يحتاج إلى هذا في غير الربوي، أما الربوي فلا شك في منعه لعدم العلم بالتساوي الذي هو شرط فيه اتفاقا. قاله الخرشي في كبيره. وأشار إلى تفسير أهل المذهب للمزابنة بقوله:
مجهول بمعلوم؛ يعني أن المزابنة لها صورتان، إحداهما: أن يبيع المجهول بالمعلوم من الجنس الواحد، والثانية: بيع المجهول بالمجهول من الجنس الواحد وإلى ذلك أشار بقوله: أو مجهول، وعلم مما قررت أن قوله: من جنسه، راجع لهما أي المزابنة هي بيع مجهول بمعلوم من جنسه أو بيع مجهول بمجهول من جنسه. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ثم عطف جزئيا من جزئيات الغرر عليه لورود النهي فيه بخصوصه، فقال: وكمزابنة بالتنوين من الزبن وهو الدفع من قولهم: ناقة زبون إذا دفعت عن حلابها، ومنه الزبانية لدفعهم الكفار في النار، وفسرت في الحديث بأنها بيع ثمر النخل يعني بالمثلثة، بالتمر يعني بالمثناة كيلا، وبيع الزبيب بالعنب كيلا، وفسرها المص تبعا لأهل المذهب بما هو أعم، فقال مبدلا مما قبله أو عطف بيان عليه أو خبر مبتدأ محذوف: مجهول أي بيعه بمعلوم ربوي أو غيره، أو بيع مجهول بمجهول فهو عطف على بمعلوم من جنسه فيهما للغرر بسبب المغالبة، فإن تحققت المغلوبية في أحد الطرفين في غير الربوي فلا منع، وإلى ذلك أشار المص بقوله:
وجاز بيع مجهول بمجهول من جنسه أو بمعلوم من جنسه إن كثر أحدهما، كثرة بينة حالة كون العقد واقعا في غير ربوي؛ أي فيما لا ربا فضل فيه فيشمل كلامه ما يدخله ربا النساء وما لا يدخله ربا أصلا، فيجوز بيع فاكهة بمثلها إذا تبين الفضل لكن بشرط النقد كما يفهم من قوله في المسلم "وأن لا يكونا طعامين". انتهى كلام عبد الباقي. وقال المواق: مسلم: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وهي بيع العنب بالزبيب كيلا. المازري: المزابنة عندنا بيع معلوم بمجهول أو مجهول بمجهول من جنس واحد فيهما. ابن عرفة: يبطل عكسه أي جمعه ببيع الشيء بما يخرج منه حسبما يأتي، ويكون في الربوي وغيره. ومن المدونة: كل شيء يجوز واحد باثنين من صنفه إذا اكتاله أو راطله أو عادَّه فلا يجوز الجزاف فيه بينهما لا منهما ولا من
стр. 5322
أحدهما، فلا يكون أحدهما كيلا أو وزنا أو عددا والآخر جزافا لأنه من المزابنة، إلا أن يعطي أحدهما أكثر من الذي يأخذ بشيء كثير فلا بأس به، وإن تقارب ما بينهما وإن كان ترابا لأنه مزابنة. ابن يونس: قوله: لا يجوز الجزاف منهما يريد إلا فيما قل مما يوزن ولم يحضرهما ميزان، فيجوز كما يجوز بيع اللحم باللحم تحريا؛ لأن ذلك بيع بعضه ببعض جزافا فلا فرق. انتهى. ومفهوم قول المص: في غير ربوي، أن الربوي لا يجوز مع كثرة أحدهما، وأما إن اختلف الجنس فلا نزاع في الجواز، ولما قيد المزابنة باتحاد الجنس فمع اختلافه ولو بدخول ناقل لا مزابنة أفاد ذلك عاطفا على فاعل جاز بقوله:
وجاز نحاس بتور؛ يعني أنه يجوز بيع النحاس بالتور وهو إناء من النحاس يشرب فيه وقد يكون أكبر من إناء الشرب، وسواء كانا جزافين أو الجزاف أحدهما، والنحاس مثلث النون، والتور بمثناة فوقية مفتوحة، والجواز إن بيع ما ذكر نقدا وكذا مؤجلا وقدم النحاس حيث لم يمكن عمل المؤجل من المقدم، فإن أمكن منع وإن قدم المصنوع. فقال اللخمي: قال يحيى: لا بأس أن تسلم سيوف في حديد، ومنع ذلك سحنون قائلا: ليس ضرب السيف صنعة تخرجه عن الحديد لأنه يعود حديدا. اللخمي: والأول أحسن، وليس هذا مما يفعله ذو عقل أن يعيد السيف حديدا ولو فعله لعوقب عليه؛ لأن ذلك من الفساد وإضاعة المال. قاله بناني. وقال الرهوني: النحاس مثلث، عن أبي العباس الكواشي: القطر والنار وما سقط من شرار الصفر أو الحديد إذا طرق والطبيعة، وفي الصحاح: والنحاس معروف، والنحاس أيضا دخان لا لهب فيه. قال نابغة جعدة:
يضيء كضوء سراج السليـ … ط لم يجعل الله فيه نحاسا
ويقال: فلان كريم النحاس أي الأصل، وقوله: ونحاس بتور، هو المشهور. لا فلوس؛ يعني أنه يعنع بيع الفلوس بالنحاس. ابن رشد: ولا أعلم خلافا في منع بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة، ومن ذلك بيع ما يكسر من الأواني بالفلوس وكذا الفلوس التي بطل التعامل بها بفلوس تجددت لأنها صارت نحاسا فلا يجوز ذلك، ويجوز بيع الأواني التي يطبخ فيها بفلوس لأنهما من
стр. 5323
المصنوعات، وقوله: لا فلوس عطف على تور أي لا يباع نحاس بفلوس لعدم انتقال الفلوس بصنعتها بخلاف صنعة الإناء، ومحل المنع حيث جهل عددها سواء علم وزن النحاس أو لا، كثر أحدهما كثرة تنفي المزابنة أم لا، أو علم عددها وجهل وزن النحاس حيث لم يتبين فضل أحد العوضين، وإلا جاز كما إذا علم عدد الفلوس ووزن النحاس، فأقسامها ثلاثة. قاله عبد الباقي. قوله: كثر أحدهما كثرة تنفي المزابنة أم لا، إنما منع هذا مع تبين الفضل لمنع الجزاف في الفلوس على المشهور، كما تقدم عند الزرقاني في قوله: ونقد إن سك لا للمزابنة، لقوله: وجاز إن كثر أحدهما. قاله بناني. وقال عبد الباقي: وذكر المص صورتين يعني قوله: ونحاس بتور، وقوله: لا فلوس، وترك اثنتين إحداهما: بيع فلوس بفلوس فيجوز إن استوى عدد كل فإن الخف منع ولو عرف وزن كل. ثانيهما: بيع تور بفلوس فيجوز إن علم عددها ووزنه وكذا إن جهل وزنه لكن وجدت شروط الجزاف فيجوز، وإن لم يكثر كثرة تنفي المزابنة لنقل الصنعة له، فإن لم توجد شروطه منع كما لو جهل عدد الفلوس ووزن التور. انتهى. وقال بناني: قال في التوضيح: استشكل الأشياخ المنع في الفلوس وقالوا: القياس جوازه لأن الصنعة نقلته كما في التور، والفرق الذي ذكره المص يعني ابن الحاجب لابن بشير، وفيه نظر. انتهى. وأشار إلى قول ابن الحاجب: واستشكله الأئمة، وفرق بقلة الصنعة في الفلوس. انتهى. قلت: كان الشيخ المسناوي وغيره من المحققين يذكر أن هذا إنما هو في الفلوس التي كانت في القديم لأنها كانت قطعا من نحاس من غير كبير صنعة فيها، وأما فلوس وقتنا فصنعتها كثيرة لأنها منقوشة فيجوز بيعها بالنحاس كالأواني. انتهى.
وككالئ بمثله؛ يعني أنه ﷺ (نهى عن بيع الكالئ بالكالئ (١)) أي المتأخر بالمتأخر، يقال: كلأ الشيء أي تأخر وحقيقته محتوية على ثلاثة أقسام أشار لأولها بقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ يعني أن من بيع الكالئ بالكالئ فسخ ما في الذمة في مؤخر؛ أي فسخ ما في ذمة المدين في شيء مؤخر قبضه عن وقت الفسخ حل الأجل أم لا، وهذا هو أشد الأقسام
стр. 5324
الثلاثة لأنه ربا الجاهلية، فلذلك بدأ به، وكان ربا الجاهلية أن يقول رب الدين لمدينه: إما أن تقضيني ديني وإما أن تربي لي فيه، وقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر، قد علمت أنه سواء حل الأجل أم لا، ومحل المنع إذا كان المؤخر من غير جنس الدين أو كان من جنسه حيث كان أكثر، فإن كان مساويا أو أقل جاز، وسواء في ذلك الطعام والنقد وغيرهما، كما لو كان له عليه عشرة دراهم فأخره بها أو حط منها درهما وأخره بالتسعة فذلك جائز، وليس من فسخ ما في الذمة في مؤخر الممنوع بل سلف فقط أو مع حطيطة، ولا محذور فيه. ونظم ذلك بعضهم فقال:
وشرط فسخ الدين أن يفسخ في … جنس مخالف أو أكثر يفي
وفي إطلاق الفسخ على المؤخر من جنسه وهو مثله تجَوُّزٌ لأنه لم يدخل في قوله: فسخ؛ إذ حقيقة الفسخ الانتقال عما في الذمة إلى غيره: فانتقاله إلى مثله ليس بفسخ، وكذا انتقاله لما دونه إذ هو حطيطة. قاله عبد الباقي. وقال: دخل في كلام المص ما إذا أخذ منه في الدين شيئا ثم رده له بشيء مؤخر من غير جنس الدين أو من جنسه وهو أكثر؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغوا، وسيأتي نحوه في بيوع الآجال، وقوله: فسخ أي ولو اتهاما كما لو قضاك في دينك ثم رددته له سلما، وهاتان الصورتان يقعان كثيرا بمصر للتحيل على التأخير بزيادة. انتهى. وقال بناني: قال ابن عرفة: والتهمة على فسخ الدين في الدين معتبرة، في صرفها: إن قبضت من غريمك دينا فلا تعده إليه مكانك سلما في شيء، ولو أسلمت إليه دنانير ثم قضاكها بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز. انتهى. وقال المواق في الحديث من غير الكتب المشهورة: أن رسول الله ﷺ نهى عن الكالئ بالكالئ. ابن عرفة: تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، كما قالوا في لا وصية لوارث، لو معينا بتأخر قبصه؛ يعني أنه لا يجوز فسخ ما في الذمة في مؤخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المؤخر في الذمة وبين أن يكون معينا يتأخر قبضه. من المدونة قال مالك: من لك عليه دين حال أو إلى أجل فلا تكتري منه داره
стр. 5325
أو أرضه التي رويت أو عبده شهرا أو تستعمله هو به عملا يتأخر، ولا تبتاع به منه ثمرة حاضرة في رؤوس النخل قد أزهت أو أرطبت أو زرعا قد أفرك لاستيخارها، ولو استجذت الثمرة أو استحصد الزرع ولا تأخير لهما جاز، ولا تبتع به منه سلعة بخيار أو أمة تتواضع، أو سلعة غانبة على صفة. ابن يونس: وسواء كانت الدار على صفة أو على رؤية متقدمة، فإنه لا يجوز لأنه لا يقدر على قبضها حينئذ لغيبتها، وأجاز ذلك أشهب لأنها معينة، ألا ترى أنه يجوز شراء ذلك بدين اتفاقا وهو أقيس. وقال اللخمي: لا يجوز أن يفسخ ما حل من دينه أو لم يحل في منافع عبد أو دابة إذا كان ذلك مضمونا، واختلف إذا كان العبد أو الدار أو الدابة معينا، فمنع ذلك مالك وابن القاسم، حل الأجل أو لم يحل، وأجازه أشهب، وروى محمد: لا خير في استعمال رجل بدين عليه قبل حلوله لخوف مرضه أو غيبته فيتأخر لأجل آخر فيصير دينا في دين؛ ثم قال اللخمي: أما إذا حل الأجل فالمنع أصوب لأن ما يتأخر قبضه يؤخذ بأقل من ثمن ما يقبض جميعه بالحضرة، فيدخله تقضي أو تربي، وأما إذا لم يحل الأجل وكان انقضاء هذه ينقضي عند الأجل الأول أو قبله فلا يدخله دين في دين لأنها معينة، ولا تقضي أو تربي لأنه لم يستحق القضاء في ذلك الوقت، فيجوز ها هنا وإن كثر الأجل وكان لا يجاوز الأجل الأول، ولا يدخل ما كره مالك من مرض الرجل لأنه ها هنا إذا مرض انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من ذلك الأمد، وهو في ذلك بخلاف أن يقاطعه على خياطة الأثواب أو ما أشبهها فلا يستأجره في ذلك إلا فيما قل؛ لأن الخياطة في المقاطعة لا تتعلق بوقت، ويدخله ما خشي مالك من أنه إن مرض قضى في وقت آخر، وسلم ابن عرفة هذا كله. ولابن يونس: قيل لمالك: فإذا لم يجز لي أن أكري منه داره بدين لي عليه أو أكري منه عبده فهل أستعمله به عملا؟ قال مالك: أما العمل اليسير والدين لم يحل فجائز، وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير، ولا تبتع منه بدينك سلعة غائبة أو سلعة بخيار. ومن المدونة: من واجر نفسه أو عبده في الخياطة شهرا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا أن تكون الإجارة يوما ونحوه فلم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا. قال: فيجوز فسخ الدين في خدمة معين اليوم ونحوه، ولا إشكال في هذا
стр. 5326
على قول أشهب، وقد رشحه ابن يونس؛ فإذا كان لإنسان قِبَل آخر دينٌ فقال له: احرث معي غدا وأقتطع لك من دينك كذا أو اخدم معي غدا فهذا جائز على قول أشهب ورشحه ابن يونس، وهو أيضا يتمشى على قول مالك في اليوم ونحوه: إنه ليس بأجل، وإن كان الدين الأول لم يحل فيكون ذلك جائزا على ما للخمي وسلمه ابن عرفة. ومثل للمعين الذي يتأخر قبضه بقوله:
كغائب، يعنى أنه لا يجوز قضاء الدين بمعين غائب عقارا أو غيره، كان العقار مذراعة أو جزافا. فإن قلتَ: العقار المبيع جزافا يدخل في ضمان المشتري فليس فيه بيع معين يتأخر قبضه، قلتُ: تأخر القبض الحسي هو المعتبر هنا كما يفيده ابن يونس واللخمي معللا المنع بأن ثمنها حاضرةً أكثر منه غائبة، فما بينهما ترك لمكان التأخير؛ أي ففيه سلف جر نفعا، وهذه العلة تجري في أخذ الغائب في الدين ولو غير عقار. فقَوْلُ الش وتبعه الشيخ سالم: إن ما في المدونة من منع أخذ الدار الغائبة في الدين محمول على ما إذا بيعت مذارعة لأن فيها حق توفية فإن بيعت على غير ذلك جاز لأنها كالمقبوضة بنفس العقد لدخولها في ضمان مبتاعها بالعقد. انتهى. مُخالفٌ لما يفيده ابن يونس واللخمي، ويرد عليه أن كلامه يقتضي جواز بيع الدار الغائبة بالصفة غير مذارعة، وقد تقدم أن ذلك لا يجوز على اللزوم. قاله عبد الباقي. قوله عن الشارح والشيخ سالم: إن ما في المدونة من منع أخذ الدار لخ، هذا التأويل هو الذي نقله عياض عن فضل وابن أبي زمنين والأندلسيين وأبي إسحاق التونسي قائلا: إنما لا يجوز أن يأخذ فيها عقارا غائبا إذا أخذه على صفة أو تذريع إذ لا يكون في ضمانه إلا بعد القبض ووجودها على الصفة، فأما إن كان على رؤية ومعرفة ولم يشترها على التذريع فهو قبض ناجز كالنقد وقد برئ منها وهي من المشتري، ونحوه لأشهب عن مالك في العتبية، وما شرح به الزرقاني من الإطلاق هو تأويل ابن يونس واللخمي وابن محرز خطئوا التأويل الأول وقالوا: لأن ما يسقط الضمان ها هنا لا يتنزل منزلة القبض، فلا يجوز له أن يأخذ في دينه عقارا غائبا وإن دخل في ضمانه بالعقد، وقد اقتصر في التوضيح على التأويل الأول وتبعه الشارح والسنهوري، والرَّدُّ عليهم بمخالفة ما لابن يونس ومن معه، كما فعل الزرقاني ومصطفى يَقْتَضِي ترجيحه، ولم يرجحه أبو الحسن ولا ابن غازي في تكميل التقييد، فانظر من رجحه. والله أعلم. قاله بناني. وأتى الرهوني بما لا مزيد عليه مما يدل على أن
стр. 5327
الراجح المعروف من المذهب هو ما رجحه عبد الباقي عن ابن يونس واللخمي، ومن جملة ما فيه أن مذهب المدونة المنع في التأخير اليسير، وقوله: ويرد عليه أن كلامه يقتضي لخ، فيه نظر لاحتمال أن يريد البيع بتقدم الرؤية على الصفة، ولأن منع بيع الدار بالصفة جزافا أصله لسماع القرويين. وقاله سحنون. لكن تقدم عن مصطفى أن كلام ابن عرفة وغيره يدل على أنه خلاف المشهور من الجواز مطلقا. انتهى. قاله بناني وقال عن المتيطي: فمن كان له قِبَل رجل دين من بيع أو قرض فلا يجوز أن يأخذ عنه قبل محل أجله ولا بعده سلعة معينة يتأخر قبضها ساعة إلا بقدر ما يلج البيت، فإن كان طعاما فقدر ما يأتي بحمال ومكيال، فإن كان كثيرا وغابت الشمس قبل استيفائه استوفاه من الغد. قال أشهب: ولو تمادى ذلك شهرا لكثرته لم يضره إذا اتصل أخذه، فإن انفصل وطال ذلك فقال ابن المواز: يرد ما أخذ ويرجع إلى دنانيره انتهى.
تنبيهات: الأول: قال أبو علي: قال المص في التوضيح: حقيقة فسخ الدين في الدين هو أن يبيع الدين ممن هو عليه بشيء مؤخر من غير جنسه أو من جنسه وهو أكثر. انتهى. ثم قال: والحاصل لا فرق في الدين بين أن يكون من بيع أو قرض ولا فرق بين الحال والمؤجل، والمفسوخ فيه لا فرق بين أن يكون أزيد من الدين عددا أو صفة، وأما إن كان له عشرة أمداد سمراء ففسخها في عشرة محمولة فكذلك أيضا. انتهى.
الثاني: إذا صيرت الزوجة لزوجها دار سكناها وهي معه في دين له عليها فلا إشكال أن ذلك حوز، واختلف في العكس، ففي اختصار المتيطية لابن هارون: وإذا كان للرجل على زوجته دين جاز أن تصير له دار سكناها لأن الإسكان عليه فقبضه للدار صحيح، بخلاف إذا كانت الدار له وصيرها لها في دين فلا يصح لها فيه قبض إلا أن يخليها الزوج من نفسه ومتاعه، وهي بمثابة ما لو تصدق عليها بدار وكان يسكن معها فإن ذلك لا يجوز إلا أن يخليها من سكناه فيتم لها القبض. قاله أبو عمران الفاسي وغيره من الأندلسيين. وقال أبو بكر وعبد الرحمن بن عتاب وابن القطان وابن مالك: التصيير جائز إذا لم يشترط السكنى في ذلك لأنها لو شاءت أخرجته، واختاره ابن سهل ونص ابن سهل، رءى فيها أن ذلك جائز نافذ وليس في القبض أقوى من
стр. 5328
سكناها في الدار. وفهم من كلامه أنه قائل بأنه لا بد من الحوز وأن الخلاف بين من ذكر هل ذلك حوزٌ أم لا؟.
الثالث: قال الشيخ أبو علي: التصيير جائز وهو أن يعطيه ملكا له في دين له عليه ولا يجوز التصيير إلا بمعاينة البينة للقبض كالرهن والصدقة ولا يجوز تقارُّهما على القبض. وقال بعضهم: ذلك جائز كإقرارهما بالمناجزة في الصرف حتى يعرف خلافه. وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن والشيخ أبو عمران: القول قولهما في التقابض إذ القول قول مدعي الصحة ما لم يتبين خلافه: والتصيير بيع من البيوع إلا أنه يشترط فيه إنجاز القبض للمصيَّر حين الصفقة، فإن تأخر عنها فسد ودخله الدين بالدين، فلا يجوز أن يصير له ملكا في اكتراء الغير، ولا جارية تتواضع، ولا ثمرة يتأخر جذاذها، ولا دارا غائبة، ولا عبدا وأمة وخشا على العهدة، وإذا ثبت هذا فالتصيير يؤخذ من كلام المتن لأنه بيع من البيوع، فقوك المتن: فسخ ما في الذمة في مؤخر، مفهومه إذا كان غير مؤخر فهو جائز، وهذا يعينه هو التصيير الجائز والمتأخر هو الممنوع، وقول بعض الشراح هنا: هذا محل ذكر التصيير يقتضي أن المص لم يُلِمَّ بالتصيير، وكثير من المسائل يذكرها أهل الاختصار بدون تفاريعها لكونها تؤخذ من كلامهم، مع أنه لا شرط في الحقيقة إلا ما ذكر لمن تأمل كلام المتيطي وابن سلمون والتحفة وشرحها ومن تكلم على المسألة. انتهى.
الرابع: قد مر قول أبي عمران الفاسي وغيره من الأندلسيين: إن الزوج إذا صير دار سكناه لزوجته في دين لها عليه فإنه لا يصلح لها فيه قبض إلا أن يخليها من نفسه ومتاعه، فعلى قوله: إذا صير لها في الهر دار سكناه لزمه أن يرتحل عنها حتى تحوزها المرأة بالمعاينة كالصدقة، ثم لها بعد شهر أن تسكن الدار مع زوجها ولا يبطل ذلك قبضها، بخلاف الصدقة والهبة التي يحتاج مع القبض فيها إلى حيازة العام أو العامين على الخلاف في ذلك. انتهى. قاله أبو علي. وما ذكره من التحديد بالشهر هو أكثر ما قيل فيه وبه الفتوى والعمل، وقيل: الحيازة في التصيير عشرة أيام، وقيل: عشرون يوما. قاله الرهوني. وقال أبو عمران بعد كلامه في تصيير الزوج لزوجته دار سكناه في دين لها عليه ما نصه: كما لو صيرها للأجنبي في دين وبقي فيها فإن ذلك لا يصح، وإذا كان للصغير على أبيه أو وصية دين فصير له فيه ملكا جاز إذا كان ذلك
стр. 5329
سدادا، ولو استهلك الأب أو الموصي مالا جهل قدره وصير له فيه ملكا جاز وصح القبض على ما تقدم، فإن لم يكن للصبي أب ولا وصي لم يصح التصيير له لتعذر القبض له فيدخله التأخير. انتهى. وقوله: على ما تقدم يشير به والله أعلم إلى أنه لا بد في التصيير من القبض المناجَز، فإن تأخر فسد كدار غائبة أو سلعة على الخيار أو سكنى دار أو جارية تتواضع أو عبد أو أمة على العهدة، هذا هو المشهور من مذهب مالك وابن القاسم، وروى أشهب عن مالك أنه أجاز أن يأخذ عن دينه دارا غائبة أو عبدا بالخيار أو أمة تتواضع أو سكنى دار؛ لأن هذه الأشياء معينة فلا يدخلها الدين بالدين، قال بعض القرويين: وهو أقيس، ألا ترى أنه يجوز له شراء ذلك بالدين. هذا هو الذي مر في كلام أبي علي وعلى أشهب رد المص بلو. ولابن عاصم:
والشرط في التصيير أن يقدَّرا … دين والاِنجاز لما قد صيرا
والعرضَ صيره بلا منازعه … والحيوانَ حيث لا مواضعه
وجائز فيه مزيدُ العين … حيث يقل عنه قدر الدين
والخلف في تصيير ما كسكنى … أو ثمر معين ليجنى
وامتنع التصيير للصبي … إن لم يكن ذا أب او وصي
والأب كالوصي في التصيير … تمخيا بالجهل للمحجور
قد علمت أن التصيير هو إعطاء شخص ملكا له في دين عليه، ومعنى كلامه أنه يشترط في التصيير أن يعرف قدر الدين المصيَّر أي المجعول فيه هذا الشيء المعين بمعنى يقدر دين يعرف قدره؛ لأن التصيير بيع من البيوع، ومن شرط العوضين في المبيع معرفة قدر كل منهما، وأنه يشترط فيه الإنجاز أي القبض لما قد صُيِّر أي جعل في مقابلة الدين، وقوله: والعرض صيره لخ؛ أي يجوز أن تصير العرض أي تعطيه في مقابلة الدين، وكذلك الحيوان بشرط تعجيل القبض، فلا نقضيه
стр. 5330
فيه أمة تتواضع، وقوله: وجائز فيه مزيد العين لخ؛ يعني أنه يجوز في التصيير أن تعطيه أي رب الدين عرضا قيمته أكثر من الدين ويزيدك رب الدين أي يدفع لك عينا مثل أن يكون الدين مائة فيصيِّر له عرضا يساوي مائة وعشرين ويزيده رب الدين عشرين، ويشترط أن تكون معجلة ولا يجوز تأخيرها، فضمير فيه للتصيير وضمير عنه للعرض الصير على حذف مضاف؛ أي عن قيمة العرض المصيَّر، وقدر الدين فاعل يقل. قال في المتيطية: وإن كان المصير له زاد في الدار زيادة على الدين جاز ذلك ولم يكن فيه بد من تعجيل القبض، كان الدين معظم الثمن أو يسيرا منه لما يدخله في التأخير من الدين بالدين، وهذه مسألة الناظم لأن معنى قول المتيطي: وإن كان المصير له زاد في الدار إلى آخره أن الذي صيرت له الدار في دينه قاصَّ ربَّها بالدين وزاده لكون قيمتها أكثر من الدين، وكذلك عكس هذه المسألة. انتهى. نقله الشيخ ميارة. وسلم هذا الشيخ أبو علي فإنه قال: قوله: ويشترط أن تكون معجلة ما نصه: إنما عجلت لأنها في مقابلة الدين، فلو أخرت لكان ذلك من فسخ الدين في الدين. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا غير ظاهر، بل الظاهر الجواز عيَّنَ له مقدارَ مقابل الدين من العرض أم لا؛ لأنه إن لم يعينه فلا مانع من بيعه بالدين مع زيادة، وكذا لو دفع له من العرض نصفه أو ثلثيه مثلا أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة، فالذي يظهر أنهما شريكان ولا مانع حينئذ من أن يتأخر عوض الجزء الباقي له حيث رضي ببيعه له. والله سبحانه أعلم. ولنرجع إلى بيان باقي الأبيات، فقوله: والخلف في تصيير ما كسكنى لخ، معناه أنه إذا دفع له عن دينه سكنى دار معينة مثلا أو ثمرة معينة مزهية أو مرطبة مثلا يتأخر جذها، فإنه اختلف في جواز ذلك، والمشهور المنع. وقوله: وامتنع التصيير للصبي لخ؛ يعني لا يدخل في ذلك من تأخير القبض فيؤدي إلى فسخ ما في الذمة في مؤخر وقوله: والأب كالوصي لخ؛ يعني أنه يجوز للأب والوصي أن يصير كل منهما لمن إلى نظره شيئا يكون ذلك المصير في مقابلة ما جهله لتبرأ ذمته من ما للمحجور قِبَله. فقوله: للمحجور متعلق بالتصيير، وتمخيا مفعول لأجله، والتمخِّي التبري. قال الجوهري: تمخيت من الشيء تبرأت منه،
стр. 5331
وتحرجت. وباء بالجهل سببية متعلقة بتمخيا. قال المتيطي: وإن كان الدين مجهولا قدره لا يعرفه الأب أو الموصي وإنما استهلك له مالا لم يقف عليه فتمضى منه بأن صير له في ذلك دارا أو ملكا جاز التصيير وصح القبض على ما ذكرناه ما لم يسكن المصيِّر فيه، ويسقط من نص الوثيقة معرفة السداد لأنه لا يعلم قدر المصير فيه الدار وهو صريح في أن الدين محقق، إلا أنه مجهول المقدار فيكون ذلك في معرض الاستثناء مما تقدم من اشتراط معرفة قدر الدين المصيَّر فيه، فإذا تعذرت معرفته كهذا جاز التصيير فيه لبراءة الذمة، وذلك والله أعلم إذا لم يتحقق الدين، وإنما خاف أن يكون في ذمته من مال المحجور شيء وجهله لكونه كان يتصرف فيه بالقبض والدفع فيصيِّر له في ذلك شيئا لبراءة الذمة إلا أن هذا مستحب، والأول واجب. والله أعلم. قاله الشيخ ميارة.
الخامس: قال الرهوني: ما تقدم من أن المشهور أنه يثبت الحوز في التصيير بالاعتراف محله في غير دار السكنى إلى آخر كلامه.
ومواضعة، هذا من أمثلة المعين الذي يتأخر قبله؛ يعني أنه لو أعطاه عن دينه أمة تتواضع فإن ذلك لا يصح لأنه فسخ دينه في شيء لا يتعجل قبضه. قال عبد الباقي مفسرا للمص: وأمة مواضعة، في حال مواضعتها فسخها في دينه مشتريها وكذا بائعها لكونها في ضمانه ولمنعه كالمشتري من التصرف فيها حين المواضعة، وإذا منع الفسخ في هذه فيمنع فيمن تتواضع قبل دخولها في المواضعة بالأوْلى. انتهى.
ومنافع عين هذا أيضا من أمثلة المعين الذي يتأخر قبضه؛ يعني أنه لو أعطاه عن دينه منافع عين أي ذات معينة كسكنى دار ومنفعة عبد أو دابة شهرا مثلا فإن ذلك لا يجوز، لما فيه من فسخ ما الذمة في مؤخر، ومقابلُ لو في المعين الذي يتأخر قبضه كالمسائل الثلاث من قوله: كغائب ومواضعة ومنافع عين، أشْهَبُ القائل بالجواز في ذلك ورواه عن مالك. وقوله: ومنافع عين، قال بناني عن ابن رشد: هذا إنما يمنعه ابن القاسم في الاختيار ويجوز عنده في الضرورة مثل أن يكون في صحراء ولا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك، فيجوز أن يأخذ منافع عين
стр. 5332
عن دينه. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: أو كان المفسوخ فيه منافع عين يقبضها شيئا فشيئا، فأراد بالعين المعين كركوب دابة وخدمة عبد معينين مدة؛ لأن المنافع وإن كانت معينة في الدابة والعبد فهي كالدين لتأخر أجزانها فيمنع عند ابن القاسم، ورد بلو المقدرة قول أشهب بإجازتها في المعين: قال: لأنها إذا استوت لمعيَّن أشبهت العينات المقبوضة، وصححه المتأخرون لأنها لو كانت كالدين يمنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراؤها بدين، والمذهب جوازه أي وكذا شراؤها به اتفاقا كما في المواق. انتهى. قوله: وكذا شراؤها به اتفاقا لخ، هذا يرجع إلى الغائب والمواضعة كما في المواق. قاله بناني. قال عبد الباقي: وفرق للمشهور بأن اللازم في محل المنع فسخ الدين في الدين وفي محل الجواز ابتداء الدين بالدين وهو أخف، واحترز المص بالعين أي المعين عن المضمونة، فقد اتفق ابن القاسم وأشهب على منع فسخ الدين في منافع مضمونة كركوب دابة غير معينة وسكنى دار كذلك. قاله الش. واعترض بأن الدار لا بد من تعيينها في الكراء ولو اكتريت بالنقد، فكيف يتأتى أن تكون المنافع مضمونة، وظاهر كلام المص أنه لا فرق بين كون الدين حالا أو مؤجلا، وإذا كان مؤجلا فلا فرق بين كون المنافع تستوفى من المعين قبل حلول الأجل أو معه أو بعده بقرب أو بعد، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة، وأجازه أشهب؛ بل في المواق أن في المدونة: من آجر نفسه أو عبده في خياطة شهرا لم يجز أن يفسخ ذلك في قصارة أو غيرها لأنه دين في دين إلا أن تكون الإجارة يوما ونحوه. قال ابن سراج: فلم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا فيجوز فسخ الدين في خدمة العين اليوم واليومين، ولا إشكال في ذلك على قول أشهب، وقد رشحه أي رجحه ابن يونس، ومنه يستفاد جواز من له عند شخص دين فيقول له: احرث معي اليوم أو تنسج معي اليوم وأعطيك مما عليك من الدين في نظير هذا درهما، وكذا إذا استعمله في زمن كثير على غير شرط أن يقطع له أجرة مما عليه فله أن يقاصه مما ترتب له في ذمته من الأجرة من الدين الذي له عليه على قول أشهب، وبهذا أفتى ابن رشد لكنه مخالف لابن القاسم ولم يكن يخفى على ابن رشد قول ابن القاسم وما خالفه إلا لظهوره أي قول أشهب عنده. انتهى باختصار وبعض إيضاح. قلت: وبهذا يخرج عن حرمة تقليد الضعيف لما رجحه الأشياخ وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد، ولعل وجه ظهوره أنه ليس في هذه فسخ دين في
стр. 5333
دين وإنما فيه المقاصة كما أشار له بقوله: يقاصه، بل الظاهر أن ابن القاسم لا يخالف في هذه حيث لا شرط ولا عرف ولا نوى الاقتطاع أيضا حيث لم يشترطه. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: لكنه مخالف لابن القاسم لخ، غير صحيح وليس في المواق ذلك بل تحريف لكلامه لخ، ثم قال بعد تمامه: فهذا يدل على موافقته لابن القاسم لا مخالفته له، وأشار إلى ثاني الأقسام بقوله:
وبيعه بدين الضمير في بيعه يرجع لما في الذمة؛ يعني أن من الكالئ بالكالئ بيع الدين بالدين فيبيع ما في ذمة زيد بدين عليه أو على عمرو، ويتصور ذلك في أربعة؛ كاتبع غريمي وأنا أتبع غريمك، ولا يتصور في أقل من ثلاثة كاتبعني وأنا اتبع غريمك، ولا زيادة في فسخ الدين على اثنين. قال عبد الباقي: وبيعه أي الدين ولو حالا بدين لغير من هو عليه، ولا يمتنع في هذا القسم بيعه بمعين يتأخر قبضه ولا بمنافع عين، ولذا لم يقل: وبيعه بما ذكر، ثم أقل ما يتحقق فيه بيع الدين بالدين ثلاثة، وأشار إلى القسم الثالث من الكالئ بالكالئ بقوله:
وتأخير رأس مال سلم؛ يعني أنه لا يجوز تأخير رأس مال المسلم أكثر من ثلاثة أيام وهو من أحد النقدين لما فيه من ابتداء الدين بالدين وهو أخف من بيع الدين بالدين الذي هو أخف من فسخ الدين في الدين. قاله غير واحد. ورأس المال هو الأصل. فمعنى رأس المال أصل المال الذي ترتب منه فالرأس هو المعجل والمال هو المؤخر، واعلم أن رأس المال إما أن يكون معينا أم لا عينا أم لا، فإن كان عينا فلا يجوز تأخيره أكثر من ثلاثة أيام معينا أم لا، وإن كان غير عين فلا يجوز فيه إلا التعيين، فإن عين فسيذكره المص في باب المسلم. والله سبحانه أعلم. ولما تكلم على منع الكالئ بالكالئ ومنه بيع الدين بالدين، ذكر بيع الدين بالنقد وأنه لا يخلو من هو عليه من أن يكون حيا أو ميتا غائبا أو حاضرا، فقال:
ومنع بيع دين ميت يعني أنه يمنع بيع دين ميت وكذا الحوالة عليه. قال عبد الباقي: إضافة دين إلى ميت بمعنى اللام وهي بمعنى على. وغائب؛ يعني أنه يمنع بيع دين على غائب. قال الشيخ أبو علي: منع بيع دين الميت لا خلاف فيه لأنه غرر إذ قد يكون على الميت أكثر مما خلف فلا يكون للمشتري إلاما نابه في الحصاص وهو مجهول، ومنع بيع ما على الغائب من
стр. 5334
الدين هو المشهور إذ لا يعلم أحي هو أم ميت، مقر أو منكر، معسر أو موسر، ومن جهة ما علل به اللخمي أن الغائب قد تكون له بينة بالقضاء أو يجرح شهود الدين، ونقل ابن عرفة عنه المنع ولو كان على أنه إذا أنكر رد الثمن وهو كذلك كما في ابن عرفة وغيره، وأما إذا قال المشتري: أعلم وجوبه لك عليه وإقراره به فإنه يجوز اتفاقا كما في ابن عرفة وغيره، وبحث فيه أبو علي باحتمال عدم بقائه على الإقرار أو بكون الدين عنده بينة بالقضاء. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا الاستشكال لا يدفع الاتفاق على الجواز.
ولو قربت غيبته؛ يعني أنه يمنع بيع ما على الغائب من الدين ولا فرق في ذلك بين بعيد الغيبة وقريبها ولو ثبت ببينة ولو علم ملاؤه، وأما الحوالة عليه فقيل: جائزة: وقيل: غير جائزة، وهما قولان مرجحان، ورد المص بلو القول: بأنه إن كان قريب الغيبة بحيث يعرف حاله وعليه بينة بثبوت الدين يجوز بيعه وهو لابن القاسم. وقاله أصبغ في نوازله. وروي عن مالك. وقيل: إن قريب الغيبة يجوز بيع ما عليه من الدين ولو لم تكن عليه بينة، والمشهور ما ذكره المص من عدم جواز بيع ما على الغائب من الدين وإن كان قريب الغيبة وقامت عليه بينة.
وحاضر إلا أن يقر؛ يعني أنه يمنع بيع ما على الحاضر من الدين ولو كانت عليه بينة إلا أن يقر بالدين الذي عليه. قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: قال في وثائق الغرناطي: لا يجوز بيع الدين إلا بخمسة شروط: أن لا يكون طعاما، وأن يكون الغريم حاضرا مقرا به، وأن يباع بغير جنسه، وأن لا يقصد بالبيع ضرر المديان، وأن يكون الثمن نقدا. انتهى. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ومنع بيع دين على حاضر ولو ببينة إلا أن يقر والدين مما يباع قبل قبضه، وبيع بغير جنسه، وليس ذهبا بفضة ولا عكسه، وليس بين مشتريه ومن عليه عداوة، ولا قصد إعناته، فلابد من هذه الخمسة شروط لجواز بيعه زيادة على قوله: يقر، واشترط حضوره ليعلم حاله من فقر أو غنى إذ لابد من علم ذلك لاختلاف مقدار عوضه باختلاف حال الدين من فقر أو غنى، والمبيع لا يصح أن يكون مجهولا. قاله المازري. واشترط أن لا يكون طعاما من بيع ليجوز بيعه قبل قبضه، واشترط بيعه بغير جنسه لأنه إذا بيع بجنسه وكان المبيع غير حال فقد يتغير سوقه عند حلوله بزيادة فمنع بجنسه ولو حالا ولم يتغير سوقه سدا للذريعة لظهور التعليل في بعض
стр. 5335
الصور. قاله عبد الباقي. واعترضه بناني بأنه لو اقتضى المنع لكان كل سلف في العروض ممتنعا (١) لاحتمال أن يرتفع ثمنة، وليس كذلك إذ الزيادة التي تقتضي منع السلف هي الزيادة الذاتية. انتهى. قال أبو علي: والمسألة في الغرناطي كما نقلوها عنه ولكن لم يعلل بشيء، وكلام ابن يونس شاهد ونص فيما قاله الغرناطي. انتهى. وقوله: لم يعلل بشيء؛ يعني في بيعه بغير جنسه. قال الرهوني: هذا كاف للحطاب وغيره في اعتمادهم هذا الشرط مع أن وجهه ظاهر في أكثر [صور] (٢) بيع الدين بجنسه، وذلك أن صورة تسع: لأنه إما طعام أو عين أو عرض، وفي كل إما أن يباع بمثله قدرا أو صفة أو بأقل أو بأكثر كذلك، فالصور في الطعام ممتنعة كلها لربا الفضل والنساء، أو لربا النساء فقط، وصور العين كذلك، وكذا صور العرض إن كان المشترى به أقل قدرا أو صفة لأن الشيء في مثله قرض فهو سلف جر نفعا، فإن كان مثله أو أكثر فهو نادر في البيع الذي الكلام فيه؛ إذ ليس من شأن العقلاء دفع عاجل ليأخذ مثله أو أدنى منه مؤجلا، والنادر لا حكم له، مع أن التعليل بالمظنة. انتهى كلام الرهوني. وهو صريح في منع صور بيع الدين بجنسه كلها. والله سبحانه أعلم. وقال أبو علي: هذه الأمور كلها في متن المص، أما مسألة الطعام فهي قول المتن "وجاز البيع قبل القبض إلا مطلق طعام المعاوضة" وأما حضور الغريم وإقراره فكلام المتن فيه، وأما بيعه للعدو فهو قوله في الضمان: كشرائه عنتا فيرد، وأما كون الثمن نقدا فلأنه إن لم يكن نقدا فهو من بيع الكالئ بالكالئ، وأما قوله: بغير جنسه، فيظهر أنه إن كان على إطلاقه غير صحيح؛ لأن المص قال: وبيعه بدين، وكذا كلام ابن عرفة وغير واحد ممن يكثر ذكره، والمدونة وغيرها من الأمهات، وهوأمر مجمع عليه كما في ابن عرفة وغيره، وظاهر كلامهم اتفق الجنس أو اختلف، فإذا كان له بقرة على إنسان من سلم مثلا فأي مانع يمنع من بيعها بشاة نقدا من غيره، والشاة والبقرة جنس باعتبار اللحم، وإن أراد بالجنس المصنف مع الاتحاد في القدر والجودة والرداءة فلا مانع منه أيضا فيما يظهر، كشرائه ثوبا هرويا على إنسان بمثله نقدا
стр. 5336
لخ، وقال الخرشي: والمراد بالحضور أن يكون بالبلد ولا يشترط حضوره في المجلس لأنه يمكن اختبار ما عنده، ومثل الإقرار السكوت.
تتمة: من اشترى دينا أو وهب له أو أحيل عليه وكان فيه رهن أو حميل لم يدخل فيه ذلك الرهن أو الحميل، إلا أن يشترط دخولهما ويحضر الحميل ويقر بالحمالة، وإن لم يرض بالتحمل لمن ملكه، للسلامة من شراء ما فيه خصومة، لكن لرب الرهن أن يطلب وضعه عند أمين، هذا هو المطابق للنقل كما في الحطاب، وأفتى الناصر اللقاني بدخول الرهن من غير شرط غير مستند لنقل، فلا يعول عليه، وأما من ورث دينا برهن أو حميل فإنه يكون له برهنه وحميله وإن لم يشترط ذلك، وللراهن طلب وضعه عند أمين غير الوارث كذا ينبغي. قاله عبد الباقي.
مسألة: إذا باع سلعة على أن يوفيه الثمن من عطائه أي مما يعطى من بيت المال فيحبس العطاء أو بعضه وله مال غيره فيه وفاء بما عليه فهل يلزمه أن يعطيه من غيره أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال ذكرها ابن رشد، ونقلها البرزلي. قاله الحطاب. ثم قال: فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال أحدها: أن البيع لا يجوز إلا بشرط الضمان إن لم يخرج العطاء. الثاني: أنه جائز والحكم يوجب الضمان. الثالث: أنه جائز ولا يوجب الضمان، وهذا في العطاء المأمون، وأما العطاء الذي ليس بمأمون فلا يتعين فيه. ويختلف هل يجوز ذلك بغير شرط الخلف أم لا؟ على قولين. مسألة: إذا كان الدين عروضا وبيع بغير جنسه وهي الصورة الجائزة كما مر فهل يشترط أن يبقى مثل أجل المسلم من أمده أو لا يشترط ذلك؟ وأخذ كل منهما من المدونة. نقله الشيخ ميارة.
وكبيع العربان يعني أن مما نهي عنه بيع العربان، والعربان والعربون بضمهما والعربون محركة وتبدل عينهن همزة. قال المواق: خرج هذا الحديث أبو داوود. قال عبد الحق: وهذا الحديث مع ما في إسناده من الكلام هو عند أبي داوود منقطع. وقال عبد الباقي مفسرا للمص: ثم عطف على كحيوان قوله: وكبيع العربان، ويقال: أربان بضم أول كل وعربون وأربون بضم أولهما وفتحه يعني مع فتح الراء فيهما، ففيه ست لغات. وهو: أن يشتري سلعة بثمن أو يستأجر شيئا على أن يعطيه؛ أي يعطي المشتري البائع شيئا من الثمن على أنه؛ أي المشتري إن كره المشتري البيع. أي إمضاءه لم يعد إليه. أي إلى المشتري ما دفعه للبائع وإن أحب البيع حاسبه به من
стр. 5337
الثمن أو تركه له مجانا؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. قال عيسى: ويفسخ العقد فإن فات مضى بالقيمة، فإن أعطاه على أنه إن كره البيع أخذه وإن رضيه حاسبه به جاز ويختم عليه إن كان لا يعرف بعينه. قاله المواق. أي ليلا يتردد بين السلفية والثمنية. انتهى كلام عبد الباقي ببعض إيضاح. وقال الباجي: وقال ابن حبيب: العربان أول الشيء وعنفوانه والمنهي عنه من ذلك أن ينعقد عليه البيع، ولذلك أضافه إليه على وجه إن كره المشتري البيع كان ما دفعه إلى البائع للبائع دون عوض، فهذا الذي نهي عنه لأنه من أبين المخاطرة، وأما العربان الذي لم ينه عنه فهو أن يبتاع منه ثوبا أو غيره بالخيار فيدفع إليه بعض الثمن مختوما عليه إن كان مما لا يعرف بعينه على أنه إن رضي البيع كان من الثمن، وإن كره رجع إليه ذلك، فهو مباح لأنه ليس فيه خطر يمنع صحته، وإنما فيه تعيين للثمن أو بعضه، وإذا وقع البيع أو الكراء على ما منع منه من بيع العربان، فقد قال عيسى بن دينار: يفسخ فإن فات كانت فيه القيمة، وقال ابن عرفة: بيع العربان فسره في الموطإ بإعطاء المبتاع البائع أو المكري درهما أو دينارا على إن أخذ المبيع فهو من الثمن وإلا بقي للبائع، وفي القاموس: العربون بالضم وكحلزون وقربان ما عقد به البيع وعربنه أعطاه ذلك. انتهى. قال الشيخ أبو علي بعد كلام: ففسروه بإعطاء كذا، فالتفسير للعربان الذي شمله العقد لا للعقد الذي شمل العربان. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: وعلى اعتبار المعنى الذي في القاموس يكون المراد بالعربون الشيء المعطى. والله سبحانه أعلم. ولو أعطى البائعُ المشتريَ شيئا على أنه أي البائع إن كره البيع لم يعد إليه ما أعطاه للمشتري فالظاهر المنع أيضا للعلة التي في بيع العربان وهي أكل أموال الناس بالباطل. قاله مقيده أيضا عفا الله عنه. وقال الخرشي: ومثل إعطائه للبائع ما لو قال: إن كرهت البيع فهو لفلان غير البائع لوجود العلة.
وكتفريق أم فقط من ولدها؛ يعني أن من المنهي عنه تفريق الأم من ولدها أي والدة النسب لا أم الرضاع، والأصل فيه ما خرجه الترمذي عن أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
стр. 5338
وسلم يقول: (من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة (١)). قال: حديث حسن، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وذكره المص في التوضيح بلفظ: (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة). وأخرجه الطبري (٢) في الكبير بلفظ (من فرق فليس منا (٣)) وقال اللخمي: قال رسول الله ﷺ : (لا توله والدة على ولدها (٤)) وقوله. توله، بضم التاء وفتح الواو واللام المشددة، ويجوز في الهاء الإسكان على أنه نهي والرفع على أنه خبر، معناه النهي ونظائره كثيرة؛ والوَلَه ذهاب العقل والتحير من شدة الحزن. يقال: رجل واله وامرأة والهة وواله بإثبات الهاء وحذفها: ويقال: ولَه بفتح اللام يلِه بكسرها [وولِه بكسر اللام] (٥) يوله بفتحها لغتان فصيحتان، ومعنى الحديث النهي أن يفرق بين المرأة وولدها فتجعل والهة. قال جميعه في تهذيب الأسماء واللغات. قال ابن القطان عن صاحب الإشراف بعد ذكره هذا الحديث: أجمع أهل العلم على القول بهذا الخبر إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين، واختلفوا في وقت التفرقة، ولا فرق بين كون الأم مسلمة أو كافرة. قاله في المدونة. وسواء كان الولد من زنى أو من زوج. قاله في العمدة. وقوله: فقط يعني أن المنع من المتفرقة خاص بالأم. قال في المدونة: قال مالك: ويفرق بين الولد الصغير وبين أبيه وجده وجداته لأمه أو لأبيه متى شاء سيده، وإنما ذلك في الأم خاصة. قال في التوضيح: واختار اللخمي منع التفرقة في الأب. قلت: ظاهره أنه اختار من نفسه وليس كذلك، بل نقله عن غيره واختاره، ولم يختلف المذهب في جواز المتفرقة بين من سوى هذين من الأقارب كالأخ والجد والجدة والعم والعمة. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وكتفريق أم أي والدةِ نسب مسلمة أو كافرة غير حربية مجنونة أو عاقلة فقط لا أب أو خالة من ولدها وإن من زنى، وظاهره ولو مجنونا وأمه كذلك، إلا أن يخاف من أحدهما حصول ضرر بالآخر، ولو كان الجنون بأحدهما فقط فيمنع التفرقة في
стр. 5339
العاقلين والمجنونين أو أحدهما، ولعل وجه منعها في جنونها مع عدم تولهها احتمال عود عقلها قبل إثغاره، وفسرنا الأم بالوالدة لتخرج أم الرضاع، واحترزنا بغير حربية عن تفرقة أم حربية من ولدها بأرض حرب غنيمة أو شراء أحدهما بأرضها فيجوز. انتهى. قوله: أو شراء أحدهما بأرضها، معناه أن المسلم إذا قدم دار الحرب جاز له أن يشتري من حربي ملك أما وولدها أحدهما دون الآخر. قاله الرهوني. وهو ظاهر لأنه يجوز سبي أحدهما دون الآخر، فيجوز شراؤه بأرض الحرب. قال عبد الباقي: واعلم أن المتفرقة ممتنعة سواء كانت في الملك أو في الحوز بأن يكونا في ملك وأحدهما في جهة والآخر في جهة أخرى بعيدة، وقوله بعد: وفسخ لخ، خاص بتفرقة الملك. انتهى. وقول عبد الباقي: أي والدة نسب. قال الرهوني: لو استغنى بوالدة عن نسب أو بنسب عن والدة لكان صوابا. وقول بناني: إن النسب من الأب لا من الأم، فالصواب إسقاط قوله: بنسب، فيه نظر ظاهر فإن كتب المالكية مشحونة بما فعله عبد الباقي في هذا المحل وفي غيره، قال ابن ناجي في شرح المدونة: ويريد بالأم إذا كانت من النسب، وأما من الرضاع فلا. قاله التادلي. وهو واضح لأنها ليس لها من الحنان والشفقة ما للأم من النسب.
وإن بقسمة؛ يعني أنه لا يجوز تفريق الأم من ولدها، ولا فرق في ذلك بين التفريق بالقسمة وغيرها كما لو ورث جماعةٌ الولدَ وأمه فلا يجوز لهم أن يقتسموهما بحيث تكون الأم في ملك بعضهم والولد في ملك غير ذلك البعض، وإن اشترطوا عدم المتفرقة في الحوز لافتراقهما في الملك، وقوله: وإن بقسمة، ولو قسمة قرعة، ويجوز أن يواجر أحدهما وأن تزوج الأم وأن يرهن أحدهما ويجعلان في حوز لاجتماعهما في ملك في المسائل الثلاث، والإجارة والنكاح صحيحان، وأما جعل أحدهما صداقا أو أجرة فإن ذلك لا يجوز لافتراقهما في الملك، وفي كلام عبد الباقي والخرشي نظر، وقال المواق: من المدونة: سئل مالك عن أخوين ورثا أمة وولدها صغيرا فأرادا أن يتقاوما الأم وولدها فيأخذ أحدهما الأم والآخر الولد وشرطا أن يفرقا بين الأم وولدها؟ فقال: لا يجوز ذلك لهما وإن كان الأخوان في بيت واحد، وإنما يجوز لهما أن يتقاوما الأم وولدها فيأخذها أحدهما بولدها أو يبيعاهما جميعا.
стр. 5340
أو بيع أحدهما لعبد سيد الآخر، عطف على المبالغة يعني أن التفرقة بين الأم وولدها ممنوعة وإن كانت التفرقة ببيع الأم أو الولد لعبد سيد الآخر بأن استقر ملك أحدهما لعبد والآخر لسيد ذلك العبد، ولو كان العبد غير مأذون، وتقييد العبد بالمأذون غير معول عليه، وبالغ على ذلك ليلا يتوهم أن العبد وما ملك لسيده؛ أي لا يجوز لمن ملك أما وولدها أن يبيع الأم لرجل وولدها لعبد ذلك الرجل لاحتمال أن ذلك الرجل يُعتق عبده، وأولى لولد سيد الآخر. قاله عبد الباقي.
ما لم يثغر؛ يعني أن محل منع التفريق بين الأم وولدها إنما هو حيث لم يبلغ الولد سن الإثغار، وأما إن بلغ سن الإثغار فيجوز التفريق بينهما في الملك وفي الحوز ويثغر بفتح أوله وتشديد ثانية وهو بمثناة فوقية أو ثاء مثلثة مفتوحة، ويجوز أيضا ضم أوله وسكون ثانية مع المثلثة فقط أي ينبت بدل رواضعه بعد سقوطها، والظاهر أن المراد نبات كلها لا بعضها ولو المعظم، والظاهر أيضا أنه إذا نبتت كلها جاز التفريق وإن لم ينته نباتها، وأنه يراعى زمن السقوط المعتاد حيث لم تسقط بالفعل، ولابد من كون الإثغار معتادا. فلا يفرق بينهما إذا عجل بالإثغار وأسنان الرواضع ما نبتت مدة الرضاع، وفي المسألة أربعة أقوال: قيل: سبع سنين، وهذا هو قوله: ما لم يثغر معتادا، وقيل: عشر سنين، وقيل: لا يفرق بينهما إلى البلوغ، وقيل: لا يفرق بينهما وإن بلغ الولد. فتللا أربعة أقوال. ذكرها الشيخ أبو علي.
وصدقت المسبية؛ يعني أنه إذا سبيت حربية وصبي وادعت أنه ولدها فإنها تصدق في أنه ولدها فلا يفرق بينهما، وسواء اتحد سابيهما أم لا، وسواء صدقها السابي أم لا، كانا من بلد أم لا، وهذا ما لم تقم قرينة على كذبها، وينبغي حالة الإشكال أن تصدق بيمين، وقال ابن عرفة: وثبتت البنوة المانعة للتفرقة بالبينة أو بإقرار مالكهما أو دعوى الأم مع قرينة صدقها. انتهى. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وصدقت المسبية هي وولدها وقدم بهما بأرض الإسلام في دعواها الأمومة فلا يفرق بينهما اتحد سابيهما أو اختلف صدقها السابي أم لا إلا لقرينة على كذبها، وينبغي حالة الإشكال أن تصدق بيمين إن اتهمت وإلا فبدونه، ولا يختلي بها إذا بلغ. انتهى. ولو أسقط قوله: إن اتهمت كان أولى. قاله بناني.
стр. 5341
ولا توارث؛ يعني أن المسبية تصدق في قولها: هذا ولدي، فلا يفرق بينهما لكن لا توارث بينهما، فلا يرثها إن ماتت قبله ولا ترثه إن مات قبلها، ولا يخلو معها إذا بلغ، قال في المدونة: وإذا قالت المسبية: هذا ابني لم يفرق، ثم قال: ولا يتوارثان لاتهام العجم باعتزال أموالهم عن المسلمين. قال عبد الباقي مفسرا للمص: ولا توارث بينهما من الجانبين كما تقتضيه صيغة المفاعلة؛ إذ لا إرث بشك فهي لا ترثه قطعا، ولا يرثها إن كان لها وارث ثابت النسب يأخذ جميع المال، وينبغي أن يجري هنا قوله "وخصه المختار بما إذا لم يطل الإقرار" فإن لم يكن لها وارث على الصفة المذكورة ورثها القربه وإقرارها به ليس استلحاقا لقوله: إنما يستلحق الأب، بل هو كإقرار شخص بأخ، ولو أوصت له مع وجود وارث يحوز جميع المال لصحت وصيتها له بالثلث، لا بأزيد إلا أن يجيزه الوارث، ولا وجه للتوقف في ذلك. قاله بناني. قال عبد الباقي: والأصل في منع التفرقة خبر الترمذي، وقال: حسن صحيح: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبابه يوم القيامة، كذا في الأجهوري، تبعا للشيخ سالم، وفي التتائي أحبته كالشارح في شروحه الثلاثة المصححة وهو الصواب، فهو الذي عزاه المواق والسيوطي والسخاوي للترمذي وهما أدرى بالحديث من الشيخ سالم، إن فرض أن خطه أحبابه وإلا فهو تحريف من النساخ وخبر: ألا لا تُوَلَّهْ والدةٌ بولدها، وتوله بمثناة فوقية مضمومة فواو مفتوحة فلام مفتوحة مشددة فهاء أي لا يفعل بها ما يوجب الوله أي ذهاب العقل بالتفريق.
ما لم ترض قيد في قوله: وكتفريق، كما في قوله: ما لم يثغر؛ يعني أن محل منع تفريق الأم من ولدها إنما هو حيث لم ترض الأم بالتفريق، وأما لو رضيت الأم بالتفريق فإنه يجوز لأنه حق لها على المشهور، وقيل: للولد، واختاره ابن يونس واللخمي وغيرهما. قاله عبد الباقي. قال بناني: صوابه والمازري عوض قوله: واللخمي؛ لأن اللخمي اختار الأول. انظر ابن غازي. وما قاله عبد الباقي هو الذي في التوضيح، لكن ما لابن غازي هو الصواب؛ لأن الذي اختاره اللخمي هو الذي
стр. 5342
ذهب عليه المص، وكلامه الذي نقله ابن غازي صريح في ذلك، وقد راجعته في أصل تبصرته فوجدته كذلك فيها، وما اختاره اللخمي واعتمده المص صرح غير واحد بأنه المشهور وبه أفتى ابن زرب. ابن عتاب: وبه الحكم لأنه حق لها فإذا تركته سقط، وذكر ابن ناجي في شرح الرسالة أن الفتوى بخلاف ما درج عليه المص. قاله الرهوني. وقوله: ما لم ترض، هو كالصريح في أن الحق للأم وأنه خاص بالعاقل. ابن ناجي: هي جائزة في الحيوان البهيمي على ظاهر المذهب، وروى عيسى عن ابن القاسم فيها أي وكذا سماع يحيى ابن القاسم كما في أحمد: لا تجوز في البهيمي وأن حد التفرقة أن يستغني عن أمه بالرعي. نقله الغربي والتادلي. ابن الفاكهاني: هو ظاهر الحديث ولم أقف عليه نصا في غير العقلاء. انتهى. وقد وجد ذلك في ابن ناجي وكذا الأقفهسي، قال علي الأجهوري: وإذا فرق بينهما بالبيع فإنه لا يفسخ فليست كالتفرقة بين العاقلة وولدها، فإن قلت في قوله: ما لم يثغر ما لم ترض توالي ظرفين من غير عطف وهو ممتنع، قلت: الظرف الثاني حال والعامل فيه المنع المفهوم من النهي؛ أي ومنع التفريق مدة عدم الإثغار حال كون المنع مدة عدم الرضى. انظر أحمد. قاله عبد الباقي. قال مقيده عفا الله عنه: إنما يعمل في الظرف إذا كان حالا الاستقرار أو نحوه. والله سبحنه أعلم.
وفسخ إن لم يجمعاهما في ملك؛ يعني أن العقد المتضمن لتفرقة الأم وولدها يفسخ. قال المواق: من المدونة قال مالك: إذا كان الولد لرجل والأم لآخر جبرا أن يجمعاهما في ملك أو يبيعاهما معا، ومن باع ولدا دون أمه فسخ البيع إلا أن يجمعاهما في ملك واحد. انتهى. وقال عبد الباقي: وفسخ العقد المتضمن للتفرقة إن لم يجمعاهما في ملك، ومحل الفسخ حيث لم يفت المبيع وإلا لم يفسخ. قاله اللخمي. ومثل فسخ البيع إن لم يجمعاهما في ملك فسخ هبة الثواب ودفع أحدهما صداقا والمخالعة به. انتهى. وما ذكره في هبة الثواب ظاهر وكذا في النكاح إن لم يقع دخول وإلا فهو فوت فيجبران على جمعهما في ملك، وأما فسخ الخلع فإن عنى أن الطلاق يرد ويرد عوضه فليس [بصحيح] (١) قطعا؛ لأن الطلاق لا يرتفع بعد وقوعه، وإن عنى أنه يمضي بخلع المثل فغير ظاهر، بل الظاهر أنه يمضي ويجبران على جمعهما في ملك. قاله الرهوني. وقد مر قول اللخمي:
стр. 5343
إنه إذا فات المبيع لم يفسخ البيع. قال الرهوني: قال ابن يونس: قال ابن المواز عن مالك: وإذا باع الولد دون أمه فلم يعلم بذلك حتى كبر الولد لم يرد المبيع. قال ابن عبدوس: وكذلك إن مات الولد أو عتق قبل الفسخ مضى بيعه بالثمن. وكتب شجرة إلى سحنون فيمن باع أختين إحداهما تجوز فيها التفرقة والأخرى صغيرة؟ فقال: إن كانت الكبيرة وجه الصفقة أو اعتدلتا في القيمة أمر في الصغيرة أن تضم إليها الأم ببيع أو هبة، فإن لم يفعل فسخ البيع في الصغيرة بحصتها من الثمن وجاز في الكبيرة، وإن كانت الصغيرة فيها الرغبة وكثرة الثمن أمر المشتري أن يجمع [ببينها] (١) وبين الأم ببيع أو هبة، فإن لم يفعل فسخ بيعهما جميعا. انتهى. وقد مر أنه إذا زوجت الأم فلا فسخ ويجبر على جمعهما في حوز وليس للزوج حيث لم يعلم به الامتناع من ذلك، وهذا لا يخالف قوله في النفقات مشبها في الامتناع: كولد صغير لأحدهما إن كان له حاضن لخ، لاختصاصه بالحر. قاله التتائي. ابن حبيب: يضرب بائع التفرقة ومبتاعها ضربا وجيعا. انتهى. أي إن علما حرمتها لا أصل الوَلَدِيَّة فقط، وظاهره ضربهما مع علمهما حرمتها اعتادا ذلك أم لا، ويأتي في بيع الحاضر للبادي قولان في تقييد أدبه بالاعتياد مع العلم، ولعل الفرق أن منع التفرقة أشد ولا أدب مع عذر بجهل، وكذا يأتي نحو ذلك في مسألة التلقي. قاله عبد الباقي. وقال الخرشي مفسرا للمص: أي وفسخ العقد الذي فيه التفرقة إذا كان عقد معاوضة بدليل ما بعده إن لم يجمعاهما في ملك. ابن حبيب: يضرب بائع التفرقة ومبتاعها إن علما ضربا وجيعا. وقاله مالك وكل أصحابه. انتهى. وقوله: إن لم يجمعاهما قال الخرشي: والجمع يكون ببيع كل ما له منفردا أو ببيع أحدهما من الآخر أو بيعهما معا من شخص واحد، لكن استشكل هذا الأخير بأن فيه جمع الرجلين سلعتين في البيع وقد تقدم منعه، وأجيب عنه بجوابين، أحدهما: أن هذا يندفع بتقويم كل من الأم والولد، ثم يفض الثمن عليهما فتنتفي الجهالة، ثانيهما: أنه أجيز هنا للضرورة الداعية إلى ذلك، وهذا الثاني للقاضي عياض والأول لغير واحد. قال ذلك في التوضيح. انتهى. وقال بناني ما معناه: قال في التوضيح: فإن قلت: يلزم هنا وفيما إذا فرقا بعوض جمع رجلين سلعتيهما في البيع، قيل: يمكن أن يدفع ذلك بأن يقوم كل منهما
стр. 5344
قبل البيع ثم يفض الثمن عليهما أو أجيز للضرورة الداعية إلى ذلك بخلاف الاختيار، والأول لغير واحد، والثاني لعياض. انتهى.
قلت: أصل السؤال غير وارد إذ لا يلزم بيعهما في صفقة واحدة. والله أعلم. انتهى. ورده الرهوني بأن كلام المدونة صريح في أنهما يباعان معا صفقة واحدة. وقال أبو علي مفسرا للمص: أي فإن وقع التفريق بين أم وولدها إما ببيع أو بإجارة أو نكاح أو نحو ذلك فإن العقد يفسخ إن لم يجمعاهما في ملك. المازري: وهو المشهور، وقال ابن المواز: لا يفسخ وعن ابن القاسم إذا لم يعلم بالعقد حتى كبر الولد لم يرد البيع. ابن عبدوس: وكذا إن مات الولد أو عتق. انتهى.
وقوله: وفسخ إن لم يجمعاهما لخ، هو المشهور. قال المتيطي: قاله مالك وابن القاسم في المدونة. وقال محمد: البيع نافذ ويجبران على الجمع في ملك واحد وبه القضاء، قال: فإن لم يعثر على ذلك حتى مضى حد التفرقة مضى البيع. انتهى.
وإذا هَرَّبَ المشتري أحدهما وقال: بعته لبلد بعيد فإنه يكلفه القاضي برده أو يحبسه ويكري من يذهب ويشدد عليه في رده، فإن امتنع من إحضاره ضرب بالسوط إلا إذا أقام البينة على إثغار الولد. انتهى. وقوله: أو بإجارة معناه أن يجعل أجرة كما يفيده قوله: إن لم يجمعاهما في ملك. وهل بغير عوض كذلك أو يكتفي بحوز كالعتق؛ يعني أنه اختلف إذا كانت التفرقة بغير عوض كالهبة والصدقة هل هي كذلك؟ أي كالتفرقة بعوض أي لابد من جمعهما في ملك ببيع أو غيره بجامع التفرقة، وأما الفسخ فلا، فالتشبيه غير تام، أو هي ليست كالتفرقة بعوض بل هي كالعتق فيكتفى باجتماعهما في حوز إذ العتق يكتفى فيه باجتماعهما في حوز اتفاقا. وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك تأويلان، والتأويل الثاني لأبي محمد وهو قول لمالك، والأول قول لمالك، وجزم ابن رشد بأن مذهب المدونة ما فهمه منها أبو محمد. قال الرهوني: وقد بحثت على من تأولها على الأول ولم أجده إلا قولا لا تأويلا.
وعلم مما قررت أن التأويلين فيما قبل الكاف إذ هو دليل التأويل الثاني. قال عبد الباقي: وقد علم من المص حكم ما يجب في تفرقتهما بالبيع ومثله هبة الثواب، وما يجب في تفرقتهما بغير هبة ثواب ونحوها، وما يجب في تفريقهما بالعتق، ولم يعلم من كلامه حكم ما يجب إذا وجد
стр. 5345
الولد في ملك شخص والأم في ملك آخر، ولم يعلم هل صار إليهما بمعاوضة أو غيرها، والحكم في هذا وجوب جمعهما بملك ولا يكتفى بحوز. انتهى. وقوله: وهل بغير عوض كذلك لخ، الخرشي: فإن امتنعا من الجمع بينهما يجبرهما الحاكم على أن يبيعا لشخص واحد، وأما الفسخ فلا سبيل إليه بحال. انتهى. المواق: ومن المدونة قال مالك: من أعتق ابن أمته الصغير فله بيع أمته ويشترط على المبتاع أن لا يفرق بينه وبين أمه. انتهى.
وجاز بيع نصفهما؛ يعني أنه يجوز بيع نصف الأم وولدها للعتق أو لغيره. قال عبد الباقي: وجاز بيع نصفهما مثلا لواحد أو اثنين اتفق الجزء أو اختلف، وقال المواق: من المدونة: بيع نصفهما معا غير تفرقة، وقال الخرشي: أي وجاز بيع نصفهما أو ثلثهما أو نصف أحدهما وربع الآخر مثلا سواء اشترى ذلك الجزء للعتق أو لغيره، وكذا بيع أحدهما وجزء الآخر.
وأما بيع أحدهما وإبقاء الآخر فلا يجوز إلا للعتق، فقوله: للعتق، راجع للثانية فقط. وظاهر قوله: للعتق، يشمل الناجز والمؤجل. وفي الحطاب ما يفيد أنه في الناجز، فإنه قال: قال ابن بطال في قوله: لا بأس ببيع الأمة دون الولد والولد دون الأمة للعتق، معناه على أنها حرة، وقال بعض الشيوخ: لتعتق. أبو الحسن: معنى قول ابن بطال: إنها حرة من غير إحداث عتق، ومعنى قول غيره على إيجاب العتق. انتهى. قلت: وعلى كلا الوجهين فإنه يجبر على العتق لكن الأول أقوى من الثاني. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه: أي لأن الأول لا يفتقر إلى الحكم بخلاف الثاني. والله سبحانه أعلم. وما مر من قول عبد الباقي: وجاز بيع نصفهما مثلا لواحد أو اثنين، معناه عندي -والله أعلم- أنه باع نصف الأم لواحد ونصف الولد لآخر فإن هذا من قبيل مسألة الرهوني التي حكى فيها قولين، وهي ما إذا انفرد أحدهما بأحدهما واشتركا في الآخر فإنه قال: في المسألة قولان. قال ابن عرفة: وصرح المازري بأن في انفراد أحدهما بأحدهما مع شركتهما في الآخر قولين في كونه تفرقة أم لا، وذكر اللخمي القولين ونسب الجواز لابن القاسم في المدونة، ثم قال: ومنعه سحنون وهو أقيس، ونقله ابن عرفة أيضا وسلمه. انتهى. قال مقيده عفا الله عنه. فبان من هذا أن قول عبد الباقي: أو اثنين صحيح وأنه هو الراجح لأنه موافق في المعنى لقول ابن
стр. 5346
القاسم في المدونة في تلك المسألة. والله سبحانه أعلم. وقال الحطاب: قال اللخمي في تبصرته: إذا عتق أحدهما جاز بيع الآخر ويجمعانهما في حوز، فإن أعتق الولد لم يكن له أن يخرجه عن أمه، وإن باعها شرط على المشتري كونه معها وعندها، وإن سافر بالأم سافر به معها ويكون الكراء على المشتري، ويشترط عليه حين البيع نفقته، ثم قال: وإن أعتق الأم وأخرجها من حوزه ترك الولد في حضانتها إن كان لا خدمة له وإن كان له خدمة كان مبيته عندها ويأوي إليها في نهاره في وقت لا يحتاج السيد فيه لخدمته، وإن باعه شرط على المشتري كونه عندها وللمشتري أن يسافر به وتتبعه الأم حيث كان. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز بيع أحدهما للعتق الناجز، كما يفيده الحطاب وهو قيد في الثانية فقط خلافا للتتاءي، وقال أيضا: وربما أشعر كلامه بأنه إذا أعتق أحدهما لا يجوز له بيع الآخر وهو كذلك إلا في فلس أو ضرورة، وكذا لو دبر أحدهما لم يجز له بيع الباقي بعد المدبر ولا بيع خدمة الآخر. انتهى. وما عزاه لابن القاسم عزاه ابن عرفة -وتبعه في تكميل التقييد- لسحنون، وأن الذي في المدونة أنه إذا أعتق أحدهما يجوز له بيع الآخر ويشترط على مشتري الأم نفقة الولد المعتق ومؤنته وأن لا يفرق بينهما للإثغار. ابن رشد: لا أدري لم أوجبوا على من أعتق صغيرا فباع أمه أن يشترط نفقته على مشتري الأم؟ وما المانع من كونه مع أمه عند المشتري ونفقته على معتقه؟ انتهى. قال بناني: قد يقال: أوجبوا ذلك لكون عدم اشتراط نفقة الصغير مظنة التفريق بينهما. انتهى. قال عبد الباقي: وقوله: ولا بيع خدمة الآخرة كذا بخط التتائي بموحدة فتحتية، ونحوه في الشارح، والذي في المدونة: ولا مع بميم وعين ونصها: وإذا دبر أحدهما لم يجز له بيع الباقي وحده ولا مع خدمة الآخر. انتهى.
والولد مع كتابة أمه، بالجر عطف على نصف؛ يعني أن من كاتب أمة يجوز له أن يبيع ولدها ويبيع كتابتها أي يجوز له بيعهما معا أي الولد وكتابة الأم. قال المواق: قال في المدونة: إن كاتب الأم لم يجز له بيع ولدها إذ هي في ملكه بعد إلا أن يبيع كتابتها مع رقبة الابن من رجل واحد فيجوز ذلك إذا جمع بينهما، والحاصل أنه إذا كاتب أمة فإنه يجوز له أن يبيع كتابتها وولدها معا ويجوز له أن لا يبيع، وأما بيع واحد منهما أي الكتابة والولد فلا يجوز. وقوله: والولد، قال الخرشي: بالجر وبالرفع نائب فاعل فعل محذوف؛ أي وبيع الولد مع بيع كتابة
стр. 5347
أمه؛ أي إذا بيعت كتابة الأم وجب بيعه معها والرفع أولى. انتهى. ومعنى المص بالجر هو ما قدمته. والله سبحانه أعلم. وقال الخرشي: والمراد بالجواز الإذن الصادق بالوجوب. انتهى؛ يعني على الجر، وقد مر توجيهي له بما يكون به الجواز على ظاهره. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وجاز بيع الولد مع بيع كتابة أمه لرجل واحد، وكذا يجوز بيع الأم مع كتابة الولد، قال الشارح: ويشترط عليه أن لا يفرق بينهما إذا عتقت الأم إلى وقت الإثغار. انتهى. ويجري مثله في بيع أحدهما للعتق فإن لم يعمل بالشرط فالظاهر عدم الفسخ ويجبران على الجمع. وقال المواق: قال ابن عرفة: كتابة أحدهما غير تفرقة وكذا التدبير. ولمعاهد التفرقة يعني أن الحربي الذي قدم إلينا بأمان وهو المراد بالعاهد لا يمنع من التفرقة بين الأم وولدها ببيع أو غيره، وكره الاشتراء منه؛ يعني أنه يكره لنا أن نشتري من العاهد شراء التفرقة ويجبر المشتري والبائع على الجمع في ملك مسلم غيرهما أو ملك المشتري، ولا يفسخ البيع لأنه إذا فسخ رجع إلى ملك العاهد، وهذا في الصغير كما هو موضوع المص، والكراهة هنا على التحريم. قاله عبد الباقي وغيره. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: فإن قلت: إذا كان الاشتراء منه يحرم علينا فإن ذلك يناقض كون المعاهد له التفرقة؛ إذ يقال: من يشتري منه مفرقا إذا حرم علينا الاشتراء منه مفرقا، فالجواب: أنا لا نمنعهم من المبيع المذكور بينهم، وقوله: ولمعاهد التفرقة. قال عبد الباقي: فهم منه أن الذمي يمنع من التفرقة وهو كذلك؛ لأنه من التظالم. اللخمي: هذا إن كانت التفرقة في دينهم ممنوعة وإلا ففيه نظر، وبعض أشياخي أطلق القول بمنعهم. انتهى. قال بناني: هذا الكلام ليس للخمي بل للمازري، وبعض أشياخه هو اللخمي، ونص ابن عرفة: اللخمي: أرى إن كانا معا لنصراني ذمي فباع أحدهما من نصراني أن يجبرا على الجمع لأنه من التظالم. المازري: هذا إن كانت التفرقة عندهم ممنوعة لا تجوز، فإن كان ذلك في دينهم سائغا ففيه نظر، وبعض أشياخي أطلق بمنعهم. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال المص في التوضيح: واختلف هل النهي يعني عن تفريق الأم من ولدها لحق الولد، وعليه ما في الموازية: إذا رضيت الأم بالتفرقة فليس لها ذلك وهو حق للأم، وعليه ما في
стр. 5348
المختصر فإذا رضيت الأم بالتفرقة فلا بأس. واختار ابن يونس واللخمي وغيرهما الأول، ومعنى من الحق للأم لتولهها وموجدتها على ابنها مثلا، ومعنى كونه للولد هو رفق أمه به، والحاصل أن القول بكون الحق للولد قوي غاية ووجهه ظاهر. قاله الشيخ أبو علي.
الثاني: قد مر قول المص: والولد مع كتابة أمه، قال ابن الأثير: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والفرق إذا اشتري للعتق جاز وإلا منع، فمن أجاز فقد استدل بهذا الحديث أي حديث بريرة مع عائشة وهو معلوم، فإنه ثبت أن بريرة كانت مكاتبة، ومن منع فيحتاج إلى العذر عنه، فمن العذر عنه أنه يجوز بيعه عند العجز عن الأداء، ومن الاعتذار أن تكون عائشة اشترت الكتابة والرقبة، واستدل على ذلك بما في بعض الروايات، فإنه يشعر بذلك؛ ومن فرق فلا إشكال عنده لأنه يقول: إنما أجيز بيعه للعتق؛ وبيع العبد بشرط العتق فيه قولان؛ والصحيح صحة بيعه لهذا الحديث، ومن قال بالمنع في هذا، قيل: يمنع كون عائشة مشترية للرقبة، ويحمله على قضاء الكتابة عن بريرة، وعلى شراء الكتابة خاصة. وعطف منهيا عمة على مثله بقوله:
وكبيع وشرط يناقض المقصود يعني أن من المنهي عنه بيعا وشرطا، فقد روى عبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وشرط، قال ابن عرفة: لا أعرفه إلا من طريق عبد الحق وحمله أهل المذهب على وجهين، أحدهما: الذي يناقض المقصود من المبيع، ومثل له بقوله: كأن لا يبيع؛ أي باعه شيئا واشترط عليه أن لا يبيعه عموما أو إلا من نفر قليل، وذلك لأن المقصود من البيع أن يملك المشتري الشيء المبيع فيتم له التصرف فيه وهذا مناف لذلك، وأما إن شرط عليه أن لا يبيع من فلان أو من نفر قليل فيجوز. قاله اللخمي. ومثل قوله: أن لا يبيع لا يهب أو لا يخرج به من بلد، أو على أن يتخذها أم ولد أو يعزل عنها أو لا يجيزها البحر، أو على الخيار إلى أمد بعيد، أو على أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن: فكل ذلك من الشرط الناقض، وما ذكر في الأخير لا ينافي جواز الإقالة التي وقع فيها
стр. 5349
شرط المبتاع على البائع أنه إن باع من غيره كان أحق بها لأنه يغتفر في الإقالة ما لا يغتفر في غيرها. قاله عبد الباقي. وقوله: لا ينافي جواز الإقالة التي وقع فيها شرط المبتاع لخ، قال الشيخ محمد بن الحسن: قد تقدم صدر البيوع أن المشهور فساد الإقالة بهذا الشرط وأنه لا فرق بينها وبين البيع في الحكم. انتهى. واستثنى من قوله: يناقض المقصود قوله: إلا بتنجيز العتق، الباء للمصاحبة والمعنى أنه نهي عن كل بيع وشرط أي يناقض المقصود إلا بيعا مصحوبا بشرط تنجيز العتق، فإنه يجوز وإن كان مناقضا لمقتضى العقد، ومثل شرط تنجيز العتق شرط الهبة والصدقة عند مالك خلافا للشافعي. قاله في الذخيرة. وكذا الموقف كما في الشيخ سالم. واحترز بالتنجيز من التدبير والعتق لأجل واتخاذ الأمة أم ولد، ولتنجيز العتق وجوه أربعة: الإبهام، والتخيير، وإيجاب العتق، وكونه حرا بنفس الشراء، فأشار إلى الأول بقوله:
ولم يجبر إن أبهم؛ يعني أن من باع رقيقا على شرط العتق إلا أنه أبهم بأن قال: أبيعك بشرط أن تعتقه، ولم يقيد ذلك بإيجاب ولا تخيير فإنه لا يجبر المشتري على العتق إن أبى منه، وقال أشهب وسحنون: يلزم العتق. اللخمي: وهو أحسن، وشرط النقد في هذا يفسده للتردد بين السلفية والثمنية لتخيير المبتاع في العتق فيتم البيع، وفي عدمه فيخير البائع في رد البيع وإمضائه، فإن رد بعد أن فات فعليه القيمة كما في المدونة. قاله عبد الباقي. وأشار إلى الثاني بقوله: كالمخير؛ يعني أنه إذا باع رقيقا بشرط العتق على أن المشتري يخير في العتق فيتم المبيع، وفي عدمه فيخير البائع في رد البيع وإمضائه، فإنه لا يجبر المشتري على العتق بل إن شاء أعتق العبد فيتم البيع، وإن شاء لم يعتقه فيخير البائع في رد البيع وإمضائه، وشرط النقد يفسد البيع في هذه للتردد بين السلفية والثمنية، وأشار إلى الثالث بقوله:
بخلاف الاشتراء على إيجاب العتق؛ يعني أن الاشتراء على إيجاب العتق أي التزامه ليس كالاشتراء على الإبهام والتخيير، فإن هذا يجبر المشتري فيه على العتق، فإن امتنع أعتقه الحاكم، ومثلوه بأن يقول له: أبيعك على شرط أن تعتقه وهو لازم لك لا تتخلف عنه فرضي بذلك. وأشار إلى الرابع بقوله: كأنها حرة بالشراء، تشبيه في وجوب العتق لا في وجوب الجبر
стр. 5350
لأنها تتحرر بنفس الشراء، وهذه الأقسام تجري في الهبة والصدقة، فإن باعه على أنه صدقة لفلان أو على أن يتصدق بها عليه والتزم المشتري ذلك جاز العقد والنقد، وإن كان على الخيار جاز العقد دون النقد، واختلف إذا أبهم ولم يقيد بالتزام ولا خيار، فقال ابن القاسم فيمن باع من امرأته خادما بشرط أن تتصدق بها على ولده: ذلك جائز ولا يحكم عليها بالعتق والبائع بالخيار إن شاء أجاز البيع على ذلك وإن شاء رد، وعلى قول أشهب وسحنون يلزمها ذلك من غير خيار. قاله الحطاب. وهذا إذا كانت الصدقة والهبة منجزة أو مؤجلة بأجل قريب كالعتق على ما للمشدالي من أن العتق المؤجل بأجل قريب كالناجز ثم عطف على قوله: يناقض المقصود، قوله:
أو يخل بالثمن؛ هذا هو الوجه الثاني من الوجهين الذين حمل أهل المذهب الحديث عليهما، أعني حديث النهي عن بيع وشرط، ومعنى ذلك أنه إذا باع شيئا وشرط في بيعه شرطا يخل بثمنه بأن يعود بجهل في الثمن إما بزيادة إن كان الشرط من المشتري أو بنقص إن كان من البائع. ومثل لذلك بقوله: كبيع وسلفه، فإذا باعه سلعة بعشرة مثلا وشرط مشتري السلعة على البائع أن يسلفه فإن العشرة في مقابلة السلعة والانتفاع بالسلف، فبعض العشرة مقابل للانتفاع بالسلف وبعضها مقابل للسلعة وهو مجهول، وثمن السلعة في هذا أكثر لا صاحبها من السلف الكائن من جهة البائع، وإذا باعه سلعة بتسعة مثلا وشرط بائعها على المشتري أن يسلفه فانتفاع البائع بسلف المشترِي له يقابله بعض الثمن الذي هو السلعة، وبعضها الآخر المقابل للثمن مجهول، والثمن في هذا أقل لمصاحبة السلف من المشتري. والله سبحانه أعلم. مع أن الانتفاع في المسألتين مجهول. واعلم أن كلا من العوضين يصح أن يكون ثمنا ومثمنا، وقوله: كبيع وسلف أي كاشتراط السلف مع البيع. قال بناني: الصور ثلاث، بيع وسلف بشرط ولو بجريان العرف وهي التي تكلم عليها المص هنا، وبيع وسلف بلا شرط لا صراحة ولا حكما وهي التي أجازوها هنا أيضا، وتهمة بيع وسلف وذلك حيث يتكرر المبيع وهي التي تكلم عليها المص في بيوع الآجال، فما أجازوه هنا غير ما منعوه هناك؛ لأن ما هناك فيه التهمة بالدخول على شرط بيع وسلف، وسيأتي إن شاء الله ما يدل على أن المذهب فيه هو المنع. والله أعلم. انتهى. وقوله: كبيع وسلف: قال الرهوني: جعل المص تبعا لابن شأس وغيره هذا مندرجا تحت النهي عن بيع
стр. 5351
وشرط، وكلام الباجي يفيد أن له دليلا خاصا. وكل صحيحٌ؛ قال في المنتقى: روي أنه ﷺ (نهى عن بيع وسلف (١)). ولا نعلم له إسنادا صحيحا، وأشبهها ما رواه أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل بيع وسلف (٢))، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك، وتلقي الأئمة له بالقبول والعمل به يدل على صحة معناه، وذلك يقوم له مقام الإسناد. انتهى. قلت: انظره مع ما في أحكام عبد الحق ونصها: الترمذي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل بيع وسلف، قال هذا حديث حسن صحيح. انتهى المراد نقله من كلام الرهوني. وقال عبد الباقي: والظاهر أن المراد بالشرط ولو بحسب ما يفهم من حالهما قياسا على ما يأتي في الثنيا مما يجري به العرف، وسواء كان السلف من البائع أو المشتري كما يأتي في قوله: وفيه إن فات لخ، وصح إن حذف يعني أنه يصح البيع إن حذف شرط السلف قبل الفوات. أو حذف شرط التدبير؛ يعني أن البيع يصح إن حذف شرط التدبير ونحوه مما يناقض المقصود، ولذا في بعض النسخ: كالتدبير، فمعنى كلامه أنه يصح البيع المصاحب للشرط الذي يناقض المقصود أو يخل بالثمن حيث حذف الشرط المذكور. والله سبحانه أعلم. كشرط رهن وحميل وأجل يعني أن البيع يصح مع شرط الرهن أو الحميل أو الأجل، ويصح أن يشتري شيئا بثمن مؤجل بأجل معلوم ويرهن له في ذلك الثمن رهنا ويضمنه له شخص آخر، وهذه الثلاثة من الشرط الذي لا يقتضيه العقد ولا ينافيه، ومحل كلامه إذا كانا أي الرهن والحميل حاضرين أو قريبي الغيبة، فإن بعدت غيبتهما ففي الحميل لا يجوز البيع ويفسد، ولعله في الحميل المعين وفي الرهن يجوز كبيعه وتوقف السلعة حتى يقبض، وقال أشهب: يمنع كالحميل. وفي النوادر: الجواز في الرهن البعيد إذا كان عقارا وقبض المشتري السلعة البيعة. قاله حلولو. قاله عبد الباقي بإدخال شيء فيه من كلام بناني.
стр. 5352
مسألة: في انتهاء الأجل الجائز، قال الحطاب بعد جلب نقول: فَتَحَصَّلَ من هذا جواز الأجل إلى عشر سنين وما أشبهها وفي جوازه إلى العشرين وكراهته قولان للمدونة مع اختيار أصبغ، ولابن القاسم: وإلى الستين يفسخ وفي الثلاثين توقف ابن القاسم، وقياس أصبغ على الصداق عدم الفسخ والله أعلم. انتهى.
تنبيهات: الأول: ذكر المص شرطين أحدهما: الشرط الذي يفسد البيع إن لم يحذف وهو الشرط الذي يناقض المقصود أو يخل بالثمن. ثانيهما: الشرط الذي لا يقتضيه العقد ولا ينافيه كشرط رهن وحميل وأجل، وبقي عليه ثالث: وهو الشرط الذي يقتضيه العقد كشرط تسليم المبيع والقيام بالعيب، فهذه شروط ثلاثة؛ ويأتي له ما يبطل فيه الشرط ويصح البيع وهو قوله "كمشترط زكاة ما لم يطب وأن لا عهدة" لخ، قال ابن رشد: روي أن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمَةَ، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعا واشترط شيئا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته؟ فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت، سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: لا. أدري ما قالا، إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا، قالت عائشة ﵂ (أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها وإن اشترط أهلها الولاء فإنما الولاء لمن أعتق (١)). البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، قال جابر: بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لي حلابها وظهرها إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز. فعرف مالك الأحاديث كلها فاستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها ولم يمعن غيره النظر ولا أحسن تأويل الأثر. نقله المواق. وقوله: وصح إن حذف أو حذف شرط التدبير؛ أي ونحوه مما
стр. 5353
يناقض المقصود، ويستثنى من ذلك أربعة أشياء، أحدها: من ابتاع سلعة بثمن مؤجل على أنه إن مات فالثمن عليه صدقة فيفسخ المبيع ولو أسقط الشرط لأنه غرر. قاله في النوادر. ومثله شرط إن مات لم يطلب البائع ورثته بالثمن. ثانيها: شرط ما لا يجوز من أمد الخيار فيلزم فسخه وإن أسقط لجواز كون إسقاطه أخذا به. ثالثها: من باع أمة وشرط على المبتاع أن لا يطأها وأنه إن فعل فهي حرة أو عليه دينار مثلا فإن هذا يفسخ المبيع ولو أسقط الشرط لأنه يمين. رابعها: شرط الثنيا يفسد البيع ولو أسقط الشرط ويعبر عنها في مصر بالبيع المعاد؛ وحقيقتها أن يقول البائع للمشتري: متى أتيتك بالثمن عاد المبيع إلي فاشتراط ذلك في عقد البيع يفسده ولو حذف، وأما إن تطوع المشتري له بذلك بعد عقد البيع فلا فساد بل يجوز سواء قيد بمدة أو أطلق، بأن قال له: متى أتيت لي بالثمن أعدت لك سلعتك، ولا يجوز للمشتري بيعها لغيره في القيدة بمدة، ويرد بيعه لغير البائع فيها أو بعدها بيوم ويأخذها البائع إن أراد لا بعد زيادة على يوم، وأما في المطلقة بأن لم يضربا لذلك أجلا فللبائع أخذه متى جاءه بالثمن في قرب الزمن وبعده ما لم يفوته المبتاع، فإن فوته فلا سبيل له إليه، فإن قام عليه حين أراد التفويت فله رد البيع، وإن باعه قبل أن يمنعه السلطان نفذ بيعه، وإذا مات التطوع بالثنيا قبل أجل التطوع له بها فقيل: تبطل بناء على أنها هبة وهي تبطل بموت الواهب قبل حوز الموهوب، وهو لأبي الفضل واختاره أبو الحسن وهو المشهور، وقيل: لا تبطل لأنها بيع وهو لأبي إبراهيم الأعرج، وإذا ادعى أحد المتعاقدين أن الثنيا وقعت في العقد وادعى الآخر أنها وقعت على الطوع فالقول للآخر بيمينه لأنه مدع الصحة إلا أن يجري عرف بوقوعها بالعقد، ويكتب في الوثيقة أنها على الطوع كما بمصر، فالقول لمدعي ما جرى به العرف على ما قاله ابن رشد؛ وقال عَصْرِيُّه ابن الحاج: العمل على ما كتب والأول يوافقه ما للحطاب هنا في الثنيا التطوع بها إذا لم يقبض المشتري المبيع فإنه قال: وأما ما يقع في عصرنا هذا وهو مما عمت به البلوى من أن الشخص يشتري البيت مثلا بألف دينار أي شراء ثنيا ويؤجره لبائعه بمائة دينار قبل أن يقبضه المبتاع وقبل أن يخليه البائع من أمتعته، بل يستمر البائع على سكناه إياه إن كان محل سكنه أو على وضع يده عليه وإجارته،
стр. 5354
ويأخذ المشتري فيه كل سنة أجرة مسماة يتفقان عليها؛ أي ثم يأخذ المشتري جميع الثمن من البائع ويعيد له ملكه، فهذا لا يجوز بلا خلاف لأن هذا صريح الربا ولا عبرة بما سمياه من العقد لخ، فقد راعى في هذا ما في نفس الأمر ولم يراع الكتب وتقدم، عند قوله "وجهل بمثمون أو ثمن" ما يفيد أن العبرة بما كتب عند ابن رشد وهو خلاف ما مر عنه هنا، والغلة في بيع الثنيا الفاسد للمشتري على الراجح كما في الحطاب؛ وقال أحمد: المشهور أنها للبائع وهو ظاهر من جهة المعنى وهو توافقه مع المشتري على أن يرد له المبيع. انتهى من شرح عبد الباقي بإدخال شيء فيه من كلام بناني.
الثاني: قال بناني قَسَّم ابن رشد في المقدمات الشروط المتعلقة بالبيع على أربعة أقسام، وفي المص إشارة إلى جميعها. ولنذكر طرفا من حكمها فنقول: القسم الأول: شرط ما يقتضيه العقد كتسليم المبيع والقيام بالعيب ورد العوض عند انتقاض المبيع، أو ما لا يقتضيه ولا ينافيه ككونه لا يئول إلى غرر وفساد في الثمن أو الثمن، ولا إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع، وفي مصلحة أحد المتبايعين كالأجل والخيار والرهن والحميل وبيع الدار واستثناء سكناها أشهرا معلومة أو سنة، وكبيع الدابة واستثناء ركوبها ثلاثة أيام ونحو ذلك، أو إلى مكان قريب فهذا القسم من الشروط صحيح يقضى به حيث وقع، ولا يقضى به دون شرط إلا ما كان يقتضيه العقد، فإنه يقضى به ولو لم يشترط ويتأكد مع الشرط، وأشار المص إلى هذا القسم بقوله: كشرط رهن وحميل وأجل. القسم الثاني: ما يئول إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع كشرط ما يؤدي إلى جهل أو غرر في العقد أو في الثمن أو في المثمن، أو إلى الوقوع في ربا الفضل أو ربا النساء، كشرط مشاورة شخص بعيد أو شرط الخيار إلى مدة مجهولة، أو تأجيل الثمن إلى أجل مجهول، فهذا النوع يوجب فسخ البيع على كل حال، فاتت السلعة أو لم تفت، ولا خيار لأحد المتبايعين في إمضائه، فإن كانت السلعة البيعة قائمة ردت بعينها، وإن فاتت ردت قيمتها بالغة ما بلغت، ويستثنى من هذا النوع مسألة البيع بشرط السلف، فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى الجهل بالثمن، لكن إنما يفسخ ما دام مشترط السلف متمسكا بشرطه، فإن أسقط شرطه صح البيع، وهذا القسم أشار له المص بالشروط المتقدمة مع قوله بعدها: وفسد منهي عنه إلا بدليل.
стр. 5355
القسم الثالث: ما يكون من شروط منافيا لمقتضى عقد البيع لأن فيه تحجيرا على المشتري، مثل أن يبيع السلعة للمشتري على أن لا يبيعها أو لا يهبها، وعلى أن يتخذ الجارية أم ولد، أو على أن لا يخرج بها من البلد، أو على أن لا يعزل عنها، أو على أنه إن باع المشتري السلعة فالبائع أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، أو على الخيار إلى أمد بعيد، وما أشبه ذلك مما يقتضي التحجير فالمشهور في هذا النوع أنه يفسخ ما دام البائع متمسكا بشرطه، فإن ترك الشرط صح البيع، هذا إذا كانت قائمة، فإن فاتت كان فيه الأكثر من الثمن والقيمة يوم قبضه.
قال في البيان: ويستثنى من هذا الحكم مسألتان، إحداهما: إذا باع الأمة وشرط على المشتري أن لا يطأها وأنه إن وطئها فهي حرة، أو فعليه كذا وكذا، فهذا يفسخ على كل حال على حكم البيع الفاسد ولا يكون للبائع أن يترك الشرط من أجل أنها يمين لزمت المشتري. الثانية: أن يشترط الخيار إلى أمد بعيد فإن البيع يفسخ فيها على كل حال ولا يمضي إن رضي مشترط الخيار ترك الشرط لأن رضاه بذلك ليس تركا منه للشرط وإنما هو اختيار البيع الفاسد على الخيار الفاسد، وإلى هذا القسم أشار الص بقوله "وكبيع وشرط يناقض المقصود". القسم الرابع: ما يكون فيه الشرط غير صحيح إلا أنه خفيف فلم تقع له حصة من الثمن، فيصح البيع ويبطل الشرط، وإلى هذا القسم بفروعه أشار المص بقوله في فصل التناول "كمشترط زكاة ما لم يطب وأن لا عهدة ولا مواضعة" لخ، هذا تفصيل الإمام مالك ﵁ في بيع الشروط، وذهب أبو حنيفة إلى تحريمه مطلقا لما ورد أن رسول الله ﷺ (نهى عن بيع وشرط) وذهب ابن شبرمة إلى الجواز مطلقا، عملا بما في الصحيح: من أن جابرا ﵁ باع من النبي ﷺ ناقة واشترط حلابها وظهرها إلى المدينة، وذهب ابن أبي ليلى إلى بطلان الشرط مع صحة البيع لحديث عائشة ﵂ (أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة وأعتقها وإن اشترط أهلها الولاء فإن الولاء لمن أعتق) فجاز البيع وبطل الشرط. وعرف
стр. 5356
مالك ﵁ الأحاديث كلها فاستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها، ولم يمعن غيره النظر، ولا أحسن تأويل الأثر، ونظم ابن غازي هذه الأقوال فقال:
بيع الشروط الحنفي حرمه … وجابر سوغ لابن شبرمة
وفصلت لابن أبي ليلى الأمه … ومالك إلى الثلاث قسمة
وحاصل ما للإمام أن ما كان من الشروط من مقتضيات العقد أو من مصلحاته صح فيه البيع والشرط، وما كان منافيا للعقد أو يؤدي إلى الغرر والجهل بالمبيع فسد فيه البيع والشرط، قال الأبي: وكان ابن عرفة يقول: ما لا يفيد مصلحة في البيع ولا يفسد البيع ولا يزاد في الثمن ولا ينقص منه لأجله، فهو الذي يقول فيه أصحابنا: يصح البيع ويبطل الشرط. انتهى كلام بناني. الثالث: قد مر عن عبد الباقي أنه يستثنى من قوله: أو حذف شرط التدبير أي ونحوه أربعة أشياء قد مر ذكرها، قال بناني: أما المسألة الثانية والثالثة فذكرهما ابن رشد وابن عرفة وغيرهما، وأما المسألة الأولى فذكرها في النوادر وفي العتبية، ففي رسم القبلة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: سمعت مالكا يقول: لا أحب أن يبيعه على إن وجد ثمنا قضاه وإن هلك ولا شيء عنده فلا شيء عليه. قال ابن القاسم: فإن وقع هذا الشرط وفات لزم المشتري قيمتها يوم قبضها. قال ابن رشد: هذا الشرط من الشروط التي يفسد بها البيع لأنه غرر فالحكم فيه الفسخ مع قيام السلعة شاءا أو أبيا، ويصح في فواتها بالقيمة بالغة ما بلغت وهو ظاهر قول ابن القاسم وتفسير لقول مالك. انتهى. فيؤخذ من قوله: لأنه غرر، أن المبيع يفسخ وإن حذف الشرط لتصريح ابن رشد في المقدمات بأن كل شرط يؤدي إلى جهل أو غرر فإنه يوجب فسخ البيع على كل حال، ولا خيار لأحد المتبايعين في إمضائه، فإن فاتت السلعة ردت قيمتها بالغة ما بلغت، وبه تعلم أنه لا وجه لاستثناء هذه المسألة هنا لأنها ليست من قسم الشروط المناقضة، بل من الشروط المؤدية إلى غرر أو جهل، وأما المسألة الرابعة وهي مسألة بيع الثنيا فذكرها الحطاب عن الباجي قائلا: المشهور فيها البطلان مطلقا وإن حذف الشرط، فانظره. فتزاد مسألة خامسة يبطل
стр. 5357
فيها البيع أيضا وإن حذف الشرط، وهي مسألة شرط النقد في بيع الخيار. قال ابن الحاجب: ولو أسقط شرط النقد لم يصح بخلاف مسقط السلف، وقيل: مثله، قال في التوضيح: والفرق بينهما على المشهور أن الفساد في اشتراط النقد واقع في الماهية لأنه غرر في الثمن؛ إذ المقبوض لا يدرى هل هو ثمن أم لا؟ ومسألة شرط السلف الفساد فيها خارج عن الماهية، ويأتي فيها ما قلناه في المسألة الأولى. انتهى. وقال الرهوني: إن مسألة الخيار إلى أمد بعيد ليست من مسائل التحجير فلا يصح استثناؤها لأنها من مسائل الغرر.
الرابع: قوله: كبيع وسلف، اعلم أن البيع بشرط السلف مجمع على تحريمه كما قاله الباجي، وقد مر تعليله بأنه يؤدي إلى الجهل في الثمن أو الثمن، والذي علل به كثير من علمائنا المنع أنه يؤدي إلى سلف جر نفعا وعلى هذا فيدعى أن الحكم معلل بعلتين. قاله الشيخ أبو علي. الخامس: قال ابن رشد في مقدماته: ما كان من البيوع محظورا لحق الله تعالى فهو أربعة أقسام: قسم محظور لتعلقه بالمحظور في الشرع، دون أن يطابقه نهي أو يخل فيه بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع، مثل أن يبيع قبل الصلاة في آخر وقتها، بحيث يعلم أنه يفوته جميع الوقت باشتغاله بالبيع، ومثل البيع والشراء في موضع مغصوب وما أشبه ذلك، فهذه البيوع حرام لكنها لا تفسخ باتفاق فاتت أم لا، إلا ما كان علة الحظر فيه باقية ببقاء البيع كشراء النصراني المصحف والمسلم، وشراء الدين على الرجل أراد الإضرار به، فقيل: يفسخ، وقيل: لا، وترتفع العلة ببيع المشترى على المشتري. وقسم هو ما طابقه النهي ولم يخل فيه بشرط من الشروط في صحة البيع مثل البيع في نداء وقت الجمعة، وبيع حاضر لباد، وبيع الرجل على بيع أخيه، وبيع التلقي، وبيع التفرقة، وما أشبه هذا من البيوع فهذه اختلف فيها فمن رأى أن النهي يدل على الفساد فسخها مطلقا، لكن إذا فاتت يرجع كقيمتها (١) ورد قيمتها كرد عينها، وقيل فيها غير هذا، وقسم ثالث: وهو ما أخل فيه بشرط فإنه يفسخ على كل حال ولا خيار فيه لأحد المتبايعين، وترد إن كانت قائمة أو قيمتها يوم القبض إن فاتت وذلك كجهل الثمن أو المثمون،
стр. 5358
ووجود الربا إلى غير ذلك، وقسم رابع: وهو بيوع الشروط مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا يبيع لخ، ثم قال: وإذا وقع هذا القسم فإنها تفسخ ما دام متمسكا ذو الشرط بشرطه، فإن تركه صحت ففيها الأكثر من الثمن والقيمة، وقيل: فيها عند الفوات مقدار ما نقص من الثمن بسبب الشرط ولا نظر للقيمة كانت أقل أو أكثر، وقيل: هذا القسم يفسخ كغيره كما في القسم الثالث، ومر ما استثناه من هذا القسم الرابع. قاله الشيخ أبو علي. والفرق بين من باع سلعة وخمرا مثلا يفسد البيع ولو أسقط الخمر، وبين البيع والسلف يصح البيع إذا أسقط الشرط، أن البيع والسلف أصلان كل واحد لو انفرد لجاز، والخمر لو انفردت لم تجز، وأن الفساد في مسألة الخمر راجع إلى ماهية البيع لفساد المعقود عليه، وفي البيع والسلف خارج. قول ابن رشد: لا تفسخ باتفاق لخ، انظره مع ما في التتائي من أن من أخر صلاته حتى لم يبق من وقتها الضروري إلا مقدار ما يوقعها فيه فباع في ذلك الوقت، فقال القاضي إسماعيل: يفسخ، وهو اختيار أبي عمران؛ وقال ابن سحنون: لا يفسخ. انتهى. وألحق الغرناطي بالبيع يوم الجمعة البيع وقت الفتنة في حق من طلب منه الخروج.
السادس: قد مر قول المص: كشرط رهن وحميل وأجل، قال الحطاب بعد جلب كلام: فتحصل من هذا جوازه يعني تأجيل البيع إلى عشرة أعوام وما أشبهها، وفي جوازه إلى العشرين وكراهته دون فسخ قولها مع اختيار أصبغ، وقول ابن القاسم: ويفسخ إلى الستين والسبعين، وفي الثلاثين توقف ابن القاسم، وقياس أصبغ عدم الفسخ. أبو الحسن: ظاهر الكتاب في قوله: عشرين سنة وإن كان البائع من أبناء الستين والسبعين. قالوا: معناه إذا كان البائع من أبناء أربعين سنة فأقل، ولو كان من أبناء ستين لم يجز أن يبيع إلى عشرين لأنه لا ينتفع بالثمن، قال الحطاب: وقال المشدالي: وصرح ابن رشد في سماع أصبغ باعتبار صغر البائع وكبره عن التونسي، كما قيده هنا المغربي، وضابطه أن يبيع إلى أجل لا يعيش إليه غالبا. ابن رشد عن التونسي: وعللوا المنع في البيع إلى الأجل البعيد بالغرر. انتهى.
ولو غاب يعني أنه إذا أسقط شرط السلف قبل الفوات فإن البيع يصح ولو غاب المتسلف على السلف غيبة يمكنه الانتفاع به فهو مبالغة في قوله: وصح إن حذف، ولو ذكره عنده كان أولى.
стр. 5359
قاله غير واحد. وتؤولت بخلافه يعني أن المدونة تؤولت على خلاف ذلك، وهو أن البيع يفسخ حيث غاب المتسلف على السلف غيبة يمكنه الانتفاع به. قال عبد الباقي: وتأولت بخلافه وهو نقض البيع مع الغيبة على السلف ولو أسقط شرط السلف لتمام الربا بينهما، وهذا ضعيف والراجح الأول. انتهى. قوله: وهذا ضعيف والراجح الأول، نحوه قول التتائي: إن الأول هو المشهور، وقول ابن القاسم: وتأول الأكثر عليه المدونة وهو تبع الشارح وأصله في التوضيح فإنه قال. وصرح ابن عبد السلام بمشهوريته. قال مصطفى: وفيه نظر؛ لأن ابن عبد السلام صرح بمشهورية إسقاط السلف في غير الغيبة، وأما مع الغيبة فذكر الخلاف ولم يصرح بمشهور وإنما نسب الصحة لأصبغ فقط، فإنه لما عزا عدم الصحة لسحنون وابن حبيب ويحيى عن ابن القاسم قال: وخالف أصبغ ورأى أن الغيبة على السلف لا تمنع تخيير المشترط. انتهى. وكذا فعل عياض ثم قال وذهب أكثر الشيوخ إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب وبعضهم يجعله خلافا. انتهى. قال مصطفى: فانظر كيف عزا للأكثر خلاف ما عزا له المؤلف ومن تبعه؟ وإذا علمت ما تقدم ظهر لك أن المعتمد عدم الصحة في الغيبة. قاله بناني. وقال الرهوني: وتؤولت بخلافه، على هذا التأويل اقتصر ابن يونس، وهو يشهد لما قاله مصطفى من أنه الراجح.
وفيه إن فات أكثر الثمن والقيمة إن أسلف المشتري يعني أنه إذا فات المبيع وكان المشتري قد أسلف البائع فإن المشتري عليه الأكثر من الثمن والقيمة يدفعه للبائع ولو أسقط الشرط؛ لأن إسقاط الشرط مع الفوات لا يوجب الصحة، مثال ذلك: ما إذا اشتراها بعشرين وأسلف البائع وفاتت السلعة وقيمتها ثلاثون فعلى المشتري القيمة، ولو كانت قيمة السلعة عشرة واشتراها بخمسة عشر لكان على المشتري خمسة عشر؛ لأن المشتري لما أسلف أخذ السلعة بنقص فعومل بنقيض مقصوده، وقوله: والقيمة أي يوم القبض.
وإلا بأن كان السلف هو البائع فالعكس؛ أي فعلى المشتري الأقل من الثمن والقيمة؛ لأنه أي البائع أسلف ليزداد فعومل بنقيض قصده، فيكون له في المثال الأول عشرون وفي الثاني عشرة. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: قال الحطاب: وينبغي أن يقيد هذا أي السلف من البائع
стр. 5360
بما إذا لم يغب المشتري على السلف مدة يرى أنها القدر الذي أراد الانتفاع به فيها، فإن وجد ذلك كانت فيه القيمة ما بلغت. انتهى. قوله عن الحطاب: وينبغي أن يقيد لخ، تبع الحطاب في هذا القيد السنهوري والأجهوري ومن بعدهما، وتعقبه مصطفى قائلا: إنه قصور منه إذ هو قول في المسألة مقابل لما درج عليه المص كما في ابن عرفة، وكأنه لم يقف عليه، ونصه: وفي إيجاب الغيبة على السلف لزوم فسخه والقيمة بالغة ما بلغت في فوته وبقاء تصحيحه في إسقاط الشرط، ثالثها: إن غاب عليه مدة أجله أو قدر ما يرى أنه أسلفه إليه، للباجي مع غير واحد عن سحنون مع ابن حبيب. وعن أصبغ، وتفسير ابن رشد قول ابن القاسم. انتهى. فتأمله انتهى. قاله بناني. وتعقب الرهوني كلام مصطفى وصوب ما قاله الحطاب؛ وقال: إنه لا خصوصية للسلف من البائع بذلك التقييد. والله سبحانه أعلم. وقوله: وفيه إن فات، قد علمت أنه في المبيع على شرط السلف، وأما المبيع على شرط يناقض ففيه مع الفوات الأكثر من الثمن والقيمة يوم القبض، وهذا حيث لم يسقط الشرط أو أسقط بعد الفوات، ولو أسقط قبل الفوات صح البيع كما قال المص، وقيل: إن فيه عند الفوات قدر ما نقص من الثمن بسبب الشرط كما مر، ثم إن كلام المص يشعر بأن هذا في المقوم، وأما المثلي فإنما فيه مثله لأنه كعينه فلا كلام لواحد منهما بمثابة ما إذا كان قائما ورد عينه. وكالنجش يعني أن من المنهي عنه بيع النجش. قال أبو علي: أي ومن البياعات المنهي عنها بيع النجش، وقال المواق في الموطإ: (نهى رسول الله ﷺ عن النجش (١))، وقال عبد الباقي: وكالنجش أي بيعه لأن هذا من جملة البياعات المنهي عنها، والنهي يتعلق بالبائع أيضا حيث علم بنجش الناجش، وإن لم يعلم به تعلق بالناجش فقط. انتهى. والناجش قال مالك: هو الذي يزيد في السلعة ولا يريد شراءها ليغر بذلك غيره فيقتدي به، كذا فسره في الموطإ، ومعناه كما علمت يزيد في السلعة سواء كان قدر ثمنها المعتاد أو أقل أو أكثر، وتفسير المازري هو تفسير مالك، وقَوْلُ عبد الباقي: ليغر، لم تقع في الموطإ ولا في المازري. نقل الرهوني عن أحمد بابا ما يخالفه، فإنه قال: إن ابن يونس نقل عن الموطإ أن