← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

عدم البيع من ناحيته فضلا عن لزومه، والمعطي الظاهر لزوم البيع من ناحيته لأن إعطاءه بمنزلة قول أحد المتبايعين: بعتك، وهذا هو الظاهر من كلام الشاطبي. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن حصل قبض في أحد العوضين فقط فالبيع صحيح، وإلا كان أكله فيه غير حلال ولكن لا يلزم، فمن أخذ ما علم ثمنه كرغيف ولم يدفع الثمن، فله رده وله أخذ بدله بعد قبضه وقبل دفع الثمن، وليس فيه بيع طعام بطعام لما علمت أنها منحلة قبل القبض من الجانبين. انتهى. قوله: فالبيع صحيح لخ، قال بناني: محل الصحة حيث وجد من الآخر ما يدل على الرضا، وإلا لم ينعقد البيع بينهما، وأكله غير حلال. ابن عرفة: بياعات زماننا في الأسواق إنما هي بالمعاطاة، فهي منحلة قبل قبض المبيع، ولا يعقدونها بالإيجاب والقبول اللفظيين، وقول المص: ينعقد البيع، أراد به المعنى الأعم بدليل ذكره فيه الصرف والمراطلة والإشارة كالنطق، كانت من غير أخرس أو من أخرس إلا أن يكون أعمى فتمنع معاملته لتعذر الإشارة منه. قاله عبد الباقي عن القرافي. قال بناني: إنما تتعذر من الأعمى الأصم كما في الوثائق المجموعة، فيقيد كلام القرافي بكون الأخرس الأعمى أصم قال عبد الباقي: فروع: الأول: يجوز لشخص شراء سلعة لا يعلم صحة ملك بائعها ولا عدمه، فإن استحقت رجع بثمنها، وأما ما علم صحة ملك بائعها فيجوز شراؤها بالأولى، ولكن إن استحقت من مبتاعها لم يرجع بثمنها كما يذكره المص، وأفي ما علم عدم صحة ملك بائعها فلا يجوز شراؤها، ولكن له الرجوع بالثمن إذا استحقت من يده، نظرا لسبق ظلم البائع بيعه (١) ما ليس في ملكه، فهو أحق بالحمل عليه، ولم ينظر لعلم المشتري بعدم ملك البائع لتأخره عن البائع، قوله: ولكن إن استحقت من مبتاعها لخ، قال بناني: هذا على ما فيه من الخلاف كما يأتي مقيد بما إذا لم تتضمن الوثيقة عهدة الإسلام في درك العيب والاستحقاق، وإلا ارتفع الخلاف وثبت الرجوع. قاله ابن الهندي. انتهى.

стр. 5042

الثاني: لشخص أيضا أن يشتري وقت السعة قوت سنة أو أكثر لا بوقت الضيق، فإنما يشتري ما لا يضيق على غيره كقوت شهر أو أيام، فإن اشترى ما يضيق أو اشترى كثيرا وقت السعة، تم حصل للناس ضرر، وجب عليه بيع ما زاد على قوته وقوت من تلزمه نفقته إن خيف بحبسه إتلاف المهج باتفاق الباجي والقرطبي وابن رشد، فإن مسّت الحاجة ولم يكن الخوف المذكور بل دونه وجب عند ابن رشد، وقال الباجي: لا، واتفق على جواز احتكار غير الطعام كصوف وكتان حيث لا ضرر على الناس في احتكاره، وفي الطعام خلاف، قوله: وجب عليه بيع ما زاد على قوته لخ، أما من اشترى ما يضيق على الناس فإنه يؤخذ منه بالسعر الذي اشتراه به، وأما من اشتراه وقت السعة فإنه يؤخذ بسعر وقته، كما في الحطاب عن القرطبي. وقوله: وفي الطعام خلاف: قال المازري: قال ابن القاسم وابن وهب: سئل مالك عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء؟ قال: ما سمعت فيه بنهي، ولا أرى بأسا أن يحبس إذا شاء، ويبيع إذا شاء، ويخرجه إلى بلد آخر. وقال ابن العربي في العارضة: إذا كثر الجالبون للطعام وكانوا إن لم يشتر منهم ردوه كانت الحكرة مستحبة. انتهى. ونحوه للخمي. قاله بناني. وقال الرهوني: قوله: يجوز لشخص أيضا أن يشتري قوت سنة، يدل عليه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من فعله ﵊. وقوله: وفي الطعام خلاف، يقتضي أن الخلاف لم يعتمد منه شيء وليس كذلك، بل الجواز هو المشهور ومذهب المدونة، ثم نقل عن ابن رشد: أنه لا خلاف أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة في وقت يضر احتكاره بالناس. وأما في وقت لا يضر احتكارها فيه بالناس ففيه أربعة أقوال. أحَدُهَا: إجازة احتكارها كلها: القمح والشعير وسائر الأطعمة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة. والثاني: المنع من احتكارها جملة من غير تفصيل، للآثار الواردة في ذلك عن النبي ﷺ : لا يحتكر إلا خاطئ، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون. والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير، وهو دليل رواية أشهب عن مالك في رسم البيوع الأول من

стр. 5043

كتاب جامع البيوع. والرَّابعُ: المنع من احتكارها ما عدا الأدم والفواكه والسمن والعسل والتين والزبيب وشبه ذلك. وقال مالك فيمن احتكر في وقت يضر بالناس: اشترك فيه أهل السوق بالثمن الذي اشتراه به، وإن لم يعلم سعره فبسعره يوم اشتراه، وأرى إذا طال أمد ذلك أن يمضي ولا يرد. انتهى. وهو أتم مما مر عن بناني. والله سبحانه أعلم. وقال الرهوني: وهذا التفصيل مبني على المشهور، وأما على القول بالمنع مطلقا فإنه يباع عليه بالثمن الذي اشتراه به مطلقا. وفي سماع ابن القاسم: إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام فلا بأس أن يأمر الإمام أهل الطعام بإخراجه للناس. ابن رشد: مثله في الموازية، وهوأمر لا أعلم فيه خلافا؛ لأن هذا وشبهه مما يجب الحكم فيه للعامة على الخاصة، كالنهي عن بيع حاضر لباد، وتلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق. الباجي: من معه طعام زراعة وجلبه لم يمنع من احتكاره كان في ذلك ضرورة أو غيرها، قال محمد عن مالك: يبيع هذا متى شاء ويمسك متى شاء ولو بالمدينة، وأما من صار إليه طعام بابتياع في وقت سعة ورخاء ثم لحق الناس شدة، قال محمد: قيل لمالك: إن كان الغلاء الشديد وعند الناس طعام مخزون يباع عليهم؟ قال: ما سمعته، وقال في موضع آخر: لا بأس أن يأمر الإمام بإخراجه إلى السوق. ابن عرفة: ظاهر العتبية وقول ابن رشد: أنه إذا وقعت الشدة أمر أهل الطعام بإخراجه مطلقا كان زراعة أو غيرها، خلاف ما نقله الباجي. وقال الرهوني: المتعين عندي في فهم ما نقله الباجي وابن يونس عن الموازية وسلماه أن ذلك حيث لا يؤدي عدم إخراجه إلى هلاك النفوس، وإلا فيتعين إخراج ذلك، وقد جزم القرطبي بذلك في الطعام المجلوب، ونقله مقتصرا عليه كأنه المذهب، ولم يحك فيه خلافا. فتأمله بإنصاف. والله أعلم. وإذا اشترى ليبيع في الحين فليس باحتكاره وإنما ذلك إذا اشتراه ليدخره رجاء الزيادة. واعلم أن دخول السوق لا يزري بأهل الهيئات ولا يحط من مرتبتهم، فقد كان عمر ﵁ يدخل السوق ويكفي في هذا من الحجة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ردا لقول المشركين ﴿﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.

стр. 5044

الفَرْعُ الثَّالِثُ من فروع عبد الباقي: لا يقبل البيع تعليقا إلا في مسألة، وهي من اشترى شيئا عرضا أو حيوانا أو عقارا كما في الناصر اللقاني وطلب البائع الإقالة، فقال له المشتري: أخاف أن تبيعه لغيري، فقال: إن أو إذا بعته لغيرك فهو لك بالثمن الأول أو بالذي أبيعه به فأقاله المشتري، فإذا باعه البائع لغيره فهو له إن باعه بالقرب كيوم ونحوه قياسا على القرب في بيع الثنيا، كذا استظهره علي الأجهوري، وفي نقل الشيخ سالم عن الناصر اللقاني أن القرب أن يبيعها في زمن فيه التهمة، والبعد أن يبيعها بزمان تنقطع فيه التهمة، لا إن بعد هذا إن أتى بإذا أو إن كما قررنا، فإن أتى بمتى فله أخذه إن شاء ولو بعد إن باعه بالثمن الأول، وكذا بغيره إن علمه المقيل لا قبل علمه به ليلا يلزم جهل الثمن. ومسائل التعليق ثلاث: الأولى تعليق البيع وهذا لا ينعقد به إلا في المسألة السابقة، وكذا لا ينعقد به النكاح. قال علي الأجهوري: لا يقبل التعليق بيع ونكاح … فلا يصح بعت ذا إن جا فلاح أي أن ذلك ليس بعقد لا حالا ولا مئالا. الثَّانِيَةُ: تعليق لزومه كأبيعك بشرط أن لا ينعقد، صوابه: أن لا يلزم البيع إلا بدفع الثمن، وهذه جائزة معمول بها كما لأبي الحسن على المدونة. الثَّالثَة: أن ينعقد البيع بينهما، ثم يقول البائع: إن لم تأت بالثمن لوقت كذا فلا بيع بيننا، فهذا يبطل الشرط ويجوز البيع كما يأتي للمص في قوله: أو إن لم تأت بالثمن لكذا فلا بيع. انتهى. قوله: إلا في مسألة وهي من اشترى لخ: هذا الذي ذكره من جواز الإقالة على شرط إن باعه للغير فهو للمقيل بالثمن هو قول مالك في سماع أشهب: وقال ابن رشد: الذي يوجبه القياس والنظر عندي أنه لا فرق في هذا بين الإقالة والبيع. وأنه إذا أقاله أو باعه على أنه متى باعه من غيره فهو أحق به أن ذلك لا يجوز؛ لأن فيلا إبطالا لحق المشتري وظلما له في أن يأخذ منه في ابتاعه دون حق. انتهى. وصرح البرزلي نقلا عن المازري بأن هذا هو المشهور؛ لأن الإقالة بيع والشرط المذكور يفسد البيع لما فيه من التحجير، فإن نزلت فسخت الإقالة ما لم تفت. نقله الحطاب عند قول المص الآتي: والإقالة بيع لخ، وقول الزرقاني: وفي نقل الشيخ سالم لخ: ما

стр. 5045

ذكره هو الذي في المتيطى إذ قال: والمراد بالطول ما تنقطع فيه التهمة عن البائع ويظهر منه حدوث رغبة في البيع. انتهى. فما استظهره علي الأجهوري من خلافه لا يعتد به. وببعني فيقولَ بعت، هذا داخل في حيز المبالغة؛ يعني أن البيع ينعقد بما يدل على رضي المتبايعين وإن حصل ذلك بقول المشتري للبائع: بعني سلعتك هذه، فيقول البائع: بعتكها أو نحوه مما يدل على الرضا، فالبيع يصح بتقديم القبول على الإيجاب، كقول المص: وببعني فيقول بعت، خلافا للشافعي، فهو معطوف على قوله بمعاطاة، وظاهره لزوم المشتري الشراء ولو قال: لا أرضى. قال عبد الباقي: وهو قول مالك في كتاب محمد، وقول ابن القاسم وعيسى بن دينار، واختاره ابن المواز، لكنه خلاف قول ابن القاسم في المدونة: إنه إنما يلزمه الشراء إن استمر على الرضا به أو خالف ولم يحلف، فإن حلف لم يلزمه، فتساوي هذه المسألة مسألة التسوق الآتية، بل الحلف في هذه أولى من الآتية؛ لأن دلالة المضارع في الآتية على البيع والشراء أقوى من دلالة الأمر في هذه عليه، ومثل قوله: بعني لخ، قول البائع اشتر مني سلعة كذا أو خذها، فيقول: اشتريت، فلو قال: وكبعني، لشمل ذلك، ويجاب بأنه تبع لفظ المدونة في قوله: بعني، فقط لا فيه وفي قوله: بعت؛ لأن الذي فيها فيفعل وهو شامل للفظ بعت وغيره. انتهى. قوله ولكنه خلاف قول ابن القاسم في المدونة لخ، من المعلوم أن قول ابن القاسم في المدونة مقدم على قوله في غيرها وعلى قول غيره في غيرها، لكن لما كان ابن القاسم في المدونة استند في هذه المسألة للقياس على مسألة التسوق وكان قياسه مطعونا فيه اعتمد المص البحث فيه فجزم باللزوم ولو رجع المشتري وحلف وهو المعتمد، وقول الزرقاني: بل الحلف فيه أولى من الآتية لخ، فيه نظر، فإن دلالة الأمر على الرضا أقوى من دلالة المضارع عليه؛ لأن صيغة الأمر تدل على الإيجاب، كما في أبي الحسن وغيره، ويفيده كلام التوضيح وابن عرفة وغيرهما، فهو يدل عليه عوفا وإن كان في أصل اللغة يحتمل. انظر الحطاب. قاله بناني. وقوله: فيقول، هو بالنصب؛ وقوله، وببعني لخ.

стр. 5046

تنبيه: قال أبو علي: قال أبو حنيفة والشافعي: لا ينعقد حتى يقول المبتاع بعدُ: اشتريت، وقول المص: وببعني، البيع لازم ولو قال الطالب للبيع: لا أرضى، وهذا هو الذي رجحه الشيوخ كما في نقول الحطاب وغيره، ومثل بعني قول المالك للسلعة اشتر مني أو خذ مني، فإن البيع لازم كما نص على ذلك ابن رشد ونقله الحطاب. وبابتعت أو بعتك ويرضى الآخر فيهما. هذا أيضا داخل في حيز المبالغة؛ يعني أن البيع ينعقد بما يدل على الرضا، وإن كان ما يدل على الرضى قول المشتري: ابتعت هذه السلعة بكذا، ويرضى البائع بقول أو فعل أو إشارة، أو كان ما يدل على الرضا، قول البائع بعتك هذه السلعة، ويحصل من المشتري: ما يدل على رضاه من قول أو فعل أو إشارة؛ صرح بهذا الحطاب وأبو علي؛ أي بأن قوله: وبابتعت لخ: معطوف على ما في حيز المبالغة؛ قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: رد بالمبالغة في بعني وابتعت في يقوله بعض الشافعية: لا بد أن يتقدم ما يدل على الإيجاب على ما يدل على الرضا، وفي المعاطاة قول الشافعي وما قبل المبالغة في بعت على هذا حيث حصل القول والفعل من كل واحد منهما. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ أبو علي: وظاهر كلام المص أن البيع في هاتين الصورتين يلزم المتكلم أولا ولو قال للآخر بعد أن أجابه صاحبه بما يدل على الرضا: ما أردت الشراء أو ما أردت البيع وإنما كنت مازحا أوأردت اختبار ثمن السلعة أو نحو ذلك وهو كذلك. انتهى. والضمير في قوله: فيهما، راجع للمسألتين أي مسألة ابتعت ومسألة بعتك. قال الحطاب: وظاهر كلام المص أن البيع في هاتين الصورتين ينعقد ويلزم المتكلم أولا، ولو قال الآخر بعد أن أجابه صاحبه بما يدل على الرضا: ما أردت الشراء أو ما أردت البيع، وإنما كنت مازحا، أو أردت اختبار ثمن السلعة أو نحو ذلك، وهو كذلك على ما نقل ابن أبي زمنين في مقربه ومنتخبه عن ابن القاسم في هاتين المسألتين والمسألتين اللتين بعدهما الآتيتين في كلام المص، من التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي أو المضارع. انتهى. تنبيه: قال ابن عرفة: موجب لزوم البيع لأول المتعاقدين قرب قبول الآخر. ابن رشد: لو قال: أبيعك سلعتي بعشرة إن شئت، فلم يقل: أخذت، حتى انقضى المجلس لم يكن له شيء اتفاقا. وفي القبس: الإيجاب على الفور عند الشافعي؛ وقيل: يجوز اليسير من الزمان، وقيل: الكثير،

стр. 5047

ومقتضى الدليل جواز تأخيره لما لا يبطل كونه جوابا. نقله الرهوني. ونقل عن الحطاب: والذي تحصل عندي من كلام أهل المذهب أنه إذا أجابه في المجلس بما يقتضي الإمضاء والقبول من غير فاصل لزم البيع اتفاقا، وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض حتى لا يكون جوابه جوابا للكلام السابق، ولا يشترط أن لا يحصل بين الإيجاب والقبول فصل بكلام أجنبي عن العقد ولو كان يسيرا، كما يقوله الشافعية، وهذا التفصيل المذكور كله في بيع المساومة. وأما بيع المزايدة فقال الحطاب بعد كلام: فتحصل من كلام ابن رشد والمازري وابن عرفة في بيع المزايدة أن كل من زاد في السلعة فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته ويبيع بعده أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق أو يشترط ذلك، فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف، وفي مسألة الشرط في الأيام المشترطة وبعدها بقرب ذلك، على مذهب المدونة، فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه ولو كان العرف بخلافه. انتهى. قال الرهوني: وظاهر قوله: في مسألة الشرط في الأيام المشترطة لخ، سواء كانت الأيام قليلة أو كثيرة، والظاهر أنه يتعين أن تكون تلك الأيام مقدار الأيام التي يجوز أن تباع تلك السلعة إليها بخيار، وإلا كان البيع فاسدا. انتهى. وقال الحطاب: وتحصل أيضا أن بيع المزايدة يلزم كل من زاد في السلعة ولو زاد غيره خلافا للإبياني، وقد جرى العرف في مكة وكثير من البلاد على ما قال الإبياني، وظاهر ما تقدم عن ابن رشد أن لربها أن يلزمها كل من زاد ولو كان العرف بخلاف، وجرت العادة أيضا بمكة أن من رجع بعد الزيادة لا يلزمه شيء ما دام في المجلس وهذا والله أعلم مبني على القول بخيار المجلس، كما هو مذهب الشافعي. والله أعلم. وحلف وإلا لزم إن قال أبيعكها بكذا، هذه إحدى ثلاث مسائل يلزم صاحبها البيع إن لم يحلف فإن حلف لم يلزمه، ومعنى كلامه أن من قال لشخص: أبيعك سلعتي بكذا، فرضي المشتري، ثم قال البائع: لا أرضى، فإن البائع أي القائل: أبيعكها بكذا، يحلف أنه ما أراد البيع، فإن

стр. 5048

حلف لم يلزمه البيع، وإن لم يحلف لزمه البيع، ومحل الحلف حيث قال بعد رضي المشتري: لا أرضى، وأما لو قال قبل رضي المشتري: لا أرضى، فله الرد ولا يمين؛ وأما ما لابن رشد من أنه إذا رجع أحد المتبايعين عما أوجبه لصاحبه قبل أن يجيبه الآخر لم يفده رجوعه إذا أجابه صاحبه بعد بالقبول، فإنه في صيغة يلزم بها الإيجاب أو القبول كصيغة ماض، وما للمص هنا صيغة مضارع، فإن أتى أحدهما بصيغة فيض ورجع قبل رضي الآخر لم ينفعه رجوعه، كما إذا أتيا بصيغة ماض، ومحله أيضا إن لم تقم قرينة على البيع أو عدمه وإلا عمل عليها من غير حلف، وأشار للثانية بقوله: أو أنا أشتريها به؛ يعني أنه إذا قال: أنا أشتري سلعتك بكذا، فرضى الآخر، ثم قال: لا أرضى ولم أرد الشراء بقولي: أنا أشتريها بكذا، وإنما أردت الوعد مثلا، فإنه يحلف المشتري أي القائل أنا أشتريها به أنه لم يرد الشراء بما قال، فإن حلف لم يلزمه الشراء، وإن نكل لزمه، ومحل الحلف حيث قال بعد رضي البائع: لا أرضى. وأما لو قال قبل رضاه: لا أرضى فله الرد ولا يمين عليه، ومحله أيضا إن لم تقم قرينة على الشراء أو عدمه وإلا عمل عليها من غير حلف، مثال القرينة ما إذا أشهد قبل السوم أنه يريد كذا مثلا. والله أعلم. وأشار للثالثة بقوله: أو تسوق بها فقال: بكم؟ فقال: بمائة. فقال: أخذتها؛ يعني أنه إذا تسوق شخص بسلعة أي أوقفها في السوق المعد لها لبيعها كالإبل في رميل مصر، فقال له شخص: بكم؟ فقال: بمائة، فقال: أخذتها، فقال المتسوق: لا أرضى ولم أرد البيع بذلك، فإنه أي المتسوق يحلف أنه ما أراد البيع بذلك وإنما أراد الهزل أو اختبار ثمن سلعته مثلا، فإن حلف لم يلزمه البيع، وإن نكل لزمه، وقوله: وحلف وإلا لزم، هو في المسائل الثلاث كما عرفت، ويلزم البيع في المسائل الثلاث إن لم يحلف بلا رد يمين على الآخر لأنها يمين تهمة. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: ومعنى المسألة أن من أوقف سلعة في السوق للسوم فقال له شخص: بكم تبيعها؟ فقال صاحب السلعة: بمائة مثلا فقال المشتري: أخذتها بها، فقال صاحب السلعة: ما أردت البيع وإنما أردت اختبار ثمنها أو كنت لاعبا أو نحو ذلك. فإنه يحلف أنه في أراد إيجاب البيع، فإن حلف لم يلزمه البيع، وإن لم يحلف لزمه، وهذا قول مالك في كتاب الغرر من المدونة. قال فيها: يحلف

стр. 5049

بالله ما ساومه على إيجاب البيع، وما ساومه إلا على كذا للأمر الذي يذكره، فإذا حلف لم يلزمه البيع وإن لم يحلف لزمه، ولمالك أيضا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب البيوع: أن البيع يلزمه وليس له أن يأبى، وقال أبو بكر الأبهري: إن كان الذي سمى قدر قيمة السلعة أو كانت تباع بمثله لزمهما البيع، وإن كان لا يشبه أن يكون ذلك ثمنها حلف أنه لاعب ولم يلزمه. انتهى. وهذه الأقوال الثلاثة تجري في المسألتين اللتين قبل هذه أعني قوله: أبيعكها بكذا أو أنا أشتريها به، كما في الحطاب: وفاعل تسوق ضمير يعود على البائع، والضمير في بها يعود على السلعة، وفاعل قال الأول والثالث يعود على المشتري، وفاعل قال الثاني يعود على البائع، ولا بد من تقدير جملة بعد قوله: أخذتها، وهي فقال صاحبها: ما أردت البيع، ويدل على ذلك قوله: وحلف، وإلا لزم، وقد تقدم مثل ذلك في نظيرتها في تقرير المص. والله سبحانه أعلم. وقوله: أو تسوق بها لخ. اعلم أن المسائل ثلاث، إحداها: منطوق المص فيها ثلاثة أقوال كما عرفت، قال ابن عرفة: ومن قال لمن وقف سلعة لبيع: بكم هي؟ فقال: بكذا، فقال: أخذتها به، فقال: لا أرضى، ففي لزوم البيع واقفها ولغوه إن حلف ما ساومه على الإيجاب، ثالثها إن كان الثمن قيمتها أو ما تباع به وإلا فالثاني، لسماع القرينين (١) ولها، ولابن رشد عن الأبهري. الثانية: مفهوم قوله: أو تسوق بها، وهي ما لو وجد شخص آخر في غير السوق والسلعة معه فإنه يحلف ولا يلزمه البيع باتفاق. الثالثة: مسألة النخاس وهي قول مالك فيمن أتى بعض النخاسين الذين يبيعون الرقيق والدواب فيماكسه في الدابة إلى أن يقول النخاس: هي بكذا، فيقول السائم: أذهب أستشير فيها، فيقول: نعم، فيأتي فيرضاها، فيقول البائع: بدا لي أن الذي كان بيننا إنما كان مساومة أو قد زيد عليك فبعتها من غيرك: يلزم النخاس البيع. والنخاس هو الدلال، ومسألة النخاس هذه خارجة عن الخلاف، فالحاصل أن منطوق المص فيها ثلاثة أقوال، ومفهومه يحلف ولا يلزم البيع باتفاق، ومسألة النخاس البيع فينها لازم للنخاس باتفاق، وقوله: أو تسوق بها لخ.

стр. 5050

اعلم أنه إن قامت قرينة على البيع فيلزم البيع كما إذا حصل تماكس وتردد بينهما أو سكت مدة ولا يمين، وإن قامت قرينة على عدم إرادة البيع فالقول للبائع بلا يمين، وهذا التفصيل لا فرق فيه بين الموقفة في السوق وغيرها، وإنما الفرق بينهما فيما إذا لم تقم قرينة على إرادة البيع ولا عدمه، فالموقوفة للسوق فيها الأقوال الثلاثة، وغير الموقوفة في السوق متفق على أن صاحبها يحلف وإلا لزمه البيع، قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: ومسألة النخاس لزم فيها البيع باتفاق لما فيها من التراجع والمماكسة. انظر الحطاب. والله سبحانه أعلم. وقال عبد الباقي: وانظر هل من القرينة على عدم إرادة البيع في إذا ذكر البائع ثمنا قليا، فيما تكثر قيمته كمائة وهي تساوي مائتين؟ فقال المشتري: آخذها بالمائة، فلا يحلف البائع وهو الظاهر أم لا، وأشعر كلام المص أن البيع منحل من جانب البائع لا من جانب المشتري؛ قوله: هل من القرينة لخ، ليس من القرينة بدليل مقابلة ما للمص بقول الأبهري المتقدم. والله سبحانه أعلم. تنبيهات: الأول: قال البرزلي في نوازله: رجل قال في سلعته وقد عرضها: من أتاني بعشرة فهي له، فأتاه رجل بذلك إن سمع كلامه أو بلغه فهو لازم، وليس للبائع منعه، وإن لم يسمعه ولا بلغه فلا شيء له، ومثله في نوازل العيوب من العيار. قاله بناني. الثاني: مثل هذه المسائل أعني قوله: وحلف وإلا لزم لخ، ما إذا قال المشتري: أتبيع سلعتك بكذا؟ فقال البائع: نعم، أو بعتكها، فقال المشتري: ما أردت الشراء، فإنه يحلف المشتري وإلا لزم؛ وكذا لو قال السائم: أنا آخذها بكذا وكذا، فقال البائع قد بعتكها بذلك، فقال السائم: لا آخذها بذلك، فهي كقوله: أنا أشتريها به، فيجري فيها الخلاف المتقدم ذكره، والقول الذي مشى عليه المص في المسائل الثلاث هو قول مالك وابن القاسم في كتاب الغرر من المدونة، وهو مذهب ابن الاسم وطريق فُتْيَاهُ. والله أعلم. قاله الحطاب. واعْلَمْ أن قول بعضهم: إن مسألة النخاس يجري فيها الخلاف المذكور غير صحيح. الثالث: قال الحطاب تقدم أن معنى تسوق بها أوقفها في السوق، والظاهر أن المراد بالسوق سوق تلك السلعة، وأما سوق غيرها فحكمها حكم غير السوق. وكلام الباجي في المنتقى يدل على ذلك،

стр. 5051

يعني: فيتفق في الموقوفة في سوق غير سوقها على أنه يحلف وإلا لزم، ويختلف في الموقوفة في سوقها المعد لها. الرابع: قال الحطاب بعد جلب نقول: تحصل من هذا أن البائع إذا قال في مسألة السوم: لا أرضى لأني ما أردت البيع، يقبل قوله سواء تسوق بها أو لم يتسوق بها، وسواء قال: إنما أردت اختبار ثمن السلعة أو كنت لاعبا أو غير ذلك، ويحلف أنه ما أراد إلا ذلك، إلا أن يتبين صدق قوله بما تقدم من أن يكون أشهد قبل المساومة أنه إنما يريد كذا وكذا ولا يريد البيع، أو ما يدل على ذلك من قرائن الأحوال، وهذا إذا أنكر البيع مكانه من ساعته، وأما لو سكت بعد قول المشتري: أخذتها سكوتا يقتضي رضاه بالبيع، لم يقبل قوله، كما فهم ذلك من كلام ابن رشد؛ وكذلك إذا وقع بينه وبين المشتري تردد في المماكسة يقتضي رضاه بالبيع فيلزمه بلا خلاف، يعني كمسألة النخاس، وكذلك أيضا إذا وقع منه لفظ يقتضي الرضى بالبيع، كقوله: أذهب فأشتريها فإنه يلزمه كما تقدم عن ابن رشد، وكل هذا يجري أيضا في قول المشتري: أنا آخذها بكذا، أو أنا أشتريها بكذا، على ما اقتضاه كلام ابن رشد: ويجري أيضا في قول البائع إذ لا فرق بينهما؛ وكما يؤخذ من كلام ابن رشد. الخامس: ذكر ابن راشد في المذهب أنه لو أقر النادي السلعة على التاجر وشاور صاحبها فأمره بالبيع ثم زاد غيره عليه فهي للأول. قاله الابياني. انتهى. قلت: ما ذكر عن الابياني هو في مذهب (١) السماسرة له، وزاد فيها فقال: وسواء ترك السمسار الثوب عند التاجر أو كان في يده وجاء به إلى ربه، فقال له ربه: بعه، ثم زاده فيه تاجر آخر إنه للأول، قال: وأما لو قال رب الثوب لمن شاوره: اعمل فيها برأيك، فرجع السمسار ونوى أن يبيعه من التاجر فزاده فيه تاجر آخر فإنه يعمل برأيه ويقبل الزيادة إن شاء ولا يلزم البيع بالنية. قلت: وهذا إذا (٢) لم تحصل الزيادة إلا بعد مشاورة ربه وأمره السمسار بالبيع، وأما لو زاد فيه شخص قبل مشاورة رب

стр. 5052

السلعة فقد تقدم عن مالك من رواية ابن القاسم أنه يخبر رب السلعة بالزيادة وبمن زاد. قال ابن رشد: إنما استخف للرجل أن يزيد، وأجاز للوكيل أن يخبر رب السلعة بالزيادة، ولم ير ذلك من السوم على سوم أخيه؛ لأن النهي عن ذلك إنما هو مع الركون، وصاحب السلعة هنا غائب لا يعلم إن كان يميل إلى البيع بذلك الثمن أم لا. قاله الحطاب. وقال بعد هذا الكلام، وبعد نقول كثيرة، وبعد ما ذكرته عنه في بيع المزايدة عند قوله: وبابتعت لخ: هذا حكم بيع المزايدة، وأما بيع الرابحة وهو أن يذكر له ثمن السلعة وما ضربه عليه، ويقول المشتري: أربحك في كل عشر كذا وكذا، فإذا رضي رب السلعة بذلك فقد لزم المشتري شراؤها إذا كان ذلك في فور، بحيث يكون كلام أحدهما جوابا للآخر ولم يحصل منهما إعراض عما كانا فيه، وأما بيع الاستيمان والاسترسال وهو أن تقول: بعني كما تبيع الناس، فإذا أعطاه البائع مثل ما يبيع الناس فقد لزمه البيع وليس له رجوع. هذا ما ظهر لي في بيع المرابحة وبيع الاستيمان. والله أعلم. انتهى. وبيع المساومة قد مر الكلام عليه، وفي شرح عبد الباقي: ما معناه أن بيع المساومة إن أجاب أحدهما الآخر بما يقتضي الإمضاء والقبول في المجلس من غير فاصل لزم البيع اتفاقا، وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزم البيع قطعا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابا للكلام السابق في العرف فلا ينعقد البيع، وكذا يلزم في بيع المرابحة والمزايدة والاستيمان أي كبعني كما تبيع الناس مع الفور في الثلاثة كالأول، فإن أعرض البادي لم يلزم في الأربعة؛ يعني في غير ما يلزمه كصيغة الماضي، فإن انقضى المجلس لم يلزم فيها بيع إلا في بيع المزايدة، فللبائع أن يلزم السلعة لمن زاد حيث اشترط البائع ذلك أو جرى به عرف ولو بعد إمساكها حتى انقضى مجلس النداء أو ردها وباع بعدها أخرى، فإن لم يشترط ذلك ولا جرى به عرف لم يكن له ذلك. قال المازري: إنما نبهت على ذلك لأن بعض القضاة ألزم بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة بعد الافتراق مع أن عادتهم الافتراق على غير إيجاب اغترارا بظاهر ابن حبيب، فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم. ابن عرفة: والعادة عندنا أي بتونس وكذا عندنا بمصر عدم اللزوم، وهو واضح إن بعد ولم تكن السلعة بيد المبتاع، فإن كانت بيده فالأقرب اللزوم، كبيع الخيار بعد زمنه فيلزم فيه

стр. 5053

البيع من المبيع بيده، وعلى كلام المازري لو لم تكن عادة فالأقرب أن للبائع إلزام من زاد بعد التفرق ما لم يسترد السلعة ويشتغل ببيع أخرى ويمسكها حتى ينقضي مجلس النداء، واعلم أن له إلزام من زاد ولو زاد غيره بعده خلافا للابياني، وقد جرى العرف في مكة وكثير من البلاد على ما قال الابياني، فإن شرط المشتري أن لا يلتزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه ولو كان العرف بخلافه لتقديم الشرط عليه. انتهى. وشرط عاقده تمييز، قال الحطاب: والمعنى أنه يشترط في انعقاد البيع أن يكون عاقده مميزا، وإذا كان شرط عاقده التمييز فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء ولا شراؤه. انتهى. وقال بناني: الظاهر أن هذا شرط في وجود العقد لا في صحته، وأن المراد شرط وجود عقد عاقده لأن فقد التمييز يمنع انعقاد البيع بحيث لا توجد حقيقته لفقد ما يدل على الرضا حينئذ، لا صحته فقط مع وجود حقيقته. تأمل. انتهى. وقال أبو علي: الضمير المضاف إليه عاقد عائد على البيع المفهوم من السياق، والمراد بالعاقد البائع والمشتري، والمعنى أن شرط صحة عقد (١) عاقد البيع التمييز: فلا يصح من غير الميز كالصبي والمجنون والمغمى عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: والمميز من يفهم الخطاب ويرد الجواب. قاله ابن فرحون. أي إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه، لا أنه إذا دعي أجاب إذ هذه لا تكفي لشموله للبهيمة، ولا ينضبط التمييز بسن، ولا ينعقد من غير مميز لصغر أو جنون أو إغماء منهما أو من أحدهما عند ابن شاس وابن راشد والمص، ولابن عرفة: لا ينعقد من مجنون مع مثله، وأما مع من يلزمه عقده فينظر له السلطان بالأصلح في إتمامه وفسخه، لقولها من جن في أيام الخيار نظر له السلطان، ولسماع عيسى عن ابن القاسم: إن باع مريض ليس في عقله فله أو لوارثه إلزام المبتاع، ابن رشد: لأنه ليس بيعا فاسدا كبيع السكران، واعترض الحطاب دليله الأول بطروه بعد العقد؛ لأنه قياس مع وجود الفارق؛ إذ المقيس: الجنون فيه قبل العقد، والمقيس عليه: الجنون فيه طار بعد العقد، ولعل دليله الثاني فيمن عنده تمييز كالمعتوه. انتهى. قوله: ولا ينعقد من غير مميز لخ، هذا هو

стр. 5054

ظاهر المص تبعا لابن الحاجب وابن شاس، وتعقبه مصطفى قائلا: الذي لابن رشد والمازري وعياض وغيرهم صحة العقد ولو من غير مميز، قال: وهو الظاهر إذ لا موجب لفسخه تنرعا، والرواية كذلك، سمع عيسى ابن القاسم: إن باع مريض ليس في عقله فله ولورثته إلزامه المبتاع، ابن رشد: لأنه ليس بيعا فاسدا كبيع السكران عند من لا يلزمه بيعه، وقال المازري في العلم: شرط العاقد إطلاق اليد احترازا من المحجور كالصغير والمجنون والسفيه؛ فسوى بين هذه الثلاثة، ومراده شرط اللزوم، ثم نقل عن عياض ما يقتضي أن عقد المجنون والصغير ليس بفاسد شرعا، قال: واقتصر ابن عرفة على ما لهؤلاء معرضا عن كلام ابن الحاجب وابن شأس من غير تعرض له برد ولا بقبول، وَقَوْلُ الحطاب: الأولى أن يحمل كلام هؤلاء الشيوخ على من عنده شيء من التمييز كالمعتوه، وأما من ليس عنده شيء من التمييز فالظاهر أن بيعه غير منعقد؛ لأنه جاهل بما يبيعه ويشتريه. انتهى. فيه نظر: لأنه خلاف كلامهم. انتهى كلام مصطفى. قال بناني: بل في حمل عليه الحطاب كلامهم هو الصواب، ليوافق ما للمص ومتبوعيه، ويدل له تشبيه ابن رشد بالسكران المختلف فيه، ويأتي أن محل الخلاف عنده في السكران الذي عنده شيء من التمييز، ويشهد له أيضا قول القاضي عبد الوهاب في التلقين: وفساد البيع يكون لوجوه: منها ما يرجع إلى التعاقدين، مثل أن يكونا أو أحدهما ممن لا يصح عقده كالصغير والمجنون أو غير عالم بالبيع، وقول ابن بزيزة في شرحه: لم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز، وقول أبي عبد الله المقري في قواعده: إن العقد من غير المميز فاسد عند مالك وأبي حنيفة لتوقف انتقال الملك على الرضا لقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه (١)). ولا بد من رضي معتبر وهو مفقود من غير المميز. انتهى. وقول المقري في قواعده: إن العقد من غير المميز فاسد عند مالك لخ، نقله مصطفى نفسه، فهذه النصوص صريحة فيما قاله المص من البطلان، على أن ما نقله مصطفى عن المازري وابن رشد لا يدل على ما ادعاه. فتأمله. انتهى. وقوى الرهوني ما للمص غاية، وأبطل ما سواه غاية، بما يعلم بالوقوف عليه فراجعه إن شئت. والله سبحانه أعلم.

стр. 5055

تنبيه: أركان البيع ثلاثة وهي في الحقيقة خمسة، أحدها: الصيغة وهي ما يدل على الرضا، وقد مر الكلام عليها. والثاني والثالث: العاقد وهو البائع والمشتري. والرابع والخامس: المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، ولما كان البائع والمشتري من أركان البيع احتيج إلى بيانهما ليعلم البائع من المشتري، وكذلك الثمن والمثمن، فالمشتري هو دافع الدنانير أو الدراهم أو هما معا، والبائع هو دافع السلعة، والدنانير والدراهم هي المسماة بالثمن، والسلعة هي المسماة بالمثمون، قال في الطراز: المعقود علمه ثمن ومثمون، فالثمن الدنانير والدراهم وما عداهما مثمونات، فدافع المسكوك مشتر، ودافع غيره بائع، ويبقى النظر في بيع فرس بتوب مثلا حاضرين، ودفع دراهم في دينار، أو درهم في درهم، أو دينار في دينار، كما هو في باب الصرف والمبادلة وكالمراطلة، فمن هو صاحب الإيجاب والقبول؟ وما هو الثمن والمثمون؟ وفي الجزولي على الرسالة ما حاصله: أن كل واحد من المتعاوضين بائع لما خرج من يده، مشتر لما أخذه، واصطلح الفقهاء على أن آخذ العرض يسمى مشتريا، وآخذ العين يمسى بائعا. انتهى. ومراده بالعين المضروب من النقدين كما عند ابن عرفة. انتهى. قاله الشيخ أبو علي. إلا بسكر فتردد مستثنى من مفهوم ما قبله فكأنه قال: فلا ينعقد بيع غير المميز إلا أن يكون عدم تمييزه بسكر أدخله على نفسه، ففي عدم انعقاد بيعه تردد؛ أي طريقان، فطريق ابن شعبان وابن شأس وابن الحاجب أن المشهور عدم انعقاد بيعه، وطريق ابن رشد والباجي الاتفاق على عدم انعقاده؛ وبه تعلم أن المؤلف لو أسقط قوله إلا بسكر لخ، لكان أولى؛ لأن بيع غير المميز ليس بمنعقد، إما اتفاقا على ما للباجي وابن رشد، أو على المشهور على ما لابن شعبان ومن وافقه؛ ومحل التردد في السكران الطافح بحرام؛ قال ابن عرفة: والسكران بغير الخمر كالمجنون. انتهى. قلت: وهذا إذا شرب شيئا مباحا أو تداوى به ولم يعلم أنه يسكره، وأما إذا شربه وهو عالم بإسكاره فلا فرق بين الخمر وغيره. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ومحله فيمن سكر حراما ولو بحلال كلبن حامض يتحقق السكر منه، فإن سكر حلالا ولو بمحرم كشرب خمر يظنه غيره فكالمجنون المطبق، فلا يلزمه بيعه ولا يصح منه. انتهى.

стр. 5056

وعلم مما قررت أن الاستثناء من المفهوم، فالكلام في الطافح، ولا يصح جعل التردد في المنطوق بجعل الباء بمعنى مع؛ أي إلا أن يكون تمييزه مع سكر فتردد؛ لأنه متى كان عنده نوع من التمييز فلا خلاف في صحة بيعه، وإنما الخلاف في لزومه، والمعتمد عدمه، وكلام المص هنا في الصحة لا في اللزوم؛ لأنه سيذكره. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: وأما السكران المميز فلا خلاف في انعقاد بيعه، وإنما اختلف الطرق في لزومه، فحكى ابن رشد الخلاف، قال: وقول مالك وعامة أصحابه أنه لا يلزم، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، والخلاف الذي أشار إليه هو قول ابن رشد: السكران قسمان: سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة. فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس، إلا في ما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنه لا يسقط عنه، بخلاف المجنون من أجل أنه أدخل السكر عليه، فكأنه تعمد تركها، والثاني: السكران المختلط الذي معه بقية من عقله، فاختلف أهل العلم في أقواله وأفعاله على أربعة أقوال، أحدها: أنه كالمجنون فلا يحد ولا يقتص منه ولا يلزمه بيع ولا عتق ولا طلاق ولا شيء من الأشياء، وهو قول محمد بن عبد الحكم وأبي يوسف، واختاره الطحاوي. والثاني: كالصحيح لأن معه بقية من عقله، وهو قول ابن نافع: أنه يجوز عليه كل ما فعل من بيع وغيره، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. والثالث: يلزمه الأفعال ولا يلزمه الأقوال، فيقتل بمن قتله ويحد في الزنى والسرقة ولا يحد في القذف ولا يلزمه طلاق ولا عتق، وهو قول الليث والرابع: تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود، ولا تلزمه الإقرارات والعقود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب. انتهى. انظر الحطاب. وقوله: إلا بسكر فتردد، قد علمت أن المعتمد عدم الانعقاد لأن الكلام في الطافح ويحلف أنه ما عقل حين باع، ذكره ابن شعبان: ولا يقال: القول لمدعي العقل؛ لأنه مدعي الصحة؛ لأنا نقول مدعي عدم العقل معه سبب يستند إليه. قاله عبد الباقي. وقال: وإنما لم يصح بيع السكران أو لم يلزم كإقراره وسائر عقوده، بخلاف جناياته وعتقه وطلاقه وحدوده سدا للذريعة؛ لأنا لو فتحنا هذا الباب مع شدة حرص الناس على أخذ ما بيده وكثرة وقوع البيع منه لأدى إلى أنه لا

стр. 5057

يبقى له شيء، بخلاف طلاقه وقتله وإتلافه وعتقه وما يتعلق به حق لغيره، فيلزمه ذلك لأنا لو لم نلزمه ذلك لتساكر الناس ليتلفوا أموال غيرهم ويستبيحوا دماءهم وغيرها. انتهى. قوله: وإنما لم يصح بيع السكران أو لم يلزم؛ أي لم يصح في الطافح أو لم يلزم فيمن عنده نوع من التمييز، ولكنه صحيح في حقه، وقوله: كإقراره وسائر عقوده بخلاف جنايته لخ، ظاهره يقتضي أن هذا التفصيل في الطافح ومن عنده نوع من التمييز وليس كذلك، بل الطافح كالمجنون لا يؤخذ بشيء أصلا لا جنايات ولا غيرها، وإنما التفصيل فيمن عنده نوع من التمييز، قال ابن رشد في كتاب النكاح: سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فقيل: إنه لا يسقط، بخلاف المجنون. انظر حاشية الشيخ بناني. ولزومه تكليف، لما ذكر ما يشترط في انعقاد البيع، ذكر ما يشترط في لزوم البيع لعاقده؛ إذ لا يلزم من انعقاد البيع لزومه؛ يعني أنه يشترط في لزوم البيع أن يكون عاقده مكلفا، فلو باع المميز غير المكلف واشترى، انعقد بيعه وشراؤه، لكنه لا يلزم ولوليه النظر في إمضائه ورده بما يرى أنه الأصلح للصبي، وظاهر كلامه أن بيع السفيه البالغ والعبد البالغ الذي لم يؤذن له لازم لأنهم مكلفون، وليس كذلك، بل تصرفهم غير لازم، ولولي السفيه والسيد والغرماء النظر في ذلك، وتبع المص في هذه العبارة ابن الحاجب. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ولزومه تكليف في بيع متاع نفسه، وأما في بيع متاع غيره فوكالة، فلا يتوقف على التكليف، ويلزم بيعه من غير إذن موكله، لأن إذنه له أولا في البيع كاف، وفي كلامه حذف واوين مع معطوفيهما؛ أي ورشد وطوع، ويدل على الأول قوله في الحجر: وللولي رد تصرف مميز، وهو شامل للسفيه، قال أحمد: وقد اعتبر بعضهم القرينة ولو كانت بعد ذلك بكثير أي لأن الكتاب كالشيء الواحد، ويدل على الثاني قوله: لا إن أجبر عليه جبرا حراما، كما قال ابن غازي، ففي الكلام حذف لدليل، وفي شرح الشيخ أبي علي ما يفيد الجواب من المص بأن كلامه لا حصر فيه، إنما معناه أن التكليف شرط في اللزوم، وهل ثم شرط آخر أم لا؟ كقوله: شرط للصلاة طهارة حدث وخبث. انتهى. وفي كلام

стр. 5058

المص العطف على معمولي عامل واحد وهو سائغ. لا إن أجبر عليه جبرا حراما؛ يعني أن المكلف إنما يلزمه ما عقد على نفسه من البيع إذا كان طائعا، فأما إن أجبر على ذلك جبرا حراما فلا يلزمه، واحترز بالجبر الحرام من جبر القاضي المديان على البيع للغرماء فإنه يلزمه لأنه جبر شرعي، ويأتي للمصنف محترزه حيث قال: ومضى في جبر عامل، قال عبد الباقي مفسرا للمص: لا إن أجبر العاقد عليه أي على البيع، وكذا على سببه، وهو طلب مال ظلما، ولو لم يجبر على البيع على المذهب جبرا حراما، وهو طلب ما ليس بحق فيصح، ولا يلزم في الجبر على البيع إجماعا، ويعني بالجبر على البيع الجبر على إخراج السلعة من اليد بالبيع ولا يطلب منه مالا ولا في الجبر على سببه على المذهب لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ولخبر: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس (١)). وسواء كان الجبر لمسلم أو ذمي كضغطه فيما يتعدى (٢) عليه به في الجزية أو الخراج، علم المشتري بضغط البائع أم لا، مع إثم العالم بالجبر، وحرمة المسلم أشد، وسواء باع المضغوط بنفسه متاعه أو باعه قريبه أو غيره بإذنه، أما لو باع قريبه أو زوجته مال أنفسهما لتخليصه ولو من العذاب فليس ببيع مضغوط لاختيارهما في ذلك، فهو حسبة منهما، إلا الوالدين إذا عذب ولده ما فباعا أو أحدهما شيئا من متاعهما فإنه إكراه؛ لأن المولد إذا عذب بين يدي والديه أو علما بتعذيبه فكأنه إكراه للوالدين فلا حسبة، والله تعالى يقول: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قاله أبو الحسن. ولكن تقدم للمص أنه جعل قتل ولده إكراها للوالد لا تعذيبه، لكنه في الطلاق قد يفرق بقوة الاحتياط في الفروج، وسواء أيضا أخرج المضغوط للبيع مكبولا أو موكلا بة حارس، أو أخذ عليه حميل أو كان مسرحا دون كفيل، إلا أنه إن هرب خلفه (٣) الظالم إلى منزلة بالأخذ والمعرة في أهله؛ أي أو عزله من منصبه أو التزامه أو وظيفته، وسواء كان له عين غير ما باعه أو لم يكن. قاله الحطاب. كخشيته من الظالم أن يزيد عليه ظلمه إذا أعطى ما عنده من النقد، بخلاف إشاعة بيع متاعه. ابن عرفة عن سحنون: لو أكره على بيعه بثمن فباعه بأكثر ولا قدرة له على عدم البيع فهو مكره، ولو أكره على دراهم

стр. 5059

يفي بعض سلعته بها فباعها كلها فإن ذلك يكون إكراها، كما يفهم من مسألة من أكره على دراهم وعنده دراهم تفي بها أو تزيد عليها ولم يدفع منها وباع سلعة من سلعه فإنه يكون في بيعها مكرها كما مر. انتهى. قوله: أو عزله من منصبه. قال بناني: في كون الخوف من العزل ضغطا نظر، وفي المواق عن ابن عرفة ما يقتضي خلافه، ونصه بعد أن ذكر أن وكيل الظالم غير معذور في فعله وإن خاف القتل أو نحوه إن لم يفعل: هذا ونحوه من نصوص المذهب مما يبين لك حال القضاة في تقديمهم من يعرفون جرحته شرعا للشهادة في الدماء والفروج، ويعتذرون بالخوف من موليهم القضاء، مع أنهم فيما رأيت لا يخافون إلا عزلهم عن القضاء. انتهى. وفي ابن فرحون: من أكره على هبة نصف دار أو عبد فوهب جميع ذلك، أو على أن يهب ألفا فوهب ألفا وخمس مائة فهذا كله باطل، وكذا لو أكره على أن يبيع أمته لفلان فوهبها له، أو على أن يقر له بألف فوهب له ألفا، فهذا كله باطل. نقله بناني. وقال عبد الباقي: والظاهر أن الإكراه على سبب الخلع لا يكون إكراها على الخلع، فمن أكره على مال ولا يمكنه وفاؤه إلا بمخالعة امرأته فخالعها لذلك فإنه يلزمد طلاق الخلع. انتهى. وقوله: لا إن أجبر عطف على مقدر أي وكل رشيد يلزمه البيع إن طاع شرعا لا إن أجبر عليه جبرا حراما، وقوله: إن طاع شرعا يدخل فيه من أكره بحق فإنه طائع شرعا كما يأتي، وأفاد المص أن البيع من المكره بالفتح منحل من جانبه وله أن يلزم المشتري منه ما اشتراه بالثمن الذي باعه به، ولا كلام له. قاله عبد الباقي. وقال: وسكت عن شراء المضغوط شيئا لأنه لازم له على المشهور، وقيل: لا يلزمه، والفرق بين البيع والشراء أن الشراء فيه إدخال في ملكه بخلاف البيع. وهذه حيلة حسنة تنفع رب الدين على مضغوط يتسلف منه حال ضغطه فيبيعه سلعة بدين، ثم يتبعه به في ذمته ولا يسلفه نقدا؛ لأنه لا يلزم ما تسلفه حال ضغطه، وإنما يرجع به المسلف على الظالم. قال الناصر: قياسا على حميل المضغوط إذا غرم فإنهم صرحوا بأن المشهور أنه لا يرجع على المضغوط، وبأنه يرجع على الظالم، فقياسه أن المسلف له كذلك، وعلى هذا يستوي بيعه لمتاعه والحمالة عنه وقرضه مالا في عدم اللزوم، وأما إذا ضغط الحميل نفسه بسبب حمالته

стр. 5060

فباع متاع نفسه فلا يلزم البيع. انتهى. وقال الرهوني بعد كلام: فتحصل أن في القرض خلافا، وأن الراجح لزوم رده، قال: وهذا الخلاف في القرض إنما هو على المشهور في بيع المضغوط، وأما على ما جرى به العمل من لزوم بيعه فلا إشكال في لزوم قرضه. انتهى. وقال بناني: قول الزرقاني: وسكت عن شراء المضغوط إلى قوله: قاله الناصر اللقاني، نص ما في الناصر في حواشي التوضيح: قال الشيخ أبو الحسن في آخر كراء الدور والأرضين ما نصه: وفي قرض المضغوط قولان والمشهور لا يلزمه، وفي بيعه قولان والمشهور يلزمه. انتهى. فلعل قوله: وفي بيعه؛ أي البيع منه؛ وأما إن كان مراده بيع متاعه لغيرد فيشكل قوله: المشهور لزومه؛ لأنه خلاف المذهب على ما تقدم، وإن وافق كلام اللخمي والسيوري. انتنهى. كلام الناصر اللقاني. قال الشيخ أبو علي عقبه: وهو كلام مشكل على كل حال، فإن شراءه إن كان ضغطا فلا فرق بينه وبين البائع، وفي المعيار عن القلشاني: أن من اشترى سلعا يدفعها في مظلمة والبائع يعلم بضغطه فهو بمنزلة بيع المضغوط ويرجع بائعها بالثمن أو بأعيانها إن وجدت عند الضاغط. قال: ولم أرها منصوصة، وكذا تشهير عدم اللزوم في القرض فيه نظر. فقد قال في التوضيح: ولو أعطى المضغوط حميلا فتغيب فأخذ المال من الحميل لم يرجع الحميل عليه بشيء، بخلاف ما لو أخذ ما ضغط فيه من رجل سلفا، فقال أصبغ: يرجع عليه بما أسلفه لأن السلف معروف، قال فضل: وعلى أصله فيرجع الحميل لأن الحمالة معروف. انتهى. ونقل ابن رشد من ابن دحون: يلزمه رد ما أسلف ولم يحك خلافه، فتبين أن المنصوص في الحميل أنه لا يرجع، وفي السلف أنه يرجع، وقول الزرقاني: قال الناصر قياسا على حميل لخ، لم أجد هذا القياس عند الناصر في حواشي التوضيح، وهو قياس غير ظاهرت إذمن حجة المضغوط أن يقول للحميل: أنت الذي ظلمت ومالك لم تدفعه إلي، بخلاف السلف، على أن النص مضى في المسلف بخلافه، قال عبد الباقي: واحترز بقوله جبرا حراما، من الجبر الشرعي، كجبر القاضي المديان على البيع لوفاء الغرماء، أو المنفق للنفقة، أو ملتزم الكورة أي الإقليم أو البلد مثلا بمال فيعجز عنه، فيجبر على البيع لذلك، أو للجزية أو للخراج الحق، فليس من ذلك بل هو جائز لازم، وجائز شراؤه لكل أحد إلا أن يكون معسرا، فيلجأ إلى بيع ما يترك للمفلس فكالإكراه الظلم، ومن الإكراه الحق الجبر على بيع الأرض للطريق أو

стр. 5061

لتوسيع المسجد، والطعام إذا احتيج له، وهذه من المسائل العشر التي يجبر الشخص فيها على بيع ماله، ومنها الكافر يجبر على بيع عبده المسلم أو الصغير، وعلى بيع مصحف في ملكه، كما يأتي للمص، ومالك الماء لمن به عطش أو لزرعه، وصاحب الفدان في رأس جبل يحتاج الناس إليه في الحراسة من العدو، وصاحب الفرس أو الجارية يطلبها السلطان، وإن لم تدفع أضر بالناس، فيجبر على الدفع، ورب علج على بيعه لفداء مسلم إذا قال من هو في يده: لا أفديه إلا به، بل وإن لم يقل فيما يظهر، حيث علم أنه لا يطلقه إلا بالعلج المذكور، وله الأكثر من قيمته وثمنه إن اشتراه، وقيمته إن لم يشتره في هذا أي مسألة العلج، ويكون ذلك في بيت المال، كما يفيده من حيث المعنى قول المص: وبدئ بالفيء، وأما مسألة الفدان والأمة أو الفرس يطلبها السلطان فالذي يظهر فيها لزوم القيمة. انتهى كلام عبد الباقي بإصلاح فيه من كلام الرهوني. وقوله: لتوسيع المسجد، في أحمد تقييده بمسجد الجمعة. قال بناني: الواقع في كلام ابن رشد كما في المواق هو التقييد بمسجد الجمعة وهو الظاهر انتهى. تنبيهات: الأول: قول عبد الباقي: ومن الإكراه الحق الجبر على بيع الأرض للطريق، ظاهره كانت الطريق عامة أو خاصة وليس كذلك، بل الجبر خاص بالطريق العامة، قال في النوادر عن مالك في الطريق إذا كانت لأقوام وسدت فلا يجبر من حولها على بيع أرضهم لتوسيعها، وكذلك إذا كانوا يذهبون فيها للمساجد إلا مسجد الجمعة، وكمل يجوز للغير المرور في الأرض التي احتيج إلى بيعها لتوسيع الطريق قبل نظر الإمام أو لا يجوز لهم ذلك إلا بإذن مالكها؟ فلا يحدثوا فيها طريقا من دون إذنه، بل يحتالوا لأنفسهم حتى ينظر لهم إمامهم. قاله الرهوني. وجلب في ذلك نقولا كثيرة، ثم قال بعدها: والظاهر أن يقيد ذلك بالسعة، وأما مع الضيق والضرورة كما إذا كان العدول عنها يؤدي إلى الخوف على نفسه، ولم يمكنه طلب المتحلل من مالكها، فإنه لا يحوم عليه إذ ذاك المرور؛ لأنه إذا كان يجب على الإنسان مواساة غيره بفضل ماله مع ذهاب ذلك بالكلية، فبالمرور في أرضه مع بقاء ملكه عليها وانتفاعه به أولى، والله أعلم انتهى.

стр. 5062

الثاني: قد مر أن توسيع الطريق يجبر فيه الإنسان على دفع متاعه لأجله؛ قال سحنون في نهر إلى جانب طريق الناس وبجانبها أرض لرجل فمال النهر على الطريق فهدمها: أنه إن كان للناس طريق لا ضرر عليهم في سلوكها فلا طريق لهم على هذا الرجل، وإن دخل عليهم ضرر أخذ لهم الإمام طريقا من هذه الأرض ويعطي قيمتها من بيت المال. نقله عنه ابن رشد. ووقع في نقل المواق والحطاب عن سحنون في مسألة الطريق هذه بثمن يدفعه الإمام، والظاهر أن المراد بقوله: بثمن، القيمة. قاله الرهوني. الثالث: زاد في الدر النثير على المسائل المذكورة مجرى الماء، فقال متصلا بما قدمناه عنه في الطريق ما نصه: وكذلك إذا لم يوجد لمسلك الماء موضع. انتهى منه بلفظه. وتشبيهه ذلك بالطريق يفيد أن ذلك في ماء لغير قوم معينين وإلا فلا جبر. قاله الرهوني. الرابع: لا يقاس على الاحتياج إلى توسيع المسجد الاحتياج إلى توسيع المئضاة، ففي نوازل المئضاة من المعيار: وسئل الرماح هل يجبر حاحب الأرض على بيع أرضه لتزاد في الميضاة؟ فأجاب: لا يجبر لأن الوضوء في الميضاة لا فضيلة فيه، وإذا ضم للمسائل المتقدمة مسلك الماء، والطعام المحتكر، ومسألة جبر العامل الآتية: كانت المسائل ثلاث عشرة. قال الرهوني وقد نظمتها فقلت: ويجبر ذو ملك على بيع ملكه … لأشياء قد عدت فخذها وحصل لحق ودين (١) أو لتوسيع مسجد … فأطلق وقيد تقتدي بمحصل كذلك ذو علج لتخليص مسلم … وذوأمة حسنا لتعطى لبطل كذاك لتوسيع الطريق ومن له … فدان بوعر جنة لمؤمل

стр. 5063

وذو فضل قوت أو شراب وكافر … لد مصحف أو مسلم طفل اعقل ومسلك ماء ثم ملك لعامل … ومحتكر فاحفظ وكن ذا تأمل الخامس: بيع الجائع وتصرفه في ماله وما قيل (١) من النقول التي تقتضي فسخ ذلك وإبطاله ولو بعد طول، كل ذلك مخالف للقواعد ظاهر الفساد والاختلال. قاله سيدي عبد القادر في الأجوبة. وفي المفيد: بيع المضطر لا يجوز، وهو في معنى من أكره على البيع، وأما من اضطره الحق إلى بيع متاعه، أو اضطرته الحاجة والفاقة فلا بأس بالشراء منه بما يجوز التبايع به. انتهى. وفي الدر النثير: ابن عبد البر: بيع المضطر والمضغوط لا يجوز، وهو في معنى من أكره على البيع، والتجارة لا تكون إلا عن تراض، قال: وأما من اضطره الحق إلى بيع متاعه أو اضطرته الحاجة والفاقة فلا بأس بالشراء منه بعا يجوز التبايع به. قاله الرهوني. ورد عليه بلا ثمن؛ يعني أن من أجبر على سبب البيع بأن طلب منه المال ظلما فباع سلعة مثلا لتحصيل ما طلب منه، يرد عليه ماله الذي أكره على بيعه بلا ثمن، ولا يفيته تداول أملاك ولا هبة ولا عتق؛ أي يأخذه ممن هو بيده بلا غرم ثمن، ويرجع المشتري على الظالم أو وكيله، وسواء علم المشتري أنه مكره أم لا، وأما لوأجبر على البيع دون المال فيرد إليه بالثمن، إلا أن تقوم بينة، وهل يصدق إن ادعى التلف كالمودع أم لا؟ خلاف على حد سواء، فكلام المؤلف هنا فيما إذا أجبر على سبب البيع لا على البيع فقط؛ فلذا قال بعض: في كلام المؤلف حذف، والتقدير لا إن أجبر عليه أو على سببه، وقوله: ورد عليه بلا ثمن، راجع للثانية، وقوله: ورد عليه إن كان قائما وقيمته إن فات وكان مقوما ومثله إن فات وكان مثليا. قاله الخرشي. وقد مر شمول قوله: لا إن أجبر عليه للجبر على البيع وللجبر على سببه، ومنهم من جعله في الجبر على سبب البيع فقط؛ لأنه هو محل الخلاف. وقال عبد الباقي: قوله: ورد عليه، عام، وقوله:

стр. 5064

بلا ثمن، خاص بما إذا أجبر على سبب البيع إذا علم أن الظالم أو وكيله قبضه من المضغوط ومن المشتري، أو جهل هل قبضه للظالم أو لوكيله أو لرب المتاع؟ أو لم يعلم هل دفعه المضغوط للظالم أو بقي عنده أو صرفه في مصالحه؟ أم لا، وكذا إن علم بقاؤه عنده وتلف بغير سببه فيما يظهر، فإن علم أنه صرفه في مصلحته أو بقي عنده أو أتلفه عمدا رجع عليه، ولا فرق في قول المص: بلا ثمن، بين علم المشتري بضغط البائع أم لا. قاله ابن القاسم. وقال سحنون: هذا إذا علم بضغطه وإلا رد عليه بالثمن، ومقتضى التوضيح أن كلامه مقابل وأن قول ابن القاسم هو المعتمد، وهو ظاهر المص أيضا، حيث لم يقيد ذلك بالعلم وحيث رد عليه بلا ثمن، فيرجع به المشتري على الظالم إن أقبضه له، وعليه أو على وكيله إن أقبضه لوكيله، حيث ثبت أنه دفعه للظالم، أو أن الظالم أوصاه بقبضه وإلا فعلى الوكيل فقط، وينبغي أن يجري مثل هذا فيمن أكره شخصا على دفع مال ووكل من يقبضه، وربما يدل عليه ما لابن عرفة كما في التتائي، وأشر قوله: ورد عليه، بأنه باق، فإن وجده قد فات أي بتلف، أخذ الأكثر من قيمته وثمنه من الظالم أو وكيله على التفصيل المتقدم، وإنما لم يرجع قوله: بلا ثمن: لما إذا أكره على البيع فقط دون أخذ الثمن منه لأنه عنده، فيرده للمشتري إن كان قائما، فإن تلف وثبت تلفه ببينة أنه من غير سببه فلا رجوع له عليه، فإن لم يثبت بل ادعاه ففي تصديقه قولان، لسحنون وهما متساويان. ولو تلف المبيع عند المشتري في الإكراه على البيع فقط فلربه رد ثمنه وأخذ قيمته إن زادت من المكره بالكسر أو المبتاع، ولا رجوع لأحدهما على الآخر. وانظر لو تنازع البائع والمشتري هل الإكراه على البيع؟ فيرد على المشتري الثمن؛ أو على سببه فلا يرد عليه الثمن، ولم تقم قرينة على صدق أحدهما، والظاهر أن القول للبائع لاتفاقهما على الضغط واختلافهما في صفته، وإن تنازعا في الضغط وعدمه فالقول لمدعي عدمه، كما يفيده البرزلي وابن فرحون. انتهى. قوله: وقال سحنون: هذا إذا علم بضغطه؛ قال بناني: تفصيل سحنون إنما هو إن كان المضغوط هو الذي قبض الثمن وإلا لم يغرمه مطلقا، هذا الذي يدل عليه كلام ابن رشد وابن سلمون، وقال الرهوني قول الزرقاني: ولا فرق في قول المص: بلا ثمن لخ، يقتضي انفراد ابن القاسم بذلك وليس كذلك، بل قد رواه ابن القاسم عن مالك في المبسوط، كما ذكره ابن رشد في البيان، ونقله غير واحد،

стр. 5065

ورواه مطرف أيضا عن مالك، كما لابن عرفة عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، ورواه ابن عبد الحكم وأصبغ، كما نقله غير واحد، وقوله: وقال سحنون، يقتضي انفراد سحنون بذلك وليس كذلك، بل قاله ورواه عن الإمام كما نقله غير واحد، وقوله: ومقتضى التوضيح أن كلامه مقابل، وأن قول ابن القاسم هو المعتمد، يشهد لاعتماده العزو الذي ذكرناه، لكن قول سحنون قوي أيضا، لأنه رواه عن مالك أيضا وأفتى به ابن رشد في نوازله، وأفتى به أيضا أبو الحسن والشيخ أبو القاسم الغبريني. واعلم أن الصور أربع؛ لأنه إما أن يتولى المضغوط قبض الثمن أو لا، وفي كل إما أن يعلم المشتري بضغطه أم لا، فإن لم يقبضه فلا يرد الثمن علم المشتري بضغطه أم لا، وإن قبضه فإن علم بضغطه فلا يرد الثمن وإلا رده. تنبيهات: الأول: قال الشيخ أبو علي: من أكره على دفع المال لا يلزمه بيعه على المشهور، ومن أكره على البيع لا يلزمه بيعه إجماعا كما في ابن عرفة والتوضيح. قال ابن عرفة في الإكراه على البيع ما نصه: وبيع المكره عليه ظلما لا يلزمه. الشيخ عن أبي الحسن والأبهري: إجماعا، قال ابن سحنون عنه: وللبائع إلزام المشتري طوعا وأخذ مبيعه ولو تعددت أشْرِيَتُه كمستحق ذلك، ولا يفيته عتق ولا إيلاد، ويحد المشتري بوطئها، ولو أكره العاقد، إن لم يلزم أحدهما ما ألزمه الآخر بعد زوال الإكراه. انتهى المقصود منه. الشيخ عن سحنون: من أكره على إعطاء مال ظلما فبيعه لذلك بيع مكره، زاد ابن رشد عنه في أجوبته: ولرب المبيع أخذه دون ثمن إن كان المشتري عالما بضغطه ظلما، وإلا فالثمن. انتهى. وقد مر أن ابن القاسم ومطرفا وغيرهما لا يفصل هذا التفصيل، ويتبع المشتري بثمنه الظالم إن دفعه له، ولو قبضه وكيل الظالم اتبع أيهما شاء، قال مطرف: إن قال الوكيل: ما فعلته إلا خوفا من الظالم، لم يعذر لقوله ﷺ : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وكذا كل ما أمر بفعله ظلما من قتل أو قطع أو جلد أو أخذ مال وهو يخاف إن لم يفعله نزل به مثل ذلك فلا يفعله، فإن فعله لزمه القصاص والغرم. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ ومطرف: جهل وصول ثمن مبيع المضغوط للظالم باحتمال صرفه المضغوط

стр. 5066

في منافعه كتحقق وصوله إن كان إكراه له حتى باعه، إلا أن يوقن أنه صرفه في منافعه، فلا يأخذ مبيعه إلا بدفع ثمنه، والمشتري إن علم ضغط المضغوط فكغاصب في ضمان المبيع وغلته، وإلا فكمشتر ما استحق منه فيهما. انظر شرح الشيخ أبي علي. الثاني: قال عبد الباقي: ورد عليه ما جبر على بيعه أو على سببه ولا يفيته تداول أملاك ولا عتق ولا هبة ولا إيلاد، ويحد المشتري إن علم ووطئ فلا يدرأ الحد بيع المكره وإن كان صحيحا، لعدم لزومه، وكذا بيع الفضولي على ما يأتي في باب الزنى إن شاء الله. انتهى. قوله: ويحد المشتري إن علم ووطئ لخ، قال بناني: ظاهره أن الحد في كل من الجبر على البيع والجبر على سببه، وفيه نظر إذ لم يذكره ابن رشد إلا في الجبر على البيع. ونقله الحطاب وغيره. وأما الجبر على سبب البيع فإن الخلاف فيه شبهة يدرأ الحد بها وهو ظاهر، كيف والعمل جار فيه بلزوم البيع في زمننا؟ وهو قول ابن كنانة، وأفتى به اللخمي والسيوري واستحسنه حذاق المتأخرين، ومال إليه ابن عرفة، وأفتى به ابن هلال والعقباني والسرقسطي، ونقل العقباني أن الفشتالي قاضي فاس به كان يفتي. نقله في المعيار. ونقل الشيخ القصار أنه جرى به الحكم في مدينة فاس أكثر من مائتي سنة. انتهى المراد منه. وقال الشيخ أبو علي: قال ابن كنانة: بيع المكره على دفع المال لازم لأنه أنقذه مما كان فيه من العذاب، وقال ابن هلال بعد أن ذكر الإجماع على الإكراه على نفس البيع: وأما المضغوط أي على المال فيلزمه بيعه عند ابن كنانة لأنه لم يجبر على البيع، وإنما أجبر على غرم مال فافترقا عنده، ويحتج لمذهب جمهور الأصحاب بأنه وإن لم يجبر على البيع لكنه ألجئ إليه لأنه أجبر على سببه فهو في معنى المكره على البيع، ثم قال: وبقول ابن كنانة أفتى السيوري واللخمي، قال اللخمي: ولو كان مولى عليه، واستحسن ذلك حذاق المتأخرين، وإليه مال ابن عرفة. الثالث: قال البرزلي: سئل ابن عبد الرحمن عمن اضطره السلطان ببيع سلعته وقام بعد سبعة عشر عاما وأنكر المشتري الإكراه؟ فأجاب: إذا ثبت الإكراه في أمر لا يلزمه فبيعه غير لازم، وإن لم يثبت فالبيع له لازم، وإن ادعى على المشتري المعرفة له بذلك حلفه. البرزلي: ويؤخذ منه أن الضرر لا يحاز ولو طالت السنون إذا كان أصله ظلما، ونص عليه ابن سهل فيمن يعلم بالظلم أن

стр. 5067

حيازته لغو، وسئل من أين توصل إلى الملك؟ انتهى. قلت: ظاهر جواب ابن عبد الرحمن أن له القيام بعد سبعة عشر عاما، ولو زال عنه الإكراه بقرب البيع وتمكن من القيام، وظاهر كلام البرزلي أو صريحه أنه حمله على ذلك لقوله: إذا كان أصله ظلما إذ لو كان مقهورا في تلك المدة لم يحتج لهذا الشرط لأن الظلم منسحب عليه، وقد سلم الحطاب كلامهما ولم يذكر ما يخالفه، مع أنه مخالف لما في كتب الأحكام والنوازل من أن السكوت بعد زوال التقية مضر بشرطه. قاله الرهوني. الرابع: قال في سماع عيسى من كتاب الوديعة: من أودع متاعا فعدي عليه فأغرم على ذلك المتاع غرما، لم يكن على صاحب المتاع شيء مما غرم، ابن رشد: قد قيل: إن له أن يرجع على صاحب المتاع بما غرم على متاعه، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يعلم صاحب المتاع به، وأما ما علم به مثل المتاع يوجه به الرجل من بلد إلى بلد مع رجل وقد علم أن بالطريق مكاسا يغرم الناس على ما يمرون به عليه من المتاع فلا ينبغي أن يختلف في أنه يجب على رب المتاع ما غرم على متاعه، وقد رأيت ذلك لابن دحون، وقال: إنه بمنزلة الرجل يتعدى عليه السلطان فيغرمه، فيتسلف ما يغرم، فذلك دين لازم، وهو حلال لمن أسلفه، ووجه ما ذهب إليه أنه إذا علم بذلك فكأنه قد سأله أن يسلفه ما يلزمه من الغرم، ومن هذا المعنى ما قال سحنون في الرفاق في أرض العرب تعرض لهم اللصوص فيريدون أكلهم، فيقوم بعض أهل الرفقة فيضامنهم على مال عليه وعلى جميع من معه وعلى من غاب من أصحاب الأمتعة، فيريد من غاب أن يدفع ذلك عن نفسه، قال: إذا كان ذلك مما عرف من سنة تلك البلاد أن إعطاء المال يخلصهم وينجيهم فإن ذلك لازم لمن حضر ولمن غاب ممن له أمتعة في تلك الرفاق، وعلى أصحاب الظهر من ذلك ما ينوبهم، وإن كان يخاف أن لا ينجيهم ذلك وإن أعطوا، وكان فيهم موضع لدفع ذلك مما أوجب لهم أن يدفعوا عن أنفسهم وأموالهم، فإن لم يفعلوا وأعطوا على ذلك شيئا لم يرجع بذلك على من غاب من أصحاب الأمتعة وبالله التوفيق. انتهى. قاله الحطاب.

стр. 5068

ومضى في جبر عامل. قال الخرشي: يعني أن السلطان إذا جبر العامل على بيع ما بيده ليوفي من ثمنه ما كان العامل ظلم فيه غيره فإن ذلك البيع ماض، وسواء دفع السلطان للمظلوم حقه أم لا، لكن إن رد المال إلى أربابه فقد فعل ما وجب عليه، وإلا فقد ظلم، والمراد بالعامل من يأخذ المال ظلما سواء ضرب على يده أم لا انتهى. وكلام عبد الباقي هنا فيه تخليط. قاله الرهوني. وقال الحطاب: ومضى البيع المجبر عليه إذا كان ذلك في جبر السلطان عاملا من عماله فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، وذلك أن السلطان إذا أراد تولية أحد أحصى ما بيده، فما وجده بعد ذلك زائدا على ما كان بيده وعلى ما كان يرزقه من بيت مال المسلمين وإنما أخذه بجاه القضاء والولاية أخذه منه، فإن كان له تجارة وزراعة وأشكل مقدار ما اكتسبوه بالقضاء والعمالة شاطرهم، وقد شاطر سيدنا عمر ﵁ أبا هريرة وأبا موسى وغيرهما، ولا تظن الهدايا بأبي هريرة وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، إلا ما يقتضي أخذا، وما ذكره المص هنا مفهوم قوله جبرا حراما. ومنع بيع مسلم ومصحف وصغير لكافر، يتعلق ببيع؛ يعني أنه يحرم بيع المسلم للكافر، وكذلك يحرم بيع المصحف للكافر، وكذلك يحرم بيع الصغير للكافر. قال عبد الباقي: ومنع على مسلم وكافر لخطابه بفروع الشريعة، بيع مسلم صغير أو كبير ومصحف وكذا جزؤه، وصغير كافر يجبر على الإسلام، وهو حربي غير مؤمن. لكافر، ومفهوم صغير أن الكتابي الحربي الكبير يباع لكافر إن كان على دينه وبقي به عندنا، ففي مفهوم صغير هنا تفصيل يبينه قوله الآتي: وله شراء بالغ على دينه لخ، فلا اعتراض عليه، والمراد بالكبير من المجوس أو من أهل الكتاب من عقل دينه، سواء بلغ أم لا وهذا لا ينافي قولهم: يجبر المجوس مطلقا وصغير الكتابيين الحربيين، ومثل البيع الهبة والصدقة، وقول المدونة: هبة المسلم للكافر جائزة معناه ماضية لا أنها تجوز ابتداء ثم يجبر على إخراجه. قاله الحطاب عن أبي الحسن. وكذا يمنع أن يباع للحربيين آلة الحرب من سلاح أو كراع أو سرج وجميع ما يتقوون به في الحرب من نحاس أو خباء أو آلة سفن وماعونه، ويجبرون على بيع ذلك إن وقع. قال في التوضيح: وكذا الدار لمن يتخذها كنيسة، والخشبة لمن يتخذها صليبا، والعنب لمن يعصرها خمرا، والنحاس لمتخذه ناقوسا، وكل شيء يعلم أن المشتري

стр. 5069

قصد به أمرا لا يجوز، كبيع الجارية لأهل الفساد الذين لا غيرة لهم، أو يطعمونها من حرام، والمملوك لمن يعلم منه الفساد به انتهى كلام عبد الباقي. وقال الحطاب: لما ذكر شرط انعقاد البيع وشرط لزومه، ذكر شرط جوازه ابتداء، وهو صحة تقرر ملك المشتري على المبيع، ولو وجب عتقه بعد ذلك، فيجوز شراء من يعتق عليه لأن ملكه يتقرر عليه، وذلك هو الموجب لعتقه عليه، أعني تقرر ملكه عليه، وأما المسلم والمصحف فلا يصح تقرر ملك الكافر عليهما بلا خلاف، فإن وقع ذلك فاختلف فيه، فمذهب المدونة أن البيع يمضي ويجبر الكافر على إخراج ذلك عن ملكه، قال في المدونة: فإن ابتاع الذمي أو المعاهد مسلما أو مصحفا أجبر على بيعه من مسلم ولم ينقض شراؤه، ثم قال: ولو كان الكافر المشتري للمسلم عبدا لمسلم فإنه يجبر على بيعه لأنه له حتى ينتزعه سيده، وصرح المازري بأنه المشهور، وقال سحنون وأكثر أصحاب مالك: ينقض البيع، وبه صدر ابن الحاجب، وقيد ابن رشد الخلاف أي مذهب المدونة ومقابله وهو قول سحنون وأكثر أصحاب مالك، بأن يكون البائع عالما بأن المشتري نصراني، قال: ولو باعه من نصراني وهو يظنه مسلما لَبيعَ عليه ولم يفسخ اتفاقا؛ قال في الواضحة: ويعاقب المتبايعان على القول بالفسخ، ونقله ابن عبد السلام والمص في التوضيح، قال ابن عبد السلام: قلت: وينبغي أن يعاقبا أيضا على مذهب المدونة إلا أن يعذرا بالجهل، قال ابن عرفة عن ابن حارث: وفي مبايعة الكافر بالعين فيها اسم الله، قول ابن القاسم فيها كراهية مالك وأعظم ذلك، وقول ابن عبد الحكم: لا بأس بذلك، وفي المدونة: ولا يباع من الحربيين آلة الحرب من سلاح أو كراع وسرج وغيرها، مما يتقوون به من نحاس وخُرْثِىٍّ وغيره، خرثي بثاء مثلثة وبضم الخاء المتاع المختلط أبو إسحاق: فإن بيع ذلك منهم بيع عليهم، وأما بيع الطعام فقال ابن يونس عن ابن حبيب: يجوز في الهدنة، وأما في غير الهدنة فلا. قاله ابن الماجشون. وبمنع بيع السلاح لمن يعلم أنه يريد به قطع الطريق على المسلمين وإثارة الفتنة بينهم. تنبيه: إن أسلم العبد وله ولد من زوجته النصرانية المملوكة لسيده بيع الثلاثة، لمنع بيع الصغير دون أمه؛ إذ لابد من بيع الصغير لأنه قد حكم بإسلامه لإسلام أبيه. قاله الحطاب. قال: وكذلك

стр. 5070

يشترط في جواز البيع أن لا يعلم أن المشتري قصد بالشراء أمرا لا يجوز. والله أعلم. انتهى. وقال بناني عن ابن عرفة، وسماع عيسى ابنَ القاسم: يمنع بيع (١) مصحف ابن مسعود. ابن رشد: لأن قرءانيته لم تثبت، قلت: وعليه بيع ما يوجد اليوم على أنه التورية والإنجيل. انتهى. ثم قال عن الحطاب: وأما بيع الطعام فقال ابن يونس عن ابن حبيب: يجوز في الهدنة، وأما في غير الهدنة فلا. قاله ابن الماجشون. انتهى. قلت: كلام الشاطبي في العيار يقتضي أن المذهب المنع مطلقا، وهو الذي عزاه ابن فرحون في التبصرة، وابن جزي في القوانين لابن القاسم. انظر شرح أبي علي والله أعلم. وذكر في المعيار من الشاطبي أن بيع الشمع يمنع إذا كانوا يستعينون به على إضرار المسلمين، وإن كان لأعيادهم فمكروه. انتهى. وقال أبو علي عند قوله: ومنع بيع مسلم ومصحف وصغير لكافر هذا مما لا خلاف فيه بالنسبة إلى المسلم والصحف؛ لأن فيه انتهاك حرمة الإسلام بملكه المصحف وإذلال المسلم واستيلائه عليه، واختلف إن وقع هل يفسخ ويرد المبيع إلى ربه أو يصح ويجبر على بيعه، والخلاف مقيد بما إذا علم البائع بأن المشتري كافر، وأما إذا ظن أنه مسلم فلا يفسخ بلا خلاف ويباع عليه، والمراد بالصغير هنا الصغير الكافر. انتهى. ابن جزي: لا تجوز التجارة إلى أرض الحرب. وقال سحنون: هي جرحة، ولا يدخل مسلم بلادهم إلا لمفاداة مسلم، وينبغي للإمام أن يمنع الناس من الدخول إليها ويجعل على الطريق من يصدهم. انتهى. وقال ابن ناجي على المدونة: ولا يشترى منهم بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله لخ، ما نصه: التعليل يقتضي التحريم، وأجازه ابن القاسم وابن كنانة وابن عبد الحكم وبه العمل عندنا بإفريقية، وأخذ المازري من قولها: لا يكتب في عقودهم بسم الله الرحمن الرحيم، وأما ذكر الحمد لله وحده، أو ذكر اسم رب الدَّين المسلم إذا كان مسمى بعبد العزيز أو بعبد الله وشبه ذلك فخفيف، وجرى العمل عندنا بكتب ذلك. انتهى. ولا يجوز من المعاملة بين المسلم والذمي إلا ما يجوز بين المسلمين، فإن عامله بما لا يجوز من البيع وغيره فالحكم فيه كالحكم فيما بين المسلمين. انتهى. وأهل الخلاف من الأعراب وغيرهم لا تجوز إعانتهم بكل ما يتقوون

стр. 5071

به على مفسدتهم، وعلى قول ابن القاسم من منع بيع الطعام للكفار مطلقا إذا بيع لهم يباع عليهم من مسلم، وقيل: يفسخ. ووقعت مسألة بتونس في نصراني من أهل الجزية ثبت عليه أنه باع ولدا مسلما لأهل الحرب النازلين بالأمان للتجارة، فأفتى ابن عبد السلام بقتله على أن يصلب ويقتل، واختار بعض شيوخنا أنه نقض العهد فيرى الإمام فيه رأيه، ولا يجوز تعليم المسلم أولاد النصارى القرآن، ومن المعلوم أن الإعانة على المعصية معصية، ولو وهب النصراني العبدَ المسلم للثواب فلم يثبه فله أخذه ليباع عليه، وفي الرهوني عن المقدمات: وإنما يجوز أن يباع منهم من العروض ما لا يتقوون به في الحرب ولا يرهب في القتال، ومن الكسوة ما يقي الحر والبرد لا أكثر، ولا من الطعام إلا ما لا يتقوى به مثل الزيت والملح وما أشبه ذلك، وفي الرهوني عن اللخمي عن ابن حبيب في أهل العهد وتجار الحربيين: يمنعون من حمل السلاح والحرير والحديد والنحاس والأدم والخيل والبغال والحمير والغرائر والأخرجة والزفت والقطران والشمع واللُّجُم والسروج والمهامز والبسط والكتان والصوف والطعام والقمح والشعير، يريد في الطعام مثل الشدائد إذا كان يرجى بمنعهم أن يتمكن منهم، وأما الحرير والصوف والكتان والملابس فالأمر فيه خفيف. وأجبر على إخراجه؛ يعني أن الكافر إذا اشترى المسلم أو الصحف أو الصغير فإنه يجبر على إخراج ما ذكر من ملكه؛ قال عبد الباقي: وأجبر على إخراجه فيما ذكر المص وفي جميع ما مر، ودل كلامه على أنه لا فسخ مع القيام بل يمنع ذلك ابتداء ويمضي بعد الوقوع ولو مع القيام، ولكن يجبر على الإخراج في القيام والفوات، وكحذا هو المشهور ومذهب المدونة كما مر. بعتق، يعني أنه يجبر على إخراج المسلم من ملكه بأي وجه كان، من بيع وعتق وصدقة، أوهبة؛ يعني لغير ثواب، وأما هبة الثواب فلا يكتفى منه بها، بل يرد له ذلك ويباع عليه، كما مر؛ وعلم مما قررت أن قوله: بعتق، لا مفهوم له بل المراد إخراج ما ذكر عن ملك الكافر بأي مخرج كان. ولو لولدها الصغير على الأرجح؛ يعني أن الكافرة إذا اشترت شيئا مما ذكر من المصحف والمسلم والصغير الكافر فإنه يكتفى في إخراجه من ملكها بهبته لولدها الصغير المسلم، ويتصور

стр. 5072

كون ولدها الصغير مسلما بأن يكون من زوجها المسلم، أو الكافر وأسلم المولد نفسه لصحة إسلام الصغير المميز، ولو لم ينفر من أبويه، وأولى في الاكتفاء الهبة لولدها الكبير الرشيد المسلم، وقدرتُها على الاعتصار من الصغير ليست مانعة من الاكتفاء بالهبة في الإخراج، وهذا قول ابن الكاتب وأبي بكر بن عبد الرحمن ورجحه ابن يونس، ومقابله لابن مناس بالميم المفتوحة قبل النون، ووجه الأولوية مع أن الصغير والكبير سواء في الاعتصار منهما أن الكبير بصدد أن يفيتها على الواهبة، بخلاف الصغير لعدم إمضاء تصرفه، وإنما ذكر المص الصغير لأن فيه فرض الخلاف والترجيح عند ابن يونس، واحتج ابن مناس بعدم الاكتفاء في حلية إحدى الأختين بهبة الأخرى لمن يعتصرها منه، وفرق ابن يونس بأن مالك الأختين مسلم له الاعتصار، والكافرة ممنوعة منه، فإن اعتصرت أجبرت على الإخراج، قال الحطاب: الخلاف المذكور وترجيح ابن يونس إنما هو في مسألة عبد النصرانية يسلم، وما ذكر المص في اشتراء الكافرة المسلم فكأنه رأى أن لا فرق بينهما، والذكر الكافر كالأنثى فإنها فرض مسألة. انتهى. قال بناني: القياس أي قياس الأب على الأم لا ينهض للفرق بأن الأب له تسلط على مال ولده، بخلاف الأم فلا حجر لها عليه غالبا، وإن اشتركت مع الأب في الاعتصار، فلعل فرض المسألة في المرأة مقصود لذلك. والله أعلم. قاله أبو علي. وبحث الرهوني مع بناني إن عنى أن له تسلطا على مال ولده في الجملة فمسَلَّم، لكن لا يقدح ذلك في مساواته للأم هنا، وإن عنى في مسألة النزاع هنا وهي كون الأب كافرا وولده الصغير مسْلِما فلا نسلِّم أن له تسلطا على مال ولده إذ لا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم. فقد قال الزرقاني عند قول المص في الحجر "والولي الأب" ما نصه: المسلمُ، فقَيَّدَ الأب بكونه مسْلِما، وسَلَّم له ذلك بناني نفسه وغيره وهو حقيق، فقد نص في المدونة وغيرها على أنه لا يزوج الكافر ابنته البكر المسلمة، وحكى عليه ابن حارث الاتفاق، عللوه بأنه لا ولاية له عليها، ونصوا على أنه إن وكل مسلما يعقد عليها فعقد عليها ذلك المسلم فذلك النكاح فاسد يفسخ وإن دخل بها. واعلم أن الصدقة لا تعتصر فلا يأتي فيها الخلاف، فإن وقعت الهبة لمن لا يعتصر منه فكالصدقة، وإلا جاء الخلاف، وقد حكى أبو الحسن الاتفاق على الصدقة أنها كافية في الإخراج، وقوله: ومنع بيع مسلم لخ، وقد مر أن مثل البيع الهبة والصدقة فإن وقع مضى وأجبر

стр. 5073

على إخراجه، وسواء كان المتصدق أو الواهب مسلما أو كافرا، قال في المدونة: وإن وهب مسلم عبدا مسلما لنصراني أو تصدق به عليه جاز ذلك، وبيع عليه، والثمن له، وقال ابن يونس: قوله: وإن وهب مسلم، يريد: أو نصراني، وقوله: جاز، قال أبو الحسن: يريد مضى، ولم يرد أنه يجوز ابتداء، ومثل ذلك إذا أسلم عبد الكافر فإنه يجبر على بيعه ولو كان العبد صغيرا. قال في المدونة: إن عقل الإسلام، وظاهر المص أن الكافر يتولى بيع العبد وهو ظاهر المدونة. قال أبو الحسن: وليس كذلك؛ لأن فيه إهانة للمسلم، بل يبيعه الإمام، ولو وهب الكافر العبد المسلم الذي اشتراه لمسلم للثواب فلم يثبه، فله أخذه ويباع عليه، وأقام بعض الشيوخ من هذه المسألة، أعني مسألة الهبة للثواب، أن النصراني إذا اشترى مسلما ثم باعه من مسلم قبل أن يعرض له أن بيعه جائز ولا ينقض؛ لأنه فعل ما كان ينعله الإمام، وقال ابن شعبان ينقض بيعه لأن توليه إهانة للمسلم فيفسخ حتى يتولاه الإمام. تنبيه: قال ابن عرفة: قال المازري: لو أسلم عبد الكافر الموجر من نصراني فسخ باقي مدة الإجارة، وهذه الرواية على فسخ شراء الكافر للمسلم، وعلى بيعه عليه يوجر من مسلم بقية المدة. ابن عرفة: يفرق ببقاء ملك الكافر في إجارته عليه، ولذا يفتقر لبيعه بعدها. انتهى. قلت: ولو كان موجرا من مسلم فعلى ما قال المازري لا تفسخ الإجارة، وعلى ما قال ابن عرفة تفسخ وهو الظاهر. قاله الحطاب. لا بكتابة، قال الحطاب شارحا للمص: أي لا يكفي في إخراج العبد المسلم من ملك الكافر مكاتبته إياه، بل تباع كتابته عليه على المشهور، سواء أسلم عنده ثم كاتبه، أو اشتراه مسلما ثم كاتبه، أو كاتبه ثم أسلم، كما سيقوله المص في باب الكتابة؛ يعني قوله: ومضت كتابة كافر لمسلم وبيعت؛ ومقابل المشهور أن الكتابة تبطل ويباع عبدا. قاله في المبسوط. ونقله ابن الحاجب وغيره. والله أعلم. وأما التدبير فإنه ينفذ ويواجر على سيده الكافر، سواء اشتراه مسلما ثم دبره، أو أسلم عنده ثم دبره، أو دبره ثم أسلم، على المشهور، كما سيذكره المص في باب التدبير، والمعتق إلى أجل حكمه حكم المدبر، بل هو أولى؛ وفي كلام ابن يونس إشارة إليه، وأما الإيلاد فالذي رجع إليه مالك في أم ولد الذمي تسلم هي أو يولدها بعد إسلامها

стр. 5074

أنه ينجز عتقها، إلا أن يسلم هو قبل عتقها فتبقى له أم ولد، قاله في المدونة. والفرق بين المدبر وأم الولد أنه لم يبق له فيها إلا الاستماع وقد حرمت عليه، وأما المدبر فله خدمته فلذلك أوجر عليه، وأما التبعيض فحكمه حكم من أعتق بعض عبده على التفصيل الآتي. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: لا يكفي الإخراج بكتابة مع تولي قبض نجوم الكتابة، بل تباع كما سيفيد وجوبَ بيعها بقوله: ومضت كتابة كافر لمسلم وبيعت، فلا يقال: قد كفت الكتابة في الإخراج. ولو أدخل كافا على كتابة ليشمل التدبير والاستيلاد كان أولى، ويوجر المدبر عليه، وصورة الاستيلاد أن تسلم أمته القن فيطؤها بعد إسلامها فتحمل منه. فينجز عتقها عليه إلا أن يسلم هو قبل عتقها، وكذا إن أولدها قبل إسلامها أي وطئها وهي قن فحملت منه ثم أسلمت، وتباع خدمة معتق لأجل. انتهى. وبيع عليه ما يملك من معتق بعضه، فإن أعتق هو بعضه قوم باقيه عليه أي على سيده الكافر. قاله بناني. قال مقيده عفا الله عنه: يعني فيما إذا كان الباقي لغيره، فلو كان الباقي له هو لكمل عليه عتقه بالحكم. كما مر من الحطاب قريبا. والله سبحانه أعلم. وقوله: لا بكتابة، مخرج من مقدر، فكأن المص قال: وأجبر على إخراجه ويكون الإخراج بعتق لخ، لا بكتابة. قاله أبو علي. قال مقيده عفا الله عنه: المقدر عامل بعتق، وقوله: لا بكتابة عطف على بعتق: وهو ليس مقدرا. والله سبحانه اعلم. أو رهن؛ يعني أنه لا يكفي في إخراج العبد المسلم من ملك الكافر أن يرهنه لمسلم، بل يباع عليه كما لو رهنه لكافر، قال عبد الباقي: أو رهن لعبد أسلم عند ذمي فرهنه بعد إسلامه، فلا يكفي رهنه في إخراجه عليه بل يباع. انتهى. أي لأن الرهن باق على ملك راهنه. وأتى برهن ثقة، يعني أنه إذا رهن الكافر عبده المسلم، وقلنا: إن ذلك لا يكفي في الإخراج وأنه يباع عليه، فإنه يأتي للمدين برهن ثقة إن أراد أخذ الثمن الذي بيع به العبد، وإن أراد تعجيل الدين فله ذلك. قاله أبو علي. وقوله: ثقة أي قيمته كقيكته وضمانه كضمانه. إن علم مرتهنه بإسلامه ولم يعين؛ يعني أن ما ذكر من أن الكافر لا يجبر على التعجيل وله أن يأتي برهن ثقة مكانَ العبد المبيع، مقيد بما إذا كان المرتهن عالما بإسلام العبد فارتهنه على ذلك ولم يعين الرهن حين العقد بل وقع على رهن مطلق. وإلا أي وإن لم يعلم بإسلام العبد حين

стр. 5075

الارتهان، أو علم به ولكن عين العبد للرهنية عجل؛ أي يباع العبد ويعجل للمرتهن حقه، وليس له أن يأتي برهن آخر. قاله أبو علي. قوله: إن علم مرتهنه بإسلامه ولم يعين، القيد الأول لابن محرز، والثاني لبعض القرويين. قاله بناني. وقال الخرشي بعد كلام وعلم مما ذكرنا أن قوله: وإلا عجل يدخل تحته ثلاث صور: وهي ما إذا لم يعلم المرتهن بإسلامه وعين، وهي يتفق فيها ابن محرز وبعض القرويين على التعجيل، وما إذا لم يعلم بإسلامه ولم يعين، وما إذا عين وعلم بإسلامه، وكلاهما يختلف فيه. انتهى المراد منه. وقال أبو علي: وحاصل هذه المسألة على ما في التوضيح ونقحه الحطاب أن المدونة قال فيها ما نصه: وإذا أسلم عبد النصراني فرهنه بعته عليه وعجلت الحق إلا أن يأتي برهن ثقة مكان العبد فيأخذ الثمن، فقيده بعض القرويين بما إذا لم يقع الرهن على عينه، وقيده ابن محرز بعلم المرتهن للعبد بإسلامه، فجمع المص بينهما، فالصور أربع. الأولى: علم المرتهن بإسلامه ولم يعين، فله أن يأتي برهن ثقة، وهو صريح كلام المتن وموافق للقيدين. الثانية: لم يعلم مرتهنه بإسلامه وعين، فيعجل الحق على ما قال المص، وهو موافق للقيدين أيضا. الثالثة: انتفاء العلم ولم يعين، فمقتضى كلام المتن تعجيل الحق، وهو موافق لقيد ابن محرز. الرابعة: علم وعين فمقتضى كلام المص التعجيل أيضا، وهو موافق لقيد بعض القرويين، ومخالف لقيد ابن محرز. والثلاث الأواخر داخلة في قول المتن: وإلا عجل، وجعل اللخمي محل الخلاف إذا أسلم العبد قبل الرهن، وأما بعده فلا يعجل اتفاقا إذا أتى برهن ثقة وتبعه في الشامل. وهذا كله إذا أراد الكافر أخذ الثمن وإلا فلو عجله لكان له ذلك، وقول المتن: وإلا عجل، هذا إذا كان الراهن مليا وكان الدين مما يعجل، وأما إن كان معسرا أو كان الدين مما لا يعجل وهو العرض والطعام إذا كانا من بيع ففيه أقوال، من جملتها أن الثمن يبقى رهنا، وعليه فيقيد به كلام المتن، ويدل عليه ما يأتي للمص من هذا في بابه. انتهى. وقال الشبراخيتي: فإن كان الدين مما لا يعجل، فقيل: يمضي البيع ويبقى الثمن رهنا، وقيل: يغرم قيمته وتبقى رهنا، وقيل: يأتي برهن مثله. انتهى. وفي الرهوني ما معناه: فإن كان عرضا من بيع خير

стр. 5076

المرتهن في قبول التعجيل فإن قبله فلا إشكال، وإن لم يقبله فقيل يبقى الثمن رهنا لخ، وقد مر أن قوله: وأتى برهن ثقة، مقيد بما إذا أراد الراكمن أخذ الثمن الذي يباع به العبد الذي لم يكتف برهنه في إخراجه عن ملك سيده الكافر، فإن أراد تعجيله في الدين فله ذلك. كعتقه قال عبد الباقي: أي إذا أعتق الكافر عبده المسلم الذي رهنه عند أمره ببيعه فإنه يعجل الحق سواء كان موسرا أو معسرا، ولا يبقى المعسر ليلا يدوم ملكه على مسلم، وبهذا يعلم أن التفصيل الآتي في الرهن من قول المص: ومضى عتق الموسر وكتابته وعجل والمعسر، يبقى في غير الكافر. كذا قرره بعض شيوخنا. قاله أحمد. ولا يخفى أن تعجيل الحق من المعسر إنما يكون برد عتقه وبيع العبد عليه فلا ضرر على المرتهن. وهل يقيد التعجيل في هذه بما إذا كان مما يعجل وإلا جرى فيه ما مر وهو الظاهر؟ أم لا، ورد علي الأجهوري على أحمد قوله: إنما يأتي في غير الكافر، بأنه خلاف ظاهره الشامل للسيد المسلم والكافر وظاهر شراحه؛ أي فما هنا مجمل وما يأتي مفصل له ولغيره. انتهى. قول عبد الباقي: كذا قرره بعض شيوخنا لخ، مثله للشيخ أحمد بابا وهو ظاهر، وما رده علي الأجهوري غير ظاهر، وكذا ما في الحطاب ومن تبعه من قصر ما هنا على الموسر غير صواب، وقال الحطاب. كعتقه؛ الضمير راجع للعبد المرهون وليس هو خاصا بمسألة العبد الكافر إذا أسلم، بل مراده أن الراهن إذا أعتق عبده الرهون فإنه يقضى بتعجيل الدين الذي عليه إن كان موسرا، وستأتي المسألة مفصلة في باب المرهن. انتهى. وبالغ الشيخ أبو علي في صحة ما لعبد الباقي من أحمد، وقال: إنه هو الحق، واعترض على الحطاب والفيشي والخرشي، وصوب الرهوني ما للحطاب. والله سبحانه أعلم. وجاز رده عليه بعيب يعني أنه إذا بيع على الكافر عبده المسلم فإنه يجوز للمشتري إذا وجد به عيبا أن يرده عليه، بناء على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله، وهو المذهب، وقيل: لا يجوز، ويتعين الرجوع للأرش بناء على أن الرد بالعيب ابتداء بيع. قاله الخرشي. ومثله لعبد الباقي إلا أنه زاد: ولا يقال على جواز رده: لا يتولى البيع إلا السلطان وبيعه بيع براءة؛ لأنا نقول: بيعه ليس ببيع براءة في هذه المسألة، بل في مال المفلس. انتهى. قال بناني: تبع في هذا التخصيص عليا الأجهوري، ولم نجد ما يشهد له من كلام الأئمة، فالصواب إبقاء القاعدة على

стр. 5077

أصلها، وأما السؤال فإنه غير وارد إلا على من فرض المسألة فيما يشمل إسلامه قبل البيع وبعده كالمص وبعض شروحه كالحطاب، أما من فرضها في خصوص إسلامه بعد البيع كابن رشد وابن شأس وابن عبد السلام وابن عرفة والمواق فلا يرد عليه شيء. تأمل. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: ويظهر لي أنه لا يصح إلا فرض ابن رشد ومن ذكر معه: أو بيعُ الكافرِ المسلمَ لا بيع الحاكم؛ لأن بيع الحاكم لا رد فيه في الرقيق، والمبيع هنا رقيق، وهذا هو ظاهر النقول التي ساقها المواق، وكذا كلام ابن سلمون وغير واحد، واستثناء هذه المسألة من ذلك الحكم يحتاج إلى دليل واضح. انتهى المراد منه. وقال الحطاب: وما ذكره المؤلف من الرد هو لابن القاسم، وقال أشهب وغيره: لا يجوز رده ويتعين الرجوع بالأرش، وقال أبو علي: وجاز رده عليه بعيب؛ هذا مذهب ابن القاسم؛ وما أحسن عبارة ابن الحاجب في هذا إذ يقول: وفي رده عليه بعيب أو يتعين الأرش قولان، لابن القاسم وأشهب، بناء على أنه فسخ أو ابتداء، وقول أشهب قال به ابن الماجشون واختاره ابن حبيب، وظاهر المتن ولو نوى المسلم بالعبد الإسلام كما في التهذيب. انتهى. وفي خيار مشتر مسلم يمهل لانقضائه؛ يعني أن الكافر إذا باع عبده الكافر لمسلم بالخيار؛ أي بخيار للمسلم المشتري للعبد، وأسلم العبد في أمد الخيار، فإن المسلم المشتري للعبد يمهل في ترويه إلى أن ينقضي أمد الخيار، ولا يستعجل بإعلام ما عنده من رد أو إمضاء، وقوله: في خيار، متعلق بيمهل. قاله بناني. وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أن الكافر إذا باع عبده الكافر لمسلم فأسلم العبد في أيام الخيار، فإن كان الخيار للمسلم فإنه يمهل لانقضائه لتعلق حق المسلم بالتأخير؛ المازري: وهو ظاهر المدونة، فإن رده المسلم على الكافر بيع عليه أي جبر على إخراجه بشيء مما تقدم. ويستعجل الكافر؛ يعني أن العبد الكافر إذا أسلم في أيام الخيار والخيار لكافر فإن ذلك الكافر الذي له الخيار يستعجل بإعلام ما عنده من رد أو إمضاء بائعا كان أو مشتريا؛ قال الحطاب مفسرا للمص: ويستعجل الكافر أي وإذا كان الخيار للكافر فإنه يستعجل، وظاهره سواء كان

стр. 5078

بائعا أو مشتريا، وهو ظاهر في الأول منصوص عليه في الثاني. نقله بناني. وقال عقبه قلت: بل هو منصوص عليه فيهما كما في المدونة، ونصها على نقل المواق: لو باع نصراني عبدا نصرانيا من نصراني بخيار للمشتري أو للبائع فأسلم العبد في أيام الخيار لم يفسخ البيع، وقيل لمالك الخيار: اختر أو رد، ثم بيع على من صار إليه. انتهى. وظاهر المص أن الكافر يستعجل سواء كان العاقد معه مسلما أو كافرا، والذي في نص ابن يونس أن ذلك محله إذا كان العاقدان كافرين، ونصه: قال بعض أصحابنا: إذا كان المتبايعان كافرين عجل الخيار، وإن كان أحدهما مسلما لم يعجل إذ قد يصير للمسلم منهما. انتهى. ابن عرفة عن التونسي: انظر لو كان الثلاثة كفارا وأسلم العبد وبائعه، هل يعجل تخيير الكافر كما لو أسلم العبد وحده أو يؤخر؟ لأن الملك والخراج لمسلم يريد أن الخيار للمشتري. انتهى. نقله بناني. قال: ولم أر في كلام ابن عرفة وغيره ما يوافق إطلاق المص: فقول الزرقاني: إن قول ابن يونس ضعيف كما في التوضيح وغيره قد علمت ما فيه. تأمله. على أن المص نقل كلام ابن يونس واعتمده مقتصرا عليه، وليس فيه ما يشير إلى ضعفه، ونقل أيضا ابن عرفة عن ابن محرز مثل النظر الذي للتونسي. انتهى. كبيعه إن أسلم وبعدت غيبة سيده، تشبيه في تعجيل السلطان لبيعه، قال الخرشي: يعني أن العبد الكافر إذا أسلم وسيده الكافر غائب بعيدة كعشرة أيام مع الأمن أو اليومين مع الخوف فإن السلطان يتعجل بيعه ولا يمهله إلى مجيء سيده، فالتشبيه في استعجال بيعه وجهل محل السيد كبعده، فلو بيع عليه ثم قدم السيد وأثبت أنه أسلم قبل العبد نقض البيع، ولو أعتقه المشتري نقض العتق، ولو حكم فيه؛ لأن الحكم لم يصادف محلا انظر أبا الحسن؛ إلا أن يكون الحكم من مخالف يرى أن بيعه على الوجه المذكور لا ينقض. وقال الحطاب عند قوله "كبيعه إن أسلم وبعدت غيبة سيده": تشبيه في تعجيل البيع. وقاله في المدونة. وجهل موضعه كبعد غيبته. قاله أبو الحسن. قال: وهذا إذا لم يطمع بقدوم السيد، فإن طمع بقدومه انتظر يدل عليه ما في كتاب العيوب. انتهى. وفهم من تقييد الغيبة بالبعيدة أنه لا يبيعه في القريبة وينتظره، وصرح به في المدونة، فإن بيع العبد ثم قدم السلب فأثبت أنه أسلم قبل إسلام العبد كان له أن يأخذه بطريق الاستحقاق، فإن عتق كان له نقض العتق قاله أبو الحسن. وقال عبد الباقي: وشبه في تعجيل

стр. 5079

السلطان بيعه قوله: كبيعه إن أسلم العبد في غيبة سيده الكافر وبعدت غيبة سيده بأن كانت عشرة أيام مع الأمن أو يومين مع الخوف، وهل يتلوم له إن رجي أم لا؟ فيه الخلاف الذي ذكره في الخيار بقوله: فتلوم في بعيد الغيبة إن رجي قدومه كإن لم يعلم موضعه، وفيها أيضا نفي التلوم، وفي حمله على الخلاف تأويلان، واقتصار الحطاب على التلوم حيث رجي قدومه فيه قصورٌ، واقتصر أحمد عن المشدالي على أن جهل الموضع كبعد الغيبة، ومفهوم المص إن قربت غيبته لم يبع بل يكتب إليه، لاحتمال إسلامه قبل إسلام العبد أو بعده وقبل بيعه فإنه أحق به. قال أحمد: لو بيع عليه أي في منطوق المص ثم قدم وأثبت أنه. إلى آخر ما مر. قَوْلُ الزرقاني: واقتصار الحطاب على التلوم حيث رجي قدومه فيه قصورٌ، فيه نظر؛ إذ ما في الحطاب نقله عن أبي الحسن، وقد أحال على ما في كتاب العيوب، ونصه: قال أبو الحسن: وهذا إذا لم يطمع، إلى آخر ما مر. وفي المدونة: قال ابن القاسم: إذا أسلم عبد النصراني وسيده غائب فإن بعدت غيبته بيع عليه ولم ينتظر، وإن قربت غيبته نظر في ذلك السلطان وكتب فيه خوف أن يكون قد أسلم، أو يرى أن يسلم الآن، وكذلك النصراني الغائب تسلم زوجته، وعلم مما قررت أن محل قوله: إن أسلم وبعدت غيبة سيده، في إسلام العبد في غيبة سيده الكافر؛ لأن قوله: بعدت غيبة سيده، جملة حالية، وأما لو غاب وتركه مسلما فالظاهر أنه يباع مطلقا ولا ينتظر قربت غيبته أو بعدت. قاله ابن رشد. قاله أبو علي. وفي البائع يمنع من الإمضاء، هذا مفهوم قوله: وفي خيار مشتر مسلم؛ يعني أن المسلم إذا باع عبده الكافر من كافر على أن الخيار للبائع المسلم تم أسلم العبد في أمد الخيار فإن البائع المسلم يمنع من إمضاء البيع وهو ظاهر المدونة. قاله الشيخ أبو علي. وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله: وفي البائع يمنع من الإمضاء، ذكر ابن الحاجب في هذا قولين وهما مخرجان، كما نقله ابن شأس عن المازري، على أن بيع الخيار هل هو منحل فيمنع من الإمضاء لأنه كابتداء بيع أو منبرم فيجوز. قال في التوضيح: والمعروف من المذهب انحلاله، ثم قال: والظاهر المنع وإن قلنا إنه منبرم إذ لا فرق بين ما في يد المسلم رفع تقريره وبين ابتداء بيعه بجامع تمليك الكافر للمسلم

стр. 5080

في الوجهين. انتهى. فاعتمد المص هنا ما هو مخرج على المعروف من المذهب مع أن المنصوص لابن محرز خلافه، ونصه: لو كان البائع مسلما والخيار له وأسلم العبد فواضح كون المسلم على خياره، ولو كان الخيار للمشتري احتمل بقاء الخيار لمدته إذ الملك للبائع، وتعجيله إذ لا حرمة لعقد الكافر. انتهى. ونقله ابن عرفة وأقره، وبه نظر المواق في كلام المص، وأيده بكلام ابن يونس المتقدم. والله أعلم. نعم، في نقل ابن عرفة عن اللخمي أنه قال: استحسن عدم إمضائه فإن فعل مضى. انتهى. ومثله لأبي الحسن، فعدم الإمضاء عندهما مستحب فقط، وقوله: وفي البائع لخ، اعلم أن الصور العقلية في المسألة تسع: لأن المتبايعين إما كافران (١) معا، أو الكافر البائع فقط، أو المشتري فقط، فهذه ثلاث، وكل منها الخيار فيه إما للبائع فقط، أو للمشتري فقط، أو لهما، فهي تسع، يؤخذ مما تقدم حكم ست منها، وهي: لا إذا كان الخيار لأحدهما فقط، والثلاث الباقية وهي: أن يكون الخيار لهما معا في الأقسام الثلاثة، فإذا كان أحدهما مسلما والخيار لهما فإن كان المسلم بائعا منع من الإمضاء على ما عند المص، وإن كان مشتريا بقي الخيار لمدته لحق المسلم، ثم إن اتفقا على الرد أو الإمضاء عمل عليه، وإن اختلفا قضي لمن رد منهما، وذلك إن صار للمسلم فظاهر، وللكافر أجبر على إخراجه، ومثل ما قلناه يأتي إذا كانا معا كافرين، لكن مع الاستعجال، ومن صار له منهما عجل عليه إخراجه من ملكه. انتهى. وهذه التسع مأخوذة من كلام المص إما صريحا وإما تلويحا. انظر حاشية الشيخ بناني. وفهم من قول المص: وأجبر على إخراجه لخ، أنه لو واجر كافر عبده الكافر لكافر أو مسلم فأسلم العبد في أثناء مدة الإجارة لانفسخت الإجارة، وبيع من مسلم أي يخرجه من ملكه بشيء مما مر، انظر شرح الشيخ أبي علي. وقد مر شيء من هذا. وفي جواز بيع من أسلم بخيار تردد؛ يعني أن الكافر إذا أسلم عبده فإنه يجبر على إخراجه من ملكه كما عرفت، وهل يجوز له أن يبيعه على خيار له أو للمشتري لما فيه من طلب الاستقصاء للكافر الذمي في ثمنه، وفي العدول عنه تضييق على الكافر ولا يدفع ضرر بضرر؟ أو لا يجوز لبقاء المسلم في ملك الكافر زمن الخيار، في ذلك تردد للمازري. قاله الخرشي. وقال أبو علي: أي إن
следующие страницы →