حتى انقضت مدة الحيازة لم يكن له شيء. انتهى. وفهم من قوله: حتى انقضى المجلس أنه لو تكلم قبل انقضاء المجلس لم يلزمه البيع، وهو كذلك، ولو سكت حتى انقضى المجلس ثم قام وادعى الجهل فلا يعذر بجهله، ولم يذكر المؤلف حكم شراء الفضولي وهو كبيعه، فإذا اشترى سلعة لغيره بغير إذنه فإن البيع ينعقد، ولا يكون للبائع حل الصفقة إذا أخذها المبتاع لنفسه، ولا يفيد إقرار البائع بعد البيع بالتعدي، ففي المدونة: لو باع أمة ثم أقر بغصبها لم يصدق على المبتاع وغرم لربها قيمتها. انتهى. الرهوني: الأكثر من ثمنها أو قيمتها. وفي الحطاب: وسئل ابن أبي زيد عن امرأة باع زوجها ملكا لها وهي ساكتة عالمة بالبيع؟ فأجاب: إن أنكرت ذلك فلها ذلك ولا يمين عليها، إلا أن يدعي المشتري عليها أنها رضيت بذلك. انتهى. قوله: إن أنكرت ذلك؛ يعني بالمجلس. قاله مقيده. والله أعلم. قال الحطاب: وهذا في الرشيدة، وأما السفيهة فللقائم نقضه وإن طال الزمان.
فرع: قال الحطاب: دار بين رجلين باع أحدهما من أجنبي نصفها على الإشاعة، هل يقع بيعه على نصفه؟ فينفذ، أو على نصفه ونصف شريكه فينفذ في نصيبه دون نصيب شريكه، اختلف في ذلك. انتهى.
تنبيه: في الحديث الشريف (أنه ﵊ دفع لرجل دينارا ليشتري له به شاة فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار وأتى به وبشاة للنبي ﷺ فقال له ﵊ (بارك الله لك في صفقة يمينك (١)) فاستجيب دعاؤه فيه، فكان يخرج بعد ذلك إلى الكوفة فيربح الربح العظيم، ولا يقال: هذا شراء؛ لأنا نقول بهذا الحديث استدل المالكية على بيع الفضولي، مع أن الحديث فيه بيع شاة بعد أن صارت في ملكه ﵊. تنبيهات: الأول: قال ابن عاصم:
وحاضر بيعَ عليه ماله … في مجلس فيه السكوت حاله
يلزم ذا البيع وإن أقر من … باع له بالملك أعطى الثمن
стр. 5112
وإن يكن وقت المبيع بائعه … لنفسه ادعاه وهو سامعه
فما له إن قام أيَّ حينِ … في ثمن حق ولا مثمونِ
قال الشيخ ميارة: من بيع عليه ماله، لا يخلو إما أن يكون حاضر المجلس عند البيع، وعليه تكلم في هذه الأبيات، أو غاب عنه ثم بلغه وهو الذكور في الأبيات بعد هذه، وفي كل من الوجهين إما أن يقر البائع بالملك فيه لرب ذلك الشيء، أو يدعيه لنفسه، فإن كان حاضرا فلا قيام له قام بقرب أو بعد مدة، وإن كان غائبا ففيد تفصيل، وأثار بالأبيات إلى أن الحكم في الرجل يباع عليه ماله وهو حاضر فلا يقر ولا ينكر وسكت حتى انقضى المجلس، فإن البيع يلزم، وإن أقر له البائع بالملك، أعطي الثمن وأما إذا باعه وهو ينسبه لنفسه، وهو يقول: إنما أبيع مالي وصاحب المال ساكت لا يقر ولا ينكر. ثم قام يطلبه بعد ذلك فلا سبيل له إليه، وسكوته رضى منه بدعوى البائع، وإقرار منه له بالملك، أو يكون أراد به الكر والخديعة، كما قال مالك ﵀: فيلزمه ذلك إذا كان البائع لا سلطان له ولا قدرة له على الغصب، فمن بيع ماله بالقهر والغلبة لا حكم لسكوته.
الثَّاني: قال ابن عاصم:
وغائب يبلغه ما عمله … وقام بعد مدة لا شيء له
وغير من في عقدة البيع حضر … وبالمبيع بائع له أقر
وقام بالفور فذا التخيير في … إمضائه البيع أو الفسخ اقتفي
وإن يقم من بعد أن مضى زمن … فالبيع ماض وله أخذ الثمن
إن كان عالما بفعل البائع … وساكت (١) لغير عذر مانع
стр. 5113
قوله: وغائب يبلغه، البيت، معناه أن من بيع ماله وهو غائب عن مجلس العقد، والبائع يدعيه لنفسه، وبلغ ذلك رب المال، ولم يقم إلا بعد مدة، لا شيء له في ثمن ولا مثمون، فضلا عن رد البيع وفسخه، والدليل على أنه ادعاه لنفسه قوله في البيت الثاني: وبالمبيع بائع له أقر، ومفهوم قوله: بعد مدة، أنه لو قام بالفور كان له النظر في إمضاء البيع وأخذ الثمن، وفسخ البيع وأخذ شيئه، وقوله: وغير من في عقدة البيع لخ؛ يعني أند لو بيع ماله وهو غائب، والبائع يقر أن المبيع لغيره، وقام ربه بالفور فإنه يخير في إمضاء البيع وأخذ الثمن، وفسخه وأخذ شيئه، وأما إن لم يقم حتى مضى زمن، فإن البيع يمضي، ولرب المبيع أخذ الثمن، هذا إذا كان عالما بفعل البائع وسكت لغير عذر، ومفهومه أنه إن لم يعلم فله القيام وإن مضى زمن، كما أنه لو سكت لعذر من خوف على نفسه أو ماله فلا حكم لسكوته، فله القيام طال الزمن أو قصر، وقوله: وغير من في عقدة البيع حضر، مستغنى عنه لأنه هو فرض المسألة. وبالله تعالى التوفيق. وأشار بالبيت الأول إلى قوله في المفيد: وكذلك إن باعه وهو غائب وهو يدعيه لنفسه، فبلغ صاحب المال ذلك، فلا يغير ولا ينكر ولا يشهد على ذلك عدولا، ثم قام يطلبه بعد ذلك فلا سبيل له إلى ذلك، ولا إلى ثمنه. انتهى. وقال أحمد بن عبد الملك في الرجل الذي لم يحضر البيع: إذا علم وسكت يوما أو يومين فإن له القيام وفسخ البيع، ما لم تكثر الأيام فيلزمه، واعتمد الناظم هذا، ولم يعتمد ما نقل عن ابن زرب: أنه سئل عن رجل بيع عليه ماله وهو غائب، ثم علم بالبيع وسكت سنة أو سنتين؟ فقال: القيام له واجب؛ أي له الخيار إلى سنة أو سنتين. قال الشارح: وفي جعل ابن زرب الخيار للغائب بعد علمه إلى سنة أو سنتين إشكال. فتأمله. انتهى. وإشكاله ظاهر، والظاهر اللزوم. قاله الشيخ ميارة. والله سبحانه أعلم. وقال الشيخ أبو علي: والحاصل أن الحاضر تفصيله ظاهر، وأن الغائب نقل ابن بطال يدل على أن له نقض البيع إلا في الأيام الكثيرة، وظاهر أن ذلك نحو الشهر وما يقرب منه، بدليل مقابلته باليومين ونحوهما، وابن زرب جعل له الخيار إلى السنة والسنتين، وفيه إشكال، ولكن تقدم كلام ابن رشد: أن الخيار إنما يقطع بمضي عام فيمن لم يحضر العقد بعد علمه ولم يبين هل البائع ادعاه
стр. 5114
لنفسه أو لا، وكلام ابن رشد انظره عنى قول المتن: وملك غيره على رضاه. الثَّالِثُ: قال ابن رشد: وأما الهبة والصدقة والتدبير والعتق فإن كان حاضر المجلس فسكت حتى انقضى المجلس لم يكن له شيء، وإن لم يكن حاضرا فقام حين علم كان على حقه، وإن لم يقم إلا بعد العام كان القول قول الحائز، وأما الكتابة فيتخرج ذلك على الاختلاف في الكتابة هل هي بيع أو عتق؟ وقد مضى الكلام عليهما. الرجراجي بعد كلام في الحيازة: فإن فوَّت الحائز هذه الأشياء ببيع أو هبة أو تصدق أو إصداق أو عتق أو إيلاد قبل انقطاع أمد الحيازة، فلا يخلو أن يبادر المالك بالإنكار حين علم أو يتراخى عنه، فإن بادر بالإنكار في الحال من غير تراخ فله الرد للبيع والعتق والصدقة، وإن لم يقابله بالإنكار في الحال إلا أنه قام بالقرب، فله الثمن في البيع، والقيمة والعتق بعد أن يحلف أنه ما سَوَّغ ذلد ولا تركه إلا ليأخذ الثمن أو القيمة، والهبة والصدقة والإصداق مردودة بعد يمينه أنه ما تراخى عن القيام بنَفْسِ الْعِلْمِ إلا للتدبير في إقامة الحجة، وهذا تفسير ما وقع لمطرف في الواضحة، فإن تراخى عن الإنكار مدة طويلة يفهم منها إسقاط الحجة وتسليم الشيء لحائزه وتسويغ فعله فلا خلاف في المذهب أن ذلك يدل على الملك للحائز، وفيه فوائد وبيان لما أشار إليه ابن الناظم، إلا أن في رطء الإماء لخ، وإلى ما مر أشار ابن عاصم بقوله:
وحاضر لواهب من ماله … ولم يغير ما رأى من حاله
فالحكم منعه القيام بانقضا … مجلسه إذ صمته عين الرضا
والعتق مطلقا على السواء … مع هبة والوطء للإماء
قوله: والعتق، مبتدأ وخبره على السواء مع هبة؛ يعني أن العتق يستوي مع الهبة، فإن كلا منهما إذا وقع بحضرة المالك وسكت، حفى انقضى المجلس وهو ساكت بلا عذر يمنعه من القيام لا قيام له بعد ذلك، ومعنى: مطلقا، كان العتق ناجزا أو لأجل. وقوله أو وطء الإما، قال
стр. 5115
الشارح: فيه إشكال فليتأمل. قال الشيخ ميارة: وإشكاله ظاهر، فإن الإقدام على بيع مال الغير وهبته ليس كالإقدام على وطء ملك الغير. والله أعلم. ولعل ذلك مع ادعاء الواطئ أن سيدها وهبها له أو باعها منه، فإذا وطئها وسيدها حاضر لا مانع له من الكلام فذلك حوز يمنع قيام سيدها، كمن حاز دارا على حاضر عشر سنين لخ، فإن الحوز لا ينفع إلا مع ادعاء الملكية، وفي تقسيم الحوز ذكروا وطء الإماء وأنه من أقوى أوجه الحوز. انتهى. قال أبو علي: قوله: ولعل ذلك لخ، رأيت قول الرجراجي: فإن فوت الحائز لخ، ولم يشترط شيئا وهذا هو ظاهر كلام ابن رشد؛ لأن كلامه في تصرف الحائز الذي يفوت به الحوز. انتهى.
الرابع: من له دين على رجل فمات المدين وحضر رب الدين لقسم التركة فإن بقي من التركة قدر دينه فأكثر لم يقسم، فلربه القيام بدينه بعد يمينه أن سكوته وقت قسم ما قسم لم يكن إسقاطا (١) لحقه ولا تركا له، ولابد مع ذلك من يمين أخرى، وهي يمين القضاء أنه لم يقبضه ولا شيئا منه، ولا تركه ولا أحال عليه، لوجوبها على من له حق على ميت، أو غائب، أو صغير، ثم يقضى دينه مما لم يقسم من التركة، وفهم من كلامه أنه إذا حضر القسم وقسم جميع التركة ولم يتكلم فلا قيام له، إلا أن يكون سكوته لعذر، وفهم منه أيضا أنه إن بقي ما لا يفي إلا ببعض الدين، فإنه يقتضي ذلك البعض ويسقط الباقي. والله أعلم. وإلى ذلك أشار في التحفة بقوله:
وحاضر لقسم متروك له … عليه دين لم يكن أهمله
لا يمنع القيام بعد أن بقي … للقسم قدر دينه المحقق
ويقتضي من ذاك حقا ملكه … بعد اليمين أنه ما تركه
стр. 5116
قال في المنتخب: قيل لعيسى: فلو مات رجل فاقتسم ورثته ماله ورجل حاضر ينظر إلى قسمهم ثم قام بعد ذلك بذُكر حق، قال: فلا شيء له، إلا أن يكون له عذر في ترك القيام وهو يدعي حقه عند ما يحدث فيه هذا الإحداث، تشهد البينة أنه كان مدعيا لحقه، أو يكون غائبا، أو يكون لهم سلطان فيمتنعون به، ونحو هذا مما يعتذر به، فهو على حقه أبدا وإن طال زمانه إذا كان له عذر من بعض ما وصفنا. انتهى. ولو قال: إنما سكتُّ لأن الرسم كان غائبا عني وخفت إن طلبت ديني عجزني القاضي، وقال: لم أجد ما أقوم بد حتى الآن، فلا شيء له. انظر شرح الشيخ ميارة. والله تعالى أعلم.
الخامس: إذا استفاد الزوج مال زوجته فاستغل حائطها أو حرث أرضها أو أكراها لغيره وقبض الكراء، ولم يكن مُتَّعَ بذلك، أو قبض لها دينا أو ثمن ما باعه من أمتعتها نائبا عنها، وسكتت عن طلب ما يجب لها من ذلك، ثم قامت بعد ذلك تطلب ما يجب لها من ذلك، فالمنصوص في المذهب عن مالك أن لها القيام في حقها على الزوج في حياته، هذا أي مطلق (١) الاستفادة، واختلف في السكنى بخصوصها هل ترجع عليه بكراء ما سكن أر لا ترجع؟ وكذلك اختلف فيما استغله من جنانها ومات الزوج، والذي جرى بد العمل أنه إن مات الزوج أخذت كراء ما استغله، مفهومه: أنها لا تأخذ كراء ما سكن، ومفهوم: في الموت، أنها ترجع في حياته، وأما ما متعت به الزوج بعد عقد النكاح فلا رجوع لها به من ذلك، وإلى هذا أشار ابن عاصم بقوله:
والزوجة استفاد زوج مَالَهَا … وسكتت عن طلب لما لها
لها القيام بعد في المنصوص … والخلف في السكنى على الخصوص
كذاك ما استغله من غير أن … مُتَّع إن مات كمثل ما سكن
فيه الخلاف والذي به العمل … في الموت أخذها كراء ما استغل
стр. 5117
قال في طرر ابن عات: قال القاضي: فإن وزع مالها وهي رشيدة وانتفع به وهي تحته فطالبته بالكراء كان ذلك لها، وكذلك إن أكرى مالها وهي ساكتة تنظر فيه ثم طلبته بالكراء كان لها، ورجعت به عليه إن أحبت لأن مال أحد لا يطيب إلا عن طيب نفس منه، المرأة وغيرها في ذلك سواء. نقله الشيخ ميارة. ثم نقل بعده ما هو: ولم يختلف قول مالك أنه إذ أكل مالها وهي تنظر ولا تغير، أو أنفقت عليه أن لها أخذه بذلك (بعد يمينها (١) لا تنفق عليه ولا تتركه يأكل إلا لترجع عليه بحقها لا حسبة) انتهى.
والعبد الجاني على مستحقها، فيه عطف على معمولي عامل واحد ولا إشكال في جوازه، ومعنى كلامه أن العبد الجاني إذا بيع بغير إذن المجني عليه فإنه يوقف إمضاء بيعه على رضا المجني عليه، فله رد بيع المالك وإمضاؤه، وقوله: على مستحقها أي الجناية، ومستحق الجناية هو المجني عليه. والله تعالى أعلم. قال بناني: لم يذكر يعني المص حكم الإقدام على البيع مع علم الجناية، قال ابن عرفة: وفي هباتها لابن القاسم: من باع عبده بعد علمه بجنايته لم يجز إلا أن يحمل الأرش وإلا حلف ما أراد حمله. انتهى. ونقل أبو الحسن عن اللخمي الجواز واستحسنه وهو ظاهر.
وحلف إن ادعي عليه الرضا بالبيع: يعني أن المجني عليه إذا ادعى على مالك العبد الجاني أنه رضي بتحمله للجناية بسبب بيعه له فإن السيد يحلف أنه ما قصد بالبيع تحمل الأرش، فمعنى حلف توجهت عليه اليمين. قال عبد الباقي: وحلف بالبناء للفاعل أي السيد العالم بالجناية؛ أي توجهت عليه اليمين إن ادعى عليه المجني عليه الرضا بتحمل الأرش بالبيع؛ أي بسببه لظهور فعله على ما قال المدعي: أنه باع راضيا بتحمل الجناية، فيحلف على نفي ذلك، وذكر البيع لأنه الغالب، وإلا فالهبة والصدقة كذلك، كما في المدونة، ويصح بناء حلف للمفعول أيضا بشد اللام، فإن نكل لزمه الأرش. انتهى. قوله: وإلا فالهبة والصدقة كذلك؛ قال الرهوني:
стр. 5118
الإشارة إلى جميع ما أفاده كلام المص في البيع. انتهى؛ يعني من قوله: والعبد الجاني على مستحقها وحلف إن ادعِيَ عليه الرضى بالبيع إلى آخر ما يأتي. والله تعالى أعلم. ومثل الهبة والصدقة العتق، وقوله: إن ادعي عليه، قال بناني: ينبغي ضبط ادُّعِيَ بالبناء للمفعول ليشمل ما إذا ادعى المجني عليه، وما إذا ادعى المشتري لما له من الحق.
ثم للمستحق رده؛ يعني أنه إذا حلف السيد أنه ما باع راضيا بتحمل الجناية، فإنه يثبت الخيار لمستحق الجناية وهو المجني عليه، بين أن يرد البيع ويأخذ العبد في جنايته، وبين أن يمضيه ويأخذ الثمن؛ أي ما بيع به العبد، كما يأتي للمص من قوله: وله أخذ ثمنه وعلم من قوله: الرضا بالبيع، أنه باعه عالما بالجناية، وأما لو باعه غير عالم بالجناية فلا يمين على البائع؛ ومحل تخيير المستحق، إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش فإن دفع له السيد أو المبتاع الأرش فلا كلام له؛ أي للمجني عليه حينئذ، وقدم السيد لأنه هو الذي يخير أولا، فإن دفع الأرش فلا إشكال، وإن امتنع السيد من دفع الأرش خير المشتري، فإن دفع الأرش تم البيع، فإن امتنع أيضا فهو محل خيار المجني عليه بين رد البيع وإمضائه، فقوله:
وله؛ أي للمجني عليه إمضاء بيعه، وإذا أمضاه فله ثمنه، راجع لقوله: ثم للمستحق رده، أي وبعد أن يحلف البائع أنه ما رضي بتحمل الجناية يخير المستحق بين أن يرد البيع ويأخذ العبد الجاني، وبين أن يمضي البيع ويأخذ الثمن، هذا إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش، وإلا فلا كلام له، إن دفع المبتاع الأرش من عنده رجع على البائع به؛ أي بالأرش الذي افتكه به من المجني عليه إن كان أقل من الثمن، أو بثمنه. أي العبد الجاني إن كان، الثمن أقل من الأرش؛ أي يرجع على البائع بالأقل منهما؛ لأن من حجة البائع للمبتاع أن يقول له: لم يلزمني إلا ما دفعت لي إن كان الثمن أقل، وإن كان الأرش أقل يقول لا يلزمني غيره.
تنبيه: قال الرهوني: سكت المص وشراحه من حكم ما إذا دفع البائع الأرش، هل له أن يفسخ البيع؟ ولا كلام للمشتري، وفي ابن عرفة: ما نصه: وفي جناياتها: إن باعه بعد علمه حلف ما أراد حمل الأرش وكان للمجني عليه أخذ الثمن أو العبد، إلا أن يشاء ربه فكه بالأرش فيكون له إلزام المشتري بيعه إن كان أعلمه بجنايته، وإلا فلا، قال غيره: هذا إذا كانت جنايته عمدا وإن
стр. 5119
كانت خطئا فكعيب ذهب. قلت: ظاهره أن لربه فسخ بيعه بعد فكه من المجنى عليه بعد حلفه. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: قال ابن القاسم: ولو فداه البائع فللمبتاع رده لهذا البيع، إلا أن يكون بيَّنه له البائع. قال غيره: هذا في العمد، وأما في الخطإ فلا، وهو كعيب ذهب. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وإلى تفسير هذا الغير لقول ابن القاسم أشار المص بقوله:
وللمشتري رده إن تعمدها؛ يعني أن المشتري للعبد الجاني له أن يرد البيع إذا لم يعلم المشتري بتعمده للجناية عند البيع لأنها عيب، ولا رد له إن كانت الجناية خطئا كما هو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي عند قوله: إن لم يدفع له السيد أو المبتاع الأرش، ما نصه: فالخيار للسيد أولا حيث كانت الجناية على غير النفس عمدا أو خطئا ثم قال: وقولي: حيث كانت على غير النفس، احترازا عما إذا كانت على النفس، فإن ولي المجني عليه يخير في قتله واستحيائه، فإن استحياه خير سيده حينئذ بين إسلامه وفدائه. انتهى.
الثَّانِي قال عبد الباقي: وقيد قوله: أو بثمنه إن كان أقل بما إذا سلم البائع العبد الجاني للمشتري، ثم فداه المشتري فإن باعه للمشتري ثم قبل تسليمه له سلمه للمجني عليه، فدفع له المشتري الأرش أو الثمن فأخذه منه، فإن المشتري يرجع بثمنه، ولو كان أكثر من الأرش الذي فداه به؛ لأن من حجته أن يقول للبائع: أنت أخذت مني الثمن في مقابلة العبد مع أنك سلمته للمجني عليه، فادفع لى ما أخذته مني، وهو قيد معتمد. كما يفيده السوداني وأحمد عن التوضيح، وعن ابن غازي. انتهى. قوله: كما يفيده السوداني لخ، قال بناني: ليس في التوضيح ولا في ابن غازي ما ذكره، ولم ينقله الشبراخيتي إلا عن السوداني وأحمد. انتهى. وقال الرهوني: بحث فيه بناني والتاودي بأنه ليس في التوضيح ولا ابن غازي، وذلك يدل على أنهما قبلا الفرق بين الصورتين، وإنك ما بحثهما في العزو، وقال شيخنا الجنوي: ليس في التوضيح ولا في ابن غازي شيء، ولا يفهم من كلامهما، وليس الفرق بينهما بجلي. انتهى. وما قاله ظاهر.
стр. 5120
الثالث: قال في زبدة الأوطاب: لسيد العبد الجاني بيعه إلا أن يلتزم إعطاء الأرش وهو ثقة مأمون، أو يأتيَ بضامن فيؤخر اليومين ونحوهما، فإن بادر فباعه ودفع الأرش للمجني عليه مضى بيعه وإلا لم يمض، وحكى اللخمي قولا بجواز بيعه.
الرَّابع: إذا ولدت الأمة بعد الجناية لم يسلم ولدها معها؛ لأن المجني عليه إنما يستحقها يوم الحكم، وقد زايلها الولد قبله، وتُسْلَمُ بمالها، وهو قول أشهب في الولد والمال، قاله الحطاب. ونقله من المدونة. قاله الرهوني. وما نقله عنها هو في كتاب جنايات العبيد منها، وذكر ابن يونس عنها مثله هناك ولم يزد عليه شيئا، وهو يوهم قبل التأمل أنها تسلم ويبقى الولد على ملك سيدها وذلك لا يصلح للتفرقة، فالمراد من كلامها، هذا أنه لا حق للمجني عليه في الولد، وما وراء ذلك شيء آخر بَيَّنه في كتاب التجارة لأرض الحرب: ونصها: ومن له أمة وولدها صغير فجنت الأم أو الولد جناية فاختار السيد إسلام الجاني، قيل له وللمجني عليه: بيعاهما، ثم يقسم الثمن على قيمتهما جميعا. انتهى. وإذا جنى العبت فلم يحكم فيه حتى جنى جنايات على قوم خير سيده بين فدائه منهم وبين تسليمه لهم يتحاصون فيه، فإن فداه ثم جنى خير ربه.
الخامس: اعلم أن كلام المص هنا أعني قوله: والعبد الجاني لخ، شامل للنفس والطرف، فالعبد الجاني في قتل العمد يوقف بيعه على مستحق الجناية فإن قتله فلا إشكال وإن استحياه خير سيده بين إسلامه وفدائه، فالتخيير في الرد والإمضاء جاء بعد تخيير آخر في قتله واستحيائه.
السادس: في الجواهر: الجاني إذا تعلق برقبته أرش الجناية ثم باعه سيده بعد علمه صح البيع ووقف اللزوم، فإن دفع الأرش لأهل الجناية لزم البيع إن كان أعلم المبتاع بجنايته، إلى آخر كلامه. نقله الشيخ أبو علي. وقال الشيخ أبو علي بعد نقول ما نصه: وهذا كالصريح على أن الجناية لا فرق في كونها في الأموال أو في الدماء.
ورد العبد ليضربنه ما يجوز؛ يعني أن من حلف بحرية عبده ليضربنه ضربا يجوز له، كعشرة أسواط، وسواء أطلق في يمينه أو أجل ثم باعه قبل أن يضربه فإن البيع ينقض؛ إذا نقض البيع رد العبد المحلوف بحريته لملكه؛ أي ملك سيده حلف بحريته، ويستمر في ملكه، ولا يرجع من البيع للحرية، خلافا لقول ابن دينار: إند يرد البيع ويعتق. ويمنع في صيغة الحنث
стр. 5121
المطلقة من البيع والوطء، والمؤجلة من البيع، فإن لم يضربه حتى مات السيد عتق من ثلثه، ولو كاتبه ثم ضربه بر عند ابن المواز، وقال أشهب: لا يبر ويمضي على كتابته ويوقف ما يؤدي، فإن عتق بالأداء تم فيه الحنث وصار حرا وأخذ كل ما أدى، وإن عجز ضربه إن شاء. وقال أصبغ عن ابن القاسم مثله في العتبية، نقله أبو الحسن وأتى بهذه المسألة في سلك اشتراط القدرة، لأن البائع لا قدرة له على التسليم، ولا خصوصية للضرب بل حيث حلف بحرية عبده أو أمته وكانت يمينه على حنث، ومفهوم قوله: ما يجوز، لو حلف على ما لا يجوز له رد البيع وعجل عتقه بالحكم. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: ولما قدم أن من الشروط القدرةَ على التسليم، ذكر ما لا قدرة للبائع فيه على التسليم، الآن الممنوع شرعا كالممنوع حسا، فقال: ورد البيع في حلفه قبله بحرية رقيقه ذكرا أو أنثى صيغة حنث لأضربنه مثلا أو أحبسنه أو أفعل به ما أي فعلا يجوز، فلما منع من البيع حينئذ رد بيعه أجل الفعل أم لا، فإن لم يرد البيع حتى انقضى الأجل في المقيد به وحنث؛ أي جاء وقت حنثه أن لو كان في ملكه ارتفعت عنه اليمين فلم يرد البيع. قاله ابن يونس. قال الحطاب: ويعلم مند أن الأمة أو العبد قبل رد البيع في ملك المشتري وضمانه. انتهى. وهو يشمل المؤجل وغيره، ولا ينافي هذا ما في المدونة: من أنه إذا مات السيد قبل أن يضربه عتق من ثلثه، قال فضل: لأنه لو فعل في المرض بر، فتركه ذلك كابتداء عتقه في المرض، لحمل كلامها على ما إذا فات وهو في ملكه بأن لم يبعه أو بعد رد بيعه، ثم ما تقدم من منعه من البيع أجِّل أم لا، مثله المنع من الوط، إن لم يؤجل، فإن أجل فله وطؤها إليه، بخلاف العتقة لأجل فيمنع من بيعها ووطئها أيضا؛ لأنه شبيه بنكاح المتعة، ولأن مجيء الزمن محقق، بخلاف الحلف بعتقها ليفعلن بها كذا مع التأجيل، فيحتحمل أن يفعل بها قبل الأجل فينتفي حنثه (١) فحنثه غير محقق قاله أبو الحسن. ورد لملكه واستمر فيه في موضوع حلفه على ما يجوز، وذكره لدفع توهم رده لضربه ما يجوز ثم جبره على عوده للمشتري، فإن حلف بحريته على ما لا يجوز من ضرب وغيره رد البيع أيضا وعتق عليه بالحكم، كحلفه ليضربنه ألف سوط. قال في
стр. 5122
المدونة: عَجَّلتُ عتقه أي بعد رد البيع إذ لا يعتق عليه وهو في ملك المشتري، فإن تجرأ وضربه قبل الحكم، عتق عليه بالحكم إن شأنه، وإلا بيع عليه، ولا ينافي عتقه عليه بالشين بعد التجرؤ قولها: عجلتُ عتقه؛ لأن معناه بالحكم على طريقة ما مر في قوله. "أو بمحرم كإن لم أزن إلا أن يتحقق قبل التنجيز" وبهذا التقرير علم أن البيع يرد مطلقا حلف بعتقه على ما يجوز أو على ما لا يجوز، لكن يرد لملكه (١) المستمر إن جاز، ورد لملكه وعتق عليه إن لم يجز. انتهى. وقوله ورد البيع في لأضربنه لخ، اعلم أنه إذا ضربه وهو في ملك المشتري في بره قولان، ورد البيع واضح على القول بعدم بره بضربه في ملك المشتري، وكذا على بره حيث لم يمكنه المشتري من ضربه، وإلا لم يرد البيع. قاله عبد الباقي. وقال: ولو كاتبه ثم ضربه بر عند ابن المواز؛ أي بناء على أنها بيع وأنه يبر بضربه عند المشتري، وقال أشهب: لا يبر، ويمضي على كتابته ويوقف ما يؤدي: فإن عتق بالأداء تم فيه الحنث وصار حرا وأخذ كل ما أدى، وإن عجز ضربه إن شاء، وقال أصبغ عن ابن القاسم مثله في العتبية، وهو مبني على أن الكتابة بيع وعلى أنه لا يبر بضربه عند المشتري، وأما على أنها عتق فيحنث بمجردها ولو عجز كذا يظهر، وينبغي أن يقيد قول ابن المواز بما إذا وقع الضرب قبل أداء نجوم الكتابة، وأما بعد أدائها فلا يبر؛ إذ بالأداء تم فيه الحنث وصار حراة وعليه فالخلاف بين ابن المواز وغيره فيما إذا ضربه قبل أداء النجوم؛ فتأمله.
تنبيه: علم مما قررت أنه حلف على حنث بحرية عبده المبيع كانت صيغة يمينه لأضربنه أو لأحبسنه أو لأفعلن به كذا، فالمدار إنما هو على الحلف بحرية عبده الذي باعه، والصيغة صيغة حنث، ولا خصوصية للضرب، فلو حلف بحرية غير الذي باعه كقوله لياسر: صانع حر إن لم أضربك، فقال عبد الباقي: يعتق عليه ذلك الغير بمجرد البيع، قال الرهوني: كتب شيخنا الجنوي على قوله: فيعتق ذلك الغير، ما نصه: غير ظاهر والظاهر أنه لا يحنث حتى يموت العبد أو السيد، ولكن يمنع من بيعه ووطء الأمة، نعم إن قيد بأجل يجوز له الوطء، وإذا بلغ الأجل يعتق عليه. انتهى من خطه. وما قاله ظاهر لا شك فيه؛ وقد تقرر في باب اليمين والطلاق
стр. 5123
أن المشهور في صيغة الحنث عند عدم النية أنها على التراخي، ولا يتحقق الحنث فيها إلا بالموت. انتهى المراد منه. قال مقيده عفا الله عنه: قوله: ولكن يمنع من بيعه، مراده بيع المحلوف بحريته على ضرب غيره، وقال عبد الباقي: وأما لو حلف بالطلاق فينجز عليه بمجرد بيعه لأن فيه عزما على الضد. قال بناني: فيه نظر؛ لأن هذا قول ابن دينار وهو خلاف مذهب المدونة: أنه يضرب له أجل الإيلاء، لعله يملكه. انتهى. فَإن قُلْت: هو في فرض المص عزم على الضد. فالْجَوَابُ: أنه لا يلزم من بيعه له أن يعزم على الضد لاحتمال أن يكون ناسيا، أو ظن أن المشتري لا يمنعه من ضربه، وأن ذلك يفيده أو يحتال على ضربه تعديا. انظر الشبراخيتي. وهذا السؤال مبني على الحنث بالضد وقد مر ما فيه. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ أبو علي محصلا لهذد المسألة أعني قوله: ورد البيع في لأضربنه ما يجوز ورد لملكه:
والحاصل أن من حلف بعتق ملك له فإن كانت يمينه على بر فلا يمنع من البيع ولا من الوطء في الأمة، وإن مات فلا عتق أصلا، وعلى حنث فيمنع من البيع والوطء، وإن مات فمن الثلث يعتق، ولا يمنع خدمة ولا استئجارا في يمين الحنث، وأحرى في يمين البر. انتهى المراد منه. واعلم أنهم مثلوا لما لا يجوز بألف سوط، ومثلوا للجائز بعشرة أسواط، وأما المائة فقال أصبغ: إنها من التعدي. وقال ربيعة: إنه إذا حلف ليجلدن عبده مائة سوط، وقف حتى ينظر أيجلده أم لا؟ قال الشيوخ: هو موافق لقول مالك، وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا حلف ليجلدنه مائة فقد أساء ويترك وإياه. وقال ابن حبيب: وبالأول أقول، ويصدق السيد أن العبد وقع منه ذنب يقتضي الأدب، ولو أقر أنه يضربه ظلما بغير سبب عتق عليه. وقال أبو محمد: إنه يمكن من ضربه بغير ذنب إذا كان يسيرا واستبعده ابن رشد. قاله الحطاب؛ يعني إذا حلف بحريته مثلا. انظر زبدة الأوطاب. قوله: واستبعده ابن رشد، هو جدير بذلك بل بالإنكار. قاله مقيده عفا الله عنه.
وجاز بيع عمود عليه بناء للبائع؛ يعني أنه يجوز للشخص أن يبيع عمودا له عليه بناء له. قال الخرشي: ذكر المؤلف هذا لدفع توهم أن كونه عليه بناء للبائع يمنع القدرة على تسليمه، والمعنى
стр. 5124
أنه يجوز للشخص بيع عمود عليه بناء لبائعه أو لغيره بقيدين: أوَّلُهُمَا: لجواز الإقدام على البيع لا لصحته، وهو ما أشار إليه بقوله: إن انتفت الإضاعة؛ أي إضاعة المال الكثير من جهة البائع خاصة، بأن يكون البناء الذي عليه لا كثير ثمن له، أو يكون المشتري أضعف للبائع الثمن الذي أخذ به العمود، أو يكون البائع احتاج إلى هدم البناء الذي على العمود بسبب اختلاله، أو غير ذلك من الوجوه. والنهي عن إضاعة المال إنما هو حيث لم يقع في مقابلة شيء ولو يسيرا بدليل جواز الغبن. والثاني لصحة البيع وهو المشار إليه بقوله:
وأمن كسره؛ أي وأمن على العمود كسره عند إخراجه من البناء ليحصل التسليم الحِسِّي، ويرجع في أمن كسره لأهل المعرفة، فإن لم تنتف الإضاعة صح البيع: وأما إن انتفى الشرط الثاني فلا يصح البيع. انتهى كلام الخرشي. وقال عبد الباقي: وجاز بيع عمود عليه بناء للبائع أو غيره برضاه. ودفع بهذا توهم أن البناء عليه يمنع القدرة على تسليمه إن انتفت الإضاعة لمال البائع الكثير، بأن أضعف له المشتري الثمن، أو كان على العمود بناء يحتاج للنقض أو يسير، فإن لم تنتف الإضاعة فظاهر المص عدم الجواز لكنه صحيح؛ لأن هذا حق آدمي، وظاهر كلام غيره الجواز؛ لأن إضاعة المال إنما، تمنع حيث وقعت لا في مقابلة عوض أصلا؛ لأن بيع النفيس بثمن يسير راجع إلى بيع الغبن، أو باب السفه، وكلاهما حق آدمي، فعلى هذا يكون هذا الشرط غير معتبر. وأما قوله: وأمن كسره، فهو معتبر فإذا لم يؤمن كسره لم يجز، ويفسد البيع، ولو اشترط المشتري سلامته. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني: بأن أضعف له المشتري لخ، هذا ذكره اللخمي كما في التوضيح، ثم ذكر اعتراض الحطاب لهذا الذي للخمي. قال بناني: وما قاله الحطاب غير مسلم لأن إضاعة المال إنما تكون فيما لم ينتفع به أحد، وهنا ليست كذلك. انتهى. ثم قال بناني: ومما تنتفي به الإضاعة أن يمكن تعليق البناء وتدعيمه. قاله عياض. وقول الزرقاني: وظاهر كلام غيره الجواز لخ، أصل هذا لابن عبد السلام، ونصه: والقيد الأول لا حاجة إليه في هذا الباب؛ لأن بيع النفيس بالثمن اليسير راجع إلى باب الغبن أو باب السفه، وكل ذلك من حق الآدمي، والكلام هنا إنما هو في حق الله تعالى. ولا يصح تركه ولو تواطأ المتبايعان عليه. هذا الذي يذكر في الشروط والأركان والموانع، وبه تعلم أنَّ بَحْثَ بعضهم مع
стр. 5125
الزرقاني بأنه ليس في ابن عرفة ولا في التوضيح ولا في غيرهما من الشروح ما يفيد الجواز الذي ذكره غيرُ ظاهر، نعم يبحث في تعليل ابن عبد السلام بأن ما ضاع على أحد المتبايعين في الغبن ينتفع به الآخر، وفي البناء ينقض لا ينتفع به أحد، فهو إضاعة محضة. والله أعلم. وهو من الفساد المنهي عنه كما في التنبيهات، ونصه: قالوا: إنما هذا إذا كان يمكن تدعيمه وتعليقه، ولو كان البناء الذي عليه لا يمكن نزع العمود إلا بهدمه لكان من الفساد في الأرض الذي لا يجوز. انتهى كلام بناني.
وقال الحطاب: قال في التوضيح: إن انتفت إضاعة المال فإن إضاعته لا تجوز، كما إذا كان لا يقدر على إخراجه إلا بهدم الغرفة التي فوقه لأن ذلك من الفساد. اللخمي: إلا أن يكون قد أضعف له في الثمن أو تكون الغرفة تحتاج إلى النقض أو كان عليه بناء يسير. انتهى. وقال أبو علي: وجاز بيع عمود عليه بناء للبائع، هذا نحو قوله في المدونة: ولا بأس بشراء عمود عليه بناء للبائع، المازري: وشرط هذا البيع أن لا يتضمن إضاعة المال في هذا البناء، وأن يؤمن على العمود الإفساد، وإليه أشار بقوله: إن انتفت الإضاعة وأمن كسره. اللَّخْمِيُّ: وإزالة البناء الذي على العمود على البائع، وهو معنى قوله:
ونَقَضَه البائعُ؛ أي نقض البناء الذي على العمود على بائع العمود. قال الحطاب: قال في التوضيح: ولم يذكر المص يعني ابن الحاجب من عليه النقض، والمنصوص لمالك أنه على البائع، وذكر المازري عن بعض الأشياخ أنه استبعده، قال: ولا وجه لاستبعاده. وحكى عن ابن القاسم أن على البائع أن يزيل ما فوق العمود ليصل المبتاع إلى قبضه. انتهى. وقال عبد الباقي: ونقضه، أي البناء الذي على العمود البائعُ أي أزال ما عليه اتفاقا وكذا قلعه نفسه، ويشهد له ما حكاه المازري عن مالك وهو أحد قولين مرجحين، والآخر أنه على المشتري، وصدر به القرافي؛ وذكره صاحب النكت عن بعضهم، وعزاه ابن يونس للقابسي، وعلى الأول فضمانه في قلعه من البائع، وعلى الثاني من المبتاع. كذا يظهر. لا قول الحطاب كالتتاني عن بعض القرويين على المبتاع مطلقا. وإذا بيع سيف محلًّى وغَنَم فقط على ظهرها صوف ونخل فقط عليها تمر فإزالة الحلية
стр. 5126
وقلع الصوف والثمرة على البائع، وإذا بيعت الحلية نفسها أو الثمرة أو الصوف فإزالة كل عن محله على مبتاعه، ومن دعا إلى تخليص ملكه أجيب وإن لم يرض الآخر. انظر الحطاب. انتهى وهواء فوق هواء من وصف البناء قال الخرشي: يعني أنه يجوز للشخص أن يقول لصاحب أرض: بعني عشرة أذرع فوق ما تبنيه فوق أرضك إن وصف متعلق البناء الذي للأسفل والذي للأعلى، يصف كل بناءه (١) لانتفاء الغرر. لأن صاحب الأسفل يرغب في خفة بناء الأعلى، وصاحب الأعلى يرغب في ثقل بناء الأسفل، ويوصف المرحاض وقناته والميزاب ومصبه. فقوله: وهواء أي مقدار من هواء، وأما الهواء فلا يصح بيعه، وهواء بالمد وهو ما بين السماء والأرض وأما بالقصر فهو ما تحبه النفس. قال في توضيحه: وفرش سقف الأسفل بالألواح على من اشترط عليه، وإلا فعلى البائع على الأصح، ولا يجوز لمبتاع الهوا، بيع ما على سقفه إلا بإذن البائع؛ لأن الثقل على حائطه. انتهى. قال بعضهم: ويفهم مند أنه ملك ما فوق بنائه من الهواء، إلا أنه لا يتصرف فيه لحق البائع في الثقل لخ، ومفهوم فوق هواء مفهوم موافقة كأن يبني المشتري الأسفل والبائع الأعلى، ويجبر صاحب الأسفل على البناء ليتمكن صاحب الأعلى. انتهى كلام الخرشي. وفي حاشية بناني أن الظاهر منعهما معا من البناء فوق الأعلى. وقال الحطاب: وهواء فوق هواء؛ أي وجاز بيع هواء فوق هواء فأحرى هواء فوق بناء إن وصف البناء أي الأعلى والأسفل ويصف بماذا (٢) يبنيه من آجر وحجر. قاله في التوضيح. وقال اللخمي: ويصف عرض حيطان البناء ويبنيه بالمعتاد من آجر وحجر. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز بيع مقدار هواء فوق هواء بأن يقول شخص لصاحب أرض: بعني عشرة أذرع فوق ما تبنيه بأرضك وقدرنا مقدار لأنه المراد وأما الهواء نفسه فلا يصح بيعه إن وصف البناء الذي للأسفل والذي للأعلى. ووصف لفظا أو عادة ما يبني به، ويملك الأعلى الهواء الذي فوق بنائه ولكنه لا يبني فيه إلا برضى الأسفل.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: ثم إنه يجري هنا قوله الآتي: وهو مضمون، ويجري في قوله: وغرز جذع لخ، قوله هنا: إن وصف البناء، ففيد احتباك انتهى. الثاني: قال الحطاب في
стр. 5127
التوضيح: قال علماؤنا: من ملك أرضا أو بناء ملك هواها (١) إلى أعلى ما يمكن واختلفوا هل يملك باطنها أو لا (٢)؟ على قولين ورجح بعضهم الملك لقوله ﵊: (طوقه من سبع أرضين (٣)) وفيه نظر. انتهى. وفي حاشية بناني: ولا مرفق لصاحب الأسفل في سطح الأعلى إذ ليس من الأفنية.
وغوز جذع في حائط، هذه المسألة تارة تكون بيعا وتارة تكون إجارة، وحينئذ فيقدر بعد الواو محذوف؛ أي وجاز عقد على غرز جذع لشخص في حائط لآخر، وصورتها أن تقول لشخص: بعني موضعا من حائطك لأغرز فيه هذا الجذع، فإذا لم تضربا لذلك أجلا فهو بيع. وهو مضمون، يعني أن الحائط المذكور مضمون في ذمة بائع الموضع من الحائط، فإذا انهدم لزمه أن يعيده، وأما إذا اختل موضع الجذع فإصلاحه على صاحب الجذع، ولما كان قوله: وغرز جذع، شاملا لما إذا عينا أجلا وما إذا لم يعينا أجلا بحسب ظاهر اللفظ استثنى من ذلك استثناء متصلا قوله: إلا أن يذكر مدة؛ يعني أنهما إذا عقدا على مدة معينة فإنه لا يكون الحائط مضمونا في ذمة البائع؛ لأن العقدة حينئذ إنما هي إجارة، وإذا كانت إجارة فإنها تنفسخ بانهدامه؛ أي الحائط قبل تمام المدة لتلف ما تستوفى منه المنفعة، وإذا فسخت فإنه يرجع فيها للمحاسبة. قال الخرشي مفسرا للمص ما نصه: هو؛ يعني قوله: وغرز، معطوف على بيع بعد حذف المضاف؛ أي وجاز معاقدة غرز جذع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ أي وجازت المعاقدة على موضع غرز جذع أي إدخال جذع أو جذوع في حائط لرجل ثم تارة لا يعين فيه مدة فيكون بيعا، وإذا انهدم الحائط لزم البائع إعادته، وأما إن حصل خلل في موضع الغرز فإصلاحه على المشتري إذ لا خلل في الحائط، ولو باع البائع داره بحائطه أو مات فاستظهر الحطاب أن بناء الحائط على الوارث أو على المشتري إن علم، وإلا فعيب وتارة يعين مدة فتكون إجارة موضع الغرز من الحائط، تنفسخ بانهدام الحائط ويرجع للمحاسبة لتلف ما يستوفى منه، فإن قيل: إن كان بيعا فلم لزم البائع
стр. 5128
إعادة الحائط مع أن ذلك صار مملوكا للمشتري؛ وكان المناسب أنه إذا انهدم لا شيء على البائع، فالجواب: أن مشتري محل الجذع بمثابة من اشترى علوا على سفل، فيلزم صاحب الأسفل إعادته لأجل أن يتمكن صاحب الأعلى (١))، وإنما قدرنا معاقدة ليشمل البيع والإجارة بدليل التفصيل الذي بعده. انتهى كلام الخرشي. وقال عبد الباقي: وجاز عقد على غرز جذع؛ أي جنسه فيشمل المتعدد في حائط لآخر بيعا أو إجارة، وهدم موضع الجذع (٢) على المشتري أو المكتري، كمن استأجر أرضا ليبني بها فتهيئتها عليه فيما يظهر، لا على البائع كنقض العمود وهو مضمون، فيلزم البائع أو وارثه أو المشتري منه مع علم محل الجذع إعادة الحائط إن هدم، ويستمر ملك موضع الجذع للمشتري أو وارثه أو المشتري منه، فإن لم يعلم المشتري من البائع محل الجذع خير في نقض شرائه، ولا كلام له في محل الجذع، وأما إن حصل خلل في موضع الجذع فإصلاحه على المشتري؛ إذ لا خلل في الحائط. واستثنى من قوله: مضمون، استثناء متصلا على التقدير الذي ذكره قوله: إلا أن يذكر المستأجر موضع الجذع مدة حين عقدها فإجارة تنفسخ بانهدامه أي الحائط قبل تمام المدة، ويرجع للمحاسبة، ولا يلزم الموجر إعادته لفسخها بتلف ما يستوفى منه. انتهى المراد منه. وقال الرهوني: وغرز جذع في حائط وهو مضمون؛ يعني بشرط وصف الجذع، أو الجذوع غلظا أر رقة ونحوهما كما في المواق عن المدونة، وإن أطلق المص وأغفل الزرقاني وغيره هذا التقييد.
تنبيه: هذه المسألة شبيهة بمسألة من اشترى ممرا في دار من غير أن يشتري من رقبة الأرض شيئا، وقد جمع بينهما في المدونة، فيجري في هذه الإشكال الذي جرى في مسألة الممر، قال الوانوغي عند قول المدونة في كتاب القسمة: ومن اشترى من رجل ممرا في داره من غير أن يشتري من رقبة الأرض شيئا جاز. انتهى. قلت: وهاهنا بحث يوجب إشكالا في المسألة تقديره أن يقال: المشترى إما عين فالمصطلح عليه بيع، وإما منافع فالصطلح عليه إجارة أو كراء، لابد من الأجل فيها، فيلزم على هذا فساد مسألة المدونة هذه؛ يعني لأن المنافع مشتراة وهي غير
стр. 5129
موقتة، أجاب شيخنا ابن عرفة بأن بيع المنافع على قسمين، منافع يبقى معها التصرف للمكري في أصل ما تستوفى منه، ومنافع لا يبقى معها تصرف ببيع أو تحبيس أو هبة، فالأول: هو الذي يشترط فيه الأجل، والثاني: لا لأنه لما لم يبق له شيء صار كالمشتري للأصل، فصار شبيها ببيع العين، فلذا صحت ولم تفتقر لضرب الأجل. انتهى. ونقله ابن غازي وأقره. وتأمله ولابد. انتهى. وفي الحطاب ما معناه: لو اختل موضع غرز الجذع مع صحة بناء الحائط قيل لصاحب الجذع: أصلح موضع جذعك أو دع؛ لأنه ملك الوضع ويترتب على ذلك أحكام الملك من الهبة والميراث. والله أعلم. انتهى.
وعدم حرمة؛ يعني أنه يشترط في المعقود عليه عدم حرمة لملكه أو بيعه، واعلم أنه إن فسرنا قوله: وعدم حرمة، بحرمة التملك، ورد عليه إناء النقد فإنه يصح بيعه ولا يجوز تملكه، وإن فسرنا قوله: وعدم حرمة بحرمة البيع كان مستغنى عنه بقوله: وعدم نهي. قال عبد الباقي عند قوله: وعدم حرمة مستغنى عنه بقوله: وعدم نهي، ولعله أتى به ليبين أن المراد بالنهي المنفي هو الحرمة ولأجل قوله:
ولو لبعضه، وهوأي قوله: ولو لبعضه، مقيد بما إذا دخلا أو أحدهما على علم حرمة الحرام كقلتي خل، فإذا إحداهما خمر، وشاتين إحداهما ميتة، وثوب وخنزير يعتقد أحدهما أنه قنفذ، والآخر يعلم ذلك، وعبدين استحق أحدهما بحرية، ومشتر دارا فوجد بعضها حبسا، فيفسد العقد في الجميع لجمع الصفقة حلالا وحراما، مع علمهما أو أحدهما بذلك كما علمت، وبه تقيد القاعدة المذكورة، وأما إذا جهل كل منهما ذلك فلا يفسد، ثم إن كان وجه الصفقة فعليه رد الباقي. وإن كان أقلها لزمه الباقي بما ينوبه من الثمن، كما هو مصرح به في باب الاستحقاق، ويجري مثله في العيوب، وقوله: ولو لبعضه، أشار إلى القاعدة المقررة وهي الصفقة: إذا جمعت حلالا وحراما بطل الجميع بشرط أن يدخلا أو أحدهما على ذلك.
وفي المسألة تسعة أقوال: أحدها: وهو المشهور يبطل الجميع. وهو قوله: ولو لبعضه. ثانيها: يبطل الحرام ويحح الحلال؛ ذكره اللخمي عن ابن القصار. ثالثها: إن كان الحلال النصف فأكثر
стр. 5130
جاز الحلال وبطل الحرام، وإلا بطل الجميع، وهو رأي اللخمي. رابعها: إن سميا لكل واحد منابه جاز الحلال وبطل الحرام، وإلا بطل الجميع. خامسها: إن علما بذلك بطلت كلها، وإن لم يعلما جاز الحلال وبطل الحرام. سادسها: إن كان ذلك لمالك واحد بطلت كلها وإن كان لالكين جاز الحلال وبطل الحرام. سابعها: الفرق بين جنس واحد وجنسين. ثامنها: إن كان الحق لله تعالى بطلت كلها، وإن كان لحق المخلوق بطل الحرام فقط. تاسعها: إن كان مما لا يجوز تملكه ولا بيعه بحال كالخمر والخنزير بطلت كلها، وإن كان مما يتمول ولا يجوز بيعه كأم الولد جاز الحلال وبطل الحرام. نقله الرهوني.
تنبيه: ابن عرفة: الصقليان عبد الحق وابن يونس ذكرا عن أبي العباس الأبياني في رجل اشترى قلال خل ونقلها، فوجد منها ثلاثة خمرا، فعرض له شغل أياما، ثم رجع ليردها فوجدها قد صارت خلا، إن ثبت ذلك ببينة سقط عنه من الثمن بحسب قلال الخمر، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله لم يرد عليه من الثمن شيئا، إلا أن يقر البائع بذلك. قال أبو محمد: الجواب صحيح ويرد القلال التي كانت خمرا إلى البائع، ابن عرفة: لما ذكر المازري قول الأبياني قال: استدركه أبو محمد وتأوله على أن هذه القلال التي تخللت ترد لبائعها، وهذا يمكن أن الأبياني لم يُرِدْه لأن هذه القلال كانت خمرا عند العقد فلا ملك للبائع عليها، فتخللها عند المبتاع رزق ساقه الله إليه، كطائر سقط في داره. نقله محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. قال الرهوني: هذا يقتضي أن ابن عرفة اقتصر على ما نقله عنه وأنه سلم كلام المازري وليس كذلك، بل زاد متصلا بما نقله عنه: وكان بعض من لقيناه لا يحمل كلام أبي محمد على ما فهمه المازري، ويحمله على أن خل القلال التي كانت خمرا يسقط منابها من الثمن، ويكون خلها للمبتاع، ويحمل معنى قول أبي محمد: يرد القلال التي كانت خمرا للبائع، على رد القلال من حيث هي ظروف، لا ردها بما فيها، والصواب ما فهمه المازري عن أبي محمد، وأما استشكاله إياه وقول من لقيناه فيردهما قول المدونة في كتاب الغصب في مسلم غصب خمرا فخللها: فلربها أخذها. انتهى. فالعجب من محمد بن الحسن كيف ترك هذا من كلام ابن عرفة، ثم نقل عن ابن ناجي ما نصه: وظاهر الكتاب يقتضي أنه لو لم يتسبب في إصلاحها بل تخللت بنفسها أنه يأكلها من غير إساءة وهو
стр. 5131
كذلك بإجماع. قاله ابن رشد. فإن قيل لِمَ لَمْ يتم البيع فيها ويكون تخللها كذهاب عيب بالمبيع قبل رده؟ فالجواب أن المعيب تعلق البيع به صحيح لو رضيه المبتاع صح، والخمر لا يصح تعلق العقد به بحال. انتهى. قاله ابن غازي. وهو ظاهر والله أعلم انتهى كلام الرهوني.
وجهل بمثمون أو ثمن؛ يعني أنه يشترط في صحة عقد البيع عدم الجهل بالمثمن أو الثمن، قال الخرشي مفسرا للمص: أي ومما يشترط في البيع عدم الجهل بالمثمون والمثمن، فلابد من كونهما معلومين للبائع والمبتاع، وإلا فسد البيع، وجهل أحدهما كجهلهما على المذهب، وقيل: يخير الجاهل، وقوله: بمثمون أو ثمن؛ أي قدر أو كمية أو كيفية وصفة، وإنما فصل في هذا الشرط دون ما قبله من الشروط بل أجمل ليعلم منه أن كل ما اشترط في أحدهما فهو شرط في الآخر؛ أي ليعلم أن جميع ما مر شرط فيهما أي في الثمن والمثمون، ولو استمر على إجماله لتوهم أنه خاص بالمثمون، فرحمه الله تعالى. انتهى كلام الخرشي. وقال عبد الباقي: وعدم جهل منهما أو من أحدهما بمثمون أو ثمن، فَمَا جهل جملة وتفصيلا كبيع شيء متعدد بزنة حجر أو صنجة مجهولة كما في الش يُمْنَعُ بل.
ولو جهل تفصيلا وعلمت جملته فيمنع ويفسد العقد، ورد المص بلو قول أشهب بالجواز، وأما إن تعلق الجهل بالجملة فقط وعلم التفصيل فلا يفسد، كبيع صبرة بتمامها مجهولة القدر كل صاع بكذا، كما سيقول: أو كل صاع؛ لأنه لا يخرج جزء من الثمن إلا بإزائه (١) جزء من الثمن المعلوم وفاقا للشافعي وأحمد ومنعها أبو حنيفة لجهالة الجملة. انتهى. قال بناني: وقد منعها ابن مسلمة أيضا من أصحابنا. انتهى. قال عبد الباقي: ثم محل فساده فيما ذكر المص مع جهل أحدهما إذا علم العالم بجهل الجاهل وإلا لم يفسد البيع، وإنما حكمه كبيع الغش والخديعة، فللجاهل منهما إذا علم الخيار بين إمضاء البيع ورده، وإذا ادعى الجاهل على العالم أنه يعلم بجهله حلف لرد دعواه، فإن نكل حلف المدعي وفسخ البيع؛ ومحل قوله: بمثمون، عند تيسر العلم كشراء حاضر بحاضرة بمكيال بادية لجهول له، وشراء باد ببادية بمكيال حاضرة مجهول
стр. 5132
له، وإلا جاز كشراء حاضر في بادية بمكيالها المجهول له، وباد بمكيال حاضرة فيها مع جهله له، فالأقسام أربعة، والمراد بعلم المثمن حقيقة أو حكما، فدخل بيع سمن أو زيت وزن بظروفه كل رطل بكذا على أن توزن ظروفه بعد تفريغه ويطرح وزنها من الجملة كما بمصر، فهذه جائزة؛ ودخل أيضا بيعه كل رطل بكذا على أن يوزن بظروفه ويتحرى الظرف ويطرح، على ما أفتى به عبد الباقي بن سراج من جواز هذه أيضا: وظاهره وإن لم يكن الظرف زقا ووافقه غيره إذا كان زقا فقط؛ قال مالك: لأن الناس قد عرفوا وزنها أي الزقاق فإن لم يعرفوه لم يجز ذلك، والمراد بالناس ما يشمل المتبايعين لا غيرهما فقط ليلا يجهلا، ويحتمل أن شأن ذلك أن يعرفه الناس وكان الزائد على الظرف أن لو وجد هبة كما يقع في وزن البصل عندنا بمصر، ولا يجوز نقص الوزن ليزيده بعده شيئا يسيرا يرى أنه وفى له به حقه كما يقع عندنا بمصر؛ وشدد في منعها صاحب الدخل.
وفي الرهوني عن شيخه متعقبا على عبد الباقي أن المسائل ثلاث: أنْ يوزن السمن مثلا بظروفه على أن يطرح وزنها من الجملة، فهذه لا إشكال في جوازهما. الثانية: كذلك إلا أنه يتحرى ظروفها ويطرح من الجملة، وهذه مسألة ابن سراج. الثالثة: أن يوزن بالظروف ولا يطرح شيء، وهي مسألة مالك وجاز ذلك في الزقاق وسئل من القلال؟ فقال: لو علمت أنها مثل الزقاق ما رأيت بها بأسا. انتهى.
قال: وبقيت رابعة وهي بيعه بظروفه على أن يطرح من الوزن قدر معلوم يتفقان عليه ويسميانه عند العقد ولا يزنان الظرف بالفعل ولا بالتحري، وهي جائزة أيضا إذا شهدت العادة أن ذلك لا يختلُّ إلا يسيرا. انتهى. ومن الجهل بالثمن وقوع العقد على دراهم أو دنانير مجملة الصفة مع تعددها بالبلد ولم يغلب إطلاقها على شيء واختلف النَّفاق فالعقد فاسد، فإن غلب إطلاقها على معين حملا عليه، أو اتفقت نَفاقا صح البيع وأجبر البائع على قبول ما يدفع له منها، ومن الجهل بالمثمون شراء نصف شقة ولم يبين ما يأخذه من أي ناحية منها، وليس للتجار سنة بشيء، واختلف مع البائع ونكلا أو حلفا أو اتفقا على وقوع العقد على الإبهام، فإن كان لهم سنة بشيء صح أو حلف أحدهما على البيان صح وكانا على سنتهم وقضي للحالف. انتهى.
стр. 5133
وكلام عبد الباقي هذا يوضحه كلام الحطاب: من اشترى نصف شقة ولم يسم المشتري أولا ولا آخرا، فقال البائع: لا أعطيك إلا الآخر، وقال: المشتري لا آخذ إلا الأول، فإن ادعى كل واحد أنه سمى، أو اتفقا على الإبهام وادعى كل واحد أنه أراد النصف الذي طلبه، حلف كل واحد منهما، فإن حلفا أو نكلا فسخ البيع، وإن حلف أحدهما كان القول له، وإن اتفقا على عدم التسمية وعدم النية كانا شريكين فيها، يقسم الثوب على القيمة ثم يستهمان عليه. انتهى. وفي الرهوني: من الجهل بالمثمون شراء النحل في الأجباح دون كشف عنها ومثل المص لجهل التفصيل بقوله:
كعبدي رجلين بكذا كناية عن الثمن؛ يعني أنه لا فرق بين أن يكون الجهل جملة وبين أن يكون تفصيلا، وجهل التفصيل مثاله بيع عبدين لرجلين يبيعانهما جملة بثمن واحد وتحت ذلك ثلاث صور: أن يكون لكل منهما عبد أو لأحدهما عبد والآخر بينهما، أو كانا بينهما بأجزاء مختلفة، وأما إن كانا بينهما بأجزاء متفقة فالبيع صحيح إذ لا جهل. قال عبد الباقي: والمنع في الصور الثلاث مقيد بما إذا لم ينتف الجهل فإن انتفى جازة كما إذا سميا لكل عبد ثمنا، أو قوما كلا بانفراده، أو دخلا على المساواة قبل التقويم أو بعده، أو جعلا لأحدهما جزءا معينا من الثمن الذي ذكره المشتري أو قبل ذكره ثم بيعا عقدا واحدا. وما ذكره المص تعدد فيه البائع والمبيع، سواء كان المشتري متحدا أو متعددا كما يشمله ظاهره، وسكت عما إذا اتحد البائع وتعدد المشتري بكسر الراء سواء اتحد البيع أو تعدد، والجواز في الأول واضح لأن كل واحد من المشتريين يأخذ بقدر ثمنه من المبيع، وأما الثاني فمقتضى العلة المنع لجهل كل من المشتريين ما اشترى. وفي المواق: البيع صحيح بعد الوقوع وكيفية قسمة بينهما تعلم من كلام الشامل الآتي؛ ثم الشراء في هذه المسائل كالبيع، ففي الشامل: لو اشتريا سلعتين على الشركة جاز، وعلى أن كل واحد يأخذ واحدة بما يناسبها من الثمن قولان. قال الحطاب: والجاري على المشهور المنع. انتهى. وظاهر المص علم المشتري أنهما شريكان أو ظن ذلك، وأشار التونسي إلى أن محل الفساد إذا علم المشتري ذلك لا إن ظن. انتهى. وهذا مبني على الخلاف السابق.
стр. 5134
تنبيهات: الأول: قد مر قول عبد الباقي: ثم محل فساده فيما ذكر المص مع جهل أحدهما إذا علم العالم بجهل الجاهل وإلا لم يفسد قال بناني: هذا التفصيل هو الذي اختاره ابن رشد في البيالت وجزم به، ونحوه في المعيار آخر المعاوضات، لكنه خلاف ظاهر المدونة من الإطلاق وهو مختار اللخمي. قال الحطاب: ولعل المص اعتمد على ظاهر المدونة، فيحمل كلامه على إطلاقه ويؤيد ذلك مسألة العبدين الآتية. انتهى. وقال أبو الحسن في قول المدونة: وإن جهل أحدهما أو كلاهما لم يجز ما نصه: انظر قوله: وإن جهله أحدهما، ظاهره سواء علم العالم بجهل صاحبه أم لا أن ذلك يفسخ ثم ذكر ما لابن رشد. ثم قال: وفيما قاله ابن رشد نظر؛ لأنهما دخلا على غرر فكيف يصح هذا العقد. تأمله. وقال الشيخ أبو علي: ظاهر المص أنهما مهمى جهلا أو أحدهما علم العالم بجهل صاحبه أم لا أن البيع فاسد، وهو الذي شهره عياض. وقال ابن محرز: هو أظهر القولين. قال أبو علي. وهو الصحيح في النازلة، وكلام ابن رشد خلاف المذهب. انتهى. وقال المسناوي: حمل المص على الإطلاق هو الصواب.
وقول الزرقاني: وإذا ادعى الجاهل على العالم لخ، اعلم أن المسائل ثلاث: تارة يثبت علم العالم منهما بجهل الآخر، وتارة يثبت جهل الجاهل دون علم الآخر به، وتارة لا يثبت واحد منهما، ففي الأولى يفسد، وفي الثانية له الخيار عند ابن رشد ويفسد عند غيره، وفي الثالثة يلزم البيع؛ فإن ادعى الجاهل في هذه علم صاحبه بجهله حلف له، وإن نكلى حلف مدعي الجهل أنه كان جاهلا حين العقد وثبت له الخيار. والله أعلم. وظاهر كلام ابن رشد أن اليمين تتوجه إذا ادعى عليه أنه يعلم بجهله ولو كان في الوثيقة أنه عرف الثمن والمثمن، وهذا إنما يظهر فيمن عادة الموثقين منهم التساهل في أمر الوثائق وإلا فلا.
الثاني: قد مر قول عبد الباقي: إن محل قوله: وجهل بمثمون، عند تيسر العلم وإلا جاز كشراء حاضر في بادية بمكيالها لخ. قال الرهوني: هذا هو المشهور ومقابله لأشهب، وهل الخلاف في الفسخ فقط مع اتفاقهما على عدم جواز ذلك ابتداء وهو الذي يقتضيه أول كلام التوضيح؟ أو الخلاف في الجواز ابتداء وهو الذي يقتضيه كلامه آخرا. انتهى المراد منه.
стр. 5135
الثالث: قوله: ولو تفصيلا كعبدي رجلين بكذا. قال الحطاب: فإن وقع فسخ على المشهور، فإن فات ففي المدونة: يمضي بالثمن مفضوضا على القيم، وفي غير الموازية: أنه يمضي بالقيمة كالبيع الفاسد. انتهى. أي المتفق على فساده. وقال الحطاب:
فرع: فإن سميا لكل واحد ثمنا أو قوما أو دخلا على المساواة بعد التقويم جاز. قاله في التوضيح. انتهى. وكتبت هذا بعد ما مر لتقويته.
مسألة: اعلم أن اشتراط ضمان مثل المستحق في عقدة البيع يفسد به البيع، قال ابن القاسم: إذ لا يدري أي الصفقتين ابتاع، وإن كان التزام ذلك بعد عقد البيع فالبيع جائز والشرط باطل، وسواء كان الملك للبائع فقط، أو كان شريكا (١) بينه وبين غيره وضمن للمشتري المثل إن لم يجز الشريك. نقله الرهوني، وفيه: أنه إذا باع الأخ على أخيه الغائب وشرط عليه المشتري أنه إن لم يجز الغائب البيع المذكور أعطاه عوض المبيع من أرضه، فإن البيع فاسد ويفسخ وإن أجازه الغائب. انتهى. وهذا هو الأول أو قريب منه، وعلل الفساد في هذا بأنه غرر، قال الرهوني: ويؤخذ من التعليل الفساد إذا وقع الشرط على وجه آخر وهو أنه إن قام عليه فإنه يرضي القائم من ماله، وهذا منصوص عليه. انتهى. بالمعنى ونقل من الأدلة ما فيه كفاية. والله سبحانه أعلم.
ورطل من شاة يعني أنه لا يجوز للشخص أن يشتري رطلا من لحم شاة مثلا قبل سلخها ذبحت أم لا لأنه لحم مغيب، ومحل المنع ما لم يكن المشتري للرطل مثلا هو البائع للشاة ووقع الشراء عقب العقد بناء على أن اللاحق للعقود كالواقع فيها، وينبغي تقييد المنع أيضا بما إذا لم يدخلا على جعل الخيار للمشتري كما في مسألة الزيتون الآتية.
وتراب صائغ مثال لما جهل جملة وتفصيلا. نقله الشيخ بناني عن ابن الحاجب وابن عرفة قال: وهو الظاهر؛ يعني أنه لا يجوز بيع تراب الصائغ والعطار. قال مقيده عفا الله عنه: هذا المثال والذي قبله معطوفان على عبدي، لكن على اللف والنشر من غير ترتيب؛ إذ قوله: وتراب صائغ، مثال لما جهل جملة وتفصيلا، فهو مثال لما قبل المبالغة؛ ورطل من شاة لما جهلت صفته
стр. 5136
فهو أيضا مثال لما قبل المبالغة. والله سبحانه أعلم. ودخل بالكاف في المثال الأول غير العبيد من الثياب والحيوان وغير ذلك، وبالكاف المقدرة في الثاني الرطل من جميع الحيوانات، ومثل الرطل ما فوقه وما دونه، ودخل بالكاف في الثالث تراب العطار وكل صنعة بالتراب ويعسر تخليصها منه والله سبحانه أعلم. وفي المدونة: ولا يجوز بيع لحم شاة حية أو مذبوحة أو لحم بعير كسر قبل الذبح والسلخ كل رطل بكذا من حاضر ولا مسافر. انتهى.
ورده مشتريه يعني أن تراب الصواغين ونحوهم لا يجوز بيعه؛ إذ لا يدري المشتري هل فيه شيء أم لا؟ وهل ما فيه قليل أو لا؟ فإن وقع فسخ ورد التراب لربه إن لم يفت، وأخذ ثمنه إن كان قد دفعه؛ ولا فرق على المشهور بين كون المشتري قد خلصه أم لا كما قال المص:
ولو خلصه، وقال ابن أبي زيد: قيمته على غرره، وعلى المشهور لو خلصه فله الأجر إن لم يزد على قيمة الخارج، وإلا فهل له الأجر أيضا أو لا؟ قولان. والثاني طريق ابن يونس وهو الراجح، وعلى الأول فإن لم يخرج منه شيء فله أجرة المثل في ذمة البائع، وعلى الثاني فلا شيء له. قوله: وهو الراجح، قال بناني: هو خلاف المشهور فهو مرجوح لا راجح انتهى. قال غير واحد: فإن فات عند المشتري فقيمته يوم قبضه على غرره أن لو جاز بيعه انتهى.
لا معدن ذهب أو فضة؛ يعني أنه لا يمنع بيع تراب معدن الذهب أو الفضة بغير صنفه، وأما بصنفه فيمنع لأن الشك في التماثل كتحقق التفاضل، وأما المعدن نفسه فلا يباع بل إذا مات من أقطعه الإمام له عاد للإمام ويقطعه لمن شاء، كما في المدونة. انتهى. قاله بناني. وقال أحمد: هذا أي بيع تراب معدن ذهب أو فضة من جملة بيع الجزاف فلابد فيه من شروطه الممكنة هنا، ويقوم مقام عده بمشقة كون تحصيله بمشقة. انتهى. وفي قوله: ويقوم لخ، نظر لأن هذا أصله مما يباع وزنا، وما يباع وزنا لا يشترط فيه أن يوزن بمشقة. انتهى. قال بناني: قول الزرقاني عن أحمد: بيع تراب المعدن من بيع الجزاف الخ، قال بعض الشيوخ: لا مانع من بيعه بالكيل مثلا فهو كغيره من المثليات في الكيل والجزاف فيجري على حكم غيره. انتهى. وقال عبد الباقي: وينبغي جواز معدن نحاس وحديد كمعدن عين، والفرق بين معدن ذهب أو فضة وبين ما قبله من منع تراب صائغ شدة الغرر في الأول دون الثاني كما يفهم من الشارح. وأما التفرقة بصنعة
стр. 5137
المخلوق في الأول والخالق في الثاني ففيها نظر. قاله الشيخ كريم الدين. وقال الشيخ أبو علي: قول ابن الحاجب: بخلاف معادن الفضة وفي معادن الذهب قولان. التوضيح: أي بخلاف تراب معادن الفضة فيجوز بيعه لأنه يحزر ما فيه من الفضة، والمشهور في معادن الذهب الجواز، نص عليه المازري: والشاذ لابن حمدون. وفي المدونة في نقل المواق عند قول المص: وطين لبن: أن التراب مثلي فمن غصبه فعليه مثله كيلا أو وزنا.
وشاة قبل سلخها؛ يعني أنه يجوز بيع الشاة بعد ذبحها وقبل سلخها جزافا لا وزنا. انظر المواق والحطاب. لأنه بيع لحم وعرض وزنا. فقول التتائي بالجواز ولو بيعت وزنا على أحد المشهورين غير ظاهر؛ وعلل الجواز فيما ذكره المص بدخولها في ضمان المشتري بالعقد، وما كان كذلك فليس من باب بيع اللحم الغيب، بخلاف ما لا يدخل في ضمانه بالعقد كرطل من شاة وكبيع ما هنا وزنا. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب عن ابن يونس: قال ابن القاسم: ويجوز بيع شاة مذبوحة لم تسلخ ما لم يكن على الوزن كلها أو بعضها، ولا يجوز بيع شاة مذبوحة بشاة مذبوحة وإن لم يكن على الوزن إلا أن يقدر على تحريها. قال ابن يونس: يريد ويستثني كل واحد جلد شاته ليلا يدخله لحم وعرض بلحم وعرض. وقال أصبغ: لا يقدر على تحري ذلك ولا يجوز. وقال مثله سحنون ولم يعجب ابن المواز قول أصبغ. انتهى. والفرق بين هذه وبين بيع رطل أوأرطال في السابقة هو ما مر قريبا، وقوله: وشاة، معطوف على عمود. وقوله: قبل سلخها، وأولى بعده؟ وقال الشيخ أبو علي مفسرا لقوله: وشاة قبل سلخها: أي وكذا يجوز بيع الشاة المذبوحة قبل سلخها قياسا على جواز بيع الحي الذي لا يراد إلا للذبح. انتهى.
وحنطة في سنبل وتبن إن بكيل مسألتان كما قاله غير واحد ومعنى الأولى أنه يجوز بيع الحنطة في سنبلها سواء كان السنبل قائما لم يحصد أو حصد بشرط أن يكون ذلك على شرط الكيل، كأن يشتري منه قفيزا بكذا، ويشتريه جميعا كل قفيز منه مثلا بكذا، ومعنى الثانية أنه يجوز شراء الحنطة في تبنها بعد الحصاد والدرس إن كان ذلك على شرط الكيل، كأن يشتري منه قفيزا بكذا لخ، ومفهوم الشرط في قوله: إن بكيل، أنه لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها ولا في تبنها جزافا
стр. 5138
وهو كذلك. قال في المنتقى: لا خلاف أنه لا يجوز أن تفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل على الجزاف ما دام فيه. قاله الحطاب. وقال المواق: من المدونة: لا بأس ببيع زرع استحصد كل قفيز بكذا بثمن نقدا أو مؤجلا ولو تأخر درسه خمسة عشر يوما. قال سيدي ابن سراج ﵀: وهذا مستثنى من بيع المعين يتأخر قبضه أكثر من ثلاثة أيام للضرورة. وذكر ابن يونس هذا الفصل وقال في آخره: وهذه مسائل استحسان وإنما فيها التسليم والاتباع للعلماء، وقد نص ابن الحاجب على جواز بيع الحنطة على كيل وهي في تبنها. انتهى.
وقت جزافا؛ يعني أنه يجوز بيع القت جزافا إذا كان ذلك مما ثمرته في رأس قصبته كالقمح ونحوه لإمكان حزره عند رؤيته، لا نحو فول وحمص مما ثمرته في جميع قصبته فلا يجوز بيع قته جزافا لعدم إمكان حزره عادة عند رؤيته. قاله عبد الباقي وغيره. والقت جمع قتة وهي الحزمة. وقال الحطاب مفسرا للمص: والمعنى أنه يجوز بيع الزرع جزافا بعد حصده إذا كان حزما، هذا هو المشهور، وقيل: لا يجوز:
لا منفوشا، النفوش هو المخلوط بحيث لا يبقى سنبله لناحية بحيث يمكن حزره يعني أنه لا يجوز بيع الزرع منفوشا لعدم إمكان حزره، فالمدار على إمكان الحزر فالجواز، وعدمِه فلا يجوز البيع جزافا. وقوله: لا منفوشا، عطف على قت باعتبار محله. والله سبحانه أعلم. قال الشيخ محمد بن الحسن: واعلم أن المبيع إما الحب وحده وإما السنبل بما فيه من الحب فإن كان المبيع الحب وحده فيجوز بالكيل في الأحوال كلها، ويجوز جزافا في المخلص فقط دون غيره، وإن كان المبيع السنبل بما فيه من الحب جاز بيعه جزافا في القت والقائم دون المنفوش وما في تبنه. انتهى. الباجي: لا خلاف أنه لا يجوز أن يفرد الحنطة في سنبلها، وكذلك الجوز واللوز والباقلاء لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف ما دام فيه، وأما شراء السنبل إذا يبس ولم ينفعه الماء فجائز، وكذلك الجوز واللوز والباقلاء انتهى.
وزيت زيتون بوزن؛ يعني أنه يجوز بيع زيت زيتون على الوزن، كأن يقول: أبيع لك رطلا مثلا من زيت زيتوني هذا، أو أبيعك زيت زيتوني هذا كل رطل منه بكذا، ومفهوم قوله: بوزن، أنه لو كان جزافا لم يجز البيع، وهو كذلك. قاله الحطاب. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن
стр. 5139
البيع المذكور إنما يجوز إذا لم تختلف كيفية خروجه بقوله: إن لم يختلف، فإن اختلف خروجه لم يجز بيعه إلا بعد خروجه ورؤيته.
إلا أن (١) يخير المشتري عند عصره؛ أي إلا أن يجعل البائع للمشتري الخيار، والمراد يدخل على شرط الخيار فيجوز البيع حينئذ، ولا يجوز النقد فيه حينئذ للتردد بين السلفية والثمنية، وبما قررنا علم أن الاستثناء من مفهوم قوله: إن لم يختلف، وصرح به ليلا يفهم الفساد مطلقا إن اختلف. قاله عبد الباقي. وقال: وجاز بيع زيت زيتون بوزن إن لم يختلف خروجه بل عرف عند الناس وكان الأمر فيه قريبا كالزرع فلا يتأخر تمام عصره أكثر من نصف شهر، ويجوز فيه النقد بشرط؛ كما قد تفيده المدونة خلافا للشيخ أحمد. انتهى. قال الرهوني في قول عبد الباقي: إلا أن يجعل البائع للمشتري الخيار: ظاهره أن البائع لا يشترط جعل الخيار له. وفي التوضيح عن بعض الأندلسيين: وينبغي أن يشترط الخيار لهما معا. انتهى.
وقال عبد الباقي: قال التتائي: وربما أشعر قوله: زيت زيتون، بأنه لو اشترى زيتونا على أن على ربه عصره لم يجز، وهو كذلك. انتهى. ولا يقال: مسألة المص كذلك فلا فرق بين ما أجيز وما منع؛ لأنا نقول: مسألة المص وقع الشراء على الزيت فقط ولذا كان [الثفل] (٢))، فيها للبائع، والممنوعة وقع على الزيتون بزيته معا على أن على البائع عصره. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال بناني: علل المنع في المدونة بأنه كأنه ابتاع ما يخرج من ذلك من الزيت وهو مجهول. انتهى. وهو ظاهر لأن صورة المص شراء الزيت فيها بالوزن، والزيتون في هذه لم يعرف قدر ما يخرج من زيته. وقال أبو الحسن في شرح النص المذكور ما نصه: الشيخ: إن قال: أشتري منك ما يخرج من هذا فهو فاسد، وإن قال: أشتريه منك وأواجرك بكذا فهو جائز وهو بيع وإجارة، وإن قال: أشتريه منك على أن عليك عصره فإنه لا يجوز، وبهذا يرد قول ابن عاشر: لم يظهر وجه منعه إذ غاية ما فيه بيع وإجارة. انتهى.
стр. 5140
وقال الشيخ أبو علي عن ابن يونس: قال مالك: ولا يجوز شرا، سمسم أو زيتون أو حب فجل بعينه على أن على البائع عصره، أو زرعا قائما على أن على البائع حصاده ودرسه، وكأنه ابتاع ما يخرج من ذلك كله وذلك مجهول، فأما إن ابتعت منه ثوبا على أن يخيطه لك أو نعلين على أن يحذوهما فلا بأس به، وإن ابتعت منه قمحا على أن يطحنه لك فقد استخفه مالك بعد أن كرهه، وقوله: إلا أن يخير لا يقال: هذا خيار أيامه كثيرة؛ لأنا نقول: هذا اغتفر للحاجة بدليل أن هذ المدة تكون وإن لم يكن به خيار. انتهى.
ودقيق حنطة، صورتها أن يشتري منه صاعا منه دقيق الحنطة أو يشتري منه دقيق هذه الحنطة كل صاع بكذا، فإن ذلك جائز إذا لم تختلف كيفية خروجه وإلا فلا، إلا أن يخير، كما في المدونة. قاله غير واحد. قال عبد الباقي: فلو قدمه على الشرط والاستثناء لينطبقا عليه أيضا كان أولى؛ وما في التتائي مما يوهم ضعف الشرط هنا غير ظاكر، وكأنه تبع ما فيها في محل آخر، ففيها: ولا يجوز شراء سمسم لخ ما مر قريبا. قال الرهوني: قول الزرقاني: وكأنه تبع ما فيها لخ، يقتضي أن هذا الذي نقله عن المدونة هو مسألة المص هذه وليس كذلك. قاله شيخنا الجنوي. وما قاله ظاهر وإن كان كلام المواق يوهم أنهما مسألة واحدة. انتهى المراد منه. ولقد صدق هو وشيخه في ذلك. والله سبحانه أعلم.
وصاع؛ يعني أنه يجوز شراء قدر معين من صبرة كصاع أو اثنين أو ثلاثة أو أقل من صاع كمد ونصف مد. أو كل صاع يعني يجوز شراء جميع الصبرة على الكيل نحو كل صاع من هذه الصبرة بدينار مثلا.
وعلم مما قررت أن قوله: من صبرة، راجع للمسألتين، وقوله: وإن جهلت، مبالغة؛ ومعنى ذلك أنه يجوز شراء صاع من صبرة كانت الصبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها، وكذلك يجوز شراء جميع الصبرة على الكيل كل صاع منها بدينار، كانت معلومة الصيعان أو مجهولتها، قال الشيخ أبو علي عند قوله: وصاع: أو كل صاع من صبرة وإن جهلت، لا خلاف في ذلك إذا اشترى صاعا واحدا كانت الصبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها، وكذا إذا كانت معلومة وقال:
стр. 5141
اشتريت منك مجموعها كل صاع بكذا. انتهى. واختلف إذا قال: أشتري منك مجموعها كل صاع بدينار وهي مجهولة الصيعان، والمشهور الجواز ومقابله لابن مسلمة.
لا منها وأريد البعض؛ يعني أنه إذا قال: أبيعك آصعا من هذه الصبرة وأريد البعض منهما أو من أحدهما فإن هذا البيع فاسد، وكذا أذرع من هذا الثوب مثلا وأريد البعض. قال أبو علي مفسرا للمص: واختلف إذا قال: أخذت منك منها كل صاع بكذا وهي معلومة الصيعان أو مجهولتها. ابن عبد السلام: والمنع عندي أقرب، ومال إليه المازري بشرط أن يريد بمن التبعيض، وأما إن أراد بها بيان الجنس والقصد أن يقول: أبيعك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فلا. وإلى هذا أشار بقوله: لا منها وأريد البعض. انتهى. فقوله: وأما إن أراد بها أي بمن بيان الجنس فلا؛ هو مفهوم قول المص: وأريد البعض؛ لأنه إذا لم يرد البعض تكون من تبيينيةً؛ أي آصع منها أي هي الصبرة.
تنبيه: قد مر قريبا أنه إذا قال: أبيعك هذه الصبرة كل صاع منها بدينار وهي مجهولة الصيعان والمشترى جميعها فإنها جائزة على المشهور، ومقابل المشهور لابن مسلمة، وفي القسطلاني: أن البيع في هذه الصورة يصح عند الشافعية كالمالكية والحنابلة وأبي يوسف في الكل، ومثلها ببعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم. قال: وقال أبو حنيفة: يصح في واحد فقط. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: لا منها أو من ثوب أو شقة وأريد في جميع ذلك منهما من المشتري ومن البائع أو من أحدهما البعض؛ فلا يجوز لجهل الثمن حالا ومئالا، ومثل ذلك ما إذا لم يرد بمن شيئا فإنه يمنع، كما قال ابن عرفة، خلاف ما يفيده المص، فإن أريد بمن بيان الجنس أي التعميم جاز، ويشترط في الجواز رؤية الصبرة والثوب حيث اشترى كل صاع أو ذراع بكذا؛ لأنه مظنة حزره، لا لتعلم صفة المبيع وإلا اكتفي برؤية بعضه.
وشاة واستثناءَ أربعة أرطال؛ يعني أنه يجوز للشخص أن يبيع شاة ويستثنيَ منها أربعة أرطال أو أكثر بشرط أن لا يبلغ الثلث، وهو مختلف باختلاف الحيوانات كبرا وصغرا؛ وقوله: واستثناء، منصوب على المفعول معه، وقوله: وشاه واستثناءَ لخ، وكذلك لو باعها ثم اشترى منها أربعة
стр. 5142
أرطال لأن اللاحق للعقد كالواقع فيه. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وجاز بيع شاة، فهو عطف على عمود واستثناء منصوب مفعول معه ليفيد مقارنة الاستثناء للبيع أربعة أرطال ونحوها مما دون الثلث، فاستثناء الثلث ممنوع ولو كان قدر أربعة أرطال ومحل كلام المص إن بيعت قبل الذبح أو بعده وقبل السلخ. انتهى المراد منه.
فإن بيعت بعد السلخ فله أن يستثني من الأرطال مبلغ الثلث كما يأتي للمص: وصبرة وثمرة لخ، وقوله: وشاة واستثناءَ أربعة أرطال، وكذاك يجوز بيعنها واستثناء لبننها وصوفها ولو تأخر قبض المشتري لها لأخذ الصوف واللبن ثلاثة أيام، لا أزيد ليلا يكون فيه بيع معين يتأخر قبضه، وهذا يوافق قوله في كراء الدابة "وبيعها واستثناء ركوبها الثلاث لا جمعة وكره المتوسط" وهذا المتقدم في صوف أو لبن الشاة إن قلنا: إن المستثنى مبقى، فإن قلنا: إنه مشترى من المشتري لها فيجوز تأخر قبضه ولو لكنصف شهر. كما قال في القسمة بناء على أنها بيع، لكن لا تسلم الشاة للمشتري ليلا يلزم بيع معين يتأخر قبضه، ثم يأخذ اللبن أو الصوف إلى تمام نصف شهر. انتهى. قول عبد الباقي: ونحوها مما دون الثلث، قال بناني: هذا هو الذي في بعض روايات المدونة، وعليه حمل أبو الحسن المدونة، فقال في قولها: وإن استثنى من لحمها أرطالا يسيرة ثلاثة أو أربعة، الشيخ: يعني أو خمسة أو ستة أو أكثر مما دون الثلث، يدل عليه قولها: ولم يبلغ به مالك الثلث، وبه تعلم أن قول الحطاب: إن أبا الحسن حمل المدونة على جواز استثناء قدر الثلث فيه نظر. انتهى. وناقشه الرهوني بأن لأبي الحسن كلامين، أحدهما: تسليم رواية عياض التي هي صريحة في جواز استثناء قدر الثلث، وثانيهما: ما نقله بناني، وعند ابن وضاح مكان الثلث الذي هو رواية عياض الثلاث. انتهى. وقولُ الزرقاني: ثم يأخذ اللبن أو الصوف إلى تمام نصف شهر. انتهى. نَصُّ أبي الحسن: قول المدونة: ولا بأس باستتناء الصوف والشعر؛ اللخمي: إذا كان يجز إلى يومين أو ثلاثة وهو في هذا بخلاف أن يكون الصوف هو المبيع فإنه يجوز بقاؤه العشرة الأيام أو الخمسة عشر يوما؛ الشيخ: وهذا أي تقييد اللخمي على أن المستثنى مبقى. نقله بناني. وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا بأس باستثناء الصوف والشعر؛ قال ابن يونس: لا خلاف أنه جائز؛ قال اللخمي: إذا كان يجز إلى يومين أو ثلاثة. وانظر إذا اختلف
стр. 5143
البائع والمشتري في الموضع الذي يأخذ منه الأرطال المستثنيات من الشاة، والظاهر أنه يجري على المسلم. انتهى. وقال الحطاب: قال في المدونة: ولا يجوز أن يستثني الفخذ أو البطن أو الكبد، وأجاز ذلك اللخمي والمازري وعياض، ورده ابن عرفة. قال الحطاب: ومذهب المدونة المنع، فلا يجوز استثناء عضو معين من الحيوان وما رد به ابن عرفة عليهم ظاهر. والله أعلم.
تنبيه: قال أبو الحسن ما نصه: مسألة الاستثناء لا تخلو من خمسة أوجه، الأولُ: أن يستثني الصوف والشعر فهذا جائز بشرط أن يشرع في الجزاز أو يتأخر يوما أو يومين، كاستثناء ركوب الدابة يوما أو يومين في البيع. الثاني: أن يستثني جزءا شائعا فهذا جائز باتفاق ولا يجبر على الذبح، الثالث: الجلد والرأس وفيه أربعة أقوال، ورواية ابن القاسم يجوز في السفر ولا يجوز في الحضر. الرابع: استثناء الجزء المعين كالفخذ والكبد منعه نصا في الكتاب؛ الخامس: الأرطال اليسيرة، ابن القاسم: أربعة أرطال، وفي رواية ابن وهب: ثلاثة، وفي كتاب محمد: الخمسة والستة وما دون الثلث، وهو قوله في الكتاب: ولم يبلغ به الثلث، وقيل: الثلث، وقيل: لا يجوز رأسا. انتهى باختصار. قاله بناني.
ولا يأخذ لحم غيرها؛ يعني أن البائع المستثني للأرطال لا يجوز له أن يأخذ من المشتري عن الأرطال المذكورة لحما من غير لحم الشاة التي استثنيت منها الأرطال. قال الخرشي: ولو قال: ولا يأخز بدلها أي الأرطال لشمل أخذ بدلها لحما أو غيره، وإنما امتنع غير اللحم مطلقا بناء على أن علة المنع في هذه هي بيع الطعام قبل قبضه، وهذا على أن المستثنى مشترى، وأما على أنه مبقى فعلة المنع أنه بيع لحم مغيب وهو يمتنع باللحم وغيره، وهذا مستفاد من كلام الحطاب. قاله الخرشي وعبد الباقي. زاد عبد الباقي: ثم إذا حصل فوت في المستثنى منه كموت فلا يضمن المشتري الأرطال للبائع بناء على أن المستثنى مبقى كما يأتي في قوله: لا لحما، وأما إذا فوتها بأكل ونحوه فإنه يغرم مثلها لأنها موزونة والموزون مثلي. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولا يأخذ منه لحما على الأصح وأنكر عليه ابن عرفة مقابل الأصح، فقال: لا أعرفه، وتقرير ابن عبد السلام برواية مطرف لا يتم لأنها في المرض لا مطلقا، وصحته كفوته. قال الحطاب: يشير
стр. 5144
إلى ما رواد مطرف من مالك في من اشترى جزورا مريضة واستثنى البائع من لحمها أرطالا يسيرة، فتركها حتى صحت، أنه لا يجبر على ذبحها ويعطيه مثل اللحم الذي استثنى. قال ابن عرفة: واعتذر المازري بأن صحته كفوته، ونقل في التوضيح هذه الرواية وزاد: أنه إن ماتت فهو ضامن لما اشتري منها، وإن صحت فعليه شراء ما استثنى عليه أو قيمته ولا يجبر على الذبح لأنه كان ضامنا لما استثنى عليه. انتهى.
وصبرة وثمرة واستثناء قدر الثلث؛ يعني أنه يجوز بيع صبرة وثمرة جزافا واستثناء بائع كل منهما كيلا قدر ثلث منهما فأقل لا أكثر، وأشعر ذكر القدر بأن المستثنى كيل، فلو كان شائعا جاز بكل حال، كما يأتي في قوله: وجزء مطلقا. وفرق للمشهور بجواز الثلث هنا ومنعه في الشاة برؤية المبيع هنا وعدم رؤيته هناك؛ فقوله: وصبرة عطف على شاة. قاله الخرشي وغيره. قوله: فأقل لا أكثر، صواب؛ قال ابن رشد: اتفاقا، وقوله: وفُرِق للمشهور لخ، هذا الفرق للمازري. وقد نقله ابن عرفة والمص في التوضيح والمواق وابن غازي في تكميله وقبلوه. انتهى. قوله: وصبرة وثمرة، قال بناني: ومثل الثمرة المقاثي والخضر ومغيب الأصل، فيجوز في ذلك كله أن يستثني قدرا معينا بالكيل أو الوزن أو العدد بشرط كونهما الثلث فأدنى. انتهى. وإذا كانت الثمرة أنواعا واستثنى من نوع منها أكثر من ثلثها إلا أنه ثلث الجميع فأقل فاختلف فيه قول مالك، وأخذ ابن القاسم وأشهب بالمنع. قاله عبد الباقي. قال الرهوني: نحوه في التوضيح، وفي ابن عرفة: والروايات جواز بيع الحائط واستثناء ثلث ثمره كيلا من صنف إن كان المستثنى ثلثه، فإن كان أكثر منه وهو ثلث ثمر الحائط ففي منعه مطلقا وجوازه إن كان في المصنف فضل بَيِّن بعد المشترى، ثالثها: يكره، لأصبغ مع سحنون وسماعه ابن القاسم وسماع القرينين وسماع ابن القاسم. انتهى. وقال عبد الباقي: وسياق المص استثناء كيل الثلث في صلب عقد بيع الصبرة والثمرة جزافا ونحوهما كحديد كما في ابن عرفة. ومثله إذا أراد الشراء لما ذكر من الثلث بعد العقد وقبل قبض الثمن، أو بعده وقبل التفرق، أو كان مقاصة إن لم يكن البائع من أهل العينة، وإلا امتنع قبضا أو مقاصة، ولو بعد المفارقة إلا بعد طول انتهى. قوله: أو كان مقاصة، معطوف على مقدر؛ أي سواء كان الشراء للثلث نقدا أو مقاصة وهو راجع للصورة الأولى، أعني قوله:
стр. 5145
وقبل قبض الثمن؛ يعني سواء نقد البائع للمشتري ثمن الثلث أو قاصه به من ثمن الكيل، وقوله: إن لم يكن البائع من أهل العينة؛ يعني أن الشراء بعد قبض الثمن إنما يجوز إن لم يكن البائع من أهل العينة؛ أي الذين عادتهم دفع القليل في الكثير، كما يأتي في محله إن شاء الله. فإن كان من أهل العينة امتنع الشراء على وجه دفع القليل في الكثير، كأن يبيع له صبرة بدينارين وبعد قبضهما وقبل التفرق أو بعده يشتري البائع بعضها بثلاثة أو أكثر إلى أجل. فتأمل. ونص الحطاب: وإن كان بعد قبض الثمن كله وتفرقهما فإنه يجوز مطلقا إلا أن يكون من أهل العينة. قاله ابن يونس: وقوله: إن لم يكن البائع، صوابه: المشتري، أو مراده البائع ثانيا؛ لأن العينة لا تتصور بعد القبض إلا من المشتري كما بيناه، وإنما تكون من البائع قبل القبض. انتهى المراد منه. وفي البيان: أن القدر الذي يجوز أن يستثنى ابتداء يجوز أن يكون قضاء، ومن ثم أفتى ابن زكرياء فيمن اشترى ثمار حائط ودفع بعض الثمن وبقي عليه بعضه فدفع لبائعه بعض أعدال من ثمر الحائظ الذي اشتراه فإنه يجوز قضاؤه حيث كانت ثلاثا فأقل، مستدلا بما لابن رشد قاله عبد الباقي. قوله، القدر الذي يجوز أن يستثنى لخ؛ أي يجوز أن يكون قضاء عما بقي من ثمن الصبرة أو الثمرة. قاله بناني؛ يعني: فلا يدخله اقتضاء الطعام من ثمن الطعام.
وجلد وساقط بسفر فقط؛ يعني أنه يجوز بيع حيوان واستثناء جلده، وكذا يجوز بيع حيوان واستثناء ساقطه، والساقط الرأس والأكارع. ومحل الجواز في المسألتين إنما هو في السفر، ويكره ذلك في الحضر، والمعتبر سفر المشري فيما يظهر. قاله عبد الباقي.
وما قررت به المص من أن قوله: بسفر؛ راجع للمسألتين، قرره به الحطاب وغيره، وقرره عبد الباقي وغيره على أن قوله: بسفر، راجع لمسألة الجلد؛ وأما مسألة الساقط فهي جائزة سفرا وحضرا. قال الحطاب: وجلد وساقط: الساقط هو الرأس والأكارع فقط، ولا يدخل في ذلك الكرش والفؤاد، كما تقدم عن المدونة أنه لا يجوز أن يستثني البطن أو الكبد، وإنما نبهت على ذلك لدخول هذه الأشياء في الساقط في العرف، بل هي المتبادرة خصوصا، وقد استدل ابن يونس للمسألة (بأن النبي ﷺ وأبا بكر اشتريا شاة في مسيرهما إلى المدينة من راع
стр. 5146
وشرطا (١) له سلبها) والسلب في اللغة يطلق على ذلك كما قاله في القاموس. بسفر فقط وأما في الحضر فلا يجوز. كما نقله المازري من المذهب. وفي المونة: كراهة ذلك. قال في التوضيح: وبذلك فسرها أبو الحسن، واحتج بقول ابن حبيب: خفف مالك ذلك في السفر وكرهه في الحضر؛ إذ له هنالك قيمة، ولا يفسخ إن نزل، وظاهر كلامه في التوضيح أنه يفسخ على المشهور، وجعل ابن رشد الخلاف إنما هو في الجلد؛ قال: وإذا استثنى الرأس والأكارع فلا تكره في سفر ولا حضر، كمن باع شاة مقطوعة الأطراف قبل السلخ، وجعله ابن عرفة خلافا للمدونة، وكذا صاحب الشامل. انتهى. وقال أبو علي من عبد الوهاب: إنما قلنا استثناؤها أي الجلد والسواقط جائز في الجملة، لما روي عنه ﷺ لما هاجر ومعه أبو بكر وعمر ﵄ مروا براع فاشتروا منه شاة وشرطوا له رأسها وسواقطها: وروي ذلك عن زيد بن ثابت وجماعة من الصحابة. انتهى. غير أن عمر لم يهاجر مع النبي ﷺ ، وإنما المعروف هو وأبو بكر، ولذلك في التوضيح لم يذكر عمر وأصاب في ذلك، والحديث في أبي داوود، ورواه ابن أبي زيد، وحكاه عنه ابن يونس بإسقاط عمر وذلك هو الصواب، وأن الذي ذهب مع النبي صلي الله عليه وسلم وأبي بكر ﵁ هو عامر بن فهيرة ﵁، لا عمر ﵁، ويحتمل أن يكون في المعونة تصحيف. انتهى. وفي المعونة لعبد الوهاب: قال المحققون من أصحابنا: والمذهب أن السواقط إذا كانت لها قيمة فالاستثناء غير جائز في حضر ولا في سفر. انتهى. ولا فرق بين أن يستثنى الساقط فقط، أو الجلد فقط، أو الجلد والساقط معا، فيجوز ذلك في السفر دون الحضر. والله سبحانه أعلم.
وجزء منه شائع؛ يعني أنه يجوز البيع لشيء أي شيء مما يباع مع استثناء جزء منه شائع مطلقا نصفا كان أو ثلثا أو ربعا أو غير ذلك من الأجزاء، قليلا كان أو كثيرا، في سفر أو حضر، من الشاة والصبرة والثمرة وغير ذلك وكأنه باع ما لم يستثن؛ وسواء اشترى الحيوان على الذبح أو على التبقية: ويكون شريكا للمبتاع بقدر ما استثنى.
стр. 5147
وتولاه المشترى، هذا الفرع راجع لمسألة الجلد والساقط، فهو خاص بها كما يفيده كلام المواق، وكما صرح به محمد بن الحسن، والضمير في تولاه عائد على الذبح؛ يعني أن المشتري هو الذي يتولى الذبح في مسألة استثناء الجلد والساقط، فتكون أجرته عليه ويتولى شأن المبيع كله من سلخ وعلف وسقي وغير ذلك، قال ابن محرز: الصواب أن تكون أجرة الذبح على المشتري لأنه ليس بمجبور على الذبح؛ إذ لو شاء أعطى جلدا من عنده، وهذا بخلاف الأرطال لأنه مجبور على الذبح، فوجب أن يكون عليه قسطه من أجرة الذبح والسلخ. انتهى. وكلام بناني قُلْتُ: وقد يقال: يصح يعني كلام المص بعود الضمير على الذبح، وجعل هذا الفرع خاصا بمسألة الجلد والساقط بناء على ما صوبه ابن محرز من أن أجرة الذبح على المشتري فقط، وعلى هذا حمله المواق، وأيضا لما كان المشتري لا يجبر على الذبح في الجلد والساقط وأن له دفع المثل أو القيمة للبائع صارا كأنهما في ذمته وكان البائع لا حق له في المبيع، فيصح كلام المص حينئذ بعود الضمير للمبيع، وهذا الفرع على هذا وإن لم يذكروه صريحا فهو لازم من كلامهم كما فهمه المص وهو ظاهر. انتهى. ونقل الشيخ أبو علي عن ابن يونس في كتاب الصناع: ومن وهب لرجل شاة ولآخر جلدها فغفل عنها حتى أنتجت فالنتاج لصاحب اللحم وعليه مثل الجلد أو قيمته لصاحب الجلد، ولو هلكت لم يكن له شيء وكذا الناقة، وإذا دعا صاحب الجلد إلى الذبح فلصاحب اللحم الاستحياء ويغرم مثل الجلد أو قيمته، ابن يونس: فإن تراضيا بالذبح وتشاحا على من يكون أجر الذبح والسلخ فأرى أن يكون أجر ذلك بينهما على قدر قيمة اللحم وقيمة الجلد، فإن كان قيمة الجلد من الجميع الثلث أو الربع فعلى صاحبه ثلث أجر الذبح والسلخ أو ربعه. انتهى. فظاهره أن المشتري لا يتولى الذبح في هذه الصورة. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وهو خلاف ما صوبه ابن محرز. والله سبحانه أعلم.
ولم يجبر على الذبح فيهما؛ يعني أن المشتري لا يجبر على الذبح في مسألة استثناء الجلد والساقط ومسألة الجزء، ومعنى عدم الجبر أنه مخير إن شاء ذبح وإن شاء ترك، هذا في مسألة الجلد والساقط، فإذا اختار الذبح فله أن يدفع الجلد والرأس وإن رضي البائع بأخذ المثل. قاله
стр. 5148
الشيخ أبو علي. وقال عبد الباقي: فإن ذبحها تعين للبائع ما استثناه من جلد وساقط بسفر إلا أن يفوت فالقيمة. انتهى. ومسألة الجزء نقل ابن يونس من عيسى بن دينار أنه لا يجبر على الذبح؛ ولو اشتراها على الذبح كما في الحطاب. وفي المواق: من المدونة: قال ابن القاسم: من باع شاة أو بقرة واستثنى جزءا من ذلك ربعا أو نصفا فلا بأس بذلك، كأنه باع ما لم يستثن. قال عيسى: وسواء اشتراه على الذبح أو الحياة، ويكون شريكا للمبتاع بقدر ما استثنى؛ بعض القرويين: ولا يجبر على الذبح آبيه ويكون شريكا للمبتاع بقدر ما استثنى وإن كان قد اشتراه على الذبح. ابن يونس: هذا هو الصواب، وفي النوادر في ثلاثة اشتروا شاة مثلا بينهم إن كانت يتوزعون لحمها جبر على الذبح آبيه. وإن كانت للتجارة بيعت عليهم إلا أن يتراضوا بالمقاواة. انتهى.
بخلاف الأرطال؛ يعني أن مسألة استثناء الأرطال المتقدمة في قوله: وشاة واستثناء أربعة أرطال، يجبر فيها المشتري على الذبح لأن المشتري دخل على أن يدفع للبائع لحما ولا يتوصل إليه إلا بالذبح. قال عبد الباقي مفسرا للمص: بخلاف الأرطال فيجبر المشتري على الذبح لأنه لا يتوصل البائع لحقه من اللحم الداخل على استثنائه إلا به، ولم يجبر على الجزء لأنهما إن تشاحا في الذبح بيعت عليهما ودفع لكل واحد منهما ثمن معلوم، وفي استثناء الأرطال لا يعلم كم يقع له من الثمن. قاله أبو الحسن. وأجرة الذبح والسلخ عليهما بحسب ما لكل في الجزء والأرطال، وعلى المشتري فقط في الساقط، وأما في الجلد فأجره الذبح على المشتري وأجرة السلخ على البائع، فالأقسام ثلاثة، وإنما كانت أجرة الذبح عليهما في الجزء مع عدم جبر المشتري عليه لأن البائع شريك، فبسبب ذلك كانت الأجره عليهما. انتهى. قال الرهوني: كلام ابن عرفة يفيد أن الراجح في أجرة السلخ عند استثناء الجلد كونها على المشتري. انظر كلامه بعد هذا عند قوله: ضمن المشتري جلدا لخ. انتهى. وقال بناني: وفي الحطاب: وفي كون مسألة الجلد والساقط كذلك أي عليهما بقدر ما لكل واحد وهو اختيار ابن يونس، أو على المشتري لأنه غير مجبور على الذبح، وصوبه ابن محرز قولان. وأما السلخ ففي الجلد إن قلنا: إن المستثنى مبقى، فعلى البائع، وإن قلنا: مشترى، فيختلف على من تكون، وأشار بعضهم إلى أنها عليهما، وأما مسألة
стр. 5149
الرأس فأجرة السلخ على المشتري بناء على القول بضمان المشتري في الموت. نقله ابن عاشر عن ابن عرفة. انتهى.
تنبيه: قد مر الكلام على أن المشتري لا يجبر على الذبح في مسألة الجزء ولو اشتراه على الذبح، ومر مقابله؛ والراجح كما يظهر من النقول هو عدم الجبر فيما إذا اشتراه على الذبح. انظر الحطاب والمواق. ولما قدم أن المشتري لا يجبر على الذبح في مسألة استثناء الجلد والساقط ذكر أنه يخير إذا لم يذبح بقوله.
وخير في دفع رأس أو قيمتها؛ يعني أنه إذا استحيى المشتري الشاة مثلا في مسألة الجلد والساقط فإنه يحكم بالتخيير في دفع مثل الرأس والجلد وقيمة ذلك. وهي أعدل؛ يعني أن القيمة أعدل أي أصوب، لموافقة القاعدة في أن هذه الأشياء مقومة، وللسلامة من بيع اللحم بمثله وكون القيمة أعدل من المثل. قاله ابن يونس وغيره.
وعلم مما قررت من تقدير مثل بعد دفع أن هذا غير مشكل؛ لأن التخيير إنما هو فيما إذا لم يذبح المشتري الشاة ولا ينافي حينئذ حكاية الخلاف المشار إليه بقوله: وهل التخيير للبائع أو للمشتري، قد مر أنه يحكم بالتخيير في دفع رأس أو جلد وقيمتها ولم يبين من له التخيير، يعني أن الشيوخ اختلفوا فيمن يكون له التخيير المذكور، فقيل: إن المخير المشتري إن شاء دفع للبائع ساقطا أو جلدا، وإن شاء دفع له قيمة ذلك، وقيل: التخيير للبائع في أخذ ما شاء من المثل والقيمة. قال الحطاب: قال الرجراجي: والقولان تؤولت المدونة عليهما؛ والقول بأنه للمشتري أسعد بظاهرها. وقال ابن عرفة: وصوبه ابن محرز، وهو ظاهرها. والله أعلم. انتهى. وقال الخرشي: ولابد من قولنا: بدل أو مثل رأس كما قدرنا؛ لأن التخيير المذكور إنما هو في حالة عدم الذبح، ولا يتصور في هذا الحالة دفع الرأس ونحوها، وأما حيث ذبحت فيتعين أخذها إلا أن تفوت فقيمتها، وهل تعتبر القيمة يوم استحق أخذها أو يوم فواتها. انظر في ذلك. وما تقدم من أنها يتعين أخذها حيث ذبحت ولم تفت يقتضي أنه لا يجوز أخذ شيء عنها ولو غير لحم، وهذا هو الموافق لما مر في مسألة الأرطال، وهو ظاهر ما نقله أبو الحسن. ولكن ذكر
стр. 5150
بعضهم أن الراجح يجوز أخذ دراهم أو عرض أي غير لحم عنها، وعليه فيفترق ما يجبر على الذبح فيه من غيره في هذا، ثم إنه أنث قوله: أو قيمتها نظرا إلى أن الرأس الهامة. انتهى. وقال عبد الباقي: وخير في دفع بدل أو مثل رأس وبقية ساقط ومثل جلد، فلو قال: كرأس كان أشمل، أو قيمتها أنثها لأنها بضعة أو هامة، وإلا فهو مذكر اتفاقا. ومحل التخيير حيث لم يذبحها، فإن ذبحها تعين للبائع ما استثناه من ساقط وجلد بسفر إلا أن يفوت فالقيمة، وانظر هل يوم استحقاق الأخذ أو يوم الفوات؟ ويجوز مع عدم الفوات أخذ دراهم أو عرض بدل ذلك. والفرق بينها وبين الأرطال أن الأرطال بيع اللحم المغيب بخلاف هذه. انتهى. ونحوه للخرشي وهي أعدل، وهل التخيير للبائع؟ وهو غير ملائم لقوله: دفع، فلو حذف لفظ دفع لاستقام (١)). انتهى المراد منه. وتقدير بدل أو مثل رأس يستقيم به الكلام والله سبحانه أعلم. وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك قولان. قال بناني: والخلاف وإن كان مفروضا في الجلد في كلام عياض وابن يونس وغيرهما، لكن كلام المدونة الذي تؤول عليه القولان صريح في تسوية الجلد والرأس في الحكم، فلا يقال: كان على المص أن يذكر الخلاف في محله وهو الجلد خلافا للمصطفى. انتهى. وقال الرهوني: ما نقله بناني هنا من الحطاب يدل على أن القول الثاني أقوى، خلاف ما يقتضية تصدير المص بأنه للبائع. انتهى. وقوله: قولان، هنا قول ثالث وهو أن الخيار للحاكم.
تنبيه: نقل الشيخ أبو علي عن الباجي في المنتقى أنه اختلف قول مالك فيمن أتلف شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، فقال مرة: في ذلك المثل، وقد قال ذلك فيمن باع بعيرا واستثنى جلده حيث يجوز ذلك. ثم استحيا المشتري البعير. فإن للذي استثناه شراء جلده يريد مثله، ثم قال: أو قيمته والقيمة أعدل، والقول الذي يعتمد من مذهب مالك أن في ذلك كله القيمة، وإنما المثل فيما يكال أو يوزن.
ولو مات ما استثني منه معين ضمن المشتري جلدا وساقطا لا لحما؛ يعني أنه لو مات الحيوان الذي استثني منه جزء معين وذلك في مسألتي الساقط والجلد والأرطال فإن المشتري يضمن الساقط