بحضر الباء للظرفية متعلقة برخص أو مسح. قاله الشيخ عبد الباقي، والشيخ إبراهيم، وغيرهما. أو سفر عطف على بحضر، ومعنى كلام المصنف أنه لا فرق بين الحضر والسفر في جواز المسح على الخفين، فيجوز للرجال والنساء المسح عليهما في الحضر والسفر، وما ذكره المصنف من التعميم في الحضر والسفر هو المذهب، وبه قال في الموطإ، وهو رواية ابن وهب والأخوين عن مالك. وروى ابن القاسم عنه أيضا: لا يمسح الحاضر. وعنه أيضا: لا يمسح هو ولا المسافر. فما ذكره الشيخ عبد الباقي وغيره من أن السفر متفق على المسح فيه، غير صحيح. انظر حاشية الشيخ بناني.
واعلم أن المستحاضة إذا كان انقطاع الدم عنها أكثر من إتيانه لها، وقلنا إن ذلك يوجب عليها الوضوء كما هو المشهور، يجب أن يكون لبسها للخف قبل أن يسيل منها شيء، وإن لبسته بعد أن سال منها شيء لم يجزها المسح: لأنها لبسته على غير طهارة، كما هو واضح. وأما إذا استوى الأمران أو كان إتيانه لها أكثر من انقطاعه، فإن المذهب أنها تمسح عليه سواء لبسته بعد تطهرها وقبل أن يسيل منها شيء، أو بعد أن سال؛ لأن ما سال لا يوثر في نقض الطهارة، إلا أنها إذا استحب لها أن تتطهر لكل صلاة، استحب لها أن يكون لبسها للخف عقب غسلها من الحيض، ووضوئها قبل أن يسيل منها شيء، قاله الإمام الحطاب.
مسح جورب: مضاف ومضاف إليه، والأول نائب رخص، وضمنه معني أبيح؛ لأن رخص إنما يتعدى بفي، والمرخص له يتعدى باللام؛ يعني أنه يباح للرجل والمرأة مسح الجورب في الوضوء. والجورب هو ما كان على شكل الخف من قطن أو كتان أو غيرهما، وإنما يمسح على الجورب بشرط أن يكون قد جلد ظاهره وباطنه يعني أنه يشترط في المسح على الجورب أن يجلد ظاهره أي يجعل عليه جلد، وأن يجلد باطنه أيضا. وظاهره هو ما يلي السماء، وباطنه هو ما يلي الأرض، وليس المراد بالباطن ما يلي الرجل.
وخف: بالجر عطف على جورب؛ يعني أنه يرخص في المسح على الخف للرجال والنساء، وكان ينبغي للمصنف تقديم الخف على الجورب؛ لأن الخف هو الأصل، لكن قدم الجورب اهتماما به نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ من أنه قدم الوصية اهتماما
стр. 562
بأمرها لكونها كانت غير معهودة عندهم على الدين المعهود عندهم وعند كل أحد، وهو آكد منها ولو على خف يعني أنه لا يشترط في المسح على الخف أن يكون الخف الذي يمسح عليه منفردا، وكذا الجورب، بل يمسح على خف ملبوس على خف، كما يمسح على جورب على خف أو جورب، فالمبالغة راجعة لهما. كما قاله الطخيخي، قاله الشيخ إبراهيم. لكن يشترط أن يلبس الثاني بعد مسح الأول، أو يلبسهما وهو غاسل رجليه، وأما إذا لبس خفين بشرطهما ثم أحدث، فلبس فوقهما آخرين، فإنه لا يمسح على الأعليين. والحاصل أنه يمسح حين لبسهما معا على طهارة كاملة، أو الأعلى قبل انتقاضها وقبل المسح على الأسفل أو بعد المسح على الأسفل، وقبل انتقاض طهارته فيمسح الأعلى بعد انتقاضها في هذه الثلاث، فإن لبسه مع انتقاضها لم يمسح الأعلى بل ينزعه ويمسح على الأسفل. فهذه أربع يمسح على الأعلى في ثلاث منها، ولا يمسح عليه في واحدة. وكذا يقال في الذي في إحدى رجليه جورب، وفي الأخرى خف؛ إذ لا يشترط تساوي ما في الرجلين جنسا ولا عددا، وقوله: "ولو على خف" رد بلو القول بأنه لا يمسح على الأعليين، والخلاف جار مطلقا سواء لبس الأعليين قبل أن مسح على الأسفلين، أو بعد أن مسح عليهما. وزعم اللخمي أن الخلاف إنما هو إذا لبس الأعليين عقب طهارة غسل الرجلين، وأما إن لبس الأول ثم أحدث فتوضأ ومسح عليه ثم لبس خفا آخر ثم أحدث فإنه يمسح على الأعلى قولا واحدا. انتهى. وليس الأمر كما زعم، بل القولان لمالك مطلقا بل الصورة التي جعل الخلاف فيها هي أولى بالجواز قولا واحدا، والتي جعل الجواز فيها قولا واحدا هي أحرى بالخلاف. قاله في الطراز. قاله الحطاب. قال: وما قاله صاحب الطراز ظاهر. والله أعلم. ولا فرق بين أن يلبس خفا على خف، أو جوربا مجلدا على خف. انتهى. فإن قيل إذا كان مسح الأعليين بدلا عن الأسفلين فلا يمسح عليهما حتى يلبسهما بعد مسح الأسفلين، وإن كان بدلا عن غسل الرجلين لزم أنه إذا نزع الأعليين بادر لغسل الرجلين، فالجواب أن مسحهما بدل عن غسل الرجلين. وإنما يلزم غسل الرجلين لو لم يحصل عنه بدل آخر، وقد حصل؛ وهو مسح الأسفل إذا نزع الأعلى. قاله الأبي. نقله الشيخ إبراهيم بلا حائل: هو ظرف لغو متعلق بمسح، والباء باء المصاحبة أي مسحا مصاحبا لعدم الحائل، لا حال خلافا للزرقاني، قاله الشيخ إبراهيم. يعني أنه
стр. 563
لا بد من مباشرة الخف بالمسح فإذا مسح على الخف من فوق حائل فكمن ثم يمسح عليه، ولهذا إذا كان الحائل بأعلى الخف؛ أي ما يلي السماء، كان الماسح عليه كمن ترك مسح على الخف فتبطل صلاته، وإذا كان الحائل بأسفل الخف، أعني ما يلي الأرض، كان الماسح عليه كمن ترك مسح أسفل الخف. قاله الشيخ إبراهيم. وسيقول المصنف: وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله، ففي الوقت كطين مثال للحائل، وذكر الطين لأنه محل توهم المسامحة، فلا فرق بين الطين وغيره. وعلم مما قررت أن المراد بالحائل ما يحول بين اليد المبلولة والخف، وأما الحائل بين الخف والرجل فلغو. قاله غير واحد. وفي الأمير: وإن لبس فوق حائل على القدم كلفائف. وانظر هل من الحائل شعر الجلد أم لا، وظاهر قوله: جلد، يشمل ما به شعر، لكنه يبعد فيما كثر شعره كالغنم والمعز. قاله الشيخ إبراهيم. ومن مسح ليدرك الصلاة ونيته أن ينزع ويغسل إذا صلي فإنه يجزئه، بخلاف من توضأ ومسح على خفيه ونوى إن حضرت الصلاة نزع وغسل رجليه، فإنه لا يجزئه، ويبتدئ الوضوء كمن تعمد تأخير غسل رجليه. قاله الإمام الحطاب. ونقله الشيخ إبراهيم. وقال: يفهم من التشبيه أن هذا في حال الطول. انتهى. وسيأتي أن الخف إذا تمزق من أسفله امتنع المسح عليه، وإن كان أعلاه صحيحا. كما في الطراز. فليس الخرق كالحائل كما علمت، فإن المسح مع الحائل على الأسفل كلا مسح، فيعيد في الوقت. والفرق أن الخرق انعدمت فيه حقيقة الخف. وفي الخرشي أن الخف يقال للفردتين؛ فهو مثنى في المعنى مفرد في اللفظ انتهى.
إلا المهماز مستثنى من الحائل؛ يعني أن الحائل يمنع من المسح على الخف إلا أن يكون الحائل الذي على الخف مهمازا، فإنه يجوز المسح على الخف من فوقه بشرط أن يكون مأذونا في اتخاذه لراكب بسفر فقط، لا من كذهب ولا غير راكب ولا حاضر، ثم من زمن ركوبه غالب يمسح عليه ركب أم لا، ومَن زمنُ ركوبه نادر يمسح عليه إن ركب لا إن لم يركب قاله الشيخ عبد الباقي. وفي نوازل سحنون: وسئل عن الركوب بالمهاميز فقال: لا بأس بذلك، وأراه خفيفا. ابن رشد: وهذا كما قال لأن الدواب لا تملك ولا يتأتى فيها ما أذن الله فيه من ركوبها إلا به في أغلب الأحوال. وقال في التوضيح: ونقله الباجي وغيره عن مالك أنه قال: لا بأس بسرعة السير في
стр. 564
الحج على الدواب وأكره المهاميز، ولا يصلح الفساد، وإذا كثر ذلك خرقها. وقد قال: لا بأس أن ينخسها حتى يدميها. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: واغتفر مهماز صغر كسلك أو كبر، وهو مباح احتاج له مسافر. انتهى. والمهماز كمفتاح: آلة همز الدابة، قاله الأمير.
ولا حد يعني أنه لا حد لمقدار زمن المسح؛ أي لا حد واجب، وأما الحد المندوب فسيقول المصنف: وندب نزعه كل جمعة. وشروط المسح عشرة، خمسة منها في الممسوح أشار إليها بقوله: بشرط جلد الباء بمعنى مع متعلقة برخص، يعني أن المسح إنما يكون على الجلد لا على ما كان على شكل الخف من قطن أو كتان ونحوهما، ولا مالف على الرجل من الخرق. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وشرط هنا بمعنى اشتراط فهو من إضافة المصدر لمفعوله؛ أي اشترط الشارع أن يكون المسح على جلد طاهر يعني أنه كما يشترط في المسح أن يكون على جلد، يشترط فيه أيضا أن يكون الخف أو الجورب المجلد ظاهره وباطنه طاهرا، أو معفوا عنه كما تقدم في قوله: وخف ونعل من روث دواب أو بولها، وهذان شرطان كون الممسوح عليه جلدا، وكون الجلد طاهرا. وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: خرز يعني أن يشترط في المسح مع الشرطين المذكورين أن يكون الجلد الممسوح عليه مخروزا، فاحترز بالطاهر من النجس كجلد الميتة فلا يمسح عليه، وكذا المتنجس، وشمل كلامه الكيمخت؛ لأنه طاهر على أحد الأقوال: وهو جلد الحمار، ونحوه المدبوغ. وعليه فيمسح على الخف المعمول منه، واحترز بقوله: "خرز" مما لصق أو سلخ على هيئة الخف. قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذان الشرطان؛ يعنى قوله جلد طاهر غير محتاج إليهما، أما الأول فلأن الخف لا يكون إلا من جلد، والجورب قد تقدم اشتراطه فيه، وقد يجاب بأن لفظ جلد هنا إنما ذكر توطئة لما بعده. وأما الثاني فاعترضه الرماصي بأنه يؤخذ من فصل زوال النجاسة، ولا يذكر هنا إلا ما هو خاص بالباب، وبأن ذكره هنا يوهم بطلان المسح عند فقده عمدا أو سهوا أو عجزا، كما أن الشروط المذكورات كذلك، وليس كذلك في شرط الطهارة؛ لأن له حكم إزالة النجاسة من التفريق بين العمد والسهو والعجز كما تقدم، والخلاف بين الوجوب والسنية. انتهى. باختصار انتهى. وفي الحطاب ما نصه: فلا
стр. 565
يمسح على خف من جلد ميتة ولو دبغ على المشهور. قاله في الشامل. انتهى. وقوله: "خرز" إنما اشترط الخرز قصرا على الوارد كما للشيخ الأمير.
وستر محل الفرض هذا هو الشرط الرابع؛ يعني أنه يشترط في المسح على الخف أن يكون الخف ساترا لمحل الفرض لا ما نقص عنه إعطاء للبدل حكم المبدل منه، وإن جمع مع المسح الغسل لم يجز، فلذا لابد من ستره لمحل القرض. ومحل الفرض قد قدم المص تبيينه بقوله: وغسل رجليه بكعبيه الناتئين بمفصلي الساقين. قال الشيخ عبد الباقي: عقب قوله، وستر محل الفرض بذاته دائما لا ما نقص عن محل الفرض، وخيط في سروال لعدم ستره بذاته، ولأنه لم يجلد ظاهره وباطنه لمنتهي الفرض، وأما ما ستر في حالة دون أخرى فيمسحه في حالة ستره لا في حالة عدمه كالنعل المسمى بالزربون الجمالي، فإنه إذا زرر مسح عليه، وإلا لم يمسح. ولا يقال أزراره كالربط فلا يمسح عليه مطلقا لأنا نقول لما كانت منه لم تعد ربطا. ودخل في قولنا بذاته ما ينزل عن محل الفرض لثقل خياطته بسروال، ويمكن تتابع المشي به مع ستره أصالة لمحله فيرفعه حال المسح عليه، ويصح المسح عليه كما أفتى به الأجهوري فليس كما نقص بذاته عن محل الفرض، وخيط بسروال. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن في قوله فيمسحه في حالة ستره الخ: هذا مثل ما نقله الحطاب عن الطراز في الخف يقطع فوق الكعبين، ونصه وإن كان فيه شرج (١) يفتح ويغلق، فإذا أغلقه جاز المسح، وإن فتح غلقه بطل المسح وإن كان لا يبين منه شيء؛ لأنه إذا مشي بان منه. وقوله: في قولنا بذاته ما ينزل عن محل الفرض الخ فيه نظر؛ لأن نزوله عن محل الفرض يصيره غير ساتر لمحل الفرض، فلا يصح المسح عليه. انتهى. والمسح في مسألة الشرح المتقدمة متفق عليه بين المذاهب حتى قال الشافعي: وإن كان فيها شرح يفتح ويغلق، فإذا غلق جاز المسح، وإن فتح غلقه بطل المسح، وإن كان لا يبين منه شيء؛ لأنه إذا مشى بان منه. انتهى. قاله الحطاب.
стр. 566
وأمكن تتابع المشي به هذا هو الشرط الخامس، وبه تم الكلام على شروط الممسوح الخمسة؛ يعني أنه يشترط في المسح على الخف أن يكون الخف بحيث يمكن تتابع المشي به عادة لذوي المروءات، وسيأتي محترزه إن شاء الله . وتعبير المص بصيغة الاسم في بعض الشروط، وفي بعضها بصيغة الفعل حسن؛ لأن كونه جلدا طاهرا ثابت، وكونه مخروزا ساترا لمحل الفرض يمكن تتابع المشي به متجدد، فعبر في الأولين بالاسم، وفيما بعد ذلك بالفعل. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وأمكن تتابع المشي به" احترز به عن الواسع، وسيذكره وأما الضيق فإن أمكن لبسه مسح عليه، وإلا فلا. قاله الشبراخيتي. والشروط الخمسة الباقية في الماسح، وإليها أشار بقوله: بطهارة ماء يعني أنه يشترط في المسح على الخف أن يكون الشخص قد لبس الخفين على طهارة مائية وضوءا أو غسلا كما في الطراز قائلا: وزعم بعض المتأخرين أنه لا يمسح عليهما في طهارة الغسل، وهذه غفلة. انتهى. انظر حاشية الشيخ بناني. واحترز المص بالشرطين المشتمل عليهما قوله: "بطهارة ماء"؛ وهما أن يلبس الخفين على طهارة، وأن تكون الطهارة مائية عما إذا لبس الخفين على غير طهارة أو على طهارة ترابية فلا يصح المسح عليهما حينئذ، وأشار إلى الشرط الثالث بقوله: كملت يعني أنه يشترط في المسح على الخفين أيضا أن يكون الشخص قد لبسهما بعد كمال الطهارة المائية حسا، بخلاف ما إذا لبسهما بعد كمالها في زعمه، ثم تذكر لمعة. وسيذكر المص محترز هذا، ومعني بأن كانت تستباح بها الصلاة، وإن لم يلبسه عقبها، بخلاف ما لو تطهر لنوم، أو زيارة ولي، أو دخول على سلطان، أو دخول سوق. ودخل في كلام المص ما لو لبس خفيه بعد كمال الطهارة، ثم أحدث ومسح عليهما، ثم لبس خفين آخرين، فيجوز له حينئذ أن يمسح على الأعليين كما تقدم، وشمل المص أيضا طهارة الماء في الماسح على الجبيرة كما في الخرشي، وأشار إلى الشرط الرابع بقوله: بلا ترفه يعني أنه يشترط في المسح أيضا أن يكون الماسح لم يلبس الخفين ترفها؛ أي تنعما أي طلبا للراحة، وسيأتي محترزه إن شاء الله تعالي، وهو قوله: ولا لابس لمجرد المسح أو لينام، ولا يمسح على الخف إن لبسه لحناء. فإن لبسه لكونه ﷺ لبسه، أو لكونه عادته لبس الخف أو لضرورة حر أو برد فإنه يمسح عليه. كما في الشبراخيتي. وقال غير واحد إنه يمسح عليه إن لبسه لخوف عقارب. قال
стр. 567
الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر لنقل ابن فرحون عن ابن راشد أنه لا يمسح لابسهما لخوف عقارب، وأقره وجزم به الشيخ سالم. وعصيان بلبسه يعني أنه يشترط في المسح أيضا أن لا يكون الماسح عاصيا بلبسه، وسيأتي محترزه إن شاء الله تعالى.
أو سفره يعني أنه يشترط في المسح أيضا أن لا يكون الماسح عاصيا بسفره. وقوله: وعصيان بلبسه أو سفره هو الشرط الخامس، وبه تم الكلام على شروط المسح على الخف، وصحح سند القول بأن العاصي بسفره يمسح على الخف، فإنه قال في الطراز: إن قلنا يمسح على الخفين في الحضر، فهل يمسح عليهما من سافر في معصية؟ اختلف أصحابنا وأصحاب الشافعي في ذلك فقيل لا يمسح ولا يترخص برخصة حتى يتوب. وقيل يمسح وهو الصحيح. قاله الإمام الحطاب. انتهى. وذكر ابن مرزوق ضابطا: وهو كل رخصة لا تختص بسفر كمسح خف وتيمم وأكل ميتة فتفعل وإن من عاص بسفره، وكل رخصة تختص بسفر كقصر صلاة وفطر برمضان، فيشترط أن لا يكون عاصيا بسفره. وقال الشيخ الأمير: إن قول المص أو سفره ضعيف، وفي الخرشي أن الصحيح أن العاصي بسفره يمسح على خفه. انتهى. وقوله: "بطهارة" متعلق برخص كقوله: بشرط جلد طاهر، أو بقوله: مسح، وتكون إحدى الباءين بمعني مع، والأخرى للسببية لا مع اتحاد معنى الباء فيهما؛ لأنه لا يصح تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد. قاله غير واحد واحترز المص بالعاصي بالسفر من العاصي فيه لا به، فإنه يمسح عليه، ومن السفر المكروه لكن يكره له المسح فيه. قاله الخرشي. ولما أكمل الشروط العشرة ترك مفهوم الواضح منها، وذكر مفهوم بعضها غير مرتب على ترتيبها السابق اتكالا على ذهن اللبيب. فقال: فلا يمسح واسع هذا محترز قوله: "وأمكن تتابع المشي به"؛ يعني أن الخف إذا كان واسعا بحيث لا يستقر جميع القدم أو جلها فيه، فإنه لا يمسح عليه، وأما الضيق فقال الشبراخيتي: إن أمكنه لبسه مسح عليه، وإلا فلا. انتهى. وقال الشيخ الأمير: قال في الأصل فلا يمسح واسع وسكت عن الضيق. ففي الحش عن الصغير: متى ما أمكن لبسه مسح لكنه خالفه في قراءة عبد الباقي وهو الظاهر. انتهى. ومخرق يعني أن الخف إذا كان مخرقا كثيرا فإنه لا يمسح عليه. والمخرق هو المقطع، وبين التقطع الكثير بقوله: قدر ثلث القدم يعني أن الخف إذا خرق منه قدر ثلث
стр. 568
القدم؛ أي محل المسح، فإنه لا يمسح عليه سواء ظهر منه القدم أم لا، كان من أعلى الخف أو أسفله. وأما التخريق فوق الكعبين فلا عبرة به؛ لأنه ليس في محل المسح فلا يمنع المسح ولو كثيرا، فإن مسح مخرقا قدر ثلث القدم لم يجزه، ولا يجري على قوله: وبطلت إن ترك أعلاه لا أسفله ففي الوقت؛ لأن خرقه يقتضي غسل ما ظهر وهو قد مسح أعلاه. والرخصة عوض لا تجتمع مع المعوض عنه، وما ذكره المصنف من قوله: "قدر ثلث القدم" نحوه لابن بشير، وهو مخالف لما في المدونة، وابن الحاجب، وابن عسكر وغيرهم من أن الكثير هو ما يظهر منه جل القدم. وعبر عنه ابن الحاجب بالمنصوص، ومذهب العراقيين أن الكثير هو ما يتعذر معه مداومة المشي لذوي المروءات، وعول ابن عسكر في عمدته عليه. قاله الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ الأمير: والظاهر تلفيقه من متعدد. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: وربما يفهم من قوله: "قدر ثلث القدم" أن المعتبر كل رجل بانفرادها لا مع الأخرى. وعلم مما مر أن المراد بالقدم من العقب إلى آخر الرجل مع الكعبين كما في الخرشي. قال: ولو تعدد الخرق في الخف لفق، وإذا خرج ثلث القدم قلعه وغسله مكانه، فإن أخر ذلك جرى على حكم الموالاة من البناء مطلقا مع النسيان، ومع عدم الطول مع العجز، وإن اطلع على ذلك في صلاة قطع. انتهى.
وإن بشك يعني أن الخرق إذا كان قدر ثلث القدم فإنه يمنع المسح، ولا فرق في ذلك بين أن يتحقق أن الخرق بلغ الثلث، وبين أن يشك في ذلك. فإذا شك هل بلغ التخريق الثلث أو لم يبلغة فإنه لا يمسح عليه؛ لأن الغسل أصل، والشك في الرخصة يبطلها. والظاهر أن المراد بالشك هنا التردد على حد سواء، فيلغى الوهم. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "ومخرق قدر" الخ مفهوم قوله: "وستر محل الفرض" لا أقل يعني أن التخريق إذا كان أقل من الثلث فإنه لا يمنع المسح، وفي بعض النسخ لا دونه، ومعناهما واحد؛ أي أن التخريق إذا كان دون ثلث القدم لا يمنع المسح. وفي الحطاب ناقلا عن ابن رشد بعد أن ذكر الروايات: فاستقرأنا من مجموع هذه الروايات أنه يمسح على الخرق اليسير، ولا يمسح على الخرق الكثير. وإذا كان كذلك بإجماع وقامت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير، وجب أن يمسح على ما كان الخرق فيه دون الثلث، ولا يمسح على ما كان الثلث فأكثر. انتهى. إن التصق يعني أنه
стр. 569
إنما يمسح على الخرق الذي يكون أقل من الثلث بشرط أن يكون الخف المخرق قد التصق بعضه ببعض في حالة المشي به وحالة عدمه، فلو علم أنه لا ينفتح واتفق انفتاحه بعد ما مسح عليه ثم التصق فكالجبيرة إذا دارت لا يبطل مسحه. قاله الشيخ عبد الباقي. ونحوه للشيخ إبراهيم، وقال عبد الباقي عند قول المص: وبخرقه كثيرا، فإن خيط ورد الرجل مكانها أعاد المسح، ويدل له ما يأتي في الجبيرة من قوله: وإن نزعها لدواء لخ. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري بناء على زعمه أن الخرق الكثير إنما يبطل المسح لا الطهارة. قال: وكذا نزع أكثر الرجل فإنه يردها ويمسح بالفور. قال الرماصي: وهو غير ظاهر وكأنه خرج بذلك عن أقوال المالكية؛ إذ بظهور الخرق الكثير ونزع أكثر الرجل تحتم غسلها، وبطل المسح. وكلام المدونة ظاهر في مخالفته. وقال ابن عرفة: وخروج قدمه لساقيه نزع. انتهى. انتهى. كلام الشيخ محمد بن الحسن.
كمنفتح صغر تشبيه بالجواز؛ يعني أنه كما يجوز المسح على الملتصق الذي لم يبلغ خرقه الثلث، يجوز المسح على المنفتح الذي لم يلتصق ولم يبلغ انفتاحه الثلث أيضا، لكن بشرط أن يكون في حكم الملتصق بأن يكون انفتاحه صغيرا بحيث لا يصل بلل اليد إليه، وأما إن لم يكن انفتاحه صغيرا بأن كان يصل إليه بلل اليد فلا يمسح؛ لأنه إذا ظهر من ذلك ما يمكنه الغسل لم يصح المسح؛ لأنه لا يجتمع مسح وغسل، وقد تقدم أنه إذا تمزق الخف من أسفله يمتنع المسح وإن كان أعلاه صحيحا، وتقدم أيضا أن الخرق المتفاحش من فوق الكعبين لا يضر كما لو قطعا من ثم جميعا كما يدل له قوله: "وستر محل الفرض". أو غسل رجليه يعني أن من نكس وضوءه بأن غسل رجليه أولا فلما غسلهما لبسهما أي الخفين ثم بعد أن لبس الخفين كمل طهارته، فإنه لا يصح له المسح؛ لأنه لبس الخفين قبل كمال الطهارة، وهذا مثال لمفهوم قوله: "كملت"، ومثل له بمثال آخر أشار إليه بقوله: أو رجلا فأدخلها يعني أن من تطهر فلما بقي من طهارته غسل رجل واحدة يمنى أو يسرى، أدخل رجله التي غسلها في خف قبل أن يغسل الأخرى، ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف الآخر. فإنه لا يمسح على الخف التي لبسها قبل كمال طهارته. وكذا لو اعتقد كمال طهارته فلبس الخفين، ثم تذكر لمعة أو عضوا فأكثر، فليس له المسح عليهما لكونه
стр. 570
لبسهما قبل تمام الطهارة. وقوله: حتى يخلع الملبوس قبل الكمال يعني به أنه إذا لبس الخف واحدا أو أكثر قبل تمام الطهارة فإنه لا يصح له المسح لكونه لبس الخف قبل كمال الطهارة، وإنما ذلك حيث لم يخلع ما لبسه قبل الكمال، ويلبسه بعد كمال الطهارة وهو باق على طهارته. وأما لو خلع ما لبسه قبل الكمال فلبسه بعد أن تمت طهارته وقبل انقضائها، فإنه يمسح عليه إذا أحدث بعد ذلك، ولا يحتاج إلى نزع الرجل التي أدخلت في الخف بعد كمال الطهارة، وإنما ينزع الأولى ثم يلبسها بعد غسل الرجل الأخرى في مسألة ما إذا غسل رجلا فأدخلها. وقوله: "حتى يخلع الملبوس قبل الكمال"؛ وهو الخفان في الأولى، والخف الواحد في الثانية. وقوله: "قبل الكمال": الظرف يتعلق بالملبوس. ولبس كفرح للكسوة، ولبس كضرب أي خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، وقوله: "أو رجلا فأدخلها حتى يخلع" الخ، وقيل: لا يحتاج إلى خلع، وبنوا الخلاف في ذلك على الخلاف المشهور؛ وهوأنه هل يطهر كل عضو بانفراده أو لا يطهر؟ وقوله: "أو غسل" صفة المحذوف فاعل فعل محذوف، وهذه الجملة معطوفة على جملة فلا يمسح واسع؛ أي ولا يمسح شخص غسل رجليه الخ. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وذكر مفهوم قوله: "وعصيان بلبسه" بقوله: ولا محرم لم يضطر يعني أن المحرم بحج أو عمرة إذا لبس خفا فإنه لا يمسح عليه لكونه عاصيا بلبسه، وهذا إذا لم يضطر للبسه، وأما إن اضطر للبسه فله أن يمسح عليه إن ستر محل الفرض، وأما المرأة فتمسح مطلقا اضطرت أم لا. ومعنى قوله: "لم يضطر" لم تلجئه الضرورة إلى لبس الخف وفي خف غصب تردد يعني أنه وقع التردد من المتأخرين لعدم نص المتقدمين في جواز المسح على الخفي المغصوب ومنعه، فالجواز للقرافي، والمنع لابن عطاء الله. وعلى ما لابن عطاء الله من المنع لو صلى بعد ما مسح عليه كانت صلاته صحيحة كما قاله غير واحد، ومحل التردد إذا وقع المسح على الخف المغصوب، وأما إن وقع على خف فوقه مملوك للماسح فإنه يجوز من غير تردد؛ أي يجوز قولا واحدا. وقال الشيخ الأمير: والأظهر من التردد إجزاء مسح المغصوب، وإن حرم. انتهى. وصحت صلاة الماسح على خف مغصوب كمن توضأ بماء مغصوب، والذابح بسكين مغصوبة، وكلب صيد مغصوب، وصلاة بدار مغصوبة، وثوب مغصوب، وحج بمال مغصوب، فإنهم يأثمون، وتصح أفعالهم.
стр. 571
وتحصل من كلامهم أنهم متفقون على حرمة لبس الخف المغصوب، ومختلفون في حكم المسح عليه. ورد ابن عرفة ما للقرافي بأن المسح رخصة ضعيفة لا تبقى مع المعصية، وتلك المسائل عزائم تجامع المعصية. ووجه ما لابن عطاء الله القياس على المحرم، ورده ابن عرفة أيضا بأن حق الله آكد. الخرشي: وفيه نظر؛ لأن الغصب فيه حق الله وحق الآدمي، فهو أولى بعدم المسح، فالقياس صحيح. انتهى. وأشار إلى مفهوم قوله: "بلا ترفه" فقال: ولا لابس لمجرد المسح يعني أن من لبس الخف لمجرد المسح كراهة مشقة غسل الرجلين فإنه لا يمسح عليه على المشهور، وكذا من لبسه لحناء أو خوف براغيث أو عقارب فلا يمسح عليه، فإن مسح على الخف فيما ذكر أعاد أبدا كما في الخرشي.
أو لينام يعني أنه لا يمسح على الخف إن لبسه لينام فيه. وفيما يكره يعني أن في المدونة؛ أي في اختصارها لابن أبي زيد والبرادعي، وأقره أبو الحسن أنه يكره المسح لمن لبس الخفين لمجرد المسح أو لينام، وتعقب ابن عرفة التهذيب بأن لفظ الإمام لا يعجبني. وقال الباجي: المشهور منع مسح من لبسهما له، وفهم من المص أن من لبس الخف لمجرد المسح، أو لينام لا يجوز له المسح وإن مسح لم يجزه وهو المشهور، وذكره عن ابن راشد وابن هارون. وفي البيان: واختلف في المرأة تلبس الخفين لتمسح على الخضاب، فروى مطرف عن مالك أنها لا يجوز لها أن تمسح عليهما، وقد قيل يجوز لها المسح، وإليه ذهب أبو إسحاق، ومقتضى كلامه أن المشهور الكراهة؛ وهو خلاف ما شهره ابن راشد وغيره. قال الإمام الحطاب: وفي كلام المصنف ترجيح القول الأول. والله أعلم. وفهم من قوله: "لمجرد المسح" أنه لو لبسه لدفع ضرورة حر أو برد، وقارنه قصد المسح أو غيره، فإن ذلك لا يضر كما في الخرشي. وقوله: "لمجرد المسح" من إضافة الصفة للموصوف، ويمسح على الخف من لبسه لكونه من قوم اعتادوه، أو لبسه اقتداء به صلى الله تعالى عليه وسلم كما مر. ومعنى قوله: "لينام" أنه لبسه لأجل أن ينام؛ لأنه يخشى من عدم لبسه أن لا ينام لأكل البراغيث له.
وكره غسله يعني أنه يكره غسل الخف ليلا يفسده الغسل، وهذا إذا نوى بغسله أو مسحه الوضوء، أو رفع الحدث، وسواء انضم إلى ذلك نية إزالة الطين والنجاسة أم لا، فيجزئ مع
стр. 572
الكراهة. أشار له الشيخ إبراهيم. وقال الشيخ عبد الباقي: وكره غسله بنية المسح ولو مخرقا؛ يعني بحيث يجوز المسح، وإلا وجب نزعه مجردا، أو مع نية إزالة طين أو نجاسة، ولو معفوا عنها. فإن غسله بنية إزالة طين فقط أو نجاسة معفو عنها فقط لم يجزه، وكذا إن لم ينو شيئا ومسحه وعليه طين أو نجس معفو عنه، كغسله في التفصيل المذكور. قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم: وإن مسحه بنية إزالة الطين فقط أو النجاسة التي يعفى عنها إذا دلكت لم يجزه، وأما إذا مسحه بلا نية أصلا فظاهر كلامهم أنه يجزئه؛ لأن المسح هو الأصل. انتهى. وإذا قلنا إن غسله يجزئ مع الكراهة، فإنه يستحب له المسح لما يستقبل ليأتي بالأصل مقصودا لا تبعا. قاله الإمام الحطاب.
وتكراره يعني أنه يكره تكرار مسح الخف بماء جديد لمخالفة السنة، ولو جفت يد الماسح أثناء المسح لم يجدد، وكمل العضو الذي حصل فيه الجفاف من غير بلل سواء كان هو الأول أو الثاني، ثم إن كان الثاني فظاهر، وإن كان الأول بلها للثاني، والفرق بين التجديد في مسح الرأس الفرض إذا جفت فيه يده، وبين عدم التجديد هنا للخف الواحدة من ثلاثة أوجه: أحدها أن المطهر الرجل، والخف ليس هو المطهر أصالة بخلاف الرأس، ثانيها أن مسح الرأس له تأكيد الأصلية ومسح الخف له تخفيف البدلية، ثالثها أن الماء يفسد الخف بخلاف الرأس. أشار له في الطراز، والظاهر قرب الثاني للأول أو مساواته له معنى، ولا يشترط نقل الماء إليه بل له مسحه ببلل لحيته، أو غيره كرأسه، كما يفيده الباجي. قاله الشيخ عبد الباقي.
وتتبع غضونه يعني أنه يكره للماسح أن يتتبع غضون الخف بالمسح؛ أي تجعيداته وتكامشه لمنافاته للتخفيف، ولما أنهى الكلام على شروط المسح ومكروهاته، أتبعه بالكلام على مبطلاته، فقال: وبطل بغسل وجب يعني أن المسح يبطل؛ أي ينتهي حكمه بموجب غسل من الموجبات الأربع المتقدمة، فالبطلان يحصل بالموجب وإن لم يغتسل، والباء في قوله: "بغسل" للسببية، ويفيد المص ما قررته به بتقدير مضاف بعد الباء؛ أي بترتب غسل وجب. وثمرة ذلك أن من أجنب ولم يغتسل، وأراد الوضوء للنوم، لم يمسح عليه في وضوئه ذلك، ولو قلنا إنه لا يبطل إلا بالغسل مسح عليه، وهو ظاهر المص. والله سبحانه أعلم.
стр. 573
وبخرقه كثيرا يعني أن من لبس الخف صحيحا ومسح عليه، ثم خرق كثيرا، فإنه يجب عليه نزعه وغسل رجليه لبطلان حكم المسح، وإن حصل له ذلك وهو بصلاة بطلت. فعلم من هذا أن من تمزق خفه أثناء صلاته بطلت، والكثير الثلث، وما في حكمه من المنفتح الذي هو أقل من الثلث ويصل منه بلل اليد للرجل.
وعلم مما قررت أن هذا ليس مكررا مع ما تقدم؛ إذ هذا في خرق طرأ على الخف بعد لبسه صحيحا فربما يتوهم اغتفاره، وذلك في حكم المخرق ابتداء أشار له البساطي. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال: فإن خيط المخرق ورد الرجل مكانها أعاد المسح، ويدل له ما يأتي في الجبيرة من قوله: وإن نزعها لدواء الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: تبع في هذا الأجهوري بناء على زعمه أن الخرق الكثير إنما يبطل المسح لا الطهارة. قال: وكذا نزع أكثر الرجل فإنه يردها ويمسح بالفور. قال الرماصي: وهو غير ظاهر، وكأنه خرج بذلك عن أقوال المالكية؛ إذ بظهور الخرق الكثير، ونزع أكثر الرجل تحتم غسلها، وبطل المسح، وكلام المدونة ظاهر في مخالفته. انتهى. وقد تقدم هذا.
وبنزع أكثر رجل لساق خفه يعني أن المسح يبطل أي ينتهي حكمه؛ أي لا يجزئ إن فعل بسبب نزع أكثر قدم الرجل لساق الخف؛ بأن صار أكثر القدم في ساق الخف وأحرى كلها كما في المدونة. وساق الخف هو ما ستر ساق الرجل معا فوق الكعبين، وإنما بطل المسح في هذه لأن شرط المسح كون الرجل في الخف، وإذا بطل المسح فلا بد من غسل الرجلين، ولأجل أن المسح يشترط فيه كون الرجل في الخف إذا توضأ ووضع رجله في ساق الخف فأحدث لم يجز له المسح. لا العقبة مؤخر القدم؛ وهو بكسر القاف مؤنث معطوف على أكثر؛ يعني أن نزع عقب الشخص لساق خفه مع بقاء أكثر رجله في محلها لا يبطل به المسح؛ لأن الأقل تبع للأكثر سواء نزع العقب بقصد أن ينزع الخف ثم بدا له فرده أو من حركة المشي. أما الأول فعلى المشهور في إلغاء الرفض، وأما الثاني فلا خلاف فيه. قاله الإمام الحطاب. ونزع النصف كنزع العقب، فالعبرة بمفهوم قوله: "وبنزع أكثر رجل"، لا بمفهوم العقب، ولهذا قال الشيخ إبراهيم: لو حذف المص قوله: "لا العقب" لكان أحسن وأخصر. انتهى. أي لأن النصف كالعقب، وإذا كان الخف لا
стр. 574
ساق له وخرج منه بعض الرجل، فالظاهر أنه يجري على مسألة: "وبخرقه كثيرا". قاله الشيخ عبد الباقي، وقال الشيخ إبراهيم: وقد فهم من كلام المصنف أن الأقل تبع للأكثر في حالة النزع، ومثله في حالة اللبس، فإذا أدخل أكثر رجليه في الخف فأحدث كان كمن أحدث بعد لبسه. وإن أحدث بعد ما أدخل نصف رجليه فأقل كان بمنزلة ما إذا أحدث قبل لبسه واعلم أن مفهوم المدونة أن إخراج أكثر القدم لا يضر، وإنما يضر إخراج جميعه. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال: إن ما مشي عليه المص موافق لما في الجلاب والإرشاد، وشهره في المعتمد، كما ذكره التتائي، ولا يخفى أن ما يفهم من المدونة مقدم على تشهير صاحب المعتمد. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: إن كلام الجلاب تفسير للمدونة.
وإذا نزعهما يعني أن من مسح على خفين منفردين، ثم نزعهما عن الرجلين وهو باق على طهارته، فإنه يبادر للأسفل؛ أي ما تحت الخفين: وهو الرجلان بالغسل. أو أعلييه يعني أن من لبس أربع خفاف لكل رجل خفان، ومسح على الأعليين منها، ثم إنه نزع الأعليين اللذين مسح عليهما وهو باق على طهارته، فإنه يبادر للأسفل؛ وهو الخفان اللذان يليان القدمين بالمسح عليهما. أو أحدهما أي الأعليين؛ يعني أنه إذا مسح على الأعليين ونزع أحدهما فإنه يبادر للأسفل؛ وهو الخف الذي يلي القدم بالمسح، وأما المزدوجان على الرجل الأخرى فلا يجب عليه نزع الأعلى منهما عند ابن القاسم؛ وهو المشهور خلافا لسحنون، ولا يصح عود الضمير على الخفين بدون قيد الأعليين؛ لأن أحد المنفردين إذا نزع لا بد من نزع الآخر وغسل الرجلين جميعا، وهذا هو المشهور. وأما كونه يبادر للرجل المنزوع خفها فخلاف المشهور، وأفاد المص ذلك بقوله: "وبنزع أكثر رجل لساق خفه"، وسيقول المص: "وإن نزع رجلا وعسرت الأخرى" الخ، وقوله: بادر للأسفل راجع للمسائل الثلاث.
وعلم مما قررت أن الأسفل في الأولى الرجلان والمبادرة لهما بالغسل، وأنه في الثانية الخفان والمبادرة لهما بالمسح، وأنه في الثالثة أحد الخفين فيبادر له بالمسح. ولو أعاد الأعلى بعد مسح الأسفل جاز له إذا أحدث أن يمسح عليه. كالموالاة يعني أن مبادرته للأسفل بالغسل أو بالمسح على ما مر في المسائل الثلاث تجري على حكم الموالاة المتقدمة، فيبني في المسائل الثلاث بنية إن
стр. 575
نسي مطلقا، وإن عجز ما لم يطل بجفاف أعضاء؛ أي بتقدير أن لو كان مغسولا لجف. وكذا الحكم في المسألة الرابعة؛ وهي ما إذا نزع أحد المنفردين فيبادر للرجلين بالغسل كالموالاة. والله سبحانه أعلم. فقوله: "كالموالاة"؛ أي يبني على ما سبق في الموالاة من عمد وعجز ونسيان، فأجر ما هنا على ما مر يا فتي. وعلم من هذا أنه لا يشترط في المسح المساواة في العدد، وكذا لا تشترط المساواة في الجنسية، فيمسح على خف وجورب جلد ظاهره وباطنه لرجل واحد منهما، وللأخرى كذلك وفي الحطاب: التحديد بجفاف الأعضاء تقدم أنه إنما هو مع العجز، وأما مع العمد من غير عجز فتقدم عن ابن هارون أنه أقل من ذلك، وأنه هو الظاهر خلافا لما قال ابن عبد السلام وابن فرحون أنه يتحدد أيضا بالجفاف، والحكم هنا كذلك. والله أعلم.
وإن لبس الخفين بالشروط المتقدمة ومسح عليهما، ثم نزع رجلا من خفها، وبقيت لا خف عليها، أو نزع أكثرها لساق الخف كما مر، وجب عليه نزع الرجل الأخرى إن تيسرت؛ أي تيسر نزعها، ويغسل الرجلين؛ لأنه لا يجمع بين الغسل والمسح وإن لم تتيسر، بل عسرت الأخرى عليه؛ أي تعسر عليه نزعها فلم يقدر عليه، فإن اتسع الوقت فلابد من النزع، وإن ضاق الوقت أي الذي هو فيه بحيث لو تشاغل بنزعها لخرج الوقت. ففي تيممه يعني أنه إذا ضاق الوقت فقد اختلف الشيوخ فيما يفعله على ثلاثة أقوال: فمنهم من ذهب إلى أنه يتيمم مطلقا قلت قيمته أو كثرت ولا يمزقه لحفظ المال، أو مسحه عليه يعني أن من العلماء في هذه الحالة من ذهب إلى أنه يغسل الرجل المنزوعة من الخف، ويمسح على الخف الذي عسر نزع الرجل منه قياسا على الجبيرة، أو إن كثرت قيمته يعني أن من الشيوخ من ذهب إلى أن الخف الذي عسر نزع الرجل منه يمسح عليه إن كثرت قيمته كالجبيرة، ويغسل الرجل المنزوعة. وإلا تكثر قيمته مزق أي قطع وغسل رجليه ولو كان لغيره، وغرم قيمته. وينبغي أن تعتبر القلة والكثرة بالنظر لحال الخف لا للابسه. أقوال مبتدأ، وخبره قوله قبل: "ففي تيممه" لخ، والقول الأول؛ أي القول بالتيمم نقله عبد الحق عن البغداديين، والقول الثاني للأبياني، والقول الثالث: وهو القول بالتفصيل لعبد الحق، وصدر ابن الحاجب بالقول الثاني في كلام المص، وعطف عليه القول الأول بقيل. وهذه الأقوال فيمن كان على طهارة وأراد نزعهما ليتوضأ ويغسل رجليه، وإذا قلنا بالقول
стр. 576
الثاني فهل يلبس المنزوعة ويمسح عليها إن احتاج إلى طهارة أخرى، أو ينزع التي عسرت. وظاهر كلام ابن القاسم الأول، وفي عبارة الشيخ عبد الباقي نظر؛ لأنه إن لبسها على غير طهارة لا يمسح عليها، والظاهر فيمن ليس الخف على غير طهارة وضاق الوقت عن نزعه أنه يتيمم فقط، ويكون مثل قوله: وهل إن خاف فواته لخ، وسيأتي أن الراجح فيه التيمم. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ففي تيممه أو مسحه" الخ بقي في المسألة قول رابع لم يذكره المص، وهو أن الخف يمزق مطلقا قلت قيمته أو كثرت.
وعلم مما قررت أن قوله: أو إن كثرت راجع للقول الثاني؛ وهو خلاف قاعدته وقاعدة ابن الحاجب وابن عرفة ومن وافقهم من أن الثالث هو الأول بزيادة قيد، ولو جرى على القاعدة المذكورة لقال: ففي مسحه عليه أو تيممه أو إن كثرت الخ. ودعوى أن القاعدة المذكورة إنما هي في نحو ثالثها ممنوعة. قاله الشيخ عبد الباقي.
وندب نزعه كل جمعة يعني أنه يندب نزع الخف كل يوم جمعة لأجل غسل الجمعة، وصرح باستحباب نزعه كل جمعة صاحب الإرشاد، وصاحب التلقين، وصاحب الكافي. ويطالب بهذا النزع من يطالب بالجمعة ولو ندبا. قاله الشيخ إبراهيم. ولابن فرحون: النساء لا يلزمهن جمعة، مع أنه يندب لهن نزعه كل جمعة، ويستحب نزعه كل أسبوع أيضا مراعاة لأحمد كان يوم جمعة أم لا. وقال الشيخ الأمير: ويطلب نزعه يوم الجمعة وكل أسبوع إذا لم ينزع يوم الجمعة قال ومقتضى هذا سنية النزع فلهذا عدلت عن التصريح بالندب، ثم قال: والأقرب حمل الندب على الطلب. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي بعد كلام: وبهذا علم أن التنظير في ثلاثة أشياء: أحدها هل يقصر الندب على من تلزمه الجمعة؟ الثاني هل يقصر الندب فيمن تلزمه الجمعة على من أراد الغسل بالفعل؛ وهو ظاهر التعليل؟ وهذا التنظير لزروق، الثالث لِمَ لَمْ تعط الوسيلة حكم مقصدها فيسن نزعه كل جمعة؟ انتهى. وقد مر كلام ابن فرحون والشبراخيتي، وظاهر التعليل وأن الأقرب حمل الندب على الطلب فيكون مرادا به السنة. فتلك أجوبة ثلاثة عن التنظيرات الثلاثة. والله سبحانه أعلم.
стр. 577
ووضع يمناه على طرف أصابعه يعني أن من أوعب الخفين بالمسح على أي صفة يجزئه ذلك، ولكن الصفة المندوبة هي أن يضع يده اليمنى بعد إرسال الماء منها على طرف أصابع رجله اليمنى من ظاهرها فوق الخف. ويسراه تحتها أي ويضع مع ذلك يده اليسرى تحت أصابع رجله اليمنى من باطن الخف، وإذا وضع يده على تلك الصفة فإنه يمرهما أي يمشيهما ذاهبا بهما. لكعبيه: يدخلهما في المسح، ويعطف اليد اليسرى على العقب حتي يحاذي الكعب؛ وهو منتهى حد الوضوء. ابن حبيب: هكذا أرانا مطرف وابن الماجشون وقال: إن مالكا أراهما ذلك. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي، وغيره. ويجدد الماء لكل رجل، قال في مختصر الواضحة: ولا تحمل الماء بيديك فتصبه على خفيك، ولكن ترسله وتمسح اليمنى، ثم تأخذ الماء لليسرى فترسله من يديك، ثم تمسح على اليسرى وليس فيهما إلا بلة الماء الذي أرسلت من يديك. وفي سماع موسى إن عم بإصبع واحدة أجزأ كرأسه، وفهم من هذا أنه لابد من استيعاب الخف بالمسح. قال صاحب الطراز وصاحب الذخيرة: وهذا أصل المذهب. وقال الباجي: قال ابن مسلمة وجماعة من أصحابنا: لا يجب الإيعاب. انتهى. وحجة الأول أن الخف بدل من الرجل، والرجل يجب إيعابها.
وهل اليسرى كذلك يعني أن الشيوخ اختلفوا في كيفية مسح الرجل اليسرى، فمنهم من تأول المدونة على أن الرجل اليسرى كالرجل اليمنى في صفة المسح، فتكون اليد اليمنى فوقها من ظاهر الخف، واليد اليسرى تحتها من باطن الخف كما مر في الرجل اليمنى، وهذا التأويل لابن شبلون. أو اليسرى فوقها يعني أن من الشيوخ من عكس في الرجل اليسرى، فتأول المدونة على أن مسح خف الرجل اليسرى صفته أن توضع اليد اليمنى تحت أطراف أصابعها من باطن الخف، وتوضع اليد اليسرى فوق أطراف أصابعها من ظاهر الخف، ثم يمرهما ذاهبا بهما لكعبيه فيدخلهما في المسح، وهذا التأويل لابن أبي زيد، وغيره. واختاره سند، ورجحه بأنه مروي عن مالك، ووهَّم ابنَ شبلون في تأويله. قال العلامة الحطاب: فعلم أن التأويل الثاني أرجح. انتهى وعليه اقتصر الشيخ الأمير، وقال: إنه الأرجح كما في الحطاب وغيره. انتهى. وقوله: تأويلان مبتدأ حذف خبره: أي في ذلك تأويلان.
стр. 578
ومسح أعلاه وأسفله قال الإمام الحطاب: الظاهر أن قوله: "مسح" فعل، ومراده به وجوب مسح الأعلى والأسفل، وهو ظاهر المدونة، قال فيها: ولا يجوز مسح أعلاه دون أسفله، ولا مسح أسفله دون أعلاه، إلا أنه إن مسح أعلاه وصلى فأحب إلي أن يعيد في الوقت؛ لأن عروة كان لا يمسح باطنهما، ففهم منه أن الأعلى والأسفل عنده واجبان، وإنما اقتصر في ترك الأسفل على الوقت مراعاة للخلاف. انتهى. وفي الشبراخيتي أن "مسح" مصدر مضاف لمفعوله، وأن أسفله منصوب على أنه مفعول معه؛ أي وندب مسح أعلاه مع أسفله؛ يعني أن الجمع بينهما مستحب. انتهى. الشبيبي واختلف في الواجب من مسحهما: المشهور وجوب مسح الأعلى واستحباب مسح الأسفل، والثاني وجوبهما لابن نافع، والثالث وجوب أحدهما من غير تعيين. وقال في القوانين: الواجب مسح أعلاه، ويستحب مسح أسفله، وقيل يجب.
وبطلت إن ترك أعلاه يعني أن من ترك مسح الأعلى من الخف واقتصر على مسح الأسفل، وصلى بطلت صلاته سواء ترك مسح الأعلى عمدا أو جهلا أو نسيانا، فإن أتي به أيضا لم تبطل. وبنى بنية إن نسى مطلقا، وإن عجز ما لم يطل، وكذا يقال في قوله: لا أسفله يعني أن من مسح أعلى الخف وترك مسح أسفله لا تبطل صلاته، وإذا لم تبطل فإنه يعيد الصلاة في الوقت إذا لم يأت به، والمراد بالوقتِ الوقتُ المختار، ويعيد الوضوء أبدا وكل ذلك على جهة الندب. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: وأعاد في الوقت مراعاة لقول ابن نافع بوجوب مسح الأسفل، وترك بعض مسح الأعلى كترك كله، وكذا ترك مسح بعض الأسفل. قال سيدنا على ﵁: [لو كان الدين يؤخذ بالقياس لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظاهر خفيه] (١))، وقال أبو حنيفة: الأسفل ليس محلا للمسح. قاله الشيخ إبراهيم. قال الشيخ الخرشي: وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث. فإنه روي أنه ﵊ مسح على الأعلى فقط. فأخذ به الإمام أبو حنيفة، وأخذ الإمام مالك بحديث
стр. 579
الأعلى والأسفل (١) وحمل حديث الاقتصار على الأعلى على تعليم الجواز، وأن الأعلى والأسفل آكد فيعيد في الوقت، فيحصل له الكمال، ويخرج في براءة الذمة من الاختلاف. انتهى. وقد مر أنه إن ترك الأسفل يستحب له أن يعيد الوضوء، ترك مسحه عمدا أو جهلا أو عجزا وطال، فإن لم يطل مسح الأسفل فقط، وكذا إن كان الترك سهوا طال أم لا؛ لأنه يفعل لما يستقبل من الصلوات. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر هل أجناب الرجلين من الأعلى أو من الأسفل، وقال الشيخ الأمير: واستظهر شيخنا في الجوانب أن ما قارب كلا له حكمه، والوسط كالأعلى احتياطا. انتهى.
قال جامعة عفا الله عنه: واستظهاره حسن جار على القواعد، فقد قالوا: إن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وأن المذهب مبني على الاحتياط. ولما ذكر الطهارة المائية بقسميها صغرى، وكبرى، وما ينوب عن بعض الأعضاء في الصغرى. شرع في الكلام على ما ينوب عن غسل جميع الأعضاء في الوضوء والغسل وهو التيمم. فقال:
стр. 580
فصل ذكر فيه التيمم، وما يتعلق به؛ وهو لغة القصد قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ مأخوذ من الأم بفتح الهمزة، وهو القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، وقال الشاعر:
من أمكم لرغبة فيكم ظفرْ … ومن تكونوا ناصريه ينتصرْ
وشرعا: طهارة ترابية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص بنية. ويراد بالتراب جنس الأرض، أشار له الشيخ عبد الباقي، وغيره. والوجه المخصوص هو عدم الماء أو عدم القدرة عليه؛ وهو واجب كتابا وسنة وإجماعا. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ الآية وأما السنة فقوله ﷺ : [جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل] (١))، وما روي عن عمران بن حصين ﵁ قال: [كنا مع رسول الله ﷺ فصلى بالناس فإذا هو برجل منعزل، فقال: ما منعك أن تصلي؟ فقال أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد] (٢))، وغير ما ذكر. وأما الإجماع فقد حكي غيرُ واحد أن الإجماع انعقد على مشروعيته، وعلى أنه من خصائص هذه الأمة لطفا من الله بها وإحسانا، وليجمع الله لها بين التراب الذي منه إيجادها، والماء الذي هو استمرار حياتها إشعارا بأن هذه العبادة سبب الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية. جعلنا الله من أهلها. وقيل: لعلمه تعالى من النفس الكسل عن الطاعة، والميل إلى تركها، شرع لها التيمم عند عدم الماء ليلا تعتاد الترك، فيشق عليها معاودتها عند وجود الماء. وقيل: ليستشعر بعدم الماء موته، وبالتراب إقباره، فيزول كسله، وليست هذه أقوالا متباينة، بل جميعها مراد. قاله الشيخ إبراهيم.
والتيمم من خصائص هذه الأمة كالغرة، والتحجيل في الوضوء، والصلاة على الميت، والغنائم، وثلث الأموال في الوصايا، وسؤال الملكين، وإزالة النجاسة بالغسل، وكالغسل من الجنابة، وقبول التوبة من الذنب على الوجه المبين في موضعه، والحج، والجهاد، -وهذان- والوضوء، والغسل
стр. 581
من الجنابة فرضت على الأنبياء والرسل. واعترض الشيخ محمد بن الحسن الجهاد بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ الآية، وقبول التوبة بما في الصحيح من حديث من قتل مائة وقبل الله توبته بمجرد الندم، والغسل من الجنابة والحج بأن قريشا كانت في الجاهلية تغتسل من الجنابة وتحج. انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: ويجاب من الأول بأنه يمكن أن ذلك إنما كتب عليهم لكونهم مع نبي كما قال تعالى في أول القصة: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وعن الثاني بأن ذلك لا يقتضي أن قبول التوبة بشرطه المقرر عندنا أمر مقرر عند غيرنا من الأمم لكل أحد منهم، وعن الثالث بأن ذلك لا يقتضي أن الغسل من الجنابة والحج شرعا لغيرنا على جهة الوجوب ونحن مخصوصون بهما على جهة الوجوب. والله سبحانه أعلم. وفي الخرشي: قد كانت الغنائم لا يحل لمن قبلنا تناولها ولا الانتفاع بها، بل إن قبلت نزلت نار أحرقتها، وإلا بقيت إلى أن تذهب وتبلى. ومما هو من خصائص هذه الأمة السحور، وتعجيل الفطر، والأكل، والشرب، والوطء ليلا إلى طلوع الفجر، وكان يحرم ذلك على من قبلنا بعد النوم، وكذا في صدر الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، والسواك أيضا لأنه ورد [(هذا سواكي وسواك الأنبياء من قبلي).
وحكمة مشروعيته: إدراك الصلاة في أوقاتها، وفي الموطإ] (١): عن أمنا عائشة ﵂ أنها قالت: [خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتي إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام ﷺ على التماسه، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء قالت عائشة فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول الله ﷺ والناسَ وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في
стр. 582
خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله ﷺ على فخذي فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﵎ آية التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته (١)). انتهى. وتعني بآية التيمم قوله في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية كما في البخاري. والله سبحانه أعلم. والمتيمم إما مريض أو مسافر أو حاضر صحيح، فأشار إلى الأول بقوله: يتيمم ذو مرض يعني أن المريض يتيمم للفرض والنفل إن عدم الماء، أو خاف باستعماله زيادة المرض أو تأخر البرء كما سيذكره، وفي حكم المريض الحاضرُ الصحيح الذي يخاف باستعمال الماء مرضا كما نص عليه الإمام الحطاب والشيخ الخرشي؛ ونص عليه ابن فرحون، والشيخ عبد الباقي، والشيخ الأمير. فقوله: "ذو مرض" واقع أو متوقع كما في الخرشي. وقال ابن وهب في سماع عبد الملك: إذا لم يقدر المبطون والمائد على الوضوء تيمما فحمله ابن رشد على أنهما لا يقدران على مس الماء. وقال سند يريد إذا عظمت بطنه حتى لا يتمكن من تناول الماء ورفعه من الإناء، وكذلك المائد لا يقدر أن يمسك نفسه حتى يرفع الماء فيتيمم ويصلي ولا يعيد، ولا بد من التقييد بأن لا يجدا من يوضئهما، ولا يستطيعان ذلك. والله أعلم. وحمله الطليطلي على من انطلقت بطنه، ونصه: وان كان مبطونا قد غلب عليه بطنه لا يستطيع إمساكه فإنه يتيمم ويصلي. وقد قيل إنه يتوضأ لكل صلاة. انتهى. قال الإمام الحطاب: والقول الثاني في كلامه هو الجاري على المعروف من المذهب في الأحداث المستنكحة؛ والقول الأول قريب من فتوى اللخمي، ولعله اغتر بظاهر لفظ الرواية. وفي الطليطلي: وإن كان لا يدرك بيديه أن يغسل مخرج البول والغائط من علة نزلت به، فإن كانت له زوجة أو جارية غسلت ذلك وتوضأ وصلى، وإن لم تكن له واحدة منهما وقدر على تحصيلها فعليه ذلك. وإن لم يكن له مال ولا زوجة ولا خادم فإنه يتيمم ويصلي. انتهى. وما قاله غير ظاهر، وقد تقدم عن صاحب المدخل في فصل الاستبراء أنه يصلي بالنجاسة ولم يذكر في ذلك خلافا وهو المعروف
стр. 583
من المذهب. والله أعلم انتهى كلام الحطاب. وقال الأمير: يتيمم عاجز عن استعمال الماء وليس منه المبطون؛ أي الذي إذا قام للماء واستعمله انطلق بطنه، أما مبطون يضر به الماء، أوأعجزه الإعياء، أو عظم البطن عن تناول الماء، فيتيمم. انتهى.
وسفر يعني أن السفر كالمرض، فيجوز للمسافر أن يتيمم للفرض والنفل بشرط عدم الماء، أو خوف المرض باستعماله كما يأتي، وهذا إذا كان سفره قد أبيح أي أذن فيه فيشمل الواجب والجائز والمندوب؛ فالواجب كسفر لحجة الفرض والرعى الذي تتوقف حياة الدواب عليه، والمندوب كالسفر لقصد زيارة سيد الوجود ﷺ ، والجائز كسفر تجر لمستغن عن تحصيله والرعي الذي لا تتوقف حياة الدواب عليه. وخرح السفر المحرم؛ وهو سفر العاصي بسفره كالآبق؛ وقاطع الطريق، والعاق لوالديه، والمخالف لشيخه الذي فوض إليه أموره على ما ذكره بعضهم. فهؤلاء لا يجوز لأحد منهم التيمم على الأصح: ويجب عليه الرجوع لا يجب عليه فإذا عزم على التوبة جاز له ذلك. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب عن ابن فرحون. وقال الشيخ عبد الباقي: إن العاصي بسفره يؤمر بالتوبة فإن لم يتب فالظاهر أن يؤخر لبقاء ركعة بسجديتها من الضروري ويقتل حينئذ. وأما السفر المكروه كالصيد للهو فقال الشيخ محمد بن الحسن: الذي للشيخ أحمد بن فجلة: ينبغي أن يكون المراد بالإباحة الجواز؛ أي مقابل الحرمة فيدخل المكروه والمطلوب، وحينئذ يخرج سفر المعصية فقط، فيفيد أن الإقدام على التيمم في السفر المكروه جائز لا مكروه. قال الحطاب: وهو الظاهر لقول ابن الحاجب: ولا يترخص بالعصيان على الأصح، وأكثر نصوصهم التعبير بالعصيان على أن الحق هو ما رجحه سند؛ والقرطبي، وابن عبد السلام؛ وابن مرزوق من الجواز مطلقا، أي سواء كان عاصيا بسفره أم لا. وبكلامهم يسقط اعتراض ابن عرفة على ابن الحاجب في ثبوت مقابل الأصح؛ ومقابل الأصح هو أن العاصي بسفره يتيمم. انتهى. وما مر من قول عبد الباقي: فالظاهر أنه يؤخر لبقاء ركعة بسجدتيها الخ. قال الشيخ محمد بن الحسن: غير ظاهر. قال: وقال بعضهم لعل مراد من أخرج العاصي بسغره أنه عنده في الحكم بمنزلة الحاضر الصحيح، فيتيمم للفرائض فقط غير الجمعة؛ لأنه لا أقل أن ينزل سفره منزلة العدم فيبقى حاضرا صحيحا. وفي كلام سند ما يقتضي أن العاصي بسفره يتيمم اتفاقا؛ وقول
стр. 584
المص: "أبيح"؛ أي السفر كما مر، وأما المرض فلا فرق فيه بين أن يكون نشأ عن غير مباح، وأن لا يكون كذلك. وقوله: "وسفر"، وإن لم تقصر فيه الصلاة على المشهور؛ وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء. وقال قوم: إن ذلك في سفر القصر، وينبني على الشهور، ومقابله تيمم مسافر دون قصر لنافلة، وجنازة غير متعينة، وجمعة، فيتيمم لها على الشهور لا على مقابله. فإن قيل: الحاضر الصحيح إذا عدم الماء، وخاف فوات الوقت، يباح له التيمم ولو كان عاقا لوالديه، فلِمَ لَمْ يبح للمسافر؟ في هذه الحالة فالجواب أن السفر لما كان له دَخَلٌ في عدم الماء أو خوف الفوات وهو عاص به لم يبح له التيمم لذلك. انتهى. وقول ابن الحاجب: ولا يترخص بالعصيان يحتمل أن يريد به نفي التيمم خاصة وهو الأقرب من مراده، ويحتمل أن يريد نفي الترخص عموما كالتيمم والمسح على الخفين وأكل الميتة، وظاهر قوله جل وعز: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أن رخصة الميتة والدم ونحوهما لا تتناول العاصي بسفره. والله سبحانه أعلم. وقال ابن عبد السلام: والحق أنه لا ينتفي من الترخص بسبب العصيان إلا رخصة يظهر أثرها في السفر دون الحضر كالقصر والفطر، وأما رخصة يظهر أثرها في السفر والإقامة كالتيمم والمسح على الخفين فلا يمنع العصيان منها، ومعنى هذا لابن رشد. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وسفر أبيح" يدخل فيه ما إذا كان السفر مباحا وعصى فيه، فإنه يتيمم للفرض والنفل، ويجوز السفر في طريق يتيقن فيه عدم الماء للتجر ورعي المواشي. وقال ابن ناجي في شرح قول الرسالة ويكره النوم قبلها: ويقوم من كلام الشيخ أنه يكره للرجل الخروج قبل دخول الوقت من منزلة إلى مكان يحرث فيه على أميال دون ماء إذا كان يشك فيه هل فيه ماء أم لا؟ وانظر إذا تحقق أنه ليس فيه ماء، هل يجب حمل الماء إليه أو يستحب؟ فقط؛ لأن الطهارة لا تجب إلا بعد دخول الوقت، فكذلك استعداد الماء لها. وشاهدت في حال صغرى فتوى شيخنا الشبيبي بالأمر بذلك، ولا أدري هل ذلك منه على الوجوب أو على الندب؟ ونفسي إلى الوجوب أميل. انتهى. والظاهر عدم الوجوب لقوله في المدونة: ومن خرج من قرية على غير وضوء يريد أخرى، وهو غير مسافر، فغربت الشمس، فإن طمع في إدراك الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه، وإلا تيمم وصلى. ونقله الشيخ أبو محمد بلفظ: من خرج من قرية إلى قرية على الميل أو الميلين. ولم يحمله أحد من
стр. 585
الشروح على ما بعد الوقوع، فتأمله. وهذا حيث تدعوه إلى الخروج ضرورة، فإنه سيأتي أنه لا يجوز استعمال سبب ينقل إلى التيمم إلا عند حاجة. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: ولا يلزمد استصحاب الماء. هذا هو المشهور. ونفي اللزوم لا ينافي الندب لمراعاة الخلاف. انتهى. وفي الإعلام: وليستعد الماء للأماكن التي يعلم أن الصلاة تدركه بها وليس بها ماء: ويتعين عليه. وفيه. وسئل ابن لب هل يجب طلب الماء ونقله قبل الوقت أو لا يجب إلا بعد دخوله عند الأداء؟ فأجاب: يجب إعداد الماء للأماكن التي لا ماء فيها، ويأخذه الوقت فيها. انتهى.
واعلم أن التيمم واجب، والخلاف إنما هو في كونه واجبا وجوب الرخص أو وجوب العزائم؛ والراجح أنه رخصة. لفرض متعلق بقوله: "يتيمم"؛ وقد تقدم في الحل ما يدل على ذلك. وشمل قوله: فرض الجمعة فيتيمم لها المسافر والمريض إذا حضراها.
ونفل يعني أن المسافر والمريض يتيممان لعدم الماء أو لعدم القدرة على استعماله للفرائض والنوافل. وقوله: "لفرض" سواء كان كفائيا أو عينيا. وقوله: "ونفل" المراد به ما قابل الفرض، فيشمل السنة والرغيبة. وحاضر صح قد تقدم حكم المريض والمسافر؛ والكلام الآن في الحاضر الصحيح، يعني أن الحاضر الصحيح ليس كالسافر والمريض؛ فلذا لا يتيمم إلا. لجنازة أي للصلاة عليها إن كانت قد تعينت عليه؛ بأن لم يوجد مصل غيره من مسافر ومريض وحاضر صحيح متوضئ؛ وخشي تغيرها بتأخيرها لوجوده، فإذا وجد مريض أو مسافر أو حاضر صحيح متوضئ؛ لم يصلها الحاضر الصحيح بالتيمم، ويكفي الواحد على المشهور؛ لأن الجماعة فيها شرط كمال، وعلى مقابله لا يكفي الواحد بناء على أن الجماعة فيها شرط صحة. انظر الخرشي. وإذا حضرت للمتعينة جماعة حضريون فلا يخلون من ثلاثة أوجه: الأول أن يتيمموا دفعة فيقدمون إمامهم ويصلون؛ الثاني أن يتيمموا مترتبين لكن لم يحرم الإمام حتى تيمموا فلهم الصلاة؛ الثالث أن يحرم أحدهم قبل تيممهم أو تيمم بعضهم، فليس لمن لم يتيمم قبل الإحرام أن يدخل. هذا هو تحرير المسألة أشار له الشيخ إبراهيم: وغيره. وقيل: إن الحاضر الصحيح إذا كان إذا اشتغل بتحصيل الماء والوضوء فاتته صلاة الجنازة، يتيمم ويصليها؛ وهو مقابل للمشهور، والمشهور أنه لا يتيمم لها. وقال ابن وهب: إن صحبها على طهارة فانتقضت تيمم، وإلا فلا. فتلك أقوال ثلاثة.
стр. 586
وأما تفسير الحطاب التعين، بأن لا يوجد متوضئ يصلي عليها ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء أو يمضوا إليه، فيقتضي أنه إذا وجد حاضر صحيح فاقد للماء ومريض أو مسافر، يتيمم لها الحاضر الصحيح وليس كذلك؛ لأنها لا تتعين عليه حينئذ، كما أفاد ذلك بمفهوم قوله: "إن تعينت" فحيث لم تتعين لا يتيمم لها. أشار له الشيخ إبراهيم، وغيره. ومن أصول الفقه في فرض الكفاية أن اللاحق بالداخلين فيه بعد تلبسهم وسقوط الفرض بهم، يلحق بهم، ويقع فعل الجميع فرضا؛ ولا يعترض بهذا على ما تقدم، من أنه إذا حضرت للمتعينة جماعة حضريون لا يدخل في الصلاة من حصل تيممهم وإحرامهم قبل تيممه؛ لأنه لا يلزم من كون اللاحق بهم يقع فعله فرضا أن تتعين عليه، والشرط هو تعينها لا وقوعها فرضا هكذا أجاب بعض الشيوخ. وهو ظاكمر. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: "إن تعينت" أفاد به أنها كالفرض إن تعينت، وهذا هو الأصح. ومقابله: تدفن بغير صلاة، فإذا وجد الماء صلي على القبر. قاله الحطاب.
وفرض غير جمعة يعني أن الحاضر الصحيح كما يتيمم للجنازة التعينة، يتيمم لفرض غير جععة، أي يتيمم للصلوات الخمس كلها إلا الجمعة فلا يتيمم لها، فإن فعل لم يجزه على المشهور، بناء على أنها بدل عن الظهر. وظاهر المص: ولو خشي فواتها وهو كذلك، ويتيمم ويصلي به الظهر، ولو في أول الوقت. وقيل: يتيمم لها بناء على أنها فرض يومها، وهو القياس. قاله الشيخ عبد الباقي. وقد تقدم أن المسافر والمريض يتيممان لها إذا حضراها. قال الشيخ محمد بن الحسن: والذي يدل عليه النقل أن محل الخلاف إذا خشي باستعمال الماء فوات الجمعة مع وجود الماء، فالمشهور أنه يتركها ليصلي الظهر بوضوء. وقيل: يتيمم ويدركها، وقد بالغ سند في إنكاره. وقال إنه مخالف للإجماع. وأما إن كان شرعه التيمم لفقد الماء، فإنه يتيمم للجمعة ولا يدعها. انتهى. ونقل بعد هذا عن التوضيح ما يوافق كلام المصنف هنا، وقيل: إن الحاضر الصحيح لا يتيمم أصلا، فيطلب الماء، وإن خرج الوقت، وهو ضعيف فلا يعول عليه. وقوله: "وفرض غير جمعة" يشمل المنذور. قاله الشيخ الخرشي. وقوله: "وفرض"، أي غير معاد لفضل الجماعة، فإنه كالنفل على الأظهر كما في الأمير.
стр. 587
ولا يعيد يعني أن الحاضر الصحيح إذا تيمم للفرض وصلاه، ثم وجد الماء فإنه لا يعيد، وهذا هو المشهور كما صرح به الباجي وابن شاس. وقال ابن عبد الحكم: يعيد أبدا، وذكر الشيخ عبد الباقي وغيره حرمة الإعادة. وقال الشيخ الأمير: شيخنا: ليس في النقل تصريح بالحرمة. انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: لا معنى للحرمة هنا، وإنما الذي في المدونة أنه لا إعادة عليه في وقت ولا في غيره. ومقابله لابن عبد الحكم، وابن حبيب يعيد أبدا. انتهى. لا سنة عطف على جنازة من قوله: "وحاضر صح لجنازة": يعني أن الحاضر الصحيح العادم للماء لا يتيمم للسنن عينية كوتر وعيد، أو كفائية كصلاة الجنازة على القول بسنيتها، وأولى الستحب والرغبية. قاله الشيخ إبراهيم وغيره. وفي نوازل ابن هلال أن مصلح الصبيان يلقنهم القرآن ولا يمليه عليهم؛ وهو جنب إذا كان يجد الماء عن قريب إن كان في قرية لا يوجد فيها الماء أياما عديدة، فحيئنذ يتيمم ويعلمهم. انتهى. وأما الحاضر الصحيح يخاف باستعمال الماء ضررا فبمنزلة المريض، فيتيمم لكل ما يتيمم له المريض. قاله غير واحد. وقد مر ذلك، وخالف في ذلك أحمد الزرقاني مع أن ما ذكره عن شيخه يفيد تيممه لذلك، فإنه قال: وقعت مسألة سئل عنها بعض شيوخنا، وهي أن إماما في قرية خاف زمن الشتاء من استعماله الماء في جميع نهاره المرض، هل يحرم عليه التيمم وصلاته بالمأمومية أولا يحرم وتصح الصلاة خلفه؟ فأجاب بصحة الصلاة وعدم الحرمة. انتهى قاله عبد الباقي. قال بناني: فيه نظر، فإن السؤال والجواب واردان على تيممه للفريضة وإمامته، وليس فيها ما يدل على تيممه للنفل، وقد يجاب بأن فيه التيمم لدخول المسجد للجماعة، وهو بمنزلة التيمم للنفل. كما نقله الوانوغي عن العوفي. انتهى. وما ذكره المص هو المشهور وفي المدونة: ولا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين. وقال ابن سحنون: سبيل السنن سبيل الفرائض، كالوتر، والفجر، والعيدين، والاستسقاء، والخسوف. ويتيمم لكل سنة كما يتيمم للفرائض، وذكر ابن عرفة ثالثا بأنه يتيمم للعينية كالوتر والفجر دون السنن على الكفاية كالعيدين. قاله الإمام الحطاب. وفيه معارضة لما مر عن الشيخ إبراهيم. وقال ابن عبد السلام: حكاية ابن الحاجب الخلاف في السنن تقتضي الاتفاق على عدم التيمم للفضائل والنوافل، وفيه نظر. والأظهر في الحاضر الصحيح التيمم للفرائض والنوافل؛ لأن الآية إن تناولته
стр. 588
كان كالمسافر والمريض، وإن لم تتناوله لم يتيمم لهما وينبغي للشخص أن كل فعل تشترط له الطهارة ولا يباح إلا بها، لا يفعله في الحضر بالتيمم إذا خاف فواته، وكل فعل تندب له الطهارة كقراءة القرآن للمحدث أصغر والدعاء والمناجاة والنوم ونحو ذلك، فينبغي له أن يتيمم إذا لم يجد الماء وخاف فوات ذلك الفعل لجواز الإقدام على ذلك بغير طهارة، والتيمم لا يزيده إلا خيرا. والله أعلم. وليس في هذا أو أمثاله إحداث قول، إنما فيه الخروج من الخلاف فيما حصل فيه منع من بعض العلماء، وتقليد بعض العلماء في اكتساب فضيلة لا يمنع منها غيره. والله أعلم. قاله الإمام الحطاب. وفي شوح الشيخ ميارة: وقيل إن الحاضر الصحيح كالمسافر والمريض، فيتيمم للفرائض والنوافل، واستظهره ابن عبد السلام. انتهى. وقوله: "وحاضر صح" قال الإمام الحطاب: هذا ظاهر في الصحيح الحاضر الذي عدم الماء، وأما إذا كان يخاف باستعماله الضرر على نفسه، فالظاهر أنه بمنزلة المريض، يتيمم للسنن. وذكر عن ابن فرحون ما يفيده. قال: ويأتي في كلام العوفي والوانوغي ما يؤيد ذلك. والله أعلم. انتهى. وإذا لم يجد الجنب الماء. إلا في وسط المسجد، فإنه يتيمم لدخوله، وهو قول أبي حنيفة، ووجهه ظاهر. قاله في الطراز. وكل فعل منع منه الجنب حتى يتطهر بالماء، فإنه إن عجز عن الطهارة بالماء له واضطر لذلك الفعل أو تعين عليه استباحه بالتراب، كما أنه إذا التجأ إلى المبيت في المسجد وهو جنب يفعل ذلك. وذكر البرزلي عن مسائل ابن قداح أن من أتى المسجد وهو جنب والدلو فيه، فإن ضاق الوقت تيمم ودخل لأخذه، وإن اتسع الوقت انتظر من يأتي فيناوله إياه. انتهى. قاله الإمام الحطاب، أي لينزع به الماء. وفي الحطاب: فإن احتلم في المسجد سند يخرج ولا يتيمم. وحكى ابن أبي زيد في نوادره عن بعض أصحابنا أنه قال: ينبغي أن يتيمم لخروجه؛ وهذا قول باطل بالخبر والنظر؛ أما الخبر (فإن النبي ﷺ لما أحرم في الصلاة ثم ذكر أنه جنب خرج (١)) ولم يرو أحد أنه تيمم، وأما النظر فلأنه لو اشتغل بالتيمم كان لبثا في المسجد. وكذا لابن قداح أنه لا يتيمم إذا احتلم في المسجد. انتهى. وهذا إذا نام في المسجد، وأما لو نام في بيت
стр. 589
المسجد فلا يختلف أنه يتيمم لخروجه، وهذا ظاهر يفهم مما تقدم من دخول المسجد للماء؛ ولو كان مضطرا للمبيت في المسجد ولا يمكنه الخروج منه، تيمم للمبيت فيه. والله سبحانه أعلم.
إن عدموا الماء كافيا شرط في قوله: "يتيمم". والضمير عائد على المسافر والمريض والحاضر الصحيح كما في الشبراخيتي. ومنهم من جعله عائدا على الأول، والأخير: يعني أن شرط صحة التيمم من هؤلاء الثلاثة، وجوازه أن يعدموا ماء كافيا للطهارة الواجبة عليهم صغرى أو كبرى. ودخل في ذلك ثلاث صور: الأولى عدم الماء بالكلية، الثانية وجود ما لا يكفيه للوضوء في حق المحدث الحدث الأصغر؛ الثالثة وجود ما لا يكفي للغسل في حق المحدث المحدث الأكبر. والحكم في الجميع سواء. فمن اغتسل بما معه من الماء وصلى فبقي عليه قدر الدرهم فلا يجزئه، وليتيمم ويعيد الصلاة. قال ابن راشد: وقد اتفقنا نحن وأبو حنيفة على أن من وجد ما لا يكفيه لطهارته أنه يتركه ويتيمم. وقال الشافعي: يجب استعماله ثم يتيمم. انتهى. وهذا في أحد قوليه، وقوله الآخر يوافقنا؛ وهو قول أكثر العلماء، وإن كان مع الجنب ماء لا يكفيه غسل به ما في جسده من الأذى. وفي الحطاب أن من وجد من الماء ما يزيل به بعض النجاسة، يجب عليه استعماله، ومن وجد ما يستر به بعض عورته، يجب عليه ذلك. وكذلك من وجد من الطعام يسيرا لا يمسك رمقه، فإنه يجب عليه أكله: ثم بعد ذلك ينتقل إلى اليتة. والفرق بين هذه المسائل ومسألة التيمم هذه أن استعمال الماء لا يظهر له أثر فيها بخلاف هذه المسائل، فإن وجد من الماء ما يغسل به وجهه ويديه. وقدر على أن يجمع ما سقط من أعضائه ويكمل وضوءه به؛ فإنه يفعل ذلك ويتطهر به وجوبا عند عدم غيره، ولا يكون هذا مستعملا في حدث إلا على القول بأن كل عضو يطهر بانفراده. وأما على القول بأنه لا يطهر إلا بالجميع، وهو المشهور، فلا يكون مستعملا؛ وإذا وجد ما يغسل به الأعضاء المفروضة وجب عليه الوضوء، ويترك السنن ولا يجزئه التيمم؛ وهو ظاهر فقوله: "كافيا"؛ أي للفرائض فقط. ومِن عدم الماء ما لو وجد ماء مضافا، أو وجد ماء مطلقا مملوكا للغير، أو مسبلا للشرب خاصة، ومثل ذلك ما إذا التبس المسبل للشرب بغيره ولم يعلموا الذي يكون للطهارة منهما. قاله الشيخ إبراهيم.
стр. 590
أو خافوا باستعماله مرضا يعني أن المسافر والحاضر الصحيح إذا خافا باستعمال الماء مرضا؛ أي حدوث مرض كحمى أو نزلة؛ فإنهما يتيممان، فالمسافر يتيمم للفرض والنفل، ومثله المريض، ومن في حكمه كالحاضر الصحيح يخشى باستعمال الماء المرض. وجمع الضمير باعتبار الأفراد. انظر الشبراخيتي. ولا يباح النفل للحاضر الصحيح الذي لا يخشى باستعمال الماء ضررا كما مر، والتيمم لدخول المسجد للجماعة بمنزلة التيمم للنفل. كما نقله الوانوغي عن العوفي. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقد علمت من يباح له التيمم للنفل. ويتيمم مريض يقدرعلى الصلاة قائما والوضوء، فحضرت الصلاة وهو في عرقه، وخاف إن قام جف عرقه ودامت علته، فيتيمم ويصلي للقبلة إيماء، وإن خرج الوقت قبل زوال عرقه لم يعد. أو زيادته يعني أن المريض إذا خاف باستعمال الماء زيادة المرض، فإنه يباح له التيمم.
أو تأخر برء يعني أن المريض إذا خاف باستعمال الماء تأخر برء مرضه، فإنه يباح له التيمم. وأراد بزيادته زيادة شدته، وبتأخر برئه زيادة مرضه في الزمن، والضمير في قوله: "أو خافوا" عائد على الثلاثة لكنه موزع: فخوف المرض للحاضر الصحيح والمسافر، وخوف الزيادة، وتأخر البرء للمريض خاصة. وعلى هذا فضمير الجمع على حقيقته. أشار إليه الشيخ محمد بن الحسن. قال في التلقين: وأما جوازه؛ يعني التيمم لتعذر الاستعمال، فيعتبر فيه أربعة أشياء: خوف تلف: أو زيادة مرض، أو تأخر برء، أو حدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه. انتهى. وكذا إن خاف الصحيح نزلة أو حمى فإن ذلك ضرر ظاهر، فإن كان إنما يتألم في الحال ولا يخاف عاقبته لزمه الوضوء والغسل، ولو تكلف المريض الصوم والصلاة قائما لعذر لكن بمشقة وتعب، فليفطر؛ وليصل جالسا -ودين الله يسر-. وما تقدم من أن الجنب إذا عجز عن الغسل يتيمم، هو المعروف في المذهب. وذكر في الإكمال: عن أحمد بن إبراهيم المصري المعروف بابن الطبري من أصحاب ابن وهب أن من خاف على نفسه المشقة من الغسل أجزأه الوضوء، لحديث عمرو بن العاص (١)). وقد مر قريبا أنه إذا قدر المريض أن يتوضأ ويصلي قائما فحضرت الصلاة وهو في عرقه
стр. 591
وخاف إن فعل ذلك انقطع عنه العرق ودامت علته، فإنه يتيمم ويصلي إيماء إلى القبلة، وإن خرج الوقت قبل زوال عرقه لم يعد. قاله ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ. قاله الحطاب. والمراد بالخوف هنا العلم أو الظن، ولا عبرة بالشك. والظاهر أنه لابد من اعتماده على تجربة في نفسه، أو مقارب له في المزاج، أو إخبار طبيب عارف.
أو عطش محترم معه يعني أن التيمم يباح لمن تقدم مع وجود الماء أيضا إذا خافوا عطش حيوان محترم معهم؛ أي ظنوا فقط. والحال أن المحترم الذي معهم غير متلبس بالعطش، وتضمن ظنهم أن يهلك أو يمرض من معهم، وأما من تلبس بالعطش فالخوف في حقه يشمل الظن والشك والوهم، ومتعلقة المرض أو التلف والخوف على نفسه ومن معه سواء في هذين القسمين؛ وما أوهم خلاف هذا مأول أو مردود. ودخل في المحترم القاتل من غير المستحق، والقاتل غيلة أو حرابة، وليس ثم من له قتله من سلطن أو نائبه فيتيمم كما يتيمم في مرتد وزان أحصن، وليس ثم حاكم، وفي كلب غير مأذون فيه، وخنزير لم يقدر على قتلهما بخلاف ما لو قدر على قتلهما، وبخلاف ما لو وجد حاكم يقتل الخمسة الأول فيتوضأ لوجوب المبادرة بالقتل فينتفي التعذيب بالعطش لخبر: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة (١)). وإذا كثرت الرفقة وكثر معهم الفقراء بحيث يخاف الموت من العطش، فيتيمم من معه فضل ماء، ويسقي الفقراء ما فضل عن شربه، وعن ما يحتاج إليه في طبخ لمصلحة بدنه وأحرى العجين، ولا يراعى ما يفضل عن شرب ما معه من غير عاقل لم يضطر له ويبيع ما استغنى عنه من حيوان محترم أو يذبحه حيث لم يجحف ولم ينقص ثمن لحمه عن قدر ما يشتري به الماء الذي يتوضأ به عادة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وحاشية الشيخ بناني. وذلك ظاهر؛ لأنه إذا لم يبلغ ثمن اللحم ما يشترى به الماء فلا فائدة في ذبحه. وعلم مما مر أنه يجوز قتل الكلب غير المأذون فيه، وقتل الخنزير؛ وهو كذلك على المذهب، وإذا جاز قتلهما وكان الانتقال إلى التيمم مع القدرة على الماء غير جائز تعين قتلهما. وأنه كما يراعى في الماء أن يكون فاضلا عن شربه، فكذلك يراعى أن يفضل عما يحتاج إليه في عجين أو طبخ يطبخه
стр. 592
لمصلحة بدنه. وفي الشبراخيتي: والحاصل أن غير المحترم يقدم عليه استعمال الماء إلا أن يكون في الوضوء تعذيب له بالعطش، فإنه يتيمم آدميا أو غيره حيث تعذر قتله عاجلا لمانع شرعي كالافتيات على الإمام في المرتد والزاني المحصن، أو عادي كعدم القدرة على الكلب أو الخنزير، وإن أمكن جمع الماء في حال الطهارة ويشربه، وجب جمعا بين المصلحتين إلا أن تستقذره النفس وتعافه بحيث يخشى المرض، فلا. وغير الآدمي إن أمكن بيعه أو بيع لحمه برخص ما يشترى به الماء ولا ضرورة به ألغي الخوف عليه. قاله ابن عرفة. ونحوه لابن عبد السلام. انتهى. وما قدمته من اعتبار الشك والوهم في المتلبس بالعطش، هو الذي صوبه أبو على وغير واحد. وقال الشيخ الأمير: ووجب التيمم إن ظن شديد الأذى، وظن يسيره يجوزه، والشك لغو، وأولى الوهم؛ لأن الأحكام الشرعية إنما تناط بالظن. كما في الرماصي. قال على الأجهوري ومن بعده: ما لم يتلبس بالعطش بالفعل. فيعتبر مطلق التردد ولو شكا أو وهما في شديد الأذى، وإن مستحق قتل لم يوجد إمام يقتله أو عجز عنه، ولا يعذب بالعطش، وليس كجهاد الكفار به، وعجل قتل الكلب والخنزير، فإن عجز سقاهما وتيمم. انتهى. وقوله: وإن مستحق قتل. مبالغة في المحترم كما قال الأمير وما ذكره الأمير عن الرماصي نحوه للحطاب. وقال أبو على: إن ما ذكره الأجهوري من التفصيل هو الصواب، وأن كلام الحطاب غير صحيح.
أو بطلبه تلف مال يعني أن القادر على استعمال الماء وطلبه يباح له التيمم إذا خاف بسبب طلبه تلف مال كثير معه من لصوص أو سباع مثلا، فمن خاف أن يسرق متاعه أو يضل ماله مثلا إذا ذهب إلى الماء، فإنه يتيمم، وهذا هو المشهور. وقيل: لا يتيمم لخوف تلف الماء. قال ابن بشير: وهو بعيد وأحسن ما يحمل عليه إذا لم يتيقن الخوف، ولا غلب على ظنه، وأما مع تحقق الخوف فلا وجه لهذا القول. وقد مر حد الماء بالكثير، وهو ما زاد على ما يلزمه بذله في شرائه. فإن كان قليلا بحيث يجب عليه شراء الماء بمثله ولم يحتج إليه، فلا يتيمم، وإلا تيمم. قاله الشيخ ميارة. وقوله: "أو بطلبه تلف مال" محله مع تحقق وجود الماء أو غلبة ظن وجوده، وأما مع الشك في وجوده فيتيمم، ولا يتلف الماء ولو قل. والخوف من اللصوص شامل لمن يخاف طروه، ومن يكون معه ممن هو غير مأمون متى فارقه ذهب بمتاعه، وكما يتيمم لعدم الماء وخوف
стр. 593
المرض وزيادته وتأخر برء، يتيمم للخوف على النفس من اللصوص أو السباع. وسئل ابن عرفة عن الذي يجد الماء إلا أنه يجد عنده ما يتقي المتوضئ كالحنش والوزغة؟ فأجاب بأن ذلك لا يبيح له التيمم، وزاد بعضهم إلا أن يخشى هلاكه منه. انتهى من الإعلام. ومن أسباب التيمم أيضا خوف فوات الرفقة، وعبارة الخرشي: أو يخاف من غير مأمون في رفقته أو فواتهم إن ذهب إليه. انتهى. ومن عرَّسوا دون الماء خوفا على مالهم وتيمموا وصلوا، ففي إعادتهم ثلاثة أقوال: الأول لا إعادة عليهم. وهو الأظهر؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من النزول، ودليله حديث العقد (١)). وما ذكره في المدونة من عدم شراء الماء إذا رفعوا عليه في ثعنه. والله أعلم. وقال أصبغ: يعيدون في الوقت. وقال ابن القاسم: يعيدون أبدا. وقال الشيخ الأمير: أو بطلبه تلف مال وإن قل إلا أن يغلب ظن الماء أو خروج وقت عطف على قوله: "تلف مال"؛ يعني أنه يباح لمن ذكر من المريض: والمسافر، والحاضر الصحيح، التيمم إذا خافوا بسبب طلب الماء خروج الوقت الذي هم فيه اختياريا، أو ضروريا بحيث لا يدر كون فيه ركعة لو طلبوا الماء، ودخل في كلامه من خاف فوات الوقت إن اشتغل برفع الماء من البير، ففي المدونة: ومن خاف في سفر أو حضر إن رفع الماء من البير ذهب الوقت تيمم، وكذا من لا يقدر على استعمال الماء البارد، وخاف بتسخينه خروج الوقت، فإنه يتيمم. وفي الحطاب: المراد بخروج الوقت أن لا يدرك من الصلاة ركعة. قاله اللخمي. وهذا ظاهر إذا خاف خروج الوقت الضروري، فأما إذا خاف خروج الوقت المختار فينبغي أن يزاد في ذلك ما يدرك به الوقت المختار. قيل: يدرك بركعة كالضروري، وقيل: بتكبيرة الإحرام، وقيل: لا يدرك إلا بإدراك جميع الصلاة. انتهى. وقوله: "أو خروج وقت"؛ أي أو خافوا بطلبه خروج وقت كما علمت. قال الشيخ الخرشي: وهذا ليس خاصا بذلك، بل كل من أبيح له التيمم فلا بد أن يخشى فوات الوقت قبل صحته إن كان مريضا، وقبل وجود الماء إن كان صحيحا، ولو تيمم من خاف بتشاغله بالطلب خروج الوقت فخرج عقب تيممه؛ توضأ وصلى؛ لأن التيمم إنما هو لإدراك فضلية الوقت وقد ذهب، ولو كان ممن يعتريه الوسوسة
стр. 594
والتأخير بالوضوء إلى خروج الوقت لم يبح له التيمم، بل يتوضأ ويكون عاصيا بالتأخير للوقت الضروري. انتهى.
كعدم مناول يعني أن القادر على استعمال الماء، ولكنه لا يقدر على تناوله، ولم يجد من يناوله إياه، فإنه يتيمم. وإن لم يخف خروج الوقت بمنزلة عادم الماء فيندب له التيمم أول الوقت المختار مع اليأس، والراجي آخره إلى آخر ما يأتي أوآلة يعني أن القادر على استعمال الماء ولكنه لم يجد آلة يحصله بها كدلو أو حبل يتيمم، وإن لم يخف خروج الوقت بمنزلة عادم الماء فيندب له التيمم أول الوقت المختار مع اليأس، والراجي آخره إلى آخر ما يأتي. ودخل في عدم الآلة آلة يحرم استعمالها كذهب؛ إذ المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. كما في شرح الشيخ عبد الباقي، وغيره. قال الشيخ محمد بن الحسن: وفيه نظر، والظاهر أنه يستعملها ولا يتيمم؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. ألا ترى أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ثوب حرير فإنه يجب عليه سترها به. انتهى. وفي الخرشي ما نصه: والحاصل أن عادم الآلة والمناول كعادم الماء، وهو له أن يتيمم أول الوقت، ويندب له ذلك إن كان آيسا، وإن كان راجيا أو محققا وجوده تيمم آخره على ما يأتي، وأما واجد الآلة الذي يخاف خروج الوقت برفعه فهو بمنزلة من خاف خروجه باستعماله انتهى.
وهل إن خاف فواته باستعماله يعني أن الواجد للماء القادر على استعماله لكنه يخاف خروج الوقت إذا استعمل الماء اختلف الشيوخ فيه هل يتيمم ليدرك الوقت، أو لا يتيمم بل يتوضأ أو يغتسل ولو فاته الوقت؟ والقول بالتيمم إذا خاف خروج الوقت رواه الأبهري عن مالك على ما نقله المازري وغيره؛ وهو مذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما من العراقيين، واختاره التونسي وابن يونس قائلا: وهو الصواب. وقال في التوضيح: هو مقتضى الفقه، وشهره ابن الحاجب. قال في التوضيح: ولا أعلم من شهره. قال الحطاب: يكفيه من القوة اختيار من ذكر، والقول بأنه يتوضأ عزاه ابن يونس لبعض علمائنا، وابن عرفة لبعض القرويين. وفي التوضيح: حكى في النكت عن بعض الشيوخ أنه لا يختلف في استعمال الماء لمن هو بين يديه ولأجل ما ذكر هؤلاء من نفي الخلاف قَوِيَ هذا القول عند المص. والله أعلم. حتى سوى بينه وبين القول
стр. 595
الأول مع قوته فقال: خلاف أي في ذلك خلاف، والراجح التيمم وأقامه اللخمي وعياض من المدونة؛ قاله الإمام الحطاب؛ ورجحه غير الحطاب أيضا. واقتصر عليه الأمير. ثم إن تبين له بقاء الوقت أو خروجه بعد سلامه من الصلاة به أو قبله ولو قبل عقد ركعة، لم يعد، ولم يقطع في تبين بقائه أو خروجه لدخوله فيها بوجه جائز، وأولى إن لم يتبين له شيء، وأما إن تبين له بقاؤه أو خروجه قبل تيممه أو أثناءه أو بعد تمامه وقبل الإحرام، فيستعمل الماء كما قاله الشيخ عبد الباقي. وإذا فرعنا على المشهور من أن من خاف بطلب الماء خروج الوقت يتيمم، فإنه إذا خرج الوقت عقب تيمعه توضأ وصلى. وقوله: "وهل إن خاف فواته" أي الوقت الذي هو فيه كما نص عليه غير واحد وجاز جنازة يعني أن صلاة الجنازة غير المتعينة تجوز بتيمم لصلاة فرض؛ فإذا تيمم للظهر مثلا وصلاه بذلك التيمم، فإنه يصلي به صلاة الجنازة التي لم تتعين، وكذا لو تيمم للنافلة وصلاها، فإنه يجوز له أن يصلي بإثرها صلاة الجنازة التي لم تتعين وسواء تعددت الجنازة أو اتحدت، جمعت في صلاة واحدة أو فرقت. وقال بعض الشافعية: لا يصلى على جنانز بتيمم واحد، وإن اجتمعوا في صلاة واحدة؛ لأن الجنازة إذا تعينت صارت فرضا رهو فاسد؛ لأنها صلاة واحدة. قاله الإمام الحطاب.
سنة يعني أن السنة كالوتر والعيدين؛ وأولى النافلة تجوز بتيمم لفرض أو نفل: فإذا تيمم لفريضة أو نافلة وصلى؛ فإنه يجوز له أن يصلي السنن أو النفل عقب تلك الفريضة، أو النافلة التي صلاها بالتيمم من غير إعادة للسنن والنفل. أي وقوله: "وسنة"؛ أي يجوز ذلك ولو للحاضر الصحيح؛ أي عقب الفريضة، ولا ينافي ما تقدم من أن الحاضر الصحيح لا يتيمم للسنن ولا للنوافل؛ لأن هذا صلاها بالتبع للفريضة.
ومس مصحف يعني أنه يجوز مس المصحف بتيمم لفرض ولو من حاضر صحيح، وكذا يجوز مس المصحف بتيمم لنفل أي من غير حاضر صحيح كما هو ظاهر. وقراءة يعني أنه تجوز القراءة التي تتوقف على الطهارة؛ وهي قراءة الجنب بتيمم فرض ولو من حاضر صحيح أو نفل. أو طواف يعني أنه يجوز فعل الطواف غير الفرض بتيمم فرض أو نفل. وركعتاه يعني أنه تجوز ركعتا الطواف بتيمم فرض أو نفل فقوله: بتيمم فرض أو نقل متعلق بقوله: "وجاز" فهو راجع للأمور
стр. 596
الستة. وقوله: بتيمم فرض أي ولو من حاضر صحيح عادم للماء في جميع الأمور الستة وقوله: "أو نفل"، أي من غير حاضر صحيح.
إن تأخرت هو شرط في قوله: "جاز" بالنسبة لتيمم الفرض؛ يعني أن هذه الأمور المذكورة من قوله: "جنازة" وما بعدها إنما تجوز بتيمم الفرض إن تأخرت هي عن فعل الفرض، وأما لو تقدمت هي على الفرض فإن ذلك لا يجوز، لكنها تصح ويبطل الفرض إن أتى به عقب واحد منها بغير تيمم. فالفرض إنما يصح إذا لم يفصل بينه وبين تيممه له شيء من هذه الأمور، فإن فصل بينهما بشيءٍ منها صح وبطل الفرض، فيعيد التيمم له، فَإذا تيمم لِلصبح وقدم عليه ركعتي الفجر، فإنه يعيده للصبح، وبطلان الفرض بفصله من تيممه، ولو كان الفاصل مس مصحف أو قراءة جنب ولو كآية. ويشترط في صحة النفل اتصاله بالفرض وبعضة ببعض، ويغتفر يسير الفصل، ومنه: آية الكرسي، والمعقبات لا إن فَصلَهُ بطول أو بخروج من مسجد فيعيد التيمم. وفي السمع: أرأيت إن تيمم للنافلة فصلى، ثم لم يزل في المسجد في حديث، ثم أراد أن يقوم يتنفل بذلك التيمم. قال: إن تطاول ذلك فليتيمم يمما آخر، وإن كان شيئا خفيفا فأرجو أن تجزئه. نقله الإمام الحطاب. وقوله: "إن تأخرت"، قال الشيخ الأمير: ينبغي قصر المفهوم على النفل، وهو تعبير كثير، ولو الفجر فيعيده للصبح لا مس مصحيف، وقراءة لا تخل بالموالاة وبما قررت علم أنه لا يجوز الإقدام على فعل شيء من هذه الأشياء قبل الفرض بتيمم الفرض، كما قاله الحطاب. ونصة قول المص: إن تأخرت شرط في جواز إيقاع النفل بالتيمم الذي يريد أن يصلي به الفرض، وهذا مراد المص. اهـ المراد منه. وقد مر أنه يجوز النقل عقب الفرض، بتيممه، ولا يشترط في صحته أي النفل نيته ابتداء؛ أي حين يتيمم للفرض كما للحطاب، خلافا لابن غازي والتوضيح وابن فرحون والش أنه شرط لصحته، وأنه في كلام ابن رشد. قال الإمام الحطاب: لم أقف عليه في كلام ابن رشد لا في البيان، ولا في مقدماته، ولا في أجوبته، ولا التقييد والتقسيم له. وقد بحثت عن اشتراط نية النافلة عند تيمم الفريضة فكشفت عن ذلك أكثر من ثلاثين مصنفا في المذهب، فلم أر من ذكرها إلا التوضيح، ومن تبعه بل نصوصهم مطبقة على عدم الاشتراط، بل منها ما هو صريح في ذلك. انتهى. وقوله: لا في البيان ولا في مقدماته، جوابه في الخرشي أن ابن
стр. 597
رشد ذكره في المسح على الخفين فصح ما نقلوه عنه. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الأمير: سمعت من شيخنا التاودي بن سودة: فجيئ عبد الباقي في حال قراءته الموطأ لنا عام حجه بالأزهر، قال: فتشت في المسح على الخفين أيضا فلم أره، قلت: وقد تصفحت مسائل المسح على الخفين ومسائل التيمم من البيان والتحصيل فلم أر ذلك فيه. انتهى. المراد منه. ويجوز النفل بالتيمم ولو كثر النفل جدا، خلافا للتونسي. وقال الشيخ الأمير: ونفل لم يكثر جدا بالعرف، وحده الشافعية بدخول وقت الثانية. ومن تيمم لواحد مما ذكر غير الفرض، ولو لمس مصحف، فله فعل باقيها قبله أو بعده؛ وليس كالتيمم للفرض فإنه لا يفعله إذا قدم عليه شيئا منها. قال الشيخ سالم: وانظر إذا تيمم لواحد منها وأخرج غيره، هل يجري فيه؟ أو أخرج بعض المستباح أم لا؟ انتهى.
قال جامعه عفا الله عنه: والظاهر لا لضعف التيمم. والله سبحانه أعلم. ولا فرق في جواز فعل شيء من هذه الأشياء بتيمم بعضها بين أن يكون التيمم محدثا حدثا أصغر أو أكبر. قاله الشيخ الخرشي. لا فرض آخر يعني أنه لا يفعل فرض بتيمم لفرض غيره، ومن الفرض: طواف واجب؛ ونفل نذر؛ وجنازة تعينت. قال الشيخ عبد الباقي: ولذا حملنا كلامه السابق: "وجنازة" على غير المتعينة، والطواف على غير الفرض. وإذا لم يجز الفرض بتيمم لفرض آخر فأحرى أن لا يجوز بتيمم لغير فرض كما مر التنبيه عليه. وإنما أتى بقوله: "آخر" ليرتب عليه قوله: ولو قصدا يعني أنه لا يجوز للشخص فعل فرضين بتيمم واحد، ولو قصدهما معا بذلك التيمم، فإن فعل بأن قصد الفرضين معا بالتيمم صح الفرض الأول وبطل الفرض الثاني فيعيده أبدا، ووجه صحة الأول أنه أتى بالنية المشترطة ونيه أخرى، فهو كمن توضأ بنية الحدث ونية الجنابة. قاله سند. قاله الحطاب. وما ذكر من بطلان الفرض الثاني هو ظاهر قول ابن القاسم في سماع أبي زيد وهو قول مطرف وابن الماجشون وعلى هذا اقتصر ابن عرفة في عزوه، ونسبه في النوادر لابن القاسم من رواية ابن المواز مطلقا سواء كانتا مشتركتي الوقت أم لا؛ ولهذا قال: ولو مشتركة بكسر الراء، ورد بلو قول أصبغ، إن كانتا مشتركتين أعاد الثانية في الوقت، وإلا أعادها أبدا. وعليه فقيل: المعتبر الضروري أو الاختياري. حكاهما ابن رشد في سماع أبي زيد. قاله ابن غازي.
стр. 598
وقوله: "لا فرض آخر" هذا هو المشهور كما قال ابن عرفة، والشهور منع فرضين بتيمم واحد. وروى أبو الفرج: تقضى المنسيات بتيمم واحد، وقيل لمن لا يطيق مس الماء لضرر: جعع صلاتين بتيمم واحد، ثم قال: وعلى المشهور في إعادة الثانية في الوقت أوأبدا، ثالثها إن اشتركتا؛ ورابعها ما لم يطل كاليومين. انتهى. وقوله: "وبطل الثاني"؛ أي فعلا، فيشمل تنكيسهما حيث الترتيب غير شرط. وإنما بطل ثاني الفرضين على المذهب، وصحت صلاة النفل ونحوها بتيمم فرض أو نفل؛ لأن الأصل وجوب التيمم لكل قربة تتوقف على طهارة فخرج ما عدا الفرض عن ذلك بدليل وبقي الفرض. قاله الشيخ عبد الباقي. وفي الخرشي بدليل وفاق أهل الآفاق: ولا فرق في الفرض الآخر بين أن يكون من جنس الأول أو من غير جنسه. انتهى. وقوله: "ولو مشتركة" المناسب له: وبطلت الثانية، ويجاب بأنه ذكر الثاني نظرا للفرض، وأنث مشتركة نظرا إلى أن الفرض الثاني بمعنى الصلاة، ولو تيمم بقصد صلاة فتذكر أن عليه ما قبلها، فإنه يعيد التيمم لها. قال في المقدمات: ولا تصح صلاة بتيمم نواه لغيرها. انتهى. أي؛ لأن الفرض إنما يكون بعد دخول الوقت ووقتها عند تذكرها، ولعل هذا يفهم من قول المؤلف: "وفعله في الوقت"، وكذلك لو كان يتهجد بالليل فدخل وقت الفجر، لا يصليه، فلو تيمم للوتر فيصلي به الفجر حيث كان تيممه للوتر بعد دخول الفجر. قاله الشيخ الخرشي.
لا بتيمم لمستحب معطوف على تيمم فرض أو نفل، واللام مقحمة أي زائدة، يعني أنه لا يفعل شيء مما تقدم بتيمم مستحب كالتيمم من محدث أصغر للقراءة، وكتيمم الجنب للنوم على القول به، ويمكن جعل اللام أصلية. ويراد بالمستحب ما لا تتوقف صحته على طهارة، وبالنفل السابق في قوله: "تيمم فرض أو نفل" ما تتوقف صحته على طهارة، فلا منافاة. أشار له الشيخ عبد الباقي.
ولزم موالاته عبر بهذا دون واجبه كما في الغسل، وفرائضه كما في الوضوء لإدخاله هنا ما ليس بداخل في ماهيته كأخذه بثمن اعتيد؛ يعني أن التيمم تجب موالاته بين أجزائه، وبينه وبين ما فعل له. ومعنى الموالاة أن يأتي به متصلا بعضه ببعض، ومتصلا بما فعل له من صلاة؛ ومس مصحف وغير ذلك، فإن فرق بين أجزائه أو بينه وبين ما فعل له ولو ناسيا وطال، بطل على
стр. 599
المعتمد فلذا لم يشبهه المص بالوضوء كما فعل ابن الحاجب وابن شاس في أن حد الموالاة فيه أن لا يمضي قدر جفاف أعضاء في زمن ومكان اعتدل كل بتقدير الوضوء. وقيل بالعرف. ذكره أبو الحسن. أي؛ لأن الطول هنا مع النسيان مبطل له، بخلاف الوضوء والغسل؛ وإن اتفق التيمم معهما في تحديد الطول بجفاف على القول الأول. وقوله: "ولزم موالاته" فلا يجزئه أن يتيمم أول وقت الفريضة، ويؤخر (١) فعلها إلى آخره خلافا للشافعي، إذ من شرط التيمم أن يكون متصلا بالصلاة. وخالف ابن شعبان، فأجازه قبل الوقت وبعده وإن تراخى عن الصلاة. ومن تيمم لنافلة ثم خرج من المسجد لحاجة ثم عاد لا يتنفل به ولا يمس مصحفا. وقد مر عند قوله: "إن تأخرت" أن الخروج من المسجد بمنزلة الطول، فيعيد التيمم. قاله الشيخ إبراهيم.
وقبول هبة ماء يعني أن الفاقد للماء إذا وهب له يلزمه أن يقبل ما وهب له ليتطهر به إن لم يتحقق منة، وإلا لم يلزمه القبول وإن لم يمن به، وهذا في منة يظهر لها أثر. وأما التافه فيلزمه قبوله؛ وكذا يلزمه الاستيهاب أيضا عند عدم المنة؛ وهو طلب هبة الماء. كما يأتي له في قوله: "كرفقة قليلة أو حوله من كثيرة". انظر شرح الشيخ عبد الباقي. لا ثمن عطف على ماء فهو مجرور؛ يعني أن الفاقد للماء لا يلزمه قبول هبة ثمن يشتري به الماء إذا وهب له، بل له أن يتيمم لوجود المنة فيه أو قرضه هو مرفوع معطوف على قبول، أو مجرور عطف على هبة، فهو عطف على المثبت، والضمير للماء أو للثمن. يعني أن فاقد الماء إذا أقرض الماء يلزمه قبوله، وكذا لو أقرض الثمن ليشتري به الماء فإنه يلزمه قبول قرضه، ويلزمه أيضا اقتراضه إن كان مليا ببلده، وإلا لم يلزمه ذلك، وهذا القيد إنما هو فيما إذا رجع الضمير للثمن، وأما إن رجع للماء فيلزمه قرضه وقبول قرضه من غير اعتبار القيد المذكور. كما في الشبراخيتي. ويصح في قوله: "أو قرضه" أن يكون مجرورا عطفا على ثمن؛ أي لا يلزمه قبول هبة ثمن ولا قرضه أي الثمن، وكذا لا يلزمه اقتراضه وهذا إن كان معدما ببلده، وإلا لزمه اقتراضه وقبول قرضه. وتحصل من هذا أنه يلزمه قبول هبة الماء إلا لتحقق منة أي منة يظهر لها أثر، وكذا استيهابه فيلزم عند عدم المنة، وأن
стр. 600
الثمن لا يلزم قبول هبته لوجود المنة فيه، وأن من أقرض الماء لزمه قبوله من غير اعتبار قيد الملاء ببلده فليس له أن يتيمم، وأما من أقرض الثمن فإن كان معدما ببلده لم يلزمه قبوله، وإن كان مليا ببلده لزمه قرضه وقبول قرضه إلا لمنة ظهرت هذا تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. هذا ما يتحصل من كلام الحطاب، وعبد الباقي، والشبراخيتي، وابن غازي، ومحمد بن الحسن، والأمير، وعبارته: واستيهاب ماء وقرضه كقرض ثمنه إن كان مليا ببلده لا قبول هبة الثمن إلا لمنة ظهرت. انتهى. قال: والاستثناء راجع لما قبل النفي. انتهى. وهو صريح أو كالصريح في أن قرض الثمن لا يلزم قبوله عند تحقق المنة. والله سبحانه أعلم.
وأخذه بثمن اعتيد يعني أن فاقد الماء إذا وجده يباع، فإنه يلزمه أن يشتريه بالثمن الذي يعتاد بيعه به بذلك المحل وما قاربه، وغير المعتاد ما زاد زيادة متفاحشة عرفا. وحاصل ما للخمي وأشهب -وينبغي التعويل عليه- أنه يراعى عدم الزيادة على [مثلي (١)]، ثمن الماء، وعدم بلوغه عشرة دراهم، ولا يشتريه بزيادة على قيمته أكثر من مثليه وإن لم تبلغ عشرة دراهم، ولا يشتريه بما يبلغ عشرة، وإن كانت الزيادة فيه دون ثلثي القيمة، ويلزمه أيضا تسخينه عند خوف استعماله باردا، مرضا أو زيادته بما يلزمه بذله فيه. لم يحتج له يعني أنه إنما يلزمه أخذ الماء بالثمن المعتاد حيث لم يكن محتاجا للثمن لنفقة أو غيرها، وأما لو كان محتاجا له فلا يلزمه شراؤه، بل له أن يصلي بالتيمم.
وإن بذمته مبالغة في قوله بثمن اعتيد؛ يعني أنه يلزم فاقد الماء إذا وجده يباع أن يشتريه بثمن معتاد، وإن كان هذا الثمن المعتاد الذي يأخذ الماء به دينا في ذمته إن كان عنده ما يوفي به. وقد تقدم حاصل ما للخمي وأشهب، وينبغي التعويل عليه أنه لا يشتريه الخ. ومفهوم قوله: "اعتيد" أنه لو بيع بغير المعتاد لم يلزمه ولو كثرت دراهمه، قاله الخرشي. وانظره مع ما مر.
وطلبه لكل صلاة يعني أنه يلزم التيمم؛ أي مريد التيمم أن يطلب الماء لكل صلاة بعد دخول وقتها؛ أي أن المكلف إذا طلب الماء للصلاة ولم يجده، وتيمم وصلى، ثم دخل وقت صلاة