقرب كيوم ونحوه قياسا على القرب في بيع الثنيا، كذا استظهره علي الأجهوري، وفي نقل الشيخ سالم عن الناصر اللقاني أن القرب أن يبيعها في زمن فيه التهمة، والبعد أن يبيعها بزمان تنقطع فيه التهمة، لا إن بعد هذا إن أتى بإذا أو إن كما قررنا، فإن أتى بمتى فله أخذه إن شاء ولو بعد إن باعه بالثمن الأول، وكذا بغيره إن علمه المقيل لا قبل علمه به ليلا يلزم جهل الثمن.
ومسائل التعليق ثلاث: الأولى تعليق البيع وهذا لا ينعقد به إلا في المسألة السابقة، وكذا لا ينعقد به النكاح. قال علي الأجهوري:
لا يقبل التعليق بيع ونكاح … فلا يصح بعت ذا إن جا فلاح
أي أن ذلك ليس بعقد لا حالا ولا مئالا. الثَّانِيَةُ: تعليق لزومه كأبيعك بشرط أن لا ينعقد، صوابه: أن لا يلزم البيع إلا بدفع الثمن، وهذه جائزة معمول بها كما لأبي الحسن على المدونة. الثَّالثَة: أن ينعقد البيع بينهما، ثم يقول البائع: إن لم تأت بالثمن لوقت كذا فلا بيع بيننا، فهذا يبطل الشرط ويجوز البيع كما يأتي للمص في قوله: أو إن لم تأت بالثمن لكذا فلا بيع. انتهى. قوله: إلا في مسألة وهي من اشترى لخ: هذا الذي ذكره من جواز الإقالة على شرط إن باعه للغير فهو للمقيل بالثمن هو قول مالك في سماع أشهب: وقال ابن رشد: الذي يوجبه القياس والنظر عندي أنه لا فرق في هذا بين الإقالة والبيع. وأنه إذا أقاله أو باعه على أنه متى باعه من غيره فهو أحق به أن ذلك لا يجوز؛ لأن فيلا إبطالا لحق المشتري وظلما له في أن يأخذ منه في ابتاعه دون حق. انتهى. وصرح البرزلي نقلا عن المازري بأن هذا هو المشهور؛ لأن الإقالة بيع والشرط المذكور يفسد البيع لما فيه من التحجير، فإن نزلت فسخت الإقالة ما لم تفت. نقله الحطاب عند قول المص الآتي: والإقالة بيع لخ، وقول الزرقاني: وفي نقل الشيخ سالم لخ: ما
стр. 5045
ذكره هو الذي في المتيطى إذ قال: والمراد بالطول ما تنقطع فيه التهمة عن البائع ويظهر منه حدوث رغبة في البيع. انتهى. فما استظهره علي الأجهوري من خلافه لا يعتد به.
وببعني فيقولَ بعت، هذا داخل في حيز المبالغة؛ يعني أن البيع ينعقد بما يدل على رضي المتبايعين وإن حصل ذلك بقول المشتري للبائع: بعني سلعتك هذه، فيقول البائع: بعتكها أو نحوه مما يدل على الرضا، فالبيع يصح بتقديم القبول على الإيجاب، كقول المص: وببعني فيقول بعت، خلافا للشافعي، فهو معطوف على قوله بمعاطاة، وظاهره لزوم المشتري الشراء ولو قال: لا أرضى. قال عبد الباقي: وهو قول مالك في كتاب محمد، وقول ابن القاسم وعيسى بن دينار، واختاره ابن المواز، لكنه خلاف قول ابن القاسم في المدونة: إنه إنما يلزمه الشراء إن استمر على الرضا به أو خالف ولم يحلف، فإن حلف لم يلزمه، فتساوي هذه المسألة مسألة التسوق الآتية، بل الحلف في هذه أولى من الآتية؛ لأن دلالة المضارع في الآتية على البيع والشراء أقوى من دلالة الأمر في هذه عليه، ومثل قوله: بعني لخ، قول البائع اشتر مني سلعة كذا أو خذها، فيقول: اشتريت، فلو قال: وكبعني، لشمل ذلك، ويجاب بأنه تبع لفظ المدونة في قوله: بعني، فقط لا فيه وفي قوله: بعت؛ لأن الذي فيها فيفعل وهو شامل للفظ بعت وغيره. انتهى. قوله ولكنه خلاف قول ابن القاسم في المدونة لخ، من المعلوم أن قول ابن القاسم في المدونة مقدم على قوله في غيرها وعلى قول غيره في غيرها، لكن لما كان ابن القاسم في المدونة استند في هذه المسألة للقياس على مسألة التسوق وكان قياسه مطعونا فيه اعتمد المص البحث فيه فجزم باللزوم ولو رجع المشتري وحلف وهو المعتمد، وقول الزرقاني: بل الحلف فيه أولى من الآتية لخ، فيه نظر، فإن دلالة الأمر على الرضا أقوى من دلالة المضارع عليه؛ لأن صيغة الأمر تدل على الإيجاب، كما في أبي الحسن وغيره، ويفيده كلام التوضيح وابن عرفة وغيرهما، فهو يدل عليه عوفا وإن كان في أصل اللغة يحتمل. انظر الحطاب. قاله بناني. وقوله: فيقول، هو بالنصب؛ وقوله، وببعني لخ.