وللأخباز أيضا، وأما الحب المقلي مع السويق فجنس واحد ولا فرق بينهما إلا الطحن وهو غير ناقل: وإنما معنى كلام المص ما جوَّزه الحطاب، وهو أن الواو في وسمن بمعنى مع، والمعنى أن السمن إذا لت بالسويق صار هذا السويق الملتوت جنسا مخالفا للأسوقة غير الملتوتة، ويدل على هذا ما ذكره اللخمي وغيره أن الدهن بمنزلة الأبزار. انتهى المراد منه. والله سبحانه أعلم. وفي المواق عن المدونة: لا بأس بالسويق بالدقيق أو بالحنطة متفاضلا. انتهى.
يجوز بيع التمر بالتمر؛ يعني أنه يجوز بيع التمر بالتمر حيث كانا جديدين أو قديمين؛ بل ولو كان أحدهما جديدا والآخر قديما. وقدم بضم الدال، وتعتبر المماثلة بينهما بالكيل أو بالوزن، فإذا وقع مع ذلك تفاوت فيسير ورد بلو قول عبد الملك: يمنع القديم بالجديد، واستحسنه اللخمي لكثرة جفاف القديم فلا تحقق المماثلة، وأما قدم بالكسر فمن القدوم، وأما من التقدم فبالفتح والكسر كنصر وعلم. قاله مع ما مر من ضبط المص في القاموس. ويلتبس مكسور الدال في القدوم والتقدم ولعل المتعلق يبين نحو قدم من السفر وعلى أقرانه، وظاهر قوله: من التقدم شموله للتقدم المعنوي كتقدم زيد بالعلم على أقرانه والرتبة الزمانية نحو قدم زيد على عمرو بمعنى تقدم سنة عليه أو عاش بعده؛ ولم يقل في هذا الأخير بضم الدال مع وجود المعنى الموجود في ضد الجديد لعدم سماعه. انتهى. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: اختلف في بيع النوى بالتمر على ثلاثة أقوال: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: إن كان نقدا جاز وإلا فلا. انتهى.
(وحليب) يعني أنه يجوز بيع اللبن الحليب بمثله (ورطب) يعني أنه يجوز بيع الرطب بمثله. قال الحطاب عند قوله: ورطب، قال القباب: الرطب بضم الراء وفتح الطاء هو التمر الذي دخله إنضاج ولم ييبس فإن يبس فهو تمر، والمعنى أنه يجوز بيع الرطب بمثله عند ابن القاسم وهو المشهور خلافا لابن الماجشون. انتهى. الباجي: انظر إذا كان نصف الثمرة بسرا ونصفها قد أرطب هل يجوز بيع بعضه ببعض؟ ابن عرفة: الأظهر على مشهور المذهب جوازه، ويجوز بيع البسر بالبسر، وخرج اللخمي منعه من قول ابن الماجشون في الرطب بالرطب. انتهى كلام الحطاب. وقال الخرشي: ورطب من أي صنف بمثله وهو بضم الراء. (ومشوي) يعني أنه يجوز
стр. 5287
بيع المشوي بمثله. وقديد؛ يعني أنه يجوز بيع القديد، قال الخرشي: يتحرى ما فيهما قبل المشي والتقديد. وقال أبو علي: والحاصل إنْ تماثل المشوي مع المشوي فالجواز، وكذا القديد مع القديد فالجواز أيضا إنْ تماثلا، وإنْ تخالفا في الرطوبة واليبوسة فلا يجوز إلا بالتحري على قول لم يذهب عليه المص. وقال بناني: إذا اعتبرنا المماثلة فيهما بالتحري للأصول فلا عبرة بالشي والتقديد استوى أو اختلف. انتهى. وقوله: ومشوي وقديد، هذا إذا كانا بغير أبزار فيهما، أو بأبزار فيهما فإن كان الأبزار في أحدهما جازا مثلا بمثل ومتفاضلا. قاله اللخمي. وهو ظاهر. قاله الحطاب. وقال عن ابن رشد: لم يجز المشوي بالمشوي ولا القديد بالقديد إلا بتحري أصولهما. انتهى.
وعفن؛ أي منتن يعني أنه يجوز بيع العفن بالعفن، قال الخرشي: بتحري ما فيهما من العفن لقولها: إذا اشتبها في العفن فلا بأس به وإن تباعدا لم يجز. قوله: ورطب إلى آخر الأربعة، جعل عبد الباقي هذه الأربعة من التمر، وقرر الأجهوري المص على أن هذه الأربعة من اللحم، ثم قال عبد الباقي: ولا يباع القديد والمشوي بمثلهما إن اختلفت صفة شَيِّه وتقديده. أنتهى. وصنيع الحطاب صريح أو كالصريح في العموم، فإنه قال عند قوله: وعفن: قال في كتاب القسمة من المدونة: إذا تبادلا قمحا عفنا بعفن مثله فإن اشتبها في العفن فلا بأس به، وإن تباعدا لم يجز، وإن كانا مغشوشين أو كان أحدهما أو كلاهما كثير التبن أو التراب حتى يصير خطرا لم يجز أن يتبادلا إلا في الغلث الخفيف أو يكونا نقيين، وكذلك سمراء مغلوثة بشعير مغلوث لا يجوز إلا أن يكون ذلك شيئا خفيفا، وليس حشف التمر بمنزلة غلث الطعام؛ لأن الحشف من التمر والغلث غير الطعام. انتهى. قال أبو الحسن في مسألة العفن: معناه إذا كان العفن خفيفا واستدل بمسألة الغلث، قلت: ليس العفن كالغلت، فإن الغلث ليس من الطعام، وأما العفن فهو وصف الطعام وليس هو بشيء زائد مع الطعام. انتهى من الحطاب. وقال بعد كلام: فتحصل من هذا أن في مبادلة المعفون بالسالم والمأكول أي المسوس بالصحيح ثلاثة أقوال: الجواز وهو قول مالك، والمنع فيهما وهو قول أشهب، والجواز في المعفون والكراهة في المأكول وهو قول سحنون.
стр. 5288
انتهى. والجواز على القول الأول مقيد بما إذا كان ذلك على وجه المعروف كما قدمه الحطاب، فإنه قال عن ابن رشد: وأما الطعام فيجوز مبادلة المأكول منه والمعفون بالصحيح والسالم على وجه المعروف في القليل والكثير إلى آخره.
وزبد؛ يعني أن الزبد يجوز بيعه بمثله. وسمن؛ يعني أنه يجوز بيع السمن بمثله وجبن، يعني أنه يجوز بيع الجبن بمثله.
وأقط يعني أنه يجوز بيع الأقط بمثله، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن ويجوز ضم أوله وكسره هو جبن اللبن المستخرج زبده، وخصه ابن الأعرابي بالضأن، وقيل: لبن مجفف متحجر يطبخ به. قاله ابن حجر. قاله الحطاب. وقال في القاموس: الأقط مثلثة ويحرك وككتف ورجل وإبل شيء يتخذ من المخيض الغنمي.
وعلم مما قررت أن قوله: بمثلها؛ أي المذكورات راجع للحليب وما بعده، ولو أخر الحليب عن الأربع بعده لوصله بما تولد منه. واعلم أن الحليب وما تولد منه، سبعة أنواع: حليب وزبد وسمن وجبن وأقط ومخيض ومضروب، وبيع هذه السبعة بعضها ببعض من نوعه وغير نوعه ثمان وعشرون صورة، الجائز منها ست عشرة صورة، بيع كل واحد منها بنوعه فتلك سبع، وبيع المضروب بالمخيض، وبيع كل من المخيض والمضروب بالحليب، وهذه ثلاث بعد سبع فتلك عشر، وبيع كل من المخيض والمضروب بالزبد أو السمن أو الجبن من الحليب، فهذه ست تضم للعشر الأولى، فإن كان الجبن لا من حليب بل من مخيض أو من مضروب امتنع بيعه بهما لأنه رطب بيابس من جنسه، وأما بيع المخيض والمضروب بالأقط فقيل: يجوز، وعليه فلابد من التماثل، وقيل: يمنع، واستظهره الحطاب قائلا: لأن الأقط مخيض أو مضروب يبس، فهو من الرطب باليابس. وكذا اختلف في جواز بيع الجبن بالأقط ومنعه، فعلى الجواز في هذه الصور الثلاث تصير جملة الصور الجائزة تسع عشرة؛ والصور الممتنعة تسع: بيع الحليب بزبد أو سمن أو جبن أو أقط، وبيع الزبد بسمن أو جبن أو أقط، وبيع السمن بجبن أو أقط، ويزاد على هذه الصور التسع الممتنعة الصورتان اللتان قدمتهما، وهما: بيع المخيض والمضروب بالجبن من المخيض والمضروب، فالصور ثمان وعشرون بلا هاتين، ست عشرة جائزة كما عرفت، وتسع
стр. 5289
ممنوعة؛ وثلاث مختلف فيها، وكأنهم لم يعدوها ثلاثين لأنهم لم يراعوا في الجبن إلا كونه من الحليب. والله سبحانه أعلم.
واعلم أن الصور الجائزة لابد فيها من المماثلة في بيع كل من الأنواع السبعة بمثله، وكذا إذا بيع المخيض أو المضروب بالحليب فإن بيعا بزبد أو سمن أو جبن لم تعتبر المماثلة. قاله عبد الباقي. قال الرهوني: ما ذكره من الصور أصله في الحطاب، ومحصله: أن الصور ثمان وعشرون، ست عشرة منها جائزة، وتسع ممتنعة، وثلاث مختلف فيها، وقد جمعت ذلك تقريبا للحفظ مع بيان الراجح من صور الخلاف فقلت:
حليب وزبد ثم سمن وجبنه … وأقط ومضروب مخيض تنوع
لِكج فكلّ معْ تساو بمثله … كذا أول بالآخرين موسَّع
مخيض بمضروب كذا وهما معا … بما قبل أقط مطلقا تتتبع
مخيض ومضروب بأقط وجبنها … به فيه خلف واختيار ينوَّع
فالأحسن منع في المخيض وصنوه … وعكس بجبن ماعدا ذاك يمنع
ولبعضهم:
السمن والزبد والأجبان مع أقط … لا تبتعنْ بعضها ببعض إذ منعا
والجبن إن بعته بالمثل من أقط … فلا يراه أبو إسحاق ممتنعا
إن الحليب بهذا الكل ممتنع … وبالضريب مباح ما قد امتنعا
أما الحليب فبالمضروب بعه ولا … تبغ الزيادة في شيء فيمتنعا
وما ذكره المص من أن الحليب يجوز بمثله هو مذهب المدونة، وحكى أبو الفرج المنع، ولا يباع رطب الجبن بيابسه، وقال ابن عرفة: قال مالك: لا بأس بالحالوم الرطب بيابسه، وبالجبن
стр. 5290
بالحالوم تحريا، ومن كتاب محمد: ولا بأس بيابس الجبن برطبه على التحري إن قدر على ذلك؛ ولا يصح بغير تحر. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: أشعرت المثلية في اللحم المشوي والقديد والعفن أنه لا يباع لحم مشوي لا ناقلَ به بقديد أو عفن أو لحم ني أو طبخ بغير أبزار ولو مثلا بمثل؛ لأنه رطب بيابس، وكذا إن كان بالعوضين مما ذكرنا ناقل فإن وجد الناقل بأحدهما جاز بالآخر ولو متفاضلا.
كزيتون؛ يعني أنه يجوز بيع الزيتون بمثله فيباع الزيتون الرطب بالزيتون الرطب، والزيتون اليابس بالزيتون اليابس، لا طري بيابس فيمنع كيلا أو وزنا. ولحم؛ يعني أن اللحم يباع بلحم مثله، ولابد من تساويهما في الرطوبة، ولهذا قال اللخمي: وإنما يجوز إذا ذبحا في وقت واحد أو متقارب، ومحل منع الرطب باليابس في اللحم ما لم يكن فيه أبزار وإلا فهو جنس آخر. لا رطبهما بيابسهما. هكذا بضمير التثنية في النسخ المشهورة؛ يعني أنه لا يجوز رطب الزيتون بيابسه ولا رطب اللحم بيابسه، وفي بعض النسخ بالإفراد عائد على جميع ما مر.
ومبلول بمثله؛ يعني أنه لا يجوز بيع المبلول بمثله من جنسه الربوي لا متماثلا ولا متفاضلا لا كيلا ولا وزنا لعدم تحقق المماثلة في البلل؛ إذ من الحب ما يقبل من الماء ما لا يقبل غيره، وهذا ظاهر في الوزن وكذا في الكيل بالنظر إلى أنه قد لا يماثل حالة الجفاف، لكون أحدهما يشرب أكثر من الآخر. وقوله: ومبلول بمثله، هذا هو المشهور ومقابله في الجلاب الجواز بشرط كون البلل واحدا. قاله أبو علي. وقال المواق: من المدونة قال مالك: لا تجوز الحنطة المبلولة بالحنطة اليابسة أو المبلولة ولا بالشعير ولا بالسلت لا متساويا ولا متفاضلا. ولبن بزبد؛ يعني أنه لا يجوز بيع اللبن بالزبد. إلا أن يخرج زبده. فيجوز بيعه به وبالسمن، وكذا لبن لا زبد فيه كلبن الإبل فيباع بالزبد كما في ابن الحاجب على ما في أحمد. قاله عبد الباقي. واعلم أن الجهل بالتساوي فيما يجري فيه الربا يمنع صحة العقد، ونص ابن الحاجب على ما في الرهوني لا بأس بلبن الإبل بالزبد لأنه لا زبد له. انتهى.
واعتبر الدقيق في خبز بمثله؛ يعني أنه إذا بيع الخبز بالخبز فإنه يعتبر دقيق كل إن عرف وإلا تحري، وظاهر المص اعتبار الدقيق سواء كان الخبزان من جنس واحد أو من جنسين وهو ظاهر
стр. 5291
ابن الحاجب أيضا، وتعقبه في التوضيح تبعا لابن عبد السلام بأن الباجي قيده بالصنف الواحد، وأن ابن رشد قال: لا اختلاف في اعتبار الوزن إذا كان أصلهما مختلفا. قال المصطفى: والقيد مذكور لابن القاسم في العتبية، وقال ابن رشد فيه: إنه الصحيح، وقد ذكره عنه ابن عرفة، فعزوه للباجي قصور. قاله بناني. قال عبد الباقي عند قوله: واعتبر الدقيق في خبز بمثله من صنف واحد ربوي، فإن كانا من صنفين مطلقا أو واحد غير ربوي اعتبر وزن الخبزين. فقط. انتهى. قال بناني: فيه نظر، بل إذا كانا غير ربويين أو أحدهما غير ربوي لم يعتبر وزن ولا غيره؛ لأن التفاضل حينئذ يجوز. انتهى. والفرق بين اعتبار الدقيق في الخبزين من صنف واحد واعتبار الوزن في الخبرين من صنفين أنه لما كان التفاضل يحرم في الخبزين من الصنف الواحد بالنظر إليهما وإلى أصلهما نظر إلى الأصل لقلة الخطإ فيه، بخلاف الخبزين من جنسين لا يحرم التفاضل في أصلهما وإنما يحرم في الخبزين، فلذلك نظر إليهما دون أصلهما.
فرع: قال في العمدة: ويجوز قسمة الخبز واللحم والبيض ونحو ذلك على التحري عند تعذر الموازين ويسهم عليه. قاله الحطاب.
كعجين بحنطة أو دقيق؛ يعني أنه يجوز بيع العجين بالحنطة وكذا يجوز بيع العجين بالدقيق، ويعتبر الدقيق من الجانبين في الأولى ومن العجين في الثانية إذا كان أصلهما من جنس واحد ربوي، وإلا جاز من غير تحر بالكلية لدقيقهما، لكن لابد من علم قدر العجين ومقابله ولو بالتحري فيما يكون فيه التحري ليقع العقد على معلوم. وجاز قمح بدقيق؛ يعني أنه يجوز بيع القمح بالدقيق. واعلم أنه وقع لمالك في بيع القمح بالدقيق قولان بالجواز وعدمه، وظاهر كل منهما الإطلاق أي سواء وزنا أو كيلا، واختلف المتأخرون في حملهما على الوفاق والخلاف، وإلى ذلك أشار بقوله:
وهل محل الجواز إن وزنا، وهو حمل ابن القصار لا إن كيلا فيمنع، ويتفق القولان حينئذ؟ أو الجواز مطلقا وزنا أو كيلا وهو حمل غيره فيختلف القولان، في ذلك تردد، ابن عبد السلام: وحملُ ابن القصار غيرُ صحيح لأنه فسر قول مالك بما نص على خلافه، وذلك أن مالكا منع في
стр. 5292
المدونة بيع القمح وزنا بدراهم لأنه عدول به عن مكياله خشية الوقوع في الضرر، فكيف يباع وزنا بما يمنع التفاضل بينه وبينه وهو دقيقه؟ ابن عرفة: وكنت أجبته بأنه في البيع غرر لأن المعروف فيه الكيل والوزون منه مجهول قدره فيؤدي وزنه إلى جهل قدر البيع، وفي المبادلة بين القمحين المقصود اتحاد قدر ما يؤخذ وما يعطى وهو حاصل في الوزن. قاله ابن غازي. ويرد جوابه قول المص كغيره: واعتبرت المماثلة بمعيار لخ، قال جميعه عبد الباقي بإدخال شيء فيه من كلام الخرشي. القباب: المشهور الذي قاله مالك في المدونة أنه إنما يُراعَى مد قمح بمد دقيق ولا يلتفت إلى القمح إذا طحن يكون أكثر لأن القمح كله لا يجوز بيعه إلا مثلا بمثل في الكيل، ومعلوم أنه إذا طحن يكون دقيق بعضه أكثر، وكذلك القمح بالشعير، وقد سبقه إلى الاستدلال المذكور ابن يونس؛ وقد أجاز الصحابة الشعير بالقمح مثلا مع أن ريعه أكثر من ريع الشعير والدقيق بالقمح مثله لأن للقمح ريعا إذا طحن. قال ابن القاسم: ويجوز القمح بدقيقه أو بدقيق شعير أو سلت مثلا بمثل ولا يجوز متفاضلا. وفي كتاب محمد: وإن كان للحنطة ريع وهذه السمراء أكثر دقيقا من البيضاء وهي مثلا بمثل جائزة، فكان على المص أن يحذف هذا المتردد ويقتصر على المشهور. قاله الرهوني؛ يعني المشهور الذي ذكره القباب وهو أنه يراعى الكيل في بيع القمح بالدقيق. انتهى. والريع الزيادة. والله سبحانه أعلم.
تنبيه: هذا الذي قررت به المص هو الذي قرره به غير واحد وهو ظاهره، وقرره بعضهم بقوله: وهل الجواز إن وزنا لا إن كيلا أو الجواز إن كيلا لا إن وزنا؟ فيكون شق المتردد المطوي ما مر عن ابن عبد السلام؛ وهذا وإن كان خلاف ظاهر المص هو المعتمد من جهة النقل، وقال أبو علي: الراجح الجواز مطلقا، وقال بناني: قال ابن شأس: اختلف في بيع القمح بالدقيق، فقيل: بالجواز مطلقا، وقيل: بنفيه مطلقا، وقيل: بجوازه بالوزن لا بالكيل؛ وبعض المتأخرين يرى أن هذا تفسير للقولين: وبعضهم ينكر ذلك، وإلى هذا أشار بالتردد. والله سبحانه. أعلم.
تنبيه آخر: قد مر قول المص: واعتبر الدقيق في خبز بمثله، ومر أنه إنما يعتبر الدقيق حيث كان الخبزان من صنف واحد وأما من صنفين فيعتبران بالوزن. انتهى. وهذا في البيع ومثله هبة الثواب، وأما في القرض فيكفي وزن الخبزين لصعوبة تحري الدقيق ولأنه معروف قل ذلك القرض
стр. 5293
أو كثر، بل في الأقفهسي ما يفيد إلغاء الوزن وأنه يكفي العدد لأنهم لا يقصدون بذلك المبايعة، وفي التوضيح نحوه لكنه قيد بالسلف القليل، قال: كرغيف. انتهى. والظاهر إلغاء تقييد القلة ويؤيد ذلك قول الأجهوري عن ابن شعبان: لا بأس أن يتسلف الجيران فيما بينهم الخبز والخمير ويقضون مثله، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: فيتسلف أهل المنازل فيما بينهم الخبز والخمير ويتعاطون السراج فإن ذلك زيادة في الرزق.
واعتبرت المماثلة بمعيار الشرع؛ يعني أن المماثلة التي طلبها الشارع في الربوي تعتبر أي إنما يعتد بها إذا وقعت بمعيار الشرع، ومعيار الشرع فيها الكيل فيما حفظ عن الشارع فيه الكيل، كالقمح، والوزنُ فيما حفظ عن الشارع ﷺ فيه الوزن كالنقد، فلا يباع قمح بقمح وزنا ولا نقد بمثله كيلا، والمراد بالعيار الشرعي ما وضعه السلطان لا عين الكيال والصنجة الموجودين في زمنه صلي الله عليه وسلم فقط. وإلا؛ أي وإن لم يكن للشرع في هذا الشيء الربوي معيار بكيل ولا وزن فتعتبر المماثلة بالعادة العامة، كلحم وجبن لأنهما بالوزن في كل بلد، فإن لم تكن عادة عامة فالخاصة، كجوز ورمان وأرز وسمن ولبن وزيت وعسل فإنه يختلف باختلاف البلدان، فيعمل في كل محل بعادته، والبصل والبلح ببعض البلدان بالكيل وببعضها بالوزن، وببعضها أحدهما بالكيل والآخر بالوزن، فإن اختلفت العادة قدر بأيهما إن تساويا وإلاَّ قُدِّر بالأكثر. قاله عبد الباقي. وقال أبو علي: وأما ما يقع به التماثل في المقادير فإنه على ضربين، أحدهما: أن يكون له مقدار في الشرع، والثاني: أن لا يكون له مقدار في الشرع، فالأول كالكيل في الحبوب لأنه ﷺ ذكر الأوسق في زكاة التمر والحبوب في حكمه في اعتبار نصاب الزكاة، فكان الكيل مشروعا فيه، وكذا شرع في إخراج زكاة الفطر وقدر المذهب والفضة في الزكاة بالوزن.
стр. 5294
فإن عسر الوزن جاز التحري؛ يعني أنه إذا عَسُر الوزن فيما معياره الوزن لعدم ميزان أو غيره فإنه تعتبر المماثلة بين الربويين بالتحري بأن يتحرى وزن هذا ويتحرى وزن هذا حتى يتماثلا. قال عبد الباقي: ومفهوم عسر أنه لو لم يعسر الوزن لم يجز التحري، وأشعر قوله: عسر الوزن، بأن الكيل والعدد لا يعسران وهو واضح؛ إذ يجوز هنا الكيل بغير المعهود، ثم تقييده بالسعر هو قول الأكثر؛ وفي ابن عرفة والمدونة: أنه يجوز التحري في الوزون وإن لم يعسر الوزن. انظر المواق والتتائي. ويعتبر في التحري من شروط الجزاف ما يمكن منها فيه. قاله عبد الباقي. وقال بناني: حاصل ما لابن رشد أن كل ما يباع وزنا ولا يباع كيلا مما هو ربوي تجوز فيه المبادلة والقسمة بالتحري وهو في المدونة، وكل ما يباع كيلا لا وزنا مما هو ربوي لا تجوز فيه المبادلة ولا القسمة بالتحري بلا خلاف، وأما ما ليس بربوي فاختلف في جواز القسمة فيه والمبادلة على التحري على ثلاثة أقوال، أحدها: الجواز فيما يباع وزنا لا كيلا، وهو مذهب ابن القاسم فيما حكي عن ابن عبدوس، والثاني: الجواز مطلقا، وهو مذهب أشهب وقول ابن القاسم في العتبية وابن حبيب. والثالث: عدم الجواز مطلقا، وهو الذي في آخر كتاب المسلم الثالث من المدونة. انتهى باختصار. ومقتضاه ترجيح القول الثالث، ونقل ابن عرفة عن الباجي أن المشهور جواز التحري في الموزون دون المكيل والمعدود، رواه محمد وغيره. انتهى. وهو القول الأول في كلام ابن رشد. انتهى. وسلم الرهوني تشهير الباجي هذا، وقال: إنه صواب، وأما تشهير بناني للقول الثالث فتعقبه هوأي الرهوني بما يعلم بالوقوف عليه.
تنبيه: قال أبو علي: المبادلة تكون بكل آنية ولو كانت مجهولة المقدار وكذا الفخار وأواني النحاس والقفاف. انتهى.
إن لم يقدر علي تحريه لكثرته؛ الصواب الإتيان بلا قبل إن لم يقدر، ومعنى ذلك أنه إنما يجوز التحري المذكور فيما إذا عسر الوزن حيث لم يكثر حتى لا يستطاع تحريه، وأما إن كثر حتى لا يستطاع تحريه فإنه لا يجوز التحري حينئذ، وقد مر أن التقييد بالعسر هو قول الأكثر، وأن في المدونة أنه يجوز التحري في الموزون وإن لم يعسر الوزن، قال ابن رشد: وهذا في المبايعة والمبادلة
стр. 5295
ابتداء، وأما من وجب له على رجل وزن من طعام لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز له أن يأخذه منه تحريا إلا عند الضرورة بعدم الميزان، على ما قاله في نوازل سحنون من جامع البيوع. انتهى. ولما أنهى الكلام على البيع الصحيح وما يعرض له أخذ يتكلم على البيع الفاسد وجعل هذا الكلام مقدمة له أعني قوله: وفسد منهي عنه؛ يعني أن المنهي عنه من عبادة أو معاملة يفسد أي يحكم الشرع بفساده أي عدم نفوذه، فصحة البيع مثلا ترتب آثاره، كالملك وفساده عدم ترتب آثاره، فبان من هذا أن صحة البيع مثلا هي ترتب آثاره من التمكن من بيعه وهبته أي المبيع وأكله وغير ذلك. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وفسد منهي عنه لذاته كخمر وميتة أو لوصفه كبيع غاصب لمغصوب لأن المنهي يقتضي الفساد شرعا، وقال الحطاب: واختلف الأصوليون هل المنهي يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ والمذهب أنه يدل على فساد المنهي عنه. قال ابن عبد السلام: وهذا هو المشهور في مذهبنا. وقال ابن مسلمة في الفاسد المختلف فيه: إنه يمضي. انتهى. والدليل على هذه القاعدة أي فساد المنهي عنه الحديث الصحيح (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد (١)) أي مردود عليه.
إلا بدليل؛ يعني أن محل فساد المنهي عنه إنما هو حيث لم يدل دليل على صحته، وأما إن دل دليل على صحته فإنه يكون صحيحا ويكون مخصصا لهذه القاعدة كالنجش والمصراة، وكلام المص هنا في المعاملات كما هو سياقه، قال الشارح في الكبير: وأحرى في العبادات. وقد مر قول المص: وعدم نهي، وأتى بهذا ليرتب عليه قوله: إلا بدليل، والله سبحانه أعلم. وقوله: إلا لدليل، يشمل المتصل والمنفصل، والمتصل هو الذي لا يستقل بل لابد أن يسنده إلى كلام قبله كالاستثناء والبدل، والمنفصل هو الذي يستقل. قاله الرهوني. وقال الخرشي: وفسد منهي عنه لذاته أو لوصفه أو لأمر خارج عنه كالنهي عن صوم يوم العيد لأن فيه إعواضا عن ضيافة الله
стр. 5296
تعالى؛ وهذا خارج عنه لازم له، بخلاف المنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة فإنه لوصف خارج عن الصلاة وهو الانتفاع بالدار، وهو غير لازم لأنه قد لا ينتفع بها. انتهى. كحيوان بلحم جنسه، روى مالك في مراسيل ابن المسيب عن زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيع اللحم بالحيوان (١)) فقوله: كحيوان بلحم جنسه، مثال للمنهي عنه؛ ومراسيل ابن المسيب يحتج بها لأنها فتشت فوجدت متصلة وغالب من يرويها له صهره أبو هريرة ﵁، لكن في الحطاب قال ابن عرفة: قال أبو عمر: لا أعلمه يتصل بوجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا. وقال ابن عبد السلام: عن ابن المسيب: من ميسِر الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. قال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أرأيت رجلا اشترى شارفا بعشرة شياه؟ فقال: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير فيه. قال أبو الزناد: وكان من أدركت ينهون عن بيع اللحم بالحيوان. قال: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان، والحديث عام في كل لحم بحيوان، لكنه عند مالك ليس محمولا على عمومه، بل مخصوص عنده ﵁ ببيع اللحم بنوعه من الحيوان؛ لأن بيع اللحم بالحيوان بيع معلوم بمجهول من جنسه فهو من المزابنة، وهي إنما تمنع في الجنس الواحد، ولهذا قال المص: كحيوان بلحم جنسه؛ وأما لحم الطير بالغنم ولحم الغنم بالطير أو الحوت فجائز، وكذا الحيوان الذي لا يباح أكله كالخيل والحمير فإنه يباع باللحم، وروي عن أشهب جواز بيع اللحم بالحيوان؛ قال ابن عرفة: والمعروف عنه كقول مالك. انتهى. وفي المسلم الثالث من المدونة: ومحل المنهي عن اللحم بالحيوان إنما ذلك من صنف واحد لوضع التفاضل فيه والمزابنة، فذوات الأربع الأنعام والوحش كلها صنف واحد لا يجوز التفاضل في لحومها، ولا حي منها بمذبوح، ولحم الحوت كله صغيره وكبيره صنف لا يحل التفاضل فيه، ويجوز لحم الطير بحي من الأنعام والوحش، والحوت بالطير كله حيا نقدا أو إلى أجل، وما كان من الطير والوحش والأنعام لا يحيى وشأنه الذبح فلا خير فيه بالحوت ولا باللحم من غير صنفه إلا يدا بيد، وكل شيء من
стр. 5297
اللحم يجوز فيه التفاضل فجائز فيه الحي بالمذبوح، ثم قال: ولا بأس بلحم الأنعام بالخيل وسائر الدواب نقدا أو مؤجلا لأنها لا توكل لحومها، وأما بالهر والثعلب والضبع فمكروه لاختلاف الصحابة في أكلها، ومالك يكره أكلها من غير تحريم، ولا بأس بالجراد بالطير وليس هو بلحم، وتجوز واحدة من الجراد باثنين من الحوت يدا بيد إذ ليس الجراد من الطير ولا من دواب الماء. انتهى كلام الحطاب. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ومثل للفاسد بقوله: كحيوان من ذوات الأربع بيع بلحم جنسه منها لأنه معلوم بمجهول وهو معنى الزابنة، وكذا بمكروه الأكل على ما للقرافي من حمل ما في المدونة من كراهة بيع مكروهه بمباحه على التحريم، وأما من حملها على بابها كأبي الحسن كما مر فالمراد بجنسه هنا مباح الأكل خاصة، وقوله: كحيوان بلحم جنسه. خص القاضيان منع بيع الحيوان بلحم جنسه بالحيوان الذي لا يراد إلا للذبح. قاله الشيخ أبو علي وغيره. وقال في الذخيرة: أكثر الشافعية على أن المنهي لا يدل على الفساد، وفرق بعض الشافعية فقال بعض: بالفساد في العبادات لا في المعاملات، وفرق الحنفي والشافعي أيضا بين أن يكون المنهي لوصف خارج كالبيع عند نداء الجمعة وبين أن يكون لنفس العقد كبيع الخمر، فالأول لا يقتضي الفساد بخلاف الثاني، ولأصحابنا مثل ذلك في كثير من الفروع.
إن لم يطبخ يعني أن محل منع بيع اللحم بالحيوان إنما هو إذا لم يطبخ اللحم، وأما إن طبخ فإنه يجوز بيعه به، وقيد المغيلي وجَدُّ علي الأجهوري الطبخ بأن يكون بأبزار، وقد جزم أبو علي بهذا التقييد فقال: وإذا فهمت هذا علمت أنه لابد من شرط كون الطبخ بأبزار، وإنما لم يقيده في المتن بما ذكر لأنه لما قدم أن الطبخ لا يعتبر إلا إذا كان بأبزار صار غير ذلك كلا طبخٍ لأنه معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وبذلك تعلم ما وقع للفيشي وعلي الأجهوري ومن تبعهما. انتهى. وقال المواق: كره أشهب الكبش بلحم مطبوخ لأجل وأجازه ابن القاسم وهو أحب إلينا. انتهى المراد منه. وفيه ما يفيد التقييد المذكور.
فرع: قال الشيخ أبو الحسن: يؤخذ منه يعني من كلامٍ ذكره قبل هذا أن من باع حيوانا للذبح بدراهم إلى أجل له أن يقتضي من ثمنه طعاما كما يجوز بيعه به ابتداء، وهذا إذا كان يراد
стр. 5298
تبقيته، وأما إن كان لا منفعة فيه إلا اللحم فلا يجوز. انتهى. قال عبد الباقي: وشمل قوله: كحيوان؛ ما يراد للقنية وفيه منفعة كثيرة كالإبل وما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه إلا اللحم أو قَلَّتْ، وهذا في بيع حيوان بلحم جنسه. انتهى. والآتية للمص في بيع حيوان بحيوان، وقال أبو علي: وهذا التفصيل لمالك، وأبو حنيفة وأبو يوسف يجيزان بالإطلاق، والشافعي والليث يمنعان بالإطلاق كما في القباب وغيره.
أو بما لا تطول حياته؛ يعني أنه لا يجوز بيع الحيوان مطلقا بحيوان من جنسه لا تطول حياته، فلا يباع الحيوان الذي يراد لغير الذبح بالحيوان من جنسه لا تطول حياته، ولا الحيوان الذي لا تطول حياته، بالحيوان من جنسه لا تطول حياته، ولا الحيوان الذي لا منفعة فيه بالحيوان من جنسه لا تطول حياته، ولا الحيوان الذي قلت منفعته بالحيوان من جنسه لا تطول حياته، ومثال ما لا تطول حياته طير الماء والشارف. الباجي إذا كان الحي لا يقتنى فحكمه حكم اللحم مثل طير الماء الذي لا يدجن ولا يتخذ فلا يجوز بيعه بدجاج، هذا مذهب ابن القاسم. نقله المواق.
أو لا منفعة فيه إلا اللحم؛ يعني أنه لا يجوز بيع الحيوان بحيوان من جنسه لا منفعة فيه إلا اللحم، وفيه الأربع المتقدمة، وقد تقدمت منهن واحدة، وهي: بيع ما لا تطول حياته بما لا منفعة فيه إلا اللحم، ومثلوا لما لا منفعة فيه إلا اللحم بخصي المعز الذي لا يقتنى لشره. أو قلت؛ يعني أنه لا يجوز بيع الحيوان بحيوان من جنسه قلت منفعته، وفيه الأربعُ المذكورة وقد مرت منها اثنتان، وهما: ما لا تطول حياته بما قلت منفعته، وما لا منفعة فيه إلا اللحم بما قلت منفعته.
فلا يجوزان بطعام لأجل؛ يعني أن ما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه إلا اللحم أو قلت لا يجوز بيع ذلك بطعام لأجل لأن هذه الثلاثة في حكم اللحم، واللحم طعام والطعام لا يباع بطعام لأجل، وإنما ثنى المص الضمير والله أعلم بجعله ما لا منفعة فيه إلا اللحم أو قلت في حكم الشيء الواحد. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي مفسرا للمص: فلا يجوزان: ما لا تطول حياته وما لا منفعة فيه إلا اللحم أو قلت، فجعل هذه مع ما قبلها شيئا واحدا لأجل ضمير التثنية بطعام
стр. 5299
لأجل لأنه طعام بطعام نسيئة في الجنسين، ولا يؤخذ منها كراء أرض ولا قضاء عن دراهم اكتريت بها الأرض، ولا يؤخذ في ثمنها طعام. انظر الحطاب. ومفهوم قول المص ما لا منفعة فيه إلا اللحم أو قلت، أنه لو كانت فيه منفعة غير اللحم وليست قليلة كما إذا كان لها صوف ولبن لم تكن كاللحم وهو كذلك، ولو علم أن البائع كان يريد ذبح ما ذكر في بدله بحيوان آخر وهو كذلك، قال في المدونة: ومن أراد ذبح عناق كريمة أو حمام أو دجاج فأبدلها بكبش وهو يعلم أنه أراد ذبح ذلك فذلك جائز. انتهى. انظر الحطاب. وقال بناني: لو كثرت المنفعة جاز ذلك ولو قصد ذبحه، صرح بذلك في المدونة. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: ما كثرت منفعته يجوز بيعه بطعام لأجل وإن قصد مشتريه به اللحم لأجل صلاحيته في نفسه لدوام الانتفاع به، وما أراده مشتريه من ذبحه لا يمنع من ذلك. انتهى. ومثل المص لما قلت منفعته بقوله:
كخصي ضأن، إلا أن يقتنى لصوفه، وكذا خصي معز اقتني لشعره كما يفيده التبصرة، وفي المواق ما ظاهره خلافه، واعلم أن صور بيع اللحم بالحيوان وبيع الحيوان بعضه ببعض أربع عشرة صورة، بيع لحم بحيوان يراد للقنية وفيه منفعة كثيرة وبما لا تطول حياته وبما لا منفعة فيه إلا اللحم وبما قلت منفعته، وبيع حيوان يراد للقنية بمثله أو بالثلاثة بعده، وبيع حيوان لا تطول حياته بمثله أو بالاثنين بعده، وبيع ما لا منفعة فيه إلا اللحم بمثله وبما بعده، وبيع ما قلت منفعته بمثله، والجائز من هذه الأربع عشرة صورة واحدة، وهي: بيع الحيوان الذي يراد للقنية بمثله، ويمنع منها أربع اللحم والتسع الباقية من صور بيع الحيوان بعضه ببعض، وهي: بيع ما فيه منفعة كثيرة بما لا تطول حياته أو ما لا منفعة فيه أو قلت، وبيع ما لا تطول حياته بمثله أو بما لا منفعة فيه إلا اللحم أو بما قلت منفعته، وبيع ما لا منفعة فيه بمثله أو بما قلت، وبيع ما قلت منفعته بمثله. انظر حاشية الشيخ بناني. وقال الشيخ أبو علي: قال اللخمي: بيع الحي بالحي على أربعة أوجه: أن يرادا معا للقنية فيجوز، أو لا يرادا للقنية وتطول حياتهما فلمالك قولان نظرا لعدم منافع الاقتناء، فيكون كاللحم أو نظرا للحياة، وعلى القول بالمنع فهل يجوز لحومهما تحريا؟ قولان أو لا تطول حياتهما معا، مالك يمنع مطلقا وأجاز أشهب التحري، فإن
стр. 5300
كان أحدهما للقنية امتنع على قول مالك لأنه في حكم اللحم، ويجوز على القول الآخر، وإن كان أحدهما تطول حياته ولا يراد للقنية والآخر لا تطول حياته امتنع عند مالك لأنه حي بلحم، وعلى أحد قوليه في أن ما تطول حياته كاللحم يختلف فيه بالتحري، ويجوز الجميع عند أشهب لأنه حي عنده فلم يتناوله الحديث. انتهى. وذكره ابن عرفة وأشهب ولم أفهم وجه المنع فيما لا تطول حياتهما مع جواز بيع شاتين مذبوحتين وهوأقي جواز بيع شاتين مذبوحتين في المدونة، نعم اللخمي يمنع بيعهما. انتهى. وعطف منهيا عنه على منهي عنه فقال، وكبيع الغرر؛ يعني أنه ﷺ نهى عن بيع الغرر، روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (١)). ابن عرفة: الأقرب أن بيع الغرر ما شك في حصول أحد عوضيه أو مقصود منه غالبا. انتهى. قوله: في حصول أحد عوضيه، مثل بيع الشارد والجنين، ويدخل فاسد بيع الجزاف. وقوله: أو مقصود منه غالبا، احترز به من الغرر البعيد كدخول الحمام مع اختلاف قدر الماء فإنه لم يقع شك في المقصود منه غالبا. انتهى. قاله الرهوني؛ يعني أن الماء الذي يغتسل به الداخل للحمام يختلف قدره ولا يمنع ذلك شراءه. والله سبحانه أعلم. ومثل لبيع الغرر بقوله: كبيعها بقيمتها؛ يعني أنهما إذا عقدا البيع في سلعة من غيرتعيين لثمنها بل عقدا البيع فيها على ما تساوي فإن هذا البيع لا يصح لجهلى الثمن. قال عبد الباقي مفسرا للمص: كبيعها بقيمتها عند أهل المعرفة مع جهل كل أو أحدهما بالثمن ففاسد لأنه بيع مجهول. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن من عقد البيع في سلعة من غير ذكر ثمن معين بل على ما تساوي من القيمة عند أهل المعرفة فإنه لا يصح. انتهى. وقال أبو علي: معناه أن يقول له: أبيعك بما تساوي من القيمة عند أهل المعرفة لأنه بيع مجهول. انتهى. أو على حكمه؛ يعني أن من أفراد بيع الغرر أن يبيع الشيء على حكمه أي حكم أحد المتعاقدين من بائع أو مشتر للجهل بالثمن إذ لا يدرى ما يحكم به الحاكم، واعلم أن بيع الغرر على ثلاثة
стр. 5301
أقسام: ممتنع إجماعا كالطير في الهواء والسمد في الماء، وجائز إجماعا كأساس الدار المبيعة وحشو الجبة المغيبة، ونقصان المشهور وكمالها في الإجارة، وفي البيع لأجل، وفي السلم، واختلاف الاستعمال في الماء في دخول الحمام؛ ومختلف في إلحاقه بالأول أو بالثاني كبيعها بقيمتها أو على حكمه.
أو حكم غيره؛ يعني أنه إذا باع الشيء على حكم غير المتعاقدين من أجنبي فإن البيع يفسد لأنه من أفراد بيع الغرر. أو رضاه؛ يعني أنه إذا وقع البيع على رضى من ذكر من بائع أو مشتر أو أجنبي فإن البيع يفسد للجهل بما يرضى به والفرق بين الحكم والرضى أن الحكم هو الواقع من العارف بالقيمة والرضى هو الواقع من الجاهل بالقيمة، وقوله: أو على حكمه لخ، قال الحطاب: قال أبو الحسن اللخمي: إلا أن يقوم دليل على أن القصد بالتحكيم المكارمة فتجوز كالهبة للثواب انتهى. وقبله في الشامل، فقال: إلا لكرامة قريب ونحوه. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: قال ابن القاسم: إذا قال له: هي لك بما شئتها إن أعطاه القيمة جاز ذلك أي لزمه. محمد: وهذا مع الفوات فإن لم يفت رد لأن هذا لا يجوز إلا في هبة الثواب. وَجْهُ قول ابن القاسم أن ظاهر أمره الكارمة وتعليق ذلك باختيار من المبتاع فأشبه هبة الثواب؛ ووجْهُ قول محمد اعتبار بلفظ البيع ولذلك فرق بينه وبين التلفظ بالهبة للثواب، فجعل للفظ تأثيرا في ذلك. والله أعلم. قاله الباجي، بعد أن قال: من الجهالة في الثمن أن يبيعه السلعة بقيمتها أو بما يعطي فيها. انتهى. قال أبو علي: فانظره فإنه جعل كلام ابن القاسم خلافا لقول محمد، ولعل ابن ناجي تبع الباجي في قوله: فجعل للفظ تأثيرا لخ، واللخمي لم يعتبر ذلك. انتهى المراد منه. وقال بناني بعد كلام: والحاصل أن ظاهر المدونة مع ظاهر ابن القاسم متخالفان، لكن ابن المواز أخذ بظاهر كلام المدونة واللخمي وأبو الحسن ردا كلامها لظاهر ابن القاسم فقيداها به، وهو ظاهر الباجي فهما وفاق عند الجميع، وبه يعلم أن اعتماد الأجهوري ومصطفى على ظاهر المدونة غير ظاهر لتقييد اللخمي وأبي الحسن لها. انتهى. وعلى ظاهرها مر عبد الباقي، فقال: إن فات البيع حال المكارمة يمضي بالقيمة ما لم تزد على ما سماه البائع أو تنقص عما سماه المبتاع مطلقا، وفي
стр. 5302
حال عدم المكارمة ترد إلا لفوت فبالقيمة مطلقا كحال عدم المكارمة إن لم تحصل تسمية، والخطر والغرر واحد، والغرر يكون في ثلاثة أشياء: في العقد كبيع الحصاة، وفي العقود عليه بالجهل بصفته أو قدره أو عدم القدرة على تسليمه، وفي الأجل كإلى قدوم زيد مثلا. وقال الأبي عن المازري: علة المنع من بيع الغرر أنه من أكل أموال الناس بالباطل، وقد نبه ﷺ على هذه العلة في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه (١))؟. انتهى. قاله الشيخ أبو علي. والمراد ببيع الغرر قال المتيطى: ما يكثر فيه الغرر ويغلب عليه حتى يوصف به لأن الشيء إذا كان مترددا بين معينين لا يوصف بأحدهما إلا إذا غلب عليه، والغرر يكون بوجوه: منها الجهل بجنس البيع أو صفته كالثوب المدرج، وبيع الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة والجنين والملاقيح. انتهى. وحبل الحبلة، ونحو الإباق والمزابنة والعربان؛ وبيعتان في بيعة؛ وبيع اللحم في جلده والحنطة في سنبلها أو تبنها، والمريض الذي في حد السياق ولو رقيقا، والثمار قبل بدو صلاحها، والبيع إلى موت فلان، وبيع الغائب البعيد جدا، وتراب الصواغين، والجهل بمقدار الثمن كالجزاف، إلى غير ذلك مما يكثر.
أو توليتك سلعة لم تذكرها أو ثمنها؛ يعني أن من أفراد الغرر ما إذا اشترى شخص سلعة، ثم إن المشتري ولَّى تلك السلعة شخصا آخر بأن قال له: خذها وأدِّ الثمن الذي اشتريتُها به إليَّ، والحال أن المولَّى لم تُذْكر له السلعة أي لم تبين له، أو ذُكِرَتْ له ولم يذكر له ثمنها، فيفسد العقد لما في ذلك من الخطر. وقوله: بإلزام؛ راجع لجميع ما مر من أمثلة بيع الغرر؛ يعني أن ما مر من منع بيعها بقيمتها أو على حكمه أو حكم غير أو رضاه وتوليتك سلعة لم تذكرها أو ثمنها إنما هو حيث كان العقد على الإلزام، وأما إن كان على الخيار فإن ذلك جائز والسكوت في البيع كالإلزام على الراجح، وفي التولية لا يضر وله الخيار لأنها من باب المعروف. انظر الرهوني. واعلم أن المضر إلزامهما أو إلزام أحدهما في بيعها بقيمتها أو حكم غير أو رضاه وأما على حكم
стр. 5303
أحد المتبايعين أو رضاه، فالمضر إلزام غير من له الحكم أو الرضى، وأما في التولية فالمضر إلزام الجاهل بالمعقود عليه، ويتصور ذلك من كل منهما.
وكملامسة الثوب، هذا من بيع الغرر وقد ورد فيه المنهي بخصوصه. مسلم: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين الملامسة والمنابذة (١)). قال مالك في المدونة: الملامسة شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه، أو تبتاعه ليلا ولا تتأمله، أو ثوبا مدرجا لا ينشر من جرابه. أبو الحسن: قوله: ولا تعلم ما فيه؛ يعني: وتكتفي باللمس. قال ابن عرفة: قال المازري: ولو فعل هذا على أن ينظر إليها ويتأملها فإن رضي أمسك جاز. انتهى. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وكملامسة الثوب الذي يشتريه ولا ينشره ولا يعلم ما فيه، أو بليل ولو مقمرا ولا يتأمله، أو ثوب مدرج لا ينشر من جرابه، بل يكتفى بلمسه في جميع ذلك، فالمفاعلة على غير بابها؛ إذ المراد لمس الثوب؛ ومثل الثوب شراء بهيمة الأنعام بليل ولو مقمرا عند ابن القاسم، وقال أشهب: شراء ما يؤكل لحمه بليل جائز لأن الخبرة باليد تبين الغرض المقصود منه من سمن وهزال، وأما شراء ما ليس من بهيمة الأنعام كالحمير فيجوز في الليل المقمر، وانظر حكم شراء الحوت ونحوه في الليل القمر، والظاهر أنه كبهيمة الأنعام. وانظر أيضا حكم شراء الحبوب بالليل المقمر؛ وفي مختصر البرزلي: إذا كان يصل إلى معرفة الجميع ظاهرا وباطنا بالقمر مثل النهار جاز البيع. قلت: ظاهر الأمهات: لا يجوز بناء على أنه لا تدرك حقيقته فهو خلاف في شهادة. انتهى. انتهى. وعبر في الحديث بالملامسة لمشاكلة المنابذة. قاله أبو علي. وقوله: أي عبد الباقي في الحمير هو تمام مقول أشهب. قاله الرهوني.
أو منابذته؛ يعني أن بيع المنابذة من العقود التي ورد المنهي عنها وهو من أفراد بيع الغرر، وبيع المنابذة أن تبيعه ثوبك بثوبه وتنبذه إليه وينبذه إليك من غير تأمل منكما. وقوله: فيلزم، راجع للملامسة والمنابذة؛ يعني أن محل المنع والفساد في بيع الملامسة أو بيع المنابذة إنما هو إذا وقع العقد المذكور على الإلزام، وأما إن وقع بالخيار فإنه جائز.
стр. 5304
تنبيه: قد مر قول عبد الباقي إن شراء بهيمة الأنعام لا يجوز ولو بليل مقمر؛ قال القلشاني عند قول الرسالة: أو في ليل مظلم؛ قالوا: فيما لا يراد للذبح، ونحوه للشيخ زروق، فإنه قال: إلا ما يراد للذبح فيكتفى فيه بالمس باليد؛ وعبارتهما: قال الرهوني: هي الصواب، وقوله: أو منابذته؛ قال عبد الباقي: هي أن تبيعه ثوبك لخ، قاله في المدونة. ولذا عبر بالفاعلة لأنه هو الذي كان في الجاهلية، ووقع في الخبر المنهي عنه. وإلا فشراء أحدهما ذلك بدراهم مع نبذه كذلك، والمفاعلة في الملامسة غير حقيقية قطعا كما مر، ولكن عبر بها تبركا بلفظ الحديث، وقد مر أن التعبير بها في الحديث لمشاكلة المنابذة.
وكبيع الحصاة؛ يعني أن بيع الحصاة من البيوع الفاسدة وهو من أفراد بيع الغرر، (وقد ورد النهي عنه أي عن بيع الحصاة بخصوصه. فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (١)). واختلف في تفسير هذا الحديث كما أشار إلى ذلك بقوله: وهل هو بيع منتهاها؛ يعني أن هذا الحديث فسر بأن بيع الحصاة هو بيع منتهاها؛ أي يبيع له من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، كان الرامي البائع أو المشتري أو غيرهما، وهذا ممنوع للجهل لاختلاف قوة الرامي وضعفه إذا وقع بإلزام، فإن وقع بخيار جاز بشرط علم ما يباع حيث اختار الإمضاء وإلا لم يجز، ولا يخفى أن في كلامه حذفَ مضاف أي بيع ذي منتهاها أي صاحب منتهاها أي بين مبدئها وبين منتهاها؛ أي ما بين الرامي وبين منتهاها، لا أن منتهاها هو البيع فقط كما هو ظاهر العبارة؛ إذ لم يفسر أحد الحديث به. قاله عبد الباقي.
أو يلزم بوقوعها؛ يعني أن هذا الحديث فُسِّر أيضا بأنه بيع يلزم بوقوع الحصاة من يد أحد المتبايعين أو غيرهما؛ أي متى سقطت ممن هي معه باختياره لزم البيع، ففاسد لجهل زمن وقوعهات ففيه تأجيل بأجل مجهول، فلو عين لوقوعها أجلا معلوما وكان قدر زمن الخيار وعلم الثمن لم يفسد، فإن جعل لزومه بوقوعها باختياره أو بغيره كسهو أو نعاس فسد البيع مطلقا،
стр. 5305
والمعطوف محذوف تقديره بيع أي بيع يلزم بوقوعها، وهو معطوف على بيع المضاف إلى منتهاها. والله سبحانه أعلم.
أو على ما تقع عليه بلا قصد؛ يعني أن هذا الحديث فسر أيضا بأنه بيع يلزم على الشيء الذي تقع عليه الحصاة، بأن يبيع له الثوب مثلا الذي تقع عليه الحصاة بلا قصد منة لشيء معين، للجهل بعين المبيع، قال عبد الباقي: ومفهومه أنه لو كان بقصد جاز إن كان القصد من المشتري، وكذا من البائع بشرط جعل الخيار للمشتري، وهذا كله إذا اختلفت السلع فإن اتفقت جاز، كان الوقوع بقصد أو بغيره. انتهى كلام عبد الباقي. قال الرهوني عن شيخه الجنوي: قول الزرقاني: إن كان القصد من البائع بشرط جعل الخيار للمشتري، ظاهره أنه إذا كان بقصد من المشتري لا يشترط جعل الخيار للبائع، قلت: وكذا لابد أن يكون الخيار للبائع إذا كان القصد من المشتري. انتهى. قال الرهوني: إن كان المبيع من جنس واحد فما قاله الزرقاني هو الظاهر، والمسألة إذ ذاك من نحو قوله في الصداق: كعبد تختاره هي لا هو، وإلا فما قاله شيخنا متعين. انتهى. قال الخرشي: والظاهر أن على بمعنى في؛ أي بيع يلزم فيما تقع عليه الحصاة، وقوله: بلا قصد خاص بهذه ولا يرجع لما قبلها.
أو بعدد ما تقع، قال بناني: أحسن ما يفسر به أن يتفقا على رمي الحصاة ولقطها عددا معلوما كثلاثين مرة، وأن له من الدراهم بقدر ما تسقط من يده، فإن سقطت من يده مرتين كان له درهمان وهكذا، فإن لم تسقط فلا شيء له. قاله بعض. انتهى. وقال الخرشي: بأن يقول البائع للمشتري: ارم بالحصاة فما خرج فلي بعدده دراهم أو دنانير، أو يقول المشتري. للبائع: ارم بالحصاة فما خرج فلك بعدده دراهم أو دنانير، ولا خلاف في فساد هذه الصور، وإنما اختلفوا في أيها مدلول الحديث. قاله الخرشي وغيره. وقال عبد الباقي: والأحسن أن يقول له: ارم بالحصاة فما خرج أي وقع من أجزائها المتفرقة بسبب الرمي فلك بعدده دراهم، وإنما كان هذا أحسن لأن
стр. 5306
فيه تبقية لفظ الحصاة على مقتضاه من الوحدة. تفسيرات؛ أي تلك تفسيرات للحديث، وعدل عن تأويلات ليلا يتوهم عودها على المدونة كما هو اصطلاحه.
وكبيع ما في بطون الإبل أو ظهورها أو إلى أن يُنتج النتاج؛ يعني أنه ورد النهي عن بيع ما في بطون الإبل من الأجنة، وعن بيع ما في ظهورها، بأن يقول: أبيعك ما يتكون من ماء فحلي هذا في بطن ناقتي هذه، وعن أن يشتري شيئا وأجل ثمنه إلى أن ينتج النتاج بكسر النون أي إلى أن تلد الأولاد، فالشراء مؤجل بأجل مجهول، وأما لو أجله بمدة حمل امرأة فيعتبر معظمه وهو تسعة أشهر، أو بمدة حمل دابة مأكولة أم لا اعتبر معظمه أيضا، وقوله ينتج بالبناء للمفعول ليس إلَّا. قاله أحمد. وفي المصباح ما يقتضي أنه أكثر فقط. قاله عبد الباقي. وفي الموطإ عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، إنما نهي من الحيوان عن ثلاثة عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة. قال في الموطإ: والمضامين بيع ما في بطون الإبل، والملاقيح ما في ظهور الفحول، وحبل الحبلة بيع الجزور إلى أن ينتج نتاج الناقة. وإلى هذا أشار بقوله:
وهي المضامين والملاقيح وحبل الحبلة؛ فالمضامين هو ما في بطون الإبل، والملاقيح ما في ظهور الإبل، وحبلة الحبلة هو أن يشتري شيئا وأجل ثمنه إلى أن ينتج النتاج. قال الشيخ أبو علي: قول المتن: حبل الحبلة، الحبل كالفرح مصدر حبلت المرأة بكسر الباء كفرحت، والحبلة جمع حابل كظالم وظلمة، وقيل: جمع حابلة، وذكر المازري خلافا في معنى حبل الحبلة، واختصره في الجواهر بقوله: وأما حبل الحبلة ففي الموطإ أنه كان الرجل أي في الجاهلية يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج الذي في بطنها، وقال ابن حبيب: حبل الحبلة بيع نتاج الناقة ورواه عن مالك، فالتفسير الأول يرجع إلى جهالة الأجل، والثاني يرجع إلى أن المبيع ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه، وقال في القاموس: نتج كعني نتاجا وأنتجت، وقد نتجها أهلها وأنتجت الناقة ذهبت على وجهها فولدت حيث لا يعرف موضعها. انتهى. ثم قال أبو علي: فقول المتن: إلى أن ينتج، هو رباعي والنتاج هو الولد أي إلى إنتاج الولد أي إلى أن يحين نتاجه، ثم قال عن ابن الأثير: في حبل الحبلة وجهان: أحدهما أن يبيع إلى أن تحمل الناقة وتضع ثم يحمل هذا البطن الثاني وهذا باطل؛ لأنه بيع إلى أجل مجهول. والثاني: أنه بيع نتاج النتاج
стр. 5307
وهو باطل أيضا لأنه معدوم، وهذا البيع كانت الجاهلية تتبايعه فأبطله الشارع. وقال ابن الفاكهاني: وصورة بيع ما في بطون الإبل أن يكون الجمل والناقة لرجل أو الفرس والرمكة لرجل فيقول له آخر: أشتري ما تلده ناقتك مع جملك أو رمكتك مع فرسك، أو يقول: احمل فرسك على رمكة فلان أو جملك على ناقة فلان وأنا أشتري منكما ما تلدان أو العكس، هذا كله حرام للغرر. انتهى.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي عند قوله: وكبيع ما في بطون الإبل ما نصه: واقتصر على الإبل للتفسير الآتي وتبركا بالخبر وإلا فالحكم عام. انتهى. فورد سؤال وهو أنه لم يكن في الخبر المذكور ذكر للإبل حتى يتبرك بلفظها قال مقيده عفا الله عنه: فالأولى أن يسقط قوله: وتبركا بالخبر، وأما الجواب عنه والله أعلم بما مر في الموطإ من تفسير المذكورات حيث فرضها في الإبل فغير ظاهر وقال المواق: في الموطإ: المضامين ما في بطون إناث الإبل والملاقيح ما في ظهور الجمال، ونقله الصقلي عن مالك مطلقا لا بقيد كونها في الإبل.
وكبيعه بالنفقة عليه حياته؛ يعني أنه يمنع أن يبيع له شيئا بأن ينفق عليه ما حيي. قال الشيخ أبو علي: أي من البيوع المنهي عنها أن يبيع الرجل سلعته بالنفقة عليه مدة حياته؛ لأنه لا يدري ما يعيش من الزمن. انتهى. وقال الخرشي: يعني أن الشخص لا يجوز له أن يبيع سلعته أو يؤاجرها بالنفقة عليه مدة حياته؛ لأنه لا يدرى ما يعيش من الزمن فهو جهل بالثمن. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: وكبيعه بالنفقة عليه حياته ما نصه: لم يرد فيه نهي بخصوصه فليس على طريقة [ما قبله] (١)، وإنما هو من أفراد الغرر، وإنما ذكره لما فرعه من قوله:
ورجع بقيمة ما أنفق؛ يعني أنه إذا وقع العقد المذكور فإنه يفسخ ويرجع المشتري على المنفق عليه بقيمة ما أنفق عليه إن كان مقوما، ومثله إن كان مثليا كما أشار إلى ذلك بقوله: أَو بمثله من علم؛ يعني أنه يرجع عليه بمثل المثلي حيث كان ما أنفقه من المثلي معلوما، وأما إن جهل فإنه
стр. 5308
يرجع عليه بقيمته؛ لأن المثلي إذا جهل صار مقوما. والله سبحانه أعلم. ولو سرفا؛ يعني أن المشتري يرجع بما أنفق ولو كانت نفقته سرفا أي كثيرة خارجة عن العادة على ما رجحه ابن يونس، ولهذا قال: على الأرجح، هذا ظاهره وهو شامل لمسألتين، الأولى: أن يعطيه دارا على أن ينفق عليه حياته فيرجع بما أنفق إن كان غير سرف، وكذا إن كان سرفا ولم يفت بأن كان ما أنفقه قائما، فإن لم تكن النفقة قائمة قيل: يرجع بالمتوسط فقط، وقيل: يرجع بجميعها ولو سرفا، وهذا الأخير ظاهر المص أنه رجحه ابن يونس: وقوله: ولو سرفا بالنسبة للمنفق عليه. الثانية: أن يؤاجره بسكنى هذه الدار مدة معلومة كثلاث سنين مثلا بالنفقة عليه حياته فيرجع عليه بما أنفق ولو سرفا على ما رجحه ابن يونس، قال بناني: اعلم أنه لا ذكر ابن يونس بيع الذات ذكر أنه لا يرجع بالسرف الزائد إلا في قيامه، ولا يرجع به في فواته، ثم ذكر مسألة الإيجار، وقال بعدها ما نصه: واختلف إذا أنفق عليه سرفا هل يرجع بالسرف؟، قال بعض أصحابنا: يرجع عليه لأن الزائد على نفقة الوسط كهبة من أجل البيع، فإذا انتقض البيع وجب الرجوع بها، وقال غيره: لا يرجع إلا بنفقة وسط كمن ينفق على يتيم وله مال فإنه يرجع عليه بالوسط، وكذلك هذا. ابن يونس: والأول أقيس وأولى. انتهى. والظاهر من العلة شموله للمسألتين بل هي ظاهرة في مسألة البيع فلا وجه للفرق بينهما، وحينئذ يرجع ولو فات فيها. وما قاله ابن يونس أولا في بيع الذات لم يقله من عند نفسه: إنما نقله عن أبي إسحاق التونسي. وقوله بعد ذكر المسألتين: واختلف إذا أنفق عليه سرفا لخ، هو كلامه من عنده عزاه لنفسه فيفهم منه أنه راجع لأصل المسألة وهو البيع، ولا يخص بمسألة الإجارة كما فعل المواق، ولقد رد أبو الحسن الخلاف الذي عند ابن يونس إلى مسألة المبيع، وكذلك عبد الحق ذكر الخلاف في مسألة المبيع وصحح الرجوع مطلقا. نقله عنه الشيخ أبو علي. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. والله سبحانه أعلم. قال مقيده عفا الله عنه: انظر تحرير هذا الشيخ الأجل ﵁، حيث خفي كلام المص على الفحول كالمواق وعبد الباقي. انتهى. قال عبد الباقي: والصور أربع يرجع بالقيمة في ثلاث وبالمثل في واحدة، فيرجع بقيمة القوم معلوما أو مجهولا، وبقيمة المثلي المجهول، وبالمثل في المثلي إن علم، والرجوع في الأربع مختلف، فالمقوم المعلوم يرجع بقيمته،
стр. 5309
والمجهول من مقوم أو مثلي يرجع عليه بقيمة ما يأكل كُلَّ يوم، وفهم من قوله: ورجع لخ، أنه ليس له جنس المبيع مع قيامه في النفقة وهو كذلك، والغلة له على قاعدة البيع الفاسد.
ورد المبيع ذاتا أو منفعة إلا أن يفوت، بهدم أو بناء فيغرم المبتاع قيمته يوم قبضة ويقاصه بما أنفق في المبيع والإجارة، وهذا مفهوم من قوله: ورجع بما أنفق؛ لأن الرجوع لا يكون إلا بعد رد المبيع بعينه إن كان قائما، ومفهوم حياته، أنه لو كان لمدة معلومة جاز، وهو كذلك إن كان على إن مات البائع رجع ما بقي من المدة لوارثه أو لبيت المال، فإن كان على أنه هبة للمشتري لم يجز. وكعسيب الفحل يستأجر على عقوق الأنثى؛ يعني أن من البيوع المنهي عنها عسيب الفحل أي كراؤه للضراب. وكيفية ذلك أن يستأجر على عقوق الأنثى أي حملها.
وعلم مما قررت أن قوله: يستأجر، تفسير للعسيب الذي هو الإجارة، وعدَّى المص يستأجر بعلى لأنه في معنى يجاعل وهو جعل في الحقيقة. قاله أبو علي. لما في البخاري عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ (نهى عن عسيب الفحل (١)). وفي مسلم: (عن ضراب الفحل (٢)). فقوله: يستأجر، جملة تفسيرية، والعسيب بياء وفيه لغة بغير ياء. قاله في التوضيح. نقله أبو علي. وقوله: عقوق، قال الحطاب: الظاهر أنه بالفتح، قال عبد الباقي: فيه نظر لأن المصادر الآتية على فعول بالفتح خمسة، وهي: القبول والوقود والولوع والطهور والوضوء، وما عداهن بالضم كالخروج والدخول، ويجوز النطق بالضم قياسا فيما ورد بالفتح. انتهى. وقال بناني: صوابه إعقاق بلفظ الرباعي، أو عقاق كسحاب وكتاب، وأما عقوق فهو وصف كصبور لا مصدر، لكن ما قال المص ذكره ابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة. قاله أبو علي. وأجاب عن المص بأن عقوق بمعنى حائل وهي من إضافة الصفة للموصوف. قال في القاموس: فرس عقوق كصبور حامل وحائل ضد، أو على التفاؤل، الجمع عُقُق بضمتين، وقد عقت تعق عقاقا وعققا محركة وأعقت والعقاق كسحاب وكتاب الحمل بعينه. انتهى. وقال زهير:
стр. 5310
غزت سِمانا فئابت ضُمَّرا خُدُجًا … من بعد ما جنبوها بُدَّنا عُقُقا
الجوهوي: عسيب الفحل هو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، يقال: عسب فحله أي أكراه، وعسيب الفحل أيضا ضرابه، ويقال: ماؤه، والممنوع إجارته حتى تعق ونحو ذلك من المجهول. وأما كراؤه مدة معلومة أو مرات معلومة فإن ذلك جائز. ولهذا قال: وجاز زمان أو مرات؛ يعني أن أهل المذهب استثنوا من منع عسيب الفحل مسألتين، إحداهما: أن يستأجر زمانا معلوما كيوم أو يومين أو أكثر مما هو معلوم. الثانية: أن يستأجر مرات أي ولو في يوم لانتفاء علة الفساد وهي الجهل بالزمن أو المرات، وعبر عنها ابن الحاجب بأكوام، وأتى بأو لأنه لو سماهما معا لم يجز. قاله عبد الباقي وغيره. فإن أعقت انفسخت؛ يعني أنه إذا أعقت الأنثى قبل تمام الزمن أو المرات فإنه تنفسخ الإجارة، وعليه بحساب ما انتفع، وعلامة إعقاقها إعراضها عن الفحل: قال المواق: قال سحنون: من استأجر نزو فحل مرتين فعقت الدابة بإحداهما رجع بنصف الأجرة كصبي استؤجر على رضاعه مدة فمات في نصفها. ابن رشد: وكذا موت الصبي المستأجر على تعليمه والدابة المستأجر على رياضتها. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: فإن أعقت انفسخت راجع للصورتين، وتستثنى هذه المسألة من قولهم: إن ما تستوفى به المنفعة لا تنفسخ الإجارة بتلفه لمشقة ربها لو كلف أن يأتي بأخرى، وجعل ابن الحاجب الفسخ -وتبعه ابن عبد السلام والش- عائدا على المرات فقط. قال: وأما في الزمان فلا فسخ بعقوقها أوله أو أثناءه، بل إما أن يأتي بأنثى تستوفى بها المنفعة أو يؤدي جميع الأجرة؛ ولم يرتضه ابن عرفة.
وكبيعتين في بيعه؛ يعني أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيعتين في بيعة (١)). قال الشيخ أبو علي: قوله: كبيعتين في بيعة، هذا لما في الموطإ: أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيعتين في بيعة) (٢) انتهى. وقال المواق: الترمذي وصححه: (نهى رسول الله صلى الله
стр. 5311
عليه وسلم عن بيعتين في بيعة. انتهى. وقال الخرشي: عطف على حيوان بلحم جنسه، والنهي عنه ما في الموطإ، وخَرَّجَه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. قال عبد الباقي: وجعلهما بيعتين باعتبار تعدد المثمن في السلعتين والثمن في السلعة الواحدة. انتهى. ومحمل الحديث عند مالك على صورتين: أولاهما أشار لما بقوله:
يبيعها بإلزام بعشرة نقدا أو أكثر لأجل؛ يعني أن إحدى الصورتين هي أن يبيع الشخص سلعته بأحد ثمنين يختلف الغرض فيهما على اللزوم لهما أو لأحدهما، كأن يبيعها على اللزوم إما بعشرة نقدا وإما بأكثر من ذلك مؤجلا كاثني عشر، ويختار بعد ذلك أحد الثمنين، فإن كان ذلك على الخيار لهما معا فلا منع. والثانية أشار لها بقوله: أو سلعتين مختلفتين؛ يعني أن الصورة الثانية هي أن يبيع إحدى سلعتين مختلفتين في الجنسية كثوب ودابة، أو الصنعة كرداء وكساء، أو الرقم بثمن واحد على اللزوم لهما أو لأحدهما، فإن كان على الخيار لهما معا جاز ذلك، قال ابن عرفة في تفسير بيعتين في بيعة. هو بيع لأحد مثمونين يختلف الغرض فيهما أو بأحد ثمنين كذلك لزوما لأحد عاقديه، فإن كان دون لزوم جاز ذلك. قاله مالك في المدونة ورواه محمد. ونص المدونة: قال مالك: هو أن يشتري سلعة بدينار أو شاة، أو يشتريها بعشرة نقدا أو بخمسة عشر لأجل، قد وجبت للمشتري بأحد الثمنين إلزاما. الباجي: سواء كان الإلزام لهما أو لأحدهما وإن كان على غير إلزام جاز. انتهى. نقله المواق. وقال بناني: ووقع للشارح أنه قال: فإن وقع ذلك على خيار لهما أو لأحدهما جاز. قال الحطاب: وهو سهو ظاهر. أنتهى. واستثنى من قوله: أو لسلعتين مختلفتين قوله. إلا بجودة ورداءة؛ يعني أنه إذا كان اختلاف السلعتين إِنما هو بجودة ورداءة وهما متفقتان فيما عدا الجودة والرداءة والثمن وأحد فإنه يجوز بيع إحداهما على اللزوم بثمن واحد؛ لأن الجودة والرداءة ليستا
стр. 5312
بجوهر زائد فكأنهما سلعة واحدة، أو لأن الغالب الدخول على الأجود كما في أحمد. قاله عبد الباقي. وقال أبو علي: لما كان قوله: أو سلعتين مختلفتين يوهم عموم الاختلاف كيف ما كان أخرج هذه الصورة من ذلك فإنها جائزة، قال في المدونة: وذلك ممنوع فيما عدا الجودة والرداءة من صنعة أو صفة رقوم، وأما إن اختلفا في الجودة والرداءة فيجوز وإن اختلفت القيمة وليس من بيعتين في بيعة. انتهى. وقال المواق: فيها لمالك: لا بأس بشراء ثوب من ثوبين يختاره بثمن كذا أو خمسين من مائة ثوب في عدل يختارها إن كانت جنسا واحدا ووصف رقاعها وجنوسها وطولها وإن اختلفت القيم، بعد أن تكون كلها مروية أو هروية، فإن اختلفت الأجناس لم يجز، يريد على الإلزام، ولو كان كله على غير الإلزام لجازت وكذلك إن اجتمع حرير وصوف وبقر وغنم لم يجز إلا على ما ذكرنا.
وإن اختلفت قيمتهما. قال عبد الباقي: الواو للحال، أو أراد ثمنهما إذ اختلافهما بالجودة والرداءة يوجب اختلاف قيمتهما قطعا فلا معنى للمبالغة حينئذ، وإنما الذي يتحد مع اختلافهما في الجودة والرداءة تارة ويختلف تارة هو ثمنهما لأن الثمن يتبع الرغبات بخلاف القيمة، والمراد اختلف ثمنهما بحسب الأصل يعني الثمن الذي اشتراها به البائع لا الثمن الذي وقع به البيع الآن لأنهما دخلا على ثمن واحد. قاله بناني. وقال عند قوله: إلا بجودة ورداءة: هذه المسألة هي بيع الاختيار دون الخيار. ابن عرفة: زاد في البيان بعد الإحاطة بمعرفة خيارها وشرارها، وظاهر المص كان الاختيار للبائع أو للمشتري، قال مصطفى: وفيه إجمال تفصيله إن كان الاختيار للمشتري جاز مطلقا، وإن كان للبائع جاز إن كان ما يختاره لنفسه الثلث فأقل، هذا مذهب المدونة؛ وقوله: إلا بجودة ورداءة وإن اختلفت قيمتهما، وكذلك يجوز البيع أيضا إذا قال البائع: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا أو باثني عشر لشهر مثلا، فيقول المشتري: اشتريته بكذا، فإنه لا منع حينئذ، وينبغي أن يجري ذلك في السلعتين المختلفتين، فإذا قال البائع: بعتك إحدى هاتين السلعتين، وقال المشتري: اشتريت هذه السلعة بكذا، فيجوز ذلك. قاله الخرشي. والله سبحانه أعلم. ولو عكس في مثال المص لجاز لعدم التردد غالبا؛ لأن العاقل لا يختار أقل لأجل عن أكثر نقدا.
стр. 5313
لا طعام، بالجر عطف على مقدر؛ أي يجوز في غير الطعام لا في طعام يعني أنه إذا اختلفت السلعتان في الجودة والرداءة مع اتفاقهما فيما عداهما فإن ذلك يجوز كما عرفت، لكن محل الجواز المذكور إنما هو في غير الطعام، وأما الطعام فإن ذلك لا يجوز فيه كصبرتي طعام ولو كانتا متفقتين في الجنسية والصفة يبيع إحداهما، ولكن فرض المص هنا في المختلف بالجودة والرداءة، والمنع غير مقصور على ذلك، ويأتي الكلام على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى. والله سبحانه أعلم. قال المواق: من المدونة قال مالك: أما الطعام فلا يجوز أن يشتري منه على أن يختار من صُبَر مُّصَبَّرة أو من نخيل أو شجر مثمرة عددا يسميه اتفق الجنس أو اختلف أو كذا وكذا عذقا من هذه النخلة يختارها، ويدخله التفاضل في بيعه الطعام من صنف واحد مع بيعه قبل قبضه إن كان على الكيل؛ لأنه يدع هذه وقد ملك اختيارها ويأخذ هذه وبينهما فضل في الكيل، ولا يجوز فيه التفاضل، وكذا إن اشترى منه عشرة آصع محمولة بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام لم يجز، ويدخله ما ذكرنا، وبيعه قبل قبضه. التونسي: أما إذا باع منه تمر أربع نخلات يختارها فهذا بَيِّنٌ أن لَّا يجوز لأنه يصير فيه التفاضل بين الطعامين يأخذ نخلة ثم ينتقل عنها إلى ثمر غيرها مما هو أقل منها أو أكثر، وكذلك صُبَر الطعام لا يجوز الخيار فيها، وأما لو كان مُدَّانِ من حنطة يأخذ أحدهما قد وجب عليه ولا فضل في صفة أحدهما على الآخر لكان هذا خفيفا إذا لم يتراخ فيه. عياض: منع هذا في كتاب ابن حبيب وأبي الفرج، وضعفوا التعليل ببيع الطعام قبل قبضه، قال فضل: إنما علته أنه طعام بطعام غير متناجز إذ يختار أحدهما ثم يتركه ويأخذ الآخر، فجاء بدل الطعامين غير ناجز. انتهى كلام المواق.
وإن مع غيره؛ يعني أن العقد المذكور يمنع في الطعام مع الطعام أي في بيع أحد الطعامين فقط، بل وإن كان مع الطعام غيره كصبرة وثوب معهما صبرة وثوب آخر على أن يختار المشتري إحدى الصبرتين مع أحد الثوبين فإن ذلك لا يجوز، قال عبد الباقي: وبالغ عليه ليلا يتوهم الجواز وأن الطعام غير منظور إليه، وفرض المص أن الطعام مختلف بجودة ورداءة كما يفيده العطف، فإن اتفق جودة ورداءة وكَيْلًا جاز وهو واضح، بل المشهور الجواز فيما إذا اختلفا جودة
стр. 5314
ورداءة واتفقا في ما عدا ذلك، فيحمل قوله: لا طعام على ما إذا اختلفا كيلا واتحد جنسهما، فإن اتفقا في الكيل جاز ولو اختلفا جودة ورداءة، والوزن كالكيل فيما يظهر فعلم أن الأقسام ثلاثة، أحدها: متحد النوع والكيل والصفة فيجوز، ثانيها: مختلف الثلاثة فيمنع قطعا. ثالثها: متحد النوع والكيل مختلف الصفة فيجوز، ووجهه عبد الحق بما نصه: وليس يدخله بيع الطعام قبل قبضه لأنه لو أسلم في محمولة جاز أن يأخذ سمراء مثل الكيل بعد الأجل. انتهى. وقد ضبط ابن عرفة هذا الفصل فقال: وشراؤه الطعام على الاختيار لزوما لا يجوز في غير متماثلين مطلقا، ولا فيهما ربويين جزافا ولا كيلا إن اختلف قدره. انتهى. انظر ابن غازي. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: فيحمل قوله: لا طعام على ما إذا اختلفا؛ يعني أو جهل الكيل، وهذا الحمل وإن وافق المشهور بعيد من المص. وقوله: بل المشهور الجواز فيما إذا اختلفا جودة ورداءة لخ، هذا هو الذي نسبه فضل لظاهر المدونة، قال ابن زرقون: قال فضل بن مسلمة: ظاهر المدونة يدل على أنه إن اتفق الكيل والمصنف جاز، ابن عرفة: لم أجد في المدونة ما يدل على ما قاله فضل بحال. انتهى. وقال ابن غازي في تكميلى التقييد: ما قاله فضل يؤخذ من قول المدونة في تعليل المنع لأنه يدع هذه الصبرة وقد ملك اختيارها ويأخذ هذه وبينهما فضل في الكيل، ومن قولها: وكذلك إن اشترى منه عشرة آصع محمولة بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام لم يجز؛ إذ مفهومه لو تساويا في الكيل لجاز. قاله أبو إبراهيم الفاسي. وما نسبه فضل لظاهر المدونة هو المشهور وعليه اقتصر ابن جماعة في مسائله والقباب في شرحه. انتهى باختصار. انتهى. قاله بناني. وقال أبو علي بعد جلب نقول: وقد تبين من هذا كله أن الطعام إذا اتحد كيلا وجودة ورداءة ولا يكون ذلك إلا في المصنف الواحد فذلك جائز، وإن اتفقا كيلا واختلفا جودة ورداءة كسمراء ومحمولة فهو محل النزاع، وقد رأيت فيه الاضطراب، وما ذكره ابن غازي من قوله: كلام فضل هو المشهور، قد لا يسلم، وقد رأيت من خالفه، ومذهب المص على المنع لأنه تبع ابن عبد السلام وغيره، ثم قال: وإن شئت قلت: السائل كلها ممنوعة ما عدا صورة الاتحاد من كل وجه مع ما فيه. انتهى.
стр. 5315
تنبيه: أفتى بعض شيوخ ابن عرفة بمنع شراء العنب من البائع الذي بعض عنبه أبيض وبعض عنبه أسود، إلا أن يبين المشتري الأخذ من أحدهما، وكذا شراء التين من البائع الذي تينه مختلف، قال: وأفتيت بجواز ذلك. قاله التتائي. ومَثَّل للطعام مع غيره بقوله:
كنخلة مثمرة من نخلات؛ يعني أنه لا يجوز أن يشتري نخلة مثمرة على اللزوم يختارها المشتري من نخلات مثمرات بناء على أن من خُيِّر بين شيئين يعد منتقلا، فإذا اختار واحدة يعد أنه اختار غيرها قبلها وانتقل عنه إلى هذه فيؤدي إلى التفاضل بين الطعامين الربويين؛ لأن المنتقل إليه يحتمل أن يكون أقل من المنتقل عنه أو أكثر أو مساويا، والشك في التماثل كتحقق التفاضل، وإلى بيع الطعام قبل قبضه إن كانا مكيلين أو أحدهما. قاله عبد الباقي. وقال المواق: من المدونة: إن باع منه ثمر أربع نخلات من حائطه على أن يختارها المبتاع لم يجز، ولو ابتاعها بأصولها بغير ثمر جاز كالعروض، وأما الثمرة فلا. انتهى. وعلم مما مر أنه لو كان الطعامان مختلفين في الجنسية لامتنع ذلك بكل حال لأنه من بيعتين في بيعة، كان الطعامان ربويين أو أحدهما أو غير ربويين، وكذا يمتنع ذلك لو كانت النخلة مثمرة من نخلات غير مثمرات لأنه من بيعتين في بيعة، ولما كانت العلة المذكورة موجودة فيمن باع بستانه المثمر واستثنى منه عدد نخلات مثمرة يختارها أشار لجوازها بقوله: إلا البائع يستثني خمسا من جنانه؛ يعني أنه يجوز لمن عنده جنان مثمر أن يبيعه ويستثني منه خمسا يختارها ولابد أن يكون ثمرها قدر ثلث الثمر فأقل، قال عبد الباقي: إلا البائع لجنانه المثمر يستثني خمسا من جنانه المبيع على أن يختارها منه فيجوز، كما أجاب به الإمام بعد أن وقف فيها أربعين ليلة، وأجازه إما لأن المستثنى مبقى وإما لأن البائع يعلم جيد حائطه من رديه فلا يختار ثم ينتقل، ولابد أن يكون ثمر الخمس قدر ثلث الثمر كيلا، ولا يخفى أن المستثنى هنا الثمرة مع الأصول؛ لأن الكلام في الطعام مع غيره، وحينئذ ينتفي التكرار مع قوله سابقا "وصبرة وثمرة واستثناء قدر ثلث" لأن المبيع هناك الثمرة فقط، وقيدنا يختارها منه احترازا عما لو استثناها على وجه اللزوم فيجوز ولو زاد المستثنى على الثلث لأنه بمنزلة ما إذا استثنى جزءا معينا كثلث أو نصف، فإنه يكون شريكا بنسبة العدد
стр. 5316
الذي سماه من ثمر نخله، ذكره الطخيخي فيما إذا استثنى ثمر النخل، كما قدمه المص بقوله "وصبغ وثمرة واستثناء قدر ثلث" وكلام المص هنا في استثناء النخل مع ثمرة كما علمت، ولا فرق بينهما ثم إذا هلكت الثمرة في مسألة الطخيخي، فعلى البائع ضمان حصته فقط، وأما في مسألة المص فقال الشارح: ولو هلكت النخل كلها قبل اختيار البائع لكان ضمان المبيع منه أي من البائع ويفسخ. انتهى. ولعل وجه الضمان أنه لم يتعين للمشتري شيء فهو يشبه ما فيه حق توفية، وانظر إذا لم يبق من النخل إلا قدر ما استثنى البائع فهل يكون بينهما على حسب ما لكل، كما لو استثنى لا على وجه الاختيار، أم تكون كلها للبائع المستثني وهو الظاهر، قياسا على ما رجحه بعضهم في هلاك صبرة وثمرة واستثنى قدر ثلث إلا قدر المستثنى من أنه للبائع لا بينهما، وظاهر ابن عرفة استواء القولين. انتهى. انتهى كلام عبد الباقي. وقال بناني: الذي في المدونة أربع نخلات أو خمس هذا قد أجازه مالك وجعله كمن باع غنمه على أن يختار البائع منها أربعة أكباش أو خمسة. انتهى. وزاد ابن الحاجب التقييد باليسارة وفسر في التوضيح اليسير بالثلث. قال مصطفى: ولم يحده به في المدونة ولا ابن عبد السلام ولا ابن عرفة. انتهى. قلت: وهو قصور، ففي المتيطى: وإن لم يعين النخلات وشرط الخيار لنفسه جاز ذلك عند مالك إن كانت الثلث فدون، وإن كان الخيار للمبتاع لم يجز، وفي أبي الحسن ما نصه: قال عبد الحق: إنما قال مالك في البائع لأصل حائطه: يجوز أن يستثني خيار أربع نخلات أو خمس، قال سحنون: قدر الثلث فأقل وإن كان أكثر لم يجز. انتهى. فقد حده بالثلث مثل ما في التوضيح، وظاهر ما ذكر من النقل أن الأربع ليست. بحد، بل المدار على الثلث خلافا لما يقتضيه التوضيح من اعتبار كونها أربعا أو خمسا مع التقييد بكونه الثلث فدون، فإنه لما قال ابن الحاجب: بخلاف البائع يستتني أربع نخلات أو خمسا من حائطه إن كانت يسيرة يختارها لخ، قال في التوضيح: لم يكتف المص بالأربع عن التقييد باليسير لأن الحائط قد تكون نخلاته يسيرة، ومراده باليسير قدر الثلث فأدنى، وقول الزرقاني: احترازا عما لو استثناها على وجه اللزوم لخ؛ يعني بحيث تبقى مبهمة في الحائط فيكون استثناؤها كاستثناء الجزء الشائع. انتهى كلام بناني. وفي المدونة: وكل شيء ابتعته من سائر العروض والماشية عدا الطعام على أن يختار منه عددا يقل أو
стр. 5317
يكثر بثمن مسمى فذلك جائز في الجنس الواحد، ويجوز أيضا أن يستثني البائع لنفسه خيار شاة من مائة أو ما يقل عدده، فأما أن يستثني البائع لنفسه خيار أكثر العدد كالتسعين من مائة أو ما يكثر لم يجز. انتهى باختصار. ابن عرفة: والذي يجوز للبائع أن يستثني اختياره الثلث فأقل، فإن كان أكثر من الثلث لم يجزه ابن القاسم وأجازه سحنون، ثم قال: ففي جواز استثناء البائع اختيار أكثر من النصف، وقصره عليه، ثالثها على الثلث فقط، ورابعها على ما دون النصف، لابن حبيب، وسحنون وابن رشد، عن ابن القاسم، واللخمي مع غيره عنه. انتهى.
وكبيع حامل بشرط الحمل؛ يعني أنه لا يجوز بيع حامل بشرط الحمل إن قصد الاستزادة في الثمن لأنه من أفراد بيع الغرر، وأما إن قصد بالشرط التبري من عيب الحمل فلا بأس بذلك، ومفهوم بشرط الحمل: لو باعها على أنها حامل دون شرطه جاز وهو كذلك، نص عليه ابن عبد الحكم، ابن ناجي: وهو متفق عليه. قاله التتائي. وفي تكميل التقييد: فإن نص على شرط الحمل براءة أو رغبة فواضح، وإلا فقال اللخمي: إن كان مشتريها حضريا فشرطه براءة، وإن كان بدويا فليس ببراءة لرغبة أكثرهم في نسل الإماء وهو الظاهر. قاله بناني. وقال المواق: أشهب: من ابتاع بقرة على أنها حامل أو جارية يزيد فيها الحمل فلم يجد بها حملا له ردها. ابن رشد: قال ابن القاسم ورَوَى: لا يجوز بيعها على ذلك وإن كان حملها ظاهرا، وبيعها مفسوخ، وأجازه سحنون إن كان الحمل ظاهرا. ابن رشد: والأظهر قول سحنون. ابن زرقون: إن كانت الجارية رفيعة ينقصها الحمل فباعها على أنها حامل فلا خلاف في جوازه لأن ذلك على معنى التبري. انتهى. واعلم أن الخلاف في بيع الحامل بشرط الحمل إنما هو حيث قصد بذلك استزادة الثمن، والمشهور المنع، وقال ابن أبي حازم: المبيع جائز ولا يرد لفقد الحمل إذا باع الرمكة يظنها عقوقا، ولو باعها على ذلك وهو يعلم أنها غير ذلك لعرفته أن الفحل ينزو عليها كان له الرد لأنه غره وأطمعه، فيتحصل فيها أربعة أقوال أظهرها قول سحنون. قاله الشيخ أبو علي؛ يعني قول ابن القاسم، وقول أشهب: بأن له ردها إن لم يجد بها حملا، وقول سحنون: بالجواز إن كان الحمل ظاهرا، وقول ابن أبي حازم. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عبد الحكم: لا خير في بيع
стр. 5318
الرجل ويشترط عقاقها، ولو قال: هي عقوق دون شرط فلا بأس به، ومن المدونة قال مالك: ومن باع شاة على أنها حامل لم يجز، وكأنه أخذ بجنينها ثمنا حين باعها بشرط أنها حامل قال في كتاب محمد: إلا أن يقول: هي حامل ولا يشترط ذلك فلا بأس به. وقال أصبغ: لا بأس أن يشترط أنها حامل إذا كان الحمل ظاهرا معروفا يعرفه كل أحد في الغنم والجواري، والشرط فيه وغير الشرط سواء، وقيل لأشهب: من اشترى جارية على أنها حامل فلم تكن حاملا، قال: ذلك يختلف فإن كانت مرتفعة فذلك تبرؤ من حملها ولا شيء له: وإن كانت من اللواتي يزاد في ثمنهن للحمل فله ردها إن لم تكن حاملا، وتحصل مما مر أن مالكا وابن القاسم يمنعان بيع الحامل بشرط مطلقا، وأن أشهب وابن أبي حازم يجيزانه مطلقا، وأن أصبغ وسحنون يجيزانه إذا ظهر الحمل. وقال الحطاب: والحاصل إذا قصد الاستزادة في الثمن لم يجز مطلقا، وإن قصد التبري جاز إن كان ظاهرا إلا أن يعترف بالوطء ولم يدع الاستبراء، وإن كان خفيا جاز في الوخش لا في العلي. والله أعلم. وقال عبد الباقي: وكبيع حامل بشرط الحمل إن قصد استزادة في الثمن بأن يكون مثلها لو كانت غير حامل تباع بأقل مما بيعت به، فإن قصد التبري جاز في الحمل الظاهر في العلي، وكذا الوخش إلا أن يطأها ولم يستبر، وفي الوخش في الخفي إذ قد يزيد ثمنها به دون الرائعة لنقصه من ثمنها كثيرا فيكثر الغرر، فإن لم يصرح بما قصد حمل على الاستزادة في الوخش لأنه يزيد في ثمنها، وكذا الحكم في حيوان غير آدمي لأن النسل يقصد من البهيمة كثيرا، وعلى التبري في الرائعة لنقص ثمنها بالوطء غالبا كما مر. وعلم مما مر في العاقل أنه متى قصد استزادة الثمن امتنع في ثمان صور، وهي علية أو وخش، ظاهرة الحمل أم لا، وطئها وادعى استبراء أم لا، ومتى قصد التبري امتنع أيضا إن وطئ ولم يستبر علية أو وخشا ظاهرته أو خفيته، فإن لم يطأها أو استبرأ جاز التبري في ظاهرته عليا أو وخشا وفي خفيته في الوخش دون العلي. انتهى. وقوله: وطئها وادعى الاستبراء أم لا لخ، قال بناني: اعلم أنه إن اعترف بالوطء ولم يدع الاستبراء لم يجز له البيع مطلقا شرط الحمل أم لا؛ لأن حملها (١) يلزمه
стр. 5319
وتكون به أم ولد، والكلام هنا إنما هو في تفصيل شرط الحمل فيما يجوز بيعه هل يفسد المبيع أم لا، فلو أسقط من هذه الصور دعوى الوطء والاستبراء كان أولى وأوضح. انتهى. لكن يحسن إتيانه بذلك لتتميم الصور. والله سبحانه أعلم. قاله مقيده عفا الله عنه.
فرع: إذا باع الأمة الحامل واستثنى جنينها فإنه بيع فاسد ويرد، فإن وضعت أو فات بحوالة سوق قبل الموضع فعلى المشتري القيمة يوم القبض على أنها حامل، فإن جهل البائع وأخذ الولد باستثنائه رد، فإن فات بيده بمفوت المفاسد فعليه قيمته، وأجبر على جمعهما بملك إما ببيع أحدهما من صاحبه أو ببيعهما جميعا.
فرع: فإن قال البائع: قصدت الاستزادة في الثمن لقصد فسخ المبيع. وقال المشتري: إنما وقع الشرط على وجه التبري فينظر في الثمن فإن دل للبائع لكثرته قُبل قوله، وإن دل للمشتري لعدم كثرته قُبل قوله، وليس هذا من الاختلاف في الصحة والفساد. كذا وقع في مجلس المذاكرة. قاله عبد الباقي. وقال أبو علي بعد جلب كثير من النقول: وقد تبين من هذا كله أن الحمل إنما هو عيب في الرائعة لا غير، بل الرائعة إذا كانت في قطر حملها يزيد في الثمن يكون حملها كحمل البقرة، والمدار في العيب على ما ينقص الثمن. وفي رجز ابن عاصم:
وكل عيب ينقص الأثمانا … من غيرها رُدَّ به ما كانا
قال أبو علي: ولما كان الغرر ثلاثة أقسام: قسم يمتنع إجماعا كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء، وقسم اختلف فيه؛ يعني ما مر من قوله: كبيعها بقيمتها لخ، وقسم يجوز إجماعا كأساس الدار المبيعة وبيع الجبة المغيبة الحشو ودخول الحمام مع اختلاف الاستعمال والشرب من السقاء مع اختلاف ذلك. انتهى. وإلى هذا أشار الشيخ خليل بقوله:
واغتفر غرر يسير للحاجة لم يقصد؛ يعني أن الغرر يغتفر بشرط أن يكون يسيرا وأن يكون غير مقصود لأن الحاجة داعية إلى ذلك. قال عبد الباقي: واغتفر غرر بقيود ثلاثة، أحدها: يسير إجماعا للضرورة كأساس دار فإنها تشترى من غير معرفة عمق أساسها وعرضه، وإجارتها
стр. 5320
مشاهرة مع احتمال نقصان الشهر، وكجبة محشوة ولحاف والحشو مغيب، وشرب من سقاء، ودخوك حمام مع اختلاف الشرب والاستعمال، وأما بيع نحو طراخة محشوة فليس من ذلك بل من الغرر الكثير فلا يجوز إلا بالوزن، ويتحرى ظرفه أو يوزن أو يلغى كما تقدم في بيع السمن بظروفه. ثانيها: للحاجة. ثالثها: لم يقصد أي لم تكن العادة قصده، فبقيد اليسارة خرج الكثير كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء فلا يغتفر إجماعا، وبقيد عدم القصد خرج بيع الحيوان بشرط الحمل على ما مر، ولم أرهم تعرضوا لقيد الحاجة أي لما خرج به، وكأنه لبيان الواقع إذ البيع من أصله من الأمور الحاجية. قاله بعض الشارحين. أي فهو تنبيه على العلة التي لأجلها جاز البيع. انتهى. وقال أبو علي: قوله: للحاجة؛ أي إذا دعت الحاجة إلى ذلك أي من شأنه أن تدعو الحاجة إليه، كشراء الجبة بحشوها المغيب، فمن احتاج إلى شراء جبة أبحنا له إدخال الحشو في البيع وإن لم تدع الحاجة في الوقت إلى شرائها بحشوها، بخلاف شراء ثوب وحشو جبة فقط في صفقة، فهذا لا يجوز إذ ليس من شأن شراء الثوب دعاء الحاجة إلى شراء حشو جبة معه، وقد اتفقوا على صحة بيع جبة محشوة بحشوها المجهول، وفساد بيع جملة ثياب قيمتها ضعف قيمة الجبة مع حشو الجبة دونها صفقة واحدة، ولا فرق غير الحاجة للحشو في بيعه مع جبته وعدمها في بيعه مع الأثواب انتهى.
وكمزابنة، هو من أفراد بيع الغرر ورد فيه النهي بخصوصه؛ يعني أن النبي ﷺ نهى عن بيع المزابنة وفي خبر الصحيحين: (نهى الرسول ﵇ عن بيع المزابنة (١)) وهي بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع الزبيب بالعنب كيلا وعن كل ثمرة بخرصها، وفي رواية وعن بيع الزرع بالحنطة، وهذا التفسير إن كان منه ﵇ فلا يعدل عنه، وإن كان من تفسير الراوي فهو صحابي، فلتفسيره مزية على تفسير غيره، وفسره أهل المذهب بما هو أعم، البساطي: ولا شك أن ما فسرها به أهل المذهب ممنوع شرعا إنما النزاع في كونه داخلا في مسمى المزابنة أم لا، فإن كان داخلا فلا إشكال وإلا فثم عمومات تدخل تحتها كالنهي عن الغرر، وإنما
стр. 5321
يحتاج إلى هذا في غير الربوي، أما الربوي فلا شك في منعه لعدم العلم بالتساوي الذي هو شرط فيه اتفاقا. قاله الخرشي في كبيره. وأشار إلى تفسير أهل المذهب للمزابنة بقوله:
مجهول بمعلوم؛ يعني أن المزابنة لها صورتان، إحداهما: أن يبيع المجهول بالمعلوم من الجنس الواحد، والثانية: بيع المجهول بالمجهول من الجنس الواحد وإلى ذلك أشار بقوله: أو مجهول، وعلم مما قررت أن قوله: من جنسه، راجع لهما أي المزابنة هي بيع مجهول بمعلوم من جنسه أو بيع مجهول بمجهول من جنسه. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ثم عطف جزئيا من جزئيات الغرر عليه لورود النهي فيه بخصوصه، فقال: وكمزابنة بالتنوين من الزبن وهو الدفع من قولهم: ناقة زبون إذا دفعت عن حلابها، ومنه الزبانية لدفعهم الكفار في النار، وفسرت في الحديث بأنها بيع ثمر النخل يعني بالمثلثة، بالتمر يعني بالمثناة كيلا، وبيع الزبيب بالعنب كيلا، وفسرها المص تبعا لأهل المذهب بما هو أعم، فقال مبدلا مما قبله أو عطف بيان عليه أو خبر مبتدأ محذوف: مجهول أي بيعه بمعلوم ربوي أو غيره، أو بيع مجهول بمجهول فهو عطف على بمعلوم من جنسه فيهما للغرر بسبب المغالبة، فإن تحققت المغلوبية في أحد الطرفين في غير الربوي فلا منع، وإلى ذلك أشار المص بقوله:
وجاز بيع مجهول بمجهول من جنسه أو بمعلوم من جنسه إن كثر أحدهما، كثرة بينة حالة كون العقد واقعا في غير ربوي؛ أي فيما لا ربا فضل فيه فيشمل كلامه ما يدخله ربا النساء وما لا يدخله ربا أصلا، فيجوز بيع فاكهة بمثلها إذا تبين الفضل لكن بشرط النقد كما يفهم من قوله في المسلم "وأن لا يكونا طعامين". انتهى كلام عبد الباقي. وقال المواق: مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وهي بيع العنب بالزبيب كيلا. المازري: المزابنة عندنا بيع معلوم بمجهول أو مجهول بمجهول من جنس واحد فيهما. ابن عرفة: يبطل عكسه أي جمعه ببيع الشيء بما يخرج منه حسبما يأتي، ويكون في الربوي وغيره. ومن المدونة: كل شيء يجوز واحد باثنين من صنفه إذا اكتاله أو راطله أو عادَّه فلا يجوز الجزاف فيه بينهما لا منهما ولا من
стр. 5322
أحدهما، فلا يكون أحدهما كيلا أو وزنا أو عددا والآخر جزافا لأنه من المزابنة، إلا أن يعطي أحدهما أكثر من الذي يأخذ بشيء كثير فلا بأس به، وإن تقارب ما بينهما وإن كان ترابا لأنه مزابنة. ابن يونس: قوله: لا يجوز الجزاف منهما يريد إلا فيما قل مما يوزن ولم يحضرهما ميزان، فيجوز كما يجوز بيع اللحم باللحم تحريا؛ لأن ذلك بيع بعضه ببعض جزافا فلا فرق. انتهى. ومفهوم قول المص: في غير ربوي، أن الربوي لا يجوز مع كثرة أحدهما، وأما إن اختلف الجنس فلا نزاع في الجواز، ولما قيد المزابنة باتحاد الجنس فمع اختلافه ولو بدخول ناقل لا مزابنة أفاد ذلك عاطفا على فاعل جاز بقوله:
وجاز نحاس بتور؛ يعني أنه يجوز بيع النحاس بالتور وهو إناء من النحاس يشرب فيه وقد يكون أكبر من إناء الشرب، وسواء كانا جزافين أو الجزاف أحدهما، والنحاس مثلث النون، والتور بمثناة فوقية مفتوحة، والجواز إن بيع ما ذكر نقدا وكذا مؤجلا وقدم النحاس حيث لم يمكن عمل المؤجل من المقدم، فإن أمكن منع وإن قدم المصنوع. فقال اللخمي: قال يحيى: لا بأس أن تسلم سيوف في حديد، ومنع ذلك سحنون قائلا: ليس ضرب السيف صنعة تخرجه عن الحديد لأنه يعود حديدا. اللخمي: والأول أحسن، وليس هذا مما يفعله ذو عقل أن يعيد السيف حديدا ولو فعله لعوقب عليه؛ لأن ذلك من الفساد وإضاعة المال. قاله بناني. وقال الرهوني: النحاس مثلث، عن أبي العباس الكواشي: القطر والنار وما سقط من شرار الصفر أو الحديد إذا طرق والطبيعة، وفي الصحاح: والنحاس معروف، والنحاس أيضا دخان لا لهب فيه. قال نابغة جعدة:
يضيء كضوء سراج السليـ … ط لم يجعل الله فيه نحاسا
ويقال: فلان كريم النحاس أي الأصل، وقوله: ونحاس بتور، هو المشهور. لا فلوس؛ يعني أنه يعنع بيع الفلوس بالنحاس. ابن رشد: ولا أعلم خلافا في منع بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة، ومن ذلك بيع ما يكسر من الأواني بالفلوس وكذا الفلوس التي بطل التعامل بها بفلوس تجددت لأنها صارت نحاسا فلا يجوز ذلك، ويجوز بيع الأواني التي يطبخ فيها بفلوس لأنهما من
стр. 5323
المصنوعات، وقوله: لا فلوس عطف على تور أي لا يباع نحاس بفلوس لعدم انتقال الفلوس بصنعتها بخلاف صنعة الإناء، ومحل المنع حيث جهل عددها سواء علم وزن النحاس أو لا، كثر أحدهما كثرة تنفي المزابنة أم لا، أو علم عددها وجهل وزن النحاس حيث لم يتبين فضل أحد العوضين، وإلا جاز كما إذا علم عدد الفلوس ووزن النحاس، فأقسامها ثلاثة. قاله عبد الباقي. قوله: كثر أحدهما كثرة تنفي المزابنة أم لا، إنما منع هذا مع تبين الفضل لمنع الجزاف في الفلوس على المشهور، كما تقدم عند الزرقاني في قوله: ونقد إن سك لا للمزابنة، لقوله: وجاز إن كثر أحدهما. قاله بناني. وقال عبد الباقي: وذكر المص صورتين يعني قوله: ونحاس بتور، وقوله: لا فلوس، وترك اثنتين إحداهما: بيع فلوس بفلوس فيجوز إن استوى عدد كل فإن الخف منع ولو عرف وزن كل. ثانيهما: بيع تور بفلوس فيجوز إن علم عددها ووزنه وكذا إن جهل وزنه لكن وجدت شروط الجزاف فيجوز، وإن لم يكثر كثرة تنفي المزابنة لنقل الصنعة له، فإن لم توجد شروطه منع كما لو جهل عدد الفلوس ووزن التور. انتهى. وقال بناني: قال في التوضيح: استشكل الأشياخ المنع في الفلوس وقالوا: القياس جوازه لأن الصنعة نقلته كما في التور، والفرق الذي ذكره المص يعني ابن الحاجب لابن بشير، وفيه نظر. انتهى. وأشار إلى قول ابن الحاجب: واستشكله الأئمة، وفرق بقلة الصنعة في الفلوس. انتهى. قلت: كان الشيخ المسناوي وغيره من المحققين يذكر أن هذا إنما هو في الفلوس التي كانت في القديم لأنها كانت قطعا من نحاس من غير كبير صنعة فيها، وأما فلوس وقتنا فصنعتها كثيرة لأنها منقوشة فيجوز بيعها بالنحاس كالأواني. انتهى.
وككالئ بمثله؛ يعني أنه ﷺ (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (١)) أي المتأخر بالمتأخر، يقال: كلأ الشيء أي تأخر وحقيقته محتوية على ثلاثة أقسام أشار لأولها بقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ يعني أن من بيع الكالئ بالكالئ فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ أي فسخ ما في ذمة المدين في شيء مؤخر قبضه عن وقت الفسخ حل الأجل أم لا، وهذا هو أشد الأقسام
стр. 5324
الثلاثة لأنه ربا الجاهلية، فلذلك بدأ به، وكان ربا الجاهلية أن يقول رب الدين لمدينه: إما أن تقضيني ديني وإما أن تربي لي فيه، وقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر، قد علمت أنه سواء حل الأجل أم لا، ومحل المنع إذا كان المؤخر من غير جنس الدين أو كان من جنسه حيث كان أكثر، فإن كان مساويا أو أقل جاز، وسواء في ذلك الطعام والنقد وغيرهما، كما لو كان له عليه عشرة دراهم فأخره بها أو حط منها درهما وأخره بالتسعة فذلك جائز، وليس من فسخ ما في الذمة في مؤخر الممنوع بل سلف فقط أو مع حطيطة، ولا محذور فيه. ونظم ذلك بعضهم فقال:
وشرط فسخ الدين أن يفسخ في … جنس مخالف أو أكثر يفي
وفي إطلاق الفسخ على المؤخر من جنسه وهو مثله تجَوُّزٌ لأنه لم يدخل في قوله: فسخ؛ إذ حقيقة الفسخ الانتقال عما في الذمة إلى غيره: فانتقاله إلى مثله ليس بفسخ، وكذا انتقاله لما دونه إذ هو حطيطة. قاله عبد الباقي. وقال: دخل في كلام المص ما إذا أخذ منه في الدين شيئا ثم رده له بشيء مؤخر من غير جنس الدين أو من جنسه وهو أكثر؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغوا، وسيأتي نحوه في بيوع الآجال، وقوله: فسخ أي ولو اتهاما كما لو قضاك في دينك ثم رددته له سلما، وهاتان الصورتان يقعان كثيرا بمصر للتحيل على التأخير بزيادة. انتهى. وقال بناني: قال ابن عرفة: والتهمة على فسخ الدين في الدين معتبرة، في صرفها: إن قبضت من غريمك دينا فلا تعده إليه مكانك سلما في شيء، ولو أسلمت إليه دنانير ثم قضاكها بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز. انتهى. وقال المواق في الحديث من غير الكتب المشهورة: أن رسول الله ﷺ نهى عن الكالئ بالكالئ. ابن عرفة: تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، كما قالوا في لا وصية لوارث، لو معينا بتأخر قبصه؛ يعني أنه لا يجوز فسخ ما في الذمة في مؤخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المؤخر في الذمة وبين أن يكون معينا يتأخر قبضه. من المدونة قال مالك: من لك عليه دين حال أو إلى أجل فلا تكتري منه داره
стр. 5325
أو أرضه التي رويت أو عبده شهرا أو تستعمله هو به عملا يتأخر، ولا تبتاع به منه ثمرة حاضرة في رؤوس النخل قد أزهت أو أرطبت أو زرعا قد أفرك لاستيخارها، ولو استجذت الثمرة أو استحصد الزرع ولا تأخير لهما جاز، ولا تبتع به منه سلعة بخيار أو أمة تتواضع، أو سلعة غانبة على صفة. ابن يونس: وسواء كانت الدار على صفة أو على رؤية متقدمة، فإنه لا يجوز لأنه لا يقدر على قبضها حينئذ لغيبتها، وأجاز ذلك أشهب لأنها معينة، ألا ترى أنه يجوز شراء ذلك بدين اتفاقا وهو أقيس. وقال اللخمي: لا يجوز أن يفسخ ما حل من دينه أو لم يحل في منافع عبد أو دابة إذا كان ذلك مضمونا، واختلف إذا كان العبد أو الدار أو الدابة معينا، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، حل الأجل أو لم يحل، وأجازه أشهب، وروى محمد: لا خير في استعمال رجل بدين عليه قبل حلوله لخوف مرضه أو غيبته فيتأخر لأجل آخر فيصير دينا في دين؛ ثم قال اللخمي: أما إذا حل الأجل فالمنع أصوب لأن ما يتأخر قبضه يؤخذ بأقل من ثمن ما يقبض جميعه بالحضرة، فيدخله تقضي أو تربي، وأما إذا لم يحل الأجل وكان انقضاء هذه ينقضي عند الأجل الأول أو قبله فلا يدخله دين في دين لأنها معينة، ولا تقضي أو تربي لأنه لم يستحق القضاء في ذلك الوقت، فيجوز ها هنا وإن كثر الأجل وكان لا يجاوز الأجل الأول، ولا يدخل ما كره مالك من مرض الرجل لأنه ها هنا إذا مرض انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من ذلك الأمد، وهو في ذلك بخلاف أن يقاطعه على خياطة الأثواب أو ما أشبهها فلا يستأجره في ذلك إلا فيما قل؛ لأن الخياطة في المقاطعة لا تتعلق بوقت، ويدخله ما خشي مالك من أنه إن مرض قضى في وقت آخر، وسلم ابن عرفة هذا كله. ولابن يونس: قيل لمالك: فإذا لم يجز لي أن أكري منه داره بدين لي عليه أو أكري منه عبده فهل أستعمله به عملا؟ قال مالك: أما العمل اليسير والدين لم يحل فجائز، وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير، ولا تبتع منه بدينك سلعة غائبة أو سلعة بخيار. ومن المدونة: من واجر نفسه أو عبده في الخياطة شهرا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا أن تكون الإجارة يوما ونحوه فلم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا. قال: فيجوز فسخ الدين في خدمة معين اليوم ونحوه، ولا إشكال في هذا