أو تعذر قوْدها لحاضر؛ يعني أن الحاضر إذا اطلع على العيب في الدابة فإنه ينزل عنها ولا يركبها إلا إذا تعذر قودها لمكانه، إما من جهة الدابة ككونها لا تنقاد، أو من جهته لكونه من ذوي الهيئات الذين يزري بهم قودها؛ قاله الشارح. وقال عبد الباقي: أو تعذر قودها بسكون الواو لعسرها، أو من جهته ككونه من ذوي الهيئات، لحاضر ركبها لغير الرد، بل لمحله مثلا بعد اطلاعه على عيبها، وأما ركوب الرد ولو اختيارا فلا يمنعه. انتهى. وقوله: لحاضر، اللام بمعنى على، وقوله: ركبها لغير الرد بل لمحله لخ، نحوه في التوضيح فانظره. قاله بناني. وقال المواق عند قوله: أو تعذر قودها لحاضر، ما نصه: ابن شأس: على المشهور ينزل عن الدابة إن كان راكبا إلا أن يتعذر عليه القوْد فيعذر في الركوب إلى مصادفة الخصم أو القاضي على الخلاف في ذلك. انتهى. وقال التتائي: وأما وطء الأمة ولبس الثوب فَرِضًا اتفاقا. انتهى.
فإن غاب بائعه أشهد؛ يعني أن المشتري إذا اطلع على العيب والبائع غائب فإنه يشهد شاهدين على عدم الرضا بالعيب، ويرد عليه إن أمكن مثل أن يكون قريب الغيبة أو له وكيل حاضر، فإن لم يكن فهو قوله: فإن عجز أعلم القاضي؛ يعني أن المشتري إذا عجز عن الرد لبعد الغيبة وعدم الوكيل فإنه يعلم القاضي بعجزه أي رفع الأمر إليه، قال عبد الباقي: وما ذكره من قوله: أشهد إلى آخره، ضعيف والمعتمد كما في ابن عرفة أنهما غير شرط في الرد فله انتظاره عند بعد غيبته، وعند عدم وكيل له حتى يحضر، فيرد عليه المبيع المعيب إن كان قائما، ويرجع بأرشه إن هلك، وإن لم يشهد ولا أعلم الحاكم لثقل الخصومة عند القضاة، وهذا تعليل ابن القاسم، وهو إنما يظهر في قوله: فإن عجز أعلم القاضي دون ما قبله، وللبائع إذا قدم تحليف المشتري على عدم الرضا بالعيب، وإن لم يقل: أخبرني مخبر برضاك به، فيستثنى من قوله الآتي: ولا الرضا به، مسألة الغائب هذه. انتهى. وقوله: فإن عجز أعلم القاضي، هذا إذا أراد القيام في غيبة البائع، فإن لم يرده فلا حرج، والحاصل أن المص أتى بالإشهاد وإعلام القاضي، فأما الإشهاد فليس بمسلم، وأما إعلام القاضي فلابد منه إن أراد القيام بالعيب في غيبة البائع. قاله بناني كالمتعقب به قول عبد الباقي: وما ذكره من قوله لخ. والله سبحانه أعلم.
стр. 5532
فتلوم في بعيد الغيبة إن رجي قدومه؛ يعني أن المشتري إذا اطلع على العيب وعجز عن الرد فإنه يعلم القاضي بعجزه عن الرد؛ أي يرفع الأمر إليه في ذلك، فإذا علم بذلك فإن القاضي يتلوم له في البائع البعيد الغيبة حيث كان يرجى قدومه، ومعنى يتلوم له ينتظر بالرد مدة موكولة إلى اجتهاده لعله أي البائع يقدم، ومفهوم قوله: إن رجي قدومه، أنه لو لم يرج قدومه لا يتلوم له، بل يحكم عليه بالرد عاجلا. قال عبد الباقي مفسرا للمص: فتلوم يسيرا في بعيد الغيبة كالعشرة الأيام مع الأمن واليومين مع الخوف إن رجي قدومه لا إن لم يرج قدومه فلا يتلوم له، وأما قريب الغيبة كيومين مع الأمن فهو في حكم الحاضر فيكتب إليه ليحضر، فإن أبى حكم عليه بالرد كالحاضر. انتهى. ونسخة عبد الباقي: أوان، قال وهو ظرف زمان مضاف إلى رجي. انتهى. وهو جواب عن قول الش: الأولى حذف أو، من قوله: أو إن رجي قدومه. انتهى. وكلام المص في معلوم الموضع، وأما إن جهل موضعه فهو قوله:
كإن لم يعلم موضعه؛ يعني أن المشتري إذا اطلع على عيب في المبيع في غيبة بائعه وهو مجهول الموضع فإن الحكم في ذلك كالحكم في بعيد الغيبة فيتلوم له؛ أي لمن لم يعلم موضعه حيث رجي قدومه، لا إن لم يرج قدومه وهو قول ابن القرطبي، ابن سهل: وهو أصوب، ولهذا قال: على الأصح، ومقابله لابن القطان: لا يقضى عليه. انتهى. قال الحطاب عند قوله: كإن لم يعلم موضعّه على الأصح، الأصح قول ابن مالك القرطبي، والمصحح له ابن سهل. انتهى. والقرطبي نسبة إلى قرطبة.
وفيها أيضا نفي التلوم؛ يعني أن ما تقدم من التلوم لبعيد الغيبة وقع في المدونة في موضع، ووقع في موضع آخر من المدونة: أنه لا يتلوم لبعيد الغيبة، قال في كتاب التجارة لأرض الحرب فيمن أسلم عبده النصراني والسيد غائب: إن كان قريبا نظر السلطان فيه وكتب في ذلك، وإن كان بعيدا بيع عليه ولم ينتظر؛ لأن مالكا قال في النصرانية تسلم وزوجها غائب: إن كان قريبا نظر الحاكم في ذلك خوفا أن يكون قد أسلم قبلها، وإن كان بعيدا أو كان لم يدخل بها تزوجت مكانها ولم ينتظر قدومه ولا عدة عليها، فأسقط في هاتين المسألتين التلوم في بعيد الغيبة، فأنت
стр. 5533
ترى المدونة في كتاب التجارة صرحت بعدم الانتظار مرتين، وهو عدم التلوم، فقول المص: وفيها أيضا نفي التلوم، معناه على ظاهره أي وفيها التصريح بأنه لا يتلوم له وهو ظاهر.
وفي حمله على الخلاف تأويلان؛ يعني أن شارحي المدونة اختلفوا في الموضعين هل هما خلاف فكل من المحلين باق على عمومه؟ أو وفاق، وعليه فالموضع الذي فيه التلوم حيث رجي قدوم الغائب، والموضع الذي فيه نفي التلوم هو ما إذا لم يرج قدومه؛ والله سبحانه أعلم.
وهذا الذي قررت به المص هو الذي قرره به الشيخ محمد بن الحسن، وقرره عبد الباقي بأن معناه: وفيها أيضا نفي ذكر التلوم، قال: لأن الذي فيها في الموضع الآخر السكوت عن التلوم لا نفيه، فعلى الوفاق يحمل المحل المسكوت فيه عن التلوم على ما إذا لم يرج قدوم البائع، أو على ما إذا خيف على المبيع الهلاك أو الضياع فيباع، ويحمل المحل الذي فيه التلوم على ما إذا طمع في قدومه، ولم يخف على المبيع ذلك، وعلى الخلاف الأمر ظاهر، قال بناني: وقول عبد الباقي: لأن الذي فيها في الموضع الآخر السكوت لخ، نحوه لابن غازي، ولهذا قدر في المص مضافا أي نفي ذكر التلوم، وأصله للمتيطي، ونصه: وفي التجارة لأرض الحرب منها: إن بعدت غيبته قضي عليه ولم يذكر تلوما. انتهى. ونقله المواق وابن غازي، ونقله أيضا ابن عرفة وأقره، ونحو ما للمتيطي لأبي الحسن، ورده بعض الشيوخ بأن كتاب التجارة لأرض الحرب مصرح فيه بنفي التلوم لا مسكوت عنه كما ذكروه، ويتبين ذلك بكلام ابن سهل في أحكامه، فإنه بعد أن ذكر قول المدونة في كتاب العيوب: وأما البعيد فيتلوم له إن كان يطمع بقدومه، فإن لم يأت قضي عليه، قال ما نصه: قال في هذه المسألة: إنه يتلوم للغائب إن كان بعيد الغيبة، وقال في كتاب التجارة لأرض الحرب: فيمن أسلم عبده النصراني، إلى آخر ما مر.
تنبيه: قال الرهوني: قد يقال: لا معارضة بين هاتين المسألتين؛ يعني المسألتين المتقدمتين، مسألة العبد يسلم وسيده الكافر غائب ومسألة الزوجة تسلم وزوجها الكافر غائب، ومسألة العيب، ولا يلزم الإمام ولا ابن القاسم ﵄ ما ألزموهما من التناقض لظهور الفارق من وجوه، أحدها: أن الرد بالعيب حق آدمي، وبيع السلم المملوك للكافر، وفسخ نكاح المسلمة
стр. 5534
تحت الكافر، كل منهما حق لله؛ والثاني آكد ولذلك يقدم على الأول عند التعارض. ثانيها: أن احتمال إسلام الكافر الذي أسلم عبده أو زوجته نادر، واحتمال تبري البائع من هذا العيب بخصوصه ليس كذلك، وعلى احتمال أن لا يكون تبرأ منه فيحتمل أن يكون هذا المشتري علم بذلك العيب حين الشراء. ثالثها: أنه قد يدعي البائع إذا قدم أن يكون وقع من المشتري ما يمنعه من الرد كالركوب مثلا وذلك مفقود في المسألتين. رابعها: أن في التلوم للغائب وانتظاره في مسألة العيب فائدة، وهي أن قدومه عند الأجل إن وقع أو عدم وقوعه لا يتحتم القضاء عليه بالرد لاحتمال زوال العيب زمان التلوم، أو رضى المشتري به إذ ذاك، وكلاهما مانع من الحكم عليه بالرد بخلاف المسألتين. فتأمله بإنصاف. والله أعلم انتهى.
ثم بعد مضي زمن التلوم قضى القاضي للمبتاع على الغائب بالرد عليه إن أثبت المشتري عند القاضي عهدة؛ أي أنه المشتري على حقه في العيب، وأن البائع لم يتبرأ له من الرد بالعيب القديم في الرقيق وغيره، وقبلت الشهادة وإن كانت بالنفي لأنه نفي محصور أي متعلق بمعين، وليس المراد هنا عهدة الثلاث أو السنة، واعلم أن عهدة الإسلام وهي درك المبيع من الاستحقاق والبراءة منها لا تنفع على المعتمد، فإذا استحق رد ولا يعمل بتبرية منه ويسقط الشرط ويصح البيع كما مر، فلا يحتاج المشتري حينئذ إلى إثبات شرائه عليها، وتفسير بعضهم لعهدة الإسلام بدرك المبيع من العيب والاستحقاق متعقب بأن المعتمد اختصاصها بالثاني. مؤرخة، صفة عهدة ليعلم من تأريخها قدم العيب أو حدوثه، وإسناد التأريخ لها مجاز؛ إذ المؤرخ حقيقة زمن البيع. قاله عبد الباقي. فمعنى التأريخ تبيين وقت البيع. والله سبحانه أعلم.
وصحةَ الشراء عطف على عهدة؛ أي قضى إن أثبت عهدة أي عدم براءة من العيب وصحة الشراء أي يثبت أن الشراء، صحيح خوف دعوى البائع إذا حضر فساده فيكلفه اليمين بالصحة، وإنما يلزمه إثبات هذين الأمرين إن لم بحلف عليها؛ أي العهدة وصحة الشراء، فإن حلف عليهما لم يحتج لإثباتهما، قال بناني عند قوله: إن أثبت، ما نصه: هذا شرط في قوله: ثم قضى، وفي قوله قبله: فتلوم في بعيد الغيبة لخ؛ لأن التلوم إنما يكون بعد إثبات الموجبات، قال أبو الحسن: يثبت الحكم في هذه المسألة بتسعة شروط، وثلاثة أيمان. أحدها: أن يثبت أنه
стр. 5535
ابتاع. الثاني: مقدار الثمن. الثالث: أنه نقده. الرابع: أمد التبايع. الخامس: ثبوت العيب. السادس: أنه ينقص من الثمن. السابع: أن العيب أقدم من أمد التبايع. الثامن: ثبوت الغيبة. التاسع: كونها غيبة بعيدة أو بحيث لا يعلم. وأما ثلاثةُ أيمان: فإنه يحلف أنه ابتاع بيعا صحيحا، وأنه لم يتبرأ له من العيب ولا بينه له ولا أراه إياه فرضيه، والثالث أنه ما رضي بالعيب حين علم به وله أن يجمعها. انتهى. وانظر التوضيح والحطاب. قال عبد الباقي: وأما الحلف على عدم اطلاعه على العيب بعد البيع وعدم الرضا به فلابد منه، ولا تكفي فيه البينة إذ لا يعلم إلا من جهته، وقد يخبر بخلاف ما في ضميره. انتهى. وقال عبد الباقي: زاد الموثقون: ويحلف أيضا أنه لم يتبرأ له من المعيب ولا اطلع عليه بعد البيع ورضيه، ولا استخدم الرقيق بعد الاطلاع. انتهى. وإن أراد أخذ الثمن فلابد من إثبات أن الثمن كذا، وأنه نقده، إلا أن يكون قد مضى من المدة ما لو أنكر البائع القبض كان القول قوله أي المشتري مع يمينه أنه دفعه إليه كعام أو عامين، وقوله: وصحة الشراء، قال بناني: قال ابن عرفة: وفيها قلت: إن كان ذلك في بيع فاسد؟ قال: لم أسمعه، وأرى إن أقام البينة أنه ابتاع بيعا حراما ونقد ثمنه ولم يفت بحوالة سوق حكم فيه كالصحيح، وإن فات جعله القاضي عليه بقيمته ويترادان الفضل متى التقيا. انتهى. وأشار إلى المانع الرابع من الموانع المانعة للرد بالعيب بقوله:
وفوته حسا؛ يعني أن مما يمنع الرد بالعيب فوت المبيع حسا لتلف عمدا أو خطئا أو غصب منه، أو حكما ككتابة وتدبير، وعتق وصدقة وهبة لغير ثواب، قبل اطلاعه على العيب، وإذا فات الرد بفوات المبيع تعين الأرش، فيدفعه البائع للمشتري، ويأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والأرش للواهب والمتصدق لا للمعطى إذ لم يخرج عن ملك المعطي بالكسر إلا المعيب فالأرش لم يتناوله عقد العطية. قاله التتائي والحطاب.
وعلم مما قررت أن قوله: ككتابة، تمثيل لشيء لم يذكره وأنه ترك تمثيل ما ذكره لظهوره، ويحتمل أنه تشبيه بما قبله، والأول أولى لدخول نحو ما ذكر بخلاف كاف التشبيه فلا تدخل شيئا، وظاهره الفوات بها ولو عجز المكاتب قبل أخذ الأرش أو بعده أو مرض العبد مرضا فات
стр. 5536
به المقصود ثم زال، لكن في الشامل ما يفيد أن له الرد إن فات قبل أخذ الأرش. انتهى؛ يعني: وزال المفيت، قال عبد الباقي: ونصه يعني الشامل: ولو أخذ الأرش لمرض العبد عنده أو كتابته ثم صح أو عجز فات. انتهى. أي لأن أخذ الأرش يدل على الرضى بالعيب، فزوال المفوت بعده لا يوجب ردا إذ لا رد بعد الرضا بالعيب، بخلاف زواله قبل أخذ الأرش فإنه زوال قبل حصول ما يدل على الرضا بالعيب فله الرد. انتهى. وكذا يفوت المعيب بحبس المشتري عن نفسه، بخلاف ما إذا أوصى أحد بشراء شيء ليحبس عنه ففعل ذلك. قاله عبد الباقي. وقال بناني عند قوله: وفوته حسا لخ، بين أن فوته بذهاب عينه وخروجه من يد المشتري بلا عوض هو محل الأرش، وأما خروجه من يده بعوض فلا أرش فيه، وسيقول فيه: فإن باعه لأجنبي لخ.
فرع: إذا لم يقم المشتري بالعيب حتى قدم البائع فأنكر أن تكون السلعة له والبيعَ من أصله، أو كان المقوم عليه حاضرا وأنكر ذلك، ففي أجوبة ابن رشد: أن أبا الفضل عياضا سأله عنها، والسؤال رجل قام على آخر بعيب في سلعة فأنكر المدعى عليه وأنه ما باعها منه هل يقدم إثبات العيب قبل اليمين على إنكار المبيع مخافة أن لا يكون بها عيب فتذهب يمين الرجل باطلة أو تقدم اليمين على إنكار البائع؟ جوابه: الذي أراه في هذا أن من حق القائم بالعيب أن يحلف المقوم عليه على إنكار البيع قبل أن يثبت العيب حتى تقرر له العهدة على البائع، ألا ترى أن له أن يحلفه على إنكار البيع وإن لم يدع أن بالسلعة عيبا؟ فإن حلف أنه ما باع منه السلعة لزمه إثبات البيع إن كانت له بينة لم يعلم بها وإثبات العيب، وإن نكل عن اليمين حلف هو واستحق العهدة عليه ولزمه أن يثبت العيب. وبالله التوفيق لا شريك له.
فرع آخر: قال الشيخ أبو علي: قال ابن عرفة: ولو كانت الهبة لمن له اعتصارها منه ففي كونها فوتا أم لا، قولا ابن حبيب وابن الكاتب. انتهى. وإذا فات المبيع المعيب ووجب للمبتاع الأرش فإنه (يقوم) يوم ضمنه المشتري مقوما أو مثليا (سالما) بمائة مثلا (ومعيبا) بثمانين ويأخذ المشتري (من الثمن النسبة) أي نسبة نقص قيمته معيبا إلى قيمته سليما وهي الخُمُس في المثال المذكور فيرجع على البائع بخمس الثمن قل أو كثر. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال عبد الباقي: والمعتبر في القيمة يوم دخل المبيع في ضمان المشتري لا يوم القبض كما يؤخذ من قول المص: يوم
стр. 5537
ضمنه المشتري، وصرح بذلك في التوضيح، وقاله في المدونة، وقال المواق: ابن يونس عن ابن القاسم: تفسير الرجوع بقيمة العيب أن ينظر إلى قيمة الجارية صحيحة يوم اشتراها على أن لا عيب بها، فيقال: مائة دينار وقيمتها حينئذ على أن بها العيب فيقال: ثمانون دينارا فقد نقصها العيب الخُمُسَ، فيوضع عن المشتري ما بين القيمتين وهو خمس الثمن كان الثمن أكثر من القيمة أو أدنى، فإن كان الثمن خمسين حط عنه عشرة لأنه باع منه خمسة أجزاء فدفع إليه أربعة وبقي عنده جزء فوجب أن يرجع بثمنه فصح له في الأربعة الأجزاء أربعون. انتهى.
ووُقِف في رهنه وإجارته لخلاصه؛ يعني أن المشتري إذا رهن الشيء المشترى أو آجره ثم بعد ذلك اطلع على عيب فيه، فإنه يوقف أي يمهل في رهنه وإجارته أي يترك على حالته من رهنية وإجارة إلى أن يخلص من الرهنية والإجارة فيرده المشتري حينئذ إلى البائع، فالمراد بالوقف الإمهال، فلا يقضى برد ولا إلزام، واللام في لخلاصه للغاية، ومعنى الخلاص زوال الرهنية والإجارة عنه. والله سبحانه أعلم قال عبد الباقي مفسرا للمص: ولو تعلق بالمبيع حق من رهن المشتري له أو إجارته قبل علمه بالعيب وقف في رهنه وإجارته ونحوهما كإخدامه وعاريته لخلاصه، ولم يكن الفعل المذكور مانعا من الرد بل رد بعد خلاصه إن لم يتغير، وظاهر المص أن له الرد وإن لم يشهد حين علم بعيبه بعد رهنه مثلا أنه ما رضي بالعيب وهو كذلك، وظاهره أيضا أن له الرد بشرطه ولو قام به على البائع حين تعلق الرهن ونحوه به وحكم عليه بأنه لا أرش حينئذ وهو كذلك، فإن حكم عليه بأنه لا رد له رجع لمذهب الحاكم سواء كان مذهبه لا رد له ما دام في الرهن فقط، أو لا رد له مطلقا. انظر الحطاب. انتهى. وقال بناني عند قوله: ووقف في رهنه وإجارته لخلاصه، ما نصه: هذا مقيد بما إذا عجز حين اطلع على العيب عن استخلاصه من الرهن أو الإجارة كما في التوضيح، ابن عرفة: ونصه: وإن علم عيبه بعد رهنه وإجارته ففي وجوب كونه كفوته إن عجز عن استخلاصه وبقائه على حكم رده لاستخلاصه، ثالثها: إن بعد كالأشهر والسنة فالأول، وإن قرب كالشهر ونحوه فالثاني، لأشهب وابن القاسم فيها وغير واحد عن ابن حبيب. انتهى. وقال الحطاب: حكم الرهن والبيع الصحيح وهبة
стр. 5538
الثواب سواء في أنه لا رجوع للمشتري بشيء حتى تعود له السلعة على مذهب ابن القاسم في المدونة، قال في الأم: والرهن والبيع الصحيح والإجارة إذا أصاب العيب بعد ما رهن أو آجر فلا أراه فوتا، ومتى رجع إليه بافتكاك الرهن أو انقضاء أجل الإجارة فأرى له أن يردها إن كانت بحالها، وإن دخلها عيب مفسد ردها وما نقص العيب الذي حدث بها. انتهى. وهذا مفهوم قول المص: إن لم يتغير، وقال عبد الباقي: فإن تغير جرى فيه ما يأتي من التغير القليل والمتوسط والمخرج عن المقصود. انتهى. وقال الشارح عند قوله: ووقف في رهنه لخ، هكذا قال ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: إن افتكها حين علم بالعيب فله الرد والأرجح بما بين الصحة والداء، وظاهر قول ابن القاسم وأشهب كانت المدة قريبة أو بعيدة، وقال ابن حبيب: إذا كان الأجل قريبا كالشهر ونحوه فليؤخر إلى انقضائه وهو على أمره، وإن كان بعيدا كالأشهر والسنة فهو كالفوات يرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكها معجلا فليردها؛ أبو محمد وابن يونس: وهو خلاف قول ابن القاسم وأشهب. انتهى.
تنبيه: قد مر أن قوله: فيقوم سالما ومعيبا لخ، في القوم والمثلي، قال الشيخ أبو علي: قال ابن يونس: قال مالك: وإن ابتعت حنطة كانت مبلولة فجفت أو عسلا أو لبنا مغشوشا فلم تعلم بذلك حتى أكلت ذلك فلك الرجوع بما بين الصحة والداء؛ إذ لا يوجد مثله لغشه، ولو وجدت مثله في غشه حتى يحاط بعلم ذلك لرددت مثله وأخذت جميع الثمن؛ وقال سحنون: لا يرد مثله وإن وجد مثله ويرجع بقيمة العيب.
كعوده له بعيب، تشبيه في قوله: ورد إن لم يتغير، ومعنى كلامه أن المشتري إذا باع الشيء المعيب قبل اطلاعه على العيب ثم عاد له بذلك العيب أو بعيب حدث عنده زمن العهدة حيث اشترى بها فله رده على البائع، وعوده لتفليس أو فساد كذلك، قال عبد الباقي: كعوده له بعد خروجه عن ملكه غير عالم بالعيب بعيب كان هو القديم فقط أو حدث عند المشتري زمن العهدة حيث اشترى بها، فله رده على البائع وعوده لتفليس أو فساد كذلك. انتهى. وقال الشارح، يعني فإن كان المشتري قد أخرج المبيع من يده ببيع أو نحوه ثم عاد إليه بأن رد عليه بعيب فإنه أيضا يرده على بائعه. انتهى. وقوله: كعوده تشبيه تام أي فيرد إن لم يتغير، فإن تغير
стр. 5539
جرى على الأقسام الثلاثة الآتية في كلام المص، وقوله: كعوده له، سواء عاد له قبل الاطلاع على العيب أو بعده، لكن لابد أن يكون باعه قبل الاطلاع على العيب. قاله الخرشي. وقوله: كعوده له بعيب، قال الشيخ أبو علي: إنما نكر لفظ عيب ليشمل إذا رد بعيب كان عند البائع الأول أو حدث عند البائع الثاني، أما الأول فلا إشكال، وأما الثاني فكذلك، لكن يخير في المتوسط في قبض أرش القديم ورد العبد ودفع قيمة الحادث عنده على ما يأتي. انتهى.
أو بملك مستأنف؛ يعني أنه إذا عاد إلى المشتري الشيء المعيب بملك مستأنف فإن له أن يرده علىْ بائعه بشرط أن يكون قد خرج عن ملكه قبل علمه بعيبه، ومثل للملك المستأنف بقوله: كبيع؛ أي باعه شخص للمشتري بعد أن خرج عن ملكه غير عالم بالعيب فله رده ولو اشتراه المشتري عالما بعيبه؛ لأنه يقول: اشتريته لأرده على بائعه. أوهبة؛ يعني أن المشتري للمعيب إذا خرج عن ملكه ثم عاد إليه بهبة فإن له أن يرده على بائعه، وهذا حيث خرج عن ملكه غير عالم بالعيب وإلا فلا. أو إرث؛ يعني أن المعيب إذا عاد إلى المشتري له بإرث فإن له أن يرده على بائعه، وهذا حيث خرج من يد المشتري غير عالم بالعيب وإلا فلا، وقوله: كبيع أي فله رده على بائعه الأول لا الثاني، وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وقال أشهب: إن عاد إليه ببيع خير بين أن يرده على بائعه الأول كما قال ابن القاسم، وبين أن يرده على بائعه الثاني، وإنما يرد المشتري على البائع الثاني حيث اشتراه منه غير عالم بالعيب، لا إن علمه فلا يرد إلا على البائع الأول، ثم على قول أشهب إن رد المشتري على البائع الثاني أخذ منه الثمن، ثم يخير البائع الثاني بين أن يتماسك به أو يرده على المشترى الأول، فإن رده عليه فله أن يرده على البائع الأول. أنظر الشارح. وعلم من المص أن الأقسام ثلاثة: عوده له ولم يخرج عن ملكه، وذكره بقوله: ووقف في رهنه وإجارته لخلاصه؛ وعوده له بعد خروجه عن ملكة بملك غير مستأنف، كعوده له بعيب؛ وعوده له بملك مستأنف كبيع أو هبة أو إرث والعود بملك مستأنف على ثلاثة أنواع: عود بمعاوضة كبيع أو هبة ثواب؛ وعود بلا عوض كهبة اختيارا فيهما، وعود جبري كالإرث. فعلم أن له الرد إن عاد إلي من غير فرق بين أن يكون عاد إليه جبرا أو
стр. 5540
اختيارا، وأشعر قوله: كعوده له بعوده كله فإن عاد له بعضه فإن كان المبيع مما لا ينقسم خير البائع في قبول ذلك البعض برد ما ينوبه من الثمن ورد منابه من قيمة العيب، فلو عاد إليه النصف مثلا خير البائع بين دفع نصف الثمن وأخذ النصف، وبين دفع قيمة نصف العيب فيتماسك المشتري بالنصف، وإن كان مما ينقسم كثوب من ثياب فله رده على بائعه كما يأتي في قوله: ورد بعض المبيع بحصته، وإذا باع المشتري البعض قبل الاطلاع على العيب وأبقى البعض فقال ابن عرفة: وفيها من اطلع على عيب بعبد بعد بيعه نصفه خير بائعه في قبول نصفه برد نصف ثمنه ورد نصف قيمة عيبه، ومثله في سماع عيسى فحكمها حكم الأولى. والله سبحانه أعلم.
فإن باعه لأجنبي مطلقا؛ يعني أن المشتري للمعيب إذا باعه لأجنبي أي غير البائع ولم يرده له فإنه لا رجوع له على البائع سواء باعه للأجنبي بمثل الثمن أو أقل أو أكثر، ولو رده الأجنبي للمشتري، فإن كان المشتري قد باعه له قبل الاطلاع على العيب فله رده على البائع كما مر، وإن باعه له بعد اطلاعه على العيب فلا رجوع له على البائع؛ أي لا يرده عليه. قال عبد الباقي: فإن باعه المشتري لأجنبي أي غير البائع ولو ابنه أو أباه سقط حقه من القيام بالعيب، فلا رد له مطلقا أي باعه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر، بعد اطلاعه على العيب أو قبله: ما دام لم يعد إليه، وإلا رد في الأخير دون ما قبله، وسواء كان البائع مدلسا أم لا. انتهى؛ يعني أن معنى قوله: مطلقا، سواء باعه بمثل الثمن الأول أو أقل أو أكثر، وسواء دلس البائع أم لا، وقال بناني عند قوله: مطلقا، أما إذا باعه بمثل أو أكثر فواضح، وبأقل فلا رجوع أيضا؛ ابن القاسم: لأنه إن باعه بعد الاطلاع فقد رضي، وقبله فالنقص لحوالة الأسواق لا للعيب، وقال ابن المواز: إلا أن يكون النقص من العيب، كما لو باعه هو أو وكيله ظانا حدوث العيب فيرجع على بائعه بالأقل مما نقصه من الثمن أو قيمته، وجعل ابن يونس وابن رشد وعياض قول ابن المواز تقييدا لقول ابن القاسم، فكان على المص أن لو نبه على ذلك. انتهى. وعزاه الرهوني لابن القاسم في الموازية.
стр. 5541
أو له بمثل ثمنه، ضمير له يرجع للبائع؛ يعني أن المشتري إذا باع المعيب لبائعه الأول بمثل الثمن فإنه لا رجوع له على بائعه الذي اشتراه الآن، سواء باعه بعد اطلاعه على العيب أم لا، دلس أم لا، غير أن للمشتري الثاني وهو البائع الأول رده عليه إذا باعه بعد اطلاعه على العيب لأنه بمنزلة ما حدث عنده. أو بأكثر إن دلس؛ يعني أن المشتري للمعيب إذا باع الشيء المعيب لبائعه بأكثر من الثمن قبل الاطلاع على العيب وكان البائع مدلسا فإنه لا رجوع للبائع الأول الذي هو المشتري الثاني على البائع الثاني الذي هو المشتري الأول بما أخذه من الزيادة، وليس له رد المبيع عليه لظلمه بتدليسه.
وعلم مما قررت أن قوله: فلا رجوع، جواب عن المسائل الثلاث، ولقد أحسن المص في حذف متعلق فلا رجوع لاختلافه في المسائل المذكورة. قاله عبد الباقي. والله سبحانه أعلم.
وإلا؛ أي وإن لم يكن البائع الأول مدلسا والحال أنه اشتراه بأكثر من الثمن الأول، رد أي البائع المبيع على المشتري الأول، ثم رد المشتري عليه؛ أي على البائع الأول إن لم يرض المشتري بالتمسك به؛ وقولي: قبل الاطلاع على العيب، تحرز عما إذا باعه له بأكثر بعد اطلاعه على المعيب، فالظاهر أن البائع الأول مخير بين أن يرد وأن يتماسك، وإذا رد فليس للبائع الثاني أن يرد عليه لأنه باع بعد علمه بالعيب فقد رضي به. قاله بناني.
وبأقل كمل؛ يعني أنه إذا باع الشيء المعيب المشترى قبل اطلاعه على العيب للبائع الأول بأقل من الثمن الأول فإنه يكمل البائع الأول للمشتري الأول الثمن الأول، دلس أم لا، فإن باعه بعد اطلاعه على العيب لم يكمل له، دلس أم لا، ابن عبد السلام: في تكميله له إذا لم يكن مدلسا نظر لإمكان كون النقص من حوالة الأسواق كما هي حجة ابن القاسم إذا باعه بأقل لأجنبي. انتهى. ونحوه في التوضيح، وقد يفرق بين المحلين بأن ما هنا لا ضرر على البائع فيه لرجوع سلعته ليده، بخلاف ما هناك فضرره أشد. قاله المسناوي. قاله بناني. وقال عبد الباقي: قال أحمد: لو قال المص: وبأقل كفاه. السنهوري: إنما كرر له لوجود الفاصل الذي ربما أثار تشويشا على الفهم. انتهى. فإن قيل: لِمَ لَمْ يكن الحكم هنا أنه يرد ثم يرد عليه أي حيث لم يكن مدلسا
стр. 5542
كما في بيعه بأكثر؟ فالجواب: أن الرد من المشتري الثاني لأجل العيب إنما يكون باختياره، ومن شأنه أن يختار الرد إن اشترى بأكثر والتمسك إن اشترى بأقل، فلذا عبر في الأولى بالرد وفي الثانية بتكميل الثمن. قاله بناني. وأشار إلى مفهوم قوله: إن لم يتغير، بقوله:
وتغير المبيع، وهذا التغير عام فيما وقف في رهنه وإجارته لخلاصه وفي غيره؛ يعني أن المشترى المعيب إذا تغير عند المشتري في زمن ضمانه فإن ذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكثر، وإما أن يتوسط، وإما أن يقل، فأما إن توسط بين الكثير المخرج عن المقصود وبين القليل الذي هو كالعدم فله؛ أي للمشتري التمسك بالمعيب وأخذ أرش العيب القديم، له رده أي المبيع ودفع أرش العيب الحادث عنده، ومحل التخيير إن لم يقبله البائع بالحادث بغير أرش، فيخير بين أن يتماسك ولا شيء له أو يرد ولا شيء عليه، كما يأتي في قوله: إلا أن يقبله بالحادث، وإنما كان الخيار له دون البائع لأنه هو المالك لذلك، ويستثنى من هذا التخيير حدوث سمن الدابة المعيبة بقديم فإنه إن تماسك أخذ أرش القديم، وإن رد فلا شيء عليه على المعتمد، خلافا لما يأتي من عده له في المتوسط، وأشعر كلامه أن التخيير المذكور قبل التقويم وهو كذلك على ظاهر المذدونة، بخلاف الاستحقاق فيجب فيه التقويم قبل التخيير ليلا يؤدي البداءة به إلى التمسك بثمن مجهول، واغتفر ذلك في العيب لما عليه من الضرر بالغرم إن رد. قاله الحطاب. وأجرة المقوم على المتبايعين في باب الفساد والظاهر أن هنا كذلك. قاله عبد الباقي. قوله: ومحل التخيير إن لم يقبله بالحادث لخ، قال بناني: ومحله أيضا في غير المدلس، فإن كان البائع مدلسا وحدث عند المشتري عيب في المبيع ففيه تفصيل يأتي في قوله: إلا أن يهلك بعيب التدليس لخ، وقوله: إن التخيير المذكور قبل التقويم هذا ظاهر المدونة، وفي المتيطي: قال بعض القرويين: إنما يخير المبتاع بعد التقويم والمعرفة بقيمة العيب القديم وما نقصه العيب الحادث، وأما قبل ذلك فلا يجوزة لأن المبتاع يدخل على أمر مجهول لا يعرف مقداره. انتهى. قال الرهوني: قال أبو علي: ما قاله بعض القرويين مخالف لظاهر المدونة وغيرها من نصوص المذهب والله أعلم. انتهى. وقوله أي عبد الباقي: بخلاف الاستحقاق، قال بناني: هذا غير صحيح ولم يقله الحطاب.
стр. 5543
تنبيهان: الأول: لو حدث عند المشتري الموضحة أو منقلة أو جائفة ثم برئت على غير شين فلا شيء عليه ولو أخذ لها أرشا، ولا يرد ما أخذ إن رد العبد، وأما إن برئت على شين فإن رد العبد، رد معه ما شانه، نقله في المنتقى وصاحب الشامل. الثاني: سئل ابن لبابة عن الرجل يبتاع جلودا فيُدخِلها الماء فيظهر على عيب فيها كان عند البائع دلس له به أو لم يدلس، هل إدخالها الماء فوت أم لا؟ فأجاب: ليس إدخالها الماء فوتا ولا عيبا فله القيام بالعيب والرد به. انتهى.
وقوما بتقويم المبيع؛ يعني أن كيفية التوصل لما مر من الرد ودفع الحادث أن يقوم العيبان القديم والحادث مع تقويم المبيع صحيحا، ومعنى التقويم للعيبين أن ينظر فيهما ليعلم قدر نقصهما، قال عياض: تقوم ثلاث تقويمات إن أراد الرد سالما وبالقديم وبالعيبين معا وهو الصواب. انتهى. فقوم سالما بعشرة وبالقديم ثمانية وبالحادث ستة، فنقصه القديم الخمس، وكذا الحادث، فإن تمسك رجع بخمس الثمن، قل أو كثر، وإن رد أعطى خمس الثمن قل أو كثر، فإذا كان الثمن في المثال المذكور عشرين، فإن تمسك أخذ أربعة، وإن رد أعطى أربعة، وهكذا؛ وبهذا ظهر بتقويمه صحيحا فائدة، وأما إن أراد التمسكَ فإنه يقوم تقويمتين صحيحا، وبالقديم فقط، ليعلم النقص بينهما، حتى يرجع به أو يسقط بنسبته من الثمن ويصير الثمن ما عداه، وقد مر أنه يقوم ثلاث تقويمات إن أراد المشتري الرد، وأنه هو الصواب، خلافا لقول ابن أخي هشام: إنه لا يحتاج فيها إلا إلى قيمتين قيمتها أولا بالعيب القديم وآخرا بالحادث عند المشتري، قال عياض: وفيه ظلم على المشتري؛ يعني أنه على هذا إذا رد قدر ما بين القيمتين من الثمن، رد في المثال المذكور مثل ربع الثمن، وإنما العدل أن يرد خمس الثعن كما في المدونة. قاله ابن غازي في تكميل التقييد. انتهى.
يوم ضمنه المشتري، متعلق بقوما؛ يعني أن المعتبر في التقويمات الثلاث أو التقويمتين يوم ضمن المشتري الشيء المعيب لا يوم العقد ولا يوم الحكم، ولا كما قال ابن المعذل: القديم يوم ضمان المشتري، والحادث يوم الحكم. قاله التتائي. ولا الحادث يوم حدوثه وإن كان هو المناسب لو
стр. 5544
قيل به؛ لأنه قبل ذلك صحيح، ثم إن تقويمه سالما وبالقديم في الوقت المذكور يجري في البيع الصحيح والفاسد، وأما تقويمه بالحادث فلا يجري في الفاسد أي المتفق على فساده؛ لأن حصول المتوسط فيه عند المشتري مفوت لرد المبيع فاسدا، فيمضي بالقيمة يوم القبض ولا يقوم صحيحا ولا بالحادث، وأما المختلف في فساده فإنه كالصحيح.
تتمة: إذا فسخ البيع قبل الفوات وكان المشتري قد نقد الثمن ولم يوجد ما يرد منه الثمن بيع المعيب ودفع منه الثمن، فإن فضلت فضلة وقفت على يد أمين حتى يقدم صاحبها، وإن مضى بالفوات ولزمت فيه القيمة وكان فيه فضل لم يوقف، واستشكل ذلك وأجيب بأجوبة أحسنها عندي ما لابن أبي زمنين وابن يونس، فإنه أي ابن يونس قال: انظر لِمَ لَمْ يوقف الفضل في فوات العبد كما وقف إذا لم يفت وباعه؟ فالجواب عن ذلك: أنه إذا لم يفت في البيع الفاسد فإن العبد يباع للمشتري ليقضي من ثمنه، ثم النظر للحاكم في الفضلة في أن يوقفها بيد من أحب المبتاع أو غيره لأنه مال قاض، وفي فوات العبد لم يُبَع فيبقى من ثمنه فضل، وإنما لزم المبتاع قيمته فإن كان فيها فضل فهو كدين للغائب على المبتاع، وليس للحاكم تقاضي دين الغائب إلا أن يكون مفقودا، ونحو هذا لابن أبي زمنين. قاله الرهوني. وقال المواق عند قوله: يوم ضمنه المشتري: نحو هذا عبارة ابن الحاجب، المازري: ويعتبر التقويم وقت ضمان ذات المواضعة والغائب والفاسد اتفاقا واختلافا. انتهى. واعلم أن تغير المبيع عند المشتري على ضربين: نقص وزيادة، والنقص ضربان: نقص من جهة القيمة، ونقص من جهة البدن، فالنقص من جهة القيمة ضربان لحوالة الأسواق فلا عبرة به، ولتغير حال المبيع كحدوث إباقه عند المبتاع هو كحوالة الأسواق، ويأتي الكلام في تزويج الرقيق عند المشتري، وأما النقص من جهة البدن فإن كان يسيرا كذهاب الظفر والأنملة في وخش الرقيق فكذلك هو لغو، كما سيذكره المص بقوله: إلا أن يقل فكالعدم، وإن كان كثيرا كالعور والشلل وقطع الإصبع من الوخش والأنملة من الرائعة فإن ذلك معتبر، يوجب الخيار للمشتري في الرد، ودفع قيمة ما حدث عنده، والتمسك وأخذ قيمة القديم، واختلف في هزال الرقيق والدواب وسمنها، فروى ابن حبيب: أن ذلك في الرقيق لغو سمنا كان أو هزالا، وكذلك سمن الدواب، بخلاف هزال الدواب فهو معتبر، وابن القاسم يعتبر
стр. 5545
السمن والهزال في الدواب ويلغيها في الرقيق، واختار ابن حبيب اعتبار ذلك كله، ورواه عمن يرضاه وهي الرواية عن ابن كنانة؛ وصلاح البدن بغير السمن البين لغو بلا خلاف، وأما إن كان النقص من غير جنس المبيع كذهاب مال العبد المشترط ماله أو صوف الغنم يذهب قبل جزه أو ثمر يتلف قبل الجذ فهو لغو، فإما أن يرد العبد ولا غرم عليه أو يرضى به ولا شيء له. قاله أبو علي: وأما الزيادة فأشار إليها بقوله:
وله أي للمشتري إن لم يحدث عنده عيب بل زاد بكصبغ ولو بإلقاء الريح الثوب في الصبغ وخياطة وكمد، وكل ما أضاف له من ماله مما لا ينفصل عنه، أو بفساد أن يتماسك ويأخذ أرش القديم، أو يرد المبيع للبائع ويشترك معه فيه بما زاد بصبغه على قيمته غير مصبوغ معيبا، كما في المواق؛ لأنه خرج من يد البائع كذلك، وإيضاح هذا أن المشتري للمعيب إذا زاد عنده بما أضاف إليه من ماله كصبغ وخياطة ونحوهما من غير حدوث نقص عنده فإنه أي المشتري يخير بين أن يتمسد بالمعيب ويأخذ أرش العيب القديم، وبين أن يرد ويكون شريكا في المبيع المعيب بما زاد فيه بصبغه مثلا على قيمته غير مصبوغ، فإن كانت قيمته مصبوغا خمسة عشر، وقيمته معيبا غير مصبوغ عشرة، فإنه إن رد يكون شريكا بالثلث دلس فيه البائع أم لا. قاله غير واحد. فإن أراد التمسك قوم سالما ومعيبا، فيقوم سالما بعشرين مثلا، ومعيبا بخمسة عشر، فيرجع بربع الثمن قل أو كثر. والله سبحانه أعلم. والصِّبغ بكسر الصاد ما يصبغ به وهو المراد هنا عن عبد الباقي، واختار ابن عاشر ضبطه بالفتح مصدرا، قال عبد الباقي: ومفهوم إن زاد شيئان، أحدهما: أنه لو لم يزد بالصبغ ولم ينقص بالصبغ فهو بمثابة ما لو لم يحدث عنده شيء فله رده علئ البائع مدلسا أم لا، وله التمسك وأخذ أرش المعيب. قاله في المدونة. قاله الشيخ سالم. وثانيهما: نقصه، يأتي في قوله: وفرق بين مدلس وغيره إن نقص، فإن دلس البائع فله رده عليه من غير أرش، وإن لم يدلس فله حكم العيب الحادث. انتهى. وفُرِق بين الصبغ مع إلعيب بقيده بالزيادة وبينه مع الاستحقاق حيث جعل شريكا بقيمة الصبغ رد أم لا، بأنه فيه أخذ من يده
стр. 5546
قهرا وقد لا يزيده الصبغ فيذهب عمله باطلا، بخلاف العيب فإن خيرته تنفي ضرره. انتهى. من شرح عبد الباقي.
تنبيه: قال بناني قال ابن عرفة: قال أبو عمران: الشركة بالصبغ في خمس مسائل: مسألة العيب، ومن ألقت الريح ثوبه في قصرية صباغ الشركة فيهما بما زاد، ومسألة الاستحقاق، ومن فلس بعد صبغه ثوبا اشتراه فأخَذه بائعه أشركه فيهما بقيمة الصبغ، ومسألة كتاب القراض من المدونة في العامل يصبغ ثياب القراض بمال نفسه يكون شريكا بما أدى. ولا شركة بالصبغ في ثلاث: من صبغ ما غُصِب لربه أخذه مجانا أو قيمته، ومن دفع ثوبا لمن اشتراه منه فبان أنه غيره بعد صبغه يعني المشتري له إن لم يدفع بائعه قيمة صبغه غرم له قابضه قيمته أبيض، والقصار يخطئ كذلك. انتهى. صوابه: والصباغ يخطي كذلك، قال في التوضيح: وقالوا فيمن دفع ثوبا إلى صباغ فأخطأ وصبغه غير ما أمره به واعترف الصباغ بذلك: أن له أن يعطيه قيمته ويأخذ ثوبه، أو يضمنه قيمته كالغاصب. انتهى. قاله الرهوني. قوله: من صبغ ما غصب لربه لخ، مخالف لما ذكره آخرا عن التوضيح، وما في التوضيح هو المشهور وهو مذهب المدونة، وهو الذي درج عليه المص في باب الغصب. انتهى. وقال عبد الباقي: قال أصبغ: في عامل القراض يصبغ الثوب من عنده فإن أعطاه رب المال ما صبغه به وإلا كان شريكا به وإن لم يزد. انتهى. أي لأن له حصة في السلعة وهو مأذون له في تنمية المال، فكأنه صبغه بإذن ربه. انتهى.
يوم البيع؛ متعلق بالكون أو الاستقرار خبر مبتدأ محذوف؛ أي والتقويم يوم البيع. قاله عبد الباقي. والظاهر أن المراد بيوم البيع يوم ضمان المشتري كما أشار له بعض، قال الشارح: ومعنى قوله: بما زاد؛ أي الصبغ أن يقوم بالصبغ ثم بغير الصبغ، فإن قيل: قيمته بلا صبغ عشرون وبالصبغ خمسة وعشرون، فقد علمت أن الذي زاده الصبغ الخمس، فيكون شريكا في الثوب بذلك، واختلف الأشياخ هل تعتبر هذه القيمة يوم البيع كما يعتبر النقص وهو اختيار ابن يونس وإليه أشار بقوله: على الأظهر؛ أي فصواب قوله: على الأظهر: على الأرجح، أو لا تعتبر هذه القيمة إلا يوم الحكم؟ وإليه ذهب ابن المواز والقابسي. انتهى. ومشى المص على الأول لقول ابن يونس: إنه هو الصواب، قال عبد الباقي: قال ابن غازي: وقد رأيت في نسخة شيخنا القوري
стр. 5547
مصلحا "ويشترك بما زاد يوم البيع على الأرجح والحكم على الأظهر" انتهى. كذا في نسخة صحيحة من ابن غازي بعضها بخط التتائي، وتكلم المص على الزيادة بإضافة مال، وعلى الزيادة في عين المبيع، كسمن الدابة وكبر الصغير فيما يأتي، وبقي من أقسامها الزيادة بحوالة سوق وهي غير معتبرة، كما لا يعتبر ذهاب الثمرة ومال العبد فيرد، ولا شيء عليه فيما ذهب إذا وقع الشراء قبل طيب الثمرة كان قبل الإبار أو بعده. قاله الحطاب. قاله عبد الباقي. وهذا العزو صحيح، فإن في الحطاب عن ابن رشد: أنه لا خلاف أن النقصان من غير عين المبيع مثل أن يشتري النخلة بثمرتها قبل الإبار أو بعده والعبد بماله فيذهب مال العبد بتلف أو ثمرة النخلة بجائحة لا يعتبر، وهو بالاختيار بين أن يرد ولا شيء عليه أو يمسك ولا شيء له. انتهى. قال عبد الباقي: ولو تعلم العبد صنعة فزادت قيمته فكذلك؛ أي فهو غير معتبر، وأما الزيادة المضافة للمبيع من غير جنسه كحدوث مال العبد وثمر لكنخل فلا خلاف أن ذلك لا يسقط خياره، لكنه يخير بين رد العبد بماله والنخل بثمره ما لم يطب ويرجع بالسقي والعلاج، أو يتمسك ولا شيء له في الوجهين. انتهى. وقال الشيخ أبو علي: وأما الزيادة فإن كانت في القيمة دون العين كالزيادة في النفاق والمعرفة والفصاحة فذلك لغو، وإن كانت في الجسم فإن كانت نماء كالسمن كالدابة المهزولة تسمن ففي ذلك روايتان: اعتباره إذا كان سمنا بينا، ولغوه؛ وإن كانت الزيادة بمعنى يضاف للمبيع فإن نما خارجا عنه فعلى وجهين، إما من جنسه كالولد، أو من غير جنسه كالثمرة والصوف واللبن وغلة العبيد والرباع، فروي عن ابن كنانة: أن من اشترى شاة حاملا فوضعت، وأكل المشتري سمنها ثم وجد عيبا قديما فله أن يمسك ويأخذ أرش القديم، أو يردها ونقص من ثمنها يوم الشراء؛ لأنها كانت ترجى، وروى ابن القاسم: أنه يردها وقيمة الولد، والأظهر تخريج الولادة على السمن، وأما الثمرة وما ذكر معها فلغو، وإن كانت الزيادة صنعة ثابتة في المبيع كالصبغ والخياطة والقصارة والرقم في الثوب مما لا يمكن فصله من المبيع إلا بفساد فذلك معتبر. انتهى. نقله أبو علي عن الباجي، وقال الحطاب: الزيادة على خمسة أوجه، زيادةٌ بحوالة الأسواق؛ وزيادةٌ في حال المبيع مثل أن يكون عبدا فيتعلم الصنعة ويتجر فتزيد قيمته
стр. 5548
لذلك، وكلاهما لا يعتبر ولا يوجب للمبتاع خيارا؛ وزيادةٌ في عين المبيع بنماء حادث فيه كالدابة تسمن والصغير يكبر، أو بشيء من جنسه مضاف إليه كالولد ففيه خلاف يأتي عند قول المص: كعجف دابة وسمنها؛ وزيادةٌ مضافة للمبيع من غير جنسه مثل أن يشتري العبد ولا مال له فيفيد عنده مالا بهبة أو صدقة أو كسب من تجارة ما لم يكن ذلك من خراجه، أو يشتري النخلة ولا ثمرة [فتثمر] (١) عنده، فهذا لا اختلاف أن ذلك لا يسقط خياره، فيخير بين أن يدفع العبد وماله والنخلة وثمرتها ما لم تطب، ويرجع بالسقي والعلاج على مذهب ابن القاسم، أو يمسك ولا شيء له في الوجهين، وقوله: ما لم تطب؛ أي ما لم تُزْهِ، كما سيأتي في كلام ابن غازي عند قول المص: ولم ترد كشفعة وزيادة أحدثها المشتري في المبيع من صنعة مضافة إليه كالصبغ والخياطة والكمد وما أشبهه مما لا ينفصل عنه إلا بفساد، فلا اختلاف أن ذلك يوجب له الخيار بين أن يتمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويكون شريكا؛ وهذا الوجه الخامس هو الذي تكلم عليه المص هنا، وأما الوجهان الأولان فلم يتكلم عليهما، وكذا الرابع، وأما الثالث فسيأتي الكلام عليه عند قوله: كعجف دابة؛ وأما كيفية التقويم فقد تكلم عليها ابن غازي، وحاصله: أنه إذا حدثت زيادة عند المشتري ولم يحدث عنده عيب فإنه يخير، فإن اختار التمسك فيقوم المبيع تقويمتين، يقوم سالما ثم معيبا، ويأخذ من الثمن بنسبة ذلك، وإن اختار الرد قوم تقويمتين أيضا، فيقوم بالعيب القديم غير مصبوغ، ثم يقوم مصبوغا، فما زادت قيمته مصبوغا على قيمته غير مصبوغ نسب إلى قيمته مصبوغا، وكان المشتري شريكا في الثوب بنسبته، كما إذا قوم غير مصبوغ بثمانين، ومصبوغا بتسعين، فتنسب العشرة الزائدة إلى التسعين، فتكون تُسْعا فيكون المشتري شريكا في الثوب بالتسع، وأما إذا حدث عند المشتري عيب وزيادة وإليه أشار بقوله:
وجبر به الحادث؛ يعني أن المشتري للمعيب إذا زاد فيه شيئا كالصبغ والخياطة والقصارة وحدث فيه عنده عيب فإنه يجبر العيب الحادث عنده بما زاده في المبيع، فإن ساواه فإن تماسك فله أخذ أرش العيب، وإن رد فلا شيء عليه، فإذا تمسك به فلا يقوم إلا تقويمتين، سالما
стр. 5549
وبالعيب القديم، وإن نقص غرم تمام قيمته معيبا إن رده، فإن تماسك أخذ أرش العيب القديم، وإن زاد كان شريكا بالزائد، فلو كانت قيمته سالما مائة، وبالقديم تسعين، وبالحادث ثمانين، وبالزيادة تسعين، لساوى الزيادة النقص، فإن زاد فلا غرم، وإن كان خمسة وثمانين غرم مع الرد نصف عشر الثمن، وخمسة وتسعين شارك بمثل ذلك، وهذه التقويمات الأربع إنما هي مع الرد كما عرفت، فإن تمسك لم يزد على القيمتين الأوليين؛ واعلم أن مسألة المص ثمانية أقسام، أولها وثانيها: أن يحدث عنده نقص فقط فيقوم تقويمتين إن أراد التمسك، وإن أراد الرد قوم ثلاث تقويمات كما مر. ثالثها ورابعها: أن يحدث عنده نقص وزيادة لا تجبره وأراد التمسك، قوم تقويمتين، فإن أراد الرد قوم أربع تقويمات. خامسها وسادسها: أن يحدث عنده نقص وزيادة تجبره، فإن أراد الرد قوم أربع تقويمات، وإن أراد التمسك قوم تقويمتين. سابعها وثامنها: حدوث زيادة فقط عنده فيقوم تقويمتين أراد التمسك أو الرد.
وفرق بين مدلس وغيره إن نقص، هذه مسائل ست يفرق فيها بين المدلس وغيره إحداها: هذه وهي أن المشتري إذا تصوف في المبيع المعيب بكصبغ فحدث بسببه نقص في المبيع فإنه يفرق في ذلك بين المدلس وغيره، فإذا صبغه مثلا صبغا لا يصبغ به مثله، فإن كان البائع مدلسا ورده فلا أرش له؛ أي للبائع على المشتري للنقص، وإن تماسك أخذ أرش العيب القديم، وإن كان غير مدلس، فإن رد أعطى أرش العيب الحادث، وإن تماسك أخذ أرش العيب القديم، فقوله: إن نقص فاعله ضمير يعود على قوله: كصبغ، ومدخول الكاف ما شابه الصبغ مما هو من صناعته كخياطة، أو فاعله ضمير يعود على المشتري ومتعلقة محذوف؛ أي نقص المشتري المعيب بسبب كصبغ، كما لبناني، ولا يشمل كلامه القطع كما في الرهوني لما سيأتي، وفي شرح عبد الباقي: وقيد المص بثلاثة قيود: أن يكون النقص معتادا وإلا فات المبيع ولو دلس البائع، وللمشتري حينئذ أرش القديم. الثاني: أن يكون النقص لا عن انتفاع المشتري، فإن نشأ عنه كلبس ثوب لبسا ينقصه رد معه قيمة اللبس ولو دلس البائع؛ لأن المشتري صان به ماله. الثالث: أنه خاص
стр. 5550
بالثياب لكثرة التدليس بها دون العقار والحيوان لندوره بهما، فيرد المشتري أرش الحادث عنده إن رد للبائع ولو دلس. انتهى.
وبما قررته لا يكون المصنف مقيدا. وبالله تعالى التوفيق. والمدلس من يعلم العيب حين البيع ويكتمه، فمن نسيه حينه ولم يذكره للمبتاع حتى قام عليه فليس بمدلس، فإن ذكره بعد البيع وقبل قيام المبتاع ولم يذكره له فتردد الحطاب في كونه مدلسا أم لا، أو يقال: إن تَذكَّره والمبيع في ضمانه ولم يذكره للمشتري فمدلس وإلا فلا.
كهلاكه من التدليس، تشبيه في أنه يفرق بين المدلس وغيره، وهذه هي المسألة الثانية من المسائل الست، ومعنى كلامه أن المشتري للمعيب إذا هلك عنده الشيء المشترى بسبب العيب الذي اشتراه وهو به، فإنه يفرق بين أن يكون البائع دلس وأن لا يدلس، فإن دلس فإنه لا يرجع على المشتري بشيء، فإن كان أخذ الثمن رده إليه، وإن لم يأخذه فلا شيء له، وإن لم يدلس فإنه يتعين الأرش، فيكون من أفراد قوله: وفوته حسا ككتابة وتدبير لخ، وفي المص حذف الواو مع ما عطفت بدليل تشبيهه بما يفرق فيه بين المدلس وغيره، والتقدير كهلاكه من التدليس وغيره، فإذا أبق المبيع المعيب من المشتري فهلك في إباقه من سبب الإباق، أو سرق فقطعت يده فمات، فإن دلس البائع فلا شيء على المشتري، ويرجع على البائع بجميعه إن أخذه، ولا يدفع له منه شيئا إن لم يكن أخذه؛ وما هلك بسماوي زمن عيب التدليس فهو بمثابة ما هلك بعيب التدليس، كما يأتي للمص.
وأخذه منه بأكثر، هذه المسألة الثالثة يعني أنه إذا باع الرجل سلعة وبها عيب ثم اشتراها من المشتري بأكثر من الثمن الذي باعها به فإن كان البائع مدلسا لم يكن له رجوع على المشتري، وإن لم يكن مدلسا فإنه يرد على المشتري ثم يرد المشتري عليه، كما قدمه بقوله: أو بأكثر إن دلس وإلا رد ثم رد عليه، فأعادها لجمع النظائر.
وتبرؤ مما لم يعلم، هذه رابعة المسائل، وفي الكلام حذف الواو مع ما عطفت كما في الخرشي، يعني أنه إذا تبرأ البائع من عيب لم يعلمه فإنه يكون غير مدلس فتنفعه البراءة، وإن تبرأ مما علم فيكون مدلسا فلا تنفعه البراءة، وكلام المؤلف خاص بالرقيق إذ هو الذي تنفع فيه البراءة كما
стр. 5551
مر، والمدلس هو العالم بالعيب ويكتمه، فإذا لم يعلم بالعيب وتبرأ منه نفعه ذلك، وإذا علمه وكتمه لم ينفعه سواء كان فيهما شأنه التدليس أم لا.
ورد سمسار جعلا، هذه خامسة الست؛ يعني أنه يفرق بين المدلس وغيره في رد السمسار للجعل الذي أخذه من البائع، فإن كان البائع للمعيب غير مدلس ورد عليه المبيع فإن السمسار يرد له الجعل دلس السمسار أم لا، ابن يونس: إذا رد بحكم حاكم أما إن قبله البائع متبرعا لم يرد كالإقالة، والاستحقاقُ في رد الجعل للبائع كالعيب يفرق بين المدلس وغيره، فإن دلس البائع لم يرد السمسار الجعل، رد المبيع أم لا، بل يفوز به إن لم يكن عالما بالعيب، قال عبد الباقي: فإن علمه فكذلك عند ابن يونس، إلا أن يتفق مع البائع على التدليس فله جعل مثله رد المبيع أم لا، وعند القابسي له جعل مثله في علمه إن لم يرد المبيع، فإن رد فلا شيء له، ولم يفصل بين اتفاقه مع البائع وعدمه، وله تحليف البائع أنه لم يدلس. وجعلي موضوع المص أخذ الجعل من البائع تحرز عن أخذه من المشتري، فإنه يرجع به إذا رد على البائع، ثم البائع إن كان غير مدلس يرجع به على السمسار، وإلا فلا؛ وأما ما دفعه المشتري حلاوة للسمسار على تحصيل المبيع فلا يرجع به إلا أن يعلم السمسار عيبا بالمبيع، هذا والمأخوذ من المدونة: أن جعل السمسار على البائع عند عدم الشرط والعرف. انتهى. قوله: فإن علم فكذلك لخ، نحوه يوهمه في التوضيح، واعترض بأنه لا خلاف بين القابسي وابن يونس أنه لا شيء له إذا رد المبيع مع علم السمسار بالتدليس، إنما خلافهما إذا تم البيع خاصة، فابن يونس يقول: له الجعل المسمى إن لم يتفق مع البائع على التدليس وإلا فجعل مثله؛ والقابسي يقول: له جعل مثله في علمه مطلقا اتفق مع البائع أم لا، أما إن رد البيع فلا خلاف بينهما أنه لا شيء له في علمه، كما يفيده ابن عبد السلام وابن عرفة انظر مصطفى. قاله بناني.
ومبيع لمحله، هذه هي المسألة السادسة، ومبيع معطوف على سمسار، والجار والمجرور متعلق برد، والمراد بمحله موضع قبضه من المدلس؛ يعني أن على البائع المدلس رد المبيع الذي نقله المشتري إلى محل قبضه؛ أي إلى المحل الذي قبضه فيه المشتري ونقله عنه إلى محل آخر،
стр. 5552
وعليه أيضا أجرة نقل المشتري له إلى بيته، ولا يرجع عليه بأجرة حمله إذا سافر به. قاله ابن رشد. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وعلى بائع مدلس رد مبيع نقله المشتري لموضعه ثم اطلع على عيب فيه قديم لمحله؛ أي موضع قبضه من البائع المدلس إن رد على البائع المدلس بعيب، وعليه أيضا أجرة نقل المشتري له إلى بيته، ولا يرجع عليه بأجرة حمله إذا سافر به إلا أن يعلم أن المشتري ينقله إلى بلد فكنقله إلى داره، ولو كان المبيع مكيلا أو موزونا فنقله لبلد ثم اطلع على عيب به كان للمشتري حبسه، وغرم مثله في بلد الشراء وتسليمه ويجبر البائع على أخذه إن دلس وإلا لم يجبر على أخذه. قاله بعض الشراح. وقوله:
إن رد بعيب، راجع للمسائل الست وهو تصريح بما علم التزاما. قاله الخرشي. وإلا يكن البائع مدلسا رد أي كان على المشتري رده إن قرب الموضع الذي نقله له، والقريب ما لا كلفة في نقله له، وإلا بأن بعد فات الرد ورجع المشتري بأرش العيب. قاله عبد الباقي. وقال الحطاب: يفوت إلا أن يكون المبيع عبدا أو دابة لا يتكلف في رجوعه كراء والطريق مأمونة. انتهى. وقال الخرشي: أي وإن لم يكن البائع مدلسا فإن على المشتري رده إن نقله لموضع قريب، فإن بعد المكان الذي نقله إليه فات ووجب للمشتري الرجوع بأرش العيب، وقوله: لمحله، في نسخة بالباء وهي بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أي إلي.
وعلم مما قررت أن قوله: وإلا، راجع لمقدر أي على البائع رده إن كان مدلسا وإن لم يكن مدلسا، فعلى المشتري الرد، ومثل للعيب المتوسط الحادث عند المشتري مع وجود عيب قديم عند البائع بقوله:
كعجف أي هزال دابة، قال الشارح: فإذا ابتاع دابة فعجفت عنده واطلع على عيب فيها قديم فإنه أي المشتري يخير بين ردها ودفع قيمة الحادث والتماسك بها وأخذ أرش العيب القديم، أصبغ: لم يختلف قول مالك أن عجف الدابة مما يخير فيه المشتري، وكذا نص عليه ابن المواز وابن يونس وغيرهما، وجعله في الجواهر من القسم المفيت، قال: وهو المشهور. وسمنها؛ يعني أن سمن الدابة من العيب المتوسط؛ يعني سمنا بينا، وأما السمن غير البين فلغو بلا خلاف، كما مر عن الشيخ أبي علي، وقال عبد الباقي: وسمنها بينا لا ما صلحت به فليس بعيب، وجعلُه
стр. 5553
السمن من المتوسط ضعيفٌ، والمعتمد أنه إن رد بالقديم لا يلزمه أرش السمن، وإن تماسك أخذ أرش القديم، وعلى هذا فليس السمن من المتوسط ولا من المفيت، وأجيبَ بأنه لعل من عده من المتوسط أراد في مطلق التخيير، أوأنه حدث بسببه عيب متوسط فهو المنظور إليه حينئذ، لا سببه وهو السمن؛ ومفهوم دابة أن الهزال والسمن في غيرها كعبد وأمة ليس بعيب وهو كذلك، إلا أن يحدث عن ذلك عيب متوسط. انتهى. وقال الشارح: وأما سمن الدابة عند المشتري فقال مالك: أراه ليس بفوات كالرقيق وهو مخير بين أن يرد ولا شيء عليه أو يتمسك ويرجع بقيمة العيب. وقاله ابن القاسم إذا سمنت سمانة بينة.
وعمى وشلل؛ يعني أن العمى والشلل من العيب المتوسط، فيخير المشتري فيهما بين التماسك وأخذ أرش العيب القديم، والرد ودفع ما ينوب العمى والشلل من الثمن؛ قال الشارح: واختلف في العمى والشلل فقال في المدونة: يخير المشتري بين أن يرد المبيع وما نقص عنده، أو يتمسك به ويرجع بحصة العيب القديم من الثمن، فجعله من القسم المتوسط، وجعله ابن مسلمة من القسم المفيت، وصرح المازري بمشهورية ما في المدونة، واستظهر بعضهم قول ابن مسلمة؛ لأن العمى والشلل يبطلان المنفعة المقصودة.
وتزويج أمة؛ يعني أن من باع أمة معيبة وتزوجت عند المشتري ثم اطلع على عيبها فإنه يخير بين أن يردها ويدفع ما ينوب عيب التزويج من الثمن، ويتماسك بها ويأخذ أرش العيب القديم من الثمن؛ لأن التزويج للأمة من المتوسط، وهذا هو المشهور، وقال بعض المتأخرين: إن التزويج للأمة من العيوب اليسيرة التي لا تؤثر في المبيع نقصا، ونقله المازري، وعليه فيردها ولا شيء عليه أو يتمسك ويرجع بأرش العيب. انظر الشارح. وقال عبد الباقي: وتزويج أمة لا عبد، ولا يخفى عليك الفرق؛ قاله المص؛ أي فإن تزويج الأمة فيه تفويت منفعة الوطء على البائع، بخلاف تزويج العبد فلا تفويت. قاله الناصر اللقاني؛ ولكن نقل الرجراجي وغيره: أن مثل كتوج الأمة تزوج العبد، وترَجِّي أحمد له قصور، وقُيَّد تزويج الأمة بما إذا كان ينقص من ثمنها وبقيت على الزوجية، وإلا جرى فيها الأقوال السابقة في شرائها فتوجد متزوجة، كما
стр. 5554
للرجراجي، ودخل بالكاف ما كان من عيوب الأخلاق، كزنى وشرب خمر وسرقة وإباق حدث عند المشتري ثم اطلع على قديم، فمن المتوسط كما شهره الرجراجي، خلافا لجعل ابن حبيب له من القليل. انتهى.
وجبر بالولد؛ يعني أن العيب الحادث عند المشتري للمعيب عيبا قديما يجبر بالولد وإن لم يكن عيب تزويج؛ أي الولد الحاصل عند المشتري بحيث يصير بمنزلة ما لم يحدث فيه عنده عيب، فإن رد فلا غرم، وإن تماسك فلا شيء له، وهذا إذا كانت قيمته تجبر النقص؛ أي تساويه عند الأكثر وهو الصحيح وظاهر المدونة فإن نقصت رد مع الولد ما بقي، فإن زادت فليس على البائع الزيادة إن رد عليه المبيع، ولا يشارك به المشتري، والفرق بينه وبين الصبغ أنه من سببه بخلاف الولد. انتهى. وقال بناني: قال ابن غازي: قال أبو إسحاق وابن محرز والمازري: وصفة التقويم أن يقال: قيمتها سالمة مائة، وبالعيب القديم ثمانون، ثم إن كانت قيمتها به وبعيب النكاح وزيادة الولد ثمانين فقد جبر الولد عيب النكاح، فللمشتري أن يحبسها ولا شيء له، أو يردها ويأخذ جميع ثمنه، وإن كانت قيمتها بما ذكر سبعين خير في إمساكها مع رجوعه بالعيب القديم وهو خُمُس الثمن، وردها مع ما نقص عنده وهو العُشُر. انتهى. وهو معنى ما عند ابن يونس. انتهى كلام التكميل. وذكر ابن عرفة عن سماع ابن القاسم: من ابتاع جارية فزوجها فولدت ثم وجد بها عيبا قديما له ردها بولدها وحبسها ولا شيء له، وقاله ابن القاسم: وقوله: [وجبر به الولد] (١)، قد علمت أن المراد أن الولد يجبر العيب الحادث عند المشتري، والمراد بالولد الولد الحادث عند المشتري، ولا فرق في هذا بين الأمة وغيرها من الحيوان.
إلا أن يقبله بالحادث، مستثنى من قوله: فله أخذ القديم ورده ودفع الحادث؛ يعني أن ما تقدم من أن المشتري مخير في العيب المتوسط بين أن يتماسك ويأخذ أرش العيب القديم، وأن يرد ويرجع بالثمن ويدفع مناب العيب الحادث من الثمن، محله حيث لم يقبل البائع شيئه بالعيب الحادث، وأما إن قبله بالعيب الحادث فإن العيب الحادث يكون كالعدم، فيخير المشتري
стр. 5555
حينئذ بين الرد ولا شيء عليه والتماسك ولا شيء له. وقوله: أو يقل، عطف على يقبله، فهو في حيز الاستثناء، قاله مقيده. وهو منقطع؛ ومعناه أنه إذا قل العيب الحادث عند المشتري بحيث لا يؤثر نقصا كما في الأمثلة الآتية، كما قاله عبد الباقي، فإنه يكون كالعدم، فيخير المشتري بين التماسك ولا شيء له والرد ولا شيء عليه. واللَّه سبحانه أعلم. قال بناني: قال في التوضيح: واختلف في اليسير فقيل: ما أثر نقصا يسيرا في الثمن، وقيل: ما لم يؤثر فيه نقصا أصلا، وإليه ذهب الأبهري. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن يقبله البائع بالعيب الحادث أو يقل العيب جدا بحيث لا يؤثر نقصا كما في الأمثلة الآتية.
فكالعدم، في المسألتين، فلا خيار للمشتري في التماسك وأخذ الأرش، بل إنما له التماسك ولا شيء له أو الرد ولا شيء عليه، لأنه إنما كان له التماسك وأخذ القديم لخسارته لأجل العيب الحادث، فحيث أسقط عنه البائع حكم العيب الحادث انتفت العلة، وإنما كان له الرد بالقديم ولو قل بخلاف الحادث، لأن البائع قد يتوقع تدليسه بخلاف المشتري، وهذا استحسان؛ والقياس التسوية. قاله في شرح الشامل. ومثل للقليل بقوله:
كوعْك، بسكون العين وهو أمراض يعارض بعضها بعضا فيخف ألمها، قاله البساطي، وهو أحسن من تفسيره بأنه مغث الحمى أي ما ليس بشديدها لتكرره مع قوله: وخفيف حمى، وأدخلت الكاف نحو الموضحة إذا برئ ذلك على غير شين، فإن برئ على شين فيرد مع العبد ما شانه كما في الحطاب، وقد مر ذلك بأوفى من هذا. ورمد، يعني أن الرمد عند المشتري من الحادث القليل وكذا الصداع بضم أوله كما أشار إليه بقوله: وصداع، وهو وجع الرأس. وذهاب ظفر، يعني أن ذهاب الظفر إذا حدث عند المشتري من التغير القليل ولو من رائعة، وأما ذهاب الأنملة فمتوسط في الرائعة، وذهاب الأصبع من المتوسط مطلقا، وانظر هل المراد الظفر الواحد أو ولو أكثر؟ والظاهر أن ما زاد على واحد متوسط في رائعة فقط؛ وانظر ذهاب أكثر من أنملة. قاله عبد الباقي. وخفيف حمى، يعني أن خفيف الحمى إذا حدث عند المشتري فهو من التغير القليل فهو كالعدم، فيخير المشتري بين أن يرد ولا شيء عليه أو يتماسك ولا شيء له. ووطء ثيب، يعني أن
стр. 5556
المشتري إذا اطلع على عيب قديم في الأمة بعد ما وطئها وهي ثيب فإن ذلك كالعدم، فهو مخير بين أن يرد ولا شيء عليه للبائع وبين أن يتماسك ولا شيء له، وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وروى ابن وهب وابن نافع وأصبغ: أن ذلك مفيت. قاله الشارح.
وقطع معتاد، يعني أن المشتري للمعيب إذا اطلع على عيبه بعد قطعه قطعا معتادا فإن ذلك كالعدم، فيرد ولا شيء عليه أو يتماسك ولا شيء له، قال عبد الباقي: ممثلا للقطع المعتاد كقطع الشقة نصفين دلس البائع أم لا، وكجعلها قميصا أو قباء إن دلس، وإلا فمتوسط، ومفهوم قوله: معتاد، فوته بغير المعتاد كما يأتي، وقد مر أن التغير الحادث عند المشتري إما متوسط وإما قليل، وقد مر الكلام عليهما، وإما كثير مخرج عن المقصود وإليه أشار بقوله:
والمخْرِجُ عن المقصود مفيتُ، يعني أن التغير الحادث عند المشتري المخرج للسلعة عن منافعها المقصودة منها مفيت للرد، دلس البائع أم لا. فالأرش، أي وإذا فات الرد فإنه يتعين أخذ الأرش، أي قيمة العيب القديم، فيقوم سالما ومعيبا بالقديم، ويأخذ المشتري من الثمن النسبة، كما مر في قوله: وفوته حسا، وهذا أعم مما سبق، أو ما سبق فيما خرج من يده وما هنا فيما بقي وحدث فيه تغير مفيت، وظاهر المص تعين الأرش، وهو ظاهر عند التنازع، وأما عند التراضي فعلى ما تراضيا عليه، وظاهره أيضا تعين الأرش ولو رضي البائع بقبوله بالحادث الذي لا يذهب عينه ويرد جميع الثمن، وظاهره أيضا ولو حدث عند المشتري جابر للحادث عنده وهو ظاهر كلام غيره أيضا.
ككبر صغيرٍ. هذا مثال للتغير الكثير المفيت، يعني أن كبر الصغير الذي اشتُري معيبا مفيت لرده فيقوم سالما ومعيبا، وسيأخذ المشتري من الثمن النسبة، وقوله: ككبر صغير، هذا مذهب المدونة، وقيل: متوسط، وهو لمالك في الموازية، ويدخل في ذلك أي التغير المفيت ما إذا فات بهدم أو بناء، وقال في مختصر المتيطية: ونفقة عشرة دنانير فوت إذا كان الثمن يسيرا، فإن كان كثيرا فليس بفوت إلا أن ينفق النفقة الكثيرة؛ قال: وأما يسير الهدم فيرد معه ما نقص. انتهى. قاله الحطاب. وقال: ككبر صغير عاقلا أو غيره ولو إبلا كما هو ظاهره، ويدل له تعليل الشارح بأن
стр. 5557
الصغير جنس والكبير جنس، خلافا لمن قال: الكبر في الإبل لا يفيت الرد، وتقدير موصوف المخرج المار متعين، وليس تقدير العيب صحيحا لأن كبر الصغير ليس بعيب.
وهرم، يعني أن هرم الكبير من التغير المفيت للرد بأن يضعف عن المنافع المقصودة منه ولم يمكنه الإتيان بها، هذا الذي صححه الباجي، وقال عبد الوهاب: إذا هرم هرما لا منفعة فيه فإنه فوت؛ ومن المدونة قال مالك: من ابتاع صغيرا فكبر عنده أو كبيرا فهرم عنده فذلك فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب من الثمن ولا خيار لأحدهما. انتهى.
واقتضاض بكر، يعني أن اقتضاض بكر الحادث عند المشتري من التغير المخرج عن المقصود، فتقوم سالمة ومعيبة بالقديم، ويأخذ المشتري من الثمن النسبة، قال عبد الباقي: واقتضاض بالقاف والفاء كما في القاموس، واقتصر الصحاح على الأول، بكر علية أو وخش، وما ذكره المص ضعيف حكاه في الشامل بقيل، والمنصوص وهو قول مالك: أنه من المتوسط كما في الشارح وابن غازي، وقيده الباجي بالعلية، وارتضى الحطاب ما للشارح وابن غازي. انتهى. وقال التتائي: واقتضاض بكر، قاله ابن راشد في كتابه المُذهب في تحرير المذهب، حيث قال: المشهور أنه مفيت، وتبعه المص وتعقبه الشارح، وتبعه البساطي بأنه من المتوسط، ومثله لابن شأس، وقال ابن عرفة: المنصوص أنه من المتوسط وعن مالك: أنه من المتوسط، وقيده الباجي بالعلي، وأما الوخش فلا ينقصها.
وقطع غير معتاد، يعني أن القطع الذي ليس بمعتاد مفيت للرد، كجعل الشقة برانس أو قلاعا للمراكب، أو ثوب الوشي أي الحرير تبابين، قاله التتائي. وهو بالتخفيف بوزن فعاليل جمع تبان مثقل قال ابن حجر على البخاري: تبان بضم المثناة الفوقية وتشديد الموحدة، وهو على هيئة السراويل ليس له رجلان يتخذ من جلد. انتهى. أي غالبا، وفي القسطلاني بعد الضبط المذكور: أنه سروال صغير يستر العورة المغلظة فقط. انتهى. وفي الكرماني: أنه نحو شبر، ولا فرق في القطع المذكور بين كون البائع مدلسا أم لا، وأما قطع الشقة نصفين فمعتاد دلس البائع أم لا، وقمصا ونحوها قليل بالنسبة للبائع المدلس متوسط لغيره كما مر، فلها ثلاثة أحوال. قاله
стр. 5558
عبد الباقي. وقال أبو علي عند قوله: وقطع معتاد بعد كلام كثير: وحاصله أن نقص البيع إن كان بأمر سماوي أو بفعل المشتري فهو من المتوسط إذا كان في الحيوان والدور وإن دلس البائع، والنقص ليس من عيب التدليس، وأما نقص الثياب بالتقطيع والصبغ ومثلها الجلود تقطع فإما أن يكون القطع غير معتاد فهو فوت ومخرج عن المقصود مطلقا، دلس البائع أم لا، ويتعين أرش القديم. انتهى.
إلا أن يهلك بعيب التدليس، مستثنى من قوله: فالأرش، يعني أن ما مر من قوله: فالأرش، محله فيما إذا لم يهلك المشترى بعيب التدليس، وأما إن هلك بالعيب الذي دلس به البائع فإن المشتري يرجع بجميع ثمنه ولا يترك منه للبائع شيئا، فإذا دلس البائع بحرابة عبد بأن علم بها وقت البيع وكتمها عن المشتري فحارب فقتل فإن المشتري يرجع بجميع ثمنه. أو يهلك بسماوي زمنه. يعني أنه لا فرق بين موت المبيع بعيب التدليس وموته بسماوي زمنه، أي زمن العيب الذي دلس به البائع. كموته. أي المعيب في إباقه. هذا مثال السماوي، يعني أنه لو مات المعيب الذي دلس البائع بعيبه في زمن العيب، كما لو أبق فمات في زمن الإباق المدلس به بلا سبب الإباق، بل بأمر سماوي أي من اللَّه تعالى بلا واسطة، بأن مات حتف أنفه، فإن المشتري يرجع بجميع ثمنه، بل بالإباق يضمنه البائع المدلس. وقول عبد الباقي ممثلا للسماوي عند قول المص: كموته في إباقه: بأن اقتحم نهرا أو تردى أو دخل جحرا فنهشته حية فمات، فيه نظرٌ، بل هو من الهلاك بعيب التدليس كما في الرهوني، وكذا الحكم لو غاب فلم يدر أمات أم لا؟ كما قال ابن رشد، ومثال ما هلك بعيب التدليس أن يدلس بالجنون فاختنق فمات، أو بحمل فماتت من النفاس، فيرجع المشتري بجميع الثمن لا بالأرش فقط، واحترز بقوله: زمنه، عما لو مات بسماوي في غير حال تلبسه بعيب التدليس فلا يرجع بثمنه بل بأرش القديم فقط، والظاهر أن القول للمشتري أنه هلك بسماوي حال تلبسه بعيب التدليس، لا قول البائع: إن هلاكه قبل إباقه، ومثل الإباق السرقة حيث قطع فمات، فإن لم يمت رده ولا شيء عليه، فإن لم يدلس البائع رده وما نقصه القطع، وإن لم يقطع خير المبتاع بين أن يسلمه للمسروق منه ويرجع بالأرش أو يفديه ويرده على البائع إن لم يدلس، فإن دلس رده بجميع الثمن، وكانت معاملة المسروق
стр. 5559
منه في تلك الجناية مع البائع يفتدي منه أو يسلمه، هذا إن سرق من غير المبتاع، فإن سرق من المبتاع ولم يدلس البائع ورده المبتاع فهو في ذمته، وإن دلس فإن سرق من موضع أذن له فيه ففي ذمته أيضا، ومن غيره ففي رقبته. قاله الحطاب. قاله عبد الباقي. وقوله: إلا أن يهلك بعيب التدليس مكرر مع قوله: كهلاكه من التدليس؛ ذكره هناك جمعا للنظائر، ومحله هنا. واللَّه سبحانه أعلم.
تنبيه: قال الحطاب: قال ابن يونس: قال ابن المواز: قال ابن القاسم عن مالك: وإذا دلس بالإباق فأبق العبد فقام المبتاع بذلك فقال البائع: لم يأبق منك ولكن غيبته أو بعته، لم يقبل قول البائع ولم يكن على المشتري أكثر من يمينه ما غيب ولا باع ولقد أبق منه ثم يأخذ ثمنه، وليس عليه أن يقيم بينة أنه أبق منه. انتهى. وقال الحطاب قبل هذا: وإذا أبق العبد يعني المدلَّسَ في إباقه ضمنه البائع عرف هلاكه أم لا، وهو بيِّن في الأمهات، وقوله: إلا أن يهلك بعيب التدليس لخ، قال الحطاب عن مالك رضي اللَّه تعالى عنه: هذا بعد أن يقيم المبتاع البينة أن العيب قديم وأن البائع باع بعد علمه به، ولا شيء على المبتاع فيما حدث من سبب عيب التدليس. انتهى. وبهذا يتضح لك ما استظهره عبد الباقي من قوله: والظاهر أن القول للمشتري أنه هلك بسماوي حال تلبسه بعيب التدليس، لا قول البائع: أن هلاكه قبل إباقه. انتهى. بل لو جزم بذلك لكان ظاهرا، وقال الشيخ أبو علي: إذا قطعت يد العبد بسبب عيب التدليس كما لو دلس بالسرقة فسرق فقطعت يده فلا إشكال في كونه إذا رد أنه لا يرد لنقص اليد، وهل له أن يتمسك بالعبد مقطوعا ويأخذ أرش القديم بلا خلاف أو يجري على القطع المعتاد في الثياب إذا دلس بائعها؟ لم أر في ذلك نصا صريحا. انتهى. وقوله: أو بسماوي زمنه، هو المشهور، ابن حبيب: وبه قال جميع الأصحاب، وقال ابن دينار: يرجع بالأرش خاصة بخلاف ما إذا هلك بسبب الإباق، كما لو اقتحم نهرا فمات، أو تردى فمات، أو دخل إلى موضع فنهشته حية فمات، قاله الشارح؛ ولما ذكر هلاكه عند المشتري بعيب التدليس ذكر ما إذا هلك عند غير المشتري منه بذلك، فقال:
стр. 5560
وإن باعه، أي الشيء المعيب المشتري، قبل اطلاعه على العيب؛ وهلك عند المشتري منه بعيبه، أي التدليس، أي هلك بالعيب الذي دلس به البائع الأول، رجع المشتري الثاني على البائع الأول المدلس إن لم يمكن رجوعه على بائعه، أي الشيء المعيب الذي دلس فيه البائع الأول، وقوله: على بائعه، المراد به المشتري الأول، وقوله: إن لم يمكن لخ، بأن أعدم المشتري الأول أو غاب غيبة بعيدة ولا مال له. بجميع الثمن، متعلق برجع، وإيضاح كلامه: أن المشتري من المدلس إذا باع الشيء المعيب قبل الاطلاع على العيب، وهلك عند المشتري الثاني بسبب ذلك العيب، فإن المشتري الثاني يرجع على المدلس حيث لم يمكنه الرجوع على المشتري الأول بجميع الثمن الذي أخذه المدلس من المشتري الأول.
فإن كان الثمن الذي أخذه المدلس قدر الثمن الذي خرج من يد المشتري الثاني فالأمر واضح، وإن زاد الثمن الذي أخذه المدلس وهو الثمن الأول على الثمن الثاني أي الثمن الذي خرج من يد المشتري الثاني فللمشتري الثاني منه قدر ثمنه، وأما الزائد على قدر ثمنه فهو للبائع الثاني الذي هو المشتري الأول، وقوله: بجميع الثمن، هو نص المازري وابن شأس، واستبعده المص من جهة أنه ليس بوكيل للثاني على الزيادة، وقد يبرئه منها؛ قال: ومن حجة المدلس أن يقول للثالث: معاملتي لم تكن معك ولولا الثمن الذي خرج من يدك لم يكن لك مقال، فلا يكون لك غيره؛ وفي كتاب محمد عن مالك من رواية أصبغ: وقاله سحنون وغيره فإن كان الثمن الذي أخذه من المدلس مثل ما خرج من يده فلا كلام، وإن كان أكثر منه أخذ الثالث منه مقدار ثمنه، وأخذ الثاني بقيته. قاله الشارح. وقال المواق: التونسي: إذا كان الأول دلس بالإباق ثم باعه المشتري ولم يعلم فأبق عند الآخر فذهب، فقال ابن القاسم: يؤخذ الثمن كله من الأول فيدفع للآخر ثمنه، فإن فضل كان للمشتري الأول. انتهى. ومفهوم قوله: إن لم يمكن رجوعه على بائعه أنه إن أمكن رجوعه عليه لم يرجع على المدلس بشيء، وإنما يرجع بالأرش ابتداء فقط على بائعه ثم يرجع على المدلس بالأقل من الأرش وكمال الثمن الأول. قاله أحمد. وقال الطخيخي وتبعه بعض الشراح: يرجع على المدلس بجميع الثمن. وهذا الثاني هو قول ابن القاسم في سماع أصبغ، وهو الذي صرح به ابن عبد السلام، والأول نقله في البيان عن ابن المواز. قوله: بالأقل من الأرش
стр. 5561
وكمال الثمن الأول، مثالُ ما يكون فيه الأرش أقل: ما لو باعه المدلس باثني عشر وباعه المشتري الأول بعشرة، والعيب الذي هلك بسببه ينقصه الخمس، وأمكن رجوع المشتري الثاني على المشتري الأول، فيأخذ المشتري الثاني من المشتري الأول اثنين، يبقى بيده أي المشتري الأول ثمانية، وقد خرج من يده اثنا عشر، فكمال ثمنه الأول أربعة، فيرجع على المدلس باثنين وهي الأرش، لأنه أقل من أربعةٍ كَمالِ الثمن الأول؛ ومثالُ ما يكون فيه كمال الثمن الأول أقل: ما لو باعه المدلس بعشرة وباعه المشتري الأول باثني عشر، وهلك المبيع بعيب التدليس بيد المشتري الثاني، والعيب ينقصه الربع، فيرجع المشتري الثاني على بائعه الذي لم يدلس وهو المشتري الأول، بربع ثمنه وهو ثلاثة ربع اثني عشر أقل منها كمال ثمنه الذي خرج من يده وهو عشرة، وقد بقي بيده تسعة، فكمال عشرته واحد وهو أقل من الأرش، لأن الأرش ثلاثة، فيرجع بواحد، لأن من حجة المدلس أن يقول: إن كان الأرش أقل لم ينقص عليك بتدليسي سوى ما دفعته من الأرش، وإن كان الثمن أقل فلا رجوع لك عليَّ إذا هلك بيدك إلا ما دفعته لي؛ ووجه قول ابن القاسم ظاهر، لأن من حجته أي المشتري الأول أن يقول للمدلس: يد المشتري كيدي وهو لو هلك بيدي رجعت عليك بجميع الثمن، فإذا أخذه منه كمل منه للثالث بقية رأس ماله. واعلم أن أقسام ما إذا لم يمكن رجوعه على المشتري الأول ثلاثة، أحدها: أن يساوي الثمن الأول الثاني وسكت عنه لوضوحه. الثاني: أن يزيد الثمن الأول على الثاني، وهو قوله: فإن زاد فللثاني. الثالث: أشار إليه بقوله:
وإن نقص الثمن الأول الذي أخذه المدلس عن ثمن المشتري الثاني الذي دفع للمشتري الأول، فهل يكمله أي الثمن الذي دفعه المدلس للمشتري الثاني البائع الثاني الذي هو المشتري الأول له، أي للمشتري الثاني لأنه قبض منه الزائد فيرجع عليه به؟ أو لا يكمله لأنه رضي باتباع الأول فلا رجوع له على الثاني؛ وإيضاح كلام المص أنه اختلف إذا كان الثمن الذي أخذه الثالث من المدلس أقل مما خرج من يده، فحكى المازري وابن شأس: أن الثاني يكمله له؛ وحكى ابن يونس: أنه ليس له غيره، ولا يرجع بتمامه على بائعه أي المشتري الثاني الذي لم يدلس إلا أن
стр. 5562
يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثمن فيرجع على بائعه بتمامه. قاله الشارح. وقال عبد الباقي: وقيد الثاني في توضيحه بأن لا يكون الثمن الأول أقل من قيمة العيب من الثمن الثاني، فإن كان أقل رجع على بائعه بتمام قيمة عيبه، كما لو باعه الثاني بمائة، وكان قد اشتراه بعشرة، والعيب ينقصه الخُمُسَ وخُمُسُ المائة عشرون، فيكمل الثاني للثالث أرش العيب بعشرة. وقوله: قولان، مبتدأ حذف خبره، أي في ذلك قولان. قال عبد الباقي: فإن قيل على القول الثاني: إنما رضي لضرورة أنه لم يمكنه الرجوع على الثاني، فالجواب: أنه كان يمكنه أن يصبر حتى يحضر الثاني، فلما لم يصبر لم يكن له رجوع عليه. قاله أحمد. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال الشيخ أبو علي: قول المتن يشمل قول اللخمي: إن ذهب يسرق فسقط من موضع فهلك في ذهابه أو في رجوعه كان من بائعه. انتهى. وقوله: إلا أن يهلك بسماوي لخ، مثله إذا أبق ولم تظهر حياته ولا موته ويطلب الآبقَ بائعُه لا مشتريه، كما في ابن رشد وأبي الحسن وغيرهما، ولابد من مراعاة قوله: وما يدل على الرضا، في مسألة هلاكه بعيب التدليس وغيرها، فمن باع أمة حاملا ودلس بحملها فماتت من الحمل على أربعة أقسام أحدها: أن تموت قبل علمه بالحمل. الثاني: أن يعلم ويبادر في الطلب فلم يصل إليه أو إلى السلطان حتى ماتت، ففي هذين الوجهين هي من البائع ولا يمين على المبتاع. الثالث: أن يمضي بعد علمه ما يعد فيه راضيا، ففي هذا الوجه هي من المبتاع، وهو الذي قال فيه أشهب: لا يرجع بشيء. الرابع: أن يمضي بعد علمه وقت في مثله ترد ولكنه لا يعد فيه راضيا لقربه، فهنا هي من البائع، ويستظهر على المبتاع باليمين، وهنا ذكر أبو الحسن أن المشيخة السبعة يقولون: يرجع بجميع الثمن في التدليس بالحمل إن ماتت من النفاس، وبه تعلم أن ما يدل على الرضى لا فرق فيه بين تدليس وغيره. الثاني: قد مر اعتراض المص على المازري في رجوع المشتري ممن اشترى من المدلس بجميع الثمن على المدلس حيث لم يمكنه الرجوع على المشتري من المدلس، وهو أي الاعتراض المذكور مبني على أن المازري يقول: إن الثالث إذا اشترى بثمانين وكان الأول المدلس باع بمائة مثلا، فإن الثالث يأخذ من الأول المائة كلها؛ ولم يصرح بذلك المازري، وإنما قال: رجع الثالث على الأول بجميع الثمن، إلا أن يزيد على ما دفع الثالث للثاني فيكون له، أو ينقص عنه
стр. 5563
فيكمله الثاني. انتهى. فليس في كلامه ما يوجب هذا الإلزام الذي ألزموه، وقد نبه على هذا أبو علي ونصه: والباء في بجميع بمعنى في، أي رجع في جميعه، وبه يسقط اعتراض المص على المازري وابن شأس، فذكر ما قدمناه عن المازري، وقال عقبه: وهذا لا صراحة فيه أنه يرجع بجميع الثمن دائما بدليل الاستثناء، وذلك صحيح لا غبار عليه، وأنه إنما يرجع بجميعه إن تساوى مع ثمنه. قاله الرهوني. ثم قال: فتحصَّل من هذا: أن ما عند المص هو قول ابن القاسم، وأنه المشهور والراجح، وأنه لا إشكال فيه، بل وجهه بيِّن واضح. واللَّه أعلم. انتهى.
ولم يحلف مشتر ادعيت رؤيته إلا بدعوى الإراءة، قال الشارح: يعني أن من اشترى سلعة ثم اطلع فيها على عيب قديم فأراد ردها، فقال البائع: أنت قد رأيت العيب فاحلف أنك لم تره، لم يلزمه ذلك، إلا أن يدعي البائع أنه أراه إياه، فإنه يحلف حينئذ. انتهى ببعض إيضاح. وقال المواق: من المدونة قال مالك: لو قال البائع: احلف أنك لم تر العيب حين اشتريت، لم يلزمه يمين إلا أن يكون للبائع بينة أنه قد رءاه فيلزمه العيب، أو يدعي أنه أراه إياه فليحلفه وإلا فلا. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يحلف بضم أوله وتشديد ثالثه مفتوحا كثانيه، وبفتح أوله وسكون الحاء وكسر اللام، أي لم يقض الشرع بتحليف مشتر ادعيت رؤيته للعيب عند البيع، بل يرد من غير حلف، إلا أن يحقق عليه البائع رؤيته بدعوى الإراءة. انتهى المراد منه. وقال الخرشي: قوله: إلا بدعوى الإراءة، هذا في العيب الخفي والظاهر الذي يخفى عند التقليب على من لم يتأمل ولا يخفى غالبا على من تأمل، ككونه أعمى وهو قائم العينين، أما الظاهر الذي لا يخفى غالبا على من اختبر المبيع تقليبا ككون العبد مقعدا أو مطموس العينين فلا قيام له به؛ وفرق هنا بين تحقق الدعوى وعدم تحققها، فالحلف حيث حقق لا إن لم يحقق. انتهى المراد منه. وقال بناني عن ابن عرفة: العيب الظاهر الذي لا يخفى غالبا على كل من اختبر البيع تقليبا ككون العبد مقعدا أو مطموس العينين لا قيام به اتفاقا، وما يخفى عند التقليب على من لم يتأمل ولا يخفى غالبا على من تأمل ككونه أعمى وهو قائم العينين يقام به اتفاقا. انتهى. وقوله: إلا بدعوى الإراءة، اعلم أنه يحلف في ثلاث مسائل: يحلف في دعوى الإراءة، وحيث كان العيب
стр. 5564
ظاهرا لا يخفى ولو على من لم يتأمل، وحيث كان خفيا وأشهد على نفسه أنه قلب وعاين ورضي، ولا يكون إشهاده على نفسه بما ذكر في الخفي مانعا من الرد مع اليمين، أي له ذلك كما قال ابن أبي زمنين، فإن لم يحلف فلا رد له في الثلاثة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وتقدم عن البناني: أن الظاهر الذي لا يخفى على من اختبر المبيع تقليبا لا قيام به. وتحصَّل مما مر أن محل قوله: ولم يحلف، في الخفي حيث لم يشهد على نفسه أنه قلب وعاين ورضي، وفي الظاهر الذي يبدو للمتأمل إن لم يشهد أنه قلب وعاين. ولا الرضى به إلا بدعوى مخبر، يعني أن المشتري لا تلزمه اليمين إذا ادعى عليه البائع الرضى بالعيب حين اطلع عليه إلا أن يحقق البائع عليه الدعوى، بأن يقول: أخبرني مخبر أنك رضيت به، أو تسوقت بالسلعة بعد اطلاعك على عيبها، فحينئذ يحلف المشتري أنه ما رضي بالعيب، بعد أن يحلف البائع لقد أخبرني مخبر أنك رضيت به، كما قال ابن أبي زمنين، زاد عن بعض شيوخه: ويزيد البائع في يمينه: لقد أخبرني مخبر صدق أنك رضيت به، ولو قال البائع: أخبرني فلان سقطت عن البائع اليمين، ولو كان المخبر مسخوطا. وقوله: بعد أن يحلف البائع فلو نكل البائع فلا يمين له على المشتري، فلو حلف البائع ثم نكل المشتري لحلف البائع. لأن هذه يمين غير الأولى. قاله الخرشي في كبيره. وقال عبد الباقي: ولا يحلف إن ادعي عليه الرضى به حين اطلع عليه، وكلا الصورتين الدعوى بعد العقد، لكن الأولى ادعى أنه رءاه حين العقد، وهذه ادعى أنه رآه بعده ولكن رضي به، فلا يقال: أحدهما يغني عن الآخر إلا إن حقق عليه ذلك بدعوى مخبر، أي بدعوى البائع أن مخبرا ولم يسمه أخبره برضا المشتري بالعيب حين اطلاعه عليه فيحلف، كما في المدونة وهو المعتمد، وقال ابن أبي زمنين: يحلف البائع قبل المشتري ثم يحلف أنه ما رضي ويرد، فإن سماه وكان أهلا للشهادة وصدق البائع في أن المشتري أخبره بالرضى حلف البائع ولا رد للمشتري، فإن كذب البائع أو رد اليمين على المشتري حلف على عدم الرضى ورد، وإن كان المخبر مسخوطا حلف المشتري فقط أيضا ورد. انتهى. قوله: فإن سماه وكان أهلا لخ، يعني أن المخبر يسئل فإن صدق البائع وكان أهلا للشهادة وقام بها البائع حلف معه البائع لأنه شاهد وسقط الرد عليه، وإن كان مسخوطا أو أهلا ولم يقم البائع بشهادته حلف المشتري أنه ما رضي
стр. 5565
وَرَد، وإنما وجبت عليه وإن كان الخبر مسخوطا لأن تصديقه مما يرجح دعوى البائع في الجملة، فإن كذب المخبر البائع فالظاهر أنه لا يمين على المشتري أنه ما رضي، سواء كان المخبر عدلا أو مسخوطا، هذا هو الذي نقل عن الشيخ المسناوي، خلاف ما ذكره عبد الباقي من اليمين؛ فتأمله. ثم هذا التفصيل كله خلاف ما عزاه ابن عرفة للمدونة والواضحة، ونصه: قلت: ففي حلفه أي المشتري بقول البائع: أخبرت برضاك بالعيب مطلقا، ثالثها: إن عين المخبر ولو كان مسخوطا أو حلف أن مخبرا أخبره بذلك، ورابعها: هذا بزيادة مخبر صدق، وخامسها: لا يحلف إلا بتعيين مخبر مستور، الأول للمدونة مع الواضحة، والثاني لأشهب، والثالث لابن أبي زمنين مع ابن القاسم، والرابع لبعض الشيوخ، والخامس للخمي. انتهى. فالتفصيل المذكور لابن أبي زمنين مع ابن القاسم وهو مقابل لمذهب المدونة كما رأيت. انتهى.
ولا بائع أنه لم يأبق لإباقه بالقُرْب، يعني أن من اشترى عبدا فأبق بقرب البيع فقال للبائع: أخشى أنه لم يأبق بقرب البيع إلا وقد كان أبق عندك، فاحلف أنه لم يأبق عندك فإنه لا يمين على البائع أنه لم يأبق عنده، وهو محمول على السلامة حتى تقوم بينة أنه أبق عند البائع. انتهى من الخرشي بإيضاح. وفي الشارح عن اللخمي: إن قال: يمكن أن يكون سرق عندك أو أبق، ولم يحصل ذلك عند المشتري، أو قال: أخبرت أنه سرق عندك أو أبق، أو يقول: سرق عندي أو أبق فاحلِفْ أنه لم يكن مثل ذلك عندك، أو يعلم أنه سرق عند المشتري أو أبق، فيقول: احْلِفْ أنه لم يكن مثل ذلك عندك، أو يقول: علمت أنه أحدث مثل ذلك عندك فعليه اليمين في هذا القسم، لأنه اجتمع فيه الوجهان ثبوت السرقة والإباق، ودعوى العلم أنه فعل مثل ذلك عند البائع، ولا يمين في القسم الأول، ولا خلاف في هذين واختلف فيما سوى ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: ومن ابتاع عبدا فأبق عنده لا يحلف بائع أنه -بفتح الهمزة وكسرها- لم يأبق بفتح الموحدة وكسرها، عنده أي البائع لإباقه عند المشتري بالقرب، لأنه لو مكن من تحليف البائع لأحلفه كل يوم على ما شاء من عيب يسميه أنه لم يبعه وهو به. قاله في المدونة. وظاهرها سواء اتهمه بأنه أبق عنده أو حقق عليه الدعوى بأن قال: إن مخبر صدق أخبرني بإباقه عندك؛
стр. 5566
وهو ظاهر ما لأبي الحسن؛ وقال اللخمي، وصححه في الشامل: يحلف البائع في هذه الثانية، وينبغي جري تعيينه هنا وعدمه كالتي تقدمت قريبا، والآبق يطلقه الفقهاء على من هرب لسبب أو غيره، وأشار إلى حكم ما إذا أقر البائع ببعض العيب وكتم بعضه، بقوله:
وهل يفرق بين أكثر العيب فيرجع بالزائد، يعني أن المشتري للمعيب إذا أقر له البائع ببعض العيب وكتم عنه بعضه، وهلك المعيب بسبب العيب، أو بسماوي زمنه، فإنه اختلف في حكم ذلك: فقيل: إذا بين أكثر العيب يرجع المشتري على البائع بالزائد الذي كتمه البائع أي بأرشه، وأما إن بين الأقل وكتم الأكثر فإنه يرجع بجميع الثمن، لأنه لما بين الأقل فكأنه لم يبين شيئا، إذ الأقل تبع. ولهذا قال:
وأقله بالجميع أي إذا بين الأقل رجع بالجميع، أي جميع الثمن، مثال ذلك: ما لو قال له: يأبق خمسة عشر يوما وكان أبق عشرين يوما، فيقال: ما قيمته على أنه يأبق خمسة عشر؟ فإن قيل: عشرة، قيل: وما قيمته على أنه يأبق خمسة أيام زيادة على الخمسة عشر فإن قيل: ثمانية: رجع بخمس الثمن قل أو كثر، وإذا كان يأبق عشرين يوما، وقال له: يأبق خمسة أيام، يرجع بجميع الثمن؛ وعلى هذا القول لا فرق بين هلاك العبد فيما بَيَّنَ وفيما لم يبينه، والمسافة كالزمن على هذا القول؛ قال عبد الباقي: وانظر إذا بين النصف على هذا القول ما الحكم؟ وينبغي الرجوع بالزائد. انتهى. واستظهره غير واحد؛ وقال الشيخ أبو علي: والأولى أن صاحب هذا القول لم يتكلم على النصف فيرجع فيه للقولين المقابلين. انتهى. قال مقيده: وما قاله حسن جدا.
أو بالزائد مطلقا، يعني أنه قيل: إن الحكم ليس كذلك، بل الحكم أنه يرجع بالزائد مطلقا بَيَّن الأكثر أو الأقل أو النصف، هلك فيما بيَّنه أو في غيره، وطريق معرفة ذلك أن يقوم بالعيب الذي بيَّنه له، فيقال: قيمته عشرة مثلا، ويقال: قيمته باعتبار ما بينه وما كتمه ستة مثلا، فيرجح بمناب الزائد على ما بينه من الثمن وهو خُمُسان في المثال المذكور. أو بيَّن هلاكه فيما بينه أو لا، يعني أنه قيل: إن الحكم في هذه المسألة غير ما مر من القولين، وإنما الحكم فيها أن ينظر إلى الزمن الذي هلك فيه العبد، فإن هلك في الزمن الذي بين أنه يأبقه فإنه يرجع بالأرش أي بالزائد
стр. 5567
أي بمناب الزائد على ما بينه من الثمن، وإن هلك في الزمن الزائد على ما بينه فإنه يرجع بجميع الثمن، فلو كان يأبق عشرين وقال: يأبق عشرة مثلا، وهلك قبل انقضاء العشرة من إباقه فإنه يرجع بما نقصه الزائد، وهو العشرة التي كتمها، فإن نقصه ذلك النصف رجع بنصف الثمن قل أو كثر، وإن هلك في الزائد على العشرة أي هلك بعد أن انقضت العشرة فإنه يرجع بجميع الثمن، فقوله: أو لا أي أو لا يهلك فيما بيَّنه، بل هلك فيما لم يبينه. وقوله:
أقوال، مبتدأ حذف خبره أي في ذلك أقوال، أما القول الأول والثاني فلم يعزهما ابن يونس، وأما القول الثالث فهو لأبي بكر بن عبد الرحمن. قال عبد الباقي: وانظر لو ادعى البائع أنه هلك فيما بينه وادعى المبتاع أنه هلك فيما لم يبينه، والظاهر العمل بقول المشتري. وقوله: أو لا، أو بمعنى الواو، لأن البينية لا تكون إلا بين شيئين، لأن العطف على هلاكه. واعلم أن الأقوال الثلاثة فيما إذا بين البعض وكتم البعض، فبعضها نظر للأقل والأكثر، وبعضها نظرٌ لهلاكه فيما بين وفيما لم يبينه، وبعضها لم ينظر إلى شيء من ذلك بل جعل الحكم فيما إذا بين البعض وكتم البعض كالحكم فيما إذا لم يعلم بالعيب.
ورد بعض المبيع بحصته، يعني أن المشتري إذا اطلع على عيب قديم في بعض المبيع المقوم المعين المتعدد وليس وجه الصفة فإنه يجوز له أن يرد البعض المعيب، وإذا رده فإنه يرجع بحصته أي بحظه أي بمنابه من الثمن الذي خرج من يده، والباء في بحصته باء العوض، أي يرد البعض المعيب ويأخذ عوضه مقابله من الثمن. واللَّه سبحانه أعلم. وقوله: ورد بعض المبيع، أي فليس له رد الجميع إلا برضا البائع، كما أن البائع ليس له أن يقول: إما أن تأخذ الجميع أو ترد الجميع. قاله ابن يونس. قال ابن عرفة: وهو ظاهر المدونة. نقله بناني. وقوله: ورد بعض المبيع بحصته، أي وله التماسك بالجميع؛ قال عبد الباقي مفسرا للمص: وإن اطلع المشتري بعد البيع على عيب ببعض مبيع رد بعض المبيع المعين المتعدد غير المثلي إذا بيع صفقة واحدة، لأن الشائع والمثلي سيأتيان بحصته من الثمن، ولزمه التمسك بالباقي، فإذا ابتاع عشرة أثواب بعشرة، ثم اطلع على العيب بواحد منها، فإنها تقوم كلها على سبيل الانفراد. انتهى. فإذا
стр. 5568
قومت وساوت عشرة فإنها تقوم ثانيا دون المعيب، فإن ساوت ثمانية فحصة المعيب خمس الثمن فيرجع به. قاله بناني. وقال الخرشي مفسرا للمص: يعني أن المشتري إذا اطلع على عيب في بعض المبيع المقوم المعين وليس المعيب وجه الصفقة جاز أن يرده بما ينوبه بعد تقويم السلع منفردة وضم بعضها إلى بعض، فإن كان النصف فأقل فإنه يرده بحصته من الثمن، كما إذا اشترى عشرة أثواب بمائة وقيمة كل ثوب عشرة والمبيع ثوب واحدٌ أو اثنان إلى خمسة، فيجب التماسك بالخمسة السليمة بنصف الثمن، ويرد المعيب بحصته: فإن كان ثوبا رجع بعشر الثمن وهو عشرة، أو ثوبين رجع بخُمُسه وهو عشرون، أو خمسة أثواب رجع بنصف الثمن وهو خمسون، فإن كان المعيب وجه الصفقة بأن كان ينوبه أكثر من النصف فيتعين رد الجميع، ولا يجوز التمسك بالأقل كما يأتي. انتهى. وهذا الرجوع بنفس ما ينوب المعيب من الثمن إنما هو حيث كان الثمن عينا أو مثليا، فإن كان سلعة فهو قوله:
ورجع بالقيمة إن كان الثمن سلعة. صورتها: أن يبيع عشرة أثواب معينة بدار مثلا تساوي مائة يوم البيع، وقيمة كل ثوب عشرة، فوجد عيبا قديما بواحد منها أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فيرجع بقيمة عشرها إن كان المعيب واحدا وهو عشرة، أو خمسها وهو عشرون إن كان العيب باثنين: أو بثلاثين إن كان المعيب ثلاثة، أو أربعين إن كان المعيب أربعة أثواب، أو خمسين إن كان المعيب خمسة؛ ولا يرجع بما يقابل ذلك من الدار فيكون شريكا لضرر الشركة، فلو كان المعيب منها ستة نقضت الصفقة كلها كما يأتي، وقوله: ورجع بالقيمة لخ، هو قول ابن القاسم في المدونة وهو المشهور، ومقابله لأشهب: يرجع شريكا في الدار، فإن كان العيب بثوب واحد في هذا المثال فيكون له من الدار عشرها على هذا القول المقابل للمشهور، وباثنين فله خمسها، وعلى هذا فقس. وقال عبد الباقي عن التتائي: كستة كتب بدار ثم اطلع على عيب بأحدها ورد، فإنه يرجع بنسبته من قيمة الدار لا بجُزْءٍ من الدار على الأصح، خلافا لأشهب، والتقويم يوم البيع لا يوم الحكم.
إلا أن يكون الأكثر، مستثنى من قوله: ورد بعض المبيع لخ، يعني أن ما تقدم من رد المعيب بحصته من نفس الثمن إن كان الثمن عينا والرجوع بالقيمة إن كان الثمن سلعة، محله حيث كان
стр. 5569
المعيب النصف فأقل، وأما إن كان المعيب أكثر من النصف ولو بيسير فليس له إلا رد الجميع أو التمسك بالجميع صحيحا ومعيبا في الوجهين. قاله أبو علي. وله التمسك بالسليم فقط بجميع الثمن كما قاله غير واحد. وليس للمشتري التمسك بالسليم ورد المعيب مع الرجوع ولو تراضيا على ذلك لما فيه من الجهل. قال غير واحد: ومحل منع التمسك بالأقل حيث كان المبيع كله قائما، أما إن كان هلك ووجد الباقي معيبا فإن كان الثمن عينا أو عرضا قد فات فإنه يرد المعيب بحصته، ويتماسك بالسليم بحصته، كان المعيب وجه الصفقة أو دونه. قال عبد الحق في النكت: اعلم أنه إذا اشترى عبدين فهلك أحدهما وألفى الآخر معيبا يرد المعيب ويرجع بما يخصه، كان المعيب وجه الصفقة أم لا إذا كان الثمن عينا أو عرضا قد فات، فإن كان عرضا لم يفت فهاهنا يفترق وجه الصفقة من غيره، فإن كان المعيب وجه الصفقة رده وقيمة الهالك ورجع في عين عرضه، وإن كان المعيب ليس بوجه الصفقة رجع بحصته من قيمة العرض لا في عينه لضرر الشركة، هذا مذهب ابن القاسم؛ وإنما لم يفترق وجه الصفقة من غيره إذا كان الثمن عينا لأنه إذا كلف أن يرد قيمة الهالك إذا كان العيب بوجه الصفقة رد قيمة ذلك عينا ورجع في عين، فلا فائدة في ذلك، فأما إذا كان عرضا يعني لم يفت فكلف غرم قيمة التالف غرم ثمنا ورجع في عرض فهذا مفترق، وإذا كان عرضا قد فات صار كالعين لأنه يرجع إلى قيمة وهي ثمن. انتهى. ونقل ابن عرفة في ذلك خلافا، وعزا هذا لعبد الحق عن المذهب، وللخمي عن ابن القاسم، ثم نقل قولا ثانيا: بأنه يرد القيمة ويأخذ الثمن مطلقا، وعزاه لنقل المازري، وقولا ثالثا: بأنه يرد القيمة إن لم تكن أكثر من منابه من الثمن وعزاه للخمي. واللَّه أعلم. قاله الحطاب. وقال بناني: وإذا رُدَّ أعْلى المبيع وفات أدناه وعِوَضُه عَينٌ أو غير مثلي قد فات ففي مضي الأدنى بما نابه من الثمن ورد قيمته لأخذ كل الثمن مطلقا، ثالثها: إن لم تكن أكثر من منابه من الثمن. انتهى المراد منه. وقال الحطاب: قال في المدونة: فإن اختلفا في قيمة الهالك من العبدين وصفاه وقومت تلك الصفقة، فإن اختلفا في الصفة فالقول قول البائع مع يمينه انتقد أو لم ينتقد، وبه أخذ محمد. انتهى وقال أبو علي: فإن اختلفا في قيمة الهالك فقال المبتاع: قيمته الثلث، وقال البائع:
стр. 5570
الثلثان، قيل لهما: صِفَا الميت، فإن تصادقا في صفته دعي لتقويم تلك الصفة أهل المعرفة فقوموها، فإن اختلفا في الصفة كان القول قول البائع إن انتقد مع يمينه لأنه غارم الآن، وإن لم ينتقد فالقول قول المبتاع مع يمينه لأنه غارم. ابن المواز: وقال أشهب وأصبغ: القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد، وبه أخذ محمد انتهى.
أو أحد مزدوجين، عطف على قوله: الأكثر، يعني أن بعض المبيع إذا ظهر به عيب وكان أحد مزدوجين فإنه أي المشتري إما أن يردهما جميعا أو يتمسك بهما جميعا بجميع الثمن، ولا فرق بين أن يكون المعيب وجه الصفقة وأن لا يكون وجهها، قال الخرشي: والمراد بهما أي بالمزدوجين ما لا يستغنى بأحدهما عن الآخر حقيقة كالخفين والنعلين والمصراعين، أو حكما كالقرطين والسوارين، لأنه لا يستغنى بأحدهما عن الآخر عادة، أي أنه إذا كان المعيب أحد مزدوجين فليس له رد المعيب بحصته من الثمن والتماسك بالسليم ولو تراضيا على ذلك، لما في ذلك من الفساد الذي منع منه الشرع. انتهى. وقاله عبدُ الباقي وأصلُه للأجهوري، قال بناني عن مصطفى: وهو غير صحيح، والذي فيه عند التراضي الجواز حسبما ذكروه في باب القسمة إذ لا فساد فيه. انتهى. وهو ظاهر، وسيأتي للزرقاني نفسه في باب القسمة عند قول المص: أو فيه فساد لخ، التصريح بجواز القسمة مراضاة في كخفين قال: لإمكان شراء كل واحد من الشريكين فردة أخرى يكمل بها الانتفاع. انتهى. وقال ابن رشد: كل ما هو زوجان لا ينتفع بأحدهما دون صاحبه كالخفين والنعلين والسوارين والقرطين فوجود العيب بأحدهما كوجوده بهما جميعا. انتهى. قال أبو الحسن: وعلى هذا من استهلك خفا من خفين أو نعلا من نعلين أو ما أشبهه مما لا يفترق يلزمه قيمتهما جميعا، واختلف الشيوخ فيمن استهلك سفرا من ديوان من سفرين يرد السالم وما نقص، وصورة ذلك أن يقال: ما قيمة الديوان كاملا؟ فإذا قيل: عشرون، قيل: ما قيمة السالم؟ فإن قيل: خمسة، رد السالم وخمسة عشر دينارا، وظاهر كلام عبد الوهاب في شرح الرسالة عند ذكر النعلين أنه يضمن قيمة الجميع، وانظر من استهلك عجلا كانت أمه تحلب به، قال الشيوخ: عليه قيمة العجل وما نقص من قيمة الأم، الشيخ: وهذا مثل قول أصبغ فيمن ملخ من شجرة رجل فرعا على وجه الدلالة فغرسه فتشجر: أن عليه قيمة الفرع يوم ملخه وما